الفصل الثالث: التكنولوجيا

قالت في نفسها: «الآن سأتصرّف أفضل هذه المرة»، وبدأت بأخذ المفتاح الذهبي الصغير، ثم فتحت الباب المؤدي إلى الحديقة.

المفاتيح والساعات الذهبية لا تعمل إلا مصادفة، وما هي إلا محاولات لحل أحاجي غريبة، لا يُعرَف عن أصحابها اسم ولا وجه. هذا الذي يبدو كحكايات الأطفال في عالم العجائب أصبح أمرًا يوميًّا في عالم البيتكوين.

كما استكشفنا في الفصل الثاني، إن أجزاء كبيرة من النظام المالي القائم فاسدة في نظامها. ومثل أليس، ليس لنا إلا أن نأمل أن نتصرّف أفضل هذه المرة. ولكن، بفضل المبتكر مزيّف الاسم، لقد أصبح عندنا هذه المرة تقنية تدعمنا: البيتكوين.

إن حل المشكلات في بيئة عدائية لامركزية يتطلب حلولًا فريدة. قد تبدو هذه المشكلات تافهة في غير هذا العالم لكنها ليست كذلك في عالم العقد الغريب هذا. يعتمد البيتكوين على التعمية القوية في معظم حلوله، أو على الأقل إذا نظرنا إليه من عدسة التكنولوجيا. أما مدى قوة هذه التعمية فسننظر فأمرٌ سننظر فيه في الدروس التالية.

التعمية هي الوسيلة التي يتوسّلها البيتكوين لإزالة الثقة بالسلطات. بدلًا من الاعتماد على مؤسسات مركزية، يعتمد النظام الجديد على السلطة النهائية لعالمنا: الفيزياء. ولكن بعض بقايا الثقة تبقى. سننظر في هذه البقايا في الدرس الثاني من هذا الفصل.

سيتكشف آخر درسين أخلاقيات التطور التقني في البيتكوين، وهو شيء له أهمية تضاهي أهمية التكنولوجيا نفسها. البيتكوين ليس التطبيق اللامع الجديد في هاتفك. بل هو أساس واقع اقتصادي جديد، لذلك ينبغي أن يُعامل كأنه برنامج مالي من منزلة القنابل النووية.

أين نحن من هذه الثورة المالية والمجتمعية والتقنية؟ تساعدنا شبكات المالضي وتقنياته إذا اتّخذناها تشبيها لمستقبل البيتكوين، كما استكشفنا في آخر درس من هذا الفصل.

مرّة أخرى، اركب واستمتع بالرحلة. مثل كل التقنيات الأسية، لقد أوشكنا أن نطير كما يطير القطع المكافئ.

الدرس التاسع: التضخم

عزيزتي، هنا عليكِ أن تركضي بأسرع ما استطعتِ، لتبقي في مكانك. فإذا أردت أن تذهبي إلى أي مكان، فعليك أن تركضي بضعفَي تلك السرعة.

كان مبدأ مغامرتي في عالم الاقتصاد، محاولة فهم التضخم، وكيف يعمل نظام غير تضخمي كالبيتكوين، وكيف يغيّر الطريفة التي نفعل بها الأشياء. وكنت أعلم أن التضخم هو معدَّل إنتاج المال الجديد، ولكنني لم أعلم سوى ذلك.

يجادل بعض الاقتصاديين أن التضخم شيء جيد، ويقول آخرون إن المال «الصعب» الذي لا يمكن تضخيمه بسهولة، كالذي كان عندنا أيام معيار الذهب، لا بدّ منه للاقتصاد الصحيح. يتفق البيتكوين، بمعروضه الثابت (21 مليونًا) مع المعسكر الأخير.

عادة، لا تظهر آثار التضخم مباشرة. حسب معدل التضخم (وعوامل أخرى كذلك)، قد يكون الزمن بين السبب والنتيجة سنين عديدة. بل وإن التضخم يضرّ مجموعات مختلفة من الناس أكثر مما يضرّ غيرهم. كما أشار هنري هازلت في الاقتصاد في درس واحد: «إن فنّ الاقتصاد هو النظر إلى الآثار المباشرة والبعيدة -لا المباشرة فقط- لأي فعل أو سياسة، وهو تعقّب عواقب هذه السياسة لا على مجموعة واحدة، بل على كل المجموعات».

من اللحظات التي أضاء فيها مصباح رأسي، اللحظة التي أدركت فيها أن إصدار عملة جديدة -طبع مزيد من المال- نشاطٌ اقتصاديّ مختلفٌ اختلافًا كاملًا عن كل الأنشطة الاقتصادية. فإذا كانت السلَع الحقيقية والخدمات الحقيقية تقدم قيمة حقيقية لناس حقيقيين، وهي كذلك، فطباعة المال تفعل نقيض ذلك تمامًا: إذ تأخذ القيمة من كل أحدٍ يحمل العملة التي تُضَخَّم.

«مجرّد التضخم، أي مجرّد إصدار مزيد من المال، وهو ما يرفع الرواتب والأسعار، قد يبدو كأنّه خلق لمزيد من الطلب. ولكن من حيث الإنتاج الحقيقي وتبادل الأشياء الحقيقية، هذا الكلام خاطئ.»

هنري هازلت

إن قوة التضخم المدمّرة تظهر حالما يصبح التضخم كثيرًا. إذا أفرَط تضخُّم عملة ما، تنحدر الأمور انحدارًا سريعًا. مع انهيار العملة المتضخمة، تُخفق في حفظ القيمة مع الوقت، ويُهرَع الناس إلى شراء أي بضاعة يستطيعون شراءها.

أثرٌ آخر للتضخم المفرط هو أن كل المال الذي ادّخره الناس في حياتهم سيتختفي فعليًّا. سيبقى المال الورقي في محفظتك، لا شك. ولكنه لن يكون سوى هذا: ورق بلا قيمة.

اطفال يلعبون بالأوراق المالية – التضخم المفرط في جمهورية فايمر (1921-1923)

يتراجع المال من حيث القيمة في ما يسمّى تضخّمًا «خفيفًا» أيضًا. لكن الأمر يحدث ببطء فلا يلاحظ الناس تقلّص قوّتهم الشرائية. وإذا عملت الطابعات، كان التضخم أسهل ما يكون، وقد يتحوّل التضخم الخفيف إلى تضخم كبير بكبسة زر. كما أشار فردريك حايك في بعض مقالاته، التضخم الخفيف يقود عادةً إلى التضخم الكامل.

«التضخم ‹الخفيف› المستمر لن ينفع، لن يقود إلا إلى تضخم مفرط».

فردريك حايك

التضخم مراوغٌ لأنه يفضّل الأقرَبين من آلة الطباعة. لا يدور المال في السوق ولا ترتفع الأسعار إلا بعد حين، فإذا استطعت أن تمسك بالمال الجديد قبل أن تقل قيمة المال في أيدي غيرك، فأنت أمام المنحني التضخمي. هذا أيضًا هو الذي يجعل التضخم ضريبةً خفيّة لأن الحكومة تستفيد منها على حساب كل أحد غيرها.

«لا أعتقد أنها مبالغة أن نقول إن التاريخ ما هو إلا تاريخ التضخم، وعادةً تاريخ تضخّمات دبّرتها الحكومات لتُربِح نفسها».

فردريك حايك

إلى الآن، كل العملات التي تتحكم بها الحكومة إمّا أنها استُبدلت وإمّا أنها انهارت تمامًا. مهما كان معدّل التضخم صغيرًا، النمو «المستمر» ليس إلا كناية عن النمو الأسّيّ. في الطبيعة وفي الاقتصاد، كل الأنظمة التي تنمو أسّيًّا ينتهي بها الأمر بالاستقرار أو بالانهيار الكارثي.

ولعلّك تقول في نفسك «لن يحدث هذا في بلدي». لكنك لن تقول ذلك إذا كنت من فنزويلا، التي تعاني اليوم من التضخم المفرط. بمعدّل تضخّم بلع مليونًا بالمئة، لا قيمة للمال.

نعم، ربما لا يحدث الأمر في السنتين الآتيتين، وربما لا يحدث لعملة بلدك أنت. ولكن نظرة إلى قائمة العملات التاريخية تظهر أنه سيحدث لا محالة إذا طال الزمان بالعملة. أتذكر من هذه القائمة بعض العملات وكنت أستعملها: الشلن النمساوي، والمارك الألماني، والليرة الإيطالية، والفرنك الفرنسي، والجنيه الأيرلندي، والدينار الكرواتي، وغيرها. استعملت جدّتي الكرون النمساوي المجري. مع مرور الوقت، ستنتقل هذه العملات التي نستعملها اليوم ببطء ولكن بلا ريب، كلٌّ إلى مقبرتها. سيتضخم بعضها، وستحلّ عملات جديدة محلّ بعضها. ستصبح قريبًا عملات تاريخية. سنجعل هذه العملات باطلة.

«أظهر التاريخ أن الحكومات لا بد أن تستلم لإغراء تضخيم المال».

سيف الدين عموص

بمَ يختلف البيتكوين؟ خلافًا للعملات التي فرضتها الحكومات، لا يمكن أن تقنّن الحكومات السِّلَع المالية، ولكن من شأن هذه السلع بقوانين الفيزياء أن تبقى بل وتحافظ على قيمتها مع الوقت. أفضل مثال عن هذا إلى اليوم هو الذهب، كما يظهر معدّل الذهب إلى الثوب الجيد لم يزل الذهب حافظًا قيمته مئات السنين بل آلاف السنين. قد لا يكون الذهب «مستقرًّا»، والاستقرار مفهوم مُشكِل أصلًا، ولكن قيمته التي يحفظها بقيت على الأقل في الدرجة الأسّيّة نفسها.

إذا حفظت السلعة المالية قيمتها حفظًا جيّدًا مع مرور الوقت وتغير المكان، فهي عملة صعبة. أما إذا لم تحفظ عملتها، وتضخمت وتدهورت، فهي عملة سهلة. إن مفهوم الصعوبة أساسي لفهم البيتكوين وهو مستحق لمزيد من الفحص العميق. سنرجع إلى هذا المفهوم في آخر درس اقتصادي: المال السليم.

يعاني مزيد ومزيد من البلدان التضخم المفرط، ويواجه لذلك مزيد ومزيد من الناس واقع المال الصعب والمال السهل. إذا كنّا من أصحاب الحظّ، قد يُجبَر بعض المصرفيين المركزيين على إعادة النظر في سياساتهم المالية لتقويمها. ومهما يكن من أمر، فإن الأفكار التي جنيتها من البيتكوين أفكار نفيسة، مهما كانت النتيجة.

علّمني البيتكوين عن ضريبة التضخم الخفية، وكارثة التضخم المفرط.

الفصل الثاني: الاقتصاد

انتصبت شجرة أزها قرب مدخل الحديثة: كانت أزهارها بيضاء، ولكن كان عليها بستانيّون مشغولون بصبغها بالأحمر. وجدت أليس هذا أمرًا محيّرًا.

المال لا ينمو على الأشجار. من الحماقة الاعتقاد بأنه ينمو، لذلك علّمنا أهلنا هذه العبارة بترديدها كما لو كانت مانترا. لقد شُجّعنا أن نستعمل المال بحكمة، وألّا نفرّط فيه، وأن ندّخر في اليوم الأبيض ليساعدنا في اليوم الأسود. فالمال كما يُقال لا ينمو على الأشجار.

علّمني البيتكوين أشياء عن المال ما كنت أتخيّل أنني أحتاج إلى تعلمها. فبالبيتكوين أُجبرت على استكشاف تاريخ المال والمصارف ومدارس الفكر الاقتصادي وغير ذلك. لقد قادني مسعاي في فهم البيتكوين إلى طرق كثيرة، حاولت استكشاف بعضها في هذه السلسلة.

في الدروس السبعة الأولى نوقشت بعض الأسئلة الفلسفية التي تتعلق بالبيتكوين. هذه الدروس السبعة التالية ستنظر نظرة أقرب إلى المال والاقتصاد.

مرة أخرى، لن يكون لي في هذه الدروس إلا أن أُشير وألمّح. البيتكوين ليس متفائلًا فحسب، بل هو واسع وعميق، وهو ما يجعل تغطية كل المواضيع المتعلقة به في درس أو مقالة أو كتاب أمرًا مستحيلًا. أشكّ في أنه ممكن أصلًا.

البيتكوين نوع جديد من المال، وهو ما يجعل تعلّم الاقتصاد ركنًا في فهمه. إن التعامل مع طبيعة الفعل الإنساني والتعامل بين الفاعلين الاقتصاديين غالبًا قطعة من أكبر القطع في أحجية البيتكوين وأغمضها.

مرة أخرى، هذه الدروس استكشاف لأشياء كثيرة تعلمتها من البيتكوين. إنما هي تدبّر في رحلتي الشخصية في جحر الأرنب. وأنا لا خلفية اقتصادية لي، لذلك فأنا لا شك خارج منطقة راحتي، لذلك فأنا واعٍ أن فهمي قد يكون ناقصًا. سأفعل ما في وسعي لتلخيص ما تعلّمت، وإن بدوت غبيًّا. في النهاية، ما زلت أحاول الإجابة عن هذا السؤال: «ماذا تعلمت من البيتكوين؟»

بعد سبعة دروس نظرنا فيها من عدسة الفلسفة، فلننظر الآن من عدسة الاقتصاد سبعة دروس أخرى. درس الاقتصاد هو كل ما يمكن أن أقدمه هذه المرة. الوجهة الأخيرة: المال السليم.

الدرس الأوّل: التغيير وامتناع التغيير

تُرى هل تغيّرتُ الليلة. خلّني أفكّر. هل أن الآن كما كنتُ حين استيقظت صُبح اليوم؟ يغلب على فكري أنني كنت مختلفة شيئًا ما. ولكن، إذا لم أكن نفسي، فالسؤال التالي: «من أنا في هذا العالم؟» أوه، إنه لغز عظيم!

البيتكوين في جوهره صعب الوصف. إنه أمر جديد، وكلّ محاولة لمقارنته بمفاهيم سابقة، سواءٌ بتسميته بالذهب الرقمي أو بإنترنت المال، محكومٌ عليها بالتقصير عن الإحاطة به. ومهما كان تشبيهك المفضَّل، فمن أهمّ نواحي البيتكوين: اللامركزيّة وامتناع التغيير.

يمكن النظر إلى البيتكوين باعتباره عقدًا اجتماعيًّا مؤتمتًا. البرنامج نفسه ليس إلا قطعة واحدة من اللغز، وكلّ أمل لتغيير البيتكوين بتغيير برنامجه ليس إلّا تمرينًا على العبث. سيضطرّ صاحب هذا الأمل أن يقنع بقيّة شبكة البيتكوين أن يتبنّوا هذه التغييرات، وهو جهد نفسي وليس مجرّد جهد هندسة برمجيات.

قد يبدو التالي سخيفًا بادئ الرأي، مثل كثير من الأشياء في هذا الفضاء، ولكنني أعتقد أنه حقٌّ جدًّا رغم ذلك: لن تغيّر البيتكوين، بل البيتكوين سيغيّرك.

«سيغيّرنا البيتكوين أكثر ممّا نغيّره».

مارتي بِنت

لقد أخذتُ وقتًا كبيرًا حتى أدركتُ عمق هذه الحقيقة. إذا كان البيتكوين برنامجًا مفتوح المصدر، فلكَ أن تغيّر فيه متى شئت، صح؟ غلط. غلط جدًّا. وليس غريبًا أن منشئ البيتكوين كان يعرف هذا تمامًا.

«إن طبيعة البيتكوين تقتضي أنه إذا أُطلق الإصدار 0.1، ترسَّخ التصميم الجوهري إلى نهاية عمره. »

ساتوشي ناكاموتو

حاول كثير من الناس تغيير طبيعة البيتكوين. إلى الآن، أخفَق كلّهم. نعم، في الإنترنت بحر من الانفراقات عن البيتكوين ومن العملات البديلة، ولكن شبكة البيتكوين لم تزل تقوم بعملها، كما كانت تقوم به عندما اتّصلت أول عُقدة بالإنترنت. لن تهمّ العملات البديلة على المدى الطويل. أما الانفراقات فآخرتها أن تموت جوعًا. البيتكوين هو المهمّ. وما لم يتغيّر فهمنا الجوهري للرياضيات أو الفيزياء، لن تتغيّر قلّة مبالاة غُرَيْر البيتكوين.

«البيتكوين أول مثال عن شكل جديد للحياة. إنه يعيش ويتنفّس على الإنترنت. يعيش لأن الناس يدفعون ليبقونه حيًّا. (…) لا يمكن تغييره. لا يمكن نقاشه. لا يمكن التلاعب به. لا يمكن تحريفه. لا يمكن إيقافه. (…) إذا قامت حرب نووية ودمرت نصف كوكبنا، سيبقى البيتكوين حيًّا كما كان. »

رالف ميركل

سيدوم نبض البيتكوين وينقضي نبضنا.

إن إدراك هذا المذكور غيّرني أكثر مما ستغيّرني الكُتل الأخيرة في سلسلة البيتكوين. وغيّر ترجيحي الزمني، وفهمي للاقتصاد، وآرائي السياسية، وأشياء أخرى كثيرة. بل إنه حتّى يغيّر حميات الناس. إذا بدا كل هذا لك كأنّه جنون، فأنت في أيدٍ أمينة. كل هذا جنون، ولكنه يحدث.

علّمني البيتكوين أنه لن يتغيّر. أنا سأتغيّر.

الفصل الأول : الفلسفة

نظرَ الفأرُ إليها مستفهمًا، وبدا لها أنه يغمز بإحدى عينيه الصغيرتين، لكنه لم يقل شيئًا.

إذا نظر المرءُ إلى البيتكوين سطحيًّا، فقد يجد أنه بطيء، هادِر، مليء بالحشو، ومجنون بالشك. أمّا إذا نظرَ إليه مستفهمًا، فقد تبدو له أشياءُ لم تظهر بادئ الرأي.

إن للبيتكوين أسلوبًا لأخذ افتراضاتك وقلبها رأسًا على عقب. بعد فترة، عندما تجد نفسك قد تستريح من جديد، سيخرق البيتكوين الجدار كثورٍ في سوق الصين ويزلزل افتراضاتك مرة أخرى.

عُبّاد عميان يكتشفون ثور البيتكوين

البيتكوين ابنُ مجالات كثيرة. ومثلُ الباحثين فيه كمثل هؤلاء النُّسّاك وهم يكتشفون الفيل، فكلّ من يفهم البيتكوين يفهمه من زاوية مختلفة. وسيستنتج كل واحدٍ استنتاجات مختلفة عن طبيعة هذا الوحش.

هذه الدروس التالية هي بعض افتراضاتي التي زلزلها البيتكوين، واستنتاجاتي التي وصلت لها بعد ذلك. أسئلة فلسفية عن امتناع التغيير، وعن الندرة والمحلّيّة والهويّة، كلها نستكشفها في أول أربعة دروس.

يستكشف الدرس الخامس كيف أن قصة منشأ البيتكوين ليست مذهلةً وحسبُ، بل هي عنصرٌ لا بدّ منه لنظام لا رئيس ولا قائد له. يستكشف آخر درسين من هذا الفصل قوة الخطاب الحر وحدود المعرفة الفردية، التي يعكسها العمق المذهل لجحر البيتكوين.

أتمنّى أن تجد عالم البيتكوين معلّمًا ومذهلًا ومسلّيًا كما وجدته أنا ولم أزل. أدعوك إلى اتباع الأرنب الأبيض، لتستكشف أعماق جحر الأرنب. والآن، تمسّك بساعة جيبك، واقفز، واستمتع بالسقوط.

مدخل

قالت أليس: «ولكنني لا أريد أن أكون مع المجانين».
ردّت القطّة: «لن تستطيعي غير ذلك، كلّنا مجانين هنا. أنا مجنونة. أنت مجنونة.»
قالت أليس: «فكيف علمتِ أنني مجنونة؟»
ردّت القطّة: «لا ريب أنك كذلك، وإلّا لما أتيتِ إلى هنا».

في أكتوبر عام 2018، سأل أرجون بلاجي السؤال البريء، ماذا تعلّمت من البيتكوين؟ بعد أن حاول الرجل أن يجيب عن السؤال في تغريدة قصيرة، وأخفق إخفاقًا مريعًا، أدركت أن الأشياء التي تعلّمتُها أكثر بكثير من أن تُذكَر سريعًا، إذا استُطيع عدّها أصلًا.

الأشياء التي علمنيها البيتكوين، هي أشياء عن البيتكوين، أو متعلّقة به على الأقل. ولكن، وإن كان في الدروس التالية شرح عن الأعمال الداخلية للبيتكوين، فإنها ليست شرحًا لهذه الأعمال وتعدادًا لها، بل هي دروس قد تساعد على استكشاف بعض الأشياء التي لمسها البيتكوين: أسئلة فلسفية، حقائق اقتصادية، وابتكارات رقمية.

هذه الدروس الواحد والعشرون مجمّعة في فصول، في كلّ فصل سبعة دروس، فهي ثلاثة فصول. ينظر كل فصل إلى البيتكوين بعدسة مختلفة، ويستخرج الدروس التي يمكن أن نتعلّمها من التدقيق في هذه الشبكة الغريبة من جهة مختلفة.

الفصل الأول يستكشف تعاليم البيتكوين الفلسفية. تبادل الثبات والتغيّر، ومفهوم الندرة، وميلاد البيتكوين الطاهر، ومشكلة الهوية، وتناقض التناسخ والمحلّيّة، وقوة حرية التعبير، وحدود المعرفة.

الفصل الثاني يستكشف تعاليم البيتكوين الاقتصادية. دروس عن الجهل المالي والتضخم والقيمة، والمال وتاريخه، وبنوك الاحتياطي الجزئي، وكيف أعاد البيتكوين مفهوم المال السليم بطريقة داهية ملتوية.

الفصل الثالث يستكشف الدروس التي تعلّمتها من اختبار تقنية البيتكوين. ما الذي جعل في الأرقام قوة، تأمّلات في الثقة، لماذا يأخذ الإخبار بالوقت عملًا، لماذا بطء الحركة وعدم كسر الأشياء ميزة لا عطل، ما الذي تقوله لنا قصة خلق البيتكوين عن الخصوصية، ولماذا يكتب أنصار التشفير أكوادًا (لا تشريعات)، وما التشبيهات المساعدة على استكشاف مستقبل البيتكوين.

في كل درس عدّة اقتباسات وروابط في أرجاء نصّه. إذا كنت قد استكشفت الفكرة استكشافًا أكثر تفصيلًا، ستجد روابط لأعمالي المتعلّقة بها في قسم: «من زجاج المرآة». فإذا أردت التعمّق، ستجد روابط لموادّ متعلّقة بموضوع الدرس في فقرة «نزولًا في جحر الأرنب». كلا الفقرتين موجودة في آخر كل درس.

نعم، بعض المعرفة السابقة بالبيتكوين ستفيد القارئ، ولكنني آمُل أن الدروس سهلة الاستيعاب لكل قارئ محبٍّ للاطلاع. بعض الدروس متّصل ببعضها، ولكنّ كل درس يمكن فصله وقراءته على حدة. لقد اجتهدت في الابتعاد عن الألفاظ التقنية ما استطعت، على أن بعض الألفاظ التخصصية لا بد منها.

آمُل أن يكون في كتابي إلهامٌ للآخرين يحثّهم على أن يحفروا تحت السطح ويختبروا أسئلة أعمق يطرحها البيتكوين. أمّا إلهامي أنا فقد جاء من كتّاب كثيرين ومنشئي محتوى، أكنّ لهم الشكر أبدًا.

أخيرًا، هدفي من الكتاب ليس إقناعك بأي شيء. بل هو أن تفكّر، وأن أظهر لك أن للبيتكوين أشياء غير التي تراها العين. فحتّى أنا لن أستطيع أن أقول لك ما هو البيتكوين أو ما الذي سيعلّمك إيّاه. ستكتشف ذلك بنفسك.


«بعد هذا، لا عودة إلى الوراء. إذا تناولت الحبة الزرقاء، انتهت القصّة، واستيقظت في سريرك وآمنتَ بما تريد أن تؤمن به. وإذا تناولت الحبة الحمراء، بقيتَ في أرض العجائب، وأرَيتُك ما أعمق جحر الأرنب»

مورفس

واحد وعشرون درساً

فاتحة

سَقَطَت أليسُ بجُحرِها === كسُقوطِها في اللُّوح
 صدعت أليسُ دِماغها === وارتضّ منها الرُّوح


إن السقوط في جحر البيتكوين تجربةٌ عَجَب. وأنا، ومثلي كثيرٌ، أشعر أنني تعلّمت في آخر سنتين وأنا أدرس البيتكوين أكثر مما تعلّمته في عَقْدَين من التعليم النظامي.

إن الدروس التالية تقطيرٌ لما تعلّمت. نُشرت هذه الدروس أوّلًا في سلسلة عنونتُها «ماذا تعلّمت من البيتكوين»، وهذا الكتاب نسخة ثانية من السلسلة الأصلية.

هذه الدروس كالبيتكوين، ليست جامدة. ففي نيّتي أن أعمل عليها بين الحين والحين، وأصدر نسخًا محدَّثة وموادّ إضافيّة في المستقبل.

وخلافًا للبيتكوين، لن تكون النسخ المستقبلية من هذا المشروع متوافقةً مع سوابقها. قد توسَّع بعضُ الدروس، وقد تُعاد بعضُها أو تُبدَل. آمُل أن تكون نسخةٌ مستقبلية من هذا الكتاب كتابًا ورقيًّا تستطيع إمساكه، ولكنني لا أريد أن أعد بشيء.

البيتكوين معلّم لا تنقضي عُلومه، لذلك لا أدّعي أن هذه الدروس ستكون شاملة أو كاملة. إنما هي تدبّر في رحلتي الشخصية في جحر الأرنب. أمامي دروس كثيرة لم أتعلّمها، وكلّ إنسان يتعلّم درسًا مختلفًا إذا دخل عالم البيتكوين.

أرجو أن يجد القارئ هذه الدروس نافعة، وأن يكون تعلّمها بالقراءة أقلّ مشقّة وألمًا من تعلّمها بالتجربة.

جيجي


Tagged : /