الدرس الرابع عشر: المال السليم

قالت أليس في نفسها وهي تجول في الدغل: «أوّل ما عليّ فعله، هو أن أكبر حتّى أبلغ حجمي الصحيح، ثم أن أجد طريقًا إلى تلك الحديقة الغنّاء. أعتقد أن هذه أفضل خطّة.»

أهمّ درس علمنيه البيتكوين هو أن المال الصعب متفوّق على المدى الطويل على المال السهل. المال الصعب، ويقال له أيضًا المال السليم (أو المتين)، هو أي عملة يتاجَر بها عالميًّا وهي مخزن موثوق للقيمة.

نعم، لم يزل البيتكوين شابًّا متقلّبًا. سيقول النقّاد إنه لا يحفظ القيمة حفظًا يعتمد عليه. لكن حجّة التقلّب مخطئة. التقلّب متوقَّع. سيستغرق السوق وقتًا ليكتشف السعر العدْل لهذا المال الجديد. والتقلّب أيضًا، كما يقول بعض الناس على سبيل الفكاهة، آتٍ من خطأ في الحساب. إذا كنت تفكّر بالدولار لن ترى أن البيتكوين الواحد يساوي دائمًا بيتكوينا واحدًا.

«المعروض المالي الثابت، أو المتغيّر لكنما بحسب معيار موضوعي محسوب، شرط لا بد منه لوجود سعرٍ ذي معنى للمال».

الأب برنارد دمبسي

بتصفّح سريع لمقبرة العملات المنسيّة، يظهر أن المال الذي يمكن طباعته، لا بدّ أن يُطبَع. إلى الآن، لم يستطع أي إنسان في التاريخ أن يقاوم هذا الإغواء.

يتخلّص البيتكوين من إغواء طباعة المال بطريقة عبقرية. كان ساتوشي واعيًا بطمعنا ونقصنا، لذلك اختار أمرًا أوثَق من الوازع الإنساني: الرياضيات.

معادلة معروض البيتكوين

هذه المعادلة مفيدة لشرح معروض البيتكوين، لكنّها في الحقيقة غير موجودة في الكود نفسه. إصدار عملات جديدة يكون على نحو تتحكم به الخوارزميات بتنصيف المكافأة التي تدفَع إلى المعدّنين كل أربع سنين. المعادلة أعلاه مستعمَلة لشرح ما يحدث في الكواليس. يمكن أن نرى ما يحدث فعلًا إذا نظرنا إلى التغيّر في مكافأة الكتلة، وهي المكافأة التي تدفَع إلى أي معدّن يجد كتلة صالحة، وهو ما يحدث كل 10 دقائق تقريبًا.

رسم لمعروض البيتكوين

المعادلات والتوابع اللوغاريتمية والأسّيّة ليست بديهية الفهم. إن مفهوم المتانة أسهَل للفهم إذا نظرنا إليه من جهة أخرى. إذا عرفنا المقدار الكلّي في الوجود لشيء ما، وإذا عرفنا صعوبته على الإنتاج أو الاستحواذ، فهمنا قيمته مباشرة. ما يصدُق على لوحات بيكاسو، وغيتارات إلفيس بريسلي، وكمنجات ستراديفاريوس، يصدق على العملات الحكومية، والذهب، والبيتكوين.

إن صعوبة العملة الحكومية معتمدة على من يحكم آلة طباعتها. قد تكون بعض الحكومات أرغَب في طباعة مقادير كبيرة من الأموال من غيرها، فتصبح عملاتها أضعف. وقد تكون حكومات أخرى أصرَم في طباعة المال، فتصبح عملاتها أصعب.

قبل العملات الحكومية، كانت متانة المال تتحدد بالخصائص الطبيعية للمادة التي نستعملها مالًا. مقدار الذهب في الأرض محدود بقوانين الفيزياء. الذهب نادر لأن المستعرات العظيمة واصطدامات الأنجُم النيوترونية نادرة. «تدفّق» الذهب محدود لأن استخراجه جهد شاقّ. وهو مدفون في أعماق الأرض لأنه عنصر ثقيل.

أتاح إيقاف نظام الذهب طريقًا لواقع جديد: أصبح صنع مزيد من المال غير محتاج إلا إلى قطرة حبر. في عالمنا الحديث، إضافة صفرين إلى موازنة حساب مصرفي أسهل بكثير: لا تحتاج إلا إلى قلب بضع بتّات في حاسوب البنك.

«جانب مهم من هذا الواقع الجديد أن بعض المؤسسات كالاحتياطي الفدرالي، لا يمكن أن تفلس. تستطيع هذه المؤسسات أن تطبع ما شاءت من المال بثمن صفري تقريبًا».

يورغ غيدو هلسمان

هذا المبدأ المذكور أعلاه يمكن التعبير عنه بنسبة «المخزون» إلى «التدفق». بعبارة بسيطة: المخزون هو مقدار ما يوجد من شيء ما. في هذه المقال، المخزون هو مقياس المعروض المالي الحالي. التدفّق هو مقدار ما يُنتَج من شيء ما، في فترة من الزمان (في سنة مثلًا). إن مفتاح فهم المال السليم هو فهم نسبة المخزون إلى التدفق.

حساب نسبة المخزون إلى التدفق للعملة الحكومية أمر صعب، لأن حساب مقدار الموجود من المال يعتمد على وجهة نظرك للموضوع. يمكنك أن تعدّ الأوراق البنكية (البنكنوتات) والعملات (M0)، ويمكنك أن تضيف صكوك السفر والودائع (M1)، ويمكنك أن تضيف حسابات التوفير والصناديق المشتركة وأشياء أخرى (M2)، ويمكنك أن تضيف شهادات الودائع إلى كل ذلك (M3). بل وإن تعريف كل واحدة من هؤلاء يختلف من عملة إلى عملة، ولأن الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة أوقف نشر أرقام M3، سنضطر إلى التعامل مع المعروض المالي M2. كان بودّي أن أتثبّت من هذه الأرقام، ولكن لا بدّ من الثقة بالفدرالي الآن.

الذهب، وهو أحد أندَر المعادن في الأرض، له أعلى نسبة مخزون إلى تدفق. حسب استطلاع الولايات المتحدة الجيولوجي، عُدّن من الذهب أكثر من 190 ألف طن. في السنين القليلة الماضية عُدّن نحو 3100 طنّ من الذهب كل سنة.

باستعمال هذه الأرقام، نستطيع أن نحسب نسبة المخزون إلى التدفق للذهب: 190,000 طنًّا / 3,100 طنًّا = ~61.

ليس لشيء في الحياة نسبة مخزون إلى تدفق أعلى من الذهب. لذا ظلّ الذهب إلى اليوم أصع وأمتن مال في الوجود. لطالما قيل إن كل الذهب المعدّن يمكن تجميعه بمسبحين من الحجم الأولمبي. وفق حساباتي، سنحتاج إلى 4 مسابح. فلعلّ هذه معلومات قديمة، أو أن المسابح الأولمبية صغُرت.

ثم يأتي البيتكوين. كما تعلم غالبًا، شاع تعدين البيتكوين واستشرى في آخر سنتين. هذا لأننا في المراحل المبكّرة لما يسمّى فترة مكافأة إذ تُكافأ عُقد المعدّنين بكثير من البيتكوين مقابل جهدها الحاسوبي. نحن الآن في فترة المكافأة الثالثة، التي بدأت عام 2016 وستنتهي في أوائل 2020، في مايو على الراجح. نعم، معروض البيتكوين محدَّد من قبل، ولكن آليّات البيتكوين الداخلية لا تسمح إلا بتواريخ تقديرية. ولكن، يمكننا أن نتوقّع بيقين ما ستبلغه نسبة المخزون إلى التدفق للبيتكوين. احذر الحرق: ستكون عالية.

كم علوّها؟ في الحقيقة، يبدو أن البيتكوين سيكون صعبًا صعوبةً لا نهائيّة.

تصوير للمخزون والتدفق، في الدولار والذهب والبيتكوين

بسبب التناقص الأسّيّ في مكافأة التعدين، يتناقص تدفّق البيتكوين الجديد فينتج عنه صعود نسبة المخزون إلى التدفق صعودًا يبلغ عنان السماء. سيبلغ نسبة الذهب عام 2020، ثم يفوقها بعد أربع سنوات عندما يضاعف متانته مرّة أخرى. ستحدث هذه المضاعفة 64 مرّة في التاريخ. بفضل قوّة التوابع الأسّيّة، سينخفض عدد البيتكوينات المعدّنة في السنة إلى أقلّ من 100 بيتكوين خلال 50 عامًا، وإلا أقل من بيتكوين واحدة خلال 75 عامًا. سيجفّ صنبور مكافأة الكتلة العالمي في نحو عام 2140، ليتوقّف إنتاج البيتكوين تمامًا. إنها لعبة طويلة. إذا كنت تقرأ هذا، فلم تزل مبكّرًا.

صعود مخزون البيتكوين إلى تدفّقه أمام الذهب

يسعى البيتكوين إلى نسبة مخزون إلى تدفق لا نهائية، ليصبح أمتَن وأسلَم مال في الوجود. السلامة اللانهائية صعبة المنافسة.

في عيون الاقتصاد، تعديل صعوبة البيتكوين هو أهم جزء فيه على الأرجح. صعوبة البيتكوين قائمة على سرعة إنتاج البيتكوينات الجديدة*. إن هذا التعديل الديناميكي في صعوبة التعدين يمكّننا من توقع المعروض المستقبلي.

(* يعتمد الأمر حقًّا على سرعة إيجاد كتلة صالحة، ولكن لأهداف هذه المقالة، هذا الأمر مطابق لتعدين البيتكوينات الجديدة، وسيظل كذلك في السنين المئة والعشرين التالية).

إن بساطة خوارزمية تعديل الصعوبة قد تغفلك عن عمقها، إن تعديل الصعوبة ثورة بمنزلة ثورة آينشتاين. إنه يضمن أن معروض البيتكوين لن يتغيّر مهما اجتهد المعدّنون في التعدين أو قصّروا فيه. خلافًا لكل الموارد الأخرى، مهما استهلكت من طاقة كبيرة أو صغيرة لتعدين البيتكوين، لن تزداد المكافأة الكلّيّة.

كما أن معادلة الطاقة = الكتلة بمربع سرعة الضوء، تحدد أعلى سرعة في الكون، كذلك يحدد تعديل الصعوبة حدّ المال العامّ في البيتكوين.

لولا تعديل الصعوبة، لتعدّنت كل البيتكوينات من زمان. لولا تعديل الصعوبة، لما خرج البيتكوين من طفولته. إن تعديل الصعوبة هو الذي يحمي الشبكة في فترة المكافأة. هو الذي يضمن توزيعًا عادلًا ومستمرًّا للبيتكوين الجديد. إنه منظّم الحرارة الذي ينظّم سياسة البيتكوين المالية.

كشف لنا آينشتاين أمرًا جديدًا: مهما دفعت الشيء، لن تستطيع زيادة سرعته بعد حدٍّ معيّن. كشف لنا ساتوشي أيضًا أمرًا جديدًا: مهما حفرت في منجم الذهب الرقمي، لن تستطيع إخراج مزيد من البيتكوين بعد حدٍّ معيّن. لأوّل مرة في التاريخ الإنساني، صار عندنا سلعة مالية، مهما حاولت واجتهدت، لن تستطيع إنتاج المزيد منها.

علّمني البيتكوين أن المال السليم أساسي.

الدرس الثالث عشر: جنون الاحتياطي الجزئي

بئسًا! تأخّر الأمر: لقد كبرت وكبرت، ولم تلبث أن ركعت: بعد دقيقة لم يعد في المكان مساحة لها، وحاولت أن تتمدد، وتسند مرفقها إلى الباب، وتلفّ الثاني على رأسها. لكنها ظلّت تكبر، فلجأت إلى مدّ يدٍ من الشبّاك، وإدخال رجل في المدخنة، وقالت لنفسها: «الآن أستطيع أن أفعل المزيد، فكيف سأصبح؟»

القيمة والمال، ليسا أمرين تافهين، لا سيما في هذا الزمن. أما عملية إنشاء المال في نظامنا البنكي، فليست تافهة كذلك. لم أستطع زعزعة شعوري أنها كذلك عن قصد. لم أشهد هذا من قبل إلا في الأكاديميا والنصوص القانونية، لكن الظاهر أنه مشهور في العالم المالي كذلك: لا شيء مشروح بكلام بسيط، لا لأن الأمر معقد في نفسه، بل لأن الحقيقة مخفية وراء طبقات وطبقات من المصطلحات المفذلكة والتعقيد البادي. «سياسة مالية توسعية، تيسير كمي، محفّز مالي للاقتصاد». يومئ الجمهور برؤوسهم موافقين، مغفَّلين بهذه الكلمات الباذخة.

مصرفية الاحتياطية الجزئية، والتيسير الكمي، كلاهما من هذه الكلمات الباذخة، التي تخفي ما يحدث بصبغه صبغة التعقيد وصعوبة الفهم. إذا أردت شرح هذين الأمرين لابن خمس سنوات، سيبدو لك جنونهما سريعًا.

قالها جودفري بلوم أمام البرلمان الأوروبي في نقاش مشترك على أحسن مما قد أستطيعه أبدًا:

«أنتم لا تفهمون حقًّا مفهوم المصرفية. كل المصارف مخفقة. بنك سنتاندر، بنك دويشته، بك سكوتلندا الملكي، كلها فاشلة! ولمَ هي كذلك؟ ليس الأمر من الله. ولا هو إعصار بحري. إنها مخفقة لأن لدينا نظامًا يسمّى «مصرفية الاحتياطي الجزئي»، أي أن البنوك تستطيع أن تُقرض مالًا ليس عندها أصلًا. إنه عار إجرامي، وفضيحة طال الأمد عليها. (…)

نحن نزوّر المال — ونسمّيه أحيانًا التيسير الكمي— ، ولكنه تزوير مسمّى بغير اسمه. طباعة المال هذه التي إذا فعلها أي رجل عادي، سينتهي في السجن مدّة طويلة… وإلى أن نرسل المصارفة هؤلاء — وكلامي يشمل السياسيين والمصارفة المركزيين—  إلى الحبس، سيستمر الغضب».

جودفري بلوم

خلّني أكرّر أهم جزء: تستطيع المصارف إقراض مال ليس معها أصلًا.

بفضل نظام الاحتياطي الجزئي، ليس على المصرف أن يبقي إلا جزءًا من كل دولار معه. وهذا الجزء بين الصفر والعُشر، وعادة في الجهة السفلى، وهو ما يجعل الأمر أسوأ.

فلنستعمل مثالًا متماسكًا لنفهم هذه الفكرة المجنونة فهمًا أفضل: جزء، يبلغ 10%، سينهي المشكلة، وسنستطيع حل كل الحسابات في رؤوسنا. الكل رابح. لذا، إذا أخذت مئة دولار إلى البنك — لأنك لا تريد ادّخارها تحت المرتبة—  فليس على البنك أن يبقي إلا جزءًا منها. في مثالنا هذا، هذا الجزء هو 10 دولارات، لأن عُشر المئة عشرة. سهلة، صح؟


فماذا تفعل المصارف ببقية المال؟ أين تذهب الدولارات التسعون الباقية؟ تفعل ما تفعله المصارف، تُقرضها إلى ناس آخرين. والنتيجة: أثر ضارب مالي يزيد معروض المال في الاقتصاد زيادةً كبيرة. تصبح وديعتك التي كانت 100 دولار عمّا قليل 190 دولارًا. بإقراض تسعة أعشار، أنشؤوا 90 دولارًا، وعمّا قليل يصبح في الاقتصاد 271 دولارًا. ثم 343 دولارًا. يزداد المعروض المالي زيادة عودية، لأن البنوك حرفيًّا تُقرض مالًا ليس لها. من دون تعويذة سحرية واحدة، تحوّل المصارف 100 دولار إلى ألف دولار أو أكثر. تبيّن بعد ذلك أن عشرة أضعاف أمر سهل. لا يأخذ الأمر إلا دورتين من الإقراض.

كيف تتضاعف مائة دولار في نظام الاحتياطي الجزئي حسب نسبة الاحتياطي

لا تفهمني خطأً: لا بأس بالإقراض. ولا بأس بالتربّح منه. ولا بأس أبدًا بالمصارف العادية القديمة التي تخزن ثرواتك في أماكن آمَن من جرّار جواربك.

لكن المصارف المركزية وحشٌ آخر. إنها رِجس التشريع المالي، نصفها عام ونصفها خاص، تلعب دور الله بشيء يؤثر على كل أحد في حضارتنا العالمية، من دون ضمير، ولا اهتمام بأي شيء سوى المستقبل القريب، ومن دون أي مسؤولية أو رقابة.

مع أن البيتكوين لم يزل تضخّميًّا، سيتوقف هذا قريبًا. هذا المعروض المحدود الذي هو 21 مليونًا، سينهي أمر التضخم تمامًا. عندنا اليوم عالمان ماليّان: عالم تضخّمي فيه طباعة عشوائية للمال، وعالم البيتكوين، ذي المعروض النهائي الثابت والسهل المراقبة على كل الناس. الأول مفروض بالعنف، والثاني لا يدخله إلا من يختار دخوله. لا حواجز على الدخول، ولا حاجة إلى رخصة. الاشتراك الطوعي. هذا جمال البيتكوين.

سأقول إن الجدل بين الاقتصاديين الكينزيين والنمساويين لم يعد جدلًا أكاديميًّا بحتًا. استطاع ساتوشي أن يبني نظامًا خارقًا لنقل القيمة، فأنشأ أسلَم مال وُجد في التاريخ بذلك. بطريقة أو بأخرى، سيتعلم مزيد من الناس عن نصب مصرفية الاحتياطي الجزئي. إذا وصلوا إلى استنتاجات تشبه استنتاجات النمساويين وأهل لابيتكوين، فلعلّهم ينضمّون إلى إنترنت المال المتنامي. لن يوقفهم أحد إذا أرادوا ذلك.

علّمني البيتكوين أن مصرفية الاحتياطي الجزئي جنون بحت.

الدرس الثاني عشر: تاريخ المال وسقوطه

لن يتذكّروا الأصول البسيطة التي أعطاهم أصدقاؤهم إياها، من قبيل: إذا دخلت في النار، حرقتك، وإذا جرحت إصبعك بالسكّين جرحًا عميقًا، نزفَتْ، أمّا هي فلم تنسَ ذلك أبدًا، إذا شربت زجاجة مكتوبًا عليها «سُمّ»، ستؤذيك حتمًا، عاجلًا أو آجلًا.

يظنّ كثير من الناس أن المال مغطًّى بالذهب، المكنوز في خزائن كبيرة تحميها جدران سميكة. لكن هذا بطُل منذ عقود كثيرة. لست أذكُر على اليقين ماذا كنت أعتقد، لأنني كنت في مصيبة أكبر، إذ لم أكن أفهم الذهب ولا المال الورقي ولا الحاجة إل الغطاء أصلًا.

جزءٌ من تعلّم البيتكوين، تعلُّمُ الأموال الحكومية، ومعناها، وكيف أتت، ولمَ قد تكون فكرةً ليست من أفضل فكرنا. إذن، ما هو المال الحكومي بالضبط؟ وكيف انتهى بنا الأمر إلى استعماله؟

إذ فُرض شيءٌ ما بالأمر (أي الحكومة)، فمعناه أنه مفروض بسُلطة أو أمر رسمي. لذا، فالمال الحكومي مالٌ لأن أحدًا قال إنه مال. ولأن كل الحكومات تستعمل المال الحكومي اليوم، فهذا الأحد هو حكومتك. ومن سوء حظّك أنّك لست حرًّا لتخالف هذا الأمر. ستدرك سريعًا أن هذه المسألة أبعدُ ما تكون عن اللاعنف. إذا رفضت استعمال هذه العملة الورقية للعمل والضرائب، فلن تناقش الاقتصاد مع أحد سوى زملائك المساجين.

إن قيمة المال الحكومي ليست آتية من خصائصه الجوهرية. وإن جودة المال الحكومي منوطةٌ بالاستقرار السياسي والمالي للحكومة التي تُسقط هذا الحلم المالي على الواقع. أما قيمته فهي مفروضة بالأمر أيضًا، عشوائيًّا.

’فيات‘ – كلمة لاتينية تعني بالأمر الحكومي

’فيات‘ – كلمة لاتينية تعني بالأمر الحكومي

إلى وقت قريب، لم يكن في الوجود إلا نوعان من المال مستعملان: المال السلعي وهو مال من أشياء ثمينة، والمال الممثّل، وهو الذي يمثّل الشيء الثمين، بالكتابة غالبًا.

لقد ألمحنا إلى المال السلعي أعلاه. استعمل الناس عظامًا معينة، وأصدافًا، ومعادن ثمينة، وجعلوها مالًا. ثم، استعملت نقود مصكوكة من المعادن الثمينة كالذهب والفضة مالًا. أقدم عملة موجودة إلى اليوم هي من مزيج طبيعي من الذهب والفضة، صُنعت قبل أكثر من 2700. إذا كان في البيتكوين أمرٌ جديد، فليس هو مفهوم العملة.

عملة إلكتروم الليدية – Picture cc-by-sa Classical Numismatic Group, Inc.

لقد تبيّن أن اكتناز العملات، أو إمساكها بعبارة اليوم، عمره من عمر العملات نفسها. أقدم ممسك عملات هو رجل وضع مئة عملة تقريبًا في جرّة ودفنها تحت أصول معبد، ولم توجد إلا بعده بألفين وخمسمئة عام. مخزن بارد جيد جدًّا إذا أردت رأيي.

من مساوئ استعمال عملات المعادن الثمينة إمكانية قطعها، وبخس قيمتها. يمكن صك عملات جديدة من الأجزاء المقطوعة، وهو ما يضخّم معروض المال مع الوقت، ويبخس كل عملة مفردة بذلك. كان الناس حرفيًّا يكشطون ما استطاعوا من دولاراتهم الفضية. ويحيّرني، ما نادي كشط الدولارات هذا الذي كان عندهم آنذاك.

ولأن الحكومة لا تحب التضخم إلا إذا كانت هي القائمة عليه، أقامت جهودًا لإيقاف بخس العصابات هذا. كما اعتيد على أمر الشرطة والحراميّة، كان قطَعة العملات أكثر إبداعًا في تقنياتهم، فأجبروا سادة المصكّ على أن يزيدوا إبداعهم في الإجراءات المضادة. كان إسحاق نيوتن، الفيزيائي المعروف لكتابه مبادئ الرياضيات، كان واحدًا من هؤلاء السادة. ويُنسَب إليه أنه أضاف الخطوط الصغيرة على جوانب العملات، التي لم تزل إلى يومنا هذا. اضمحلّ بعد ذلك كشط العملات السهل.

عملات مكشوطة الجوانب

حتى مع مراقبة طرق بخس العملة هذه، لم يزل للعملات المعدنية مشكلات أخرى. إنها كبيرة، وصعبة النقل، لا سيما عند نقل مقادير كبيرة من القيمة. الذهاب بكيس ضخم من الدولارات الفضية كل مرة تريد شراء مارسيدس ليس أمرًا عمليًّا.

وبمناسبة الكلام عن الأشياء الألمانية: إن تسمية دولار الولايات المتحدة قصة مشوّقة أخرى. كلمة «دولار»، مشتقة من الكلمة الألمانية تالر وهي اختصار لكلمة يواخيمستالر. والجوكيمثالر هي العملة المصكوكة في مدينة القديس يواخيمستال. التالر ببساطة اختصار لاسم الشيء الذي يأتي من هذه القرية، لأن يواخيمستال كانت قرية صكّ العملات الفضية، سمّى الناس العملات الفضّية التالر. تحوّل التالر الألماني إلى دالدر بالهولندية، ثم أصبح الدولار بالإنكليزية.

«الدولار» الأصلي. القديس يواخيم مصوّر بثوبه وقبعته –Picture cc-by-sa Berlin-George

أرهص دخول المال التمثيلي بسقوط المال الصعب. بدأ أمر شهادات الذهب عام 1863، وبعد خمسين عامًا، تحوّل الدولار الفضّي أيضًا إلى وسيط ورقي: شهادة الفضّة.

واستغرق الأمر خمسين عامًا بعد أول شهادة فضية، لتصبح هذه الأوراق ما نعرفه اليوم باسم الدولار الأمريكي.

دولار فضّي أمريكي، من عام 1928. «يُدفع لحامله عن الطلب». حقوق الصورة لمجموعة العملات الوطنية في معهد سميثسونيان.

لاحظ أن الدولار الفضي الأمريكي أعلاه، حافظ على اسم شهادة فضة أي أنه محض شهادة تحكم أن حاملها مستحق لقطعة من الفضة. من المهم أن نلاحظ أن النص الدالّ على هذا صغُر حجمه مع الوقت. أما كلمة «شهادة» فاختفت تمامًا بعد فترة، وحلّ مكانها عبارة مطمئنة تقول إن هذه الأوراق من الاحتياطي الفدرالي.

كما ذكرنا أعلاه، حدث الأمر نفسه للذهب. كان معظم العالم على نظام المعدنين، أي أن العملات كانت معظمها من الذهب والفضة. وكان يُعدّ أمر شهادات الذهب تطوّرًا تقنيًّا. الورق أسهل، وأخفّ، ويمكن تقسيمها مهم شيء بطباعة رقم أصغر عليها، لذا يمكن تفسيمها إلى أجزاء صغيرة.

لتذكير الحاملين أن هذه الشهادات كانت تمثل الذهب والفضّة، كانت تلوّن الشهادات بألوانهما ويُذكر الأمر واضحًا في الشهادة نفسها. يمكنك أن تقرأ بسهولة من الأعلى إلى الأسفل:

«تشهد هذه الورقة أن في خزينة الولايات المتحدة الأمريكية مئة دولار من الذهب تُدفع لصاحبها عند الطلب».

حقوق الصورة لمجموعة العملات الوطنية، في متحف التاريخ الأمريكي الوطني.

في عام 1963، أُزيلت كلمات «يُدفع لحامله عند الطلب» من كل الأوراق حديثة الصدور. بعد خمس سنوات، انتهى أمر استحقاق الورق للذهب والفضة.

أُزيلت الكلمات التي تشير إلى أصول فكرة المال الورقي. اختفى اللون الذهبي. لم يبق إلا الورق، وبقي معه قدرة الحكومة على طباعة ما شاءت وكم شاءت.

مع إلغاء نظام الذهب عام 1971، اكتملت هذه الحيل التي دامت قرنًا. أصبح المال الوهم الذي نتشاركه جميعًا اليوم: المال الحكومي. وهذا المال له قيمة ببساطة لأن الذي يقوم على الجيش والسجون يقول إن له قيمة. كما نقرأ على كل ورقة دولار اليوم: «هذه الورقة عملة قانونية». بعبارة أخرى: لها قيمة لأن الورقة تقول هذا.

عملة فئة عشرون دولارًا من سلسلة 2004 تستعمَل اليوم. «هذه الورقة عملة قانونية»

بالمناسبة، هذا درس مهم عن صكوك المصارف اليوم، مخفي في العلَن الظاهر. والسطر الثاني يقول إنها عملة قانونية «لكل الديون، العامة والخاصة». ما كان واضحًا لأهل الاقتصاد، كان مفاجئًا لي: كل المال دين. لم يزل رأسي يؤلمني لإدراك ذلك، وسأترك استكشاف العلاقة بين المال والدين تمرينًا للقارئ.

كما رأينا، استُعملت نقود الذهب والفضّة ألفيّات كثيرة. مع الوقت، حلّ المال الورَقي محل عملات الذهب والفضة. وببطء أصبح الورق مقبولًا للدفع. هذا القبول أنشأ وهمًا، أن الورق له قيمة في نفسه. كانت الحركة الأخيرة قطع الرابط تمامًا بين الممثِّل والممثَّل: إنهاء نظام الذهب وإقناع الجميع أن الورق في نفسه قيّم.

علّمني البيتكوين عن تاريخ المال وأعظم خدعة في تاريخ الاقتصاد: المال الحكومي.

الدرس الحادي عشر: المال

قال الحكيم، وهو يهزّ أقفاله الرمادية: «في شبابي،
حافظت على مرونة أعضائي،
باستعمال هذا الدهن، وهو بخمسة شلنات للعلبة الواحدة
اسمحوا لي أن أبيعكم بعضًا منه».

ما هو المال؟ نحن نستعمله كل يوم، ولكن صعوبة إجابة هذا السؤال مدهشة. نحن معتمدون على المال في كل كبيرة وصغيرة، وإذا قلّ في أيدينا أصبحت حياتنا صعبةً جدًّا. ومع هذا، قليلًا ما نفكّر في الشيء الذي قيل إنه يُجري العالم. أجبرني البيتكوين على أن أجيب هذا السؤال مرة بعد مرة: ما هو المال؟

في عالمنا «الحديث»، يفكّر الناس على الأرجح بقطع من الورق إذا تحدثوا عن المال، ولو أن معظم أموالنا ليست إلا رقمًا في حساب مصرفي. نحن من الآن نستعمل أصفارًا وواحدات لتمثّل أموالنا، فكيف يختلف البيتكوين؟ البيتكوين مختلف لأن جوهره نوع من المال مختلف جدًّا عن النوع الذي نستعمله اليوم. لنفهم ذلك، سنحتاج إلى أن ننظر نظرة قريبة إلى تعريف المال، وكيف يصبح مالًا، ولمَ استُعمل الذهب والفضّة في معظم التاريخ التجاري.

«بهذا المعنى، فهي أقرب إلى المعادن النفيسة. لأن معروضها لا يتغير للحفاظ على قيمتها، بل يبقى معروضها ثابتًا وتتغير القيمة.»

ساتوشي ناكاموتو

صَدَف البحر، الذهب، الفضة، الورق، البيتكوين. في النهاية، المال هو ما اصطلح الناس أنه مال، مهما كان شكله ونوعه، وإن كان بلا شكل ولا نوع.

المال اختراع عبقري. العالم من دون مال عالم معقّد تعقيدًا جنونيًّا: كم سمكةً ستشتري لي حذاءً جديدًا؟ كم بقرةً ستشتري لي بيتًا؟ ماذا إذا كنت لا أحتاج أي شيء اليوم، ولكنني أريد أن أتخلص من تفّاحاتي التي أوشكت على التعفّن؟ لن تحتاج إلى كثير من التخيل لتعرف أن اقتصاد المقايضة عاجزٌ عجزًا كبيرًا.

الأمر العظيم في المال هو أنه يمكن مقايضته بأي شيء آخر، هذا هو ابتكار المال. كما لخّص نيك زابو في كتابه التقبيض: أصول المال، نحن البشر استعملنا كل شيء مالًا: الخرز من المعادن النادرة كالعاج، والصدف، والعظام الخاصة، وأنواعًا من الحلي، ثم معادن نادرة كالفضة والذهب.

ولأننا مخلوقات كسولة، لا نفكر كثيرًا في الأشياء التي تعمل من نفسها. المال، بالنسبة لمعظمنا، يعمل ولا بأس به. كالحال مع سياراتنا وحواسيبنا، معظمنا لا يُجبَر على التفكير بالتفاصيل الداخلية لهذها الأشياء إلا عندما تتعطل. الناس الذين رأوا مدّخرات حياتهم تختفي بالتضخم المفرط، يعرفون قيمة المال الصعب، كما يعرف الناس الذين رأوا نهاية أصدقائهم وأهلهم في فظاعات ألماني النازية وروسيا السوفييتية قيمة الخصوصية.

القضية في المال أنه جامع لكل شيء. المال نصف كل معاملة، وهو ما يعطي الناس الذين يتحكموا بخلق المال قوة عظيمة.

«مع العلم أن المال نصف كل معاملة تجارية وأن حضارات كاملة قامت وسقطت بناءً على قيمة مالهم، نحن نتكلم عن قوة جميلة، تطير تحت غطاء الليل. إنها القوة التي تحيك الأوهام التي تظهر حقيقة ما دامت. إنها جوهر قوة الاحتياطي الفدرالي.»

رون بول

يزيل البيتكوين هذه القوة سلميًّا، لأنه يلغي خلق المال من دون استعمال العنف.

مرّ المال بتطورات كثيرة. كانت معظم التطورات جيدة. حسّنت هذه التطورات المال بطريقة أو بأخرى. ولكن مؤخرًا، فسدت أعمال المال الداخلية. اليوم، معظم أموالنا تخلقها السلطات من لا شيء. لأفهم كيف حدث هذا وجب علي تعلّم تاريخ المال وانحداره.

لم يظهر بعد إذا كان إصلاح هذا الفساد محتاجًا إلى سلسلة من الكوارث أو إلى مجرّد جهد تعليمي ضخم. أدعو آلهة المال السليم أن يكون الجواب هو الأخير.

علّمني البيتكوين ما هو المال.

الدرس العاشر: القيمة

كان الأرنب الأبيض، يعود ببطء من حيث جاء، وينظر إليها قلقًا، كأنها أضاعت شيئًا.

القيمة مسألة مفارقة، وفيها نظريات عديدة تحاول أن تشرح كيف نقوّم أشياء فوق أشياء أخرى. لم يزل الناس واعين بهذه المفارقة منذ آلاف السنين. كما كتب أفلاطون في حواره مع يوثيدمس، نحن نقوّم الأشياء لأنها نادرة، لا لأنها ضرورية لبقائنا.

«وإذا كنت  حكيمًا ستعطي هذا النصيحة نفسها لتلاميذك، أنهم لا يحاورون أحدًا من غيرهم سواك. لأن النادر، يوثيدمس، هو الغالي، أما الماء فهو الأرخص، مع أنه الأضل، كما قال بندر».

أفلاطون

مفارقة القيمة هذه، تظهر لنا شيئًا مهمًّا عن البشر: نحن نقوّم الأشياء على أساس ذاتي، ولكننا نفعل ذلك بناءً على مقياس غير اعتباطي.  قد يكون الشيء ثمينًالأسباب كثيرة، ولكن الأشياء التي نقدّرها تشترك في خصائص محددة. إذا استطعنا نسخ شيءٍ بسهولة، أو كان وفيرًا في الطبيعة، فلن نقدّره.

يبدو أننا نقدّر الشيء لأنه نادر (الذهب والألماس والوقت)، أو صعب الإنتاج مُتعبه، أو لا يمكن إبداله بمثله (صورة قديمة لمحبوب)، أو أن يكون مفيدًا يمكّننا من فعل أشياء لا نستطيع فعلها، وقد يكون تقديرنا للشيء قائمًا على مزيج من هذه الأشياء، كالأعمال الفنية العظيمة.

البيتكوين هو كُلّ ما ذُكر: إنه نادر جدًّا (21 مليونًا)، وصعوبة إنتاجه متزايدة (بتنصيف المكافأة)، ولا سبيل إلى استبداله (إذا ضاع مفتاح خاص فقد ضاع إلى الأبد)، ويمكننا من فعل أشياء مفيدة حقًّا. البيتكوين أفضل وسيلة لنقل القيمة عبر الحدود، وهو منيع على الرقابة والمصادرة، وهو فوق ذلك للقيمة ذاتي السيادة، يتيح للأفراد أن يخزنوا ثروتهم مستقلّين عن المصارف والحكومات.

علّمني البيتكوين أن القيمة ذاتية ولكنها ليست اعتباطية.

الدرس التاسع: التضخم

عزيزتي، هنا عليكِ أن تركضي بأسرع ما استطعتِ، لتبقي في مكانك. فإذا أردت أن تذهبي إلى أي مكان، فعليك أن تركضي بضعفَي تلك السرعة.

كان مبدأ مغامرتي في عالم الاقتصاد، محاولة فهم التضخم، وكيف يعمل نظام غير تضخمي كالبيتكوين، وكيف يغيّر الطريقة التي نفعل بها الأشياء. وكنت أعلم أن التضخم هو معدَّل إنتاج المال الجديد، ولكنني لم أعلم سوى ذلك.

يجادل بعض الاقتصاديين أن التضخم شيء جيد، ويقول آخرون إن المال «الصعب» الذي لا يمكن تضخيمه بسهولة، كالذي كان عندنا أيام معيار الذهب، لا بدّ منه للاقتصاد الصحيح. يتفق البيتكوين، بمعروضه الثابت (21 مليونًا) مع المعسكر الأخير.

عادة، لا تظهر آثار التضخم مباشرة. حسب معدل التضخم (وعوامل أخرى كذلك)، قد يكون الزمن بين السبب والنتيجة سنين عديدة. بل وإن التضخم يضرّ مجموعات مختلفة من الناس أكثر مما يضرّ غيرهم. كما أشار هنري هازلت في الاقتصاد في درس واحد: «إن فنّ الاقتصاد هو النظر إلى الآثار المباشرة والبعيدة -لا المباشرة فقط- لأي فعل أو سياسة، وهو تعقّب عواقب هذه السياسة لا على مجموعة واحدة، بل على كل المجموعات».

من اللحظات التي أضاء فيها مصباح رأسي، اللحظة التي أدركت فيها أن إصدار عملة جديدة -طبع مزيد من المال- نشاطٌ اقتصاديّ مختلفٌ اختلافًا كاملًا عن كل الأنشطة الاقتصادية. فإذا كانت السلَع الحقيقية والخدمات الحقيقية تقدم قيمة حقيقية لناس حقيقيين، وهي كذلك، فطباعة المال تفعل نقيض ذلك تمامًا: إذ تأخذ القيمة من كل أحدٍ يحمل العملة التي تُضَخَّم.

«مجرّد التضخم، أي مجرّد إصدار مزيد من المال، وهو ما يرفع الرواتب والأسعار، قد يبدو كأنّه خلق لمزيد من الطلب. ولكن من حيث الإنتاج الحقيقي وتبادل الأشياء الحقيقية، هذا الكلام خاطئ.»

هنري هازلت

إن قوة التضخم المدمّرة تظهر حالما يصبح التضخم كثيرًا. إذا أفرَط تضخُّم عملة ما، تنحدر الأمور انحدارًا سريعًا. مع انهيار العملة المتضخمة، تُخفق في حفظ القيمة مع الوقت، ويُهرَع الناس إلى شراء أي بضاعة يستطيعون شراءها.

أثرٌ آخر للتضخم المفرط هو أن كل المال الذي ادّخره الناس في حياتهم سيتختفي فعليًّا. سيبقى المال الورقي في محفظتك، لا شك. ولكنه لن يكون سوى هذا: ورق بلا قيمة.

اطفال يلعبون بالأوراق المالية – التضخم المفرط في جمهورية فايمر (1921-1923)

يتراجع المال من حيث القيمة في ما يسمّى تضخّمًا «خفيفًا» أيضًا. لكن الأمر يحدث ببطء فلا يلاحظ الناس تقلّص قوّتهم الشرائية. وإذا عملت الطابعات، كان التضخم أسهل ما يكون، وقد يتحوّل التضخم الخفيف إلى تضخم كبير بكبسة زر. كما أشار فردريك حايك في بعض مقالاته، التضخم الخفيف يقود عادةً إلى التضخم الكامل.

«التضخم ‹الخفيف› المستمر لن ينفع، لن يقود إلا إلى تضخم مفرط».

فردريك حايك

التضخم مراوغٌ لأنه يفضّل الأقرَبين من آلة الطباعة. لا يدور المال في السوق ولا ترتفع الأسعار إلا بعد حين، فإذا استطعت أن تمسك بالمال الجديد قبل أن تقل قيمة المال في أيدي غيرك، فأنت أمام المنحني التضخمي. هذا أيضًا هو الذي يجعل التضخم ضريبةً خفيّة لأن الحكومة تستفيد منها على حساب كل أحد غيرها.

«لا أعتقد أنها مبالغة أن نقول إن التاريخ ما هو إلا تاريخ التضخم، وعادةً تاريخ تضخّمات دبّرتها الحكومات لتُربِح نفسها».

فردريك حايك

إلى الآن، كل العملات التي تتحكم بها الحكومة إمّا أنها استُبدلت وإمّا أنها انهارت تمامًا. مهما كان معدّل التضخم صغيرًا، النمو «المستمر» ليس إلا كناية عن النمو الأسّيّ. في الطبيعة وفي الاقتصاد، كل الأنظمة التي تنمو أسّيًّا ينتهي بها الأمر بالاستقرار أو بالانهيار الكارثي.

ولعلّك تقول في نفسك «لن يحدث هذا في بلدي». لكنك لن تقول ذلك إذا كنت من فنزويلا، التي تعاني اليوم من التضخم المفرط. بمعدّل تضخّم بلع مليونًا بالمئة، لا قيمة للمال.

نعم، ربما لا يحدث الأمر في السنتين الآتيتين، وربما لا يحدث لعملة بلدك أنت. ولكن نظرة إلى قائمة العملات التاريخية تظهر أنه سيحدث لا محالة إذا طال الزمان بالعملة. أتذكر من هذه القائمة بعض العملات وكنت أستعملها: الشلن النمساوي، والمارك الألماني، والليرة الإيطالية، والفرنك الفرنسي، والجنيه الأيرلندي، والدينار الكرواتي، وغيرها. استعملت جدّتي الكرون النمساوي المجري. مع مرور الوقت، ستنتقل هذه العملات التي نستعملها اليوم ببطء ولكن بلا ريب، كلٌّ إلى مقبرتها. سيتضخم بعضها، وستحلّ عملات جديدة محلّ بعضها. ستصبح قريبًا عملات تاريخية. سنجعل هذه العملات باطلة.

«أظهر التاريخ أن الحكومات لا بد أن تستسلم لإغراء تضخيم المال».

سيف الدين عموص

بمَ يختلف البيتكوين؟ خلافًا للعملات التي فرضتها الحكومات، لا يمكن أن تقنّن الحكومات السِّلَع المالية، ولكن من شأن هذه السلع بقوانين الفيزياء أن تبقى بل وتحافظ على قيمتها مع الوقت. أفضل مثال عن هذا إلى اليوم هو الذهب، كما يظهر معدّل الذهب إلى الثوب الجيد لم يزل الذهب حافظًا قيمته مئات السنين بل آلاف السنين. قد لا يكون الذهب «مستقرًّا»، والاستقرار مفهوم مُشكِل أصلًا، ولكن قيمته التي يحفظها بقيت على الأقل في الدرجة الأسّيّة نفسها.

إذا حفظت السلعة المالية قيمتها حفظًا جيّدًا مع مرور الوقت وتغير المكان، فهي عملة صعبة. أما إذا لم تحفظ عملتها، وتضخمت وتدهورت، فهي عملة سهلة. إن مفهوم الصعوبة أساسي لفهم البيتكوين وهو مستحق لمزيد من الفحص العميق. سنرجع إلى هذا المفهوم في آخر درس اقتصادي: المال السليم.

يعاني مزيد ومزيد من البلدان التضخم المفرط، ويواجه لذلك مزيد ومزيد من الناس واقع المال الصعب والمال السهل. إذا كنّا من أصحاب الحظّ، قد يُجبَر بعض المصرفيين المركزيين على إعادة النظر في سياساتهم المالية لتقويمها. ومهما يكن من أمر، فإن الأفكار التي جنيتها من البيتكوين أفكار نفيسة، مهما كانت النتيجة.

علّمني البيتكوين عن ضريبة التضخم الخفية، وكارثة التضخم المفرط.

الدرس الثامن: الجهل المالي

ستظنّني فتاةً جاهلةً إذا سألت! لا، لن ينفع السؤال: لعلّي أرى الإجابة مكتوبة في مكان ما.

كان من أدهَش الأشياء عندي، مقدار العلم بالمال والاقتصاد وعلم النفس اللازم لفهم ما يبدو للناظر بادئ الرأي نظامًا تقنيًّابحتًا، شبكةً حاسوبية. أقتبس من الرجل الصغير ذي القدمين الشَّعِرَتين: «إنّه عمل خطر، فرودو، أن تخطوَ إلى البيتكوين. إذا قرأت الورقة البيضاء، ولم تُمسِك قدميك، فلن يعرف أحدٌ أين سينتهي بك الزلَّق.»

لا بد من فهم النظام المالي القديم، لتفهم نظامًا ماليًّا جديدًا. لقد بدأ مبكّرًا إدراكي أن مقدار الثقافة المالية التي تمتّعت بها في النظام التعليمي كان حقيقةً صفرًا.

ومثل ابن خمسة أعوام، بدأت أسأل نفسي أسئلة كثيرة: كيف يعمل النظام المصرفي؟ كيف يعمل سوق الأسهم؟ ما هو المال الحكومي؟ ما هو المال العادي؟ لمَ عندنا الكثير من الدين؟ كم يُطبَع من المال؟ ومن يقرر ذلك؟

بعد موجة هلَع خفيقة من مقدار جهلي، وجدت الطمأنينة بعد أن أدركت أنني مع رفقة صالحة.

«أليس مفارقةً أن البيتكوين علّمني عن المال أكثر ممّا تعلّمته في كل السنين التي قضيتها وأنا أعمل في المؤسسات المالية؟ … حتى عندما ابتدأ عملي في مصرف مركزي»

آرونتايك

«لقد تعلّمت عن المال والاقتصاد والتقانة والتعمية والنفس البشرية والسياسة ونظرية الألعاب والتشريع وعن نفسي في هذه الشهور الثلاثة الماضية في فضاء العملات الرقمية، أكثر مما تعلمت في آخر ثلاث سنوات ونصف في الجامعة»

بيتكوين دني

هذان اعترافان من اعترافات كثيرة في أرجاء تويتر. البيتكوين، كما استكشفنا في الدرس الأول كائن حي. جادل ’ميسس‘ أيضًا عن أن الاقتصاد كائن حي. وكما نعلم جميعًا من تجاربنا الشخصية، الكائنات الحية صعبة الفهم في جوهرها.

«النظام العلمي ليس إلا محطة واحدة في طريق لا ينتهي تقدّمه من البحث عن المعرفة. وهذا النظام -لا بدّ- متأثِّر بالنقص الموجود في كل جهد إنساني. ولكن الإقرار بهذه الحقائق لا يعني أن علوم الاقتصاد الحالية رجعية. إنما يعني أن الاقتصاد كائن حي، والحياة تقتضي النقص والتغيّر».

لودفيع فون ميسس

قرأنا جميعًا عن أزمات مالية عديدة في الأخبار، ونتساءل كيف تعمل هذه الإنعاشات الكبيرة، ونحتار في أنه لا يبدو أن أحدًا مسؤول عن الأضرار التي بالتريليونات. لم أزل محتارًا، ولكنني على الأقل بدأت أفهم ما يجري في عالم المال.

يبلغ الأمر ببعض الناس أن ينسبوا هذا الجهل العام بهذه المواضيع إلى جهل نظامي متعمَّد. فالتاريخ والفيزياء والبيولوجيا والرياضيات واللغات كلها أجزاء من تعليمنا، أما المال فلا يُناقش إلا سطحيًّا، إذا نوقش أصلًا. تُرى هل كان الناس سيستدينون كل هذه الديون التي يستدينونها اليوم إذا كانوا متعلّمين لإدارة المال الشخصية وآثار المال والدين؟ ثم أتساءل: كم طبقة من الألمنيوم لازمة لصنع قبعة فعالة من القصدير؟ ثلاثة، على الأرجح.

«تلك الانهيارات، وهذه الإنعاشات، ليست حوادث. وليس حادثًا أننا لا نتعلّم التربية المالية في المدرسة. الأمر مقصود. كما كان تعليم العبيد ممنوعًا قبل الحرب الأهلية، كذلك نحن ممنوع تعليمنا عن المال في المدرسة.»

روبرت كيوساكي

كما في ساحر أوز، قيل لنا ألّا نهتم بالرجل خلف الستارة. خلافًا لساحر أوز، لدينا اليوم سحر حقيقي: شبكة نقل للثروة، مفتوحة، منيعة على الرقابة، لا حدود لها. لا ستارة، السحر ظاهر للجميع.

علّمني البيتكوين أن أنظر خلف الستارة وأواجه جهلي المالي.

الفصل الثاني: الاقتصاد

انتصبت شجرة أزها قرب مدخل الحديثة: كانت أزهارها بيضاء، ولكن كان عليها بستانيّون مشغولون بصبغها بالأحمر. وجدت أليس هذا أمرًا محيّرًا.

المال لا ينمو على الأشجار. من الحماقة الاعتقاد بأنه ينمو، لذلك علّمنا أهلنا هذه العبارة بترديدها كما لو كانت مانترا. لقد شُجّعنا أن نستعمل المال بحكمة، وألّا نفرّط فيه، وأن ندّخر في اليوم الأبيض ليساعدنا في اليوم الأسود. فالمال كما يُقال لا ينمو على الأشجار.

علّمني البيتكوين أشياء عن المال ما كنت أتخيّل أنني أحتاج إلى تعلمها. فبالبيتكوين أُجبرت على استكشاف تاريخ المال والمصارف ومدارس الفكر الاقتصادي وغير ذلك. لقد قادني مسعاي في فهم البيتكوين إلى طرق كثيرة، حاولت استكشاف بعضها في هذه السلسلة.

في الدروس السبعة الأولى نوقشت بعض الأسئلة الفلسفية التي تتعلق بالبيتكوين. هذه الدروس السبعة التالية ستنظر نظرة أقرب إلى المال والاقتصاد.

مرة أخرى، لن يكون لي في هذه الدروس إلا أن أُشير وألمّح. البيتكوين ليس متفائلًا فحسب، بل هو واسع وعميق، وهو ما يجعل تغطية كل المواضيع المتعلقة به في درس أو مقالة أو كتاب أمرًا مستحيلًا. أشكّ في أنه ممكن أصلًا.

البيتكوين نوع جديد من المال، وهو ما يجعل تعلّم الاقتصاد ركنًا في فهمه. إن التعامل مع طبيعة الفعل الإنساني والتعامل بين الفاعلين الاقتصاديين غالبًا قطعة من أكبر القطع في أحجية البيتكوين وأغمضها.

مرة أخرى، هذه الدروس استكشاف لأشياء كثيرة تعلمتها من البيتكوين. إنما هي تدبّر في رحلتي الشخصية في جحر الأرنب. وأنا لا خلفية اقتصادية لي، لذلك فأنا لا شك خارج منطقة راحتي، لذلك فأنا واعٍ أن فهمي قد يكون ناقصًا. سأفعل ما في وسعي لتلخيص ما تعلّمت، وإن بدوت غبيًّا. في النهاية، ما زلت أحاول الإجابة عن هذا السؤال: «ماذا تعلمت من البيتكوين؟»

بعد سبعة دروس نظرنا فيها من عدسة الفلسفة، فلننظر الآن من عدسة الاقتصاد سبعة دروس أخرى. درس الاقتصاد هو كل ما يمكن أن أقدمه هذه المرة. الوجهة الأخيرة: المال السليم.

الدرس السابع: حدود المعرفة

نزولًا، نزولًا، نزولًا. أما لهذا السقوط منتهى؟

إن الدخول في عالم البيتكوين تجرة مورِثة للتواضع. كنت أظن أنني أعرف الدنيا. كنت أظن أنني متعلّم. كنت أظن أنني أعرف علوم الحاسوب، على الأقل. لقد درستها سنين، لذا لا بد أنني أعرف كل شيء عن التواقيع الرقمية والهاشات والتشفير وأمن العمليات والشبكات، صح؟

غلط.

تعلّم كل الأساسيات التي صنعت البيتكوين صعبٌ. أما امتلاك فهمٍ عميقٍ لها فهو في أقصى درجات الاستحالة.

«لم يجد أحد منتهى جحر البيتكوين».

جيمسن لوب

إن قائمة الكتب التي أنوي قراءتها تزداد توسّعًا أسرع بكثير من قدرتي على قراءتها. أما قائمة الأوراق العلمية والمقالات فإنها غير منتهية. ولكل موضوع من مواضيع البيتكوين بودكاستات لن أستطيع أبدًا الاستماع إليها جميعًا. إنه أمرٌ مورث للتواضع حقًّا. هذا والبيتكوين ما زال يتطوّر، وتكاد تستحيل مواكبة تطوره بمعدّل الابتكار المتاسرع فيه. لم يهدأ غبار الطبقة الأولى بعد، والناس قد بدؤوا بناء الطبقة الثانية وهم يعملون على الثالثة.

علّمني البيتكوين أنني لا أعرف إلا القليل عن أي شيء تقريبًا. علّمني أن هذا الجحر لا قعر له.

الدرس السادس: قوة الخطاب الحر

قال الفأر غاضبًا، ولكن متأدّبًا: «أستميحك عذرًا، هل قلت شيئًا؟»

البيتكوين فكرة. فكرة، في شكلها الحالي، هي تجلٍّ لآلةٍ تعمل بالنص فقط. كل جزء من البيتكوين نص: الورقة البيضاء نص. البرنامج الذي يُشغّل العقد نص. الدفتر نص. الحوالات نص. المفاتيح العامة والخاصة نص. كل جزء من البيتكوين نص، لذا فالبيتكوين مكافئ للخطاب.

«ليس للكونغرس أن يشرع قانونًا يجعل للدولة دينًا رسميًّا، أو يمنع التصرّف الحرّ في الدين، أو يحدّ حرّية التعبير أو الصحافة، أو حق الناس في الاجتماع السلمي ومطالبة الحكومة بإصلاح مظالمهم».

الملحق الأول لدستور الولايات المتحدة الأمريكية

ومع أن آخر معركة في حروب العملات الرقمية لم تقرع طبولها بعد، فإنه من الصعب جدًّا تجريم فكرة، فكيف إذا كانت فكرة قائمة على تبادل رسائل نصية؟ في كل مرة تحاول الحكومة تجريم نص أو خطاب، ننزلق في طريق من السفاهة لن يقود إلا إلى وساخات من قبيل الأرقام غير القانونية والأوليات غير القانونية.

ما دام في الكون أرضٌ فيها التعبير حرّ، لن يتوقف البيتكوين.

«لم يحُل البيتكوين في أي حوالةً عن كونه نصًّا. إنّه كلّه نصّ دائمًا.

البيتكوين نصّ. البيتكوين خطاب. لا يمكن تقنينه في دولة حرة كالولايات المتحدة، لأن فيها حقوقًا مضمونة وملحقًا أوّلًا يستثني فعلَ النشر (نشر النصوص والكتب) من إشراف الحكومة»

بيتيون

علمني البيتكوين أن الخطاب الحر والبرمجيات الحرة في المجتمع الحر لا يتوقفان.

اشترك في نشرة البيتكوين بالعربي

تابع اخبار البيتكوين والمقالات والمحتوى الجديد