featuredالمقالاتمجتمع

لا تخدعك أكاذيب النخبة

هل ستلعب لعبتهم؟ أم ستعي اللعبة الحقيقية؟

الكاتب: نجيب بوقيلي، رئيس دولة السلفادور | المقال الأصلي | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2022 | نقلها للعربية متطوعون 🧡

في 7 سبتمبر 2021، أصبحت السلفادور أول بلد في التاريخ يعتمد البيتكوين، عملة العالم الجديدة.

تذكر هذه الكلمات، فإنها ستُنقَش في تاريخ النقد.

لكن الآراء اليوم، بسبب حداثة البيتكوين، لا تجاوز أن ترى هذا الاعتماد خطوة جريئة، أو ذكية، أو غبية، أو رهانًا طائشاً.

في الحقيقة، لم تكن هذه الخطوة أيًّا من ذلك. بل كانت الخطوة الوحيدة المنطقية الواضحة. فالسؤال عند الذين يعقلون ليس «هل» ستعتمد البيتكوين بلدان أخرى، بل «متى».

لم تزل هذه النقلة النوعية في بداياتها الأولى، لدرجة أن تثير خطوة منطقية وبديهية كل هذا الجدل. ولئن كان المصفقون لهذا التحول كثيرًا، فإن الشاجبين والمستنكرين له أكثر.

نجيب بقيلة

في هذه المقالة، لن أحلل الداعمين، بل الشاجبين. يمكن تقسيم هؤلاء القوم إلى ثلاث فئات:

  1. الذين يعتقدون صدقًا أن القرار كان خاطئًا.
  2. الذين يعتقدون أنه كان قرارًا صحيحًا، ولكن لأسباب خاطئة.
  3. الخائفون من القرار.

الظريف هنا أن الفئتين الأوليين موجودتان بسبب وجود الثالثة.

لماذا؟

لأن أعلى الشاجبين صوتًا، من الخائفين الذين يدفعوننا نحو التراجع عن قرارنا، هم أقوى النُّخَب في العالم، والذين يعملون عندهم أو يستفيدون منهم.

لقد اعتادت النخَب على أن تملك كل شيء، ولم تزل نوعاً ما تملك كل شيء: الإعلام، والبنوك، والمنظمات غير الربحية، والمنظمات الدولية، وكل حكومات العالم وشركاته، تقريبًا.

أضف إلى هذا، أنهم يملكون الجيوش، والقروض، ومعروض النقد، والتصنيفات الائتمانية، والرواية الرسمية، ووسائل الإعلام، والمصانع، والإمدادات الغذائية، ويتحكمون بالتجارة الدولية والقانون الدولي. ولكن أهم سلاح يحملونه هو التحكم بـ”الحقيقة”.

وهم مستعدون للقتال والكذب والخداع والتدمير والكبت والنهب والطبع وفعل كل ما يحتاجون إليه للحفاظ على سيطرتهم على “الحقيقة”، وعلى كل شيء، وكل أحد.

تذكَّر كل المقالات التي كُتبت –وقد يبلغ عددها المئات، أو ربما الآلاف– في ادّعاء أن اقتصاد السلفادور تدمَّر بسبب «رهانه الطائش على البيتكوين»، وأننا متجهون لا محالة إلى العجز، وأن اقتصادنا انهار، وأن حكومتنا أفلست.

ألم تروا هذه المقالات؟ إنها في كل مكان. كل مجلة مالية، وكل منظمة أخبار كبرى، وكل صحيفة في العالم، وكل وكالات الائتمان، وكل المنظمات المالية الدولية، كلهم يقولون الشيء نفسه، كما لو أنهم مغنون في جوقة واحدة.

لكن، أي من أقوالهم صحيح؟

اقرأ مقالاتهم واستمع إلى «خبرائهم» تجدهم يقولون إن كل هذا حدث للسلفادور بعد أن خسرت 50 مليون دولار بسبب هبوط سعر البيتكوين في المنصات. لكننا لا نبيع أي بيتكوين، فكلامهم خاطئ وضوحًا. لكن حتى نجري تحليلًا أعمق، فلنقل –تنزّلًا– إن كلامهم صحيح تمامًا، هو ليس صحيحًا، لكن تحمّل معي.

حقًّا؟ اقتصاد بلد كامل تدمّر من خسارة 50 مليون دولار؟

نعم، السلفادور بلد فقير نسبيًّا، لكننا في عام 2021 وحده، أنتجنا 28 مليار دولار بين منتجات وخدمات. إن القول بأن خسارة 50 مليون دولار –تساوي أقل من 0.2% من ناتجنا الإجمالي المحلي– سيضع اقتصاد بلدنا في خطر، ليس مجرد غباء؛ إنه كاشف.

قد تظن أن عباقرة الاقتصاد في بلومبرغ وفوربس وفورتشن، وفايننشل تايمز، ودوتش ويل، وبي بي سي، والجزيرة، والغارديان، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وغيرها، عندهم من المحللين والمحررين العالمين من يمنعهم من نشر هذا الهراء. قد تظن أن هذه المقالات السخيفة ما كانت لتتجاوز مجالسهم التحريرية، لكنها فعلت. بل وتعُرض في مساحات كبيرة جدًّا أحيانًا، كظهورها في صفحة كاملة في ذا نيويورك تايمز.

إذن، القول بأننا خسرنا 50 مليون دولار من البيتكوين كاذب، لأننا ببساطة لم نبع شيئًا. وحتى لو قبلنا هذا القول، فمن السخيف أن نستنتج منه أن اقتصادًا ينتج 28 مليار دولار في السنة سيفلس بسبب «خسارة» 0.2% في سنة واحدة، علمًا أن اقتصادنا نما في 2021 بنسبة 10.3%، أو 4 مليارات دولار. هذا حسب أرقام صندوق النقد الدولي!

وحتى لو قبلنا أن هذه الحجة السخيفة صحيحة، وهو ما يقتضي أن نتجاهل الرياضيات أو أسس المنطق، سترجع إلى سؤال بينك وبين نفسك، لمَ قد تكرّس شركات الإعلام العالمية كل هذا الوقت والمساحة لبلد صغير مثل السلفادور؟

هل كانوا يتحدثون عن السلفادور من قبل؟ هل اهتموا بما حدث في بلدنا؟ هل ذكروا الأموال التي سرقتها الحكومات السابقة من خزينة الحكومة، التي تقدَّر بـ37 مليار دولار؟

اسأل نفسك هذه الأسئلة: قبل بضع سنين، هل كنت تعرف أصلًا أين موقع السلفادور على الخريطة؟ هل كنت تعرف اسم رئيس السلفادور السابق؟ هل كنت تعرف سياساته الاقتصادية الفاشلة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة، والسخافة الفظيعة في إدعاء مئات المجلات المالية الجادة أن اقتصادًا ينتج 28 مليار دولارًا في السنة سيفلس من خسارة 50 مليون دولار، إن كانت خسارة أصلاً، دليل كافٍ على أنهم يحاولون خداعك.

في الواقع، دونك الأرقام الحقيقية، وهي معلومات عامة ويمكن أن تجدها وتتحقق منها بسهولة:

في 2021، صعد ناتجنا الإجمالي المحلي 10.3%، وازداد الدخل من السياحة بنسبة 52%، وازدادت العمالة 7%، والشركات الجديدة 12%، والصادرات 17%، وإنتاج الطاقة 19%، وصادرات الطاقة 3,291%، والعائدات الداخلية 37%، كل هذا دون أي زيادة في الضرائب. وفي هذا العام، انخفض معدل الجريمة والقتل أكثر من 95%.

هذه الأرقام حقيقية، حقائق لا يمكن أن تفسدها الأقاويل. الرقم الوحيد الذي يمكن أن تحرفه الأقاويل هو أسعار السندات الحكومية في سوقنا المالي، لأنها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الرواية الرسمية وتصنيفات وكالات الائتمان. هي تعتمد على “الحقيقة” أكثر مما تعتمد على الحقيقة.

لقد كرروا قولهم مرة بعد مرة، في مئات من المنشورات القائمة بذاتها، أننا لن نستطيع تسديد ديوننا وأننا متجهون نحو تخلف عن السداد. بل لقد صُنّفنا على أننا أكثر البلدان عرضة للتخلف في العالم. السلفادور وضعه خطر أكثر من أوكرانيا. نعم، بالضبط.

حتى نواجه هذه الرواية، فعلنا النقيض التام من التخلف عن سداد ديوننا؛ عرضنا التسديد قبل موعد الاستيفاء. لذلك سنشتري في هذا الشهر كل سنداتنا التي أصدرناها لعام 2023 و2025، إذا باعها أصحابها طبعًا، بسعر السوق.

لقد أخبروك أيضًا عن مظاهرات ضخمة ضد البيتكوين في السلفادور. في الحقيقة، كانت المظاهرات أبعد ما تكون عن الضخمة. بالإضافة، لم حصلت حكومتي على قبول بنسبة 85–90% حسب كل استفتاء جرى في العام الماضي، ومنها استفتاءات أجرتها المعارضة وعدة شركات استفتاء مستقلة عالمية. إذا كانت إدارتنا للأمور سيئة، فمن أين أتت هذه النسبة؟

بالمناسبة، ما هي نسبة قبول رئيسك؟

فإذا كنتَ من الفئتين الأوليين من الشاجبين، فرسالتي لك هي التالية: لا تخدعك أكاذيب النخبة، وانظر إلى الحقائق. بل الأفضل أن تأتي وتسأل الناس، وترى التغيرات بنفسك، وتمشي في الشوارع، وتذهب إلى الشواطئ وإلى البراكين، وتتنفس هواءنا العذب، وتشعر بمعنى الحرية، وترى كيف أن بلدًا من أفقر البلدان في القارة، كان عاصمة لجرائم القتل في العالم، يتغير اليوم سريعًا حتى يصبح أفضل مكان في العالم.

ثم اسأل نفسك، لماذا تعارض أقوى المؤسسات العالمية هذه التحولات؟ لماذا يهتمون أصلًا؟

رأيتها الآن؟ إن السبب وراء هذا هو أننا لا نحارب مجرد معارضة داخلية صغيرة، أو قطاع طرق قد تواجههم أي دولة، بل نحن نحارب النظام نفسه، من أجل مستقبل البشرية.

السلفادور هو بؤرة اعتماد البيتكوين، أي بؤرة اعتماد الحرية الاقتصادية، والسيادة المالية، ومقاومة الرقابة ونهب الثروات، ونهاية صُنّاع الملوك وطباعتهم للنقد، وبخسهم، ونهبهم ثروات الأغلبيات لصالح مجموعات المصالح والنخب والسادة، والذين يحرّكونهم من وراء الكواليس، كتحريك الدمى في المسارح.

إذا نجح السلفادور، ستتبعه بلدان كثيرة. إذا أخفق السلفادور بطريقة ما، لن يتبعه أحد. لكننا نرفض أن نخفق.

هم يعرفون هذا حق المعرفة، ولأجل ذلك يحاربونه.

هل ستلعب لعبتهم؟

أم ستعي اللعبة الحقيقية؟

Nayib Bukele

سياسي ورجل أعمال سلفادوري ورئيس السلفادور السادس والأربعون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى