شُكر وتقدير

قالت أليس: «شُكرًا لك».

شكرًا للمؤلفين وصُنّاع المحتوى الكثيرين الذين أثّروا في رأيي في البيتكوين والمواضيع المتعلّقة به. وهم كثيرون جدًّا على العدّ، ولكنني سأجتهد في تسميه بعضهم.

أخيرًا وليس آخرًا، شكرًا لكل المخلصين للبيتكوين، والمُقلّين من الزبلات، ولكل المطبّلين والبوتات والنشرة العشوائيين الذين يقطنون هذه الحديقة الغنّاء: تويتر البيتكوين. وأخيرًا شكرًا لكم لقراءتكم هذا الكتاب. أرجو أنّه أمتعكم كما أمتعتني كتابته. لا تتردّد أن تواصلني على تويتر. مراسلتي الخاصة مفتوحة.


خاتمة: دروس تعلّمتها

قال الملك جادًّا: «ابدأ من البداية، ثم أكمل حتى تصل إلى النهاية، ثم قف».

كما أشرت في البداية، أعتقد أن إي إجابة لسؤال ماذا تعلّمتَ من البيتكوين إجابةٌ ناقصة. إن التكافل بين ما يمكن أن نسميه أنظمة حيّة متعددة — البيتكوين والعالم الإنساني التقني والاقتصاد—  متداخل جدًّا، والمواضيع عديدة جدًّا، والأمور تمضي سريعًا جدًّا فلا يمكن أن يحيط بفهمها إنسان واحد.

وحتى من من دون الإحاطة بفهمه، وحتى مع كبواته وإخفاقاته البادية، لا شك أن البيتكوين يعمل. إنه ينتج كتلة كل عشرة دقائق تقريبًا ويفعل هذا على نحو جميل. كلما امتدّ زمن عمل البيتكوين، زاد عدد الناس الذين سيدخلون ويستعملونه.

«حقٌّ أن الأشياء جميلة عندما تعمل. الفنّ عمل».

غيانينا براشي

البيتكوين ابن الإنترنت. إنه ينمو نموًّا أسّيًّا، ويشوّش الخطوط بين المجالات. ليس جليًّا، مثلًا، أين ينتهي عالم التقانة المحضة وأي يبدأ أي عالم آخر. ومع أن البيتكوين يعتمد على أن تعمل الحواسيب بفعالية، فإن علم الحاسوب غير كافٍ لفهمه. البيتكوين ليس عديم الحدود في عملياته الداخلية، بل عو عديم الحدود من ناحية المجالات الأكاديمية التي تتعلق به.

الاقتصاد، السياسة، نظرية الألعاب، تاريخ المال، نظرية الشبكات، المال، التعمية، نظرية المعلومات، الرقابة، القانون، التشريع، التنظيم الإنساني، علم النفس، كل هذه وغيرها مجالات خبرة تساعد في فهم البيتكوين وعمله.

لا يعود فضل نجاح البيتكوين إلى ابتكار واحد. إنما هو تجميع لقطع كانت من قبل غير متصلة، أُلصق بعضها ببعض بدوافع نظرية الألعاب، فنشأت الثورة التي هي البيتكوين. هذا المزج بين هذه المجالات الكثيرة هو الذي يجعل ساتوشي عبقريًّا.

ككل نظام معقد، لم يكن للبيتكوين بد من بعض التنازلات في نواحي الفعالية والكلفة والأمان وغيرها من الخصائص. وكما أنه لا حلَّ مثاليّ لمسألة اشتقاق مربع من دائرة، فكذلك كل حال لمشكلات البيتكوين لن يكون مثاليًّا.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹جيّدًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك حايك

البيتكوين هو الطريقة الملتوية غير المباشرة التي ستعود بالمال الجيد إلى العالم. إنها تفعل ذلك بوضع فرد سيد خلف كل عقدة، كما حاول دافنشي حل مشكلة تربيع الدائرة بوضع رجل فيتروفي في مركزها. تلغي العقد أي مفهوم للمركز، لتنشئ نظامًا منيعًا على الهشاشة مناعةً مذهلة، وصعبًا على الإيقاف صعوبةً شديدة. يعيش البيتكوين، والراجح أن نبض قلبه سيستمر حتى بعد أن نموت نحن.

أرجو أنك استمتعت بهذه الدروس الواحد والعشرين. لعلّ أهم درس هو أن البيتكوين يجب أن يُتظر إليه كلّيًّا، من عدّة زوايا، إذا أراد المرء أن يجمع صورةً قريبة من الكمال. كما أن نزع جزء واحد من نظام معقد يدمر النظام كله، فكذلك اختبار أجزاء من البيتكوين على حدة يفسد فهمه. وإذا أزال إنسان كلمة «بلوكتشين (سلسلة الكتل» من مفردات البيتكوين وأحلّ محلّها «سلسلة من الكتل» سأموت سعيدًا. على كل حال من الأحوال، تستمر رحلتي. أخطّط أن أغامر أكثر في أعماق الجحر هذا، وأدعوك أن تشاركني هذه الرحلة.

الدرس الحادي والعشرون: تشبيهات لمستقبل البيتكوين

أعلم أن شيئًا مهمًّا سيحدث بلا شك…

في آخر عقدين من الزمان، تبيّن أن الابتكار التقني لا يسير مسارًا خطّيًّا. سواء أكنت تؤمن بالمُفردة التكنولوجية أو لا تؤمن، فإنه مما لا إنكار له أن التقدم يسير أُسّيًّا في مجالات كثيرة. ليس هذا وحسب، بل إن معدّل اعتماد التقنيات الجديدة يتسارع، وقبل أن تعلم ستختفي باعة المدرسة المحلية وسيستعمل أولادك السنابشات بدلًا منها. إن من شأن المنحنيات الأسّيّة أن تصفع وجهك قبل أن تلحظ مجيئها.


البيتكوين تقنية أُسّيّة مبنية على تقنيات أسّيّة. يُظهر موقع عالمنا بالبيانات بجمال السرعة المتصاعدة لاعتماد التقانة، بدءًا من 1903 مع ابتكار الخطوط الأرضية. الخطوط الأرضية والكهرباء والحواسيب والإنترنت والهواتف الذكية، كلها تتبع مسارات أسية في أداء السعر والاعتماد. وكذلك البيتكوين.

البيتكوين حرفيًّا فوق كل المخططات.

للبيتكوين آثار شبكة متعددة لا أثر واحد، وكل واحد من هذه الآثار يؤدي إلى نمو أسي في مجاله: السعر، المستخدمون، الأمان، المطورون، الحصة السوقية، واعتماده مالًا عالميًّا.

بعد أن تخطّى طفولته، يمضي البيتكوين لينمو كل يوم في غير مجال واحد. مع العلم أن التكنولوجيا لم تبلغ نضجها بعد. قد تكون لم تزل مراهقة. ولكن، إذا كانت التكنولوجيا أسّيّة، فإن الطريق من الجهالة إلى الشيوع التامّ قصير.

هاتف خلوي، في 1965 والآخر في 2019

في محاضرته في تِد TED عام 2003، اختار جف بيزوس الكهرباء تشبيهًا لمستقبل الإنترنت. هذه الظواهر الثلاثة — الكهرباء والإنترنت والبيتكوين—  هي تقنيّات تمكينية أو ممكّنة، أي إنها شبكات تمكّننا من أشياء أخرى. إنها بنى تحتية يُبنى عليها، فهي أُسُسٌ لأشياء أخرى بطبيعتها.

لقد رافقتنا الكهرباء فترة طويلة الآن. تعوّدناها. الإنترنت أصغر منها، ولكن معظم الناس تعوّدوه كذلك. البيتكوين ابن عشر سنين وقد دخل الوعي العام في موجة الشيوع الأخيرة. لم يتعوّده إلا السبّاقون إليه. مع مرور مزيد من الوقت، يدرك مزيد من الناس أن البيتكوين شيء ببساطة موجود وقائم.

في عام 1994، كان الإنترنت لم يزل محيّرًا وغريبًا غير معتاد. إن مشاهدة هذا التسجيل القديم من توداي شو يظهر كيف أن ما أصبح اليوم طبيعيًّا ومعتادًا لم يكن كذلك عندئذ. البيتكوين لم يزل محيّرًا وغريبًا لمعظم الناس، ولكن كما أصبح الإنترنت طبيعة ثانية لأهل الإنترنت، كذلك سيصبح صرف الساتوشيات وتكديسها طبيعة ثانية لأهل البيتكوين المستقبليين.

«المستقبل هنا، لكنه ليس موزّعًا بالتساوي.»

ويليام غبسون

في عام 1995، كان 15% من البالغين في أمريكا يستعملون الإنترنت. تظهر البيانات التاريخية من مركز بيو البحثي كيف خاط الإنترنت نفسه في حياتنا جميعًا. حسب استطلاع للمستخدمين أجراه كاسبرسكاي لاب، قال 13% من المستجيبين إنهم استعملوا البيتكوين ومستنسَخاته ليشتروا سلعًا في 2018. ولئن كان الدفع ليس الاستخدام الوحيد للبيتكوين، فإنه أمارة واضحة على مكاننا اليوم في زمن الإنترنت: نحن في أوائل التسعينيات وأواسطها.


في عام 1997، قال جف بيزوس في رسالة لأصحاب الأسهم إن «هذا هو اليوم الأول للإنترنت»، وكان يقصد الإمكان الذي لا سقف له للإنترنت، ولشركته بالتالي. ومهما كان ترتيب يومنا هذا في البيتكوين، فإن إمكاناته الضخمة الواسعة التي لا حد لها واضحة للجميع، اللهم إلا المراقب العادي.

الإنترنت في 1982 وفي 2005. المصدر: ميريت نتوورك وبارت ليون من مشروع أوبت، في المشاع الإبداعي.

اتّصلت أول عقدة بيتكوين عام 2009 بعد أن عدّن ساتوشي كتلة التكوين وأطلق برنامجه للناس. لم تدم وحدة عقدته طويلًا. كان هال فيني من السابقين الذين اقتنعوا بالفكرة وانضمّوا إلى الشبكة. بعد عشر سنين، وأنا أكتب هذا الكتاب، تشغّل البيتكوين أكثر من 75,000 عقدة.

إن الطبقة الرئيسة ليست وحدها التي تنمو نموًّا أسّيًّا. شبكة البرق، وهي تقنية طبقة ثانية، تنمو بمعدّل أسرع.

في يناير 2018، كان في شبكة البرق 40 عقدة و60 قناة. في أبريل 2019، نمت الشبكة إلى أكثر من 4000 عقدة و40 ألف قناة. وخلّ في ذهنك أن هذه لم تزل تقنية تجريبية يمكن أن تخسر فيها المال وقد حدث ذلك. ولكن المسار واضح: آلاف الناس لا يبالون وهم مستميتون ليستعملوها.

شبكة البرق, يناير 2018 وديسمبر 2018. المصدر: جيمسن لوب

وعندي، أنا الذي عشت صعود الإنترنت، أن التشابهات بين الإنترنت والبيتكوين واضحة. كلاهما شبكات، وكلاهما تقنيات أسية، وكلاهما يمكّنان إمكانات جديدة وصناعات جديدة وسبل عيش جديدة. كما كانت الكهرباء أفضل تشبيه لفهم مسار الإنترنت، كذلك الإنترنت قد يكن أفضل تشبيه لفهم مسار البيتكوين. أو، بكلمات أندرياس أنطونوبولس، البيتكوين إنترنت المال. هذه التشبيهات تذكّرنا أن التاريخ وإن لم يعد نفسه، فإنّ فيه صدًى من نفسه.

التقنيات الأسية صعبة الفهم وعادةً ما يقلّل منها الناس. فأنا ومع أنني مهتم اهتمامًا كبيرًا بهذه التقنيات، يفاجئني دائمًا معدّل التقدم والابتكار فيها. إن مشاهدة نمو بيئة البيتكوين كمشاهدة صعود الإنترنت بالتشغيل السريع. إنه منعش.

إن مسعاي لفهم البيتكوين قادني إلى طرق في التاريخ بأكثر من طريقة. كان جزءًا من الرحلة فهم البنى الاجتماعية القديمة، والأموال القديمة، وكيف تطورت شبكات التواصل. من الفأس الحجري إلى الهاتف الذكي، لقد غيّرت التكنولوجيا بلا شك عالمنا مرّات عديدة. التقنيات الشبكية خصوصًا لها آثار تغيّر العالم: الكتابة، الطرق، الكهرباء، الإنترنت. كلها غيرت العالم. لقد غير البيتكوين عالمي وسيمضي ليغير عقول وقلوب الذين يجرؤون على استخدامه.

علمني البيتكوين أن فهم الماضي أساسي لفهم المستقبل. المستقبل الذي يبدأ الآن.

الدرس العشرون: المشغّبة التعمويون يكتبون أكوادًا

أرى أنك تحاول اختراع شيء.

ككثير من الأفكار العظيمة، لم يأت البيتكوين من عدم أو فراغ. بل لم يكن ممكنًا إلا بمزج ابتكارات واكتشافات كثيرة في الرياضيات والفيزياء وعلوم الحاسوب ومجالات أخرى. وساتوشي وإن كان عبقريًّا ولا شكّ، فإنه لم يكن له أن يبتكر البيتكوين من دون العظماء الذين كان يقف على أكتافهم.

«إن الذي يرجو ويتمنى لا يتدخل تدخّلًا فاعلًا في مسار الأحداث ولا في تشكيل مصيره نفسه».

لودفيع فون ميسس

من هؤلاء العظماء إريك هيوز، وهو واحد من مؤسسي حركة المشغّبة التعمويين وهو مؤلف بيان مشغّب تعموي. يصعب أن نتخيل أن ساتوشي لم يتأثّر بهذا البيان. يتحدث البيان عن أشياء يتيحها البيتكوين ويستعملها، منها الحوالات المباشرة الخاصة، والمال والنقد الإلكتروني، والأنظمة المبهمة، والدفاع عن الخصوصية بالتعمية والتوقيعات الرقمية.

«إنّ الخصوصية ركنٌ للمجتمع المفتوح في العصر الرقمي. […] ولأننا نحبّ الخصوصيّة، يجب أن نضمن أن كل طرف في معاملة لا يعرف إلا الضروري مباشرة لهذه المعاملة. […]

ومن ثمّ، فإن الخصوصية في المجتمع المفتوح تستوجب أنظمة تعاملات مجهولة الأسماء(anonymous). إلى الآن، النقد هو النظام الوحيد الذي لا يعتمد على الأسماء. إن نظام التعاملات المجهول الاسم ليس نظام تعاملات سرّيًّا.

نحن المشغّبة التعمويّين مكرّسون لبناء أنظمة مجهولة الأسماء. إننا ندافع عن خصوصيتنا بالتعمية، وبأنظمة تسيير البريدات مجهولة الأسماء، وبالتوقيعات الرقمية، وبالمال الإلكتروني.

المشغّبة التعمويّون يكتبون أكوادًا.»

إريك هيوز

لا يرتاح المشغّبة في الآمال والأمنيات. بل ينخرطون انخراطًا فاعلًا غي مسار الأحداث ويشكلون مصير أنفسهم. المشغّبة التعمويّون يكتبون أكوادًا.

لذا، على طريقة المشغّبة التعمويين، قعد ساتوشي وبدأ يكتب كوده. الكود الذي أخذ فكرة مجرّدة وأثبت للعالم أنها تعمل في الواقع. الكود الذي زرع بذرة واقع اقتصادي جديد. بفضل هذا الكود، يستطيع كل الناس أن يعرفوا أن هذا النظام الجديد يعمل، وكل عشرة دقائق تقريبًا يثبت البيتكوين للعالم أنه لم يزل حيًّا.

مقتطفات من كود البيتكوين 0.1.0

ليضمن ساتوشي أن ابتكاره ليس خيالًا بل هو واقع، كتب الكود ليطبق فكرته قبل أن يكتب الورقة البيضاء. وكان يعتني بألّا يؤخّر أي إصدار إلى الأبد. ففي النهاية، «يمكنك دائمًا أن تجد شيئًا تحتاج إلى عمله».

«لقد كتبت الكود كله قبل أن أستطيع إقناع نفسي أنني حللت كل مشكلة، ثم كتبت الورقة».

ساتوشي ناكاموتو

في عالم اليوم الذي فيه آلاف الوعود المشكوك في تنفيذها، كان التنفيذ في بناء مخصوص أمرًا لا بد منه. كن دقيقًا، أقنع نفسك أنك تستطيع حل المشكلات، وطبّق حلولك. يجب أن نسعى جميعًا إلى اكتساب شيء من صفات المشغّبة التعمويين.

علّمني البيتكوين أن المشغّبة التعمويّين يكتبون أكوادًا.

الدرس التاسع عشر: الخصوصية لم تمت

لعب اللاعبون كلّهم معًا ولم ينتظر كل واحد منهم دوره، وتشاجروا بأعلى أصواتهم، وبعد دفائق قليلة غضبت الملكة غضبًا كبيرًا، وجعلت تختم رؤوس الناس وتصرخ «اقطعوا رأسه!» أو «اقطعوا رأسها!» مرة في كل دقيقة تقريبًا.

إذا صدَق النقّاد، فقد ماتت الخصوصية منذ الثمانينيات. يظهر ابتكار البيتكوين مبهَم الاسم وأحداث أخرى في التاريخ أن الأمر ليس كما قالوا. الخصوصية حيّة، ولو أن الهروب من دولة الرقابة ليس أمرًا سهلًا مطلقًا.

“لست دوريان ناكاموتو.”

لقد قطع ساتوشي أشواطًا طويلة ليغطي آثاره ويخفي هويته. وها نحن اليوم بعد عشرة سنوات، ولا نعلم إذا كان ساتوشي ناكاموتو فردًا أم مجموعةً، ذكرًا أم أنثى، أم روبوت ذكار صنعي مسافر بالزمان، أقلع نفسه ليسيطر على العالم. دع نظريات المؤامرة على جنب، لقد اختار ساتوشي أن يجعل نفسه ذكرًا يابانيًّا، لذلك فأنا لا أفترض جنسه بل أحترم اختياره عندما أشير إليه إشارة المذكّر.

مهما كانت هوية ساتوشي الحقيقية، فلقد نجح في إخفائها. ولقد نصَب مثالًا لكل الناس الذين يريدون أن يبقوا مجهولي الاسم على الإنترنت: أن الحفاظ على الخصوصية ممكن.

«التعمية تعمل. إن أنظمة التعمية القوية المطبقة تطبيقًا صحيحًا من الأشياء القليلة التي يمكن الاعتماد عليها.»

إدوارد سنودن

لم يكن ساتوشي أول مخترع مغيَّر الاسم أو مجهوله، ولن يكون الأخير. لقد قلّد بعضهم طريقة نشره مبهمة الاسم، مثل توم إلفس يدوسر الذي أنشأ ممبل ومبل، وقد نشر آخرون أدلة رياضية متقدمة وحافظوا على جهالة أسمائهم.

إننا نعيش في عالم جديد غريب. عالمٌ الهوية فيه اختيارية، والمشاركات فيه لا تُقبل إلا لجدارتها، والناس فيه قادرون على التعاون والتبادل بحرية. لا بد من بعض التغيّر للارتياح إلى هذه النماذج الجديدة، ولكنني أومن إيمانًا قويًّا أن في مقدور هذه النماذج أن تغير العالم إلى الأفضل.

علينا جميعًا أن نتذكر أن الخصوصية حق إنساني أساسي. ما دام الناس يعملون بهذا الحق ويدافعون عنه، فمعركة الخصوصية بعيدة من النهاية.

علمني البيتكوين أن الخصوصية لم تمت.

الدرس الثامن عشر: تحرّك ببطء ولا تكسر الأشياء

أبحر القارب بطيئًا، تحت شعاع النهار الصيفي، بطاقمه المرح وأنغامهم وأصوات ضحكاتهم.

قد تكون العبارة ميتة، ولكنها لم تزل الطريقة التي يعمل بها عالم التكنولوجيا «تحرّك سريعًا وكسّر الأشياء». إن فكرة أنه لا يهم إذا لم تصب في أول أمر هي الركن الأساسي لعقلية أخفق مبكرًا، أخفق كثيرًا. النجاح مقيس بالنمو، فما دمت تنمو فكل شيء تمام. إذا لم يعمل شيء، غيّر فكرتك وأعد. بكلمات أخرى: ارم على الحائط أشياء كثيرة وانظر ماذا يعلق.

البيتكوين مختلف جدًّا. مختلف في تصميمه. مختلف بالضرورة. كما أشار ساتوشي، فإن العملات الرقمية التي جُرّبت كثيرًا من قبله، وكل المحاولات التي سبقته، أخفقت لأن لها رأسًا يمكن أن يُقطع. إبداع البيتكوين أنه وحش من دون رؤوس.

«يرفض كثير من الناس العملات الرقمية من تلقاء أنفسهم ويرونها قضية خاسرة بسبب الشركات التي أخفقت فيها في التسعينيات. أرجو أن يكون ظاهرًا أن الذي أدّى بهذه الأنظمة إلى الهلاك هو طبيعتها المحكومة مركزيًّا.»

ساتوشي ناكاموتو

من نتائج اللامركزية الراديكالية هذه: المقاومة الجوهرية للتغيير. «تحرّك سريعًا وكسّر الأشياء»، هذه العقلية لن تعمل أبدًا في طبقة البيتكوين الأساسية. حتى إذا كانت مرغوبة، فهي غير ممكنة إلا إذا أقنعنا كُل الناس أن يغيّروا مسالكهم. هذا هو الإجماع الموزّع. هذه هي طبيعة البيتكوين.

«إن طبيعة البيتكوين تقتضي أنه إذا أُطلق الإصدار 0.1، ترسَّخ التصميم الجوهري إلى نهاية عمره».

ساتوشي ناكاموتو

هذه واحدة من خصائص البيتكوين المفارقة الكثيرة. لقد اعتقدنا جميعًا أن كل برنامج يمكن تغييره بسهولة. ولكن طبيعة الوحش تجعل تغييره صعبًا صعبًا.

كما يظهر هاسو بجمال في تفريغ العقد الاجتماعي للبيتكوين، إن تغيير القوانين ليس ممكنًا إلا باقتراح التغيير، ثم إقناع كل المستخدمين أن يتبعوه. هذا ما يجعل البيتكوين منيعًا على التغيير، ولو أنه برنامج.

هذه المناعة على التغيير واحدة من أهم خصائص البيتكوين. أنظمة الحواسيب الهامة يجب أن تكون مضادة للهشاشة، وهو ما يضمنه التفاعل بين طبقتي البيتكوين: الاجتماعية والتقنية. الأنظمة المالية عدائية بالطبيعة، ولقد علمنا من آلاف السنين أن الأسس الثابتة لا بد منها في البيئة العدائية.

«فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ.»

إنجيل متّى 7:24–27

يمكننا أن نقول إن البيتكوين في مثَل البنّاء العاقل والجاهل، ليس البيت. إنه الصخر. لا يقبل التغيير ولا الحركة، وينبني عليه نظام مالي جديد.

نحن نعلمُ، ويعلم الجيولوجيون، أن تكوّنات الصخر دائمًا تتحرك وتتطور، لذا يمكن أن يرى المرء أن البيتكوين يتحرّك ويتطور كذلك. كل ما عليك هو أن تعرف أين تنظر وكيف تنظر.

إن إدخال الدفع إلى عنوان سكربت والشهادة المفصولة دليلان على أن قوانين البيتكوين قد تتغير إذا اقتنع عدد كاف من المستخدمين باعتماد التغيير وبفائدته للشبكة. الأخير منهما مكّن من تطوير شبكة البرق، وهي واحدة من البيوت المبنية على أساس البيتكوين الثابت. التحديثات المستقبلية مثل تواقيع شنور ستعزز الفعالية والخصوصية والسكربتات (العقود الذكية) التي لن يُفرَّق بعدئذ بينها وبين الحوالات العادية بفضل تاب روب. البناة العقلاء يبنون على أسس ثابتة.

لم يكن ساتوشي بنّاءً عاقلًا تقنيًّا وحسب. بل كان يعرف أنه من الضروري أن تُتّخذ قرارات حكيمة آيديولوجيًّا.

«إنّ فتح المصدر يعني أن أي أحد يمكنه أن يراجع الكود بنفسه. لو كان مغلقًا، لما استطاع أحد أن يتحقق من أمانه. أعتقد أن مشروعًا من هذا النوع لا بد أن يكون مفتوح المصدر.»

ساتوشي ناكاموتو

الانفتاح عمود من أعمدة الأمان، وركن في حركة البرامج المجانية مفتوحة المصدر. كما أشار ساتوشي، إن البروتوكولات الآمنة والكود الذي يطبّقها لا بد أن تكون مفتوحة، فالأمان لا يكون بالغموض. من الفوائد الأخرى المتعلقة باللامركزية: الكود الذي يمكن أن يشغَّل ويدرَس وينسَخ ويوزَّع مجّانًا يضمن انتشاره في كل حدب وصوب.

هذه الطبيعة اللامركزية الراديكالية للبيتكوين هي التي تجعله يتحرّك ببطء وإتقان. إنّ شبكةً من العقد، يدير كل واحدة منها فردٌ سيّد، منيعة على التغيير في نفسها، سواء أكان تغييرًا صالحًا أو فاسدًا. مع امتناع فرض التحديث، لم يبق إلا طريقة واحدة لإدخال التغييرات وهي إقناع كل واحد من هؤلاء الأفراد أن يعتمد التغيير. إن العملية اللامركزية لإدخال التغيير وتطبيقه هي التي تجعل البيتكوين منيعًا مناعةً لا تصدّق على التغييرات المفسدة. وهي أيضًا ما يجعل إصلاح الأشياء الفاسدة أصعب منه في شبكة مركزية، ولذلك يحاول الجميع في البيتكوين ألّا يكسّروا الأشياء أصلًا.

علّمني البيتكوين أن التحرّك ببطء ميّزة فيه، لا عطل.

الدرس السابع عشر: معرفة الوقت تحتاج إلى عمل

«أوه، أوه! لا بد أنني تأخرت!»

لطالما قيل إن البيتكوينات تعدَّن لأن آلاف الحواسيب تعمل لحل مسائل رياضية معقدة جدًّا. يُطلب حل بعض المسائل، وإذا حسبت الجواب الصحيح، «تُنتج» بيتكوينة. ولئن كانت هذه النظرة لتعدين البيتكوين أسهَل على الفهم، فإنها تغفل عن الفكرة الرئيسة نوعًا ما. البيتكوينات لا تنتَج ولا تُنشأ، الأمر كله ليس عن حل مسائل رياضية. بل والرياضيات نفسها ليس معقدة جدًّا. المعقّد هو معرفة الوقت في نظام لامركزي.

اقتباسات من الورقة البيضاء. هل قال أحد سلسلة الوقت؟

كما بُيّن في الورقة البيضاء، نظام برهان العمل (أي التعدين) هو طريقة لتطبيق خادم ختم زمني موزّع.

عندما تعلّمت أوّلًا كيف يعمل البيتكوين، ظننت أنا أيضًا أن برهان العمل هادر وغير فعّال. بعد فترة، بدأ رأيي يتغير في استهلاك البيتكوين للطاقة. يبدو أن برهان العمل لم يزل مُساء الفهم اليوم، في السنة العاشرة بعد البيتكوين.

لمّا كانت المسائل التي تُحلّ ببرهان العمل مختلقة اختلاقًا، ظنّ كثير من الناس أن هذا العمل بلا جدوى. إذا كان التركيز على الحوسبة وحدها، فهذا الاستنتاج مفهوم. ولكن البيتكوين ليس للحوسبة. إنما هو للاتفاق باستقلال على ترتيب الأشياء.

برهان العمل نظام يستطيع فيه كل أحد أن يتحقق مما حدث ومن ترتيبه. هذا التحقق المستقل هو الذي يقود إلى الإجماع، وهو اتفاق فردي من أطراف مختلفة على الأملاك والمالكين.

إنها بيئة لامركزية راديكالية، لا نملك فيها رفاهية الوقت المطلق. إدخالُ أي ساعة يقتضي إدخال طرف ثالث موثوق، ونقطة مركزية يعتمد عليها النظام ويمكن أن تُهاجم. «التوقيت هو المشكلة الأساسية» كما بيّن غريشا تروبتسكوي. حلّ ساتوشي هذه المشكلة بذكاء بتطبيق ساعة لامركزية تعمل في سلسلة كتل قائمة على برهان العمل. يتفق الجميع أولًا أن السلسلة التي فيها أكبر عمل متراكم هي مصدر الحقيقة. إنها بالتعريف معبّرة عمّا حدث. هذا الاتفاق معروف اليوم باسم إجماع ناكاموتو.

«تختم الشبكة الحوالات زمنيًّا بتشفيرها في سلسلة مستمرة تكون دليلًا على سلسلة الأحداث المشهودة»

ساتوشي ناكاموتو

من دون طريقة ثابتة لمعرفة الوقت، لا طريقة عندنا لمعرفة الأحداث السابقة واللاحقة. الترتيب الموثوق مستحيل. كما أشرنا أعلاه، إجماع ناكاموتو هو طريقة البيتكوين لمعرفة الوقت. إن بنية الدوافق في النظام تشكل ساعة لامركزية احتمالية، باستعمال الطمع والاهتمام الذاتي عند المشاركين المتنافسين. ولئن كانت هذه الساعة غير دقيقة فلا يهم هذا لأن ترتيب الأحداث في النهاية لا غموض فيه ويمكن التحقق منه.

بفض برهان العمل، أصبح العمل والتحقق من صحة العمل أمرين لامركزيين. يمكن لأي أحد أن يدخل ويخرج متى شاء، ويمكن لأي أحد أن يتحقق من كل شيء متى شاء. ليس هذا وحسب، بل يستطيع كل أحد أن يتحقق من حالة النظام على حدته من دون الحاجة إلى الاعتماد على أحد في التحقق.

فهم برهان العمل يأخذ وقتًا. وهو عادة مخالف للحدس، فالقواعد بسيطة، ولكنها تؤدي إلى ظاهرة معقدة فعلًا. بالنسبة لي، ساعدني تغير نظرتي للتعدين. مجدٍ، ليس بلا جدوى. تحقق، لا حوسبة. وقت، لا كُتل.

علّمني البيتكوين أن معرفة الوقت صعبة، لا سيما إذا كنت لامركزيًّا.

الدرس السادس عشر: تأمّلات في «لا تثق، تحقّق»

قال الملك: «والآن إلى الأدلة، ثم الحكم».

يهدف البيتكوين إلى استبدال العملات المتعارفة، أو أن يقدم بديلًا عنها على الأقل. العملة المتعارفة مقيّدة بسلطة مركزية، سواءٌ أكنا نتكلم عن العملات القانونية كالدولار الأمريكي أو العملات الاحتكارية الحديثة كدولارات فورتنايت. في كلا المثالين، لا بد أن تثق بسلطة مركزية تصدر المال وتديره. يحلّ البيتكوين هذا القيد، والمشكلة الأساسية التي يحلها هي مشكلة الثقة.

«إن المشكلة الأساسية في العملات المتعارفة هي الثقة الكبيرة اللازمة لتعمل. نحن نحتاج إلى نظام مدفوعات رقمي مبني على البرهان التعموي لا على الثقة»

ساتوشي

يحل البيتكوين مشكلة الثقة بكونه لامركزيًّا بالغَ اللامركزية، فليس فيه خادم مركزي ولا جهات موثوقة. لا جهات موثوقة أصلًا، فضلًا عن الجهات الثالثة الموثوقة. إذا انتفت السلطة المركزية، لم يعد للثقة محلّ. اللامركزية الكاملة هي الابتكار. إنها أصل قوة البيتكوين، وسبب حياته المستمرة. اللامركزية كذلك هي سبب وجود التعدين والعُقَد والمحافظ الباردة، ونعم، سلسلة الكتل. كل ما عليك أن «تثق» به، هو أن فهمنا للرياضيات والفيزياء ليس خاطئًا تمامًا، وأن أغلبية المعدنين صادقون (ولهم دوافع ليكونوا صادقين).

يعمل العالم العادي على افتراض «ثِق، ولكن تحقق»، أما البيتكوين فيعمل على افتراض«لا تثق، تحقق», وضّح ساتوشي أهمية إزالة الثقة توضيحًا كبيرًا في مقدمة الورقة البيضاء وخاتمتها.

«خلاصة: لقد اقترحنا نظامًا للحوالات الرقمية لا اعتماد فيه على الثقة».

ساتوشي ناكاموتو

لاحظ أن «لا اعتماد فيه على الثقة» مستعملة هنا في سياق خاص جدًّا. نتكلم هنا عن الثقة بجهات ثالثة، أي أطراف أخرى تثق بها لإنتاج المال وتخزينه ونقله. وعلى سبيل المثال، هنا افتراضٌ أنك تثق بحاسوبك.

كما أظهر كن تومسون في محاضرته عند فوزه بجائزة تورنغ، الثقة أمر صعب جدًّا في العالم الحاسوبي. عندما تشغّل برنامجًا، عليك أن تثق بكثير من البرامج والقطع التي تستطيع نظريًّا تغيير البرنامج الذي تريد تشغيله تغييرًا مُفسدًا. كما لخّص تومسون في تأملاته في الثقة بالثقة: «العبرة واضحة. لا يمكنك أن تثق بكود لم تنشئه أنت بنفسك.»

أظهر تومسون أنه حتى إذا وصلت إلى الكود المصدري، فمترجم الكود (compiler) — أو أي برنامج آخر يتناول البرامج أو القطع—  قد يكون مخترقًا وسيصعب جدًّا الانتباه إلى هذه الثغرة. لذا، عمليًّا، لا وجود لنظام لا ثقة فيه حقًّا. عليك أن تنشئ كل برامجك وتخترع كل قطعك (المجمّعات والبرامج والروابط وغيرها) من الصفر، من دون مساعدة أي برنامج خارجي أو آلة مدعومة ببرامج.

«إذا أردت أن تصنع فطيرة تفّاح من الصفر، فعليك أوّلًا أن تخترع الكون».

كارل ساغان

إن اختراق كن تومسون هو باب خلفي عبقري وصعب الكشف، لذا فلننظر في باب خلفي صعب الكشف يعمل من دون تعديل أي برنامج. وجد الباحثون طريقة لاختراق قطع الحاسوب الخطيرة أمنيًّا بتغيير قطبية شوائب السليكون. بتغيير الخصائص الفيزيائية للأشياء التي تنبني منها شرائح الحاسوب فقط، استطاعوا أن يخترقوا مولّد أرقام عشوائية آمنًا. ولأن هذا التغيير لا يُلحَظ، فإن الباب الخلفي لا يمكن كشفه بالفحص الضوئي، وهو واحد من أهم أدوات فحص التلاعب بالشرائح الإلكترونية.

أحصنة طروادة خفية تعمل بالإشابة، كتبها بكر وريغازوني وبار وبورليسون.

يبدو مخيفًا؟ طيب، حتّى إذا أردت أن تبني كل شيء من الصفر فعليك أن تثق بالرياضيات التي تقوم عليها الأشياء. عليك أن تثق أن secp256k منحنٍ إهليلجي من دون أبواب خلفية. نعم، يمكن أن تُدرَج الأبواب الخلفية الفاسدة في الأصول الرياضية للتوابع التعموية، وهو ما قد حصل على الأقل مرة. إذا أردت التشكيك فعندك أسباب قوية، وعلمك بأن كل شيء من قطع حاسوبك إلى برامجه إلى المنحنيات البيضوية قد يكون فيها أبواب خلفية، سبب من هذه الأسباب.

«لا تثق. تحقق.»

إن الأمثلة المذكورة أعلاه تظهر أن الحوسبة من دون ثقة خيال يوتوبي. البيتكوين على الراجح هو النظام الوحيد الذي يقترب من هذه اليوتوبيا، ولكنه مع ذلك أقلّيّ الثقة—  أي يهدف إلى إزالة الثقة حيث تمكن إزالتها. يمكن أن نقول إن سلسلة الثقة لا تنتهي، لأنك تحتاج أيضًا إلى أن تثق أن الحوسبة تحتاج إلى طاقة، وأن P لا تساوي NP، وأنك في الحقيقة ولست مسجونًا في محاكاة يديرها أشرار.

يعمل المطورون على أدوات وعمليات لتقليل أي ثقة باقية. على سبيل المثال، أنشأ مطورو البيتكوين نظام غيتيان وهو طريقة توزيع برامج لإنشاء نُسخ حتمية. الفكرة أنه إذا استطاع عدة مطورين إنتاج ملفات متطابقة، فاحتمال الاختراق أقل. الأبواب الخلفية ليست وجهة الهجوم الوحيدة. الابتزاز والسلب تهديدات حقيقية كذلك. كما في البروتوكول الأصلي، تستعمل اللامركزية لتقليل الثقة.

تُبذَل جهود كثيرة لتطوير مشكلة البيضة والدجاجة في التمهيد (أو الإقلاع) التي أشار إليها اختراق كن تومسون. من هذه الجهود غيكس الذي يستعمل إدارة البرامج المعلنة ليقود إلى مبانٍ يمكن إعادة بنائها بتًّا بتًّا. والنتيجة هي أنك لا تحتاج إلى الثقة بالسيرفرات التي تقدم البرامج بعد الآن لأنك تستطيع أن تتحقق أن الملفات الثنائي غير معبوث بها بإعادة بنائها من الصفر. مؤخرًا، أُضيف طلب لإدماج غيكس في عملية بناء البيتكوين.

من جاء أولًا، البيضة أم الدجاجة؟

من حسن الحظ، لا يعتمد البيتكوين على خوارزمية واحدة أو قطعة حاسوبية واحدة. من آثار اللامركزية الراديكالية في البيتكوين مخطط أمنه الموزّع. نعم، لا ينبغي أن نستقلّ بالثغرات المذكورة أعلاه، ولكن يصعب أن تكون كل محفظة برمجية أو عتادية، وكل مكتبة تعمية، وكل تطبيق عقدة، وكل مترجم برامج لكل لغة برمجة، مخترقًا. ممكن، ولكن بعيد جدًّا.

لاحظ أنك تستطيع توليد مفتاح خاص من دون الاعتماد على أي برنامج أو معدات حاسوبية. يمكنك أن ترمي عملة معدنية مرتين أو ثلاثة، ولكن الأمر يعتمد على العملة وطريقة رميك لها، لأن مصدر العشوائية هذا قد لا يكون عشوائيًّا بما يكفي. ليس بدعًا أن بروتوكولات التخزين مثل غلاسيير تنصح باستعمال أحجار نردها عالية المستوى لتكون مصدرًا من مصدرين للعشوائية.

أجبرني البيتكوين على التفكير في مقتضيات عدم الثقة بأحد. لقد زدت وعيي بمشكلة التمهيد، وبسلسلة الثقة غير المنتهية في تطوير البرامج وتشغيلها. وقد وعّاني هذا بالطرائق الكثيرة التي يمكن بها اختراق البرامج والأعتدة الحاسوبية.

علمني البيتكوين ألّا أثق، بل أن أتحقق.

الدرس الخامس عشر: القوة في الأرقام

دعيني أرى: جُداء أربعة في خمسة اثنا عشر، وجداء أربعة في ستة ثلاثة عشر، وجداء أربعة في سبعة أربعة عشر—أوه! على هذا لن أبلغ العشرين أبدًا!

الأرقام جزء أساسي في حياتنا اليومية. لكن الأرقام الكبيرة ليست شيئًا مألوفًا عند معظمنا. أكبر الأرقام التي قد نواجهها في حياتنا اليومية هي ملايين أو مليارات أو تريليونات. قد نقرأ عن ملايين الناس الذين يعيشون في الفقر، أو مليارات الدولارات المصروفة على إنعاش المصارف، أو تريليونات الدولارات في الدين الوطني. ومع أنه يصعب فهم هذه العناوين، فإننا نوعًا ما مرتاحون مع حجم هذه الأرقام.

ومع أننا نبدو مطمئنين إلى فهمنا للمليارات والتريليونات، فإن حدسنا يبدأ إخفاقه عندما يتعامل مع أرقام بهذا الحجم. هل تستطيع تخمين كم ستنتظر إذا انتظرت مليون/مليار/تريليون ثانية لتمر؟ إذا كنت مثلي، فلا بد أنك ضعت ولم تستطع إيجاد الأرقام.

فلننظر نظرة منعمة في هذا المثال: الفرق بين كل درجة زيادةٌ بمقدار 3 درجات أسّيّة: 10⁶, 10⁹, 10¹². التفكير بالثواني ليس مفيدًا كثيرًا، لذا فلنترجمها إلى أشياء مفهومة أكثر:

  • 10⁶: مليون ثانية كان قبل أسبوع ونصف.
  • 10⁹: مليار ثانية كان قبل 32 عامًا.
  • 10¹²: قبل تريليون ثانية كانت مانهاتن مغطاة بطبقة ثخينة من الثلج.
سماكة طبقة الجليد في المدن قبل تريليون ثانية. المصدر: xkcd #1225.

ما إن دخلنا في مجال خورازميات التعمية الحديثة الذي يتجاوز الأرقام الفلكية، يبدأ حدسنا بالإخفاق، إخفاقًا كارثيًّا. البيتكوين مبني على أرقام كبيرة وعلى الاستحالة النظرية لتخمينها. هذه الأرقام أكبر بكثيرٍ كثيرٍ ممّا قد نلاقيه في حياتنا اليومية. أكبر بمستويات أسّيّة. إن فهم كبر هذه الأرقام حقًّا هو أساس الإحاطة بفهم البيتكوين.

فلننظر مثلًا في خوارزمية SHA-256، وهي من توابع التجزئة (الهضم) المستعملة في البيتكوين، ولنتّخذها مثالًا. طبيعي أن نفكر في 256 بتًّا أنها مئتان وستة وخمسون بتًّا، وليس هذا رقمًا كبيرًا أبدًا. ولكن الرقم في SHA-256 يتكلم عن مستويات أسّية، وهي أشياء ليست عقولنا مجهزة للتعامل معها.

ولئن كان طول البت مقياسًا معروفًا، فإن المعنى الحقيقي لأمان 256 بت ضائع في الترجمة. كالملايين (10⁶) والمليارات (10⁹) المذكورة أعلاه، خوارزمية SHA-256 تتكلم عن درجات أسية (2256).

فما هي قوة هذه الخوارزمية إذن؟

«SHA-256 قوية جدًّا. وهي ليست كالخطوة التزايدية من MD5 إلى SHA1.  بل هي خوارزمية قد تستمر عقودًا كثيرة ما لم يظهر اختراع لهجوم خارق.» 

ساتوشي ناكاموتو

دعنا ننطق الرقم الآن. 2²⁵⁶ تعني هذا الرقم:

115 كواتورفغنتليون و792 تريفغنتليون و89 دوفغنتليون و237 أنفغنتليون و316 فغنتليون و195 نوفمدسليون و423 أكتودسليون و570 سبتدسليون و985 سكسدسليون و8 كويندسليون و687 كواتوردسليون 907 تريدسليون و853 دودسليون و269 أندسليون و984 دسليون و665 نونليون و640 أوكتيليون و564 سبتليون و39 سكستليون و457 كوينتليون و584 كوادرليون و7 تريليونات و913 مليارات و129 مليونًا و639 ألفًا و936.

هذه نونيليونات كثيرة! إن فهم هذا الرقم أقرب إلى المستحيل. ليس في الكون الفيزيائي شيء يقارن به هذا الرقم. إنه رقم أكبر بكثير من عدد الذرات في الكون المنظور. إن العقل البشري ببساطة عاجز عن فهم هذا الرقم.


من أفضل تمثيلات قوة SHA-256 الفيديو التالي الذي أنشأه غرانت ساندرسون. وسمّاه بجدارة «ما مقدار الأمان في 256 بتًّا؟»، وهو يظهر حجم فضاء 256 بتًّا بشكل جميل. انفع نفسك وخذ من وقتك خمس دقائق لتشاهده. ككل فيديوهات 3Blue1Brown الأخرى، ليس الفيديو رائعًا فقط بل هو متقَن أيضًا. تحذير: قد تسقط في جحر رياضيات.

الجواب: آمنة جدًّا.

استعمل بروس شنيير الحدود الفيزيائية للحوسبة ليضع هذا الرقم في الصورة: حتى إذا بنينا حاسوبًا مثاليًّا، يستطيع أن يستخدم أي طاقة تقدم له ليقلب البتّات تمامًا، ويبني غلاف دايسون حول شمسنا، وتركناه يعمل 100 مليار مليار سنة، فلن يكون عندنا إلا احتمال 25% لإيجاد إبرة في كومة قش المئتين والستة والخمسين بتًّا.

«هذه الأرقام ليست معتمدة على تقنية الأجهزة، بل هي أقصى ما تتيحه الثرموديناميكا. وتقتضي هذه الأرقام أن القوة الغاشمة ضد هذه المفاتيح (مفاتيح 256 بتًّا) ستبقى مستحيلة حتى تصبح الحواسيب مصنوعة من شيء سوى المادة، وموجودة في شيء سوى الفضاء.» 

بروس شنيير

تصعب المبالغة في صعوبة هذا. تعكس التعمية القوية موازين القوى التي اعتدناها كثيرًأ في العالم الفيزيائي. في عالمنا هذا لا شيء إلا ويمكن تحطيمه أو فتحه. طبّق قوة كافية، وستفتح أي باب أو صندوق أو كنز.

أما كنز البيتكوين فمختلف جدًّا. إنه محمي بتعمية قوية، لا مجال فيها للقوة الغاشمة. ما دامت الافتراضات الرياضية الأساسية صحيحة، فالقوة الغاشمة هي كل ما لدينا. مع العلم بوجود خيار آخر هو خيار هجوم المفتاح الإنكليزي (التعذيب). ولكن التعذيب لن يفتح كل عناوين البيتكوين، وجدران التعمية ستهزم هجومات القوة الغاشمة. حتى إذا جئت بقوة عشر شموس. حرفيًّا.

هذه الحقيقة ومقتضياتها ملخّصة في نداء لحمل أسلحة التعمية«ما من قوة إكراهيّة -بالغةً ما بلغت- قادرة على حل مسألة رياضيات».

«ليس جليًّا أن الكون يعمل هكذا. ولكن بطريقة ما، يبدو أن الكون يبتسم للتعمية». 

جوليان أسانج

لا يعرف أحد إلى الآن إذا كانت ابتسامة الكون حقيقية أو لا. قد يثبت أن افتراض عدم الاتساق الرياضي خاطئ وقد نجد أن P فعلًا تساوي NP، أو قد نجد حلولًا لبعض المسائل التي نفترض اليوم أنها صعبة. إذا كان الأمر هكذا، فقد سقطت كل علوم التعمية التي نعرفها اليوم، ومقتضيات هذا ستغير العالم تغييرًا لن نستطيع إدراكه.

“Vires in Numeris” = «القوة في الأرقام»

epii

ليس القوة في الأرقام مجرد شعار جذّاب يستعمله أهل البيتكوين. إن إدراك وجود قوة لا حدود لها في الأرقام إدراك عميق. بفهم هذا، وبفهم قلب موازين القوى الذي يمكّنه هذا، تغيّرت نظرتي للكون وللمستقبل المنتظَر.

من النتائج المباشرة لهذه الحقيقة أننا لا نحتاج إذن أحد للمشاركة في البيتكوين. ما من صفحة تسجيل، ولا شركة حاكمة، ولا وكالة حكومية تُرسَل إليها الطلبات. ولّد رقمًا طويلًا وأنت جاهز. إن السلطة المركزية لإنشاء الحسابات هي الرياضيات. والله وحده يعلم من يحكم الرياضيات.

أمثلة على منحنيات إهليلجية (cc-by-sa Emmanuel Boutet)

البيتكوين مبني على أفضل فهومنا للواقع. نعم، ما زال في الفيزياء وعلوم الحاسوب والرياضيات مسائل مفتوحة، ولكننا نعلم بعض الأشياء علمًا يقينيًّا. منها اللاتناسق بين إيجاد الحلول والتحقق من صحتها. منها أن الحوسبة محتاجة إلى الطاقة. بعبارة أخرى: إن إيجاد إبرة في كومة قش أصعب من التحقق أن الذي في يدك إبرة أو ليس إبرة. وإيجاد هذه الإبرة محتاج إلى عمل.

إن ضخامة مجال عناوين البيتكوين محيّرة للعقل حقًّا. وكذلك عدد المفاتيح الخاصة. مذهلٌ كيف أن كثيرًا من عناصر عالمنا الحديث راجع إلى ضعف احتمال إيجاد إبرة في كومة قش كبيرة جدًّا. أنا الآن أوعى لهذه الحقيقة ممّا كنت من قبل.

علّمني البيتكوين أن القوة في الأرقام.