تقنية

الطبقات الثانية للبيتكوين

بعدَ الارتفاع الأخير في رسوم شبكة البيتكوين، ومع تزايد الاهتمام بطرائق توسيع البيتكوين (في السرعة وقابلية البرمجة وغير ذلك)، شهد فضاء البيتكوين موجة جديدة من الاهتمام بالطبقات الثانية. فما هي الطبقات الثانية للبيتكوين؟ وهل أخفقت شبكة البرق في تحقيق المأمول منها؟

ما هي الطبقات الثانية للبيتكوين؟

يختلف المطورون وأصحاب الرأي في تعريف الطبقات الثانية للبيتكوين، هل شبكة ليكويد طبقة ثانية؟ هل منصة باينانس طبقة ثانية؟ اختار كثير من المطورين تعريف الطبقات الثانية للبيتكوين على أنها أي تقنية تتيح التعامل بالبيتكوين خارج شبكته الرئيسة. على أن ينطبق عليها شرطان:

  • إمكانية الخروج انفرادًا (دون الحاجة إلى إذن أو رضًا من أحد).
  • امتناع السرقة (وهو يشبه مفهوم Tamper-resistant).

من جهة أخرى، يرى فريق آخر من المطورين أن هذا التعريف ضيّق جدًّا، وأن الأقرب إلى المرونة أن تعرّف الطبقة الثانية بهذين الشرطين:

  • إمكانية الخروج المعقولة.
  • بَيان السرقة إن حدثت (وهو يشبه مفهوم Tamper-evident).

لن أفضّل أحد التعريفين على الآخر، بل سأستعملهما للتفريق بين نوعين ممّا يسمّيه الناس «طبقةً ثانية» في البيتكوين: الطبقات الثانية المنيعة والطبقات الثانية البيّنة.

الطبقات الثانية المنيعة

اقتضى كون التعريف الأول أشدّ تقييدًا من التعريف الآخر أن تكون الطبقات الثانية التي تحقق شرطَيه محدودة في عددها. يعمل المطورون اليوم في بناء عدة تصاميم لطبقات ثانية منيعة، لكن الطبقة المنيعة الوحيدة التي تعمل اليوم ويستعملها الناس هي شبكة البرق.

شبكة البرق

إن الطبقة الثانية الوحيدة التي تعمل اليوم وتحقق شرط المناعة هي شبكة البرق (إذا استُعملت على نحو سيادي). تتيح شبكة البرق لأطراف القنوات فيها الخروج المنفرد دون الحاجة إلى موافقة الأطراف الأخرى، كما أن السرقة ممتنعة فيها ما دامت الأطراف متصلة بالشبكة. لكن شبكة البرق تعاني قيودًا تمنع اتساعها السيادي الكافي. من هذه القيود:

  • الحاجة إلى الاتصال الدائم بالإنترنت
  • الحاجة إلى السيولة الواردة
  • الحاجة إلى معاملتين على الشبكة الرئيسة لكل قناة

دفعت هذه القيود المطورين إلى البحث عن نماذج وأفكار لطبقات منيعة أخرى تحلّ هذه القيود أو تخفف منها. كان أول هذه المقترحات: شبكة الفُلك (أرك) Ark Network.

شبكة الفُلك Ark Network

فليعلم القارئ أولًا أن هذه الشبكة لم تزل في مرحلة البناء، وأن تحقيق كل ميزاتها قد يحتاج إلى تحديث لبروتوكول البيتكوين. طرح المطور بوراك (@brqgoo) تصميم هذه الشبكة ليحل قيود شبكة البرق. تتيح شبكة الفلك إمكانية الخروج الانفرادي وتمنع السرقة ما دام المقدار الذي يملكه المرء فيها أعلى من حد الغُبر (dust limit). تتصف شبكة الفلك بـ:

  • الخصوصية العالية: لأنها تعتمد على مفهوم خلط النقود
  • عدم الحاجة إلى السيولة الواردة (لكن السيولة ضرورية لدى مقدم خدمة الفُلك)
  • الحاجة إلى الاتصال بالإنترنت (بين الحين والآخر على الأقل)

الشبكات الفرعية القائمة على BitVM

بعد أن أطلق الباحث والمطور روبن لينوس (@robin_linus) الورقة البيضاء لتقنية BitVM التي تتيح الحوسبة الكاملة في البيتكوين، وتهدف إلى بناء جسور يمكن لواحدات البيتكوين الانتقال فيها إلى شبكات أخرى، طرح المطورون عدة نماذج للشبكات الفرعية التي يمكن بناؤها بالاعتماد على هذه الجسور. بعض هذه الشبكات يحقق شروط المناعة، وبعضها يحقق شروط البيان. ستقتصر هذه الفقرة على التصميم المنيع الذي طرحه المطور Super Testnet (@super_testnet)، على أن يُذكر تصميم روبن لينوس في فقرة الطبقات البيّنة.

تعتمد تقنية BitVM على وجود طرفين في كلّ عقد: المثبت (Prover)، والمحقّق (Verifier). المُثبت هو الجهة التي تدير الجسر وتتيح نقل البيتكوين من الشبكة الرئيسة إلى الشبكة الفرعية، أمّا المحقق فهو في هذا التصميم كل مستخدم يستخدم الشبكة الفرعية على نحو سيادي. إليك ملخص تصميم هذه الشبكة:

  1. يريد المستخدم أ شراء (أو استلام أو حيازة) مقدار من البيتكوين على الشبكة الفرعية على نحو سيادي.
  2. يوقّع المستخدم أ عقدًا مع المُثبِت يضمن له القدرة على سحب مقدار س من الشبكة الفرعية إلى الشبكة الرئيسة.
  3. إذا أراد المستخدم أ سحب نقوده من الشبكة الفرعية إلى الشبكة الرئيسة، فإنه يحرقها على الشبكة الفرعية ويُرسل برهان الحرق إلى المُثبت.
  4. إذا تعاون المثبت، فإنه سيرسل من المبلغ المقفَل في العقد المقدار نفسه إلى عنوان أ في الشبكة الرئيسة.
  5. إذا لم يتعاون المثبت، فإن المستخدم أ يستطيع تحدّيه على الشبكة الرئيسة ليكشف مخالفته للعقد ويستردّ أمواله.

يحقق هذا التصميم شروط الطبقة المنيعة، لكنه يعاني من أحد قيود شبكة البرق، وهو الحاجة إلى السيولة الواردة (في عقد السحب هنا). إذا طُبّق هذا التصميم، فقد يفتح للبيتكوين آفاقًا واسعة جدًّا (في الاتساع وقابلية البرمجة وغير ذلك).

الطبقات الثانية البيّنة

في هذا النوع من الطبقات الثانية، ستجد عدة طبقات تعمل اليوم، كما سنرى اقتراحات لتطويرها حتى تصبح أقرب إلى المناعة. يرفض فريق من أنصار البيتكوين أن تسمّى هذه التقنيات طبقة ثانية، لأنها أقل أمانًا ومتانةً من النوع الأول. لكن تسميتها بالطبقة الثانية قد شاعت، وهي مفيدة للمستخدم على كل حال.

طبقة عُطارد Mercury Layer

أذكر هذه الطبقة أولًا وإن كانت غير مطروحة في السوق بعد، لأنها الوحيدة التي تتيح إمكانية الخروج الانفرادي. تعتمد طبقة عطارد على مفهوم سلاسل الحالة Statechains. في سلاسل الحالة، فيها يتقاسم المستخدم ومشغّل السلسلة المفتاح الخاص للنقود، وعلى إثر هذا يستطيع المستخدم تناقل النقود كما يشاء في نطاق السلسلة برسوم صفرية. تتيح طبقة عطارد للمستخدم الخروج الانفرادي (بعد انقضاء مدة معينة). لكن من أين تأتي إمكانية السرقة، وكيف يمكن بيانها؟

تأتي إمكانية السرقة من قدرة مشغّل السلسلة على التعاون مع مالك سابق للقطعة النقدية التي تملكها ليشتركا في سرقتها منك. لكن طبقة عطارد تخفف من هذا الخطر باستعمال براهين الحذف. (براهين الحذف: وهي براهين تثبت أن مشغّل السلسلة قد حذف حصّته من المفتاح الخاص لدى نقل قطعة النقد). فإذا تسلّمت في سلسلة الحالة نقودًا دون برهان حذف، فهذا دليل على أن سرقةً جرت.

شبكة ليكويد Liquid Network

ذاع صيت شبكة ليكويد لا سيما بعد إطلاق محفظة أكوا Aqua التي تستعملها لتوفّر حيازة غير ائتمانية للنقود على «الطبقة الثانية» للبيتكوين. عند الدخول إلى شبكة ليكويد، يستحوذ اتحاد من عدة شركات مرموقة على نقودك المقفلة على الشبكة الرئيسة (وهو ما يلغي إمكانية إخراج النقد منها دون إذن الاتحاد). لا يمكن أن تُسرق نقودك منك إلا في حالة اتفاق أغلبية شركات الاتحاد على السرقة. لكن كيف يمكن بيان السرقة إن حدثت؟

إن شبكة ليكويد هي سلسلة كُتل شفافة، يمكن لأي أحد تشغيل عقدة فيها، وعليه يستطيع التحقق من توافق مقدار البيتكوين المقفَل في الشبكة الرئيسة والبيتكوين الموجود في شبكة ليكويد. إذا لم يتطابق المقداران، فهذا دليل على حدوث سرقة.

الشبكات الفرعية القائمة على BitVM

(إذا لم تقرأ فقرة الشبكات الفرعية القائمة على BitVM في الطبقات المنيعة، فعُد واقرأها). يختلف تصميم روبن لينوس عن تصميم سوبر تستنت في أنه تصميم فدرالي، مثل ليكويد، لكن متطلبات الثقة فيه أقل من ليكويد بكثير. كما ذكرتُ سابقًا، تعتمد تقنية BitVM على طرفين: المُثبت والمحقّق. في نموذج روبن لينوس، المُثبت هو مدير الجسر الذي يتيح نقل البيتكوين من الشبكة الرئيسة إلى الشبكة الفرعية، والمحقّقون هم مجموعة من الأطراف التي تحقق عمل المُثبت وتتثبّت من نزاهته، فإذا ثبتت منه سرقة، أُخذ منه مقدار من المال وحلّ محلّه أحد المحققين. لكن ماذا إذا كانت أغلبية المحققين متآمرة على السرقة؟ ألا يشبه الأمر شبكة ليكويد؟

الإجابة المختصرة: لا. يتطلب نموذج روبن لينوس وجود محقق واحد نزيه فقط. أي: إذا كان المثبت واحدًا، وكان المحققون 99، فيكفي أن يكون واحد من هؤلاء المئة نزيهًا. لكن إذا لم يكن أحد منهم نزيهًا، فالسرقة ممكنة، وبيانها مشابه لبيانها في شبكة ليكويد. يقدّم هذا التصميم متانة وموثوقية أكبر من شبكة ليكويد، بالاستفادة من تقنية BitVM، لكنه لا يحقق شروط المناعة تمامًا لوجود احتمال السرقة فيه (وإن كان ضئيلًا).

أنظمة النقد الإلكتروني (كاشو وفيديمنت)

يختلف الباحثون في عدّ هذا النوع من التقنيات بين الطبقات الثانية للبيتكوين. لكنني لا أرى فرقًا كبيرًا بينها وبين شبكة ليكويد مثلًا. ببساطة: إذا كان نظام النقد الإلكتروني يدعم برهان الأصول والالتزامات، فهو طبقة ثانية بيّنة، لا سيما إذا كان فدراليًّا (مثل فيديمنت).

لا يمكن في أنظمة النقد الإلكتروني سرقة رصيد إنسان بعينه، لكن يمكن تطبيق نظام احتياطي جزئي يُفقد بعض المستخدمين القدرة على سحب نقودهم متى أرادوا. يحتاج الخروج من هذه الأنظمة إلى موافقة إدارتها، لكن السرقة فيها بيّنة (إذا كانت تدعم برهان الأصول والالتزامات).

خاتمة

مستقبل الشبكة الرئيسة للبيتكوين (غالبًا) أن تصبح طبقة تسوية للمعاملات (في شبكة البرق) والنزاعات (في أنظمة BitVM)، أما المعاملات النقدية في البيتكوين فلعلّ أن معظمها سيجري في الطبقات الثانية (والثالثة؟). أرجو أن يكون هذا المقال مفيدًا في تعريف القارئ على أنواع الطبقات الثانية الموجودة والتي لم تزل قيد التطوير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى