البيتكوين له غطاء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2019

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين مدعوم بشيء. إنه مدعوم بما يدعم أي نوع من المال: مصداقية خصائصه المالية. المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. على مرّ التاريخ، برزت عدة وسائل لتأخذ صفة المال، وفي كل مرة، لم يكن هذا الأمر بمحض مصادفة. السلَع التي تصبح أموالًا لها خصائص فريدة تميزها عن بقية سلع السوق. يقدّم معيار البيتكوين شرحًا أكمَل للقضية، ولكن السلع المالية لها خصائص تجعلها مفيدة من حيث هي وسيط مقايضة، من هذه الخصائص: الندرة، والمتانة، وقبول الانقسام والاستبدال والحمل، وأشياء أخرى. مع كل مال ناشئ جديد، تتطور خصائص وسيطٍ مالي، وتُبطل الخصائص المالية التي كانت في الأموال السابقة، وفي كل مرة تتموّل فيها سلعة، يبطل تموّل سلعة أخرى. والذي يحدث أن نقاط القوة النسبية للوسيط المالي الجديد تغلب نقاط قوة الوسيط القديم، وليس البيتكوين مختلفًا عن ذلك. يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية التي قامت على الخصائص المالية للذهب.

يتفوق البيتكوين على أسلافه التماثلية من حيث الخصائص المالية. البيتكوين نادرٌ ندرة مطلقة، وهو أسهَل انقسامًا وأسهل نقلًا من منافسيه القائمين اليوم. وهو بعد ذلك أكثر لا مركزية، لذلك أمنَع على الرقابة والفساد. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وكل واحدة منها تنقسم إلى 8 فواصل عشرية (جزء من مئة مليون جزءًا). يمكن نقل القيمة بالبيتكوين إلى أي أحد في أي مكان في العالم من دون ترخيص من أحد، ولا تعتمد التسوية النهائية على أي طرف ثالث. بالإجمال، خصائص البيتكوين المالية متفوقة تفوّقًا هائلًا على أي نوع من المال يستعمل اليوم. وهذه الخصائص ليست موجودة بالصدفة، ولا هي موجودة عن فراغ. إن الخصائص المالية الناشئة في البيتكوين محمية ومفروضة بمزيج من التعمية، وشبكة من العقد اللامركزية تفرض مجموعة مشتركة من قوانين الإجماع، وشبكة تعدين متينة تضمن سلامة دفتر حوالات البيتكوين ومناعته على التغيير. العملة نفسها هي حجر الأساس الذي يربط أجزاء النظام، فيخلق دوافع اقتصادية تسمح لأجزاء نظام الأمن أن تعمل معًا. ولكن مع هذا، ليست خصائص البيتكوين المالية مطلقة، بل هي مقوّمة بالسوق بالنسبة إلى الخصائص الموجودة في الأنظمة المالية الأخرى.

كوين بيس برو: معدّل سعر البيتكوين بالدولار على مدى الأشهر الست الماضية (بيانات 27 سبتمبر 2019). 

اعلَم أنه في كل مرة يُباع دولار ببيتكوين، يبقى العدد نفسه من الدولارات والبيتكوينات في العالم. كل الذي يتغير هو التفضيل النسبي لحمل عملة من العملتين مقابل الأخرى. إن تزايد قيمة البيتكوين دليل على أن المشتركين في السوق يفضلون حمل البيتكوين على حمل الدولارات. وإن تزايد سعر البيتكوين (بالدولار) يعني أن مزيدًا من الدولارات لازم لشراء الكمية نفسها من البيتكوين. بالإجمال، إنه تقدير السوق للقوة النسبية للخصائص المالية. السعر ناتج. الخصائص المالية هي الأساس. مع تقدير الأفراد للخصائص المالية للبيتكوين، يصبح السؤال الطبيعي: أي العملتين له خصائص مالية أصدَق؟ البيتكوين أو الدولار؟ طيّب، ما الذي يدعم الدولار (أو اليورو أو الين أو غيرهما) في الأصل؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يجد الباحث دومًا أن الدولار مدعوم بالحكومة أو الجيش (رجال معهم أسلحة) أو الضرائب. ولكن الدولار ليس مدعومًا بأي واحدة من هؤلاء. لا بالحكومة، ولا بالجيش، ولا بالضرائب. تضرب الحكومة ضرائبها على الأشياء القيّمة، لا تصبح الأشياء قيّمة لأن عليها ضريبة. كذلك، تحمي الجيوش ما هو قيّم، لا تصبح الأشياء التي تحميها الجيوش قيّمة. والحكومة لا تستطيع فرض قيمة العملة، كل ما تستطيع تحديده هو معروضها.

فنزويلا، والأرجنتين، وتركيا، كلها بلدان لها حكومات وجيوش وقدرة على فرض الضرائب، ومع هذا تراجعت عملاتها تراجعًا ملحوظًا في السنين الخمس الماضية. ولئن لم يكن إثبات النقيض كافيًا، فإن كل حكومة من هذه الحكومات دليل ينقض القول بأن العملة تشتق قيمتها من الحكومة. كل مرحلة من مراحل التضخم المفرط يجب أن تكون دليلًا كافيًا على العيوب الجوهرية في الأنظمة المالية الحكومية، ولكنها ليست كذلك لسوء الحظ. يظنّ معظم النالس أن التضخم المفرط دليل على سوء الإدارة المالية، لا أنه النتيجة النهائية المنطقية لكل الأنظمة الحكومية. هذا الرأي التبسيطي يتجاهل المبادئ الأولى، ويتجاهل الآليات التي تضمن البخص المالي في أنظمة العملات الحكومية. ومع أن الدولار أقوى بنيويًّا لأنه عملة الاحتياطي العالمية، فإن قواعد الأموال الحكومية من حيث الأداء واحدة، والدولار ليس إلا الأقوى بين الضعفاء. ما إن فهمنا الآليات التي تدعم الدولار (وكل العملات الحكومية) فهمًا أفضل، قدّم ذلك لنا قاعدة لتقدير الآليات التي تدعم البيتكوين.

لماذا للدولار قيمة؟

لم تنشأ قيمة الدولار في السوق الحرة. بل نشأت على أنها تمثيل جزئي للذهب (والفضة في أول الأمر) وكان الدولار حلًّا لما قصّر فيه الذهب من سهولة التحويل والإرسال، لذا فإن مولد الدولار كان معتمدًا على الخصائص المالية للمعادن الأساسية، لا على خصائص جوهرية في الدولار نفسه. وكان أيضًا نظامًا قائمًا على الثقة: خُذ الدولار وثق أنه يمكن استبداله بمقدار ثابت من الذهب في المستقبل. إن عيب الذهب وإخفاقه الكامل هو نظام الدولار، ومن دون الذهب، لم يكن ليكون أي وجود للدولار في هيئته الحالية. مراجعة سريعة لتاريخ الدولار والذهب:

1900أقرّ قانون معيار الذهب عام 1900 أن الذهب هو المعدن الوحيد الذي يمكن استبداله بالدولار، وأن ثمن كل أونصة ذهب 20.67 دولارًا.
1913تأسس الاحتياطي الفدرالي بموجب قانون الاحتياطي الفدرالي عام 1913.
1933حظر الرئيس روزفلت ادّخار الذهب وكنزه بالقانون التنفيذي 6102، وأجبر المواطنين على تحويل الذهب إلى دولارات بمعدل 20.67 دولارًا للأونصة، وإلّا فهم معرّضون لعقوبة هي غرامة بقيمة 10 آلاف دولار، أو حبس من خمس سنوات إلى عشر، أو السابقان معًا.
1934وقع الرئيس روزفلت قانون الاحتياطي الذهبي، فبخس الدولار 40% من قيمته وصار سعر الأونصة 35 دولارًا.
1944رسّم اتفاق بريتون وودز قدرة الحكومة الأجنبية والمصارف المركزية على تحويل الذهب إلى الدولار (والعكس) بمعدّل 35 دولارًا للأونصة، وتأسست معدلات صرف ثابتة بين الدولارات وبقية العملات.
1971أنهى الرئيس نكسون رسميًّا قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فأنهى نظام بريتون وودز فعليًّا. أصبحت قيمة الدولار 38 دولارًا لأونصة الذهب.
1973غيّرت الحكومة الأمريكية سعر الدولار إلى 42 للأونصة.
1976فصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب كله عام 1976.

على مر القرن العشرين، انتقل الدولار إلى عملة مدعومة بالاحتياطي إلى عملة مدعومة بالدين. لم يزل معظم الناس يتدبّرون سبب امتلاك الدولار للقيمة بعد الذهب، ولم يزل التفسير الأشيَع هو أنها هلوسة جمعية (أن الدولار له قيمة لأننا كلنا نؤمن بذلك)، أو أنه تابع للحكومة والجيش والضرائب. ليس لواحد من هذين التفسيرين أي أساس في المبادئ الأولى، وما من سبب حقيقي يجعل للدولار قيمة. بل يحافظ الدولار على قيمته اليوم بسبب الدين والندرة النسبية للدولارات أمام الديون المقومة بالدولار. في عالم الدولار، كل شيء تابع لنظام الائتمان. الناتج الإجمالي المحلي الاسمي معتمد على حجم نظام الائتمان ونموه، والضرائب تحسب على أساسه. إن الآليتين اللتين تموّلان الحكومة (الضرائب واستهلاك العجز) كلاهما قائمتان على نظام الائتمان، وإن نظام الائتمان هو الذي يسمح للدولار أن يعمل بهيئته الحالية.

الدين القومي الأمريكي مقابل الدخل (تريليون)

إن حجم نظام الائتمان يبلغ أضعاف حجم الناتج الإجمالي المحلي الاسمي. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه. ولكن نمو نظام الائتمان سبق نمو الناتج الإجمالي المحلي على مر العقود الثلاثة السابقة. يرقّم المخطط أدناه معدل تغير نظام الائتمان مقابل معدل تغير الناتج الإجمالي المحلي الاسمي وصكوك الضرائب الفدرالية (منذ 1987 إلى اليوم). في نظام الاحتياطي الفدرالي، يقود توسيع الائتمان الناتج الإجمالي المحلي الذي يحدد في النهاية المستوى الاسمي للضرائب الفدرالية.

اليوم، في نظام الائتمان الأمريكي 73 تريليون دولارًا من الدين حسب الاحتياطي الفدرالي (تقرير z.1)، ولكن ليس في نظام المصارف إلا 1.6 تريليون دولار. هكذا يدير الاحتياطي الفدرالي الاستقرار النسبي للدولار. ينشئ الدين طلبًا مستقبليًّا على الدولار. في نظام الفدرالي، كل دولار مرفوع بنسبة 40:1 تقريبًا. إذا اقترضت دولارات اليوم، فإنك محتاج إلى جني دولارات في المستقبل لدفع الدين، وحاليًّا، كل دولار في النظام المصرفي مقرَض 40 مرة. إن العلاقة بين حجم نظام الائتمان ومقدار الدولارات يعطي الدولار ندرة واستقرارًا نسبيًّا. بالإجمال، كل الناس محتاجون إلا دولارات لدفع الدين المقوم بالدولار.

النظام كله مدين بدولارات أكثر من الموجودة، وهو ما ينشئ بيئة تجعل الطلب الحالي على الدولارات عاليًا جدًّا. إذا لم يدفع المستهلكون ديونهم، سيُحجَر على منازلهم، أو تُنقَل ملكية سياراتهم. إذا لم تدفع شركة ديونها، سيستحوذ الدائنون على أصولها بعملية الإفلاس، ويمكن أن تُمحى الحصص تماما. إذا لم تدفع حكومة ديونها، ستُغلَق وظائفها الأساسية لفقدان التمويل. في معظم الأحوال، نتيجة عدم حيازة الدولارات المستقبلية اللازمة لدفع الدين تعني أنّك ستنتهي على الحديدة. ينشئ الدين دافعًا اقتصاديًّا لطلب الدولارات. ما دامت الدولارات نادرة أمام الدين القائم، سيبقى الدولار مستقرًّا. هكذا يعمل اقتصاد الفدرالي، ادفع لخلق الائتمان، تكن قد أوجدت طلبًا مستقبليًّا للعملة المقومة. بمعنًى ما، يشبه الأمر بيع المخدرات. اجعل إنسانًا يدمن على مخدِّرتك، وستضمن أنه سيعود ليطلب المزيد. في هذه الحالة، المخدّر هو الدين، وهو يجبر كل الناس على البقاء في دولاب جرذان الدولار.

إن مشكلة اقتصاد الفدرالي (والدولار) هو أنه يعتمد على عمل نظام ائتمان مرفوع جدًّا. وللحفاظ على ذلك، يجب على الفدرالي أن يزيد عدد الدولارات القاعدية. هذا هو التيسير الكمي ولذلك وُجد. للحفاظ على كمية الدين في النظام، يجب على الفدرالي أن يزيد معروض الدولارات الحقيقية، وإلا سينهار نظام الائتمان. إن زيادة مقدار الدولارات القاعدية له أثر متوسط هو نزع رفع نظام الائتمان، ولكن أثره على المدى الطويل هو زيادة الائتمان. ومن آثاره أيضًا بخس قيمة الدولار مع الوقت. كل هذا مقصود. الائتمان هو الذي يدعم الدولار لأن الائتمان هو ادعاء ملكية أصول حقيقية، هي معايش الناس. جئ بدولاراتك في المستقبل، أو اخسر بيتك، هذا دافع قوي لتعمل للحصول على الدولار.

إن العلاقة بين الدولار والائتمان بالدولار يحافظ على لعبة الفدرالي، ويؤمن الصيارفة المركزيون أن هذا سيبقى إلى الأبد. أنشئ مزيدًا من الدولارات، أنشئ مزيدًا من الدين. دين كثير؟ أنشئ مزيدًا من الدولارات، وهكذا دواليك. في النهاية، في نظام الفدرالي، العملة هي صمام التحرير. لأن الدين بلغ 73 تريليون دولارًا، وليس لدينا إلا 1.6 تريليون دولار في النظام المصرفي، سيُضاف إلى النظام دولارات جديدة لتدعم الدين. إن ندرة الدولار أمام الطلب هي التي تعطي الدولار قيمته. لا أكثر، ولا أقل. لا دعامة للدولار سوى هذه. ولئن كانت آلية نظام الائتمان تنشئ ندرة نسبية للدولار، فإنها في الوقت نفسه تضمن أن الدولار ستقل ندرته قليلًا قليلًا.

دين كثير أنشئ مزيدًا من المال مزيد من الدين دين كثير

والأمر ذاته موجود في كل أصل مالي، الندرة هي الخصيصة المالية التي تدعم الدولار، ولكن الدولار ليس نادرًا إلا أمام الديون المقومة به. واليوم، أمام الدولار منافس حقيقي، هو البيتكوين. إن نظام الدولار وفقدانه للخصائص المالية الجوهرية يقدم نقيضًا صريحًا للخصائص المالية الناشئة والجوهرية في البيتكوين. ندرة الدولار نسبية، أما ندرة البيتكوين فمطلقة. نظام الدولار قائم على الثقة، أما البيتكوين فلا. معروض الدولار محكوم بمصرف مركزي، أما معروض البيتكوين فمحكوم بإجماع المشاركين في السوق. سيبقى معروض الدولار مرتبطًا بحجم نظام الائتمان، أما معروض البيتكوين فمستقل تمامًا عن مسألة الائتمان. وتكلفة إنشاء مزيد من الدولارات صفرية، أما تكلفة إنشاء مزيد من البيتكوين فحقيقية ومتزايدة أبدًا. في النهاية، خصائص البيتكوين المالية ناشئة ومناعتها متزايدة، أما الدولار فقبوله للتلاعب جوهري ومتزايد.

المال والندرة الرقمية

إن أصعب حاجز عقلي تجاوزًا عند تقدير البيتكوين من حيث هو مال، هو عادة أن البيتكوين أصل رقمي. البيتكوين ليس ملموسًا، وليس بديهيًّا بادئ الرأي. كيف يمكن أن يكون شيء رقمي تمامًا مالًا؟ ومع أن الدولار معظمه رقمي، فإنه مع ذلك ملموس أكثر من البيتكوين في أذهان معظم الناس. نشأ الدولار الرقمي من سلفه الورقي، ولم يزل في السوق دولارات ورقية، أما البيتكوين فهو رقمي أصلًا. في الدولار، عندنا تمثيل فيزيائي يمثل الأنماط الذهنية للعالم الملموس، أما في البيتكوين، فليس عندنا شيء من ذلك. ومع أن للبيتكوين خصائص مالية أصدق بكثير من خصائص الدولار، فإن الدولار في أذهاننا هو المال (عند معظمنا)، ونتيجة ذلك، فتمثيله الرقمي مفهوم أكثر، لأنه توسع من العالم الفيزيائي إلى العالم الرقمي. إن أساس الدولار من حيث هو مال ثابت بالزمن، ولئن كانت طبيعته الرقمية تبدو ملموسة أكثر، فالبيتكوين يمثّل ندرة مطلقة. أما معروض الدولار فلا حد عليه.

تذكر أن الدولار ليس له أي خصيصة مالية جوهرية. قام الدولار على الخصائص المالية للذهب ليعتلي مكانة الاحتياطي العالمي، ولكنه في نفسه، ليس له خصائص فريدة تجعله شكلًا مستقرًّا من المال، إلا ندرته النسبية في نظام المال المرتبط بالدين. عند النظر في البيتكوين، سؤال المبدأ الأول هو إذا كان أي شيء رقمي قادرًا على مشاركة الخصائص الجوهرية التي جعلت الذهب مخزنًا للقيمة (ومالًا). هل نشأ الذهب وأصبح مالًا لأنه فيزيائي أم لأن له خصائص مالية مترفعة عن الفيزيائية؟ من كل الأشياء الفيزيائية في العالم، لم اختير الذهب؟ نشأ الذهب وأصبح مالًا لا لأنه فيزيائي، بل لأن خصائصه الإجمالية فريدة. أهم شيء هو أنه نادر، ويمكن استبداله، ومتين. ومع أن للذهب خصائص كثيرة جعلته متفوّقًا على أي مال سبقه، فإن عيبه القاتل كان صعوبة نقله وعرضته للمركزية، وهو ما أنشأ الدولار في النهاية ليصبح نظيره التحويلي.

«تخيّل معدنًا ذهبيًّا له ندرة الذهب، ولكن له هذه الخصائص: رمادي ممل اللون – ليس ناقلًا جيّدًا للكهرباء – ليس قويًّا، ولكنه ليس مرنًا ولا سهل الإفساد – ليس مفيدًا لأي هدف عملي أو تزييني – ولكن له خصيصة سحرية خاصة واحدة: – يمكن نقله بقناة اتصالات»

ساتوشي ناكاموتو (27 أغسطس 2010)

يملك البيتكوين الخصائص المالية التي جعلت الذهب وسيطًا ماليًّا، ولكنه في الوقت نفسه يصلح من عيوب الذهب. فالذهب نادر نسبيًّا، أما البيتكوين فنادر مطلقًا، وكلاهما متين جدًّا. الذهب قابل للاستبدال (أن يبدَل بعضه ببعض)، ولكنه صعب التحقق، أما البيتكوين فقابل للاستبدال وسهل التحقق. الذهب صعب النقل ومركزي جدًّا. البيتكوين سهل النقل ولامركزي جدًّا. في البيتكوين كل خصائص الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي مجموعة في عملة واحدة، ولكن من دون العيوب الأساسية في أي منهما. عند النظر في الأوسطة المالية، المبادئ الأولى أساسية. أهمل النتيجة أو النهاية، وابدأ بسؤال نفسك: إذا كان البيتكوين فعلًا نادرًا ومحدودًا، وتجاهل أنه رقمي، أيكون مقياسًا صالحًا للقيمة ومخزنًا نهائيًّا للقيمة؟ هل الندرة خصيصة قوية بما يكفي لجعل البيتكوين مالًا، ولو كانت هذه الندرة رقمية؟

لئن كان المال مفهومًا غير ملموس، فإنه ما دام للتجارة والتخصص منافع، سيبقى للمال فائدة وطلب. المال وسيلة نستعملها لتكون الحكَم في تحديد القيمة النسبية بين السلع الاستهلاكية والرأسمالية الكثيرة. إنه سلعة تنظم كل النشاط الاقتصادي. إن كمية المال المطلقة أقل أهمية من خصائصه كالندرة وقبول القياس. الندرة هي أهم خصيصة مالية. إذا كان معروض وحدة القياس متغيّرًا باستمرار تغيّرًا غير متوقع، فسيصعب قياس قيَم السلَع بها، لذلك فالندرة في نفسها خصيصة قيّمة جدًّا. قد تتقلب قيمة وحد القياس أمام السلع والخدمات، ولكن استقرار معروض المال يجعل الضجيج أصغريًّا أمام إشارة السعر النسبي للسلع الأخرى.

ومع أن البيتكوين رقمي، فهو مصمم لينشئ ندرة مطلقة، وهو ما يجعله مرشّحًا ليكون شكلًا فاعلًا من المال (ومقياسًا للقيمة). لن يكون في الوجود إلا 21 مليونًا، و21 مليونًا رقم صغير جدًّا بالمقاييس النسبية والمطلقة. أنشأ الفدرالي 100 مليار دولار في الأسبوع السابق، بضغطة زر. يكافئ هذا تقريبًا 5 آلاف دولار مقابل كل بيتكوين في الوجود، في أسبوع واحد (وعلى يد مصرف مركزي واحد). لتقديم سياق أوسع، أنشأ الاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان، وبنك أوروبا المركزي، كلهم معًا 10 تريليونات دولارات منذ الأزمة المالية، وهو ما يكافئ 500 ألف دولار لكل بيتكوين. ومع أن الدولار واليورو والين والبيتكوين كلها رقمية، فإن البيتكوين هو الوحيد النادر ندرة ملموسة والوحيد الذي فيه خصائص مالية جوهرية.

ولكن، لا يكفي أن ندعي أن البيتكوين نادر ندرة مطلقة، ولا ينبغي أن يقبل أحد هذه الحقيقة ببساطة. ينبغي لكل واحد أن يفهم كيفية هذه الندرة وسببها. لماذا لا يمكن إنشاء أكثر من 21 مليون بيتكوين ولماذا لا يمكن نسخه؟ لماذا البيتكوين آمن ولمَ لا يمكن التلاعب به؟ في البيتكوين عناصر كثيرة تجتمع لتجعل معروضه ثابتًا على نحو موثوق، ولكن في شبكة البيتكوين ثلاثة دعائم ملتحمة تفرضها الدوافع الاقتصادية للعملة نفسها:

  • إجماع الشبكة والعقد الكاملة: فرض مجموعة مشتركة من القوانين الحاكمة
  • التعدين وبرهان العمل: تحقيق تاريخ التحويل، وتثبيت أمن البيتكوين في العالم الفيزيائي
  • المفاتيح الخاصة: تحمي وحدة القيمة، وتضمن الملكية بغض النظر عن التحقق

ما الذي يحمي البيتكوين – إجماع الشبكة والعقد الكاملة

21 مليونًا، ليس مجرد رقم يضمنه برنامج. بل معروض الواحد والعشرين مليونًا هذا تحكمه آلية إجماع، وكل المشتركين في السوق مدفوعون بدوافع اقتصادية لفرض قواعد شبكة البيتكوين. ومع أن إجماع شبكة البيتكوين قد يحكم نظريًّا بزيادة المعروض فوق 21 مليونًا، فإن على الأغلبية الساحقة لمستخدمي البيتكوين أن يوافقوا جميعًا على بخس عملتهم ليفعلوا ذلك. عمليًّا، إنها شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقة تعزز وتدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

في البيتكوين، العقدة الكاملة هي حاسوب أو خادم يحافظ على نسخة كاملة من سلسلة كتل البيتكوين. تجمع العقد الكاملة كل واحدة على حدة نسخة من سلسلة الكتل بناءً على مجموعة مشتركة من قوانين إجماع الشبكة. نعم، لا يُشغّل كل مالك للبيتكوين عقدة كاملة، ولكن كل واحد قادر على ذلك، وكل عقدة تحقق كل الحوالات وكل الكتل. بتشغيل عقدة كاملة، يستطيع كل إنسان أن يصل إلى شبكة البيتكوين وأن يبث حوالات (أو كتلًا) من دون رخصة من أحد. وليس على العقدة أن تثق بعقدة أخرى. بل كل عقدة تحقق التاريخ الكامل لحوالات البيتكوين بناءً على مجموعة مشتركة من القواعد، تسمح للشبكة أن تجمع على نسخة مستمرة وصحيحة من التاريخ من دون أن يثق أحد بأحد.

هذه هي الآلية التي يزيل بها البيتكوين الثقة بأي طرف ثالث مركزي ويعزز صدقية معروضه الثابت. تحافظ كل العقد على تاريخ من كل الحوالات، وهو ما يتيح لكل عقدة أن تحدد إذا كانت الحوالات المستقبلية صالحة. بالإجمال، يقدم البيتكوين آمَن شبكة حوسبة في العالم لأن كل إنسان يمكن أن يصل إليها من دون أن يثق أحد بأحد. الشبكة لامركزية وليس فيها نقاط صدع مفردة. كل عقدة مراقب وموازِن لبقية الشبكة، من دون مصدر مركزي للحقيقة، الشبكة منيعة على الهجوم والإفساد. قد تخفق عقدة ما، أو تفسد، ولكن الشبكة ستستمر كأن شيئًا لم يحدث. كلما زادت العقد، زادت لامركزية البيتكوين، وهو ما يزيد الحشو، فيجعل الشبكة أصعب وأصعب على الإفساد أو الرقابة.

كل عقدة كاملة تفرض قواعد إجماع الشبكة، ومن هذه القواعد معروض العملة الثابت. في كل كتلة بيتكوين عدد محدد من البيتكوينات الجديدة، وكل حوالة يجب أن تعود إلى كتلة صحيحة سابقة لتكون صحيحة. كل 210 آلاف كتلة، ينقسم هذا العدد إلى النصف، هكذا حتى يبلغ عدد البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة الصفر، عام 2140 تقريبًا، وهذا جدول إصدار معروض البيتكوين المقارب. لأن كل عقدة تحقق كل حوالة وكل كتلة، تفرض الشبكة كلها معًا ثبات المعروض على قيمة 21 مليونًا. إذا بثّت أي عقدة حوالة أو كتلة فاسدة، سترفضها بقية الشبكة وستسقَط هذه الكتلة من الإجماع. تستطيع كل عقدة أن تحاول إنشاء زيادة من البيتكوين، ولكن كل عقدة لها مصلحة في ضمان ثبات معروض البيتكوين على قيمته المثبتة، وإلا ستبخَس العملة عشوائيًّا على حساب بقية الشبكة.

يستطيع كل واحد في الشبكة أو خارجها أن ينسخ برنامج البيتكوين لينشئ نسخة جديدة من البيتكوين، وكل وحدة تنشئها نسخة من هذه النسخ ستراها العقد في شبكة البيتكوين عملة فاسدة. كل النسخ التالية والوحدات التالية لن تكون صالحة، ولن يقبل أي أحد بهذه العملة على أنها بيتكوين. كل عقدة بيتكوين تتحقق بنفسها من كل بيتكوين، وكل نسخة من البيتكوين ستكون فاسدة، لأنه لن تكون متأصلة في كتلة بيتكوين صالحة سابقة. سيكون الأمر كمن يريد معاملة أموال لعبة مونوبولي معاملة الدولارات. قد تتمنى ما أردت أن تكون مالًا، ولكن لن يقبلها أحد على أنه بيتكوين، ولن تشارك شبكة البيتكوين خصائصها الناشئة. إن تشغيل عقدة بيتكوين كاملة يسمح لكل أحد أن يفحص صلاح كل عملة من عملات البيتكوين، وستُعرَف كل نسخة مزيفة بهذه الطريقة. إن إجماع العقد هو الذي يحدد الحالة الصحيحة للشبكة في نظام مغلَق، كل شيء يحدث خلف جدران هذا النظام لم يحدث أصلًا.

ما الذي يحمي البيتكوين – التعدين وبرهان العمل

في آلية الإجماع هذه، تشغل بعض العقد (التي تسمى عقد التعدين) خوارمية برهان العمل لإضافة كتل جديدة إلى سلسلة الكتل. هذه الخوارزمية تحقق التاريخ الكامل للحوالات وتسوّي الحوالات الجديدة. التعدين وبرهان العمل يثبتان أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. لحل الكتل، يجب على المعدنين أن يحسبوا تريليونات الحسابات التعموية، وهو ما يتطلب استهلاك موارد طاقة كبيرة. فإذا حُلّت عقدة، تُرسل إلى بقية الشبكة للتحقيق. كل العقد (ومنها بقية المعدنين) تحقق إذا كانت الكتلة صالحة بناءً على مجموعة مشتركة من قواعد إجماع الشبكة، نوقشت من قبل. إذا كانت أي جوالة في في الكتلة فاسدة، فالكتلة كلها فاسدة. كذلك، إذا لم تبنَ الكتلة المرسَلة على آخر كتلة صالحة، فهي فاسدة أيضًا.

ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 90 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). تحلّ الكتل تقريبًا كل عشرة دقائق، وهو ما يعني 144 كتلة في اليوم. عبر الشبكة، تكلف كل كتلة نحو 75 ألف دولار، وتبلغ مكافأة كل عقدة 100 ألف دولار (12.5 بيتكوين جديد مضروبة بسعر البيتكوين، 8 آلاف دولار، من دون حساب رسوم التحويلات). كلما زادت تكلفة حل كتلة، زادت تكلفة الهجوم على الشبكة. إن تكلفة حل الكتلة تمثل الموارد الملموسة اللازمة لكتابة التاريخ على دفتر تحويلات البيتكوين. مع نمو الشبكة، يزداد تشظّيها، وتزداد القيمة الاقتصادية المدفوعة إلى المعدنين بالإجمال. من وجهة نظر نظرية الألعاب، كلما زاد التنافس وزادت الفرص، صعب التآمر على الإفساد، وكل عقد الشبكة تحقق عمل المعدنين، وهو ما يجعلها الرقيب والموازِن.

وتذكّر ذلك الرقم الثابت الذي يصدر في كل كتلة صالحة (قبل أن يبلَغ سقف الواحد والعشرين مليونًا). إن البيتكوين المصدَر في كل كتلة إذا جُمعت إليه رسوم التحويل يمثّل التعويض الذي يناله المعدنون لقيامهم ببرهان العمل. يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين لحماية الشبكة. لبناء الكتل وعملية الاقتراح، يكتب المعدنون هذا العدد الثابت من البيتكوين الصادر في كل كتلة تعويضًا عن استهلاك موارد من العالم الحقيقي الملموس لحماية الشبكة. إذا كتب معدّن مقدارًا من البيتكوين لا يوافق جدول العرض الثابت، سترفض بقية الشبكة الكتلة لأنها فاسدة. لحماية الشبكة، يجب أن يحقق المعدنون ويفرضوا قانون المعروض الثابت ليحصلوا على التعويض. للمعدّنين قدم في اللعبة هي التكاليف المتزايدة على رؤوس أموالهم (واستهلاكهم للطاقة)، والعمل الفاسد لا يُكافَأ.

ودونك مثالًا تقنيًّا: المكافأة الصالحة المدفوعة إلى المعدنين تنصَّف كل 210 آلاف كتلة، والتنصيف القادم سيكون في الكتلة 630,000 (أو تقريبًا في مايو 2020). في ذلك الوقت ستنقص المكافأة من 12.5 إلى 6.25 بيتكوين في كل كتلة. من بعد ذلك، كل معدّن يكتب مكافأة خاطئة (أي مقدار سوى 6.25)، سترفض الشبكة كتلته لأنها فاسدة. التنصيف مهم لا لأن معروض البيتكوين الجديد ينقص فحسب، بل لأنه يظهر أن الدافع الاقتصادي للشبكة يستمر في التنسيق وفرض المعروض الثابت للعملة على أساس لامركزي تمامًا. إذا حاول أي معدّن الغشّ، ستعاقبه بقية الشبكة العقوبة القصوى. لا شيء سوى الدوافع الاقتصادية في الشبكة ينسق هذا السلوك، وحدوثه على أساس لا مركزي من دون تنسيق أي هيئة مركزية تفرض أمان الشبكة.

تعدين البيتكوين لامركزي لأن كل المعدنين يتنافسون، ولا مصلحة للمعدنين في التجمع. ومن جهة أخرى، تحقق العقد عمل المعدنين، في اللحظة نفسها ومن دون تكلفة، وهو ما يجعلها رقيبًا وموازنًا قويًّا جدًّا مستقلًّا عن عملية التعدين. الكُتل صعبة الحل ولكنها سهلة التحقق، وبالإجمال، هذا هو ما يفرق البيتكوين عن أي نظام مالي ينافسه، سواء أكان الذهب أو الدولار. والتعويض الذي يُدفع للمعدنين لحماية الشبكة وفرض معروضها الثابت لا يكون إلا بالبيتكوين. إن الدوافع الاقتصادية للعملة (التعويض) قوية جدًّا، والعقوبة شديدة جدّا وسهلة التطبيق، لذا فدوافع المعدنين على أشدّها للتنسيق وتنفيذ عمل صحيح. بتقديم تكاليف ملموسة لعملية التعدين، وبإعمال جدول إطلاق المعروض وتضمينها في عملية التحقيق (التي تقوم بها كل العقد)، وبفصل عملية التعدين عن ملكية الشبكة، تفرض الشبكة كلّها المعروض الثابت فرضًا موثوقًا دائمًا، على أساس لا ثقة فيه، وفي الوقت نفسه تستطيع بلوغ الإجماع على أساس لامركزي.

ما الذي يحمي البيتكوين – المفاتيح الخاصة والحقوق المتساوية

في الوقت الذي يبني فيه المعدنون الكتل ويحلونها ويقترحونها، وتحقق العُقَد العمل الذي يجريه المعدنون، تتحكم المفاتيح الخاصة بالوصول إلى وحدة القيمة نفسها. تتحكم المفاتيح الخاصة بحقوق 21 مليون بيتكوين (تقنيًّا 18 مليونًا فقط لأن البقية لم تعدّن إلى اليوم). في البيتكوين، لا هوية، لا يعرف البيتكوين شيئًا عن العالم الخارجي. تحقق شبكة البيتكوين التوقيعات والمفاتيح. هذا هو الأمر كله. لا يستطيع إلا صاحب المفتاح الخاص أن ينشئ حوالة بيتكوين صالحة بإنشاء توقيع صالح. تُوضع الحوالات الصالحة في كُتَل، يحلّها المعدّنون وتتحقق منه كل عقدة، ولكن لا يستطيع إنشاء الحوالات الصالحة إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

عندما يُبَثّ تحويل بيتكوين، يُرسل مقدار من البيتكوين إلى أحد عناوين البيتكوين العامة. هذه العناوين العامة مشتقة من المفاتيح العامة، والمفاتيح العامة مشتقة من المفاتيح الخاصة. يمكن حساب المفاتيح العامة والعناوين العامة باستعمال مفتاح خاص، ولكن المفتاح الخاص لا يمكن حسابه باستعمال مفتاح عام أو عنوان عام. إنه تابع بجهة واحدة تحميه خوارزميات تعمية قوية. يمكن مشاركة المفاتيح العامة والعناوين العامة من دون إظهار أي شيء عن المفاتيح الخاصة. عندما يُرسل مقدار من البيتكوين إلى عنوان عام، يُقفَل في خزانة، ولكي تفتَح هذه الخزانة، يجب إنشاء توقيع رقمي من خلال المفتاح الخاص الموافق (لكل مفتاح أو عنوان عام مفتاح خاص فريد). يننتج صاحب المفتاح الخاصة توقيعًا خاصًّا، من دون كشف السر نفسه. تستطيع بقية الشبكة التحقق من أن صاحب المفتاح الخاص هو الذي أنشأ التوقيع، من دون معرفة تفاصيل المفتاح الخاص نفسه. أزواج المفاتيح الخاصة والعامة هي أساس البيتكوين. وفي النهاية، المفاتيح الخاصة هي التي تعطي حق الوصول إلى القيمة الاقتصادية في الشبكة.

لا فرق في هذا بين صاحب عُشر بيتكوين، وصاحب عشرة آلاف بيتكوين. كل صاحب مفتاح محمي ومحقق بالآلية نفسها والقوانين نفسها. لكل واحد في الشبكة حقوق متساوية. بغض النظر عن القيمة الاقتصادية، كل بيتكوين (وكل عنوان بيتكوين) يُعامل المعاملة نفسها في الشبكة. إذا أُنتج توقيع صالح، فالحوالة صالحة وستُضاف إلى سلسلة الكتل (إذا دُفعت رسوم التحويل). إذا أُنتج توقيع فاسد، سترفضه الشبكة. لا يهم قوة المشارك أو ضعفه. لا سياسة في البيتكوين. كلما يحققه البيتكوين هو المفاتيح والتواقيع. قد يستطيع الثري أن يدفع رسومًا أعلى لتكون حوالته أسرع، ولكن كل الحوالات تحقَّق على قوانين الإجماع ذاتها. يقدّم المعدّنون بعض التحويلات على بهض على أساس القيمة والربح، بغض النظر عن أي شيء آخر. إذا كانت حوالتان بنفس القيمة والربح، يُقَدّم الأسبق منهما بالزمن. ولكن المهم أن عملية التعدين، التي تسوّي الحوالات، مستقلة عن الملكية. البيتكوين ليس ديمقراطية، الملكية محكومة بالمفاتيح وكل حوالة بيتكوين يُنظَر فيها على أساس قوانين الشبكة نفسها. أهي صالحة أم لا. يجب أن ترجع كل بيتكوين إلى كتلة موافقة لمبدأ المعروض الثابت (21 مليونًا)، لكي تكون صالحة.

هذا هو الذي يجعل حيازة المفاتيح روحًا مهمّة في البيتكوين. البيتكوين نادر جدًّا، والمفاتيح الخاصة هي حرّاس نقل أي بيتكوين. يقول المثل: ليست مفاتيحك، ليست بيتكويناتك. إذا تحكم طرف ثالث بمفاتيحك، كالبنك مثلًا، فهو قادر على التحكم بوصولك إلى شبكة البيتكوين، وسهلٌ عليه تقييد وصولك أو سرقة أموالك في هذه الحالة. يختار كثير من الناس الثقة بكيان كالبنك، ولكن نموذج الأمان في البيتكوين فريد، لم يكتف بأن يكون لكل مستخدم التحكم بمفاتيحه الخاصة، بل ولكل مستخدم أن يصل إلى الشبكة من دون رخصة وأن يحول ما شاء إلى من شاء حيث شاء في العالم. لا يمكن هذا إلا إذا كان المستخدم مالكًا لمفتاحه الخاص. بالإجمال، يزيد المستخدمون الممسكون بمفاتيحهم الخاصة لامركزية القيمة الاقتصادية للشبكة، وهو ما يزيد أمان الشبكة كلها. كلما زاد توزّع الوصول إلى الشبكة، زادت صعوبة إفسادها أو ضمّها في النظام الحالي. من جهة أخرى، بإمساك المفتاح الخاص، يكاد يستحيل على أحد غيرك تقييد وصولك إلى المال أو سرقته. كل بيتكوين في السوق محمية بمفتاح خاص. نعم، يفرض المعدنون وأصحاب العقد عدم وجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولكن البيتكوينات الصالحة الموجودة كلها محمية لأصحابها بمفتاح خاص.

البيتكوين ضد.

الخلاصة، معروض البيتكوين محكوم بآلية إجماع شبكي، ويُعمل المعدّنون آلية برهان العمل التي تثبّت أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. ولعملهم هذا، يُدفَع للمعدّنين بالبيتكوين ليحلّوا الكُتل، وهو ما يحقق التاريخ ويسوّي الحوالات الحديثة. إذا حاول معدّن أن يعوّض نفسه بمقدار لا يوافق معروض البيتكوين الثابت، سترفض بقية الشبكة عمل المعدّن. معروض العملة داخل في نموذج أمانها، ولا بد من استهلاك موارد طاقية من العالم الحقيقي ليُعطى المعدّنون مكافأتهم. وفوق هذا، تحقق كل عقدة العمل الذي أجراه المعدنون، لئلّا يغشّ أحد من دون عقوبة. آلية إجماع البيتكوين وعملية تحقيقه تحكم نقل الملكية في الشبكة، ولكن الملكية نفسها تحميها وتتحكم بها المفاتيح الخاصة التي يمسكها مستخدمو الشبكة.

حوكمة البيتكوين

دع كل الأفكار السابقة في ذهنك عن تعريف المال، وتخيّل نظام عملة ندرته مفروضة ومعروضه ثابت. يستطيع كل إنسان في العالم أن يتصل بالشبكة من دون رخصة، ويستطيع كل إنسان أن يرسل حوالات إلى أي أحد في أي مكان من العالم، ويستطيع كل إنسان أن يتحقق من معروض العملة ومن حقوق الملكية في الشبكة. تخيّل اقتصادًا عالميًّا، يستطيع فيه مليارات الناس المتوزعين في أنحاء العالم، نقل القيمة في شبكة لامركزية، ويستطيع كل واحد منهم أن يصل إلى الإجماع نفسه على الملكيات في الشبكة، من دون أي جهة مركزية. كم ستكون قيمة هذه الشبكة؟ البيتكوين قيّم لأنه منته، ومنته لأنه قيم. إن الدوافع الاقتصادية ونموذج الحكم في الشبكة يفرض كل واحد منهما صاحبه، والأثر المجموع هو نظام مالي لامركزي ولا ثقة فيه، له معروض ثابت عالمي يستطيع الوصول إليه أي أحد.

ولأن للبيتكوين خصائص مالية جوهرية وناشئة، فهو مستقل عن كل الأموال الرقمية الأخرى. يبقى معروض البيتكوين ثابتًا ونادرًا ندرة مطلقة، أما المصارف المركزية فستُجبَر على توسيع قاعدتها المالية للحفاظ على النظام القديم. ستزداد جاذبية البيتكوين شيئً فشيئًا، مع اكتشاف المشتركين في السوق أن أدوار التيسير الكمي المستقبلية ليست مجرد أداة في يد المصرف المركزي بل هي وظيفة لا بد منها للحفاظ على الخيار الأدنى. قبل البيتكوين، كان الجميع مجبرًا على الدخول في هذا النظام. اليوم مع البيتكوين، أصبح لدينا بديل حقيقي. في كل مرة يعود الفدرالي بمزيد من التيسير الكمي للحفاظ على نظام الائتمان، سيكتشف مزيد من الأفراد أن خصائص البيتكوين متفوّقة تفوّقًا كبيرًا على النظام القديم، سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين. هل أ أفضل من ب؟ هذا هو الاختبار. في التنافس العالمي على المال، للبيتكوين خصائص مالية جوهرية مفقودة في نظام الأموال الحكومية. في النهاية، البيتكوين مدعوم بشيء، وهو الشيء الذي يدعم أي مال: مصدقية خصائصه المالية.

Tagged : / / /

يصلح البيتكوين هذا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

كان الأسبوع الماضي هو الأسبوع الذي يجتمع فيه المصرفيون المركزيون العالميون، واقتصاديو المنظومة القائمة، وسي إن بي سي وغيرهم كل عام في وادي جاكسون في وايومنغ، ليناقشوا المشكلات المنظومية التي تتفشّى في اقتصادنا. لا يبدو أنهم وجدوا إجابة، لكنهم يبحثون دائمًا عنها، إنها معضلة وادي جاكسون السرمدية. يكون لهذا الاجتماع كل سنة صخب وتطبيل، ولم تكن هذه السنة مختلفة. ولعلّ أن لورنس سمرز، أمين الخزانة الأمريكية السابق والرئيس السابق لجامعة هارفارد قد سلّط الضوء على المسرحية كلها. في سلسلة تغريدات من 28 جزءًا، شكك سمرز في عدد من الافتراضات الأساسية التي افترضها المذهب الاقتصادي السائد، الذي هو جزء منه. في لعبة ماركو بولو، سَمَرز يقترب من الهدف ولكنه لم يزل عل الجانب الخاطئ من المسبح. قد يكون أبرَزَ أعراض المشكلة، ولكنه كأصحابه من الاقتصاديين السائدين، لم يسأل السؤال البيّن. هل يمكن أن تكون الأدوات السياسية للمصرف المركزي هي السبب الجذري للمشكلة؟ لا الحلّ الذي لا ينقضي تملّصه كما يقولون؟

السؤال الأساسي الذي يطرحه سمرز: هل يمكن أن تكون المصرفية المركزية كما نعرفها اليوم الأداة الأساسية للاستقرار الاقتصادي الكلي في العالم الصناعي في العقد التالي؟ يشكّ سمرز في إمكان هذا، ولكن ماذا لو طرحنا سؤالًا أفضل: هل المصرفية المركزية هي السبب الأول للاضطراب الاقتصادي الكلي؟ منذ الأزمة المالية، لم يزل التيسير الكمي الأداة الأساسية التي تستعملها المصارف المركزية في محاولة منها لحفظ استقرار الاقتصاد ولتصنيع التضخم. نصّ المسرحيّة: نزيد معروض المال، نقلّل معدّلات الربح، وإنعاش قيم الأصول الموجودة ليمكن الإبقاء على مستويات الدين الموجودة وإنشاء مزيد من الدين.

ولكن، على رغم معدلات الربح المنخفضة انخفاضًا قياسيًّا، بدأ الاقتصاد العالمي مرة أخرى في التدهور، وبدأ كثير من الناس يشكك في فعالية التيسير الكمي. كما لاحظ سمرز، لقد أصبحت المسلّمات التي كانت تُدرَّس محلّ شكٍّ اليوم. خلافًا للمعتقد الشائع، ما يفعله التسهيل الكمي هو إنشاء الاضطراب الذي يسعى إلى اجتنابه. عندما نفهم العملية الأساسية للتسهيل الكمي، يتّضخ أنه لا جدوى له. كما كتب نسيم طالب في مقدمة النسخة القديمة من معيار البيتكوين، خبراء الاقتصاد الكلي ليسوا خبراء، بل هم لا يعرفون شيئًا عنه.

«إن خطر دخول الاقتصاد في حالة هبوط كبيرة يظهر أنه تقلّص في الشهر الماضي»

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، يونيو 2008

لقد أظهر التاريخ دائمًا أن الخبراء محدودة خبرتهم بمجالهم، ومع هذا لم تزل المصارف المركزية تسعى في التيسير الكمي، لأن الاقتصاد الكلي والمصرفية المركزية ثقافة سائدة، كما شرح طالب. يبدأ موقف السياسة السائدة بافتراض أن المصرفية المركزية هي جوهر وظيفة الاقتصاد، ثم يتركز النقاش عن أيّ الأوتار ينبغي شدّها لتحقيق أفضل إدارة للاقتصاد بالتخطيط المركزي. الإدارة الفاعلة للمعروض المالي بالتيسير الكمي أمرٌ مفروع منه، والسؤال سؤال كم ومتى، وليس سؤال هل.

ولكن، يبقى رأي اقتصادي معارض يقول إن وظيفة المصرف المركزي والإدارة الفاعلة لمعروض المال في نفسها مضرّة للاقتصاد. هذا الرأي المخالف لا يمكن أن يتعايش مع مصرف مركزي لأنه مناقض لوظيفته الأساسية، لذلك نجد هذه الثقافة سائدة ونجد أن الطريق المخالف لم يمر به أحد. في النهاية، كانت أيام النقاش الاقتصادي في القرن العشرين وقد انتهت إلى مذهبنا الحالي السائد. والنتيجة: نظام اقتصادي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على بخس العملة وإنشاء الائتمانات، وعلى التيسير الكمي لتحقيقهما.

اليوم، مع وجود البيتكوين، لم يعد الأمر موضوع نقاش ثقافي. بل أصبح اليوم عندنا نظامان اقتصاديان يقدّم كل واحد منهما النقيض الأكبر لصاحبه: يحاول الأول إنشاء الاستقرار بالإدارة الفاعلة للمعروض المالي، أما الثاني فيقبل بالتقلّب المؤقت بهدف الحفاظ على معروض ثابت. في العقد الأخير، بدأ النظام الصاعد يستحوذ على مناطق من النظام القائم، وهو ما أظهره اعتماد البيتكوين وازدياد قيمته بالنسبة إلى بقية العملات. الدخول في البيتكوين هو خروج من التسهيل الكمي، ولئن كان طريق البيتكوين طالعًا نازلًا، فإن مساره الكلي على المدى الطويل سيستمر في الصعود لأن المصارف المركزية ستسمر في سياستها نفسها التي يمنعها البيتكوين.

أخفقت المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وجرّت عليه من غير قصد منها الاضطراب من خلال التلاعب بالمعروض المالي. بالتصرّف بالمعروض المالي، يشوَّش على كل آليات التسعير العالمية. كما وصف حايك في استعمال المعرفة في المجتمع، إن آلية التسعير هي أعظمة نظام توزيع للمعرفة في العالم. عندما تفسد آلية التسعير، توزَّع في النظام الاقتصادي إشارات كاذبة، والنتيجة تفاوتٌ بين العرض والطلب، يزيد الاضطراب والهشاشة. اليوم، هذا الاضطراب يعود أوّلًا إلى وظيفة التسهيل الكمي، فهي تنشئه وهي تحافظ عليه. لقد بيّنت الأزمة المالية أن حجم نظام الدين لا هو مستقر ولا هو يمكن الحفاظ عليه، فأنعش الفدرالي أسعار الأصول ووسّع نظام الائتمان أكثر، بدلًا من أن يترك النظام يتفكك وحده، ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الموجودة. عمليًّا، منهج المصرفية المركزية لحل مشكلة كثرة الدين كان إنشاء دين أكثر بعدُ، وهو الذي كان السبب الأصلي للاضطراب. لحسن الحظ، يصلح البيتكوين هذا.

ما هو التيسير الكمي؟

بأبسط العبارات: التيسير الكمي هو مصطلح تقني يصف الآلية التي ينشئ بها الاحتياطي الفدرالي دولارات جديدة. ليس الأمر تقنيًّا مطابقًا لـ«طباعة المال»، ولكنه بالنتيجة نفسه. ينشئ الاحتياطي الفدرالي دولارات رقمية جديدة في دفتر (من دون أي غطاء)، ويستعملها ليشتري أصولًا مالية، منها سندات الخزانة الأمريكية (دين حكومي)، أو السندات المغطاة بالرهون. بعد الأزمة المالية، أضاف الاحتياطي الفدرالي 3.6 تريليون دولار جديد إلى النظام المصرفي بالتيسير الكمي، ليضاعف حجم ميزانيته. والنتيجة الصافية: مزيد من الدولارات في النظام المصرفي على هيئة احتياطيات مصرفية، وهذه الاحتياطات يمكن استعمالها إما للإقراض وإما لشراء مزيد من الأصول. بعبارة بسيطة: وُجد مزيد من الدولارات، وهو ما سبب انحدار قيمة كل دولار واحد.

التيسير الكمي هو السبب الأساسي الذي يجعل دولارك يشتري غدًا أقل مما يشتري اليوم، ولكن آثار التيسير الكمي تنتقل تدريجيًّا في الاقتصاد بتوسيع نظام الائتمان. بعبارة أخرى، التيسير الكمي مصمم ليسمح للمصارف أن توسع ائتمانها، إذ يستطيع نظام الائتمان أن يزيد أضعافًا مقابل كل دولار يخلقه التيسير الكمي. الائتمان التزايدي (فكر في الإقراضات التلقائية، والرهون، وقروض الطلبة، إلخ)، يستعمَل لشراء سلَع في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يجعل أسعار السلع ترتفع وقيمة الدولار تنخفض نسبيًّا.

هل ينفع التيسير الكمي؟

الإجابة القصيرة: لا. ولئن كان كثير من الناس يظنون أنه ضروري، فكل ما يفعله هو تأجيل المشكلة وضمان الحاجة المستقبلية إلى مزيد منه. السبب الجذري للأزمة هو أن النظام المالي أصبح مرفوعًا رفعًا مفرطًا. في وقت الأزمة المالية، كان كل دولار في النظام المصرفي مرفوعًا ومُقرَضًا بنسبة 150:1 (انظر تقارير الاحتياطي الفدرالي Z.1، وH.8). كان في النظام دين كثير ودولارات قليلة، ولم تكن درجة الرفع هذه ممكنة إلا لأنها نتيجة غير مباشرة لحفاظ الاحتياطي الفدرالي على الاختلالات الاقتصادية. مع كل دورة ركود في العمل في العقود التي سبقت الأزمة، زاد الاحتياطي الفدرالي معروض الدولارات ليخفّض معدل الربح ويوسّع النظام الائتماني. لم يسمح الفدرالي للنظام أن يصلح نفسه كما يصلح أي سوق طبيعي نفسه، بل كان ردّه المستمرّ هو إنعاش قيَم الأصول بزيادة معروض المال ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الحالية وإنشاء مزيد من الائتمان.

بهذه الطريقة، أنشأ الفدرالي من غير قصد منه الاضطراب الذي رأيناه في النظام المالي عام 2008 لأنه خلق بيئة سمحت بتراكم درجة لا يمكن الحفاظ عليها من الرفع المالي في النظام، على مدى العقود التي سبقت الأزمة. ولئن كان الاحتياطي الفدرالي يطبق سياسات مشابهة عقودًا قبل الأزمة، فقد خلقت الأزمة بيئة قدحت استجابة أحدّ منه. عمليًّا، احتاج الفدرالي قاربًا أكبر وفي ردّه على الاضطراب في السوق، زاد معروض الدولارات في السوق بمقدار 3.6 تريليون دولار ليتجنب انهيارًا ماليًّا وشيكًا. كانت هذه المرة مختلفة، نعم، سرقت أزمة الرهون العقارية عناوين الصحف، ولكن المشكلة الأساسية كانت الأثر التراكمي للاختلالات التي حافظ عليها الفدرالي في نظام الائتمان وتراكمت دورات عديدة، بالإضافة إلى درجة الرفع الإجمالية في النظام.

في اقتصاد الفدرالي، أصبح نظام الائتمان هو آلية التسعير الهامشية. ولأن الفدرالي ملزَم بالقانون بالحفاظ على استقرار الأسعار، كان لا بد أن يحافظ على حجم نظام الائتمان ضمنيًّا ليحافظ على مستويات الأسعار العامة. في أثناء الأزمة المالية، بدأ نظام الائتمان يتقلّص وانخفضت مستويات أسعار الأصول سريعًا انخفاضًا عشوائيًّا. لعكس هذا الأثر، لم يجد الفدرالي بدًّا من زيادة المعروض المالي (التيسير الكمي) في محاولة منه للحفاظ على حجم نظام الائتمان. حتى بعد احتدام الأزمة، قرر الفدرالي أنه لا بد من إضافة تريليونات أخرى من الدولارات للاستمرار في دعم النظام المنهار، مع اعترافهم بحدود أدوات سياستهم المالية. هذه هي أزمة الفدرالي، فحتّى لو كان يعرف الحلّ، فموقفه الأصلي هو الخطأ على ناحية زيادة التيسير الكمي، لا التقليل منه.

«أريد تمامًا أن أقبل الحجّة التي تقول إن السياسة المالية ليست هي الأداة الرئيسة، وأنها ليست الخطأ الرئيس في اقتصادنا، ولكن واجبنا أن نفعل ما نستطيع، وأن نخفف الأزمة، وأن نساعد حيث نستطيع، وإن لم نستطع حل مشكلات مالية أو بنيوية أو غير ذلك».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، أغسطس 2011

«لا أعتقد أن الأمر هو أن السياسة المالية عاجزة تمامًا. أعتقد أننا يمكن أن نرى آثارها في الأسواق المالية، التي من جهتها تؤثر في الثروة والثقة ومحددات أخرى للصرف والإنتاج. فكلما كان الانتقال أضعف، فهو حجّة لزيادة الإنعاش لا لتقليله».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، سبتمبر 2011

فلمّا أجاب الفدرالي بالتيسير الكمي، سبب توسّع نظام الائتمان الغارق أصلًا بدين كبير توسّعًا عظيمًا. اليوم، يحمل نظام الائتمان في الولايات المتحدة دينًا يبلغ نحو 73 تريليون دولار (في النظام كله)، وهو ما يمثل زيادة بعشرين تريليونًا (+40%) عن مستويات ما قبل الأزمة (تقرير Z.1 الفدرالي الصفحة 7). كلّ هذا الدين متراكم على 1.7 تريليون دولار فقط من الدولارات الحقيقية الموجودة في النظام المصرفي (تقرير H.8 الفدرالي). تيجة ذلك، يبقى الدين كثيرًا والدولار قليلًا. لأن التيسير الكمي يسبب خلق تريليونات من الدولارات في الدين، فهو أقرب إلى الهيروئين منه إلى مضاد الالتهاب، فكلما طُبّق على النظام المالي، زاد اعتماد النظام المالي عليه وأصبحت إزالته أسوأ.

يصلح البيتكوين هذا

قبل عام 2009، كان كل الناس مجبرين على الدخول في هذا النظام، ولم يكن في الوجود مخرج حقيقي. هذا هو الخيار الذي يقدمه البيتكوين في النهاية، وهو إنما وُجد ليكون آلية رد على التيسير الكمي العالمي. ما من شرح بسيط لسبب وجود البيتكوين. لقد قدّم البيتكوين بديلًا متفوّقًا من دون تطبيق التيسير الكمي، وفي الوقت نفسه يوسّع البخس المالي العالمي الذي حدث نتيجة للأزمة الهوّة بينه وبين النظام القائم. هذا التباين يجعل مجرد وجود البيتكوين أشدّ بداهة. البيتكوين حرفيًّا موجودٌ لأن بعض الأفراد عالي الثقافة عرفوا المشكلة وعملوا على حلّها. ولكن، البيتكوين عمليًّا موجود لأنه يقدم حلًّا أفضل في جوهره لمشكلة المال.

بسبب الرفع الذي لم يزل جوهريًّا في النظام المالي القائم، لا نقول إن التيسير الكمي في المستقبل احتمال، بل هو يقين حتم. سؤال التيسير الكمي من الاحتياطي الفدرالي والمصارف المركزية في أرجاء العالم، هو سؤال «أين»، لا سؤال «هل». لم يكن نظام الائتمان مستقرًّا ولا مستدامًا عام 2008. نتيجة التيسير الكمي، توسّع نظام الائتمان ليدعم اليوم 20 تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها. في كل مرة يعلن الاحتياطي الفدرالي أو أي مصرف مركزي، دورة جديدة من التيسير الكمي، فتلك إشارة السوق التي تدعو الناس إلى شراء البيتكوين. إنه الخيار بين حمل نوع من العملة تبخسه المصارف المركزية بخسًا مستمرًّا ونظاميًّا، ونوع من العملة له معروض ثابت لا يمكن تغييره. البيتكوين هو الرقيب، وهو الموازنة، وهو طريق الخروج النهائي من المشكلة التي يقدمها التيسير الكمي.

في خطاب لفردريك حايك عنوانه ادعاء المعرفة قاله عند فوزه بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1974، يبيّن حايك المبادئ الأولى التي تجعل المعرفة المتباينة لكل المشاركين في السوق أعظم ممّا يستطيع أي عقل مفرد حيازته. بهذا الاستدلال، يفسّر حايك عيب النظرية الاقتصادية الكلية السائدة والسياسة المالية السائدة التي تقود المصارف المركزية. ويفسّر كيف أن أدوات سياسة المصارف المركزية، وتحديدًا التيسير الكمي، ضرّها أكبر من نفعها. أنصح قراءة الخطاب الكامل لأنه يقدّم سردية معارضة للثقافة السائدة في صناعة السياسة الاقتصادية اليوم. نظامنا الحالي يثق بأفراد معدودين لتوزيع تريليونات الدولارات. وليس الأمر أن هؤلاء الأفراد قليلو المعرفة، بل أن أي مجموعة صغير من الأفراد معارفها أقل بكثير من مئات ملايين الأفراد الذين يشكلون الاقتصاد.

ادّعاء المعرفة حايك (خطاب جائزة نوبل، 1974)

بمحاولة إدارة اقتصاد كامل بالتلاعب بمعروض المال، لا تحلّ معرفة القلّة محل معرفة الجميع، بل تفسد القاعدة المعرفية الجمعية كلها. في هذا الحال، لا يمكن أن تعمل الآليات التي تحكم العرض والطلب عملًا فاعلًا، وهو ما يؤدي إلى اختلال لا يمكن الحفاظ عليه إلا ما دام التلاعب بالسوق ممكنًا. في النهاية، يكون الأثر السلبي على الاقتصاد أعظم بكثير ممّا كان ليكون لولا تدخل المصرف المركزي. إن الأزمة المالية هي أولى الأزمات، ولم يتركنا رد التيسير الكمي إلا في وضع أقل استقرارًا اليوم. الأثر في الدرجة الأولى: بخس العملة، والأثر النهائي: تدهور البنية الاقتصادية التي يقوم عليها النظام كلها. البيتكوين مصمم لحل هذا الأمر ولكن ينبغي ألا نظن أن هذا الانتقال سيكون سهلًا أو بلا ألم، لأنه انتقال من نظام مثقَل بعقود من الاختلالات المتراكمة.

ينشئ البيتكوين نظامًا يتيح نشاطًا اقتصاديًّا غير مشوّش، ويحقق ذلك بمعروض مالي ثابت، تحكمه آلية إجماع سوقي. إن آلية الإجماع هذه هي الطريقة التي يتخلّى بها البيتكوين عن «الوعي بالسلطة» عند الصيارفة المركزيين، ويعتمد بدلًا منه على المعرفة المتوزعة على كل المشتركين في السوق. وهو نظام طوعي تمامًا. إذا كنت تحب نظامك المالي الحالي، فاهنأ به (الآن على الأقل). ولكن، تميل الأنظمة المالية إلى وسيط واحد، لذا، إذا حدث انتقال جماعي إلى البيتكوين بوصفه أصدق مخزن للقيمة على المدى الطويل، فسيصبح الأمر أقرب إلى الإجبار في المستقبل. مع تزايد دخول الناس في البيتكوين، تتبيّن مشكلات النظام الحالي أكثر، وهو ما يسرّع الحاجة إلى التيسير الكمي. كلما زاد الميل إلى حفظ الثروة في البيتكوين، قلّ طلب حفظ الثروة في الأصول التي هي دعامات نظامنا الائتماني الحالي. في الحقيقة، سيؤثر الانتقال المتزايد إلى البيتكوين أثرًا مباشرًا في النبض الائتماني في النظام كله، وهو ما سيزيد حاجة النظام المالي القديم إلى الاعتماد على التيسير الكمي لحفظ نفسه.

قد يكون البيتكوين هو الطريق الملتوي الماكر حول نظام الفدرالي الاقتصادي، ولكنه سيكون على حساب النظام القديم. والنتيجة المؤقتة للانتقال إلى البيتكوين هي التقلّب الاقتصادي الكلي. قد يلام البيتكوين خطأً على عِلَل النظام القديم، ولكن الحقيقة هي أن الإقلاع عن إدمان التيسير الكمي عملية صعبة وضرورية. قد لا يعجب أصحاب وادي جاكسون هذا الكلام، ولكن نتائج إيجابية ستنتظرنا على الضفة الأخرى. وإلى جانب هذا، فالأمر في يد السوق الحرة اليوم.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹جيّدًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك فون حايك
Tagged : / / /

امتياز العملات الورقية

ماهيته وكيفية محاربته

المقالة الأصلية | المؤلف: Allen Farrington  | ترجمة: سامر – مراجعة: BTCTranslator

امتياز العملات الورقية هو مفهوم يسلط الضوء على الامتياز المجتمعي غير العادل الذي يتمتع به الأشخاص القريبون من طابعة النقود على حساب الأشخاص المدخرين للنقود. ترجع أصول المفهوم إلى حسَد الفيزياء[1] الذي كان سائدًا في مجال الاقتصاد الكلي في القرن العشرين والتمويل الواسع النطاق الذي أصبح ممكناً نتيجة قطع ارتباط الدولار بالذهب، تطور مفهوم امتياز العملات الورقية في ظروف سعت على نطاق واسع لحماية مصالح الذين يستفيدون استفادة مباشرة من التضخّميّة غير الواعية.

يشير مفهوم امتياز العملات الورقية إلى المزايا الكامنة الواضحة والأقل وضوحًا التي قد لا يدركها الأشخاص القريبون من طابعة النقود، وهو ما يميز هذا الامتياز عن الاستبداد العلني والقمع المالي.

تشمل هذه المزايا التأكيد الثقافي على قيمة الفرد (القريب من الطابعة) ومساهمته في المجتمع، ومكانته الاجتماعية العالية المفترضة، ومعدل نمو ثروته فوق معدل التضخم. امتياز العملات الورقية منتشر ولا يمكن إنكاره وهو موجود في جميع الأنظمة والمؤسسات الرئيسية التي تعمل في المجتمع، وكذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد.

قد يثير مفهوم امتياز العملات الورقية إذا طرَقَ سمع الذين لم يسمعوا به من قبل ردود فعل دفاعية وقد توصل لحد الغضب. وقد أطلق على هذا المفهوم اسم «هشاشة العملات الورقية»، وتتراوح ردود الفعل من الخوف والتجنب والدفاع وعدم الراحة، إلى ردود فعل أكثر تطرفاً مثل التعيير والعدوان الخفي وعدم التسامح والإبطال والمحاربة بالأفضلية.  من ناحية أخرى، بالنسبة للبعض، فإن فكرة أن الشخص يمكن أن يتمتع بامتيازات خاصة لمجرد قربه من طابعة النقود هي إدراك مقلق ويمكن أن تثير مشاعر الخزي والذنب والارتباك. إذا كنت من مناصري التضخم وتشعر أن مفهوم امتياز العملات الورقية لا يخصك، فالراجح أنك مخطئ. غالبًا ما يشعر الأشخاص القريبون من طابعة النقود بالحاجة إلى تفنيد امتيازهم بالثرثرة الورقية، لكن إنكار الامتياز عادة ما يكون دليلًا على الامتياز.

امتياز العملات الورقية هو مزية تحمي الأشخاص القريبين من طابعة النقود من أي شكل من أشكال التمييز المرتبط بقدرتهم على إنتاج سلع وخدمات يتبادلها الآخرون بحرية. ومع ذلك، لا يشير مفهوم امتياز العملات الورقية الى أن أنصار التضخم لم يكونوا أو لا يمكن أن يكونوا منتجين. بل يشير إلى أنه من الأسهل على الشخص القريب من الطابعة تجنب أن يكون منتجًا. يميل أنصار التضخم إلى افتراض أن تجاربهم الخاصة عامّة يستطيعها كل الناس مثل العمل في بنك استثماري أو مؤسسة غير ربحية أو تدريس الاقتصاد الجامعي على سبيل المثال، أو الاحتجاج على استخدام الطاقة أو العائلات الكبيرة – في حين أن أصحاب المدخرات يُطرَدون من هذا النظام يوميًّا، ويُضطرّون إلى الإبحار في عالم لم يصمّم لهم.

ليس غريبًا أن يصبح امتياز العملات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من التجربة الحية لشخص قريب من طابعة النقود بحيث يمكن أن يتطور إلى ما يسميه العلماء «التفوق الورقي» – الرواية الخاطئة التي تدعي أن الأشخاص القريبين من الطابعة هم في الواقع أفضل من أصحاب المدخرات ويضيفون المزيد من القيمة للمجتمع. تتأصل هذه الرواية في القول التاريخي الخاطئ القائل بأن العملات الورقية تتفوق على أنواع المال الأخرى. هذا الفهم الخاطئ هو نتاج نظام تعليمي تضخمي منهجي، وظيفته الحفاظ على امتياز العملات الورقية.

يتمثل الجانب الأكثر ضررًا في التفوق النقدي في الاعتقاد في إمكانية «الحيادية الكانتيلونية المعرفية» – أي إن الإنسان يستطيع أن يكون لا مع التضخم ولا ضده. هذا هو امتياز العملات الورقية بعينه. في الواقع، إذا لم تكن مناهضًا علنيًّا للتضخم، فأنت من مناصري التضخم.

إذا كنت تفضل أن تكون حليفًا مناهضاً للتضخم، فأنت بحاجة إلى تحمل مسؤولية امتيازك وأخطائك وتعليمك.


[1] حسد الفيزياء هو الدافع الذي يحثّ المشتغلين بالعلوم الناعمة على استعمال الرياضيات لصبغ علومهم بصبغة صرامة الفيزياء.

Tagged : / / /

مسار التضخم النقدي – لودفيج فون ميزس

مقتطف من كتاب الفعل البشري، الجزء الرابعLudwig von Mises

هكذا تسير عملية التضخم النقدي: في البداية، يؤدي تدفق النقد الإضافي إلى ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات؛ يتبعها ارتفاع بقية الأسعار لاحقاً. يؤثر ارتفاع الأسعار على السلع والخدمات المختلفة بدرجات متفاوتة وفي تواريخ مختلفة. قد تستمر هذه المرحلة الأولى من عملية التضخم لسنوات عديدة

وطالما بقيت مستمرة، فإن أسعار العديد من السلع والخدمات لم تتكيف بعد مع العلاقة النقدية المتغيرة. لا يزال هناك من لم يدرك بعد أنهم في مواجهة ثورة أسعار ستؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع هائل في جميع الأسعار، حتى ولو تفاوتت درجة الارتفاع بين السلع والخدمات المختلفة. لا يزال هؤلاء يؤمنون بأن الأسعار ستنخفض يوماً. وفي انتظار هذا اليوم، يحدّون من مشترياتهم ويزيدون من مدخراتهم النقدية. طالما بقي الرأي العام مقتنعاً بهذا الفكر، فلا يزال أمام الحكومة فرصة للتخلي عن سياستها النقدية التضخمية

ولكن تستيقظ جموع الناس في النهاية. يدركون فجأة بأن التضخم سياسة متعمدة وستبقى مستمرة بلا نهاية. يظهر التصدع ويحدث الانهيار. يتلهَّف الجميع لمبادلة أموالهم محاولين الحصول على ممتلكات “حقيقية” بغض النظر عن حاجتهم لتلك الممتلكات وبصرف النظر عن المبلغ المدفوع لقاء الحصول عليها. سرعان ما يتوقف استخدام المال كوسيط للتبادل، ففي خلال أسابيع أو حتى أيام معدودة يغدو المال مجرد قصاصات ورقية، لا يرغب أحد في التخلي عن اي شيء مقابل تلك الأوراق المطبوعة!

Tagged : / / / /