السيادية الجزء الثاني: البنك الأجنبي للغاية

المقالة الأصلية | المؤلف: Robert Breedlove | ترجمة: The BTC Translator

في الجزء الأول من السيادية، استكشفنا الدمار الخلّاق للدول القومية الذي تجرّه التكنولوجيا والأنظمة الاقتصادية الاجتماعية المنظمة لنفسها في العصر الرقمي. في هذا الجزء الثاني، سننظر نظرة من كثب في الإبداع الحفّاز الكامن خلف هذا الانتقال العالمي إلى السيادية: البيتكوين. إن وصف البيتكوين بـ«البنك الأجنبي الغاية» (والغاية: السابق الذي لا نظير له)، أداة ذهنية مفيدة تساعدنا على تحسين فهمنا للقوى السياسية الكبرى واعتبارات نظرية الألعاب والدوافع الاقتصادية التي تدفع هجرة رؤوس الأموال إلى أعالي البحار الرقمية في القرن الواحد والعشرين.

أعالي البحار الرقمية                             

«الفضاء الرقمي هو القضاء الأجنبي المطلق. اقتصاد لا ضريبة فيه. برمودا في السماء مع اللآلئ»

كتاب سيادة الفرد

كانت المياه الدولية تاريخيًّا أعظم ملاذ آمن من الدول القومية. يستعمل المقامرون والقراصنة والمهرّبون وآخرون من المذنبين هذه الأراضي التي لا حاكم عليها لينخرطوا في أعمالهم التي جرّمتها الدولة. إن عالَم المحيطات واسع الفضاء كبير الخطر والجائزة وفيه تتعاظم المسؤولية الفردية. ولكن لمَ كان القانون البحري مختلفًا عن الأنظمة القانونية التي تعمل بها الدول القومية اليابسية؟ تُظهر معادلة تكلفة وربح بسيطة السبب الأساسي: باعتبار عظم مساحة أعالي البحار وجفائها، نجد أن التكاليف الضرورية لفرض السلطة أعظم بكثير من عوائد جباية الضرائب التي يؤمَل أن تحصَّل إذا ثبّتت الدولة سلطتها على المنطقة. وحتى إذا افترضنا أن النشاط الاقتصادي في أعالي البحار كثيف بما يكفي لإنشاء نظام ضريبي رابح، فإن تكاليف الدفاع عن هذا الاحتكار (أو الاستبداد) من الدول الأخرى الساعية للربح أمر يجب النظر فيه. لهذه الأسباب الاقتصادية، تعدّ المياه الدولية أعظم «غربٍ جافٍ» تستهلك فيه الولايات موارد ضخمة لحماية استبدادها بالمنطقة من الهجمات البحرية.

حتى الولايات المستقرة لا تستطيع إجراء نشاطات تجارية ناجحة في أعالي البحار. لمّا كان تدفق المياه على الأرض من أهم ما يشكل حدود سلطة الدول (تحدد كثير من الأنهار والسواحل أشكال الدول القومية)، كانت القوة الحاكمة في هذه المناطق الحدودية هي السائدة جيوسياسيًّا. إن الوصول إلى الماء يوفر ميزات اقتصادية في نقل الطاقة أو الكتلة (والكتلة هي طاقة مجمدة) عبر الزمكان، إذ تساعد القوى الهيدروليكية للماء الإنسان على التغلب على احتكاكات الجاذبية، ومن ثم يحسن الإنتاجية كثيرًا. يستهلك نقل 10 أطنان على الأرض طاقة أكبر بكثير ممّا يستهلكه نقل المقدار نفسه على الماء. ومن مرونة الماء وقلة الاحتكاك فيه، يسرّع شبكة الطاقة التجارية وفي الوقت نفسه يعيق تأسيس سلطة دائمة. وهذا ما يجعل السلطة على الخط الساحلي مزية سياسية جغرافية كبرى. فلا شك أن وصول الولايات المتحدة غير المقيد إلى المحيطين الهادي والأطلسي كان عنصرًا أساسيًّا في سلطتها في القرن العشرين، اقتصاديًّا وعسكريًّا. وإذا حسبنا جميع الاعتبارات، وجدنا أن القوة المستبدة بالعنف التي تستطيع تطبيق أكبر القوى على البحار، هي التي تصبح الدولة القومية. كتب الاستراتيجي البحري ألفرد ماهان في كتابه الكلاسيكي أثر قوة البحار عبر التاريخ:

إن أمواج الفضاء الرقمي غير خاضعة للتحكم والتسلط، وهو ما يجعلها مكانًا للسيادة الفردية العظمى.

إن إحاطة الأرض بخلاء البحار الوسيع مزيّة دفاعية طبيعية. والتكاليف اللازمة لسلطة الجباية لمراقبة المنطقة المحيطية وتفتيشها وجباية ضرائبها صاعقة. يجب أن تركّز أنظمة الجباية جهودها على المناطق اليابسية ذات الكثافة الاقتصادية العالية لتجني ربحًا. ومما يثير الاهتمام أن الآليات الاقتصادية لأعالي البحار تساعدنا على فهم مزيّات التجارة في العالم الرقمي.

تخيل أن كل النشاط التجاري ترك أرضه اليابسية وأُجري في سفن متبعثرة في مياه العالم المفتوحة. تخيل الآن أن كل واحدة من هذه السفن التجارية لها جهاز إخفاء، يجعلها خفيّة على العين والرادار وأي جهاز مراقبة آخر. ثم تخيل أن معلومات هويات كل الأنفس المبحرة في أعالي البحار هذه، وكل الأموال التي تحوزها، وكل المحادثات بينهم، مخفيّة على نحو مشابه، في عتمة معرفية. فإذا تخيلت هذا، فتخيل أخيرًا أن هذا السوق البحري انتفخ حتى أحاط بالكون المنظور كله. ما أصعب وأغلى تنظيم اقتصاد خفي ومتسع هكذا؟ ولئن كانت هذه الخيالات بعيدة عن الواقع، فإن كل التجارة والهويات ورؤوس الأموال المودعة في الفضاء الرقمي لها المزيات نفسها من حيث الدفاع والخفاء وامتناع التتبع. ورغم عدم شيوع تقانة التشفير بعد، فإن تقدمها مستمر متسارع، يُحوّل هذا المجاز الخيالي إلى واقع رقمي للسياديين المثقفين حول العالم.

يثبت النظر في ترتيب الدول القومية في القرن العشرين أن تصوّر سلطة عبر البحار أمر صعب. هكذا، فإن البناء التخيلي الذي يقارن الفضاء الرقمي بأعالي البحار مفيد في التبصّر بالتحديات التي تواجهها كل المحاولات أحادية الطرف للسيطرة على الناس في القرن الواحد والعشرين. الآن، صار في مقدور الناس أن يلوذوا بالملجأ الأوحد لرأس المال، البيتكوين، الذي لولاه لكانوا ضحايا الاستبداد الاقتصادي. إن قوة الدولة القومية مبنية على قدرتها على مصادرة الثروة، وهي نقطة هجوم تحيّدها التقانة الرقمية تحييدًا كبيرًا. أحيانًا أفضل طريقة لمواجهة الهجوم هي مواجهته بفضاءٍ خالٍ، والفضاء الرقمي يمكّن الخلاء هذا لتحقيق اتساع مضاهٍ للاتساع الكوني. مع التقانة الرقمية، يمكن نقل المعلومات ورؤوس الأموال بسرعة الضوء، وإخفاؤها خلف جدار الطاقة المعمّاة، وتخزينها «في كل مكان ولا في مكان» بطرائق شتّى لا تنتهي، ولا يحدّها إلا خيال المطوّر. باختصار: الدفاعات الرقمية، وهي دفاعات لا تخترق، تتحدى القوة. مع مجيء البيتكوين، أصبحت المعلومات والمال والذاكرة مُدْمَجة كلها إدماجًا لا ينفك: حدثٌ معتمد على المسار يغيّر تدفّق تنظيم الذات الاجتماعي الاقتصادي.

إذا نُزعت الجسمية من المال، أدّى هذا إلى مقتضيات مذهلة. كل محاولة أحادية الطرف لنقل القيمة الاقتصادية، بالتضخم أو الضرائب غير المتفق عليها أو المصادرة المباشرة، تزيد الطلب على رأس المال المضاد للسرقة. وفي أبعد طرف من طيف المناعة على المصادرة، يشعّ نور البيتكوين الثابت. فإذا أفاق الناس على الفوائد الطبيعية لتحصين مدخراتهم في الضفة الأخرى من فجوة أعالي البحار الرقمية التي لا تُعبَر، بدأت حلقة تلقيم راجع بين تزايد محاولة الحكومة لعبور هذه الفجوة، وبين إرادة الهروب من قبضة الحكومة، فإذا اشتدّت قبضة المحاولات لضبط رؤوس الأموال، مُوّجت موجات أعظم من هروب رؤوس الأموال. في يأسٍ هازمٍ للذات، كلما اشتدت قبضة الحكومات، انسلّ من بين أصابعها المال المُطلَق المنقولية إلى الأثير الرقمي. تحكم نظرية الألعاب الفعل البشري دائمًا، من دون نظر إلى المراسيم والتشريعات.

نتيجةٌ مباشرة لإحكام قبضة الحكومة هي نموّ القيمة السوقية للبيتكوين وأمن شبكته، إلى جانب تقلّص مكافئ في خطر تملّك البيتكوين (المال الصعب سلعة فبلين). ومن الأمثلة الحديثة لهذا الأمر، حظرُ المصرف المركزي في نيجيريا البيتكوين، الذي لم يزد اعتماد البيتكوين بين النيجيريين إلا تسارعًا. في النهاية، ستصبح هذه الآلية دوامة عالمية قائمة على نظرية المعلومات، تجذب كل رؤوس الأموال إلى البنك الأجنبي الغاية: البيتكوين. مع انهيار عوائد الحكومات، ستنتهي الوظائف التي كانت تقدمها تقليديًّا، كالتصويت وحفظ حقوق الملكية والخدمات العامة والدفاع وغير ذلك، وهو ما يؤسس فراغًا في السوق يتيح لرواد الأعمال أن يشبعوا هذه الرغبات التي لم يعد يشبعها أحد. سينشأ محيط أزرق من فرص السوق الجديدة مع تفسخ احتكارات الدولة القومية. يلغي المال اللامركزي احتكارات معظم الأسواق، لأنه يقلل سطح الهجوم اللازم للتشريع الفعال والإكراه، فيجعل فائدة الإجبار أقل مع الوقت (إلا أن يكون فدية مباشرة أو ابتزازًا، لكن هذه أشياء ليست واسعة النطاق). بهذا المعنى، شراء البيتكوين هو قَصْرٌ كبير للدولتية. لقد اختارت بعض أعظم العقول في زماننا هذا مكانها في هذه التجرة التاريخية من الآن:

حسبُك هذا.

الحياة سلسلة من التجارات التي فيها خسائر وأرباح. الأفراد الذين يتحضرون ويتكيفون مع هذه التغيرات السياسية الكبرى سيكتسبون قوة في العالم السيادي. ومن أركان نجاح السياديين في أعالي البحار الرقمية: الوصول إلى المال، والخصوصية، والحفظ.

المصرفية الأجنبية الرقمية

«فإذا فُتح الملاذ الضريبي الأعظم من كل الملاذات الضريبية، أصبحت كل الأموال أموالًا أجنبية تحت تصرّف مالكها وحده»

كتاب سيادة الفرد

في القرن العشرين، كانت المصرفية الأجنبية وسيلة مفضلة لحماية الثروة. إن حماية الأموال من المصادرة أمر مطلوب سواءٌ من الناهب أو المنهوب، فكلاهما يريد أن يحصّن أمواله من أيادي السارقين. المصارف الأجنبية ملاذات ضريبية، ومؤسسات اجتماعية وُجدت منذ قررت الحكومات أن تموّل نفسها بالضرائب غير المتفق عليها والتضخم. ولكن الملاذات الضريبية لم تكن دومًا مصارف. فقد كان في روما القديمة مثلًا ميناء مبني على جزيرة ديلوس أُريد به تقويض الأقضية المنافسة وجذب النشاط الاقتصادي إلى مواني الجزيرة. كان ميناء ديلوس الخالي من الضريبة واحدًا من أولى الملاذات الضريبية. خسرت جزيرة رودس الإغريقية المجاورة سريعًا نشاطها التجاري لهذا الميناء، وتراجعت قوتها التجارية في العالم القديم. وهنا درسٌ مهم جدًّا: إذا سُلّح المستهلكون بالاختيار بين مقدّمي خدمات متنافسين، كان مصير السوق في أيديهم. وضوحًا، يختار المستهلكون دائمًا أن يدفعوا ثمنًا أقل من أجل الخدمات نفسها. وبالمبدأ نفسه، تندفع رؤوس الأموال إلى آمَن المخازن المتاحة في كل عصر من العصور. وفي العصر الحديث هذا، أصبحت البنوك حصونًا لحفظ رؤوس الأموال.

ولعلّ أن الحساب المصرفي السويسري أشهَر الملاذات الضريبية في العصر الحديث. في مطالع القرن التاسع عشر، جعلت سويسرا نفسها دولة محايدة. وفي القرن التالي، أصبحت بنوكها ملاذات ضريبية أجنبية للنخَب الأوروبية. بعد الحرب العالمية الأولى في أوائل القرن العشرين، بدأ ازدهار هذه الصناعة السويسرية الصغيرة. ولمّا كان الدمار الذي عانته أوروبا كبيرًا في الحرب، لجأت الحكومات إلى رفع الضرائب لإعادة الإعمار. وبفضل حيادها السياسي، لم تتضرّر سويسرا تضرّرًا كبيرًا من الحرب، ومن ثم استطاعت أن تبقي ضرائبها منخفضة بالمقارنة مع جيرانها المتحاربين. هذا الاختلاف في فلسفة الحكم جذب تدفقات عظيمة من رؤوس الأموال إلى سويسرا. استغلّت المصرفية السويسرية حياد دولتها الحاضنة ومزاياها التضاريسية بحكم إحاطة سلاسل الجبال بها في وسط أوروبا، وانتشر بذلك صيت خدمتها العالية المستوى بين الزبائن الأوروبيين. طبعًا، يرغب الناس أن «يمسكوا بمفاتيح» رفاههم المالي، وقد قدمت المصارف السويسرية تاريخيًّا لمستهلكيها ضمانات متفوقة للوصول والخصوصية والأمان. أما البيتكوين، فتتفوق بمستويات كثيرة في كل هذه الأبعاد الثلاثة.

البيتكوين حفّاز السيادية.

يوفر البيتكوين خدمة عامة تسهل التدفق التجاري للملكية الخاصة، وهو من هذه الناحية يقدّم وصولًا ماليًّا عالميًّا. يمكن تخزين المفتاح الخاص — وهو حامل المعلومات الذي يتيح لصاحبه استعمال البيتكوين — في ذواكر تماثلية أو رقمية أو حتى بيولوجية. يمكن استعمال المفاتيح الخاصة لبدء تحويلات بيتكوين من أي مكان في العالم فيه وصول للاتصالات الرقمية، في أي وقت من اليوم. محافظة المرء على مفتاحه الخاص هي الكأس المقدسة لسيادته الذاتية. ومع أن تاريخ التحويلات في البيتكوين شفاف ومتاح للجميع، فإن الروابط بين المفاتيح وأصحابها لا يمكن معرفتها إلا من خلال المراقبة، ولم تزل تطويرات البيتكوين الناشئة مثل تابروت تعزّز خصوصية البيتكوين. فإذا استعملت إجراءات الأمان الصحيحة، صحّ القول أن البيتكوين ثروة خفية. من حيث الأمن، شبكة البيتكوين واحدة من أقوى شبكات الحوسبة وآمَنها في التاريخ. وبفضل رقميّة البيتكوين المحضة، يمكن تخزينه في طيف واسع من نماذج الحيازة عالية الأمان المنيعة تمامًا على المصادرة. البيتكوين هو المال الوحيد في التاريخ المنيع مناعة مطلقة على المصادرة بالتضخم. فإذا جمعنا هذه الميزات، الوصول والأمن وضمانات الحماية، جاز لنا القول إنه الملاذ الضريبي الذي لا جدال فيه، الذي اختاره سياديو القرن الواحد والعشرين.

بفضل كونه «البنك الأجنبي الغاية» في القرن الواحد والعشرين، يمحو البيتكوين الدولتية ويغذّي ثقافة عالمية ناشئة متجذّرة في السيادية.

البيتكوين أسلَم ملاذ ضريبي من التضخم أحادي الجانب، والضرائب والمصادرة في التاريخ البشري. تُرجع الشبكة المالية الرقمية الرأسماليّة «مفاتيح القلعة» لأصحابها المستحقين لها، وهم الأفراد الذين ضحوا لينتجوا ثمار أعمالهم التي يمثلها المال في السوق (الذين حافظوا على مفاتيحهم الخاصة، فالبيتكوين في المصارف والأسواق ليس بيتكوينا). في هذا النموذج الجديد، كل المال المخزن في البيتكوين مكافئٌ لـ«المال الأجنبي» تحت تصرف مالكه. يدرك المشاركون في السوق سريعًا أهمية السيادة المالية، والبيتكوين يتسارع خروجه من الأسواق إلى حيازة أصحابه السياديين:

مع تزايد قيمة البيتكوين، يدرك المشاركون في السوق أهمية الحيازة الذاتية للبيتكوين.

إن القوة والحرية والسيادة التي يكتسبها الأفراد عندما يجرون تعاملاتهم المالية في البيتكوين هي نقطة شيلن (النقطة المحورية) التي لا يمكن إنكارها في أعظم لعبة عدائية بين جميع اللعب: الفعل الإنساني. والبيتكوين ليس مجرد مغيّر للعبة، إنما هو لعبة جديدة لها قوانين جديدة لا تُختَرق. يَعِد أسلوب التنظيم الاجتماعي الاقتصادي المشتق من البيتكوين بتحسين الثروات حول العالم ويحفّز في الوقت نفسه التخلي عن استعمال العنف، إلى الأبد.

نهاية السَّلْب الجماعي

«لطالما سعت السلطة في أسهل طريق للثروة، وهو مهاجمة الذين يملكونها»

ويليام بلايفير

التقدم الحضاري في قوسِه الأوسع قوّة سيادة طاردة: لأن السلطة تتجه إلى المحيط عندما تزيدنا المتاجرة في السوق إنتاجيّة بالإبداع، وفضيلةً بالتلاقح الثقافي. وعندما تصبح السيادة عامّة، لا يعود للمراسيم والعنف معنًى أمام الفعالية الاقتصادية. فإذا انحسرت عوائد السياسة والعنف (وهو الامتداد الطبيعي للسياسة)، أصبحت الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية أمرَن وأكثر لا مركزية، لأن التعاون في هذين الظرفين أربَح من السلب. مثالٌ متطرف على هذا الحال: مجتمع الصيّادين الجمّاعين، حيث لم يكن العنف يُكسب صاحبه إلا نُهوب ضحية واحدة أو قرية صغيرة، وكان تناسق المعلومات (الذي يبيّنه التطور المتقارب للأدوات والحراب القديمة) عاليًا، أي إن النزاع المسلح كان خطرًا بقدر ما هو مفيد (إذا انتصرت فيه). كانت سيّئة هذه البنية الاجتماعية الاقتصادية القديمة، رغم أنها لامركزية، هي تحقق المثل القائل «القوة هي الحق» أي إن السيادة الفردية لطالما كان يستلبها أي أحد معه «عصًا أكبر». جعل البيتكوين التنظيم الاجتماعي الاقتصادي اللامركزي السلمي ممكنًا، لأنه أول حق ملكية خاصة لا يحتاج إلى التهديد بالعنف لحمايته. هذا النقد العالمي الرقمي اللاحكومي يغيّر منطق العنف إلى الأبد، فهو ابتكار عميق للحضارة، لا نظير له ربما منذ ابتكار ساعة الوقت.

البيتكوين حق ملكية خاصة ميتافيزيقي يغير منطق العنف إلى الأبد.

القوة هي تسريع الطاقة عبر الزمكان. إن القدرة على إسقاط القوة والدفاع ضدها جانب مهم في التعاملات البشرية. يظهر كل عصر حضاري حقائقه التقنية الفريدة التي تعكس حجم انتقال الطاقة وفعاليته بمختَرَعات العقل البشري: ومنها الأدوات والأموال والتنظيمات الاجتماعية الاقتصادية. ومن أمثلة هذه العملية، تأمّل كيف تطور السلاح البشري من الرماح إلى البندقيات ثم إلى القنابل النووية، وكل سلاح من هذه الأسلحة قادر على نقل قوة أكبر من سابقه. عادةً تحفّز الحروب الابتكارات في هذا المجال، ومن عادة الحروب أن تظهر ضرورات البقاء على الذين تؤثر فيهم. الحاجة، كما يقولون «أم الاختراع». النزاع المسلح قوة تحفّز الإبداع، وهي مرتبطة ارتباطًا عميقًا بما يميّز الفعل الإنساني، وهو نقل الطاقة عبر الزمكان بهدف تحقيق أهداف قيّمة. الحرب هي النزاع الداخلي للإرادات الإنسانية المتضادّة، والجحيم الذي أحاق بحدود الحضارات وأغرقها عبر التاريخ. لهذه الأسباب الفيزيائية، كانت الوسائل التي ينقل بها الإنسان الطاقة هي الإكراه أو العنف، وكلاهما قوة على الآخرين، وكلاهما مشتبك بالأنظمة الاجتماعية الاقتصادية.

إن حساب العنف سبب من الأسباب التي تجعل عمليات السوق الحرة تفضّل طبيعيًّا التقنيات المالية الصعبة على السرقة. ولأن تهديد العنف قائمٌ دائمًا، يفضل الناس أن يُمسكوا أصولًا نسبة قيمتها إلى تكاليف حمايتها أعظمية. أصولًا محميّة يمكن الدفاع عنها ويصعب إنتاج مثلها، منيعةً على مساعي السلب. إن القدرة على الحماية كانت ميزة أساسية في اختيار السوق الحرة للذهب مالًا. والقدرة على الحماية فرعٌ عن المحموليّة، وهي خصيصة من خصائص المال، فالأصول التي تكون نسبة قيمتها إلى وزنها عالية أسهَل نقلًا وأرخَص حمايةً. يكمّل البيتكوين خصيصة المحمولية المالية وفرعها الأمني، لأنه مال رقمي محض: يمكن نقله بسرعة الضوء وحمايته في أي وسيلة تستطيع حمل المعلومات. كان حلّ مشكلة محمولية الذهب واحدًا من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى إنشاء العملات المدعومة بالذهب، وهو ما أعطى الحكومات نقطة هجوم استطاعوا بها احتكار معروض المال. بعد أن كان الذهب ركن السوق، أُلغي معياره، ومهّد ذلك الطريق لتطبيق العملات الحكومية الأمريّة (أي المنتجة حسب أمر الحكومة): وهي آلية احتكارية تستعملها الدول القومية للسلب الجماعي لمجتمعات كاملة، من خلال التضخم والضرائب التي لم يتفق عليها.

يستمثل البيتكوين وظيفة المال.

تدهورت المصارف المركزية، التي أُريد بها أصلًا دعم القوات المسلحة وتنظيمها، وأصبحت أنظمة تمارس قوّة الاغتصاب على المواطنين بلا ضمير. إن التلاعب بمعروض المال هو الحيلة الأساسية التي استعملتها الحكومات لتغتصب السيادة من مواطنيها الأفراد في العصور التماثلية. من قطع النقود المعدنية إلى التيسير الكمي، لم يخدم التدخل في المال إلا هدفًا واحدًا: سرقة المواطنين. أعني بالتضخم هنا تحديدًا، زيادة معروض المال عشوائيًّا تحت سيطرة احتكار قانوني، ولا أعني توسيع المعروض المنتظم، كالذي يجري عند تعدين الذهب أو البيتكوين، أو إصدار الائتمان المصرفي في السوق الحرة، كل هذه أشياء مستقلة لأنها عمليات في السوق الحرة خاضعة لتكاليف الإنتاج ومعرّضة للخسارة الاقتصادية. التضخم ظاهرة غير منتظمة لا تكون في السوق الحرة.

لقطات حقيقية من عملية «ضخ النقد» في الاقتصاد.

التضخم ضريبة، ولكن قياسها الدقيق مُشكِل. يسبب التضخم حَتًّا مستمرًّا للقوة الشرائية عبر الزمن، فتحتاج إلى مال أكثر لشراء المقدار نفسه من الأشياء، وهو ما يؤدي إلى زيادة عدد ساعات العمل اللازمة لشراء المقادير نفسها من السلع الأساسية للبقاء. تقيس حكومة الولايات المتحدة التضخم خطأً (أو ربما خداعًا) من خلال مؤشر أسعار المستهلك. هذا المؤشر قائم على حساب يغيّر أساسه عدة مرات لتحقيق نسب معينة، ويستثنى منه التصنيفات «المتقلبة» كالطعام والطاقة. التقلب هنا يعني تغير الأسعار، فاستثناؤه من مؤشر يراد به قياس تغير الأسعار يهدم الأمر كله. في الحقيقة، لا يمكن قياس التضخم بمقياس واحد. التضخم ذاتي في جوهره، مثل الحسابات التي تفسدها خسارة القوة الشرائية على المشتركين في السوق. بعبارة أخرى، التضخم نسبي إلى الأهداف الفريدة التي يستهدفها كل فاعل في السوق، وهو ما يجعل كل المقاييس العامة للتضخم غير دقيقة. أدقّ مقاييس ضريبة التضخم هو نمو المعروض المالي العام، وهي نسبة مساوية تقريبًا لنسبة بخس العملات الورقية في يد أصحابها على أي مدى زماني.

أرض الأحرار، إلا في موضوع المال.

يستحيل حساب التضخم بمبلغ معين بالدولار لأنه خسارة ذاتية في الطاقة الشرائية للفاعل الاقتصادي، كلٌّ حسب السلع التي كان يستهدف شراءها. بعبارة أخرى، كل مشارك في السوق يحدد مُعاملًا فريدًا للتضخم عندما يشتري ويبيع ويُمسك بالأصول. ولكن لا تغرّك هذه الذاتية، فمن وجهة نظر موضوعية، التضخم ضريبة، وإن كان شكلًا أمكَر وأقلّ مباشرة من الضرائب. بعبارة أوضح: ليس التضخم إلا ضريبة. وبصرف النظر عمّا تزعمه الدعاية الكينزية، فإن التضخم لا يجرّ أي منفعة اقتصادية لأحدٍ سوى المضخِّمين، أي حراميّة المصرف المركزي الذين يتربّحون من هذا الاحتكار المشرَّع لتزوير المال. يمكن حساب الضرائب المباشرة بطرائق أوضَح (بالدولار) لأنها مفوترة ومدفوعة بالدولار. ومع أن معظم دَفَعة الضرائب في الولايات المتحدة مدرَّبون ككلاب بافلوف ليُرسلوا استماراتهم ويدفعوا جزيتهم كل أبريل لتجنّب فظاعات دائرة الإيرادات الداخلية، فإنه واجبٌ أن ندرك أن الضرائب التي لا تحدد نسبُها بالتراضي هي بالتعريف، سَلب. هذا المَكْس بغير التراضي، وأخوه المشؤوم التضخم، فعلان إجراميّان لا أخلاقيّان لا تفريق بينهما وبين السرقة. واسمح لي أن أفصّل هذه الفكرة مرّة أخرى، ولو أنني كررتها كثيرًا: فرض الضرائب بغير تراضٍ، والتضخم، سرقة تقوم بها المصارف المركزية حول العالم ضد المواطنين.

### صورة ###

الابتزاز: استخدام العنف والتهديد للحصول على غرض ما، خصوصاً المال

يواجه الفاعلون في السوق دوافع اقتصادية ضخمة للخروج من هذا الاغتصاب النظامي الموجود في كل مكان. المصرفية المركزية نظامٌ مؤسس لـسرقة الوقت: بقيّة من آخر بقايا العبودية في عالمٍ تقدّم أخلاقيًّا على صُعدٍ شتّى بفضل مكتسبات الإنتاجية الكبيرة التي أكسبته إياها العبقرية الريادية، وإن كان يواجه رياح اغتصاب الأموال. يمكن أن نقول إن الأخلاق رفاهية، وأن التضخم يُضعف نشرها وتوسيعها، كما أنه يهمّش الابتكارات الأخرى. من حسن حظ أهل العصر الرقمي، صار الخروج من هذه اللعبة الفاسدة ممكنًا الآن. كل إنسان يقدّر وقته أو وقت الذين في حياته، يستطيع اليوم أن يختار مالًا تضاهي ندرته ندرة الوقت. هذا التغير البسيط في المنظور يشكّل ضغطًا هدروليكيًّا من الحوافز الواعدة بهَدم العملات الحكومية ومخططاتها الهرمية في كل مكان. فإذا أردنا النظر فيما يصدّ المشاركين في السوق عن حفظ ثرواتهم بالعملات الحكومية، وما يدفعهم إلى نقل رؤوس أموالهم إلى بنك البيتكوين الأجنبي، فلننظر في هذه الأرقام:

العملات الحكومية قائمة على آليّات اقتصاديّة تدعّ الفاعلين في السوق دعًّا إلى شراء البيتكوين. وبالمثال يتّضح المقال: إذا كان المواطن الأمريكي المتوسط يدفع 10,489 دولارًا ضرائب مباشرة للحكومة الأمريكية كل عام، وبصرف النظر عن أثر التضخم الخبيث الصعب الحساب (الذي يعتمد على مزيج الموازنة والأداء والأهداف وغير ذلك)، فإن خيار حفظ المدخرات في البيتكوين قرار ثمنه 1.2 مليون دولار، على افتراض ربح سنوي بقيمة 5% على رأس المال لمدة 40 عامًا، ثم ينتفخ ليصبح قرارًا بـ 4.4 مليون دولار على افتراض أن نسبة المدخرات الضائعة 10%. إذن، بالنسبة للمواطن الأمريكي المتوسط، سؤال اعتماد البيتكوين مكافئٌ لسؤال: «هل تقبل أن تغيّر حساب توفيرك مقابل 1.2 مليون دولار مدخرات للتقاعد؟» وتذكر بعد ذلك، أن هذه الحسبة لا تشمل إلا المَكْس المباشر. وباعتبار أن الحكومة الأمريكية طبعت تقريبًا 4.1 تريليون دولار عام 2020 وحده — وهو العام الذي بلغت فيه إيرادات الضرائب 3.9 تريليون دولار فقط — وباستعمال طريقة حسابنا المذكورة أعلاه، نجد أن الضريبة الفعلية (الجامعة للتضخم والمكس) تساوي تقريبًا ضعفي الضريبة المباشرة المفروضة على المواطنين (ولو أن التضخم يضر الفقراء أكثر والمعتمدين على دخل محدود، كالمتقاعدين والمساجين). وباستقراء توسيع المعروض المالي في الولايات المتحدة من عام 2020، نجد أن مضاعفة الأرقام المذكورة تعكس الأثر الحقيقي للاغتصاب الجماعي الذي يجرّه التضخم وفرض الضرائب بغير تراض، وتعكس أيضًا عِظَم الدوافع للخروج من هذا النظام.

وضوحًا، إذا زادت معدلات التضخم والضرائب، زادت الدوافع إلى اعتماد البيتكوين لاتّقاء شرّ الدولة القومية وأكلها لرؤوس الأموال، الذي يبلغ أكثر من 700 مليون دولار، على افتراض 100 ألف دولار في حساب توفير سنوي وأن نسبة الضريبة الفعلية 20%. إن جشع الحكومات والاختيار المتاح للمواطنين الأغنياء رقميًّا، سيُؤدّيان حتمًا إلى هذه النتيجة، وستنحدر إيرادات الدولة جدًّا، وانحدار الإيرادات علامة تنذر بانهيار أي مشروع. فإذا تبيّنت هذه الحسبة للفاعلين في السوق، هُرعوا إلى البيتكوين، وسجّل التاريخ انفجار القيمة السوقية للبيتكوين وانهيار نماذج إيرادات الدولة القومية. وهنا يصبح السؤال: كيف سينظم بنو الإنسان أنفسهم صبيحة انهيار الدولة القومية؟ إن الذين يتدبرون هذا السؤال ونتائجه الاحتمالية، ويتحضرون له، سيجدون ملجأً في أعالي البحار الرقمية، حيثُ قانون الواحد والعشرين مليونًا هو «قانون الأرض».

إبحارُ السياديين

«لقد اعتادت سلطات الجباية معاملة دافعو الضرائب كما يعامل الفلّاح بقره إذ يحسبها في الحقل ليحلبها. في العصر الرقمي، تنمو لهذه الأبقار أجنحة»

كتاب سيادة الفرد

السلطة كلمة قوية: تعني أن إرادة بعض الناس مسلَّطة على غيرهم. تعتمد السلطات على دفَعة الضرائب الباقين تحت أسرها الإقليمي، أو على الأقل، الذين يريدون أن يخضعوا إلى مراسيم السلب حتى وهم خارج السلطة القانونية لحكومتهم (انظر نظام الضرائب العالمي لحكومة الولايات المتحدة مثلًا). تقوم الدول القومية على حدود محكمة معرّفة بوضوح تمارس فيها سلطاتها ونشاط جباية الضرائب. فإذا تعاظمت الضرائب والتضخم، زادت مثبّطات دافعي الضرائب عن البقاء داخل الحدود (أو على الأقل، عن الائتمار بالمراسيم). فإذا خرجت تجارة كبيرة أو رأس مال كبير من ولاية، انهارت إيراداتها الضريبية، وانحدرت ثروة الاقتصاد المضروب وثمار إنتاجيته. ولمّا كان الحفاظ على الاستقرار من مصلحة سلطات الجباية الطفيلية، كان عليها أن تلتزم الحذر فلا تقتل مضيفيها — ومضيفوها هم الاقتصادات الإنتاجية التي تحافظ عليها. على مر التاريخ، غُلب المواطنون في هذا النزاع بين سلطات الجباية ودفعة الضرائب، بسبب اعتماد المواطنين على حقوق الملكية الخاصة والمؤسسات وحكم القانون اللازم للتعاملات التجارية الفعالة. تقليديًّا، كان في إمكان صاحب القوة أن يتلاعب بأركان التعاون الاقتصادي الاجتماعي، وهو اختصاص الدول القومية. إن تحوّلية تمثيلات الإنسان لرؤوس الأموال (الأصول)، والناس (الهويات)، والعلاقات بينهم (الملك) أعطت أنجَح أصحاب الإكراه والعنف حكمًا مجانيًّا يستطيعون به ليّ قوانين المجال الاقتصادي ليلائم أجنداتهم السياسية. أمّا البيتكوين، وهو نوع خاص من الملكية الفردية، لا تغير له، ولا اعتماد على الهوية، فيتيح انفصال السياديين عن نظام المصرفية المركزية المغتصب للأموال.

«إن مصدر كلمة Authority (‹السلطة›) هو Author (‹كاتب أو مؤلف›). تكتب السلطات دورك في قصتها. أما الفرد السيد فهو بطل رواية نفسه»

مايك هِل

تواجه السلطة المؤسسية للعصور التماثلية اليوم التفكك بقعل طوفان الأسيد الرقمي الهائج. ستفكك الشبكات المنظمة لنفسها كالإنترنت والبيتكوين قيود الدول القومية على التجارة بإعطائها الإنسان وسيلة لنقل المعلومات ورؤوس الأموال عبر الزمكان بغير استئذان وإن اختلفت الولاية، كما كسرت طابعة غوتنبرغ خناق الكنيسة المركزي على تدفق المعرفة. أما سلطات الجباية، التي تعتمد اعتمادًا مطلقًا على قدرتها على حدّ الخيارات المالية لمواطنيها، فستُجبَر الآن على تقديم خدمات أكثر وأكثر لتحصل على أي إيراد. إن قدرة الأفراد على «التصويت بأرجلهم» بالخروج من مجامع العملات الحكومية تؤدي إلى عالم فيه تأكيد أكبر على الاختيار الحر، وفيه، من ثمّ، حكومات ونماذج حكم أصغر وأقلّ إكراهًا. تُعيد السيادية المسؤولية إلى النطاق المحلي، وهو ما سيؤدي إلى توسع الحق الإنساني الأوحد: الاختيار.

ترى الحكمة المتعارفة في القرن العشرين أن المال منتج تحتكره الدولة القومية. هذا الفكر التقليدي يتدهور كلما زادت الفروق بين ظروف الماضي والحاضر. يُكتَب التاريخ عندما يتراكم التفاوت بين السائد والممكن، فتثور براكين الثورة ضد المتعارف. إن احتكار الدولة القومية للمال حتمًا لا يلائم مجتمعًا رقميًّا يستطيع تنظيم نفسه على مستوًى رفيع من الفعالية، وهو ما تؤكده الظروف. تتشكل التنظيمات الاجتماعية الاقتصادية في خطوط حقلية من الثقة والأمان ناشئة عن الحقائق التقنية في عصرها، كما تصطفّ برادة الحديد قرب المغنطيس. يغير التشفير والمال الذي لا ثقة فيه أدوار الثقة والأمان في التعاملات الإنسانية. فالمؤسسات التماثلية أدوات باهظة للتثبّت التقريبي، أما الأدوات الرقمية فأدوات رخيصة للتثبّت المطلق. ستضمن القوى الاقتصادية القائمة على مبدأ «لا تثق، بل تثبّت» البيتكويني، موت المؤسسات التماثلية المثقَلة بالثقة، وازدهار التنظيمات الرقمية القائمة على التثبت في القرن الواحد والعشرين. المال هو أصل كل التنظيم الاقتصادي الاجتماعي، والسيادية انفصال يتنزّه عن فساد التاريخ الإنساني.

المال أداة اختيار مطلق في السوق. بالمعنى الفيزيائي، المال تمثيلٌ للاستطاعة، وهي في هذه الحالة القدرة على طلب عمل الآخرين مع الوقت. كل أنظمة السلطة الاجتماعية الاقتصادية في العالم مشتقة من أداة نقل الطاقة الباطنة عبر الزمكان هذه. بعبارة أخرى: المال مسيطرٌ على معظم الطاقات الإنسانية الخلاقة. بعد احتكار الذهب وإصدار المال القائم على الدين مكانه، أصبحت المصرفية المركزية هي الخيار المشترك للفاعلين في السوق. وُلدت السيادية من البيتكوين، لتكون قيامةً للخيار الفردي في عالم تسيطر عليه الدول القومية. بتسليح مواطني القرن الواحد والعشرين بالقوة لتحقيق الأكثر بالأقل، وللاختفاء في الأثير الرقمي متى احتاجوا، وللاستقلال عن مجامع الأمر والسيطرة القائمة على العملات الحكومية، يَعِد العصر الرقمي بأنه سيتميّز بطبقة اجتماعية جديدة من النخب العقلية: السياديون المثقفون. ومع إبحار مزيد ومزيد من السياديين إلى أعالي البحار الرقمية، ستزداد مجتمعاتهم هنالك غنًى وسلامًا وأخلاقًا وجاذبيّة للآخرين، مُطلِقةً دورةً فاضلة من التقدم الحضاري.

الاختيار هو الحق الإنساني الوحيد، والبيتكوين يوسّع طيف الاختيار أمام الفاعلين في السوق توسيعًا جذريًّا. إن الذين يدركون هذا الواقع الجديد، ويختارون أن يسلكوا المسلك الصحيح أوّلًا، هم الذين يرثون الأرض.

السيادية تحول سياسي ضخم يظهر أنه لا يمكن إيقافه: فكل فاعل في السوق إمّا أن يتحضر له ويعتنقه، وإما أن يُجبَر على ذلك عندما ينهار مجمع العملات الحكومية العالمي، وإنه لمنهار. كل محاولة للسيطرة على السياديين ستكون مثل محاولة السيطرة على سرب من الزرازير، والزرازير طيور تنظم أنفسها وتتفرّق وتتجمّع في طيرانها لتتجنب كل عائق في الطريق. أو ربما يجوز أن نشبه السيادية بالبحار التي لا تزال هائجة: قوّات لا تألو ولا تقف، تحكمها قوانين الطبيعة، قائمة على مبادئ الفيزياء بعيدًا عن سلطة السياسة — طاقات ستنحت شكل الواقع الاجتماعي الاقتصادي وإن كره أي كيان مركزي. عندما يحكم الاختيار الرقمي، تُملَّك اللامركزية. إن المفتاح الذي لا غنى عنه لتنظيم ذكاء الطبقة الاجتماعية الصاعدة المسماة السيادية هو بنك البيتكوين الأجنبي المعصوم.

تبدأ السيادية بالبيتكوين، ولا ندري أين تنتهي. قد ترشدنا لمعرفة هذا دراسةُ التحولات التاريخية المشابهة. في الجزء الثالث، سنستكشف تاريخ التحولات السياسية الكبرى لنميّز متحوّلات مشتركة نستخدمها لنستشرف مستقبل السيادية.

Tagged : /

السيادية الجزء الأول: الدمار الرقمي الخلّاق

المقالة الأصلية | المؤلف: Robert Breedlove | ترجمة: The BTC Translator

الدمار الرقمي الخلّاق

إن تطور التقانة أسرع من قدرتنا على فهم مقتضياتها

كِنْ غولدشتاين

الدولتيّة (أو الدولجية) أسلوب تنظيمٍ اجتماعي اقتصادي نشأ في العصر الصناعي، يشمل كل تطبيقات الدولة للرأسمالية والشيوعية والفاشيّة، وكل الأنظمة الدولتية الأخرى، ولكنه لا يدل على هذه الأدلوجات دلالة صافية. صعدت تطبيقات الدولتية في القرن العشرين، عندما كان أسلوب التنظيم الممكن الوحيد هو الحُكم من عَلُ (top-down) حكم الدولة القومية المركزية المسيطرة. وكما سقطت الإقطاعية أمام الصحافة المطبوعة، سقطت الدولتية أمام واحدة من أهم الوقائع التقانية في عصرها. لقد افترس الترقيم في قرننا هذا كل مشروع تقاني مرجوح الفعالية: من الإعلام والمواعدة، إلى الإعلان والسفر. فإذا سحبنا الكلام على الحكم، وجدنا أنّ الأدوات الرقمية تنسَخ الدوَل القوميّة بتمكين الأفراد تمكينات جديدة وعميقة.

كل الدول مشكّلة بالتقانة. إن الوجود الإنساني في دأبٍ مستمرٍّ إلى أنواعٍ أحفَظ للطاقة من تنظيم النفس، لإبقاء الإنتاجية محرَّرة بتقسيم العمل، وتقليل النفقات اللازمة للأمان قدر المستطاع. هذا هو هدف المجتمع. بتقسيم العمل تقسيمًا أعمق وأعمق، ينمو كنز المعرفة الإنساني العالمي أغنى وأغنى، ليعلّم البشر إنشاء أدوات وأنظمة أفضل. مع تحقيق الإنسان أساليب أوسعَ في لامركزيتها لحماية الأملاك والأشخاص، نشأت دول جديدة: لقد مرّ العالم بتقدّم طويل من طغيان مصر القديمة إلى الديمقراطيات التمثيلية في الحضارة الغربية. وفي تعاقب هذه «التغيرات الطورية» الاقتصادية الاجتماعية، تتحرّر مقادير كُبّارة من الطاقة الإبداعية وتتمثّل في الإنتاجية والأرباح وتجمّع رؤوس الأموال. إن تنظيم المجتمعات على نحوٍ مستمثَلٍ للاختيار الفردي هو أفضل أساليب التنظيم الاقتصادي والاجتماعي حفظًا للطاقة. غلبت الرأسماليةُ الشيوعيّة (ودمّرت الاتحاد السوفييتي بطريقها)، لهذا السبب: لأن الأدوار المختارة طوعًا (الأسواق الحرة)، لا تستلزم تكاليف أمان وحفظ كالتي تستلزمها أنظمة الأدوار الإكراهية (الأسواق غير الحرة).

إن انتصار الرأسمالية على الشيوعية هو «التدمير الإبداعي» الذي ذكره شومبيتر، الذي يُبطل فيه الإبداع الأدوات والأنظمة الأقدم والأقل طاقة، ويحرر طاقةً يمكن استهلاكها في مساعي أخرى. تنشأ صبيحةَ هذه العمليّة المدمّرة والخلّاقة، عوائد اقتصادية ضخمة. تأمّل مَثَلًا، أنه قد احتيج لبناء هرم الجيزة الأعظم 84 ضِعْفًا لعدد الساعات البشرية التي احتيجت لبناء برج خليفة ناطح السحاب في دبي، ومع ذلك فإنّ البرج يبلغ 830 مترًا، أي 7 أضعاف طول الهرم العتيق، بفضل التخصص المعرفي الموجود في عصرنا الحديث. وكان بناء برج خليفة شهادةً مذهلةً للرأسمالية الحديثة (وإن كانت مهمّشة)، إذ بني على نحو أفعَل بأضعاف من هرم الجيزة الأعظم (498 ضعفًا من الطول في ساعة العمل الواحدة).

تغْلِبُ الأنظمةُ الاقتصادية التي تحفظ الإنتاجية بحماية تقاسم العمل.

الرأسماليّة، من حيث هي نظام اجتماعي اقتصادي، أذكى في توزيعها للطاقة من الشيوعية. يبلغ الرفاه المنظَّم ذروته عندما تُقَدَّم السيادة الفردية. أحسنت الرأسمالية في هذا الأمر، ولكن تدخل الدولة في المجالات المالية والقانونية كبحها. أما السيادية، وهي فلسفة أعمقُ تجذّرًا في مبادئ السوق الحرة، فتعدُ بأنها ستكون موزّعًا لا ندّ له للطاقة، في سعي لإشباعٍ أكبر للرغبات الإنسانية. 

الطاقة هي الحقيقة

إذا أردت أن تجد أسرار الكون، ففكّر بمصطلحات التردد والاهتزاز والطاقة

نيكولا تسلا

إن تسخير الطاقة لتصبح منتجة لنفسها هو هدف كل الحياة. في الأنظمة المقيّدة بشدّة، أفضل تحويل للطاقة هو تحويلها إلى عمل ميكانيكي. في الأنظمة الفيزيائية، هذه القيود هي الجزيء، في الأنظمة الاقتصادية، هي الملكيّة. وكلّما قويت القيود، زادت فعالية الطاقة. تحدد اعتبارات فعالية الطاقة الأدوات والأنظمة التي يخلقها الإنسان لنفسه. إن من شأن المنافسة السوقية الحرة أن تختار الأنظمة المتينة ثرموديناميكيًّا، أي الأنظمة التي تستمثل استعمال الطاقة النادرة مطلقًا. تترجَم القيود الأقوى إلى سعة استطاعة أعلى: أي إلى زيادة القدرة على حفظ الطاقة مع مرور الوقت من دون تبديد. في كونٍ تنافس فيه الحياة كل يوم على حصتها من الطاقة المحدودة، التبذير مدمّر. ولمّا كانت الطاقة هي أدقّ تصوير للواقع، كانت الطاقة هي الحقيقة. فتحويل الطاقة إذن، هو حفظ للحقيقة، وهو مفتاح النجاح في الظروف التنافسية للكائنات الحية والمنظمات.

التجارة والمال ركنان من أركان التنظيم الاجتماعي الاقتصادي. يتقايض الناس طاقاتهم لينتجوا ثمرات عملهم. المال هو الوسيط الذي يتقايض به الناس الطاقة. وأفضل المال هو المال الذي تضاهئ ندرته ندرة الطاقة اللازمة لإنتاج ثمرة العمل التي تجعله مستحقًّا. فإذا أصبح هذا المال (الأفضل) نظام تشغيل الطبقة الأساسية للتعاون الإنساني، جرّ مقتضيات عميقة على الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية التي تقوم عليه. إنّ مالًا كهذا لا بدّ أن يكون أصمَّ عن المكايد السياسية والفعائل الإجرامية، كما أن الواقع الثرموديناميكي للندرة الطاقية المطلقة الذي يحميه أصمّ عنها. فإذا أوقف الإنسان تخصيص طاقة لـ«إدارة» المعروض المالي (أو بالأحرى، التنازع على السلطة لإدارته)، تحرّرت طاقاته لإنشاء بنى سياسية اقتصادية أمتن على أساس مال لا يتغير ولا يتزعزع.

الحرب استمرارٌ للسياسة لكن بوسائل أخرى

كلوسوِتْز

يؤسس المال السليم ثرموديناميكيًّا «منطقة محايدة» لا يهم فيها إلا كَم يشارك المرء في إنتاجية المجتمع. لن يعود للرتبة العسكرية، ولا الانتماء السياسي، ولا القرب من آلة الطباعة، دورٌ في تحديد مكان المرء في هرم الثروة العالمي. فإذا وُهب المجتمع مصدرًا للحقيقة التي لا شك فيها، التي يستطيع أن ينظم نفسه حولها، ستُزال دوافع كثير من العنف في العالم وتشحّ موارده. عندما لا تُلوى القوانين، ولا يمكن مصادرة المال بسهولة بالإجراءات السياسية، يصبح السعي في التعاون السلمي هو الخطة الأكثر إنتاجية. يُوهن المال الثابت السياسة واستمرارها الذي ذكره كلوسوتز: الحرب.

صعود السيادية

كل حقوق الإنسان يمكن اختصارها بحق واحد: الاختيار.

ولعلّك عرفت الآن، أن هذا المال المثالي السليم ثرموديناميكيًّا والمحايد سياسيًّا، هو البيتكوين. البيتكوين، ابن الاثني عشر عامًا المشاغب على واحدة من أقدم وأهم الأدوات في العالم، هي الذهب، كان تحرّكًا تكتونيًّا في التنظيم الإنساني. الذهب، ومنذ 5 آلاف عام، هو نظام التشغيل المالي للطبقة الأساسية التي قامت عليها كل الأنظمة الحديثة للحكم الإنساني: وهي أنظمة السيادة القديمة التي أفسدتها المصرفية المركزية. كسر البتكوين الخناق المفروض على المال حين شاغَبه في الطبقة الأساسية، وفرض بذلك تجديد كل الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية المشتقة من المال، وهو ما يشمل حكم القانون، وحقوق الملكية الخاصة، وعدة أشكال مؤسسية. لا يعرف أحد كيف سيتمثّل هذا الانتقال السياسي الأعظم، ولكنه سيكون صعودًا جوهريًّا، من تحتُ (bottom-up)، لأن السيطرة من علُ (top-down) على نظام السيادة هذا، المختلف اختلافًا نموذجيًّا، أمرٌ غير موجود أصلا. ولأقولها بوضوح: البيتكوين هو الابتكار المالي الخطير الذي أتاح نوعًا جديدًا من التنظيم الاجتماعي من دون الحاجة إلى الدولة القومية، وهو شكل «مُنَقًّى» من الرأسمالية، حُرٌّ من تدخل الدولة القومية، مستحقٌّ لكلمة جديدة خاصّة دالّة عليه. فلنسمّ هذا النمط من التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الذي أتاحه المال المشفر الرقمي السيادية.

ينشر البيتكوين الطاقة في ثورة في التنظيم الاجتماعي الاقتصادي تُعرَف بالسيادية.

ولنسكتشف مقتضيات السيادية، فلنبدأ بمبدأ الاقتصاد الاجتماعي الأول الذي لا ينتفي: لا بد للإنسان أن يفعل. كل فعل محتاجٌ إلى طاقة، ودالٌّ على هدف، لأن كل القرارات الواعية فيها محاولة تحقيق هدفٍ ما. إن أهداف الإنسان دومًا تدور على تخفيف القلق (الذي يسميه اقتصاديّو المذهب النمساوي «إشباع الرغبة» أو «تقليل الارتباك»). الإنسان هو النوع المسيطر على الأرض لأنه يستعمل التقانات والأساليب التنظيمية ليمرّر الطاقة عبر الزمكان بذكاءٍ أعلى، وساعيًا إلى أهدافٍ أعمق، من أي حيوان آخر. إن أهدافنا العليا تتطلب تمريرًا للطاقة على مستويات زمكانية أكبر، بإتقان أكبر، ودقّة أعظم. وإذا استعملنا التقنيات والأنظمة الاجتماعية الاقتصادية استعمالًا صالحًا، ساعدتْنا على تخفيف قلقنا أكثر. تضخّم الأدوات قوة جهودنا العملية، فتزيد نسبة المنتجات إلى الطاقة المستهلكة. تجعلنا أنظمة التنظيم الاجتماعي الاقتصادي — كالرأسمالية والاشتراكية، والسيادية الآن — ننخرط في عمل منَسَّق ليزيد منتجاتنا الجمعية بتركيز الانتباه الفردي على مراحل الإنتاج دقيقة التي تزداد دقّة (إذ تزداد الإنتاجية بتقسيم العمل). بهذا المعنى، فالأدوات تنظيمات، والتنظيمات أدوات، وكلاهما مفيد لتعزيز الهدف الجامع للحياة البشرية، وهو الفعل الهادف إلى تخفيف القلق. تغلِب الأدوات والتنظيمات الأصلَح لحفظ الطاقة مع الوقت.

الأدوات والتنظيمات كلاهما أدوات لتمرير الطاقة بذكاء أكبر عبر الزمكان. إن السد الكهربائي المائي (أو الكهرمائي) والدولة القومية مشتركان في هذا: كلاهما خزّانات وموزّعات طاقية مصممة بذكاء، فالسد يمرر الطاقة الهيدروليكية للماء والدولة القومية تمرر الطاقة التحويلية والسياسية والإنتاجية للشعوب. كلاهما، على الأقل مؤقتًا، يكرّس الطاقة ويمرر الهجوم الإنتروبي للطبيعة (البيئية والإنسانية). لكن في النهاية، كلاهما يعطينا طريقة لإلغاء النزعات المركزية في الطبيعة التي يسعيان إلى احتوائها، فالماء دومًا يتدفق إلى المنخفضات والناس دومًا ينظمون أنفسهم بالطرائق الأفضل لمصالحهم الاقتصادية.

إن أدوات توزيع القوة بعيدًا عن السيطرة المؤسسية من الأعلى، هي تنظيمات رقمية مفتوحة المصدر، كالتنظيمات التي تشكل طبقات بروتوكول الإنترنت العديدة. ويكيليكس، والربيع العربي، واحتجاجات جورج فلويد، هي بعض الأمثلة التي تبيّن أن الإنترنت تهديد كبير على بنى القوة المركزية. ليست هذه الحركات المجتمعية إلا هزّات سابقة لانهيار الدولة القومية القادم. لمّا كان البيتكوين هو المال الرقمي غير الحكومي الوحيد، كانَ هو طبقة القيمة في الإنترنت، وأول منافس لنظام السيادة الذي قدمه الذهب تاريخيًّا.

البيتكوين هو الطبقة المالية لمجموعة بروتوكول الإنترنت، ونظام السيادة المنافس للذهب. حقوق الصورة لـ: @anilsaidso

والبيتكوين هو أول تنظيم رقمي ذاتي الحكم، لأنه امتداد لبيئة الإنترنت التي تنظم نفسها. هذه الأشكال التنظيمية هي أحدث الطرائق لمواءمة إرادة الفرد والجماعة. إن منظمة رقمية ذاتية الحكم كالبيتكوين، تحكم نفسها وتستطيع مفارقة المختلفين سياسيًّا الذين يهددون التماسك التنظيمي (انظر انقسام بيتكوين كاش).  يتغلب البيتكوين على التنظيم الإكراهي التماثلي مغلق المصدر للدول القومية، لأنه نظام أقدر على التلاؤم، وأسيَل، ولأنه نظام طوعي لتوزيع الطاقة الاجتماعية الاقتصادية في الزمكان.

البيتكوين

البيتكوين نظام سيادة لا نزاع فيه يصالح بين المقايضات الفردية التي تجري في الجماعة الاجتماعية الاقتصادية. يتحاشى البيتكوين الحاجة إلى الدول القومية، وهو في لاأدرية كاملة بشأن أنظمة القانون والنظام الإنسانية التي احتضنته في سنينه الأولى. يسخّر البيتكوين الطاقة الإنسانية ليوسع شبكته، إذا يزيد قوة الطبيعة الإنسانية والدوافع الإنسانية متخذًا منهما عنصرين لا نزاع فيهما لإعمال الشبكة. والبيتكوين نظام مستصغَر الخسارة، لتخزين ثمار العمل وإرسالها، يولّد عرضه الثابت طلبَه بنفسه (محقّقًا قانون ساي) مع تزايد الثروات التي نهبها التضخم. وهذا هو سبب انتهاء الجميع إلى جدول رواتب البيتكوين. الآن تنشأ طبقة جديدة من المواطنين العالميين: سكّان يتعالى أثرهم وصوتهم ومالهم تمامًا على الجغرافيا وسلطاتها المحلية المتنوعة. إن صعود السيادية يُنهي أمر الإكراه أخيرًا من الحضارة.

حكم السوق الحرة

ستُخرب المعالجة الدقيقة الدولة القومية وتدمرها

سيادة الفرد

تنجح السيادية بتقليص العوائد الاقتصادية التي ارتبطت سابقًا بالعنف والإكراه. سيطالب المواطنون بقانون تعاقدي وتأمينات على أملاكهم تضاهي التأمين الذي يقدمه البيتكوين، وإلا فلن يدفعوا شيئًا من مالهم. كما أن استدعاء سائق غريب ليوصلك وحدك في سيارته كان أمرًا مجنونا قبل 25 سنة، كذلك ستستمر التقانة الرقمية في تغييرها لطبيعة الثقة والتعامل البشري. ولكن، إذا أصبح المال رقميًّا، فالمقتضيات أكبر بكثير. ومن الآن بدأ الناس يستكشفون قدرات التوقيعات المتعددة للبيتكوين وسيلةً لتسهيل الحكم في العقود الخاصة بعيدًا عن محاكم الدولة. وفي الإمكان أن ينمو هذا الأمر فيصبح بديلًا لا مركزيًّا لنظام العدالة التقليدي. لأن المال لا يمكن بعد الآن مراقبته أو سرقته، فإن البنى الاجتماعية الاقتصادية القائمة فوق نظام تشغيل الطبقة الأساسية هذا ستزيد التشفير وتسعى إلى مقاومة مكافئة للرقابة.

ولكن، ككل الولادات، هذا الانتقال إلى الحالة اللامركزية للحضارة معدومة المثيل، لا بد أن يكون مشتتًا. عندما تتراجع العوائد الاقتصادية لتنظيم العنف على مستوى كبير، تتقلص نماذج العمل القائمة على الحماية من العنف (الحكومات والدول القومية) بالضرورة، وتصبح محلّية أكثر. هذه الأرجحة العكسية لبندول الاقتصاد الأكبر تعني أن العنف سيصبح على نطاق أصغر، وعشوائيًّا أكثر: كما كان الأمر في عصر الصيّادين الجمّاعين (الذي كان عصرًا لامركزيًّا حقًّا). السيادية، مثلها مثل الحميات القديمة، واليوغا، والتأمل، والطب الأيوردفي، والإنثوجينات، والبيتكوين نفسه (وهو مال المذهب الاقتصادي النمساوي)، ليست إلا مثالًا آخر على تجدد الأساليب القديمة في الزمن الرقمي.

الحميات القديمة، واليوغا، والتأمل، والطب الأيوردفي، والإنثوجينات، وحتى المذهب الاقتصادي النمساوي (البيتكوين)، كلها أساليب قديمة شهدت صحوة في العصر الرقمي.

كما غلبت الرأسمالية الشيوعية، ستغلب السيادية الدولتية بكل أشكالها. بتمكين الحرية الفردية بطرائق جديدة جذريًّا، ستولّد المجتمعات التي تعتنق المبادئ التنظيمية المتسقة مع السيادية (كالخصخصة الصناعية الواسعة، ونزع الطبقة البيروقراطية، والضرائب بالتراضي، والبتكوين، وغير ذلك) ثروة أكثر من اقتصادات الأمر والسيطرة التي تعتنقها الدول القومية الصارمة، وهذا سيجذب مزيدًا من المواطنين. كلما زاد عدد القضاءات المتنافسة، قلّ قبول الإسراف البيروقراطي. فإذا أفاق الناس على هذه الحقيقة، اضمحلّ الإدمان الحديث للسياسة ليصبح طَلَلًا من زمن بائد.

خلافًا لمفاهيم العصر الحديث الخاطئة, الاقتصاد يقود السياسة; السياسة لا تقود الاقتصاد. لا يستطيع قلم المشرّع أن ينتج ثروة، لا يستطيع إلا أن يوزع ثروة. مع انتفاخ البيروقراطيات السياسية إلى أن أصبحت غير محتمَلة من جهة اقتصاداتها المنتجة التي تقوم عليها، سيؤدي اليأس إلى انفجار توسّع الحكومة، فيجبر الفاعلين في السوق على حماية ثروتهم بأي طريقة يستطيعون. وفي القرن الواحد والعشرين، لن تجد رؤوس الأموال خزانةً أمنَع من الخزانة الرقمية. مع هروب رؤوس الأموال إلى المجال الرقمي للتخلص من الضرائب المتزايدة والتضخم، تهبط عوائد الحكومة بسرعة، فتتشتت ثم تفشل. نتيجة هذا، يرجح أن ينمو العنف المنظم أثناء هذا الانتقال. في الحقيقة، الدولة القومية هي «عنف منظم»، فهي جهاز الإكراه والإجبار الذي أُريد به عزل مكاسب الإنتاجية التي تولدت بالتقسيم السلمي للعمل. تحمي أنظمة القانون والشرطة الفاعلين في السوق من التهديدات الداخلية على منبع التجارة الحرة، أما الجيش فيحيّد التهديدات الخارجية. كانت الدولة القومية أفضل طريقة للقرن العشرين لاستعمال العنف من أجل حماية السلام.

الأنفاق العسكري في عام 2019 – أعلى 10 دول والتغيير من 2018

لكن الواقع التكنولوجي للقرن الواحد والعشرين يغيّر حساب العنف تغييرًا كبيرًا. ولمّا امتنَعت مصادرة المال الرقمي بالضرائب أو التضخم، أصبحت خدمات الحماية التي تقدمها الدول القومية عاكسة لتكاليف إنتاجها الحقيقية مع الوقت. بعبارة أخرى: في العصر الرقمي، ستُجبَر الدول القومية على التنافس واكتساب ولاء مواطنيها، كأي شركة أخرى في السوق الحرة، ومن ثم فلن تستطيع اكتساب مال لقاء خدماتها (التي ستقل حاجتنا إليها) إلا ما يوافق سعر السوق. قد تجد الأنظمة القانونية والسياسية التي كانت مطلوبة لضمان العقود والملكية الخاصة والسلام المجتمعي في العصر الصناعي، قد تجد نفسها سريعًا لا وجوب لها ولا ضرورة، في عالم يمكن تقديم هذه الخدمات فيه بطرائق أفعَل توفّرها شبكات رقمية منظمة لنفسها. فإذا جمعنا إلى هذا انهيار قدرات الحكومة على المَكْس (فرض الضرائب) وجدنا أن الخدمات التي تقدمها الدولة ستسقط أمام البرمجة.

داروينية رقمية

ستصبح الفعالية أهم من مراسيم السلطة في تنظيم المؤسسات الاجتماعية

سيادة الفرد

مع تداعي الدولة القومية، ستسقط حواجز دخول السوق والمشاركة فيه والخروج منه، ومن ثم يتعاظم التنافس السوقي الحر وتوليد الثروة. في الأسواق الممكّنة رقميًّا والعالية التنافس، تسود توزيعات قانون الطاقة وتتضاعف آثار (الغالب يأخذ كل شيء): فيسبوك، آبل، أمازون، نتفلكس، مايكروسوفت، والآن بيتكوين، كلها أمثلة على هذا النموذج الدارويني الرقمي. سيصبح الاختيار والتجريب هما المتحوّلان اللذان يعرّفان التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الجديد. سُتحاوَل أساليب جديدة لحماية الحياة والحرية والملكية، وستُخفق، ثم سيُستفاد منها. إن التهديد دائم الوجود، بهروب رؤوس الأموال إلى الفضاء الرقمي الذي لا وصول إليه، سيجبر المؤسسات التي تريد أن تبقى على التعامل بصدق مع المواطنين. فإذا أصبحت الحكومات برامج، أصبحت رشيقة، ابتكارية، متبعثرة. يحرق التشفير الدولة القومية بالأسيد الرقمي: ويفكك أقوى بنى قوتها ويحول بنى دوافعها من الداخل. لن يبقى إلا أكثر الوظائف الحكومية إنتاجية ومسؤولية. مع انحسار قيود المحلية، لن يُكسَب المال والاهتمام إلا مقابل أقوَم الخدمات وأفضلها. من مميزات السيادية: أن تحل الجدارة (أو الميريتوقراطية) محلّ البيروقراطية.

يجعل الترقيم النتائج أهم من المراسيم، أي إن الجدارة ستعتلي هرم القيم المجتمعية. إن عالمًا تُرفَع فيه القيود الزمكانية لا شكّ أنه سيكون «عصر التفوّق». فعلى سبيل المثال، لم يعد كافيًا أن تصبح فرقة تقليد أفضل فرقة في المدينة: فبفضل اليوتوب، ستحتاج اليوم إلى أن تصبح أفضل فرقة تقليد في العالم، في الزمن كله، وأن تنافس على اهتمام الجمهور المستهدف. بل إن على فرق التقليد أن تنافس حتى الفرق الأصلية التي تقلّدها، في زمننا الذي غيّره التواصل الرقمي. عندما تصبح عروض المبيعات على الوسائل الرقمية لا في العالم الواقعي، لن ينشر المسؤولون التنفيذيون إلا مندوبي المبيعات الأمهَر بغض النظر عن مكان سكنهم. إن تقليل الحواجز البيروقراطية يزيد دعم الجدارة، ويخفف القوة السياسية في العمل.

فإذا قلّت مكاسب استعمال العنف، أصبحت الفعالية أهم من الحجم من حيث تمرير الطاقة في الزمكان. عندما تغلب الفعاليةُ العملات الحكومية هكذا، تتفسّخ المؤسسات لتتنظم من جديد، وتتراكم حينها معظم المكاسب الاقتصادية مع «النخبة العقلية» التي تنبّأت وتحضرت لهذه التحولات السياسية الكبرى على الأرض. إن الذين يكرسون جهودهم ليتأقلموا مع روح العصر عديمة الحدود، السائلة، المنظمة لنفسها (بنقل مدخراتهم مبكّرًا إلى البيتكوين وتنويع خيارات جنسيتهم)، سيخلعون «الرأسماليين الجشعين» الذين ولدهم العصر الصناعي، ليتوّجوا أنفسهم «سياديين مثقّفين» ولدهم العصر الرقمي.

توسع التقنية الرقمية أفق الإمكان الإنساني، فتُظهر أن تحقيق ما تخيله السياديون بكل أنواعهم متعددة الوجوه، أمر ممكن. إن بث الفيديو، والتواصل المشفر، والمال الذي لا يُوقَف، كلها أشياء تجعل الإنسان «يلوي الزمكان» حسب إرادته. ولكن، مع هذه الإمكانات المتقدمة تكاليف ومخاطر. سيُجبر فقدان شبكات الحماية الاجتماعية وبرامج الرفاه الحكومي الأخرى، الأفراد على أن يصبحوا مسؤولين عن أنفسهم أكثر مما كانوا أيام العصرين الزراعي والصناعي (اللذين سأسميهما من الآن: العصرين التماثليين). السياديون الناجحون هم الذي يجسدون حكمة فولتير الخالدة:

مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة

لا شَكّ أن السياديين الذين استحقّوا اسم السيادية سيُمتحَنون، لأن الدول القومية ستدافع وتحاول أن تحافظ على سلطاتها التقليدية على الناس. ستخسر الدول القومية سلطتها على «الأفراد السياديين» الذين حرروا أنفسهم، والذين سيتسلحون بالإمكانات العظيمة التي ولدتها رؤوس الأموال والأسواق والشبكات الرقمية. قد يصبح الابتزاز الموجه، سلاح الحكومات الفاشلة المفضَّل، من شدة يأسها. لن ينجو من هذه الإجراءات العسكرية إلا السياديون الذين يتخذون أفضل إجراءات الأمن. مع إشراق حقيقة المستقبل الرقمي الذي يهدد وجود الدول القومية، يرجح أن هذه الأخيرة لن تألو جهدًا في صراع القوة التالي، كما شرحها كتاب سيادة الفرد

كما حارب الملوك والسادة والبابوات والحكام حرصًا على مزيّاتهم التي اعتادوها في المراحل الأولى من العصر الحديث، كذلك ستستعمل حكومات اليوم العنف، العنف الخفي العشوائي، محاولةً منها لإبقاء الأمور على حالها. سيضعف تحدي التكنولوجيا الدولة، ويجعلها تعامل أفرادها الذين يتزايد استقلالهم، مواطنيها السابقين، بالجشع نفسه والأساليب التي كانت من قبل تظهرها في التعامل مع الحكومات الأخرى

مهما قاومت الدول، ستنهار أمام البرمجيات في الآخر. إن محاربة تدفق البيانات الحرّ أخيَب من محاربة مد البحر.

انفجار السدود

في العصر الرقمي، ستضمحلّ تهديدات العنف الجسمي التي كانت مبدأ السياسة ومنتهاها منذ الزمن الغابر

سيادة الفرد

الدول القومية، كالسدود، لا تستطيع مقاطعة التدفّق الذي لا ينقطع لنزعات الطبيعة إلى تنظيم نفسها إلى الأبد. مع انهيار قدرة الحكومات على فرض الضرائب، ستتوسع الاقتصادات البديلة، وتجعل الدول القومية الأصغر قادرة على تنافس أكبر، وهو ما سيجعلها جذّابة للسياديين. إن إرهاصات هذا التحول ظاهرة من الآن، مع إعلان مدن مثل ميامي برامج لجذب رائدي الأعمال الذين يفكرون بالمستقبل لتعطيهم الإقامة.

بفضل مجموعة من التطورات التقنية، ستقلّ فوائد الحجم الكبير في القتال. يقلل الترقيم من حيث هو ترقيم، الحجم الذي يجب على المنظمات أن تحصل عليه لتستطيع استعمال العنف. يمكن طباعة الأسلحة بالطابعات ثلاثية الأبعاد، يمكن إطلاق طائرات مسيرة رخيصة مضادة للطائرات، يستطيع القراصنة تعطيل جيوش كاملة، ويمكن تحريك رؤوس الأموال من دون أثر. إن عدم تناظر التكلفة والنتيجة يؤدي إلى أنظمة قوة متناسقة. عندما تنهار تكلفة الدفاع، تصبح خطط الهجوم أقل إثمارًا.

فإذا استرجع العالم لامركزيته، سيرتدّ إلى تناسق العنف، الذي شهده آخر مرة في أيام الصيّادين والجمّاعين. ولكن هذا الارتداد (خلافًا لما قد يُظَنّ) سيولّد مزيدًا من السلام، بعد النظر في كل الحجج، لأن الطاقة اللازمة للفعل أحيانًا أهم من الفعل نفسه. كما أن مخافة هرَب رؤوس الأموال تجبر المؤسسات على الصدق في تعاملاتها، كذلك مخافة العنف المحلي ستشجع التواصل السلمي بين السياديين على نطاق واسع. ستتراكم المزايا القتالية مع المؤسسات المتكيفة المنوّعة، التي تستطيع أن «تضرب أكبر من وزنها» مسلّحةً بأسلحة متقدمة. إن الوصول المتساوي إلى الأسلحة، التي يمكن تحميلها من الفضاء الرقمي وشراؤها من الأسواق التي لا قيد لها، يعني أن السياديين سيتعاملون بأدب بينهم. مع أن تحقيق تناسق القوة مغرٍ على المستوى الحضاري، فإنه يقتضي إعادة تشكيل البنى المؤسسية، وهو حدث سيظهر اضظرابًا عظيمًا: كما تستعيد الطبيعة التوازن بتفجير سد.

لا تثبت البنى التي لا تتكيف أمام اختبار الزمن. ستغلب السيادية كل أساليب التنظيم الاجتماعي الاقتصادي، لأنها أشدّ هذه الأساليب تكيّفًا.

إن تناسق العنف وانخفاض دوافعه، يعني تناقص جرائم القتل الجماعية، وجرائم القتل المدرسي، والحروب الحكومية. ولكن مع هذا، سيواجه السياديون تهديدات كالابتزاز وطلب الفدية، وهي أسلحة قد تحملها الدول القومية على جميع الناس سواءً، في صراعها لتحافظ على قيمتها وهي تتفكك في طوفان الأسيد الرقمي. سيتزايد الطلب على الحماية من الحكومات المتساقطة. ستكون إجراءات الأمان والحماية ذات أهمية كبرى للأثرياء. ويرجح أن تشتهر تفاصيل الحماية الخاصة بين السياديين. ستُلغى الهويات التي تعطيها الدول للناس، وتتخذ مكانها أسماء مستعارة. وعندما تثوّر التكنولوجيا الرقمية الإنسان من كل ناحية، تصبح قوانيننا الحالية متقادمة، ومؤسساتنا مقلوبة، وستتغير أخلاقنا وتتبدل تصوراتنا إلى الأبد. ستهزّ السيادية حسّ الاستقرار (الوهمي) الاجتماعي الاقتصادي الذي يوفره احتكار العنف، وتُنذر بانهيار كامل لنموذج الدولة القومية التنظيمية المثقَل بالسياسة والتسييس. ورد في الفرد السيد:

ستجبر قوى السوق، لا الأغلبيات السياسية، المجتمعات على إعادة تشكيل نفسها على نحو لا يقبله الرأي العام ولا يرحب به. فإذا فعلوا هذا، سيظهر تضليل الرأي القائل بأن التاريخ هو ما يتمناه الناس.

إن من الحجج الشائعة ضد صعود السيادية التي مكنتها البيتكوين: أن «الدول القومية لن تسمح بذلك». مسار التفكير هذا معيب في جوهره، لأنه يجعل الدول القومية تنظيمات مفردة مستقلة لا تنقسم. في الحقيقة، الدول القومية هي (إلى حد ما) مجرّات متداخلة من الأفراد الذين تجمعهم مصالح اقتصادية أو شبكات تجارية أو تشابهات اجتماعية ثقافية أو أحلاف سياسية جغرافية. الدول القومية ليست تجمعات اجتماعية اقتصادية مفردة، خلافًا لما تفترضه أذهان كارهي البتكوين خطأً. إن السلطة التي تمسك هذه المنظمات مشتقة (مباشرة أو غير مباشرة) من حصتهم في نظام السيادة التماثلي الوحيد في العالم: الذهب. مع قصور مستوى الخدمة الذي تقدمه هذه الدول القومية مقابل ثمنه، ستزداد دوافع المواطنين الأفراد لترك هذا الاحتكار المالي المفروض بالعنف، وهو ما يشكل في النهاية «حمى الخروج» إلى البيتكوين. سيواجه هذه الضغوطات قضاة الدولة ومشرعوها وشرطتها، ولن يتجاهل هذه الضغوطات الاقتصادية لترك نظام النقد الحكومي إلا أغبى الناس أو أصحاب الوطنجية. وإذا بدأ ناخبو الدولة المتنفّذون يجمعون البيتكوين، يصبحون منحازين إلى نجاحه، وتتفكك بنى السلطة الموجودة في جوهر كل دولة قومية. البتكوين دوامة لا انتهاء لها من الدوافع المنيعة على الخطط الإكراهية، وإعصار اقتصادي لن تجد أي دولة قومية عنه مصرفًا. السيادة الذاتية مطلب عالمي لا يتوقف في السوق الحرة، وفي البتكوين، ينطق الناس بالحقيقة دائمًا للسلطة.

ستعرّي السيادية بنى السلطة للدولة القومية أمام الحقيقة.

وقد يبدو هذا الانتقال مخيفًا وربما فوضويًّا، لكن منتهى السيادية هو انفجار الثروة وازدهار إنساني شامل مع تفكك الدولة القومية. ستكون المنظمات الرقمية المنظمة لنفسها أعظم شهادة على التدمير الخلّاق عرفه التاريخ. سيطلق انهيار سد الدولة القومية — وهي مجمغ الكذب والسرقة والتجنيد — الإبداع الإنساني إلى درجة لا يمكن تصورها. إذا ثبت هذا، سيرى التاريخ الإنترنت مجرد إبداع سابق ضروري للبيتكوين، أما الفتح التقني الحقيقي الذي مكّن التحول الحضاري إلى السيادية، فهو البيتكوين نفسه.

ستغلب السيادية الدولتية في القرن الواحد والعشرين. إن هذا التحول السياسي الأكبر في طريقه من الآن، وآثاره تتظاهر كل يوم. في الجزء الثاني، سنرى أن البيتكوين هو حفّاز السياديّة. البيتكوين هو الإبداع الحقيقي في عالم يتحول بسرعة إلى مياه لا يستطَاع حكمها في أعالي البحار الرقمية، لأنه البنك الحر المطلق للسياديين في القرن الواحد والعشرين.

Tagged : /

أشدّ الثورات سلميّة

المقالة الأصلية | المؤلف: Nic Carter | ترجمة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2017

ليس على الشعوب أن تخاف من حكوماتها. إنما على الحكومات أن تخاف من شعوبها.

– ڤي، من فِلم V for Vendetta

تمتم ريديغر: «إنه الخضوع…» «الفكرة الصادمة البسيطة، التي لم يعبَّر عنها بهذه القوة من قبل، هي أنّ قمّة السعادة الإنسانية موجودة في أشدّ أنواع الخضوع».

― ميكل ويلبك

لا تغلط، أهل البيتكوين ثوّار

أخطأ اللبرتاريون في كل شيء. إذ سعوا إلى تقليص قوة الدولة من خلال المشاركة في العملية الديمقراطية. كانت هذه المهمة ولم تزل مهمة سيزيفية لا أمل منها. الدولة مثل أنغوليانت في أسطورة تولكن، وحشٌ لا حدّ لجشعه، يكافئها أنشَط ناخبيها بأصواتهم على نموّها، لتوكَل إليها بالمقابل استحقاقات لا تزال في نمو. اللبرتاريون بكلمة واحدة: عالقون. تنمو الدولة مهما رميت عليها، مثل الكائن المخيف الهلامي في فلم The Blob.  إن المشاركة في العمليات الديمقراطية يقوّي الدولة ويرسّخ الطقس المدني المنظم بوصفه الطريقة الشرعية الوحيدة للمشاركة السياسية.

يرفض البيتكوينيون هذا: ويفهمون أن الحركة الرابحة الوحيدة في السياسة هي عدم اللعب.

ركل البيتكوينيون رقعة الشطرنج واختالوا حولها اختيال المنتصرين. اختار البيتكوينيون رفض قوانين المشاركة السياسية، فبدؤوا يعملون على نظام مالي خارج إشراف الدولة واختصاصها، نظامٍ مالي لا قيدَ فيه. في النهاية، يستشرف البيتكوينيون نظامًا يتيح التجارة الحرة، والمصرفية الحرة (خلافًا للفوضى الحاليّة التي توزّع خسائرها علينا)، ويجعل ضوابط رأس المال شيئًا من الماضي، ويحرر المدّخرين من السرقة التي تفرضها الدولة عليهم بالتضخم، ثمّ يسلب الدولة من قواها تمامًا، بتقليص عدّتها الماليّة.

أغضب هذا الاقتراح النخبة المثقفة المعتمدة على الدولة، وطبقة الخبراء والصحفيين الذين ارتدّوا عن مكانة السلطة الرابعة الناقدة الجريئة، وأصبحوا طبولًا هزيلة للمنظومة القائمة. لا بدعَ أبدًا في أن الكثرة الكاثرة من نقّاد البيتكوين المهسترين يستفيدون من قربهم أو عضويتهم في الدوائر البيروقراطية في واشنطن أو نظائرها في الدول الأخرى. من الأكاديميين المستفيدين من فقاعة القرض الطلابي المنفوخة، والسياسيين الحاليّين والسابقين، الذين يستطيعون بين الحين والآخر أن يقلبوا نفوذهم السياسي ثروةً شخصية (وا عجبي)، والصحافيين، الذين لم يبق من مهنتهم إلا تمرير رسائل الحكومة في محاولة عقيمة لبناء خندق ضد شركات الاتصالات الناشئة والناشرين على يوتوب الذين لهم مئة ضعف من قوتهم، وعلماء الاقتصاد الذين اضطرّهم طلبُ المال والمنصب إلى نشر السرديات الكينزية.

هكذا، وجد البيتكوينيون أنفسهم أمام مُضغة عالية الصوت من الطبقات الثرثارة، فما لبثوا أن تحولوا من مخترعين طوباويين إلى معارضين، منذ طفولة الحركة. ابحث في الصفحات المالية في صحيفتك، لن تجد إلا الاستهزاء والمسخرة (وقد تجد إيماءةً نادرة بقبول اضطراري). كل هذا لأصلٍ مضى من 0 إلى 200 مليار دولار في عقد، من دون دعم للمخاطرة، ولا طرحٍ عامٍّ أولي، ولا شركة، ولا مؤسس موجود، والقائمون على المشروع كلهم يعملون في المصدر المفتوح للبروتوكول. في الولايات المتحدة حكمت الحكومة على روس أولبريخت حُكْمَين بالسجن المؤبد ممنوعًا من العفو، بالإضافة إلى 40 عامًا، بجريمة إنشائه سوقًا حرّة مسعّرة بالبيتكوين. حظرت الصين التقايض الرسمي بالبيتكوين، وتحاول الهند أن تمنع مجرّد امتلاك البيتكوين.

قانونية البيتكوين — بالأخضر: مسموح، بالبرتقالي: مقيَّد، بالزهري: متنازَع فيه، بالأحمر: ممنوع. (المصدر)

نحن لسنا مقبلين على الحرب، نحن في الحرب. نعم، ليست الحرب شبيهة بمرَح الأيّام الخوالي. لكنها لم تزل كذلك فترةً طويلة من الزمن. ذهبت أيام الرجال الذين يتواجهون بنبالة ويتقاتلون حتى تهلك أجسام طرف من الأطراف. ولم نعد نخرج من الخنادق إذا سمعنا صوت صفرة لنطلق رصاصنا. الحرب المفتوحة فكرة بائدة. حلّ محلّ الحرب المفتوحة في النزاعات المعاصرة مزيجٌ من الانتفاضات والعبوات الناسفة والعقوبات والهجومات بالطائرات المسيّرة والبنى التحتية الاستراتيجية الموجهة بالعمليات مثل ستوكسنت. فإذا انتقلت الحرب المعروفة إلى العالم الافتراضي، فلم لا تنتقل الثورة أيضًا؟

وهي ثورة، لا تغلط في هذا. فالعملات الرقمية، ولا عليك من أقوال بعض مستخدميها الجبناء، لم تزل مستقلّة استقلالًا ظاهرًا عن الدولة، ومعاديةً لها معاداةً تامّة. إذ لا يمكن تقنينها ولا حجرها ولا معرفة موافقتها للقوانين. لم يكن طريق الحرير طفرة أو خبرًا من التاريخ نقرؤه ونكتم ضحكتنا منه. بل كان برهانًا عميقًا على غاية البيتكوين العليا وعدم اكتراثه بالأعباء التي تُثقل النظام المالي. إن الدولة الحالية في شكلها المنفوخ الجشع، لا تكتفي بخضوعك المادي، بل تريد أيضًا سيلًا غير منقطع من بياناتك والإحصائيات. فأموالك ليست أموالك، بل هم يدققونها ويسمحون لك باستعمالها في كل خطوة. فإذا خرجت عن السائد ولو خروجًا بسيطًا، فإنك تخاطر بمدخراتك التي قد تصادَر من غير حق بالطعن. ناقلات الجند هذه لن تدفع تكاليف نفسها، أنت الذي ستدفع تكاليفها.

العملات الرقمية تنقضّ على الحكومة

كما بدأ البروتستانتيون في القرن السادس عشر يسائلون عقيدة الغفران الرسمية ومجال سلطة البابا، كذلك تساءَلت حفنة شعثاء من العباقرة ومحبي التشفير: هل التضخم ضروري فعلًا؟ وهل، في اقتصادٍ قائمٍ على السوق الحرّة، يكون للمصارف المركزية الحق في تسعير المال كيف شاءت؟ هل يجب أن يكون للدولة سلطة كاملة على مدخرات الإنسان ومصاريفه؟ هل على المستودعين أن يجبَروا على الثقة بالمصارف لتعيد لهم ودائعهم؟ ما الذي يعنيه سطرٌ في قاعدة بيانات المصرف؟

صورة نادرة للبيتكوين في شكله المادي

إن العملات الرقمية الأصيلة — وهي أنظمة مالية بديلة، حقًّا — تهدد الدولة والعالة المتعيّشة منها. البيتكوين فكرة خارجيّة تمامًا، إلى درجة أنه لا مجال فيها للتفكير. يهدد البيتكوين أهم مزيّة للدولة، وهي قدرتها على تمويل نفسها بالتضخم وأجر الصكّ.

لقد بدأت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، تؤثر في سياسات المصارف المركزية. ليس في كلامي مبالغة حين أؤكد على أهمية البيتكوين الجيوسياسية. اجمع سوقًا ماليّة حرّة مع خطوط التوزيع الإنترنتية، تحصلْ على أشدّ الحساءات سمًّا. فلننظر في طرق بدأت العملات الرقمية من خلالها تؤثر في الدولة.

أولًا، كما لاحظت جينا بيترز (2016)، فإن وجود أسواق البيتكوين السائلة تهديدٌ كبيرٌ على الدول التي تعتمد على ضوابط رأس المال لتحافظ على سعر معيّن لعملتها.

البيتكوين مشكلة بالنسبة للأرجنتين والدول المشابهة، إذ يجعل التحايل على ضوابط رأس المال أسهل. أظهرت بيترز وفيفانكو (2016) أن محاولات الحكومة لتقنين أسواق البيتكوين التي يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم، مخفِقة بالعموم، وأنّ أسعار البيتكوين تعكس حقيقة السوق، لا الأسعار التي وضعتها الحكومة، حسب ما أظهرته بيترز (2016). فإذا أصبحت التدفقات المالية التي يتيحها البيتكوين كبيرةً كفايةً، تحررت أسواق رأس المال العالمية في كل البلاد.

ليس هذا الأمر تافهًا، إذ إن نسبة كبيرة من سكان العالم يعيشون تحت سلطة ضوابط رأس المال، منهم سكان البرازيل وروسيا وإندونيسيا وتايوان والصين والأرجنتين. وهذه قطعة أساسية في عدّة الحكومة الماليّة تتآكل.

وبفضْل سيولة البيتكوين وعالميّة الاتجار به، فإن من آثاره كشف التلاعب بسعر الصرافة، وهو ما ناقشته الدكتورة بيترز في دراسة أخرى. يمكن استعمال أسعار البيتكوين للاستدلال على تقديرٍ لـ«سعر الشارع» للعملات المحلية، وإن كانت الحكومات تنشر أسعارًا كاذبة. ينمو البيتكوين سريعًا ليحقق دوره وسيلةً عالميّةً للقياس.

مثال: نشرُ المعلومات في الشارع عن قيمة البوليفار، ممنوع في فنزويلا، لأن من مصلحة النظام أن يتحكم بالسرديات حول عملته. أهم موقع يلاحق أسعار الصرافة في فنزويلا، المسمى dolarToday يستعمل موقع لوكال بيتكوينز ليستدل به على سعر الدولار بالبوليفار في الشارع الفنزويلي.

المصدر: https://dolartoday.com

لا بِدْعَ في أن أنشَط أسواق البيتكوين (من أسواق النظير للنظير) تكون في الدول التي فيها ضوابط رأس المال، والدول ذات العملات عالية التضخم، أو الدول ذات الحكومات المتقلبة. هذا التحليل الذي كتبه مات أهلبورغ يعتمد على بيانات لوكال بيتكوينز، ويظهر أن أكبر نسب تجارة البيتكوين للفرد الواحد موجودة في روسيا وفنزويلا وكولومبيا ونيجيريا وكينيا والبيرو. يقال أحيانًا إن تنافس العملات مثل الهروب من الدب ، فليس عليك إلا أن تسبق أبطأ رفاقك. الأرجح أنه ليس على الدولار خطر من وجود البيتكوين، لكن العملات العشرين الأشدّ تضخمًا لا شك أنها في خطر.

كما كتب هاسو يقدم البيتكوين نظام حقوق ملكية مستقرًّا (متوفرة باللغة العربية) من دون أي اعتماد على الدولة (ومن دون التهديدات بالعنف التي ترافق الاعتماد على الدولة). قد يكون هذا الأمر غير مهم في الغرب، لأن حقوق الملكية بالعموم محترَمة فيه، لكنه مسألة حياة أو موت في مناطق أخرى. فليست مهزلةً صغيرةً، إذن، أن أشرس نقّاد العملات الرقمية طالما كانوا من الذين لا سبب يدفعهم إلى سوء الظن بالحكومة التي تحتفظ بودائعهم. إن موقف الإنسان من البيتكوين برهانٌ عليه، فإما أن يدل على أنه واعٍ بآثار التضخم الخبيثة وسوء النظام المصرفي، وإما أن يدل على خلاف ذلك. إن أصخَب منكري البيتكوين إنما يظهرون جهلهم ونظرتهم التي تختزل العالم في الدول الإنكليزية.

أكدت دراسات جديدة أصدرها ماكس راسكين وفهد صالح وديفيد يرمك بعد تقدير أزمة العملة في تركيا والأرجنتين أن الاستخدام المباشر للعملات الرقمية إنما يكون في خارج العالم المتحضر.

إذا حكمنا من النظرة الأولى، فإن رؤية ناكاموتو لم تتحقق، إلا أن خيارًا جديدًا توفّر للناس واختاروا ألّا يستعملوه. ولكن، إذا نظرنا في البلدان النامية، وجدنا أن القصة مختلفة شيئًا ما. إن أزمة العملة في تركيا والأرجنتين هي الأولى منذ تأسيس البيتكوين، ومن ثم فإنهما فرصة للتحقيق في أثر العملات الرقمية البديلة على العملات الحكومية المضطربة. فإذا سحبنا هذا التحقيق على بقية العملات، فقد يظهَر لنا أن رؤية ساتوشي قد أثمرت. مع أن العملات الرقمية لم تحل محل الدولار، فإن مجرد وجودها قد يكون له أثر امتناع لوجود، فقد تكون ضابطًا للسياسات التشريعية والمالية.

لا سيما وأن المواطنين، حسب ما وجد مؤلفو الدراسة «يستفيدون من وجود العملات الرقمية الخاصة»، لا سيما من خلال وجود خيار التنويع، الذي «يولّد أرباحًا معيشية للمواطنين».

ومن أهم ما وجد الباحثون:

إن وجود العملات الرقمية الخاصة يضبط السياسة المالية لأنه يخلق بديلًا للمال المحلي. هذا الضبط للسياسة الماليّة يقلل التضخم ويزيد عوائد الاستثمار، ومن ثم يشجّع مزيدًا من الاستثمار المحلي.

وكما تدلّنا مناهج الاقتصاد للمبتدئين، إنّ إنهاء الاحتكار في سوق ما، وإدخال منافسين فيها، يجعلها أعدَل للمستهلكين (الحكومات تحتكر سوق المال المحلي).  ولمّا لم يكن للمواطنين أي بديل، كانوا مجبرين على الادخار بالعملة المحلية وقبول التضخم. أما الآن، فقد أصبح في أيدي الناس خيار الخروج من النظام المالي المحلي، وهو ما سيكلّف المصرف المركزي كثيرًا (لأن بيع العملة المحلية يزيد سرعة المال ويزيد التضخم سوءًا). لذا فإن مجرد وجود البيتكوين يفرض انضباطًا ماليًّا من جهة المصرف المركزي الذي ربما كان لولاه يبلغ مستويات خطيرة من التضخم.

ليس لضعفاء القلوب

بسبب كل هذه المصالح الكبيرة جدًّا، فإن اختراع نظام مالي جديد شيء مكروه جدًّا. يتطلب الأمر حماسةً جامحة والتزامًا ثابتًا برؤية صارمة للمستقبل. فإذا أخذنا بعين الاعتبار عِظَم هذه المهمّة، والتهديد الوجودي الذي تشكله للدولة، رأينا أنه لن يقوم بها إلا أشدّ الناس التزامًا. ليست أعظم خطيئة للمزابلين هي أنهم ركبوا الحصان الخاطئ، بل هي أنهم ركبوه بقناعة غير كافية. لقد باعوا حلمًا هم أنفسهم لم يؤمنوا به حقًّا.

كم رائد أعمال عملات رقمية سيقول لك بصدقٍ تامٍّ أنه يبني نظامًا سيستمرّ عقودًا ويبارز الدولة وجهًا لوجه؟ كم واحدًا منهم سيقبل السجن لأجل معتقداته؟ قليل جدًّا، حسبما أرى.

النغمة اللطيفة التي في القمة تنتشر في الهرم المؤسساتي. ومن هنا يظهر الفرق بين «مجتمعات» المُمسكين الغوّاصين الذين يحثّ بعضهم بعضًا على شراء العملة وهي في نزول، والمجتمع المتماسك الذي يعتنق التقلّب ويحفظ قناعته. ظاهريًّا، يتشابه البيتكوين وكثير من المشاريع التي تستعمل البلوكتشين. لكن الفارق الحقيقي هو الروح. ليس الأمر أن السلاسل الأخرى غير أخلاقية أو أنها مختارة بسبب مجموعة أدنى من القِيَم، بل الأمر أنها عدَميّة تمامًا. يكون التقدم والابتكار الكوني عند بناء مؤسسات خالدة غير حكومية.

لا شك أن حركة السعر تجذب كثيرين إلى البيتكوين. لكن في أهل البيتكوين شيءٌ أعمق وأقرب إلى البدائية يجذبهم، وهو احتمال بناء نظام متين موازٍ فعّال مفتوح مستقل عن الحكومات والشركات التي لا تخضع للمساءلة. لا شك أن هذا الدافع لا يدفع البيتكوينيين وحدهم. لكن البيتكوين من غير شك هو السبّاق في فصل المال عن الدولة، وهو الذي عانى صولة الهجومات السياسية إلى الآن. لم يتعرض مشروع آخر إلى هذه الهستيريا الإعلامية وهذه الحواجز المبكرة.

خلافًا للبدائل المزعومة. النجاح لمؤسسي العملات الصاعدة هو الخروج منها. والتعدين السابق للبيع، والرسوم، والبيع للتجار الصغار. إن الإغراء لبدء بلوكتشين جديد واضحٌ، لأن المال هو السلعة ذات أكبر إجمالي سوق معنون في الوجود، وكان الإغراء هو امتلاك جزءٍ منه من خلال إصدار عملة جديدة والحفاظ على وعدٍ مشترك بثروة قارونية. لكن الثروة لا تُلهم، لا سيما إذا كانت مجنيّة على حساب الناس الذين سيشترون. إن بيع الحصّة المعدّنة قبل البيع ليس طريقة ناجحة لاكتساب الدعم العقائدي المستمر من ملايين الجنود الراغبين.

كما قال طالب: لا تقل لي ماذا تفكر، أرني ملفّ استثماراتك. وأيّ شيءٍ أفضل للدراسة من بلوك ون، مؤسس EOS، الذي طمح إلى أن يكون البلوكتشين الثاني، لكنه أخذ أموال خزينة مشروعه واختار أن يُمسك 140,000 بيتكوين في ورقة موازنته.

الأسئلة الوحيدة المهمة

بعد عشرة أعوام من التجريب، وسوء وضع رؤوس الأموال، والغطرسة، تعلمنا دروسًا قيّمة عن تراكم القيمة. أخطأ العلماء والمهندسون حين ظنّوا الثورة المالية والسياسية ثورةً تقنية. وُلدت تجاربهم مصبوغةً بمعيارية لغوية لجوجة:

«إذا كان في الإمكان أن ننشئ قاعدة بيانات أو خوارزمية مقاومة سيبل أفضل من حيث الفعالية أو الأداء، فإننا قادرون على حل المشكلة وإنشاء العملة الرقمية التي ستنتصر في النهاية». هذه العقلية، صدق أو لا تصدق، لم تزل شائعة حتى اليوم. لكنها معيبة فلا أمل فيها. هذه التجارب هي تجارب اجتماعية وسياسية أولا. أهم العوامل في إنشاء نظام مالي جديد بالكامل ليست هي تفاصيل التطبيق التقني، بل هي تقديم أجوبة مقنعة لأسئلة مثل هذه:

  • ما الذي يعطيك الحق في إصدار عملة جديدة وامتلاك سلطة كبيرة على مصيرها؟ 
  • لماذا اخترت أن ترفض كل البدائل وتقترح أن تستبدلها جميعًا بنظامك أنت؟ 
  • من أين أتت سلطتك؟ 
  • كيف تكرّس العدل والمساواة في الفرص في توزيع مالك الجديد؟ 
  • ما الذي يضمن خلو نظامك من الفساد، إذا كان حتى الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة ضعيفًا أمام القوة السياسية؟

لدى البيتكوين إجابات واضحة على كل هذه الأسئلة. أما مقلدوها فليس لديهم شيء من ذلك. بل إن مؤسسي هذه العملات المقلدة لا يدركون أصلًا أن هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب التفكير فيها.

أعلاه: قائمة بكل العملات التي حققت أهدافها المعلنة وشهدت تبنّيًا حقيقيًّا.

نحن نعلم أن العملات الرقمية (أو أصول الاستخدام) إنما هي أوهام. ولا يتطلب الأمر عبقريًّا ليكتشف أن الحقائق الواقعية قد ثبتت الآن إلى الأبد. إن عالم العملات الرقمية شبيه بعالم تحتاج فيه إلى معاملة فوركس احتكاكية لا من أجل السفر بين الولايات كما هو الحال اليوم، بل من أجل الذهاب من متجر إلى آخر. جرّت العملات الرقمية انحدارًا كئيبًا، ونحن اليوم أفضل حالًا بعد أن رفضناها. العملات الرقمية الوحيدة التي تستحق الإنشاء هي العملات التي تريد أن تكون مالًا، وهذا يقتضي ضرورةً الانقضاض على الدولة.

لكن مبارزة الدولة تحتاج إلى عشرات أو مئات الملايين من الصناديد الذين يؤمنون بمجموعة مستقرة من القيم وهم راغبون في وضع أموالهم لدعمها. إن برابرة التشفير الأذكياء يحاولون اليوم بخوارزميات تقبل مشكلة الضباط البيزنطيين، لذا لا يستطيعون الإلهام واكتساب الإخلاص. لا بد من وجود مجموعة قيَم جوهرية تعلو على كل شيء. معظم التعدديين الماليين يريدون أن يبرروا موقفهم بالرجوع إلى كليشيهات مبتذلة مثل أنهم «يشجعون الابتكار». هذا الكلام غير متماسك، لأنهم إذا رفضوا العملات المتمكّنة كالبيتكوين واتجهوا إلى مشروع بديل، فإنهم هم أيضًا سيواجهون اعتراضات من تقدميي العملات الرقمية إلى يسارهم.

«لمَ نقف عند البلوكتشين الفلاني؟ لمَ لا نذهب إلى س أو ع أو ص؟» هذا السؤال سؤال مقنع. من دون وجود قيَم مشتركة معتقَدة عميقة يمثّلها المشروع الذي تختاره، لا حجّة لك في اختيار أي سلسلة بديلة، إلّا أموالك الغارقة. لذا بالضرورة، مصير كل تقدمي أن يصبح رجعيًّا.

يتميّز البيتكوين بالقيم

فما هي هذه القيم التي يعتنقها البيتكوينيون؟ البيتكوينية هي فلسفة اقتصادية وسياسية ناشئة تجمع عناصر من المذهب النمساوي في الاقتصاد واللبرتارية، مع تقدير كبير لحقوق الملكية، والتعاقدية وفلسفة الاعتماد على النفس. سيرجع بعض اللبرتاريين إلى نظرية العقد الاجتماعي، ليقول إنها إكراهية (لأننا لم نعطَ عقدًا سياسيًّا نوقعه لدى مولدنا أو بلوغنا). ليس الأمر كذلك في البيتكوين. لا يولَد أحد في البيتكوين: بل يقدم البيتكوين عقدًا صريحًا لمستخدميه المحتملين. إن لك حقًّا في المشاركة في أشدّ الأنظمة المالية شفافية وأسهلها تدقيقًا، وأمنعها على البَخْس، وأوضحها في العالم كله، ولكن لا إكراه عليك في ذلك.

من القيم الأخرى التي أعدّها أساسية في البيتكوين، التصديق الرخيص (حتى يستطيع كل الناس المشاركة)، والتدقيق الكامل (حتى لا يكون تضخم غير متوقع)، والعدل في الإصدار (إذ يدفع كل أحدٍ مهما كان منصبه «ثمن السوق الكامل» لبيتكويناتهم، سواءٌ أشتروها من المصرف أو بالتعدين)، والتوافق الرجعي (أي تفضيل الانفصالات السهلة على الانفصالات الصعبة)، وإتاحة عدّة التصديق، لمنع التواطؤ والرقابة التي تنتج عنه. اطرح هذا السؤال على بديلك المفضل عن البيتكوين. ما هي القيم التي تدفع المشروع؟ إذا كانت هذه القيم موجودة، فإنك ستلحظ أنها بالعموم ضعيفة في أنفس حامليها، لأن الابتداع مقدَّم عندهم على الاتساق.

لذا، يظهر البيتكوينيون اختلافًا عميقًا عن الاستغلاليين الذين يرون أن نجاحهم هو الخروج من مشروع عملتهم. أما البيتكوينيون، فالنجاح عندهم هو عندما لا يحتاج المرء إلى الخروج من البيتكوين. إن فلسفتهم الأخروية تستشرف زمانًا يكونون فيه قادرين على المشاركة في اقتصاد هو حلقة مغلقة يدور فيها البيتكوين، خالٍ من تغيرات النظام المالي التقليدي. إنهم لا يحلمون بالخروج المالي، على الأقل ليس بمعنى المجازفة. يحلم البيتكوينيون بنظام مبني على معيار مالي لا يبخس مدخراتهم المالية لأن التمييز الماليّ غائب تماما عنه.

وهم جادّون في أمر استعادة هذه القيَم المؤسسة. إنّ جدول المعروض المحدد من قبل، ليسَ شيئًا ينبغي الحفاظ عليه فقط، بل هو شيء أساسي تمامًا في البروتوكول ونظام حقوق الملكية إلى درجة أنك لو أردت تغييره فسينهي هذا النظام القديم تمامًا. المعروض المسقوف ليس ميزة من ميزات البيتكوين، سقف المعروض هو البيتكوين نفسه. إنه أمر أساسي وجودي، كما أن موافقة المحكومين عنصر لا يمكن إلغاؤه من دستور الولايات المتحدة الأمريكية. نعم، تستطيع أن تسقط الحكومة القائمة وتقيم مكانها حكومة أوتوقراطية توافقها في الاسم، لكن هذا لن يكون مبتكرًا. إن جوهر الدولة نفسه، القائم على قيمها المؤسسة، يجب أن يتغير. هذه المثُل ليست أمرًا مشروطًا بغيره. وليست تفصيلًا صغيرًا في تطبيق التكنولوجيا. القيَم هي النظام، والنظام يرمّز القيم.

ومن أفضلُ مثالًا من ساتوشي نفسه. ساتوشي هو البطل المضحّي الأكبر، لقد قضى عمرًا يبني البيتكوين من الصفر، لينشر بعد ذلك الكود، ويدير المشروع مدّة من الزمان، ثم يختفي، إلى الأبد. إن العملات التي عدّنها ساتوشي — اضطرارًا، لدعم الشبكة أيّام لم يكن يدعمها أحد — لم تتحرّك من مكانها. إنّ وصف هذا العمل بالبروميثيوسي، مؤلمٌ لأنه لا يوفي ساتوشي حقّه. تجرّأ ساتوشي ليسرق أعزّ الكنوز على الدولة، وهي قدرتها على إنشاء المال كما شاءت، وأعطى هذا الحق للناس، بأنقى طريقة ممكنة.

فماذا فعلت الدولة؟ إذا كان التهديد كبيرًا هكذا، فلمَ لم تتدخل؟ إنّ مما يخيب الأمل، أن عند البيتكوينيين إجابةً لكل اعتراض.

الحقيقة أن المنعَ لم يكن ليوقف البيتكوين، إلا إذا كنت تعتقد أن المجتمع الدولي، الذي يتجه يومًا بعد يوم إلى الفوضى والاضطراب، سيتحد ليواجه هذا التهديد. تخيل ذلك! كوريا الشمالية، وإيران، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والسعودية، كلهم في قضية مشتركة. هذا وهذه الحجة تعتبر من أفضل الحجج ضد البيتكوين عند نقّاده.

ملعونون إذا فعلوا، ملعونون إذا لم يفعلوا

لنفترض أن كل الحكومات الكبرى تواطأت لتمنع البيتكوين. لن يضرّ هذا البيتكوين إلا أنه سيجعله سلعةً للسوق السوداء. لكن هذا المنع لن يكفي لوقف البيتكوين. تخيل لحظةً واحدة سلعةً محظورة على نطاق واسع، تعتمد على قدر كبير من الطاقة لإنتاجها، وينتجها مزيج من الكيانات الصناعية وغير الرسمية، ومعظم تداولها في السوق السوداء، ومع هذا يستعملها ملايين. أقصد الحشيش طبعًا، إذ بإمكان أي أحد أن يحصل على الحشيش من تاجر قريب — سواء أكان هذا الشيء قانونيا أو غير قانوني — في أقل من نصف ساعة. إن الاعتقاد بأن حظر البيتكوين سيخفف شيوعه اعتقاد مضحك. ولن يكون منه إلا تعزيز سبب وجود البيتكوين الحرفي: الحماية من نزوات الدولة المتقلبة. إن الدولة التي تظهر أن سلعةً ماليّة تهدد وجودها، تظهر للعالم أنها كيان متشكك متسلط، وهو ما يبيّن طبيعتها الطفيلية.

ومما يثير السخرية أن أفضل رد للدولة على البيتكوين والأموال التي تستلهم البيتكوين هو تلبية مطالب النمساويين التقنيين وإصلاح نفسها. سيقتضي هذا إنهاء بخس العملة، وإنهاء النظام المالي الذي يزيد التفاوت بين الناس، وإنهاء التدخل في الدورات الاقتصادية (الذي أصلًا لا يزيدها إلا شدّة)، وإنهاء المحاولات المخفقة لتسعير قيمة الوقت للمال، وإنهاء استعمال المؤسسات المالية أسلحةً للحرب.

لكن تغيير أي شيء من هذه الأشياء على المدى القريب أمرٌ غير مرجح. إن النظرية الكينزية الجديدة، هي فظاعة تسارعية سُمّيت «النظرية المالية الحديثة»، ويعتقد أصحابها أن الدولة تستطيع ظاهريًّا أن تشتري مقادير غير محدودة من أي سلعة معروضة للبيع بعملتها، من غير نظر إلى العواقب. إن هذه اللحظة هي لحظة يرتقي فيها السياسيون الاشتراكيون على أكتاف ناخبيهم الذين يزيدون خضوعًا. بيرني، إليزابيث وارن، أوكازيو كورتيز، جيريمي كوربن. في عالم الدول النامية، تجد الحركة الكرشنرية التي تستعيد سيطرتها على الأرجنتين، لتهبط أسعار كل الأصول المالية متجهة إلى الصفر مع صعود الحركات الجمعية. وفي جارة الأرجنتين ذات السوق الحرة نسبيًّا، تشيلي، يتحكم محاميان شيوعيّان مصرّحان بشيوعيتهما بالأجندة الإعلامية. فنزويلا، لا بد أنك تعرف فنزويلا. في المملكة المتحدة، اعتنق حزب العمال سياسة مصادرة صادمة، ودعم إجراءات إكراهية مثل التصفية الإكراهية العامة. وعاصمة السوق الحرة في العالم هونغ كونغ، تقبع تحت اعتداء حرفيّ من محتلّها الأوتوقراطي القاتل.

يكفي أن نقول إن الأسواق الحرة وحقوق الملكية القوية، وهما ركنا الاقتصادات الرأسمالية الفاعلة، يتعرضان لهجوم عالمي. بعيدٌ أن ينعكس هذا الأمر. إن الطبقة الدنيا العالمية، التي يزداد فشلها، تتوق إلى مزيد من التدخل، وستقبل الإفقار الشامل إذا كان يعني إنقاصًا في التفاوت.

أما مؤسساتنا المالية، فقد تخلت عن كل مظهر من مظاهر العقلانية. لقد أرانا عصرنا المشهد المسلي وإن كان مخيفًا، لرئيس الولايات المتحدة وهو يحارب حاكم الاحتياطي الفدرالي علنًا على سعر المال. والمصالح: حَلبُ اقتصادنا المموّل تمامًا في محاولة لإعادة الانتخاب. كان هذا كفيلًا بالاستيلاء على الاحتياطي الفدرالي غير السياسي، زعمًا. تصرف الصناديق الوقائية في عرضٍ لجمعها لمشابك الورق، ملايين الدولارات على خوارزميات التعلم السريع التي تتوقع معدلات الفائدة من رمشات عين الكهنة الأعلين للمال وهم ينظرون في كنه الأمور. خير استعمال للمال.

تحت تصرفك: الآلة المالية التي لا تتوقف

معدلات الفائدة السلبية نظامٌ متّبع اليوم في كل المصارف المركزية في الدول المتطورة. بل إن صندوق النقد الدولي يبحث الآن علنًا كيف يفرض معدلات فائدة سلبية أعمق وأعمق، ومن طرائق ذلك البخس الإجباري لقيمة النقد. وبغض النظر إن كنت تعتقد أن للمودعين حقٌّا إلهيًّا في زيادة ودائعهم أو لا، فإنهم حتمًا سيعادونك عندما تقترح مصادرة ودائعهم. إذا كانت معدلات الفائدة السلبية العشوائية مسموحًا بها للحصول على نتائج سياسية معينة، فعند أي حد ستتوقف المصارف المركزية لتأخذ نفسًا وتعطي المودِعين مهلة؟ لقد دخل هذا الأمر في منطقة غير مقيدة، وبعيدٌ أن يقف المنهج الميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) في السياسة المالية عند أي حد.

ربما لن يهلع المودعون عند معدل فائدة سالب 1%، بحجة أنهم يعتقدون أن البنك يقدم خدمة مفيدة. لكنهم سيتذمرون عند -3%، ويبدؤ تساؤلهم عن مقدار فهم أسيادهم الماليين. عند -5%، سيهرعون إلى الذهب ويبحثون عن أمر البيتكوين.

لأن كثيرًا من الناس لا يقدّرون قوة النظام، فلنلخّص العقد الأول من البيتكوين:

  • دُفع أكثر من مليار دولار في أجور التحويل 
  • جمع المعدنون معًا أكثر من 14 مليار دولار مقابل خدماتهم لحماية الشبكة 
  • أساس تكلفة كل الممسكين البيتكوينيين يبلغ تقريبًا مئة مليار دولار 
  • القيمة السوقية لكل البيتكوينات في سوق تبلغ تقريبًا 190 مليار دولار 
  • سوّت الشبكة نحو تريليوني دولار في التحويلات المالية 
  • تنتج شبكة البيتكوين نحو 80 إكسا هاش في الثانية (أي 8 * 10¹⁹). هذه الهاشات تكلف 19.8 مليون دولار في اليوم مستهلكة على العدد المتخصصة.

قد تهزأ من البيتكوين، لا بأس. سيكون البيتكوين مستعدًّا لمساعدتك عندما تحتاجه. قد لا تحتاج إليه الآن، قد لا تحتاج إليه أبدًا. ولكن، مع انغماسنا المتزايد في عالم استبدادي سلطوي فوضوي، قد تشعر يومًا بالطمأنينة عندما تعرف أن نظام حماية الثروة الأعلى ضمانًا في التاريخ ينتظرك صابرًا.

إلى ذلك الوقت، سيستمرّ دأب البيتكوين.

Tagged : / / / / / /

الطاعون الأكبر: وباء زبالة العملات

لا يمثل البيتكوين الإمكانية الحقيقية الوحيدة لفصل النقد عن الدولة فحسب، بل نقلة نوعية متقدمة جداً بالفعل وحتمية الحدوث

المقال الأصلي لكاتبه Thibaud Maréchal | ترجمة: Arabic_hodlBTCTranslator

والخراب الحتمي من صك العملة المعاصرة

إنّ الكلمة الإنكليزية الدالّة على أجر صكّ العملات “seigniorage”، ترجمتها الحرفية: «السنيوريّة»، نسبة إلى السنيور أي السيّد، جاءت من الفرنسية القديمة، دالّةً على حقّ السيّد (السنيور) بصكّ العملات والتربّح الفاحش من إنتاج المال. وكان حقًّا موروثًا للأسياد والملوك استخراج أجرًا من السبائك التي تُجلب إلى المصكّ لصيغها او مبادلتها بقطع نقدية تُستخدَم في التجارة. وكان الناس يأتون بمعادنهم الثمينة كالذهب والفضّة، فيصكّها مصكّ المَلِك عملات، ليقبلها التجار في معاملاتهم. كانت هذه المزيّة مقصورة على النُّخَب المسلّحة ذات القوى التشريعية والتنفيذية. 

واليوم، لم يزل أجر الصكّ وسيلة شائعة للتربّح بين حكومات العالم من دون فرض ضرائب تقليدية، إذ إنّ هذه الأخيرة أقل قبولًا لدى الناخبين. إن أسياد طباعة المال في العصر الحديث هم المصارف المركزية التي تعمل بالتعاون مع المصارف المالية والحكومات، يتعاونون على إصدار الديون في نظام مصرفي احتياطي جزئي. تحمي القوانين الرسمية العملات الوطنية الورقية، كالدولار الأمريكي واليورو والين، إذ تقضي هذه القوانين بقبول هذه العملات وسيلة لتسديد أي دين مالي في أي قضاء. وممّا اعتيد أيضًا أن يُفرَض على السكان في منطقة العملة استعمالها لدفع الضرائب وللتجارة. هذه العملات لا تُستخدم هذه العملات إلا لغياب خيارات أخرى قانونية. في النظام المالي الحكومي، تقترب تكلفة إصدار العملة من الصفر، أي إنّ إنتاج العملة فيه ربح كبير لمنتجيها الوطنيين، وليس هناك حدّ أو سقف لمقدار المال الذي يستطيعون إنتاجه، الأمر الذي يقلّل من قيمة العملة التي تدور في السوق، ويهلك القوة الشرائية لحاملي تلك العملات، وهم عامّة الناس، أي أنا وأنت.

مصدر الصورة

الاحتكارات تزول

ثمّ جاء البيتكوين عام 2008، وتمثّل للعالم مصَكًّا ماليًّا مستقلًّا عن كلّ سلطة مركزية، في زاوية مظلمة من منتدى لأنصار التشفير في الإنترنت. وكما اخترق يوهان غوتنبرغ احتكار الكنيسة للمعارف المطبوعة باختراع آلة الطباعة، قضى ساتوشي ناكاموتو على احتكار الدولة لإنتاج المال. ولئن كان اختراع غوتنبرغ مكّن عصر التنوير الذي أدّى إلى نهضة ثقافية وفكرية لا منتهى لها، فإنّ اختراع ساتوشي قد يؤدي إلى ثورة مجتمعيّة أشدّ راديكالية. 

اللغة والمال كلاهما أداة يتعاون بها الناس سِلْمًا، وينبغي لهما أن يكونا حرّين من التلاعب المركزي. مع تطهير الأسواق الحرة من القوى المقيّدة المصنوعة، سيكتشف الأفراد والشركات سبلًا جديدة مبدَعة لبثّ الحرية والسلام والثراء لإخوتنا البشر، ولكن هذا خارج نطاق هذه المقالة.

مع أنّ وجود البيتكوين لم يزد كثيرًا على عشر سنوات بعد، فإنّه كثيرًا ما يوصف بأنه تقنية قديمة ذهبت ريحها وبطلت فكرتها. بُنيت قصص كثيرة حول البروتوكول المالي الإنترنتي الأصلي، لمنح شرعية لعروض بديلة منافسة، تقدّمها شركات خاصة وأفراد. فهل تنافس هذه العملات البيتكوين حقًّا، على افتراض تفوّفها المالي؟ ما الذي يجعل مالًا ما قيّمًا، وهل يمكن لمالٍ رقمي أن يكون موثوقًا وكفؤًا؟ وهل بين نظام العملات الحكومية الحالي، ونظام العملات الرقميّات البدائل أو بالعامّية، «الزبائل» أي فرق؟ وإذا كان تموّل البيتكوين بدأ بوصفه مالًا للناس ومن الناس، فما هي مسالك تطوره المحتملة في العقد القادم أو العقدين القادمين؟ وهل المُزابلة (shitcoinery) ظاهرة محدَثة، أم إن التاريخ يعيد نفسه؟ وهل يمكن أن تكون الزبلات (shitcoins) تقنيات فقاعية منفوخة يغذوها الطمع والترجيح الزماني العالي (high time preference) والأساليب التقانية الخاطئة؟ 

في هذه المقالة الموجزة، سنحاول تحليل الجوهر المريض لطبيعة العملات الرقمية البديلة، وننظر للبيتكوين على أنه تطور مالي براغماتي، لا «ثورة تقانية» كالمزعومة للعملات الزبلات، وسنحاول تبيين أن البيتكوين هو الاحتمال الأصيل الوحيد لفصل المال عن الدولة، وأنّ هذا التحوّل النموذجي من الآن متقدّم جدًّا ولا محيد عنه. 

شيطان قديم

لقد عمل البيتكوين لتغيير المجتمع نحو الأفضل، على رغم جهل الناس به، لكنه في الوقت نفسه أحيا ظاهرة عمرها آلاف السنين على مستوًى عالمي، هي رغبة نخبة مختارة من الناس في التحكم بإنتاج المال. وقد أثبت التاريخ في حضارات ومناطق كثيرة مستقلة، أن التحكم بإنتاج المال صناعة مربحة جدا. وإنتاج المال اليوم أسهل من أي وقت مضى، إذ يمكن لأي أحد أن ينتج مالًا ويوزعه على ملايين أو مليارات الناس. إلى يومنا هذا، أنشئت أكثر من 7 آلاف عملة رقمية، وما زال الرقم في ازدياد، يدّعي أصحابها زورًا أنها أعلى من البيتكوين ماليًّا، أو يخدعون المشترين الغافلين بروايات كاذبة. 

إن إنشاء «عملة رقمية مشفرة» اليوم، لا يكلف إلا بضع دقائق، وهو ما يضيق الحاجز الذي كان بين الناس وبين منتجي المال. يخدع «منتجو العملات» هؤلاء الأفراد والشركات والمستثمرين ليصدّقوا بقيمة عملاتهم، باستخدام خطاب تسويقي داه، ومنصات توزيع عالمية على الإنترنت، وأحيانا بتلاعبات مختلقة في السوق. معظم هذه المشاريع إن لم يكن كلها، مضللة أو هي احتيالات على مستوى عالمي تورث المستثمرين فيها ألمًا. بلغت القيمة السوقية للعملات الرقمية البديلة تقريبًا 100 مليار دولار عند كتابة هذه المقالة، وهو ما يدل على سوء استثمار من المطورين وأصحاب الشركات والباحثين والمستثمرين. لا يستفيد من العملات الزبلات على المدى الطويل إلا طبقة واحدة من الناس: المحتالون الذين يستغلون عدم انتظام المعلومات في السوق. 

ولأكن واضحًا: نعم، ينبغي أن يترك للناس في السوق الحرة خيار بناء أي عمل كيف شاؤوا، ما دام الاحتيال خارج المعادلة، وما دام يفضَح باستمرار. إن المقامرة في مصارف العملات الرقمية، التي يسميها الناس «كازينوهات الزبلات» لم تزل واحدة من أربح الصناعات حول البيتكوين، ولكن هذه الكازينوهات قلما صرّحت بمقدار الخطورة فيها للمتاجرين في السوق. إن إخفاء المعلومات عن المستهلكين الذين يشترون منتجات وخدمات هي المشكلة هنا. لن يستطيع أي إشراف تشريعي أن يمنع المستهلكين من أن يُحتال عليهم، إلا أن يفهم الناس أن سوق المال مختلف وفريد. إن سوق المال هو السوق الوحيد في العالم ذو المجموع الصفري، وهو في الوقت نفسه السوق الوحيد الذي يأخذ فيه المنتصر كل شيء، إذ يصبح هو النوع السائد من المال في النهاية. لا بد أن يخسر أحد في أحد جهتي التجارة، ولأن المال هو نصف كل تعامل يجري في العالم، فإن أسواق المال الفاسد مشكلة كبيرة، تجرّ عواقب سلبية شديدة.

عاصفة من اللَّبْس

يستعمل لتشريع الزبلات مزيج من المعلومات المضللة العالمية والمشكلات في السوق التقليدية والضغط المالي الحاصل على الأجيال الجديدة التي ترزح تحت عبء الدين. إن المعلومات الزائفة والكذب الصراح سائدان في مشهد ترويج العملات البديلة، إذ يتلاعب سدنتها بجمهور المستهلكين الصغار الذين لا علم لهم بالخدمات المالية وتاريخ الأموال. مع صعود الريبة بشأن الأسواق المالية التقليدية تريد الأجيال الرقمية — وأبرزها الجيل Z وبنو الألفية — التعامي عن المصرفية التقليدية والخروج منها سريعًا. وتأثُّرًا بأعراف الدولة المربية، تُعفى هذه الأجيال من المسؤولية الذاتية، ويظنون أن بإمكانهم أن «يكسروا الدنيا» بين ليلة وضحاها ويكتسبوا ربحًا يتقاعدون فيه وهم أبناء 25. ومن أمثلة هذه الظاهرة الحديثة، الصعود الجنوني لأسواق البورصة الذي كان دليلًا على المبادئ الاقتصادية الهشة عند هذه الأجيال.

مصدر الصورة

إن المزابلة (أي التعامل بالزبلات) مغرية للخصلة الداخلية الأشنع في الإنسان، التي يكابر كثير من الناس فلا يعترفون بها: الطمع. الطمع يفسد العقل ويقلب الرجل الصادق خروفًا قصير النظر قليل العقل خدوم النفس، تابعًا للقطيع الذي يغتني من دونه. إن أصل الطمع هو خوفنا الداخلي من مواجه المستقبل المجهول، والمزابلة هي الكأس التي نشرب منها خمرة الأبدية الطموح، الواعدة بثروة موهومة، ليست إلا سرابًا. 

وبغضّ النظر عن المشكلات التقنية للتطبيقات المختلفة للزبلات، فإن الظاهر صحة القول بأن معظم هذه العملات والشبكات والبروتوكولات، إن لم يكن كلها، مخططات بونزي صريحة معيبة عن قصد. إن مسلّمة الثقة الأساسية هي اللامركزية المحضة، وهي خصيصة مرفوعة الثالث (إما أن تكون أو ألا تكون)، وليست طيفًا كما يروج معظم المزابلين. إما أن يكون النظام مركزيًّا أو لا مركزيًّا. قد تتراوح المركزية على طيف من التنوع، كشبكات الخادم والزبون الحاسوبية، ولكن هذا لا يعنينا هنا. نهايةً، إن لمعظم المطورين العاملين في الزبلات سلطة غير معلومة على السياسة المالية لعملاتهم، وهو ما يتطلب الثقة، وهو متطلب ألغاه البيتكوين قبل أكثر من 10 سنوات. 

داروينية مالية متوحشة 

نُشر البيتكوين محاولةً لبناء نظام مصكّ ماليّ عالمي باستعمال الإنترنت والتشفير والحوسبة الشبكية والبنية التحتية للأنظمة. لا جديد في البيتكوين، معظم التقنيات المستعملة فيه موجودة ومستعملة منذ عقود. كل شيء مجرَّب ومختبَر. ومن الخطأ افتراض أن البيتكوين كان أول محاولة لإنشاء نقدٍ رقمي. فقد كان من قبله محاولات كثيرة، كلها هلك. 

سواءٌ أكان إي غولد، أم ديجيكاش، أم لبرتي ريزيرف أم بي مني، كل هذه التطبيفات طُوّرت عبر السنين، وأضافت إلى صرح البيتكوين ما أضافت. إن الفرق الأساسي بين البيتكوين والزبلات هو طبيعته اللامركزية المطلقة، ومَولِده النظيف، ومُنشِئه الغامض. ليس للبيتكوين رأس يقطع، ولا إدارة تُبتَز، ولا نقاط فشل مركزية. والبيتكوين متأقلم مع بيئته، مهما عادته، وتزداد صلابته مع تطويرات البروتوكول التي تحترم ضماناته التي لا إدهان فيها. البيتكوين أشبَهُ بالكائن الحي الذي يحاول أن ينجو من اختبار الوقت، وهو النمط العالمي الأنقى لتعذّر الهشاشة. 

«إن عبقرية البيتكوين كانت في ابتكار عملة رقمية ناجحة في العالم الحقيقي، ولم تكن في إنشاء فتح رياضي أو تشفيري عميق، بل باستعمال قطَع عمرها عقود بطريقة شبه محدَثة ولكن نادرة»، جاء هذا في مقالة مؤثرة عام 2011 عن التكنولوجيا. كل شيء احتاجه البيتكوين كان موجودًا قبل سنين، حتى الأفكار الأساسية.

ليست المعارك في سوق المال معارك في خصائص تقنية متزايدة، بل هي معارك في الخصائص المالية الأساسية. البيتكوين هو تطوّر مالي براغماتي، خلافًا لمصدري الزبلات الذين يجعلونها ثورة تقنية موهومة. هذه السرديات التافهة عن «لامركزية الوِب»، و«إصلاح إمكانية تعقب سلسلة العرض»، تروَّج بدلًا من المحاولات الفاشلة لتشريع بعض المشاريع في المجال، التي كان مكتوبًا عليها الفشل منذ نشأتها. وتستعمل التعقيدات غير اللازمة عادة لإرباك الناس وزيادة عامل الطمع الذي ناقشناه من قبل. 

تتنافس الأموال (وهي نوع من البضائع مختلف عن بضائع المستهلكين ورؤوس الأموال) على المتانة، وهي مزيج من صفات موضوعية تجعل كل وسيط محايد مفيد فعال مالًا. إن أفضل مال هو المال الذي لا استخدام له إلا المال، أي المال الذي ليس له قيمة جوهرية. إلى جانب القيمة المزيدة التي يكتسبها المال من كونه مالًا، يدرك الناس طبيعيًّا أن هذا المال طريقة صالحة لحفظ العملة ومتاجرتها وقياسها. وفي هذا القول مخالفة للمدرسة النمساوية في الاقتصاد، التي ترفضه وتقول بدلًا منه بـ«نظرية الإرجاع» ولكن هذا نقاش يومٍ آخر.

تروّج الزبلات «أساليب الاستغناء السريع»، بعوائد لا تصدق وسرديات ضحلة، إذ تُسرع وتكسر الأشياء، وتدفع عن نفسها بالقول إن التنافس في السوق الحرة موجود ليتيح للناس اختيار ما يرونه الأفضل. ولئن كان هذا الرأي محل نزاع بين أهل العلم به، فإنه ينبغي أن يرفَض ببساطة بذكر هذه المسلمات: الكذب احتيال، والاحتيال سرقة، والسرقة يجب منعها. يُعجب البيتكوين أصحاب الترجيح الزماني المنخفض، أي الذين يفكرون على المدى البعيد ويريدون أن يجدوا أمانهم في ساتوشياتهم (كل بيتكوين تنقسم إلى 100 مليون ساتوشي). البيتكوين ليس على طريقة «اغتنِ سريعًا»، بل على طريقة «لا تفتقر بطيئًا»، أي إنه سلاح ضد أبرز شرور العالم: التضخم المالي.

فكر على المدى البعيد، اختر البيتكوين واخرج من المنظومة السائدة. كن طمّاعًا، وجرّ على نفسك شرور الترجيح الزماني العالي والقمار الفاسد الذي لم يزل يفسد القلوب والأرواح والعقول منذ مطلع الزمان.

في النهاية، لا مناص: البيتكوين حتمٌ وكل الزبلات ستهلك في داروينية مالية متوحشة. اختر بحكمة.

مصدر الصورة

Tagged : / / /

استخدام البيتكوين بخصوصية: أفضل الممارسات

المقال الأصلي لكاتبه Der Gigi | ترجمة: Arabic_hodlBTCTranslator

إنّ لكل رجل وامرأة مجالًا مقدّسًا من الخصوصيّة يختار فيه خياراته ويقرّر قراراته، مجالًا لحقوقه وحرّياته الأصيلة التي لا يحقّ للقانون عمومًا أن يزعجها.

جفري فيشر، رئيس أساقفة كنتربري (1959)

لم يمض وقت طويل منذ كان الوضع الأصلي للإنترنت النصّ العادي غير المشفر. إذ كان لكلّ أحدٍ أن يتجسس على كلّ أحد، ولم يُكْثِر الناس التفكير في الأمر. غيّرت كشوف التجسس العالمي عام 2013 هذا الواقع، وازداد اتّجاه الناس اليوم إلى بروتوكولات التواصل الآمن والتعمية المطرَّفة (end-to-end encryption) التي توشك أن تصبح النموذج السائد.

ومع أن البيتكوين يدخل سنين مراهقته، فإننا — مجازًا — لم نزل في عصر النص العادي في زمان العملة البرتقالية. إنّ شفافيّة البتكوين جوهريّة بالطبيعة، ولكن لحماية الخصوصية طرائق فعّالة. نريد في هذه المقالة أن نبيّن بعض هذه الطرائق، ونناقش أفضل الممارسات، وننصح للمحدَثين والمخضرمين في البتكوين نصيحةً عمليّة.

لِمَ الخصوصية مهمة؟

«إنّ الخصوصية ركنٌ للمجتمع المفتوح في العصر الرقمي. والخصوصيّة ليست هي السرّيّة. فأمّا الأمر الخاصّ فهو شيءٌ لا يريد صاحبه أن يعرفه كل العالم، وأما الأمر السرّيّ فهو شيء لا يريد صاحبه أن يعرفه أي أحد. الخصوصية هي قدرة المرء على تخيّر من يريد أن يكشف نفسه له.»

بهذه الكلمات القوية افتتح إريك هيوز بيان الناشطين بالتشفير (السيفربنك) عام 1993. إنّ الفرق بين الخصوصية والسرية دقيق، لكنه مهم. إن اختيار الخصوصية لا يقتضي أن لدى المرء أسرارًا أو أشياء يخفيها. ولتبيُّنِ هذا، انظر فيما تفعله في المرحاض أو في غرفة النوم، تجد أنه ليس ممنوعًا ولا سرّيًّا (في معظم الأحوال)، ولكنك مع هذا تغلق الباب والبرادي.

كذلك، مالُك وما أنفقته فيه، ليس أمرًا سرّيًّا. ولكن ينبغي مع ذلك، أن يكون خاصًّا. يقبل معظم الناس أن مديرك في العمل لا ينبغي أن يعلم أين تنفق راتبك.
إن أهمية الخصوصية تعرفها كثير من الكيانات العالمية. إذ أقرّ البيان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجباته للأمم المتحدة، أن الخصوصية حق إنساني أساسي في كل أرجاء العالم.

لا يُتَدَخَّلْ -عشوائيًّا- في خصوصيّة أحدٍ، ولا في أسرته ولا بيته ولا مراسلاته، ولا يُتَعرَّضْ لشرفه وسمعته بالهجوم. لكلّ إنسان الحقّ في حماية القانون ضدّ هذه التدخّلات أو الهجومات.

المادة 12، من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

البيتكوين والخصوصية

لطالما وصف أنصار البيتكوين الأوائل ووسائل الإعلام البيتكوين بأنه وسيلة دفع مجهولة (anonymous)، لكنّها كلّ شيء إلا هذا. إنّ أفضل ما يقال عن البيتكوين أنه منتَحل (pseudonymous)، هذا ولم يزل ضمانُ عدم ربط الهويات البيتكوينية المنتحلة بالهوية الحقيقية أمرًا صعبًا على معظم الناس إلى اليوم 

البيتكوين نظام مفتوح. يمكن لكل أحدٍ أن يفحص دفتره العام ويدرسه. ومن ثم فإن كل تحويل مالي جرى على سلسلة برهان العمل سيبقى متاحًا ما دام البيتكوين: إلى الأبد. قد يؤدي عدم اتباعك للممارسات الأفضل اليوم إلى نتائج سلبية في المستقبل.

إن الخصوصية، كالأمان، عملية صعبة، لكنها ليست مستحيلة. لم تزل أدوات حماية الخصوصية في البتكوين تتطور ومن حسن الحظ أن معظم هذه الأدوات يصبح استخدامها أسهل مع الوقت. ومن سوء الحظ أنه ما من حلٍّ نهائيّ للمسألة. بل يجب على المرء أن يبقى واعيًا بالتنازلات وأن يتبع أفضل الممارسات مع تطورها.

أفضل ممارسات الخصوصية

إن السيطرة على الخصوصية في البيتكوين، مثل كل شيء آخر، عملية تجري خطوة بخطوة. لا يصدّك عن حفظ خصوصيتك أن ترى أن الأمر صعب، واعلم أن الأمر محتاج إلى الصبر والمسؤولية. كل خطوة، مهما كانت صغيرة، هي خطوة في الاتجاه الصحيح.

هذه خطوات عملية يمكن أن تخطوها لتزيد خصوصيتك:

  • اجعل مالك في حوزتك
  • لا تستعمل نفس العنوان مرتين
  • قلّل تعاملك مع من يطبقون سياسة اعرف عميلك
  • قلل تعاملك مع الأطراف الثالثة
  • شغل عُقدتك الخاصة
  • استعمل شبكة البرق (Lightning Network) للتحويلات الصغيرة
  • لا تستعمل متصفحات الكتَل العامّة
  • اخلط تحويلاتك ما استطعت (CoinJoin)

اجعل مالك في حوزتك: ليست مفاتيحك، ليست بتكويناتك. إذا كانت أموالك في حوزة غيرك، فهو يعرف كل شيء عنها: مقدارها، وتاريخها، ومستقبلها، وغير ذلك. إن جعل أموالك في حوزتك أول خطوة وأهمها.

لا تستعمل نفس العنوان مرتين: إن استعمال العنوان مرتين يدمّر خصوصية المرسِل والمرسَل إليه. فاجتنبه مهما كلّفك اجتنابه.

قلّل تعاملك مع من يطبقون سياسة اعرف عميلك: إن ربط هويتك الحقيقية بعناوين محفظتك شرٌّ لا بد منه في معظم الولايات. ومع أن فعالية هذه التشريعات مشكوك فيها، فإن مقتضياتها على المستخدمين العاديين سلبية، وقد ظهر عدد كبير من تسريبات البيانات. وإذا أردت أن تستعمل هذه المصارف، فتثبّت من فهمك للعلاقة بينك وبينهم. لأنك تثق بهم بشأن معلوماتك الخاصة، وهو ما يشمل أمان معلوماتك في المستقبل. إذا لم يزل دخلُك معظمه بالعملات الحكومية، فإننا ننصح أن تستعمل خدمة بيتكوين خالصة تسمح بالشراء التلقائي المتكرر بالنيابة عنك. سوان بيتكوين واحدة من هذه الخدمات. أما إذا أردت أن تجتنب أصحاب اعرف عميلك اجتنابًا تامًّا، فانظر في تجنب المُريبين.

قلل تعاملك مع الأطراف الثالثة: إن الثقة بالأطراف الثالثة بمثابة ثغرة أمنية. إذا استطعت أن تعتمد على نفسك بدلًا من أطراف ثالثة، فعليك بذلك.

شغل عُقدتك الخاصة: ليست عقدتك، ليست قوانينك. إنّ تشغيل عقدة بيتكوين خاصة أمر لا بد منه لاستعمال البيتكوين استعمالًا خاصًّا. كل تعامل مع شبكة البيتكوين تيسّره عقدة. إذا لم تكن مسيطرًا على هذه العقدة، فإن كل شيء تفعله تراه العقدة التي تتعامل من خلالها. يعني هذا أن أصحاب هذه العقدة قادرون على أن يروا كل شيء تفعله. دليل العقدة هذا، مصدر جيد لتبدأ رحلتك.

استعمل شبكة البرق (Lightning Network) للتحويلات الصغيرة: إن طبيعة شبكة البرق المستقلة عن السلسلة (off-chain) تزيد خصوصية التعاملات فيها من دون الحاجة إلى القفز في حلقات كثيرة. ومع أن الشبكة ما زالت صغيرة، فإن أيامها الطائشة مرّت وانقضت في غالب الظن. يحسّن استعمال الشبكة للتحويلات الصغيرة والمتوسطة خصوصيتك ورسوم التحويل.

لا تستعمل متصفحات الكتَل العامّة: إن النظر في العناوين في متصفحات الكتل العامة سيربط هذه العناوين بعنوانك IP، وهو ما قد يربَط بهويتك الحقيقية. تسهّل بعض الحزم البرمجية مثل أمبرل وماي نود تصفح الكتل تصفّحًا خاصًّا. فإذا اضطررت إلى استعمال متصفح عام، فاحرص على أن تتصل من خلال تور أو أن تستخدم على الأقل شبكة VPN.

اخلط تحويلاتك ما استطعت (CoinJoin): لأن البيتكوين سيدوم إلى الأبد، فإن استعمال الممارسات الأفضل كخلط العملات المشترك سيضمن أن خصوصيتك محمية في المستقبل. وفي حين أن خلط الحوالات عملية دقيقة، فإن بعض التطبيقات السهلة تساعد على أتمتة هذه العملية وتسهيلها. من هذه التطبيقات: ويرلبول، وهي حل ممتاز لمستخدمي الأندرويد. ومن الخيارات أيضًا سوق الخلط JoinMarket، الذي يمكن تنصيبه على عقدة بسهولة بفضل مشاريع مثل جوينينبوكس. واذكر أن سوان يوفر لك القدرة على سحب بتكويناتك تلقائيًّا، وهو ما يؤتمت العملية تمامًا تقريبًا.

خلاصة

ينبغي لكل الناس أن يسعوا إلى استعمال البيتكوين استعمالًا أخصّ وآمَن. والخصوصيّة ليست هي السرّيّة. إنما الخصوصية حق إنساني، وحريٌّ بنا جميعًا أن نحمي هذا الحق ونُعمله. إزالة المعلومات من الإنترنت صعبة، وإزالة المعلومات من دفتر البيتكوين العام مستحيلة.

ولكن في فضاء البيتكوين اليوم أدوات تجعل اتباع إجراءات الخصوصية أسهل، وإن كانت بعيدة عن الكمال. أشرنا إلى بعض هذه الأدوات — كما أن تحسينات جديدة مثل تابروت وشنور ستتفعل قريبًا — وإن هذه الأدوات بالإضافة إلى ضمانات الأمان في البيتكوين، ستتطور في المستقبل لا شك في ذلك.

لا يوافق عمل البيتكوين المفاهيم التقليدية. وإنّ أسئلة مثل «لمن هذا المال» أو «من أين لك هذا» تصبح صعبة الإجابة وأحيانًا بلا معنى. 

صمم ساتوشي البيتكوين والخصوصية في ذهنه. فعلى مستوى البروتوكول كل حوالة هي عملية «صهر» لا تترك خلفها إلا آثارًا صعبة الكشف. لا يعبأ البروتوكول بمصدر الساتوشيات. ولا يعبأ كذلك بالهويات الحقيقية والملكية. إنما يعبأ فقط بصحة التوقيعات. 

وما دام التعبير حرًّا، فإن توقيع رسالة — سواءٌ أكان خاصًّا أو غير خاصّ — يجب ألا يكون جريمة.


مصادر اضافية

Tagged : / / / /

هجوم المضاربة

المقال الأصلي لكاتبه Pierre Rochard | ترجمة: Arabic_hodlSB3 | تاريخ الكتابة: يوليو 2014

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

يتوجّس رافضو البيتكوين1 من أن البيتكوين لن يدخل الثقافة العامة. ويرددون ببهجة أن البيتكوين لن يعبر هوّة الابتكار.

  • إنه معقد جدًّا
  • ليس فيه بنية الحكم الصحيحة 2
  • تأمين حمايته صعب جدًّا
  • إن أنظمة الدفع الموجودة والمستقبلية بالمال الحكومي أفضل من البيتكوين
  • إنه متقلب جدًّا
  • ستحظره الحكومة
  • لن يُستطاع تعميمه

فيكون الرد على هذه الدعاوى من مجتمع البيتكوين على أحد وجهين، أولهما مناقشتها مناقشة لا انتهاء لها3، وثانيها تغلب الضعف والإنهزامية وابتذال4 أقوالًا من قبيل:

  • عملة البيتكوين غير مهمة، المهم تقنية سلسلة الكتل (البلوكتشين)
  • ينبغي أن تستعمل الحكومات والمصارف تقنية البلوكتشين
  • سيبقى البيتكوين نظامًا ضيقاً لأصحاب الفضول، فما هو إلا تجربة
  • سيتعايش البيتكوين والمال الحكومي جنباً إلى جنب في سعادة أبدية
  • البيتكوين في العملات الرقمية، مثل “ماي سبيس” في التواصل الاجتماعي

تستحق كل واحدة من هذه الأغاليط مقالة مخصوصة، على الأقل لتحليل الأنماط النفسية والاجتماعية لأصحابها الببغاوات.

نعم، بعض الانتقادات المذكورة أعلاه صحيحة، إلا أنها خادعة. لن يكون تبني عامة الناس للبيتكوين بدافع الحماس، بل سيُضطَرّون إليه اضطرارًا. اضطرارًا بمعنى «إجبارًا بالواقع الاقتصادي». سيُجبر الناس على الدفع بالبيتكوين، لا من أجل «التقنية» بل لأن أحدًا لن يقبل الدفع بالعملات الحكومية عديمة القيمة. فالمال الجيّد يطرد المال السيّئ، خلافًا للاعتقاد الشائع. بدأ هذا «الطرد» بنزفٍ خفيف في المال الحكومي. لكنه سيتسارع حثيثًا ليصبح نزفًا من الدرجة الرابعة بسبب هجمات المضاربة على الأموال الحكومية الضعيفة. سينتهي الأمر بالدفع إلى البَتْكَنة الفائقة، أو بعبارة اخرى: «نقــودك غير مقبـولة هنا».

قانون ثيير: المال الجيّد يطرد المال السيّئ

“عرف التاريخ عملات قوية جيدة طردت عملات ضعيفة سيئة. على مدى القرون الطويلة، سادت العملات القوية وأخرجت العملات الضعيفة من مجال التنافس العالمي. لم يسد استخدام عملات مثل الدريك الفارسي والتترادراخما الإغريقي والستاتير المقدوني والديناريوس الروماني في العالم القديم من ضعفٍ أو من سوء. ولم تصبح عملات المدائن الإيطالية الفلورين والداكوت والترتر «دولارات العالم القديم» لأنها عملات سيئة، بل كانت من أفضل العملات في التاريخ كله. لم يصبح الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر أو الدولار الأمريكي في القرن العشرين عملات سائدة بسبب الضعف. من صفات العملات العظيمة التي ربحت المنافسة العالمية المالية: الاتساق والاستقرار وعلوّ القيمة”

روبرت ماندل،«استعمالات قانون غريشام وانتهاكاته في تاريخ المال»

البيتكوين هو المال الجيد، بل هو المال الأفضل5. شبكة البيتكوين هي صاحبة السياسة المالية الأفضل6 والهوية الأفضل7. لذا يجب أن نتوقع أن البيتكوين سيطرد العملات الضعيفة السيئة8. فكيف سيصبح البيتكوين العملة السائدة؟ وأي العملات الحكومية ستسبق إلى الاضمحلال؟ هذه أسئلة معاصرة مهمة، لأن المقدمات الضرورية لهذه الأسئلة حقائق مثبتة.9

1. نزف المال الحكومي

نزعة البيتكوين الحالية أن تتزايد قيمته تزايدًا أسّيًّا مع دخول الناس فيها أفواجًا. المال الجيّد يطرد المال السيئ «ببطء». يدفع هذه النزعة دافعان:

  • نقص التفاوت في مصادر العلم – فالناس يتعلمون عن البيتكوين ويدركون أن البيتكوين حتمًا هو المال الأفضل، ومن دوافعه المحتملة:
    • اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط – تَوْثين المُحدَثات المدفوع بثقافتنا الاستهلاكية بعد الحرب أو بالعمليات البيولوجية الداخلية.
    • خوف فوات الفرصة، انظر نظرية الندم والمجموعات الداخلية أو بعبارة أخرى: الجشع وطلب المكانة.
    • اضطراب توتر ما بعد الإنترنت، أو بعبارة أخرى: «المجال الجديد»، و«الاختراع الكبير التالي»، و«إنترنت المال».
  • زيادة السيولة – شراء البيتكوين أسهل اليوم ورسومه أقل مما كانت قبل عام. يستطيع المرء أن يتوقع توقعًا معقولًا أن الأمر سيكون كذلك بعد عام بالقياس إلى اليوم. لماذا؟ لأن بيع البيتكوين عمل ربحي تنافسي. لماذا؟ لأن الناس يريدون البيتكوين، انظر أعلاه.

بسبب سايكولوجية الجماعة، يصل الناس إلى البيتكوين في موجات. هذه الدفعات تسبب اضطرابًا على سعر المقايضة: فالمضاربون لا يعرفون سعة موجة التبني ولا طولها، والهواة المقامرون يغرقون أنفسهم بالإثارة ثم بالخوف. ولكن، ما إن ينتهي المدّ وتخرَج الأيدي الضعيفة، يكون السعر قد ازداد عما كان قبل الموجة الأخيرة. هذا النزف «البطيء» هو نموذج التبني الحالي، ويفترض المعلّقون عمومًا واحدًا من التالي:

  • لم يحدث النزف البطيء أصلًا، وما هو إلا خيال قائم على معلومات مغلوطة.
  • لقد توقف النزف البطيء، والدوافع المذكورة أعلاه لا تؤثر إلا في «مبتذلة اللبرتاريين» والمراهقين الغاضبين.
  • ستنخفض شدة العملية في المستقبل، لأن كل البارعون في الأمور التقنية انضمّوا إلى البيتكوين

أمّا توقعي أنا فهو أن النزف البطيء في تسارع وأنه الخطوة الأولى فحسب. أما الخطوة الثانية فهي هجمات المضاربة التي تتخذ البيتكوين منصة لها. أما المرحلة الثالثة الأخيرة، فهي البتكنة الفائقة.

2. أزمة العملة

“لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البيتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع”

ساتوشي ناكاموتو 1/17/2009

يؤدي النزف البطيء إلى أزمة العملة مع ترسّخ القيمة المتوقعة للبيتكوين في عقول الناس. في أول الأمر يكونون محافظين، فيستثمرون «ما يطيقون خسارته». بعد 12-18 شهرًا، تزيد قيمة رصيدهم الصغير زيادة كبيرة. ولا يرون سببًا يقنعهم بأن النزعة العامة ستنعكس: الأساسات تتحسن والتبني يبقى قليلًا. تزيد ثقتهم. ويشترون مزيدًا من البيتكوين. ويسوّغون هذا: «لا بأس، ما هي إلا [1-5%] من استثماراتي». ثم يرون انهيارًا في السعر عدة مرات، بسبب انفجار الفقاعات أو بسبب البيع من خوف – فيحثّهم هذا على شراء المزيد، «خصم كبير». ويتنامى البيتكوين على جهة الأصول في ورقة ميزانيتهم.

أما في جهة المطلوبات فتكتَب الرهون العقارية وقروض الطلاب والسيارات وبطاقات الائتمان، وغير ذلك. يحذّر الناس من الاستدانة لشراء البيتكوين. لكن الحقيقة أن هذا المال يمكن استعادته: إذا اشتريت عملات بيتكوين بدلًا من الدفع لتقليل رهنك العقاري، فأنت مستثمر بيتكوين مستخدم للرافعة. تقريبًا كل الناس مستثمرو بيتكوين مستخدمون للرافعة، لأن الأمر منطقي من الجهة الاقتصادية. إن ثمن الاستدانة (الفوائد السنوية بين 0% و25%) أقلّ من العائد المتوقع من امتلاك البيتكوين.

أما مقدار الرفع في ورقة الموازنة فيعتمد على النسبة بين الأصول والمطلوبات. ويزيد إغراء الرفع إذا كان صاحب المال يعتقد أن المطلوبات بالمال الحكومي ستنقص قيمتها الحقيقية، إذا كان التضخم أكبر من نسبة الربح التي يدفعونها. عندئذ لا يحتاج الأمر إلى تفكير، يستدين الناس بالعملات الضعيفة المحلية ويقبلون أي ضمان للتغطية، ثم يستثمرون في العملة العالمية القوية، ويدفعون قروضهم من عوائد هذا الاستثمار. في هذه العملية، تنتج المصارف المزيد من العملة الضعيفة، فتضخم المشكلة.

إن أثر شراء الناس والشركات والمؤسسات المالية للبيتكوين باقتراض العملة المحلية هو ازدياد سعر البيتكوين بهذه العملة نسبة إلى بقية العملات. للتبيين، فلنقل إن الطبقة الوسطى في الهند اتجهت إلى البيتكوين. وتحول آلاف المشترين إلى مئات آلاف. ولنقل إنهم اقترضوا روبيات هندية بأي ضمانة يملكونها – من بيوت أو شركات أو حليّ ذهبية أو غيرها. ثم اشتروا بالروبيات بيتكوينات. سيزيد سعر البيتكوين مقابل الروبية الهندية، ويتشكل فرق بينه وبين سعر البيتكوين مقابل العملات الأخرى. قد يكون سعر البيتكوين الواحد في الهند 600$ وفي الولايات المتحدة 500$. عندها يشتري تجّار الولايات المتحدة عملات بيتكوين ويبيعونها للهند ليربحوا 100$. سيبيع الهنود روبياتهم ويشترون بها دولارات. سيضعف هذا الروبية الهندية، ويشكل تضخمًا في الواردات وخسارة للمستثمرين الأجانب. عندها إما أن يرفع المصرف الهندي المركزي نسبة الفوائد ليكسر الدورة، أو أن يفرض ضوابط رأس المال أو أن يستهلك احتياطي النقد الأجنبي في محاولة لرفع سعر الروبية. من هذه الحلول، لا يمكن الحفاظ إلا على رفع نسبة الفوائد، ولكن هذا من شأنه التسبب في ركود اقتصادي.

هذا ويمثل رفع البنك المركزي الهندي لنسبة الفوائد مشكلةٌ ضخمة، لأن العوائد التاريخية للبيتكوين بلغت نحو 500% في السنة. فحتى إذا توقع المستثمرون عُشر هذه العوائد، لا بد أن يرفع المصرف نسبة الفوائد إلى مستويات غير معقولة ليصدّ الهجوم. والنتيجة واضحة: سيهرب كل الناس من الروبية ويتبنون البيتكوين، بسبب الضغط الاقتصادي لا بسبب الفهم التقني. وما هذا المثال إلا مثالًا توضيحيًّا، فقد يحدث الأمر في بلد صغير أولًا، أو قد يحدث في الوقت نفسه في كل أرجاء العالم. لا سبيل لنا إلى معرفة من سيستخدم أصوله وكيف سيفعل ذلك، لكن إذا تصدّع السدّ، فلا سبيل لإيقاف الماء.

أي البلدان أضعف أمام أزمات العملة؟ قدّم أحد المطلعين على الأعمال قائمة مفيدة هنا. قبل أن يمكن استعمال البيتكوين كأداة لهجمات المضاربة، لا بد أن يبلغ درجة معينة من السيولة، عبر منصات تبادل العملات راسخة في كل مركز مالي ومعروض مالي حقيقي لا يقل عن 50 مليار دولار (أي قيمة سوقية). إما أن يزامِن هذا أزمة العملة وإما ان يسببها.

3. البتكنة الفائقة

إن هجوم المضاربة الذي يبدو معزولًا ومقتصرًا على عدة عملات ضعيفة، سيسبب زيادة القوة الشرائية للبيتكوين زيادةً كبيرة، وسينتشر من ثمّ كالنار في الهشيم. فعلى سبيل المثال، قد يرى السويسريون أن سعر البيتكوين تضاعف عشرة أضعاف، ثم مئة ضعف. عند هذا الحد سيشترون عملات بيتكوين لأنهم يريدون أن يضاربوا على قيمتها، لا بسبب مشكلة حقيقية في الفرنك السويسري. تستلزم الانعكاسية هنا أن قلّة الطلب على الفرنك السويسري ستزيد التضخم فوق القيمة المتوقعة ومن ثم ستشكل مشكلة جوهرية في الفرنك السويسري. ستتكون حلقة بين تضخم العملات الحكومية وانكماش البيتكوين، وهو ما سيرمي بالعالم إلى البتكنة الفائقة، التي شرحها دانييل هنا.

خلاصة

سيسود استخدام البيتكوين. لا يفهم نقّاد البيتكوين10 هذا الأمر بسبب انحيازاتهم وقلة معرفتهم المالية. أوّلًا، هم يسكنون في غرفة صدى قوتها من قوة المتشككين بالبيتكوين. إنهم يبحثون بحثًا حثيثًا عن أدلة تؤكد رأيهم بالبيتكوين. ثانيًا، يسيئون فهم كيفية استحواذ العملات القوية كالبيتكوين على العملات الضعيفة كالدولار، وهو ما يحدث بهجمات المضاربة وأزمات العملة التي يسببها المستثمرون، لا بالتقدير الدقيق لصحفيي التقانة و«مستهلكي السائد». وعلى شرف هؤلاء النقّاد المشرفين على الانقراض، أطلقت مؤسسة ناكاموتو تحية للدعاوى العريضة.


1- لا، بجدية، هناك أشخاص على الإنترنت يقضون وقتا غير بسيط في الكتابة عن عملة يعتقدون أنها ستفشل ومع ذلك تستمر في النجاح بما يتجاوز توقعات أي شخص.

2- ويصرح بذلك بشكل عام الأشخاص ممن يتخيلون وجود “جماعة داخلية” ويحلمون بالإنضمام إليها من خلال السياسة بدلاً من العمليات القائمة على الجدارة

3- دخل البيتكوين مرحلة يعتقد فيها كل شخص جديد أن لديه فهم فريد للبيتكوين ويجب على الجميع أن يستمع اليه. هناك سيل لا نهاية له من المبتدئين “المعنيين” حول مشكلة كذا وكذا في البيتكوين. مجتمع البيتكوين يسيء إلى هؤلاء الجدد بأخذهم على محمل الجد بدلا من مجرد إخبارهم “اقرأ أكثر”

5- Bitcoin is the Best Unit of Account by Daniel Krawisz

6- The Bitcoin Central Bank’s Perfect Monetary Policy by Pierre Rochard

7- Bitcoin Has No Image Problem by Daniel Krawisz

8- Hyperbitcoinization by Daniel Krawisz

9- وإذا كنت لا توافق، فإما أنك لم تتعلم بعد أو أنك لم تشترك في المناقشة، عد إلى نقطة البداية

Tagged : / /

لماذا ليس البيتكوين هرم بونزي: نقطة بنقطة

المقال الأصلي على Swan Bitcoin، كاتبة المقال: Lyn Alden | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

من أهم التهَم التي رأيتها موجَّهة إلى البيتكوين، ادّعاء أنه هرم بونزي احتيالي. يدّعي أصحاب هذه التهمة أن شبكة البيتكوين معتمدة دائمًا على دخول ناس جديدين إليها، وأن نهايتها أن ينهار سعرها مع نفاد المشترين الجدد.

لذا، تلقي هذه المقالة نظرة جادة على هذا الادعاء وتقارن البيتكوين بأنظمة أخرى لها خصائص شبيهة بالبونزي، لنرى إذا كانت الدعوى صحيحة.

أما إذا أردتها من قصيرها: فالبيتكوين لا يوافق تعريف سلسلة البونزي لا في النطاق الضيق ولا العريض، ولكن فلنتعمق لنرى حقيقة الأمر

تعريف هرم بونزي

لا بد لنا أولًا من تعريف لنعالج موضوع البيتكوين وهرم البونزي.

دونكم تعريف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية:

«هرم بونزي هو احتيال استثماري تُدفَع فيه أموال المستثمرين الجدد إلى المستثمرين السابقين. يَعِد منظمو أهرام بونزي عادةً أن يستثمروا مالك ويأتوك بأرباح كبيرة بخطر قليل أو معدوم. ولكن في كثير من أهرام بونزي، لا يستثمر المحتالون المال. بل يستعملونه ليدفعوا للمستثمرين السابقين ويحتفظون ببعضه لهم.

تتطلب أهرام بونزي تدفقًا مستمرًّا من المال الجديد لتبقى، إذ يكاد لا يكون فيها أي ربح شرعي. عندما يصعب توظيف مستثمرين جدد، أو عندما تنسحب أعداد كبيرة من المستثمرين، تنهار هذه الأنظمة عادة.»

سميت أهرام بونزي على اسم تشارلز بونزي، الذي خدع المستثمرين في عشرينيات القرن العشرين بمخطط مضاربة للطوابع البريدية.

ثم تستمر الهيئة لتصف علامات تدل على أهرام بونزي:

«تشترك كثير من أهرام بونزي بخصائص مشتركة. ابحث عن هذه العلامات المحذّرة:

أرباح عالية وخطر قليل أو معدوم. في كل استثمار درجة معينة من الخطر، والاستثمارات التي تعيد أرباحًا أكثر يكون خطرها عادة أكبر. احذر حذرًا كبيرًا من أي فرصة استثمارية «مضمونة».

عوائد متسقة للغاية. من شأن الاستثمارات أن تصعد وتهبط مع الوقت. خذ حذرك من أي استثمار يأتي بعوائد إيجابية منتظمة بغض النظر عن أحوال السوق.

استثمارات غير مسجلة. تشمل أهرام بونزي عادة استثمارات غير مسجلة في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أو في دوائر الحكومة. التسجيل مهم لأنه يؤمن للمستثمرين الوصول إلى معلومات عن إدارة الشركة ومنتجاتها وخدماتها وتمويلها.

باعة غير مرخّصين. تفرض قوانين الحكومة الفدرالية والمحلية تسجيل العاملين في الاستثمار أو الترخيص لهم. تحتوي معظم أهرام بونزي أفرادًا غير مرخص لهم وشركات غير مسجلة.

مخططات سرية معقدة. تجنب الاستثمارات إذا كنت لا تفهمها أو لا تستطيع الوصول إلى معلومات كاملة عنها.

مشاكل في الأوراق. قد تدل الأخطاء في بيانات الحساب على أن الأموال لا تستثمَر كما ادُّعي.

صعوبة في تسلّم الأموال. احذر إذا كنت لا تستطيع تسلّم دفعة المال أو واجهت صعوبة في الانسحاب. يحاول أصحاب أهرام بونزي عادة أن يمنعوا المشتركين من الانسحاب بعرض عوائد أعلى مقابل البقاء».

أعتقد أن هذه مجموعة عظيمة من المعلومات لنبدأ التحليل. يمكننا الآن أن نرى كم صفة من الصفات المذكورة يتصف بها البيتكوين.

عملية إطلاق البيتكوين

قبل أن نبدأ مقارنة البيتكوين نقطة بنقطة بالقائمة السابقة، يمكننا أن نبدأ بخلاصة عن عملية إطلاق البيتكوين.

في أغسطس 2008، أسس شخص يسمي نفسه ساتوشي ناكاموتو نطاق Bitcoin.org.

بعد شهرين في أكتوبر 2008، أصدر ساتوشي الورقة البيضاء للبيتكوين. شرحت هذه الوثيقة كيفية عمل التقنية، وحلّ مشكلة الإنفاق المزدوج. وإذا نظرت في الرابط المذكور، رأيتَ أن الورقة مكتوبة على طريقة البحث الأكاديمي، لأنها تمثل فتحًا تقنيًّا قدّم حلًّا لتحديات معروفة في علوم الحاسوب متعلقة بالندرة الرقمية. لم يكن في الورقة أي وعد بالإغناء أو الأرباح.

ثم بعد ثلاثة أشهر في يناير 2009، نشر ساتوشي برنامج البيتكوين المبدئي. في كتلة التكوين الأولى من سلسلة الكتل (بلوكتشين)، التي لم تحو أي عملة يمكن صرفها، قدّم ساتوشي عنوان وتاريخ مقالة في ذا تايمز أوف لندن، وكانت هذه المقالة عن عمليات إنقاذ البنوك، ربما ليثبت عدم وجود تعدين سابق، وليؤسس طابع المشروع. من هنا، استغرق الأمر 6 أيام لإنهاء بعض الأمور وتعدين الكتلة الأولى، التي احتوت أول 50 عملة بيتكوين يمكن صرفها، وأصدر ساتوشي الكود المصدري في التاسع من يناير. في العاشر من يناير، غرّد هال فيني وقال إنه يشغل برنامج البيتكوين أيضًا، وكان ساتوشي منذ البداية يفحص النظام بإرسال بعض البتكوينات إلى هال.

ومما يلفت النظر هنا، أن ساتوشي أظهر كيفية عمل النظام في الورقة البيضاء قبل شهرين من إصدار برنامج البيتكوين مفتوح المصدر، لذا عمليًّا كان يمكن أن يسبقه أحد ويستعمل المعرفة الجديدة ليؤسس نسخة من النظام قبله. نعم لم يكن الأمر مرجّحًا، بفضل انطلاقة ساتوشي الذكية في اكتشاف هذا النظام وفهمه فهمًا عميقًا، لكن تقنيًّا كان الأمر ممكنًا. لقد تبرّع ساتوشي بالفتح التقني قبل أن يطلق أول نسخة من المشروع. بين نشر الورقة البيضاء وإصدار البرنامج، أجاب ساتوشي كل الأسئلة وشرح اختياراته في الورقة البيضاء لعلماء تشفير كثيرين في قائمة بريدية ردًّا على منتقديه، كما لو كان يدافع عن أطروحة أكاديمية، وكان كثير من هؤلاء العلماء قادرين تقنيًّا على سرقة المشروع، لو أنهم كانوا أقل تشكيكًا.

بعد إصدار البرنامج، بقيت مجموعة من المعدّات يعتقد كثيرون أنها لساتوشي، معدّنًا كبيرًا في السنة الأولى. التعدين ضروري لتحقيق التحويلات في الشبكة، ولم يكن للبيتكوين أي سعر بالدولار في ذلك الوقت. قلل ساتوشي تعدينه تدريجيًّا مع الوقت، وأصبح التعدين متوزّعًا أكثر في الشبكة. في الشبكة نحو مليون عملة بيتكوين يعتقَد أنها لساتوشي وأنه عدّنها في الفترة الأولى للشبكة، لم تنقَل هذه الأموال من عنوانها الأصلي قط. كان بإمكان ساتوشي أن ينسحب في أي وقت مع مليارات الدولارات من الأرباح، لكنه لم يفعل هذا حتى الآن، بعد عقد كامل من حياة المشروع. لا يعرَف إذا كان ساتوشي لم يزل حيًّا، لكن لم ينقَل من عملاته إلا مجموعة قليلة لاختبار التحويل في الشبكة.

لم يلبث ساتوشي أن نقل ملكية نطاق الموقع لآخرين، ومنذ ذلك الوقت، أصبح البيتكوين نظامًا يحافظ على نفسه بين مجتمع متجدد من المتطورين الذين لا يصلهم أي خبر من ساتوشي.

البيتكوين مفتوح المصدر، ومتوزعة في أنحاء العالم. سلسلة الكتل عامة وشفافة ويمكن التحقق منها ومراقبتها وتحليلها. يمكن للشركات أن تحلل السلسلة كلها وترى أي عملات نقلت أو بقيت في العناوين المختلفة. يمكن إعمال عقدة بيتكوين كاملة مفتوحة المصدر على أي حاسوب منزلي، ويمكن لها أن تراقب معروض البيتكوين الكامل ومعايير أخرى.

بعد أن عرفنا هذا، فلنقارن البيتكوين بالعلامات المحذّرة لأهرام بونزي.

عوائد الاستثمار: غير موعودة

لم يعد ساتوشي أحدًا بأي عوائد استثمار، لا عوائد استثمار عالية ولا متسقة ولا شيء من هذا. في الواقع، عُرف البيتكوين في العقد الأول من وجوده بوصفه مضاربة عالية التقلّب. في أول سنة ونصف، لم يكن للبيتكوين أي سعر يُرجَع إليه، وبعد ذلك كان سعره متقلب جدا.

لم تزل كتابات ساتوشي موجودة، وهو لم يكد يتكلم أصلًا عن أي ربح مالي. كانت معظم كتاباته عن الجوانب التقنية، عن الحرية، عن مشكلات النظام المصرفي الحديث، وهكذا. كانت كتابات ساتوشي كتابات مبرمج، وأحيانًا كتابات اقتصادي، لم تكن أبدًا كتابات بائع.

وعلينا أن نبحث كثيرًا لنجد أمثلة على مناقشة ساتوشي لإمكانية اكتساب البيتكوين للقيمة. عندما تحدث ساتوشي عن القيمة المحتملة للبيتكوين، تكلّم بطريقة شرح فيها الحقائق فقط، فيما يخص تصنيفها، وهل ستكون تضخمية أم انكماشية، وأقر بوجود اختلاف كبير فيما يمكن أن يؤول إليه المشروع. بعد بحث في اقتباسات ساتوشي عن كلام عن قيمة البيتكوين، هذا ما وجدته:

«إن إنتاج عملات جديدة يعني أن معروض المال يزداد بخطة معلومة، لكن هذا لا يقتضي حتمًا التضخم. إذا كان معروض المال يزداد بنسبة زيادة مستخدمي النظام نفسها، ستبقى الأسعار مستقرة. إذا كان ازدياد معروض المال أقل من الطلب، سيكون انكماش، ويرى السابقون الممسكون لأموالهم ازدياد قيمتها».

«لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع»

«بهذا المعنى، فهي أقرب إلى المعادن النفيسة. لأن معروضها لا يتغير للحفاظ على قيمتها، بل يبقى معروضها ثابتًا وتتغير القيمة. مع تزايد عدد المستخدمين، تزداد قيمة العملة الواحدة. وربما حققت الشبكة حلقة تلقيم إيجابي، فمع ازدياد المستخدمين، تزداد القيمة، وهو ما يجذب مستخدمين جددًا ليستفيدوا من ازدياد القيمة».

«ربما تكتسب العملة قيمة أولية على نحو دائري كما اقترحتَ، إذا استشرف الناس منفعتها الممكنة للمقايضة. (سأحتاج بعضًا منها حتمًا) وقد يقدح شرارتها الجمّاعون أو أي سبب عشوائي. أعتقد أن المؤهلات التقليدية للمال كُتبت على افتراض أن في الوجود أشياء كثيرة نادرة متنافسة، ينتصر في هذه المنافسة حتمًا الشيء الذي له قيمة جوهرية على الأشياء التي لا قيمة جوهرية لها. ولكن إذا لم يكن في الكون أي شيء له قيمة جوهرية يمكن استعماله مالًا، ولم يكن فيه إلا أشياء نادرة ولكن لا قيمة جوهرية لأحدها، أظن عندها أن الناس سيتخذون شيئًا من هذه النادرات مالًا. (أستعمل كلمة الندرة هنا للدلالة على محدودية المعروض المحتمل)»

«يعكس سعر السوق المنطقي لشيء يتوقَّع ارتفاع قيمته، القيمة الحالية للزيادات المتوقعة في المستقبل. في عقلك، قدّر ووازن احتمال استمرار تزايد السعر».

«أنا متأكد أنه بعد 20 سنة إما أن يكون في الشبكة حجم تحويلات هائل وإما أن يكون حجم التحويلات صفرًا».

«ليس في البيتكوين حصص أرباح ولا حصص محتملة في المستقبل، ومن ثم فهي ليست كالأسهم. بل هي أقرب إلى شيء يمكن تجميعه، أو بضاعة.»

اقتباسات من ساتوشي ناكاموتو

إن الوعد بأرباح استثمار عالية ومنتظمة من علامات هرم بونزي، ولكننا رأينا أنه في مشروع ساتوشي الأصلي، لا وجود لهذه الوعود.

مع الوقت، كان من شأن المستثمرين في البيتكوين توقع أسعار عالية جدًّا (وإلى اليوم كانت هذه التوقعات صحيحة)، ولكن المشروع نفسه من بدايته ليس فيه هذه الخصائص.

مفتوح المصدر: نقيض السرّيّة

تعتمد معظم أهرام بونزي على السرّيّة. إذا فهم المستثمرون أنهم يستثمرون هرم بونزي، لا شك أنهم سيسارعون إلى سحب أموالهم مباشرة. تمنع هذه السرية السوق من تسعير الاستثمار تسعيرًا صحيحًا، حتى يتبيّن السرّ.

فعلى سبيل المثال، اعتقد المستثمرون في نموذج بيرني مادوف أنهم يمتلكون أصولًا متنوعة. لكن في الحقيقة، كانت أرباح المستثمرين الأوائل آتية من تدفق المستثمرين الجدد، لا من الاستثمار الحقيقي. كانت الاستثمارات المكتوبة في بياناتهم زائفة، وكان شبه مستحيل على المستثمرين أن يتثبتوا من أنها زائفة.

أما البيتكوين، فيعمل على نقيض ذلك تمامًا. فهو برنامج موزَّع مفتوح المصدر يتطلب إجماع الأغلبية ليتغير، وكل سطر فيه معروف، لا تستطيع أي سلطة مركزية تغييره. ومن أهم مبادئ البيتكوين التثبّت بدلًا من الثقة. يمكن تحميل برنامج العقدة الكاملة على أي حاسوب عادي، ويمكنه حين ذلك مراقبة سلسلة الكتل كلها ومعروض المال كله. لا يعتمد البيتكوين على أي موقع أو غرفة سيرفرات أو شركة.

لهذا، ليس في البيتكوين أي «مشكلات في الأوراق» أو «صعوبة في تسلّم الأموال»، كما ورد في العلامات المحذرة أعلاه. بل كل فكرة البيتكوين هي عدم الاعتماد على أي جهة ثالثة، فهي ثابتة ويمكن التحقق منها مباشرة. لا يمكن نقل البيتكوين إلا باستعمال المفتاح الخاص المرتبط بعنوان معين، وإذا استعملت مفتاحك الخاص لنقل بيتكويناتك، فلن يستطيع أحد أن يمنعك من ذلك.

نعم لا شك أن في البيئة المحيطة مستخدمين سيئين. خسر بعض الناس الذين اعتمدوا على الآخرين لحفظ مفاتيحهم الخاصة (بدلًا من أن يحفظوها بأنفسهم) عملاتهم بسبب سوء الأوصياء، لا بسبب فشل برنامج البيتكوين الأصلي. قد تكون أسواق الجهة الثالثة محتالة وقد تخترَق. يمكن لمخططات التصيّد أو عمليات الاحتيال الأخرى أن تخدع بعض الناس فيظهروا لها مفاتيحهم الخاصة أو معلومات حسابهم. لكن هذا غير مرتبط بالبيتكوين نفسه، والناس عندما يستعملون البيتكوين يجب أن يتأكدوا من فهمهم لكيفية عمل النظام ليتجنبوا الوقوع في عمليات الاحتيال هذه.

لا تعدين مسبق

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشره.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار له حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء ينفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

نموّ بلا قائد

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشرها.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار لها حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء تنفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

الاستثمارات والباعة غير المسجلين

العلامات الوحيدة التي تنطبق على البيتكوين من القائمة السابقة هي أن البيتكوين استثمار غير مقنن من جهة الحكومة. لا يدل هذا في نفسه على أن البيتكوين هرم بونزي، بل يعني وجود علامة من علاماته وأن على المستثمرين أن يأخذوا حذرهم. لا سيما في الأيام الأولى للبيتكوين، كان شراء مال الإنترنت السحري استثمارًا خطيرًا بالنسبة لمعظم المستثمرين.

صُمّم البيتكوين على نحو تكون فيه غير محتاج إلى الإذن، لتعمل خارج النظام المالي الموجود، مع ميل فلسفي إلى الثقافة التشفيرية الللبرتارية والنقد السليم. في معظم حياة البيتكوين، كان منحنى سعره أشدّ صعودًا من أي استثمار تقليدي، لأنه قائم على تقاطع من البرمجة والاقتصاد والثقافة.

قال بعض المسؤولين في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إن البيتكوين وإثيريوم ليستا سندات مالية (ومن ثم فليس فيهما احتيال سندات). صُنّفت عملات رقمية كثيرة أخرى بأنها سندات مالية مثل الريبل واتُّهمت ببيع سندات غير مسجلة. تعامل مصلحة الضرائب البيتكوين وكثيرًا من الأصول الرقمية الأخرى بوصفها بضائع، لأغراض جباية الضرائب.

لذا، نعم في أيام البيتكوين الأولى لا شك أنه كانت استثمارًا غير مسجل، أما اليوم فهو أصل له مكانه في إطار قانون الضرائب والهيئات التقنينية حول العالم. تتغير القوانين مع الوقت، لكن الأصل صار مشهورًا جدًّا. مشهورًا إلى درجة أن شركة فيديليتي للاستثمارات وغيرها تحتفظ به لعملائها من المؤسسات، وأن جي بي مورغان تضع توقعات أسعار له.

يجمع كثير من الناس الذين لم ينظروا بعمق في الصناعة «العملات الرقمية» كلها. لكن من المهم للمستثمرين أصحاب الرؤية أن ينظروا في التفاصيل ويجدوا الاختلافات المهمة. إن شراء «العملات الرقمية» كلها معًا شبيه بشراء «الأسهم» كلها معًا. ليست البيتكوين مثل بقية العملات الرقمية في كثير من خصائصه، وقد كان إطلاقه أشبَه بإطلاق حركة أو بروتوكول لا بإطلاق استثمار، لكنه مع الوقت أصبح استثمارًا.

من هنا، يستطيع الناس أن ينظروا في كل العملات الرقمية التي أتت مع صعود البيتكوين ويصلوا إلى استنتاجاتهم. وفي المجال طيف واسع من المشاريع حسنة النيّة من جهة إلى الاحتيالات الصارخة من جهة أخرى. ومن المهم إدراك أنه حتى إذا كان في أحد هذه المشاريع ابتكار حقيقي، فإن هذا لا يعني أن العملة المرتبطة به سيكون لها قيمة مستمرّة. إذا حلّت إحدى العملات مشكلة طارئة، فقد يتبنّى هذا الحل في طبقة من طبقات بروتوكول أكبر له شبكة أكبر. كذلك فإن أي استثمار في هذه العملات الأخرى يُتخلّى به عن فرصة شراء بيتكوين أكثر مع الوقت.

خلاصة الفقرة: ليست هرم بونزي، وضوحًا

لقد أطلق مشروع البيتكوين بأعدل الطرق الممكنة.

أظهر ساتوشي للعالم أولا كيف يمكن أن يعمل النظام في الورقة البيضاء بالمعنى الأكاديمي، ثم فعلها بنفسه بعد عدة شهور، وقد كان يمكن لأي أحد أن يشاركه التعدين في الأيام الأولى، كما فعل بعض السباقين إلى المشروع. ثم وزّع ساتوشي تطوير المشروع على مطورين آخرين، ولم يسحب أمواله من الشبكة مطلقًا حتى اليوم.

منذ البداية، كان البيتكوين ولم يزل مشروعًا مفتوح المصدر وكامل الشفافية، وحافظ على مسار تطوره الطبيعي. وبعد أن تعرّف السوق هذه المعلومات، سعّرها بما يراه مناسبًا، على المكشوف.

التعريف الأوسع لهرم بونزي

رأينا أن تعريف البونزي الضيّق لا ينطبق على البيتكوين، ولكن استعمل بعض الناس تعريفًا أوسع ليؤكدوا أن البيتكوين هرم بونزي.

البيتكوين مثله مثل أي بضاعة، بمعنى أنه شيء رقمي نادر ليس فيه أي تدفق للأموال، ولكن له منفعة. وهو محدود بواحد وعشرين مليون وحدة يمكن قسمتها، عُدّن منها أكثر من 18.5 مليون، حسب خطة مبرمجة مسبقًا. في كل أربع سنين، ينتصف عدد عملات البيتكوين التي تولّد في كل كتلة، ليقارب عدد البيتكوينات في الوجود 21 مليون واحدة.

ومثل أي بضاعة أخرى، لا يوفر البيتكوين أي تدفق مالي أو حصص أرباح، ولا تساوي قيمته إلا ما يريد الناس الدفع مقابل الحصول عليه. وتحديدًا، البيتكوين سلعة نقدية، ومنفعته الوحيدة تخزين القيمة ونقلها. وهذا يجعل الذهب أقرب شيء يمكن مقارنته به.

البيتكوين وسوق الذهب

يؤكد بعض الناس أن البيتكوين هرم بونزي لأنه تعتمد على انضمام المستثمرين الجدد إلى المجال بشرائهم من المستثمرين السابقين.

نعم، هذا الاعتماد صحيح إلى حدٍّ ما، لأن أثر الشبكة في البيتكوين لم يزل متزايدًا، بتزايد عدد المستخدمين وحجم الأموال، وهو ما يزيد قيمة البيتكوين ومنفعته.

لن يستمر نجاح البيتكوين في المدى الطويل إلا إذا بلغت قيمته السوقية مستوى عاليًا جدًّا وحافظ عليه، لأن أمن الشبكة (معدّل الهاش) مرتبط ارتباطًا جوهريًّا بسعر العملة. إذا ظلّ الطلب على البيتكوين لسبب ما ثابتًا ثم انخفض، ولم يبلغ مستوًى عاليًا بما فيه الكفاية، سيبقى البيتكوين أصلًا متخصصا وسيتدهور قيمته وأمنه وأثر شبكته. إذا حدث هذا، فإنه سينشئ دورة خبيثة فيجذب مطورين أقل لبناء الطبقات الثانوية والعتاد الصلب والبرمجي المحيط بالشبكة، وقد يؤدي إلى ركود القيمة والسعر والأمان.

ولكن هذا لا يجعل البيتكوين هرم بونزي، لأننا إذا طبقنا نفس المنطق، سنجد أن الذهب نفسه هرم بونزي عمره 5 آلاف عام. إن الأغلبية العظمى من استعمالات الذهب ليست استعمالات صناعية، بل لتخزين الثروة وإظهارها. لا يقدم الذهب أي تدفق مالي، ولا يساوي إلا ما يريد الآخرون أن يدفعوا فيه. إذا تغيرت أذواق الناس في الحليّ، وإذا لم يعد الناس يرون في الذهب أفضل مخزن للثروة، سينكمش أثر الشبكة للذهب.

لدينا معلومات من أكثر من ستين عامًا عن معروض إنتاج الذهب السنوي الذي يقدَّر أنه متوفر بأشكال متعددة حول العالم. وهذا أقرب إلى أن يساوي طلب الصناعة وحدها لمدة 500 عام، دون حساب طلب الحلي وحفظ القيمة. لذا، فإن توازن معروض الذهب وطلبه للحفاظ على سعر عال يتطلب استمرار نظر الناس إليه بوصفه طريقة جذابة لحفظ الثروة وإظهارها، وهو أمر ذاتي نوعا ما. بناءً على البيانات المتوفرة عن طلب الذهب للاستعمالات الصناعية، فإن فائض معروض الذهب كبير جدًّا ولولا نظرة الناس إلى الذهب لكان سعره أقل كثيرا.

ولكن أثر شبكة الذهب المالية لم يزل صلبًا مدّة طويلة من الزمن بسبب جمعه لخصائص فريدة تجعل الناس يرونه أفضل طريقة لحفظ الثروة والحليّ على المدى الطويل عبر الأجيال، هذه الخصائص هي: ندرته وجماله وطواعيته وإمكانية استبداله وتقسيمه واستحالة إتلافه كيميائيًّا تقريبًا. مع تغيّر النقود الحكومية في العالم، وتزايد رقم الفئة الواحدة منها، فإن معروض الذهب يبقى نادرًا نسبيًّا، ولا ينمو إلا 1.5% كل عام. حسب تقديرات الصناعة، فإن لكل فرد في العالم أونصة ذهب واحدة من الذهب المستخرَج.

كذلك البيتكوين، يعتمد على أثر الشبكة، أي إنه يحتاج للحفاظ على قيمته إلى أن ينظر إليه عدد كاف من الناس بوصفه مقتنًى جيدًا. لكن أثر الشبكة ليس هرم بونزي في ذاته. يمكن للمستثمرين أصحاب الرؤية أن يحللوا بيانات أثر شبكة البيتكوين ويحددوا لأنفسهم خطر وفائدة شرائه.

البيتكوين ونظام المصرفية الحكومية

إذا استعملنا أوسع تعريف من تعريفات هرم بونزي، فإن نظام المصرفية العالمي هرم بونزي.

أولًا، العملات الحكومية بضاعة زائفة، بمعنى من المعاني. الدولار، من حيث هو دولار، ليس إلا شيئًا مصنوعًا من ورق، أو شيئًا ممثلًا في دفتر بنك رقمي. كذلك اليورو والين وبقية العملات. لا تقدّم هذه العملات تدفقًا ماليًّا في نفسها، لكن المؤسسات التي تحتفظ بدولاراتك قد تدفع لك دخلًا (أو أحيانًا، تكلّفك أن تدفع لها). عندما نعمل أو نبيع شيئًا لنحصل على الدولارات، فإننا لا نفعل ذلك إلا لاعتقادنا بأن أثر الشبكة الكبير للدولار (وهو ما يشمل أثر الشبكة الحكومي القانوني) سيضمن أننا نستطيع أن نأخذ هذه الأوراق وندفعها لأحد آخر لنحصل على خدمات.

ثانيًا، عندما ننظم هذه الأوراق وتمثيلاتها الرقمية في نظام مصرفية احتياطية جزئية، فإننا نضيف طبقة معقدة أخرى. إذا أراد نحو 20% من الناس أن يسحبوا أموالهم من البنك في الوقت نفسه، سينهار النظام المصرفي. أو، إذا أردنا أن نكون واقعيين، سترفض المصارف تسليم المال، لأنها لا تملكه. حصل هذا لبعض المصارف الأمريكية في أوائل عام 2020، أيام الإقفال، وهو يحصل كثيرًا حول العالم. وفي الحقيقة هذا واحد من علامات أهرام بونزي التي وردت في بيان هيئة الأوراق المالية والبورصات: صعوبة تسلّم الأموال.

في لعبة الكراسي الموسيقية المعروفة (تسمّى في سورية كرسي كراسي)، توجد مجموعة من الكراسي، وعندما تبدأ الموسيقا يبدأ الأطفال طوافهم حول الكراسي (التي عددها أقل من عددهم بواحد). عندما تتوقف الموسيقا، يتسابق الأطفال ليجلسوا على الكراسي الموجودة. يخسر طفل واحد في الدورة، لبطئه أو قلّة حظّه، ويخرج من اللعبة. في الدورة التالية، يزال أحد الكراسي، وتستمر الموسيقا مع من تبقى من الأطفال. بعد دورات كثيرة، يبقى طفلان وكرسي واحد، يربح واحد منهما بنهاية الدورة.

إن النظام المصرفي لعبة كرسي كراسي دائمة. الأطفال أكثر من الكراسي، ولن يستطيع كل واحد منهم أن يأخذ كرسيًّا. عندما تتوقف الموسيقا، سيتبيّن للأطفال هذا. ولكن، ما دامت الموسيقا مستمرة (مع دعم الحكومة للنظام بالأموال المطبوعة)، تستمر اللعبة.

تجمع البنوك أموال المودعين، وتستعملها للإقراض وشراء السندات. لا يتاح للسحب إلا مقدار ضئيل من الأموال. أصول البنوك تتشكل من القروض والسندات واحتياطات الكاش. أما مسؤولياتها فهي أموال يستحقها المودعون، ومسؤوليات أخرى مثل السندات المصدرة للدائنين.

في الولايات المتحدة، تحتفظ البنوك جميعها بنحو خُمس إيداعات زبائنها نقدًا.

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

يظهر المخطط أن النسبة بلغت أقل من 5% قبل الأزمة المالية العالمية (وهو سبب سوء الأزمة، وأنها كانت نقطة تحول في دورة الدين طويلة المدى)، ولكن بسبب التيسير الكمي، والتشريعات الجديدة، وتنظيمات داخلية جديدة، عادت البنوك لتملك 20% من موازنة إيداعاتها بالكاش.

كذلك المقدار الكلي للنقد الفيزيائي في السوق، الذي تختص بطباعته وزارة الخزانة الأمريكية، لا يساوي إلا نحو 13% من مقدار المودعات في البنوك التجارية، ولا تحتفظ البنوك في خزائنها إلا بجزء ضئيل من هذا. ليس في السوق مقدار النقد الكافي (وهذا من أساس التصميم) لنسبة كبيرة من الناس إذا أرادوا سحب إيداعاتهم من البنوك في وقت واحد. سيواجه الناس «صعوبة في تسلّم الأموال» إذا أراد عدد كاف منهم أن يسحب أمواله في الوقت نفسه.

بهذه الهيكلية، لا يمكن أن ينتهي النظام المصرفي. إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يسدد ديونه، سيتوقف النظام كله عن العمل.

إذا أراد بنك واحد أن يسدد ديونه من دون أن يُستحوذ عليه، فعليه -فرضيًّا- أن يبيع كل قروضه وسنداته لبنوك أخرى، ويحولها إلى كاش، ويدفع الكاش للمودعين. ولكن، إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يفعل هذا في الوقت نفسه، ستنخفض القيم السوقية للأصول المبيعة انخفاضًا حادًّا وسيواجه السوق أزمة سيولة، لعدم كفاية عدد المشترين.

واقعيًّا، إذا أرادت البنوك تسديد حساباتها في الوقت نفسها، وتجمّد السوق بسبب إرباك بائعي القروض للمشترين، سيضطر الاحتياطي المركزي إلى طباعة دولارات جديدة ليشتري الأصول ويعيد السيولة إلى السوق، وهو ما سيزيد عدد الدولارات في السوق زيادة ضخمة. فإن لم يفعل، انهار كل شيء، لعدم كفاية وحدات العملة التي في النظام لفكّ أصول الأنظمة المصرفية.

فالنظام المالي يعمل كأنه دورة دائمة من لعبة الكراسي الموسيقية، مبنيًّا على أصول زائفة تصدرها الحكومة، ودعاوى الحقّ في هذا المال (الأطفال) أكثر بكثير من المال المتوفر نفسه (الكراسي)، وهو ما يتبين عندما يتزاحم الأطفال ليأخذوا مكانهم. لا يزال عدد الأطفال والكراسي في ازدياد، ولكن دائمًا عدد الأطفال أكبر بكثير من عدد الكراسي. فإذا حدث انهيار جزئي في النظام، أُضيف كرسيّان إلى الدورة لتبقى مستمرة.

نحن نقبل هذا الأمر ونراه عاديًّا، لأننا نفترض أنه لن ينتهي. لقد عمل نظام الاحتياطي المصرفي الجزئي حول العالم مئة عام (معتمدًا أولًا على الذهب، ثم مستقلًّا عنه) وإن كان بأحداث تضخمية كثيرة على الطريق لإصلاح بعض الأمور جزئيًّا.

كل وحدة مفردة من العملة الحكومية قلّت قيمتها نحو 99% أو أكثر على مدى العقود السابقة. يقتضي هذا أن المستثمرين إما أن يحصلوا على نسبة ربح أكبر من نسبة التضخم الحقيقية (وهو ما لا يحدث الآن)، وإما أن يشتروا استثمارات، وهو ما يضخّم قيمة الأسهم والعقارات مقارنة بالتدفق النقدي، ويرفع أسعار المنتجات النادرة كالفنون الجميلة.

على مدى القرن الماضي، لم تزل سندات الخزينة ونقد البنك في ازدياد مع التضخم، ولكن من دون ربح حقيقي. لكن هذا الأمر ليس دائمًا. فقد مرت بعض العقود، كأربعينيات القرن العشرين وسبعينياته والعقد الثاني من قرننا هذا، لم يستطع فيها أصحاب سندات الخزينة ونقد البنك أن يجاروا التضخم. يظهر هذا المخطط معدل سندات الخزينة ناقص معدل التضخم الرسمي على مدى تسعة عقود:

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

البيتكوين تقنية دفع وادّخار محدَثة، أكثر استعماله دون رافعة، أي إن معظم الناس يشترون المال، ثم يمسكونه، وقلّما يتاجرون به. في السوق بعض مصارف البيتكوين، ويتاجر بعض الناس فيه، ولكن الدين العام في النظام يبقى منخفضًا جدًّا نسبةً إلى القيمة السوقية، هذا مع إمكانية أن تحتفظ بمدّخراتك معك.

التكاليف الاحتكاكية

من دعاوى اتهام البيتكوين بأنه هرم بونزي دعوى تقول إن للبيتكوين تكاليف احتكاكية، فهي إذن هرم بونزي. إن النظام يحتاج إلى عمل مستمر ليبقى فعّالًا.

مرة أخرى، ليس بين البيتكوين وبين أي نظام تجارة آخر أي فرق في هذا. أي شبكة تعاملات صحيّة لها تكاليف احتكاكية.

في البيتكوين، يستثمر المعدّنون في عتادهم المخصص وكهربائهم وطاقمهم ليدعموا تعدين البيتكوين، أي تحقيق التحويلات واكتساب عملات جديدة وأجور التحويل بالمقابل. خطر الخسارة في التعدين كبير، وأجر النجاح فيه كبير، ولكن المعدنين ضرورة ليعمل النظام. كما في النظام أيضًا من يدعم السيولة بين المشترين والبائعين، أو يحول العملات الحكومية إلى بيتكوين، فيسهّل شراء البيتكوين أو بيعه، وهؤلاء لهم رسومهم كذلك. تقدم بعض المؤسسات حلول ادّخار أيضًا، وتكلّف زبائنها رسومًا قليلة لتدّخر لهم أموالهم.

كذلك معدّنو الذهب يصرفون أموالًا كثيرة على الطاقم والاستكشاف والمعدات والطاقة اللازمة لإخراج الذهب من الأرض. ثم تنقّي هذا الذهب عدة شركات وتصهره في سبائك وعملات، وتحميه وتحتفظ به للمستثمرين، وترسله إلى المشترين، وتتحقق من صفاءه، وتجعله حليًّا، وتصهره مرة أخرى للتنقية والصبّ من جديد، إلخ. تدور ذرات الذهب في السوق بأشكال عديدة، بسبب عمل الناس في صناعة الذهب من ضاربي النقود في سويسرا إلى بائعي الحلي إلى المسترهنين الذي يشترون الذهب. يتجه معظم العمل الطاقي في الذهب إلى الإنشاء لا إلى الحفاظ على النظام، لكن الصناعة نفسها فيها تكاليف احتكاكية مستمرة أيضا.

بل حتى نظام المال الحكومي العالمي له تكاليف احتكاكية. تستخرج المصارف وشركات التقانة المالية أكثر من 100 مليار دولار في العام من رسوم التحويل المتعلقة بالدفعات، ومن احتفاظهم بأصول زبائنهم وإدارتهم له، وتسييلهم للسوق بين المشترين والباعة.

حللت مؤخرًا مدّخرات مجموعة دي بي إس، وهو أكبر بنك في سنغافورة. يجني البنك نحو 900 مليون دولار سنغافوري في كل ربع سنة، أو نحو 3 مليارات دولار سنغافوري كل سنة. إذا ترجمنا هذا إلى الدولار الأمريكي، فهو يساوي مليارين ونصف مليار دولار في السنة الواحدة، من الرسوم وحدها.

وهذا بنك واحد قيمته السوقية 50 مليار دولار. في سنغافورة بنكان آخران لهم حجم قريب من هذا. أما مصرف جي بي مورغان تشيس، أكبر بنك في الولايات المتحدة، فهو يقدَّر بسبعة أضعاف المذكور، وفي الولايات المتحدة غيره عدة بنوك لها حجم قريب. يجني هذا البنك سنويًّا 40 مليار دولار، متوسّطًا بين فيزا وماستركارد. أما مجموع الرسوم التي تأخذها البنوك وشركات التقانة المالية حول العالم فهي أكثر من 100 مليار دولار.

إن تحقيق المعاملات وحفظ القيمة يحتاج إلى عمل، لذا لا بد أن يكون لكل نظام مالي تكاليف احتكاكية. وليس هذا مشكلة إلا إذا كانت الرسوم كبيرة جدا بالنسبة إلى المقادير المرسَلة. وإذا نظرنا في التكاليف الاحتكاكية للبيتكوين وجدناها متواضعة مقارنة بالنظام المالي القائم، وأن طبقات البيتكوين الثانوية تقلل هذه الرسوم أكثر. فعلى سبيل المثال، يهدف تطبيق سترايك إلى أن يصبح أرخص شبكة دفع عالمية، وهو يعمل على شبكة البرق على البيتكوين (لايتنينغ).

يشمل هذا أيضًا البضائع غير المالية. إلى جانب الذهب، يحفظ المستثمرون الأغنياء ثروتهم في أشياء أخرى لا تقدم تدفقًا ماليًّا، منها الفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية الرفيعة الفخمة التي لا يمكن أن يستأجرها أحد. ففي شواطئ فلوريدا وكاليفورنيا مثلا بعض المساحات التي ليس فيها إلا منازل سعر الواحد منها 30 مليون دولارًا، ولكنك لا تجدها إلا خالية متى زرتَها. أحب الذهاب إلى هذه الشواطئ لأنها فارغة عادة.

هذه المقتنيات النادرة تزيد قيمتها مع الوقت، وهو ما يدفع الناس إلى اقتنائها. ولكن لها تكاليف احتكاكية عندما تشتريها أو تبيعها أو تحافظ عليها. ما دامت التكاليف الاحتكاكية أقل من ازدياد القيمة مع الوقت، فإن هذه الاستثمارات صالحة بالمقارنة مع الاحتفاظ بالأموال الحكومية، وليست أهرام بونزي.

خلاصة الفقرة: أثر الشبكة، لا هرم بونزي

أوسع تعريف لشبكة بونزي يشير إلى أي نظام يحتاج إلى عمل مستمر للحفاظ عليه، أو أي نظام له تكاليف احتكاكية.

ولا يوافق البيتكوين هذا التعريف إلا كما يوافقه الذهب ونظام المال الحكومي العالمي، أو الأسواق الأقل سيولة كالفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والعقارات الشاطئية. بعبارة أخرى، إذا كان تعريفك واسعًا إلى درجة أنه يشمل كل مخزن للقيمة لا تدفق نقدي فيه، فإنك تحتاج إلى تعريف أفضل.

كل هذه المقتنيات النادرة لها منفعة معينة إلى جانب ميزة حفظها للثروة. فالذهب والفن يمتّعانك بالجمال البصري. والخمر تمتّعك بحلاوة المذاق. والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية يمتعانك بالجمال البصري واللمسي. والبيتكوين يمكنك من دفع المال محليًّا ودوليًّا بطريقة لا يستطيع فيها أي طرف ثالث التدخل، وهو ما يعطي المستخدم تحرّكيّة مالية لا نظير لها.

هذه المقتنيات النادرة تحافظ على قيمتها أو تزيدها مع الوقت، ولا بأس عند المستثمرين أن يدفعوا التكاليف الاحتكاكية القليلة المتعلقة بها، وهي بديل صالح للإمساك بالنقد الحكومي الذي تقل قيمته مع الزمن.

نعم، يتطلب البيتكوين عملًا مستمرًّا ولا بد أن يبلغ قيمة سوقية معينة حتى يصبح مستدام، ولكني أرى أن هذا في أفضل أحواله مشكلة تقنية، أما المستثمرون فيسعّرون الشيء حسب نظرتهم لاحتمال نجاحه أو إخفاقه. إنه أثر شبكة ينافس كل أثر شبكة موجود في العالم، خصوصًا النظام المصرفي العالمي. والمهزلة أن النظام المصرفي العالمي فيه من خصائص أهرام بونزي أكثر مما في غيره.

فِكَر أخيرة

لا بد لكل تقنية من وقت للتقييم، واختيار بين الرفض والقبول. قد يكون السوق غير منطقي في أول الأمر في صعوده وهبوطه، لكن في النهاية، تُقيَّم الأصول وتقاس.

لقد تنامى سعر البيتكوين باستمرار مع كل دورة تنصيف للمعروض، ومع استمرار نمو أثر شبكته يبقى معروضه محدودًا.

مصدر المخطط: Blockchain.com

في كل استثمار خطر، ولا شك أننا لا نعرف بعد ما هو مصير البيتكوين النهائي.

إذا استمر السوق على رؤيته إياه كوسيلةً للادخار والدفع، متاحةً لمعظم الناس في الكوكب ومدعومة بشبكة إجماع لا مركزية حول العالم، ومسجّلة في دفتر عام، فسيستمر في أخذ حصص السوق الأخرى بوصفه مخزنًا للثروة وشبكة دفع، حتى يبلغ قيمة سوقية ناضجة وتبنّيًا واسعًا وتقلّبًا قليلًا. 

أما المخالفون، فيؤكدون أنه ليس للبيتكوين قيمة جوهرية وأن الجميع سيدرك الحقيقة يومًا ما، وستعود قيمته إلى الصفر. لكن حجة التراجع الأقوى هي أن البيتكوين سيخفق في أخذ حصص سوقية متسقة من النظام المصرفي العالمي لسبب أو لآخر، مع ذكر الأسباب.

كان عام 2020 قصة عن القبول المؤسسي، وتعالت فيه البيتكوين على الحدود بين استثمار المفرَّق والمخصصات المؤسسية. أصبحت ميكروستراتيجي وسكوير أول شركات علنية التداول تخصص بعض احتياطاتها أو جميعها بالبيتكوين بدلًا من النقد. وماس ميوتشوال أول شركة تأمين كبيرة تضع جزءًا من أصولها بالبيتكوين. أظهر بول تيودور جونز وستانلي دركنميلر وبيل ميلر ومستثمرون معروفون آخرون آراءً لمصلحة البيتكوين. وركبت بعض المؤسسات مثل فيديليتي قطار البيتكوين وعينها على خدمات الأمانة والحفظ المؤسسية، لكن 2020 شهدت آخرين كثرًا يركبون القطار، منهم أكبر شركة إدارة أصول في العالم، بلاك روك.

من منافع البيتكوين أنه تسمح بالاحتفاظ الذاتي وسهولة نقل المال وإجراء صفقات من دون إذن أحد. وبالرغم من وجود مشاريع بلوكتشين كثيرة، لم تقدم أي عملة رقمية أخرى درجة أمان مشابهة لتحمي من الهجومات على دفترها (من جهة معدل الهاش ومن جهة توزّع العقد)، ولم يكن لأي منها أثر شبكة كاف ليقبلها السوق قبولًا مستمرًّا بوصفها مخزنًا للقيمة على نحو متسق.

والأهم أن نمو البيتكوين كان طبيعيًّا أكثر من أي عملة أخرى في الصناعة، فقد جاء أولًا وانتشر من دون وجود قيادة أو تسويق مركزي، وهو ما جعله أقرب إلى بروتوكول مؤسس منه إلى مشروع أعمال أو أمن مالي.

Tagged : / /

بيتكوين وحقوق الملكية المستقلة

اقرأ المقال الأصلي، وتابع Hasu و Su Zhu | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

ظهر لنا من قبل أن البيتكوين مؤسسة اجتماعية واقتصادية جديدة. لكن السؤال لم يزل: من الذي سيستعملها؟ هل للبيتكوين مكان بين بقية المؤسسات، وإذا كان ذلك كذلك، فأين هو؟ هل البيتكوين منافسٌ رديءٌ لبايبال وفيزا، كما تريد وسائل الإعلام أن تقنعك، أم هي شيءٌ أكبر من هذا؟

إذا أردنا وضع البيتكوين على الخريطة مع بقية المؤسسات، فلنفهمْ أوّلًا لمَ بنى البشر المؤسسات أصلًا.

البشر كائنات محدودة. نعم، نستطيع أن نتعلم، ولكننا لا نستطيع أن نطور أدمغتنا وأجسامنا كما يمكننا أن نطور الأقراص الصلبة والمعالجات في حواسيبنا وآلاتنا. بل إن قدراتنا الجسمية والعقلية لم تتغير إلا طفيفًا منذ كنا نهيم في الأرض صيّادين قاطفين. لذا، لم يكن في مقدورنا التوسع إلا من خلال التعاون. كل الفتوحات العلمية، كل التطورات في الإنتاجية والازدهار، عائدةٌ إلى قدرتنا على التعاون بعضنا مع بعض.

لكن التعاون فيه مشكلة توسع

لكن، لمّا كان عالمنا فاقدًا لليقين في جوهره، كان التعاون صعبًا علينا. إننا نستهلك مقادير ضخمة من جهدنا لنتوقع كيف سيتعامل الآخرون مع أفعالنا، ونعرف إذا كانت أفعالنا ستجر علينا تأثيرًا سلبيًّا.

وعندما لا نستطيع توقع سلوك الآخرين على نحو ثابت، تصبح حياتنا في معضلة السجينين. هل ينبغي لنا أن نعاون أحدًا في صيد ظبي، أم نصيد أرنبًا نستطيع صيده وحدنا؟ كيف نأمن ألّا يضربنا الرجل على رأسنا بعصًا ليسرق الظبي؟ إن سبيل الإنسانية إلى التوسع والازدهار يكمن في إيجاد طريق لكسر معضلة السجينين هذه والتعاون رغم وجودها.

تقدم لنا نظرية الألعاب حلّين لمعضلة السجينين. أولهما: تحويل اللعبة ذات المرة الواحدة إلى لعبة متكررة. لأنك إذا أردت أن تلقى شريكك في الصيد مرة أخرى غدًا، كنتَ أقربَ إلى السلوك الحسن، لكي تأمَن انتقامه. لكن التفاعلات الاجتماعية المتكررة — أو التجارب الاجتماعية المتكررة—  لا تكون ممكنة إلا في مجموعة محدودة من الناس في الوقت الواحد، وهو رأي الأنثروبولوجي روبن دنبار.

عدد دنبار هو حدٌّ ذهني مقترح لعدد الأفراد الذين يستطيع المرء معهم أن يحافظ على علاقات اجتماعية مستقرة. يؤكد أنصار هذه النظرية أن أي عدد أكبر من هذا العدد سيتطلب قوانين أكثر، وأنماطًا مفروضةً أكثر، للحفاظ على مجموعة مستقرة متماسكة. 

التعاون من خلال المؤسسات

القاعدة الثانية التي أشار إليها دنبار: «فلنقيّد يدينا» ونمنع أنفسنا من اتخاذ قرارات سلبية قد تضرنا. من سبل تحقيق هذا تبنّي قواعد أخلاقية مشتركة والتثبت من أن هذه القواعد مفروضة مجتمعيًّا. أما المجموعات التي تجاوز عددها عدد دنبار، فتحتاج إلى المؤسسات.

أهم أساسات أي مؤسسة: احتكار العنف. فإذا مكّنّا مجموعة متخصصة من الناس من حماية البلدة، كان في إمكاننا الاشتراك في الشركات المنتِجة من دون القلق بشأن حماية ثمرات هذه الشركات. إن تأسيس احتكار قوي وخيّر للعنف يقوّي الأخلاق المشتركة أيضًا ويجعلها نظامًا قانونيًّا رسميًّا. تصبح القوانين أقوى إذا استطاعت جهة قوية في المجتمع إجبار كل فرد على أن يتبع القوانين فلا يكون «فوق القانون».

وعلى أكتاف احتكار العنف والنظام القانوني، تقوم أهم مؤسسة في الوجود: حق الملكية الخاصة. يتيح لك نظام الملكية الخاصة الذي تحميه الحكومة، الحق الحصري في استعمال مواردك كما تشاء. وجدت الدراسات أن الازدهار وحقوق الملكية مرتبطتان ارتباطًا لا ينفك.

حقوق الملكية

تقوم كل المؤسسات العليا على أساس وجود حقوق ملكية محمية حمايةً قوية، ومعرفةٍ تعريفًا جيدًا. الأسواق أنظمة تقرِن الباعة بالمشترين وتسمح بالتخصص وتقسيم العمل، والمال يسمح بتشكيل إشارات سعر دقيقة للمنتجين والمستهلكين.

نحتاج إلى احتكار العنف لتشكيل نظام قانوني، ونحتاج إلى النظام القانوني لضمان حقوق الملكية الخاصة. نحتاج إلى حقوق الملكية ليكون عندنا أسواق وشركات، ونحتاج إلى الأسواق والشركات ليكون عندنا رأسمالية. وإنما تتقدم الحضارة باختراع مؤسسات جديدة، تكون كل واحدة منها مبنية على الموجودات من قبل. وهنا صورة مبسَّطة لابتناء المؤسسات بعضها على بعض”

بتسهيل التعاملات الإنسانية تكسر المؤسسات الاجتماعية معضلة السجينين وتقلل قلقنا من أن يؤذينا أحد. ينتج عن هذا قدرة على التنبؤ بأفعال الآخرين، تمكننا من توسيع ثقتنا لتشمل الغرباء وتسمح بالتعاون في مجموعات يتجاوز عدد أفرادها عدد دنبار.

مؤسسة البيتكوين

إذا نظرنا إلى البيتكوين على أنها مؤسسة حديثة، فما هي الحقوق التي تفتحها لنا؟ لنتذكر معًا قواعد العقد الاجتماعي للبيتكوين: لكل أحدٍ الحق في دخول شبكة البيتكوين من دون إذن أحد (لا رقابة)، وليس لأحد أن يصرف مالًا غير الذي يملكه (لا مصادرة). وزد على هذا عدم وجود جهة مركزية تستطيع طباعة المزيد من المال في المستقبل لتسرق القوة الشرائية من أيدي الناس (لا تضخم). أخيرًا، يستطيع كل أحد أن يتحقق من أن القوانين مطبقة قبل قبول دفعة مالية (لا تزوير).

هل تثبت هذه القواعد أمام اختبار الواقع؟ يقول إريك دي. تشاسون في ورقته الرائعة «كيف تعمل البيتكوين نظامًا للملكية»: «لقد ابتكر ساتوشي ناكاموتو نوعًا من الملكية يمكن أن يوجد من دون الاعتماد على الدولة، أو على السلطة المركزية، أو على أي بنية قانونية تقليدية».

وأنا سأخطو خطوة أخرى وأقول إن شبكة البيتكوين، وعملتها تضمن شكلًا من أشكال الملكية هو أعظم من أي شكل آخر قدمته أي مؤسسة اجتماعية اقتصادية في تاريخ الإنسان.

عهد جديد من حقوق الملكية

أهم ابتكار ابتكرته البيتكوين: فصل حقوق الملكية من النظام القانوني واحتكار العنف. فقد صار في إمكاننا لأول مرة في التاريخ أن نتملّك أملاكًا من دون الاعتماد على سلطة مركزية تفرض هذه الملكية وتحميها. يسهل إخفاء هذه الملكية وحمايتها وتقسيمها ونقلها والتثبت منها، وكل هذا يستطيعه الفرد الواحد، وهو ما يعطيه أعلى مستوى من السيادة الفردية.

كان من شأن حقوق الملكية أن تعتمد اعتمادًا كاملًا على مستويات أخرى في مكدس المؤسسات الاجتماعية، لا سيما احتكار العنف والنظام القانوني. فإذا كان أساس المكدس مهتزًّا، لم يكن عندنا حقوق ملكية قوية. أما البيتكوين فهي تعتمد اعتمادًا كاملًا على نفسها، لتضمن لنا أعلى مستويات حقوق الملكية الممكنة لأي أحد في العالم، بغض النظر عن جودة المؤسسات الأدنى، أي الحكومة والنظام القانوني.

تفتح البيتكوين مجالًا جديدًا للقيمة. كما فتحت لنا القوارب القدرة على النقل عبر البحار، والطائرات القدرة على النقل عبر الجو، كذلك أتاحت لنا البيتكوين طبقة بديلة لتخزين القيمة ونقلها، بوصفها أول أصلٍ رقميٍّ خالص. وهي تضمن القدرة على الوجود في العالم الرقمي وحده، الذي اتخذت منه البيتكوين كل خصائصها. فلا يمكن أن تُهاجَم البيتكوين في الواقع الفيزيائي كما يمكن للأصول الفيزيائية أن تهاجم.

لن تظهر مقتضيات هذا الفتح إلا مع الزمن، ولكننا نستطيع من الآن أن نخمّن من سيستفيد من البيتكوين استفادةً كبيرة:

1. كل من يسكن في مكان حقوق الملكية فيه ضعيفة

2. كل من يميز النظام المالي الحالي ضده

3. كل من يسكن في مكان عملته المحلية ضعيفة، لها معدلات تضخم عالية

4. كل من يريد أن يخزن أو ينقل مقادير كبيرة من القيمة (إذ تتطلب القيَم الكبيرة مستويات عالية من الأمن)

تقدم البيتكوين لهؤلاء الناس القدرة على التعاون بفعالية أكبر، وزيادة إنتاجيتهم وازدهارهم. وتتيح لهم أن يخبئوا أموالهم للمستقبل، وأن يبنوا ثروات يمكن الاستثمار بها في شركات إنتاجيتها أعلى، لتسمح لهم أن يشاركوا في التجارة العالمية مع الناس في مختلف أنحاء العالم.

التقدم من خلال التنافس

بل قد تنفع البيتكوين من لم يستخدمها قط. بوصفها واقيًا من أخطاء البنوك المركزية، تجعل البيتكوين النظام المالي العالمي أمرَن. ومن الطريف أنها قد تطور أنظمة الملكية والمال الأخرى حول العالم. كيف؟ نعم، هذا هو أثر التنافس في السوق. إذا كنت من زبائن شركة آبل، فإنك تستفيد من إصدار سامسونغ هاتفًا جديدًا، لأنها بذلك تفرض على آبل أن تطور قيمة منتجها لتبقى قادرة على المنافسة في السوق.

ونتيجة لهذا، قد نشهد تطورًا في جودة أنظمة الملكية والمال حول العالم، لأن البيتكوين فتحت الباب للتنافس وفتحت سوقًا جديدة. يساعدنا هذا أيضًا على فهم أن البيتكوين ليست منافسًا لفيزا وبايبال. بل هي منافس للحكومات المحلية، والأنظمة القانونية وحقوق الملكية، وهي الطبقات المؤسسة في المكدس الحالي، لا المعالجات المبنية عليه.

تتوسع الحضارة من خلال التعاون، ولكن التعاون بين الغرباء صعبٌ جدًّا. تمكننا المؤسسات الاجتماعية من حل معضلة السجينين وتسمح لنا أن نتعاون في مجموعات أكبر. في قاعدة المكدس، نحتاج إلى احتكار للعنف مستقرٍّ وخيّر، ليُقيم النظامَ القانوني ويؤسس حقوق الملكية. لم يكن قبل اليوم من الممكن وجود حقوق ملكية قوية في أماكن حكومتها المحلية ضعيفة. لا تعتمد البيتكوين على النظام الموجود ومن ثم فهي تعطينا أعلى أشكال حقوق الملكية، أينما كنا ومهما كنا.

Tagged : /

بيتكوين والخوف

اقرأ المقال الأصلي، وتابع المؤلف على تويتر | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

كلّما ركَضَ ثورُ البيتكوين (أي تزايد سعرُها وتزايدت ثقة الناس بها) حاول المنكرون أن يسوّغوا فواتَ قطارهم بالخوف Fear والريبة Uncertainty والشكّ Doubt، وهو ما سمّاه أهل البيتكوين FUD، اختصارًا. إن معظم هذه المخاوف لا أساس لها تعتمد عليه، وما هي إلا روايات سلبيّة عن البيتكوين لا بدَّ أن تواجَه. 

وإني لأرى مزيدًا من هذه المزاعم يعرُض مع صعود البيتكوين، لذا سأعقد في هذه المقالة جلسةً سريعةً أدحض فيها بعض أشهر هذه المزاعم: 

القيمة الجوهريّة 

يشتكي الرافضون من أن البيتكوين لا قيمة جوهريّةً لها، مع أن عملتهم الحكومية الأساسية لا قيمة جوهرية لها (فالدولار لم يعد مدعومًا بالذهب).

«ليس للبيتكوين قيمة جوهرية… ولا للدولار الأمريكي، ولا اليورو، ولا الفرنك الروسي، ليس لأي شيء من هذا قيمة جوهرية» – الاحتياطي الفدرالي

البتكوين فقاعة

عدّة فُقّاعات
عدّة فُقّاعات

«ليس من عادة الفقاعات أن تدوم 12 عامًا» – جي بي مورغان 

البيتكوين ليس التوليب. (إشارة إلى جنون التوليب في القرن السابع عشر) تقدم البيتكوين للعالم أفضل مخزن رقمي للقيمة منذ الأزل، سامحةً للناس أن يخزنوا القيمة في مخزن صعبِ الانتزاع، وأن يرسلوها إلى من شاؤوا في العالم، من دون إذن أحد. 

البيتكوين فقاعة لا تنفجر. 

غسل الأموال والمخدرات

يغسَل في العام الواحد نحو تريليونَيْ دولار حول العالم، ويصرف الأمريكيون 150 مليار دولار على المخدرات كل عام، أما رأسمال سوق العملات الرقمية فهو 1.1 تريليون دولار في أثناء كتابة هذا الكلام. إن المشكلة موجودة حتى في أموال الحكومة، بل إن قواعد البيانات العامة للعملات الرقمية (الدفاتر Ledgers) تجعل التعتيم على عمليات التمويل صعبًا.

«ليس في العملات المشفرة خطر كبير من جهة غسل الأموال وتمويل الأنشطة الإرهابية» – مجموعة العمل المالي

تقلّب الأسعار

ليس في السوق ثابتٌ إلا التقلّب. لا يقول أحد «إن الذهب ليس مخزنًا جيّدًا للقيمة بسبب تقلب أسعاره»، لكننا نسمع هذا دائمًا عن البيتكوين. تجد أدناه مخططًا لأسعار الذهب في السنين المئة الماضية. انظر إلى مدى «استقرار» مخزن القيمة الذي بلغ عمره 4 آلاف عام الآن. 

فكيف بعملة جديدة؟ لا شكّ أن سعرها لن يمشي حسب منحنٍ خطّي. 

هذا وإن السعر المستقر نقيضُ جودة تخزين القيمة، لأنه يدل على أن العرضَ تتحكم به جهة مركزية.

أسعار الذهب في السنين المئة الماضية

استهلاك الطاقة

يشتكون من استهلاك الطاقة لتعدين البيتكوين، ولا يقارنونه باستهلاك الطاقة لاستخراج الذهب، أو لعمل النظام المالي، أو الحكومة أو المحاكم أو التقاط الصور، أو مشاهدة آل كارديشيان. 

ما دمتَ قد اشتريت الكهرباء، فليس في العالم «شرطة أخلاق للكهرباء» تحاسبك على استعمالك لهذه الكهرباء. وإذا أردت، فهذه مقالتي السهلة القراءة عن برهان العمل في البيتكوين واستهلاكه للطاقة.

تكاليف استهلاك الطاقة سنويًّا، من مخطط واردٍ في مقالتي المذكورة أعلاه

التحكم

يخاف بعض الناس أن يكون مؤسس البيتكوين مجرمًا إلكترونيًّا مجهولًا، وبعضهم أن يكون مجموعة من الأفراد المؤسسين للنظام المالي الحكومي. يخاف بعضهم أن السياسة المالية لا يتحكم بها أحد، وبعضهم أن رجالًا مسنين -لا يستطيعون حتى تسميتهم- يتحكمون بها. لكن الكود المصدري للبيتكوين متاح لينظر فيه أي أحد. 

هل يتلاعب أحد بالبيتكوين؟ 

على مدى العقد الماضي، غُرّمت البنوك عالميًّا بأكثر من 330 مليار دولار إثر تحقيقات في التلاعب بأسواق عدة، منها: الفوركس، والمعادن، وسعر الفائدة بين البنوك في لندن، وغير ذلك. تبلغ هذه الغرامات المتراكمة ثلثَ الرأسمال الكلي للعملات المشفرة. 

إن في كل سوقٍ «تلاعبًا»، ولكن هذا لا يجعل السعر أقلّ حقيقيّةً. 

ليس سوق البيتكوين أسوأ من الأسواق الأخرى. البيتكوين من أشدّ الأصول سيولةً في العالم، ويجري اكتشاف سعره في عشرات الأماكن، وله سجلّات يستطيع مراجعتها أي أحد. 

عملة تيثر Tether

من الحماقة الاعتقاد بأن عملة مستقرة، ليس فيها إلا 3% من رأسمال البيتكوين، تستطيع أن تؤذي البيتكوين وتجعلها مفلسة.

الارتباط لا يعني السببية. لئن كان إصدار تيثر مرافقًا لصعود البيتكوين، فلا يقتضي هذا أنه سببه. فعملة USDC، وهي عملة مستقرة أخرى، فيها الارتباط نفسه، وهو شيء بديهي لأن الناس يستخدمون الأموال ليستغلوا الفرَص العشوائية. لماذا تُقلق عملة USDC المتوجّسين؟

عندما انهار الريبل (عملة XRP) لم تتأثر البيتكوين. عندما أفلست البيتكونكت، لم تتأثر البيتكوين. ببساطة، ليست تيثر خطرًا إلا على من هي في حيازتهم. لا خطرَ عليك ما دمت تملك البيتكوين. 

ضيّف نيك كارتر في بودكاسته دان ماتوسزفسكي، التاجر خارج البورصة، الذي تاجر بمليارات الدولارات في تيثر، وقد دحض بعض هذه الأساطير. 

وإذا كان إصدار تيثر مفبركًا كلّه، فإن هذا سيفيد البيتكوين فائدةً جمّة، لأن الناس سيبيعون التيثر والعملات المستقرة الأخرى ليشتروا البيتكوين. 

قديمًا في 2013/2014، كانت مخاوف «ويلي بوت» حاضرة، إذ ظن الناس أن سعر البيتكوين لا يتصاعد إلا بسبب بوت يتلاعب به صعودًا على إم تي غوكس. وهي دعوى لا أساس لها. 

خلاصة

لا تدلّ هذه المخاوف إلا على حجم التغيير الذي جاءت به البيتكوين. كل تقنية جديدة تثير في الناس مخاوف تكون متناسبة مع أثرها في العالم. 

عندما اختُرعت الدرّاجات في القرن التاسع عشر، رماها الناس بشتّى أنواع المصائب، من تجنين الناس إلى تدمير أخلاق النساء. في المستقبل، سننظر إلى هذه الاعتراضات كما ننظر اليوم إلى الاعتراضات على الدرّاجة: بضحك.

أمْسِك – HODL، 
دان

Tagged :

تقييم البيتكوين باستخدام نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول – S2FX

لقطة مقربة من لوحة التدفق-إلى-المخزون الشهيرة بتكليف من PlanB، اللوحة بعنوان “التكوين“، ويظهر فيها نقطة بيانات الذهب مصنوعة من ورقة ذهب عيار 22 قيرات ومحاطة بتراب من نيزك حقيقي، وعبرها قصاصات من عملة الدولار الأمريكي | اللوحة للرسامة Petek

اقرأ المقال الأصلي، وتابع المؤلف على تويتر| ترجمة: فاتي أحمد، SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

<<ليس المهم في العلم أن تكتشف حقائق جديدة، بل أن تكتشف طرائق جديدة للتفكير في الحقائق>> وليام لورانس براغ

مقدمة

في مارس 2019، نُشر نموذج تقدير قيمة البيتكوين (BTC) باستخدام منهج المخزون إلى التدفق (stock-to-flow) [1]

تستند معادلة نموذج المخزون إلى التدفق (S2F) لتقييم البيتكوين على سعر عملة البيتكوين ونسبة المخزون إلى التدفق شهريا. وبما أن نقاط البيانات مُرتبة حسب الترتيب الزمني، فإن النموذج هو سلسلة زمنية. جذب النموذج اهتمام المحللين الكَمّيين في مختلف أنحاء العالم وأكد العديد منهم وجود علاقة بين نسبة المخزون إلى التدفق وسعر العملة. [2][3][4]

نموذج تدفق المخزون الحالي

إذا لم تكن على دراية بنموذج المخزون إلى التدفق (S2F)، فأنصحك بشدة بقراءة المقال الأصلي لأنه يشرح الخلفية والمصطلحات.

يُعزز هذا المقال قاعدة نموذج المخزون إلى التدفق الحالي عن طريق استبدال الوقت بأصول أخرى (الفضة والذهب) للنموذج. حيث نطلق على هذا النموذج الجديد نموذج تقييم البيتكوين باستخدام نهج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول (S2FX). يسمح هذا النموذج بتقييم الأصول المختلفة كالفضة والذهب والبيتكوين بمعادلة واحدة.

أولاً، سوف نشرح مفهوم التحول الطوري، الذي يقدم طريقة جديدة للتفكير في البيتكوين ونسبة المخزون إلى التدفق ويوضح مدى أهمية نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول.

وثانياً، نقوم بشرح كيف يعمل نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول وماذا تعنى نتائجه.

التحول الطوري

إن التحول الطوري هو منظور مهم جدا في فهم نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول. فعند نقطة التحول الطوري، قد تخضع الخواص الفيزيائية إلى تغير تام ويتغير حجم الطورين تماما، وتكون التحولات في الغالب متقطعة. سنقدّم ثلاثة أمثلة لتحوّلات الأطوار:

1. الماء

2. الدولار الأمريكي

3. البيتكوين

الماء

إن الماء هو المثال المعروف للتحول الطوري، الماء موجود في أربع مراحل مختلفة (حالات): صلب، سائل، غاز، مؤيّن. كلها مياه ولكن تختلف خصائصها تماما في كل مرحلة.

الدولار الأمريكي

إن التحول الطوري موجود في الأموال أيضا. فعلى سبيل المثال قد تحول الدولار الأمريكي من عملة ذهبية (1 دولار = 371.25 حبة من الفضة النقية = 24 حبة من الذهب) إلى عملة ورَقية مدعومة بالذهب («يُدفَع لصاحبها عُملة ذهبية عند طلبه») إلى عملة ورقية غير مدعومة بشيء («هذه الورقة عملة قانونية لجميع الديون، العامة والخاصة»). وعلى الرغم من أننا نستمر في تسميته الدولار، فإن الدولار له خصائص مختلفة تماما في هذه المراحل الثلاث.

البيتكوين

وينطبق نفس الشيء على البيتكوين. فيوضح نيك كارتر وهاسو في دراستهما لعام 2018 كيف تغيرت خصائص البيتكوين مع مرور الوقت. [5]


كيف تغيرت خصائص البيتكوين الرئيسية مع مرور الوقت

تبدو خصائص البيتكوين ثابتة جدا في الرسم البياني. ومع ذلك، فإننا إذا جمعنا خصائصه مع المعالم المالية (وفيما بعد مع المخزون إلى التدفق وسعر العملة)، بدَتْ لنا كالأطوار إلى حد كبير مع تحولات أكثر فجائية:

1. «إثبات المفهوم» -> بعد ورقة البيتكوين البيضاء. [6]

2. «المدفوعات» -> بعد تعادل الدولار الأمريكي (1 دولار= 1 بيتكوين).

3. «الذهب الإلكتروني» -> بعد التنصيف الأول، أصبح يعادل الذهب تقريباً (1 بيتكوين = أونصة واحدة من الذهب).

4. «الأصل المالي» -> بعد التنصيف halving الثاني (حوالات بقيمة 1 مليار دولار كل يوم، ووضوح قانوني في اليابان وأستراليا، وأسواق العقود الآجلة في بورصة شيكاغو التجارية وباكت Bakkt).

تقدم هذه الأمثلة الثلاث للتحول الطوري في الماء، والدولار الأمريكي والبيتكوين منظورا جديدا حول البيتكوين ونهج المخزون إلى التدفق. ومن المهم ألا نفكر بهذا على أنه سلسلة زمنية مستمرة فحسب، بل وعلى أنه مراحل بينها تحولات حادة. فعند تطوير نموذج S2FX، نرى البيتكوين في كل مرحلة كأصل جديد، له خصائص مختلفة تماماً. وتتمثل الخطوة المنطقية التالية في تحديد التحول الطوري للبيتكوين وقياسه كمياً.

نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول للبيتكوين

يوضح الرسم البياني أدناه نموذج المخزون إلى التدفق الشهري للبيتكوين ونقاط البيانات لسعر العملة المستخدمة في نموذج المخزون إلى التدفق الأصلي. حيث يمكننا رؤية أربعة تجمعات.

لا بدّ أن هذه التجمعات الأربعة تشير إلى التحولات الطورية.

ويمكننا إجراء تحديد كمي لهذه التجمعات من خلال تقليل المسافة بين بيانات البيتكوين الشهرية وبينها. حيث نقوم باستخدام الخوارزمية الوراثية (تقليل المساقة المطلقة) لتحديد أربعة تجمعات. ويمكن أن تركز البحوث المستقبلية على خوارزميات تجميع مختلفة (مثل خوارزمية K-mean).

لكل تجمع من التجمعات الأربعة المحدّدة من البيتكوين مجموعة مختلفة تماما من القيم السوقية وقيم تدفق المخزون، تبدو كأنها متسقة مع التنصيفات halvings ومع التغير الحادث في سرد البيتكوين.

1. بيتكوين «إثبات المفهوم» (المخزون إلى التدفق 1.3 والقيمة السوقية 1 مليون دولار)

2. بيتكوين «المدفوعات» (المخزون إلى التدفق 3.3 والقيمة السوقية 58 مليون دولار)

3. بيتكوين «الذهب الإلكتروني» (المخزون إلى التدفق 10.2 والقيمة السوقية 5.6 مليار دولار)

4. بيتكوين «الأصل المالي» (المخزون إلى التدفق 25.1 والقيمة السوقية 114 مليار دولار)

ومثلها كمثل الماء والدولار الأميركي، تمثل هذه التجمعات الأربعة للبيتكوين أربعة أصول مختلفة، لكلّ منها سردٌ مختلف وخصائص مختلفة. فإن بيتكوين «إثبات المفهوم» الذي كانت قيمة مخزونه إلى تدفقه 1.3 وقيمته السوقية 1 مليون دولار فقط هو أصل مختلف تماماً عن بيتكوين «الأصل المالي» الذي تبلغ قيمة مخزونه إلى تدفقه 25 وقيمته السوقية 114 مليار دولار.

مع تبني منظور التحول الطوري لتجمعات البيتكوين كأصول مختلفة، يمكننا أن نضيف أصولاً أخرى كالفضة والذهب للنموذج. مما يجعله نموذجاً متداخل الأصول. بالنسبة للفضة والذهب، نستخدم أرقام المخزون والتدفق من التحليل الأخير الذي أجراه جان نيونيهويس وألتيمو للأسعار في ديسمبر عام 2019 على موقع TradingView.

– الفضة (المخزون إلى التدفق 33.3 والقيمة السوقية 561 مليار دولار).

– الذهب (المخزون إلى التدفق 58.3 والقيمة السوقية 10.088 مليار دولار).

يبين الرسم البياني تجمعات البيتكوين الأربع المحددة كمياً (بالإضافة إلى بيانات البيتكوين الشهرية للسياق) وتشكل الفضة والذهب خطّاً مستقيماً مثاليّاً.

نستخدم تحليل الارتباط لعمل نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول (S2FX). نلاحظ أن الفرق الكبير بين النموذج الأصلي وهذا النموذج هو استخدام القيم السوقية وقيم المخزون إلى التدفق للفضة والذهب في تحليل الارتباط. يُظهر النموذج علاقة كبيرة بين تدفق المخزون والقيمة السوقية لهذه الأصول الستة (99.7% R2).

وهذا يترجم إلى تقييم عملة البيتكوين (باعتبار 19 مليون بيتكوين في عام 2020-2024) بنحو 288 ألف دولار.

إن الأسعار المتوقعة للبيتكوين هي أعلى بكثير من 55 ألف دولار في الدراسة الأصلية. يرجى العلم أن نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول هو خطوة أولى لم تثبتها النتائج المختلفة والمراجعات بعد.

ملاحظة 1: على الرغم أن ست ملاحظات observations عدد ليس بكثير، فإني أقدر نتائج هذا النموذج. ومن الممكن أن تركز البحوث في المستقبل على إضافة المزيد من الأصول إلى التحليل، ومع ذلك، فإن معظم الأصول تحتوي على قيم 2F منخفضة (≤1) ولذلك فهي غير مهمة. وعلى العكس من ذلك، فإن الماس يتمتع بمستوى عالٍ من المخزون إلى التدفق ولكن تقييمه شديد التعقيد (الخام/المقصور، والقيراط، والألوان المختلفة والسطوع، وما إلى ذلك).

ملاحظة :2 يسمح نموذج S2FX بالاستيفاء، بدلاً من الاستقراء في نموذج S2F الأصلي. يتنبّأ النموذج الأصلي S2F تنبّؤاً يقع خارج نطاق البيانات المستخدم في صنع النموذج، أما نموذج S2FX الجديد فيتنبّأ تنبّؤاً يقع ضمن نطاق البيانات المستخدم في استخلاص الصيغة.

مثال على الاستيفاء (اليسار) والاستقراء (اليمين) — البيانات باللون الأزرق، والخط الأسود هو نموذج، والنقاط الحمراء تنبؤات

الملخص

في هذه المقالة، أعزز الأساس للنموذج الحالي المخزون إلى التدفق (S2F) من خلال إزالة الوقت وإضافة أصول أخرى (الفضة والذهب( للنموذج. أسمي هذا النموذج الجديد نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول لتقييم البيتكوين (S2FX). ويتيح نموذج S2FX تقييم مختلف الأصول مثل الفضة والذهب والبيتكوين بمعادلة واحدة.

لقد شرحت مفهوم التحول الطوري. فهو يقدم طريقة جديدة للتفكير في البيتكوين ونموذج المخزون إلى التدفق. وقد قادني إلى نموذج S2FX.

تتمتع صيغة نموذج S2FX بملاءمة مثالية للبيانات (99.7% R2).

يقدّر نموذج S2FX القيمة السوقية لمرحلة أو مجموعة البيتكوين التالية (تقييم البيتكوين في نموذج المخزون إلى التدفق يصبح56 مليون بين عام 2020-2024) بقيمة 5.5 تريليون دولار أمريكي. هذا يُترجم إلى سعر بيتكوين بحوالي 288 ألف دولار (باعتبار 19 مليون بيتكوين بين عام 2020-2024)

وبتعزيز الحقائق المعروفة من دراسة المخزون إلى التدفق الأصلية (S2F)، يقدم نموذج S2FX طريقة جديدة للتفكير في انتقال البيتكوين إلى المرحلة الخامسة.

مصادر ومراجع

[1] PlanB@100trillionUSDModeling Bitcoin Value with Scarcity, Mar 2019

[2] Nick EmblowFalsifying Stock-to-Flow As a Model of Bitcoin Value, Aug 2019

[3] Marcel BurgerReviewing “Modelling Bitcoin’s Value with Scarcity”, Sep 2019

[4] Nic CarterHasu@HasuflVisions of Bitcoin — How major Bitcoin narratives changed over time, Jul 2018

[5] Satoshi Nakamoto, Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System, 2008

[6] Jan NieuwenhuijsHow Much Silver Is Above Ground?, Dec 2019

Tagged : / / /