البيتكوين ليس شديد البطء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

في كتاب بيتر ثيل، من الصفر إلى الواحد، يشرح الكاتب أثر التكنولوجيا الجديدة على بناء مستقبل غير صفري المجموع. ومع أن الكتاب يركّز على الأفراد والشركات، فإن البيتكوين من حيث هو نظام مالي هو القفزة التقانية العظمى من الصفر إلى الواحد. ليعطي أمثلة تاريخية، يذكر ثيل صعود المحرك البخاري والانتقال من آلات الكتابة إلى معالجات الحواسيب، وأمثلة أخرى. ويفصّل أيضًا رأيًا قائلًا إن الابتكار ركَد منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين، إذ أصبح التقدم منذ ذلك الوقت 1 إلى ن، لا 0 إلى 1. يصلح البيتكوين هذا. إن ابتكار البيتكوين ليس مجرد صفر إلى واحد، بل هو مستقل أساسًا عن نوع الابتكار الذي ركّز عليه ثيل في كتابه. البيتكوين بروتوكول مالي قائم على الندرة الرقمية، له أثرٌ سيكون أوسع من محركات البخار ومن معالجات الحاسوب.

يصلح البيتكوين هذا

في الإنترنت ميم جديد، مهما كانت المشكلة، يقول: يصلح البيتكوين هذا. الربح السلبي للدين؟ يصلح البيتكوين هذا. التفاوت في الثروة؟ يصلح البيتكوين هذا. الحرب العالمية التي لا تنتهي؟ يصلح البيتكوين هذا. الأزمات المالية؟ يصلح البيتكوين هذا. ثقافة الغضب؟ يصلح البيتكوين هذا. لسنا نعرف تمامًا كيف سيصلح كل ذلك، لكن الفكرة تبيينٌ للقوة الموازِنة للنظام المالي المستقر السليم، التي ستؤثر في كل جانب من المجتمع. المال وظيفة التنسيق في المجتمع. يسمح المال بتعاون ملايين الناس الذين لم يكن لهم لولاه أي سبيل إلى التعاون. والبيتكوين أداة تسمح بتنسيق أسلَم لأنه منيع على التلاعب وخالٍ من المجازفات الأخلاقية. يعمّم البيتكوين مسألة «1 إلى ن» (لا بالمعنى الجليّ الذي وصفه ثيل)، ولكن الحلول لتوسيع نطاق البيتكوين ستكون تراكميّة طبعًا. إن الفائدة غير صفرية المجموع التي تتبع ذلك قد لا تشفي حرفيًّا كلّ علّة في العالم، ولكن ابتكار تغيير صنَع شبكة ماليّة على شكل دالّة درَجيّة، مختلفٌ عن أي منتج لأن المال هو السلعة التي تنظم كل الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

«المشكلة تحديدًا هي كيف نوسّع نطاق استعمالنا للموارد توسيعًا يجعله أوسع من نطاق سيطرة أي عقلٍ مفرَد، ومن ثم، كيف نستغني عن الحاجة إلى السيطرة الواعية، وكيف نقدّم دوافع تجعل الأفراد مريدين لفعل المرغوبات من دون أن يضطر أحد إلى أن يأمرهم بذلك».

فردريك حايك،«استعمال المعرفة في المجتمع»

كتب حايك عن ابتكار المال وعن آلية السعر وسيلةً تتيح للمجتمع أن يتخلى عن الحاجة إلى «السيطرة الواعية» البيتكوين هو الخليفة الأعظم لهذه الآلية، وابتكاره الذي هو من صفر إلى واحد هو الندرة الرقمية، لا الدفع ولا سرعة التحويلات. ولئن كانت خصيصة الندرة في البيتكوين لم تزل محتاجة إلى اختبارات أخرى، فإنها مع ذلك إنجاز عميق هو الذي يجعل البيتكوين فريدًا. لم يكن قبل البيتكوين أي أصل، رقمي أو فيزيائي، له ندرة محدودة، إن النتيجة الأخيرة لهذا الابتكار هي إنشاء أصعب نوع من المال في التاريخ. هذا إنجاز صفر إلى واحد، وظاهرة لن تتكرر أبدًا، يقينًا.

كل مشكلة أخرى يحتاج البيتكوين إلى تجاوزها تافهة أمام مسألة الندرة. الدفعات الرقمية؟ إن الفكرة القائلة إن الذكاء الإنساني قادر على بناء ندرة رقمية ولكنه عاجز عن بناء طبقات فوقها لتقنيات الدفع فكرة متناقضة. تقنيات الدفع هي ابتكارات من شاكلة 1 إلى ن، ستبنى على أساس البيتكوين لتعمّم اعتماده. وليس الأمر أن الدفعات أسهلُ حلًّا وحسب، بل وأن مسألة حلّها ليست قضية أساسية يجب حلها اليوم. الاستعمال الرئيس اليوم للبيتكوين هو آليةً للادخار والتوفير، لا للدفع. مع الوقت، ومع ازدياد الاعتماد وبناء البنى التحتية، سيتطور البيتكوين إلى عملة أقرب إلى التحويلية، ولكن هذا العملية ستكون تدريجيًّا، لا فجأة. وإلى أن يحصل هذا الانتقال، سيبقى معتمدو البيتكوين يستعملون الأنظمة المالية القديمة وسكك الدفع.

ليست سكّة مدفوعات

لن تكون سلسلة كتل البيتكوين أبدًا طبقة للمدفوعات الكثيرة، ولكن هذه المسألة فيها مقدار كبير من الجدل. يعتقد كثيرون أن البيتكوين لن ينجح إلا إذا أصبح كالمتجر الذي يبيع كل شيء، فيجمع أدوار مُصدر العملة، وطبقة التسوية، وسكّة المدفوعات. ومع أن البيتكوين يفي بأوّل وظيفتين وفاءً حسَنًا (مُصدر عملة وطبقة تسوية)، فإنه قطعًا ليس سكّة مدفوعات. لعلّتي السرعة والتوسّع، يخفق البيتكوين في اختبار المدفوعات. والحل؟ لسنا محتاجين إلى شبكة البيتكوين لتكون سكّة مدفوعات.

كثير من اللَّبس في النقاش الفلسفي (لا التقني) آتٍ من فاتحة الورقة البيضاء: «نظام نقد إلكتروني من نظير إلى نظير». فسّر بعض الناس أن كونه من نظير إلى نظير يقتضي أنه يجب أن يستطيع معالجة كل تحويل في العالم بين أي نظيرين. ومن ناحية أخرى، يعتقد آخرون أن حوالات البيتكوين إذا لم تكن بسرعة حوالات فيزا وماستر كارد وتوسّعهما، فهي معيبة بنيويًّا. فعليًّا، يقول المشكّكون، إذا لم يحقق البيتكوين كلا هذين المعيارين، فقد أخفق في الوفاء بوعده. ولكنه، والحمد لله، لم يخفق.

ولأعطيك خلفية إضافية، اعلم أن كُتَل البيتكوين تُحَلّ الواحدة منها كل 10 دقائق بالمتوسط، ولكنها لا تُحلّ كل عشرة دقائق بالضبط في جدول ثابت. قد تنحلّ الكتلة التالية في دقيقة أو عشرين دقيقة أو ثلاثين ثانية أو 36 دقيقة. تعدّل الشبكة صعوبتها ليكون حلّ الكُتَل بالمتوسط كل 10 دقائق. كيف سيستطيع تاجر أو معالج تحويلات أن يعيش في عالم بهذا البطء وهذه الفوضى؟ أضف إلى ذلك أن كتل البيتكوين لها مساحة محدودة لاحتواء التحويلات. ومع أن سَعة الكتلة ليست محدودة بعدد التحويلات، فإن كل تحويل يستهلك مقدارًا محدودًا من مساحة الكتلة، ولأن سعة الكتلة محدودة، تحوي كل كتلة 2700 تحويل تقريبًا بالمتوسط. بتقدير فاصل 10 دقائق بين كل كتلة والتالية، لدينا 6 كتل في الساعة، و24 ساعة في اليوم، و365 يومًا في السنة، فتكون طاقة الشبكة تقريبًا 145 مليون تحويل في السنة، أي تقريبًا 4.6 تحويل في الثانية. أما فيزا مثلًا فتعالج 124 مليار تحويل في العام، بمعدل 4 آلاف تحويل في الثانية (انظر هنا).

كيف يكون البيتكوين محرّكًا من نظير إلى نظير يدعم نظامًا ماليًّا عالميًّا، إذا لم تكن طاقته ولا سرعته إلا جزءًا من ألف جزء من طاقة فيزا وسرعته؟ لم تزل الحقيقة دائمًا أن البيتكوين إذا كانت قيمته أكبر من الصفر، فإن النتيجة هي نظام قيّم جدًّا لا تستطيع أي طبقة أساسية معالجة كل الحوالات فيه من دون التخلي عن اللامركزية أو المناعة على الرقابة. من دون هذه الخصائص، لن يكون البيتكوين ابتكارًا من صفر إلى واحد، وسيتعطّل تابع قيمته. في النهاية، تقدم طبقة بروتوكول البيتكوين وظيفة إصدار المال والتسوية النهائية، ولكنها غير قادرة على تخزين كل شراء صغير، لكلّ أحد إلى آخر الزمن.

بل، إذا كان الحال هو الأخير، (أي إذا كانت قادرة على تسوية كل الشراءات الصغيرة)، فمعناه أن كل تحويلات الناس جميعًا، مهما كبرت أو صغرت، ستحفَظ وتحقَّق عند كل شخص على الأرض. من دون آلية لمواءمة مصالح المشتركين في الشبكة، تنشأ مأساة المشاع وتكون النتيجة نظامًا أقل أمانًا وخاضعًا للمركزية. بدلًا من ذلك، نقبل نظامًا يحدّ التحويلات في الطبقة الأساسية، وينقل بعض النواحي التحويلية في البيتكوين إلى طبقات مستقلة تتكامل مع البيتكوين. هذه التنازلات لا بد منها لحماية أساس نظام البيتكوين المالي (اللامركزية ← مقاومة الرقابة ← المعروض الثابت).

يستدلّ كثير من الناس بالنص الوارد في ورقة البيتكوين البيضاء التي أصدرها مؤسس البيتكوين مجهول الاسم، يستدلّون به على أن المقصود من البيتكوين كان تحقيق كل دفعة مالية ممكنة من كل نظير في الشبكة. فالنص يقول «نظير إلى نظير تمامًا». ولكن آلية الإجماع في البيتكوين أهم من أي شيء مكتوب في هذه الخلاصة (أو أي تفسير آخر). كل نقطة أساسية في البيتكوين مفروضة بإجماع المشتركين في الشبكة، ومن ذلك المعروض الثابت وسعة كل كتلة، وهذه الأخيرة هي التي تحدّ عدد التحويلات الذي تستطيع الشبكة معالجته. هذا هو الفرق الأساسي بين البيتكوين والنظام المالي القديم: السياسة المالية بالإجماع لا بالأمر والنهي. بنى مؤسس البيتكوين نظامًا أزال سلطة اتخاذ القرارات من أي جهة مركزية، وجعلها في يد حكمة إجماع السوق. إنه نظام مرن بما يكفي لُيعتمد ولكنه صارم بما يكفي ليكون كل تغيير فيه صعبًا. نتيجة لذلك، يجب على النظراء في الشبكة أن يقرروا، على أساس لا مركزي، كيف يمكن توسيع البيتكوين. إن آلية الإجماع هذه هي الطريقة التي يتخلّى بها البيتكوين عن «الوعي بالسلطة».

التنازلات الأمنية

كل شيء يكون بتنازلات. في البيتكوين، لدينا كأسان مقدّستان: معروض ثابت قيمته 21 مليونًا، ومنع العملة الواحدة من أن تصرَف مرّتين. إن قيمة البيتكوين آتية من قدرته على حماية هاتين الوظيفتين على أساس لامركزي لا حاجة فيه إلى الثقة، وكلاهما مرتبط بثبات سعة شبكة البيتكوين. فكّر في المساحة في كل كتلة بيتكوين كما تفكر في العقارات القيّمة. لا بد أن يتنافس كل المشتركين في السوق الذين يريدون تسوية حوالات البيتكوين ليحصلوا على حصّة من هذه المساحة. إن ندرة سعة الشبكة هي الطريقة التي يستمثل بها البيتكوين موارده المشتركة. أو، فكّر في الأمر على أنّه حلّ البيتكوين لمأساة المشاع. يضمن التنافس على هذا المورد النادر أن المورد يستعمَل استعمالًا فعّالًا وأن قيمته هي أعظم ما يكون. في النهاية، تجعل الندرة الفاعلين في السوق يتنافسوا، ويزايدون على قيمة سعة الشبكة، لئلّا يجرّوا على بقية الشبكة عوامل خارجية سلبية.

في سوق البيتكوين الحرة، تُجعَل الأولويّة لأقيَم الحوالات وأربحها. من دون ندرة سعة الحوالات، ستتعطل هذه الوظيفة. إن استمثال البيتكوين للحوالات الصغيرة أقلّ أهمّية من ذلك، ووجود الندرة أهمّ. لا يعرف أحدٌ على وجه التمام المقدار المثالي لسعة الحوالات في أي وقت من الزمان، لأن الطلب متغيّر دائمًا من جهة، ولأن الطلب متزايد بالعموم من جهة أخرى. أهم شيء أن تكون السعة معلومة ونادرة، وهو ما يتيح للفاعلين في السوق أن يخططوا، ثم أن يتنافسوا. لا يمكن استنفاد المشاعات أبدًا، بل يتنافس المشتركون فيها ويبتكرون ليكتشفوا أفضل الطرق لاستعمال أصل نادر. تضمن الندرة أن المشاعات لا يساء استخدامها، وتخلف معدل تطور يمكن توقعه لحجم سلسلة الكتل الكلي للبيتكوين، وهو ما يحمي الشبكة في النهاية ويزيد لامركزيتها.

كما ناقشنا في نسخة سابقة (انظر هنا)، يحمي المعدّنون شبكة البيتكوين بتسخير موارد طاقة من العالم الحقيقية ليُعملوا خوارزميات تشفير تحلّ كُتل البيتكوين. بحلّ الكتل، يحقق المعدّنون تاريخ البيتكوين ويسوّون آخر الحوالات ثم تحققها بقية الشبكة. بالمقابل، يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين. سخّر موارد لحماية الشبكة، تدفع لك الشبكة بعملتها. يكون التعويض الفعلي للمعدّنين على ضربين: البيتكوين الصادر جديدًا ورسوم الحوالات. لكي يسخّر المعدنون الموارد اليوم لحماية الشبكة، يجب أن يكونوا على ثقة أن التعويض الكلّي سيحافظ على قيمته في المستقبل.

تقريبًا، كل أربع سنوات، تنصَّف العملات الجديدة المدفوعة إلى المعدّنين (فيما يسمّى: التنصيف). اليوم، يحصل المعدّنون على 12.5 بيتكوين (جديدة) في كل كتلة. في ثمانية أشهر تقريبًا، عندما يأتي التنصيف الآتي (انظر هنا)، ستقل هذه القيمة إلى 6.25 في كل كتلة. وبعد أربع سنين تقريبًا من هذا، يصبح معدّل إصدار البيتكوين 3.125 في كل كتلة. ستستمرّ هذه العملية حتى نبلغ أصغر وحدة من البيتكوين (جزء من مئة مليون جزء)، ثم ينتهي إصدار البيتكوين. هذه هي وظيفة الإصدار التي تحكم معروض البيتكوين الثابت (21 مليون)، ولأنها وظيفة اشتقاقية، فإنها تنقل التعويض عن حماية الشبكة من البيتكوينات الصادرة جديدًا تدريجيًّا إلى الاعتماد على رسوم الحوالات.

ما علاقة هذا بفيزا وسعة الحوالات؟ لولا ندرة سعة الكتلة الواحدة، لن يكون عندنا آلية لخلق سوق رسوم حوالات. تنشئ الندرة في مساحة الكتلة تنافسًا بين المشتركين في السوق يجعلهم يزايدون على قيمة العقار ويستعملونه استعمالًا فعّالًا. من دون سوق رسوم، لن يكون عندنا آلية للدفع إلى المعدنين سوى تغيير السياسة المالية للبيتكوين وزيادة المعروض. ولكن تذكر أن الندرة في معروض البيتكوين الثابت هي أساس قيمة البيتكوين، التي عليها مدار الحديث كله. بخلق ندرة في قدرة الشبكة، نضمن أيضًا سلامة المعروض المالي الثابت، وهو الذي يخلق تابع القيمة الدوري. فإذا نظرنا في هذا الواقع، وجدنا أن الندرة خصيصة أهم بكثير من السرعة ومن سعة الشبكة بالنسبة للحوالات.

قدرة الشبكة المحدودة ← قدرة التحويل المحدودة ← سوق الرسوم ← معروض البيتكوين الثابت

ولأن المشكلة الحقيقية التي يريد البيتكوين حلّها هي مشكلة المال والتيسير الكمي العالمي (وليس مشكلة المدفوعات)، فإن الذين يخزنون ثروتهم في البيتكوين حماية معروض البيتكوين الثابت أحبّ إليهم من التضحية بسلامة الشبكة وموثوقيتها من أجل معدل إجراء الحوالات. باختصار، مستقبل البيتكوين آمَن بكثير في عالم يستطيع فيه كل المشتركين في السوق الاطمئنان إلى معروضه الثابت النادر، مع قبول معدل إجراء الحوالات الأخفَض والسرعة الأخفَض تنازلاتٍ لتحقيق ذلك. ما نفع ارتفاع معدل إجراء الحوالات ورفع السرعة إذا كانت القيمة التأسيسية التي تقوم عليها العملة في خطر؟ لقد تنازل النظام المالي الحالي فعلًا التنازلات المناقضة لذلك. ففي نظامنا الحالي معدل إجراء حوالات عالٍ وسرعة عالية جاءت بها المركزية على حساب أن البنية نفسها عرضة للبخس المالي النظامي. البيتكوين هو البديل، ولا حاجة لنا إلى تكرير الخطأ نفسه مرتين.

بيتكوين فيزا

في النهاية، ليس البيتكوين منافسًا لفيزا على التفوّق في المدفوعات العالمية. بل هو منافس للدولار واليورو والين والذهب، من حيث هو مال، وكل مقارنة بفيزا وقدرتها وسرعتها في التحويل، هي مقارنة معيبة في أصلها. حقّق البيتكوين دورَه مصدرًا للعملة وطبقةً للتسوية النهائية. نتيجة لذلك، فالمقارنة الصحيحة هي بين البيتكوين والاحتياطي الفدرالي، لأنه مصدِر عملة وله آلية تسوية. لم يخطئ أحد ويقارن وظائف فيزا بوظائف فدرالي نيويورك، ولكن لسبب ما، لطالما قورنت فيزا بالبيتكوين.

ولئن كان الأمر محتاجًا إلى وقت واستثمار، فإنه ممكنٌ أن تقوم شبكة مدفوعات فيزا على أساس شبكة البيتكوين لتحقيق المدفوعات، كما تقوم اليوم على أساس النظام المصرفي القائم. وإذا تحقق، تكون تسوية المعاملات فيه في شبكة البيتكوين لا في المصرف المركزي. في البنية الحالية، طبقة المدفوعات (فيزا) وطبقة التسوية (شبكة البنوك والمصارف المركزي) طبقتان مستقلتان ومختلفتان. المشكلة الأساسية التي يريد البيتكوين حلّها ليست مشكلة في طبقة المدفوعات، بل هي في آلية إصدار المال وتسوية المعاملات (فكر في الاحتياطي الفدرالي والتيسير الكمي). فيزا تساعد على نقل الدولار ولكنها ليست هي الدولار. إنما هي شركة تكنولوجيا تقدم خدمة، وفيها 17 ألف موظف. البيتكوين ليس فيها أي موظف.

سواءٌ بالائتمان أو بالاستقراض، فيزا نظام ائتماني قائم على الثقة في جوهره. ولئن كان المستهلكون يتعاملون بتمرير بطاقة فيزا (أو مكافئتها) في محل البيع ويرون أن هذا دفع، فالحقيقة أن الدفع لم ينته. الذي يحصل: يُنظَر إلى الميزانيات، وتُحقّق التحويلات، وتحدث التسوية بعد ذلك. الدولارات لا تسوّى في المصرف المركزي في نقطة البيع كل مرة يجري تحويل. أما الحوالات المفرَدة فلا تسوّى فعليًّا. لكن، تُجمَع الحوالات معًا، ويحسَب صافيها، ثم تسوّى لاحقًا، بعد ذلك يكون في الحسابات ميزانياتها الصحيحة. لذا، إذا حاول أحد أن يجعل الحوالة بالفيزا كالتسوية النهائية، فهو مخطئ. ومع ذلك، هذه هي المقارنة التي تجري عندما يحاول أحد مقارنة الفيزا بالبيتكوين.

البيتكوين أمام الاحتياطي الفدرالي

إذا قورن البيتكوين بمنافسيه حقًّا (الاحتياطي الفدرالي، وبنك أوروبا المركزي، وبنك اليابان، وغيرها)، بدأ يظهر بمظهر الفراري. تجري التسوية النهائية العالمية كل 10 دقائق، على مدار 24 ساعة في اليوم، 7أيام في الأسبوع، و365 يومًا في السنة، من دون الحاجة إلى إذن طرف ثالث. قارن هذا بالنظام المالي الترخيصي القائم، الذي تمرّ فيه الحوالة بطبقات من الوسطاء كالبنوك العادية والمركزية التي لا تفتح إلا في ساعات «العمل». هذا هو الخطأ الأكبر في البيتكوين. إن الذين يعتقدون أن البيتكوين بطيء جدًّا أو أنه قليل القدرة، يقارنونه بالتطبيق الخاطئ. يمكننا أن نقيم شبكة مصارف على شبكة البيتكوين وسيعمل نظام المدفوعات فيها كما يعمل اليوم.

الرادع عن هذه الفكرة هو خطر المركزية. إذا كان البيتكوين سيقعد في المصارف المركزية، فسيزيد هذا احتمال إجبار البيتكوين على أن يصبح جزءًا من المنظومة القائمة، وتقويضه على يد المصارف والمصارف المركزية، سواءٌ بإجبار تغييرات على إجماع الشبكة أو بالرقابة على المستخدمين. في النهاية، هذا هو سبب إخفاق الذهب من حيث هو وسيط مالي. كان الذهب معرّضًا للمركزية، وهو ما ولّد العملات الحكومية بعد ذلك، التي تبيّن بعد ذلك أن التلاعب بها سهل. ولئن كان بعيدًا أن يتوسع البيتكوين بهذه الطريقة (نرجو)، فإن مسألة المال ومسألة المدفوعات مسألتان مستقلّتان. السبب الأساسي هو أن لكل نقل قيمة جهتان: الجهة الأولى دائمًا فيها المال، والجهة الثانية فيها تقديم الخدمات والسلع. تساعد طبقات الدفع على توفير جسر.

بسبب طبيعة التجارة، تحدث جهتا نقل القيمة عمومًا وبالطبع، عن عمليات مختلفة وفي نقاط مختلفة من الزمن. فكر في تسوية العملة على الجهة الأولى ونقل ملكية المنزل أو السيارة على الجهة الأخرى. أو، الدفع لسلعة على أمازون وتقديم تلك السلعة بعد يومين. عمليتان مختلفتان، تجري كل واحدة في وقت مختلف. ومن المهمّ أن ندرك أن البيتكوين لا علم له بالعالم الخارجي، سواءٌ بالهويات أو بالجهة الثانية من نقل القيمة، كل ما يعرفه البيتكوين هو كيف يصدر العملة وكيف يتحقق منها. هذه هي وظيفة كل نظام عملة أساسي، وهذه هي حدوده. تقدم طبقات المدفوعات جسرًا بين تسوية العملة (الاحتياطي الفدرالي أو البيتكوين)، وتقديم السلع والخدمات. حلّ الذهب مشكلة المدفوعات بالمركزية المصرفية، والدولار، والاحتياطي الفدرالي، ومعالجات المدفوعات الكبيرة كالفيزا. أما البيتكوين فالراجح أنه سيحل مسألة المدفوعات بآلية متفوّقة تقنيًّا، ولكن أمامنا وقت لنحل هذه المشكلة التي هي مستقلة عن مشكلة المال.

توسيع البيتكوين من 1 إلى ن

إذا حللنا مشكلة المال بالندرة الرقمية أوّلًا (0 إلى 1)، فإن التقدمات التقنية لتوسيع التحويلات ستحل مسألة المدفوعات التي هي مسألة 1 إلى ن. ليس منطقيًّا أن نظن أن الذكاء الإنساني يستطيع حل المسألة الأولى ثم يخفق في حل الثانية. المسألة ليست مسألة أمَلٍ وإيمان، بل هي مسألة عقل ومنطق، بالنظر إلى التقدمات في حلول التوسيع التي يُسعى فيها الآن وإلى حجم التحديات أمام حجم المشكلة التي حلها البيتكوين. الابتكارات التي لا تحتاج ترخيصًا، والدوافع الاقتصادية الجوهرية في البيتكوين، ستنظم وتسرّع حلول أي تحدٍّ يظهر في المستقبل. عند المشتركين في السوق دافع لزيادة قيمة الشبكة وللابتكار لتوسيعها، ولكن الحلول يجب أن تعمل في داخل إجماع الشبكة، أو أن تجمع إجماعًا كافيًا لتغيير قوانينها.

بسبب طبيعة الدوافع الاقتصادية في البيتكوين، ستعمل حلول التوسيع (على الأرجح) في قوانين الإجماع الموجودة أصلًا. من أمثلة هذا التقدم لتوسيع البيتكوين داخل إجماع الشبكة: الشبكة البرقية. تبني الشبكة البرقية على أساس البيتكوين طبقةً لا تحتاج إلّا إلى أقلّ الثقة لتوسيع القدرة التحويلية، وهي طبقة لم تزل مستقلة تمامًا عن إشباع المدفوعات. ولكن، إذا نجحت شبكة البرق ستستعمَل لإنشاء قنوات دفع في البيتكوين تتيح معدّل حوالات أكبر بكثير بتكاليف أصغر بكثير، بسرعة وسعة تضاهي فيزا. قد لا تكون شبكة البرق هي الحل النهائي، ولكنها مثالٌ على ابتكار تبنّاه البيتكوين. الشبكة البرقية كذلك واحدة من حلول كثيرة تطوَّر اليوم، وسيقودنا التنافس إلى أفضل الحلول، التي قد يكون منها جمعٌ لأكثر من حل واحد.

إن عملية توسيع البيتكوين عملية بطيئة ومحافظة. البيتكوين أهمّ من أن يتبع شعار وادي السليكون «تحرّك بسرعة وكسّر الأشياء». لكنه يتحرك ببطء ولا يكسر أي شيء. إذا بُني نظام مالي عالمي على نظام مالي لا مركزي، فلا بد من حماية الأساس مهما كلّف الأمر. اضمن أمان الطبقة المالية الأساسية (البيتكوين) أوّلًا، ثم أتح للمستخدمين أن يبتكروا فيه من دون إذن أحد. تذكّر أن البيتكوين لم يزل ابن عشرة أعوام، وأننا لم نزل في بداية حدث تموّل البيتكوين، وأن بنيته التحتية لم تزل تبنى لتتيح انتشار التقنية الجديدة.

إنه من التفاهة بمكان أن يتبصّر المرء في المشكلة التي حلّها البيتكوين ثم يذهب مباشرة إلى التفكير في «لمَ لا نستطيع إجراء حوالات كثيرة اليوم». لا سيما بالنظر إلى أن البيتكوين، في وظيفة التسوية، أسرَع وأوثق من الآليات العالمية لتسوية الدولار واليورو والين والذهب. ثم، إذا فهم المرء أن الاستعمال الأساسي للبيتكوين اليوم هو أنه آلية توفير على المدى الطويل (ليس لتحقيق المدفوعات)، تبيّن له أن المشكلة لم يسَأ تشخيصها وحسبُ، بل وأننا قادرون على انتظار الحلول المرغوبة. سنحتاج إلى القدرة على إجراء المدفوعات في المستقبل، ولكن أمامنا وقت لنصل إلى هنالك. إلى ذلك الوقت، سنبقى جامعين للمجد من أطرافه.

Tagged : / /

البيتكوين لا يهدر الطاقة

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

كم مرّة استمعت إلى تعليمات السلامة قبل أن تقلع في طيارة تجارية عادية؟ الراجح أنك تحفظ هذه التعليمات عن ظهر قلب، ولكن، في كل مرة، قبل إقلاع الطائرة، تتلو مضيفات الطيران على المسافرين مع أطفالهم أن يضعوا قناع الأكسجين أوّلًا ثم الاهتمام بالأطفال. بديهيًّا، هذا أمر يخالف الحدس. منطقيًّا، إنه أكثر أمر مقنِع في العالم. تأكّد أنّك تتنفّس، لكي يتنفّس الولد المعتمد عليك أيضًا. هذا المبدأ نفسه ينطبق على وظيفة التعاون في المال في اقتصاد ما، وعلى الموارد اللازمة لحماية هذه الوظيفة. في تنبيه فلسفي أكثر، قد تقول مضيفة الطيران: «تأكّدوا رجاءً أن معروض المال آمن لكي نستطيع أن ننظّم نشاط ملايين الناس حول العالم ليبنوا هذه الطائرات شديدة التعقيد التي لولا هي ما استطعتم أصلًا التفكير في المشكلة التي سأبيّنها لكم الآن».

سنعود إلى هذا، ولكن، اعلم أنه لا أمل أن تفهم مقدار الطاقة الذي يستهلكه البيتكوين قبل أن تقدّر الدور الأساسي الذي يلعبه المال في تنظيم النشاط الاقتصادي. ما هو المال؟ كيف يعمل؟ كيف ينبغي أن يعمل؟ ما وظيفته في المجتمع؟ إذا لم تجد إجابات لهذه الأسئلة، لن تدرك ثقل المشكلة التي يريد البيتكوين حلّها. ومن دون إدراك المشكلة، لن تقدّر أبدًا تكلفة حلّها.

أي عدد من الناظرين المكترثين سيرفعون الراية الحمراء إذا رأوا مقدار الطاقة الذي تستهلكه شبكة البيتكوين. يأتي هذا القلق من فكرة أن الطاقة المستهلكة في شبكة البيتكوين يمكن أن تستهلَك في أشياء منتجة أكثر، أو أن استهلاك كل هذه الطاقة هكذا يضرّ البيئة. كلا الرأيين يتجاهل الأهمية الأساسية لاستهلاك الطاقة في شبكة البيتكوين. على المدى الطويل، لعلّنا لن نجد استهلاكًا للطاقة أعظم أو أهم من استهلاكها لحماية تماسك شبكة مالية، في هذه الحالة، شبكة البيتكوين. ولكن، لن يوقف هذا الذين لا يفهمون المشكلة، سيستمرّ قلقهم.

«إن الطبيعة الهدّارة الجوهرية في تعدين البيتكوين تعني أنه ما من حلٍّ تقنيّ سهل قادم». 

ذا غارديان

«في سياق التغير المناخي، وحرائق الغابات الهائجة، والأعاصير المحطمة للأرقام القياسية، يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا أسئلة صعبة عن أثر البيتكوين على البيئة». 

فايس ميديا

استهلاك البيتكوين للطاقة

أوّلًا، يحمي البيتكوين شبكة لا مركزية من العقد (وهي حواسيب تشغّل بروتوكول البيتكوين). هذه العقد الاقتصادية في الشبكة تولّد التحويلات وتحققها وتمررها، وتحقق بعد ذلك الكُتَل (وهي مجموعة مسلسلة زمنيًّا من الحوالات)، وتمرّرها. تقوم عُقَد التعدين بوظائف مشابهة ولكنها تقوم أيضًا بوظيفة برهان العمل، لتوليد الكتل وحلّها ونقلها إلى بقية الشبكة. بالقيام بهذا العمل، يتثبّت المعدّنون من تاريخ البيتكوين وقومون بوظيفة “التسوية” للحوالات الجارية، التي تمرّ بعد ذلك على كل العقد لتتثبت منها أيضًا. الأمر أشبَه بتسوية الحوالات في فدراليّ نيويورك ولكن على أساس لامركزيّ تمامًا، يجري كل عشر دقائق (بالمتوسط).

يتطلب العمل هذا كميات كبيرة من الطاقة للمعالجة، يقدّمها المعدّنون من شتّى أنحاء العالم، لتعمل الشبكة 24 ساعة في اليوم، و7 أيام في الأسبوع. قوة المعالجة هذه محتاجة إلى الطاقة. ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 75 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). بناءً على المتوسطات في الولايات المتحدة، تستهلك شبكة البيتكوين قريبًا ممّا يستهلكه 6 ملايين منزل. نعم، لا شك أن هذه كهرباء كثيرة، ولكنها هي التي تحمي شبكة البيتكوين وتدعمها.

معدل الهاش في الثانية على شبكة البيتكوين

كيف يمكن تبرير كل هذه الطاقة؟ وماذا ستستهلك الشبكة إذا أصبح مستخدموها مليار إنسان؟ الدولار ممتاز وكافٍ، أليس كذلك؟ هذه هي القضية، ليس الدولار كافيًا ولا جيّدًا. هذه الموارد كلها مسخّرة لحل مشكلة لا يفهم معظم الناس أنها موجودة، وهو ما يجعل تبرير التكلفة الاشتقاقية تحدّيًا. لكي نخفف آلام البيئيين ومناضلي العدالة الاجتماعية، نشير عادة إلى قصص مشابهة لنجعل الأمر سائغًا أكثر: 

  • قسم كبير من استهلاك الطاقة في شبكة البيتكوين مولّد من مصادر متجددة.
  • سيحفّز البيتكوين الابتكار في تطوير تقنيات وموارد طاقة متجددة.
  • البيتكوين يستهلك طاقة لولاه لكانت مهدورة، بل تُحرق في الجو.
  • البيتكوين يستهلك الطاقة التي تقدمها السوق الحرة وبسعر السوق الحرة.
  • البيتكوين يستهلك موارد طاقة لم تكن لتكون نافعة من دونه.
  • إن طبيعة طلب البيتكوين للطاقة ستحسّن فعالية شبكات الكهرباء.

ستريك هذه الاعتبارات أن الرأي البسيط القائل بأن استهلاك البيتكوين للطاقة هادر أو مضرّ للبيئة، رأي لا يصمد أمام الفحص. ولكن، من دون تقدير عِظَم المشكلة المالية التي يريد البيتكوين حلّها، لن يمكن تبرير هذه الكلفة الحدّيّة. يقدّم البيتكوين حلًّا للمشكلات النظاميّة الموجودة في نظامنا المالي القديم، وهو يعتمد على استهلاك الطاقة ليعمل. يعتمد الاستقرار المالي على وظيفة المال، ويقدّم البيتكوين إطارًا ماليًّا سليمًا أكثر، لذلك، ما من استخدام للطاقة هو أهمّ على المدى الطويل من استهلاكها لحماية شبكة البيتكوين. لذا، بدلَ التوسّع في كل النقاط المذكورة أعلاه لمواجهة السردية السائدة، لن تجد مكانًا أفضل للتركيز من مشكلة المبدأ الأول نفسها: مشكلة المال والتيسير الكمّي، انظر هنا.

وظيفة المال

إن مشكلة المال مشكلة عظيمة، ولو أن معظم الناس لا يدركونها. يشعر معظم الناس بالمشكلة في حيواتهم اليومية ولكنهم يعجزون عن تحديد السبب الأصلي. يعملون أكثر، وساعات أطوَل، ويستدينون، ولا تكون معيشتهم بعد ذلك إلا بالتكاليف. لا بدّ من طريق أفضل، ولكن لكي نعرف الحل، لا بد في الأول أن نفهم المشكلة. المشكلة الموجودة في أموالنا وأثرها على مجتمعنا متفشّية.

من دون أن نغوص في تفاصيل تعريف المال (اقرأ لذلك كتاب معيار البيتكوين أو مقال نيك زابو تقبيض)، سنفصّل وظيفته في المجتمع، وهي قضية أسهل شرحًا. المال هو السلعة التي تسهّل التنسيق الاقتصادي بين الأفراد الذين لا سبيل لهم إلى التنسيق من دونها. بعبارة بسيطة، المال هو السلعة التي تجعل المجتمع يعمل، وتسمح لنا جمع رؤوس الأموال لنجعل حياتنا أفضل، وهي سلعة تتخذ أشكالًا عديدة بتعدد الشعوب. يُقال إن المال هو أصل الشرور، ولكن فردريك حايك يفصّل في كتابه: الطريق إلى الرِّقّ، أن المال عميل من عملاء الحرية.

«المال واحد من أعظم أدوات الحرّية التي اخترعها ابن آدم».

فردريك الحايك، الطريق إلى الرِّقّ

فإذا أردنا التحديد، قلنا إن المال هو السلعة التي تتيح التخصص وتقسيم العمل. تتيح هذه السلعة للناس أن يتبعوا مصالحهم، وهي الطريقة التي يعبّر بها الأفراد عن تفضيلاتهم للعالم، سواءٌ في الجد أو في الراحة، وهي التي تصنع لنا «مجال الاختيار» الذي نظنّه أمرًا طبيعيًّا. إن اقتصادنا الحديث قائم على أساس من الحرّيّة يقدّمه المال، ولكن النتيجة النهائية التي نراها: نظام معقد جدًّا ومتخصص.

لتبسيط المفهوم، يشرح ملتون فريدمان تعقيد قلم الرصاص (انظر هنا)، ويفصّل كيف أنه ما من أحدٍ مستطيعٍ بنفسه صنعَ قلم رصاص معياري. يفصّل فريدمان الخشب اللازم، والمنشرة اللازمة لتقطيعه، والصلب اللازم لصنع المنشرة، والحديد الخام اللازم لصناعة الصلب، والرصاص، والمطاط للممحاة، والحلقة النحاسية، والطلاء الأصفر، والصمغ، إلخ. ثم يشرح كيف أن قلم رصاص واحدًا يتطلب تنسيق آلاف الناس وتعاونهم، ومنهم أناس لا يتحدثون اللغة ذاتها، ومنهم ناس من أديان مختلفة، ومنهم ناس قد يكره بعضهم بعضًا إذا التقوا يومًا وجهًا لوجه. ويشرح أن القدرة على التنسيق تابعة لنظام السعر والسلعة الاقتصادية التي نسميها المال.

بتجريد القلم، فكّر الآن في تعقيد الاقتصاد الحديث. من السيارات إلى الطائرات إلى الإنترنت إلى الجوالات، حتى إلى البقّاليّة التي في حيّك. إن سلاسل الإمداد الحديثة متخصصة جدًّا إلى حدّ أنها تتطلب التنسيق بين ملايين البشر لتقديم واحدة من هذه الخدمات الأساسية. هذا التجميع لكل هذا النشاط الذي يوقّد التجارة العالمية ممكن بفضل المال.

مثال حيّ: فنزويلا

تقدّم فنزويلا مثالًا حيًّا على المستويين الأكبر والأصغر لأهمية دور المال في التنسيق الاقتصادي، وهي مثال على الفساد الذي يحلّ في المجتمع عند فشل السلعة المالية. فنزويلا بلد من أغنى الدول بالنفط في العالم، ولكن بخس العملة فيها أدّى شيئًا فشيئًا إلى التضخم المفرط. مع تدهور عملة البلد، تعطلت الوظائف الاقتصادية الأساسية في البلد إلى درجة أن الوصول إلى الغذاء في البقاليات، أو إلى الرعاية الصحية الأساسية، لم يعد أمرًا مفروغًا منه. إنها أزمة إنسانية بامتياز، وفي جذورها إنما هي نتيجة لفقدان فنزويلا للعملة المستقرة اللازمة لتنسيق النشاط الاقتصادي وتسهيل إنتاج السلع التي تحتاج إلى متاجرتها مع الاقتصاد العالمي.

ما علاقة هذا بالبيتكوين واستهلاك الطاقة؟ لأن فنزويلا بلد غني بالطاقة، لم يزل النفط أهم سلعة يصدرها، أو بالأحرى، السلعة التي لا بد أن ينتجها ليستطيع التجارة. وعلى أن فنزويلا من أغنى بلدان العالم بالطاقة، فإن إنتاج النفط فيها منحدر.

هبوط انتاج النفط في فنزويلا إلى أدنى مستوياته

لا تستطيع فنزويلا استيراد التقانة اللازمة أو تنسيق الموارد اللازمة لاستخراج عملته التجارية الأولية (النفط). أدّى هذا الحال إلى تدهور الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى إتلاف قدرته على إنتاج الكهرباء اللازمة لدعم شبكاتها الكهربائية، وهو ما سبب انقطاعات ممتدة في الكهرباء، تمنع وصول الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء العذب والرعاية الطبية.

إن ما يحدث في فنزويلا كارثي، وهو نتيجة التدهور الاقتصادي الذي جاء به التضخم المفرط. يشوّه البخس المالي آلية التسعير للعملة، وهو ما يسبب اختلالات في التوازنات الاقتصادية. فإذا تدهور التنسيق الاقتصادي، تتعطّل سلاسل الإمداد في انحدار مستمر في معروض السلع الحقيقية (كالغذاء على الرفوف وإنتاج النفط، وغير ذلك). مع تزايد إنتاج المال، تصبح السلع الحقيقية نادرة بالمقارنة مع معروض المال، وهو ما يؤدي إلى تعطل وظيفة المال الأساسية. يثبّط هذا الوضع الأفراد عن إمساك العملة لأن السلع الحقيقية تصبح أندَر وأندَر، فيتجهون إلى بيع العملة بأسرع ما يمكن، باحثين عن الضرورات الأساسية، وهو ما يزيد تضخم العملة. هذا هو التدهور الاقتصادي بالتلاعب المالي 101.

تطبيقات للعالم المتقدم

الآن، يجلس كثير من الناس في العالم المتقدم وينظرون إلى فنزويلا ويقولون في أنفسهم «مستحيلٌ أن يحدث هذا هنا»، ولكنهم بهذا يتجاهلون كل المبادئ الأولى. سواءٌ أكنت تفهم هذا الأمر أم لا، فإن بنية السوق للبوليفار الفنزويلي والبيسو الأرجنتيني لا فرق بينها وبين بنية الدولار أو اليورو أو الين. الاحتياطي الفدرالي، وبنك أوروبا المركزي، وبنك اليابان، قد تكون هذه البنوك أفضل في إدارة الاستقرار (إلى الآن)، ولكنها لا تستطيع تغيير الحقيقة القاضية بأن عمادات كل أنظمة العملات الرقمية متطابقة.

التيسير الكمي في الولايات المتحدة

لنذكر حال الولايات المتحدة مثلًا، لقد وسّع الاحتياطي الفدرالي قاعدته المالية من 180 مليار دولار عام 1984 إلى 4.2 تريليون دولار بعد التيسير الكمي الثالث، وهي زيادة بمقدار 23 ضعفًا. بسبب طبيعة اقتصاد الفدرالي القائمة على الائتمان، يحدث الإفساد الاقتصادي الناتج عن هذا البخس تدريجيًّا (انظر هنا) حتى تأتي الأزمة المالية التي تكون فجأة، ولم نزل اليوم جالسين على نفس الحافة، نتيجةً للتيسير الكمي. إذا كنت تعتقد أن العالم المتحضّر ليس في حالة مضطربة ولا هو قائم على القاعدة نفسها التي تقوم عليها فنزويلا، أودّ باحترام أن أشير لك إلى المريض رقم صفر: الاحتياطي الفدرالي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان. عادةً، يغفل الواثقون في هذه المؤسسات، عن المبادئ الأساسية والحس المشترك، ولكن تأمّل في الاقتباس المذكور أدناه من اقتصادي من الاحتياطي الفدرالي، قاله عقب الأزمة المالية عندما كان الفدرالي على مشارف إنشاء 3.6 تريليون دولار جديد، وهو جزء من سياسته في التيسير الكمي:

«إلى جانب ذلك، أريد أن أؤكد على أنني أرى أن الفجوات في فهمنا للاتصالات بين القطاع المالي والقطاع الحقيقي فجوات عميقة». 

ديفيد ولكوكس، اقتصادي من الفدرالي (أغسطس 2011)

تدلّنا نظرة منصفة إلى التاريخ على فساد طبع الذين يوضَعون على رأس إدارة اقتصاداتنا فيسبتدّون بها بالأمر المركزي. فمع اعترافهم بالفجوات العميقة في قدرتهم على فهم مقتضيات الأفعال التي يفعلونها على الاقتصاد الحقيقي، ما كان جوابهم إلا الاستمرار في الطريق نفسه (ولكن بطريقة أكبر)، وهم يتوقعون مع هذا نتيجة مختلفة، إنه تعريف الجنون. الآن، ونحن نواجه عواقب ردهم على الأزمة، أمامنا خيار بين نقيضين عظيمين. أ) عملة مخططة مركزية مصممة لتخسر القيمة مع الوقت، أو ب) عملة لا مركزية معروضها محدود. هذه الأخيرة لها تكاليف هي استهلاك الطاقة، ولكن النتيجة الأخيرة هي الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستقرار الاقتصادي باستهلاك الطاقة

إن الاستقرار الاقتصادي المستقبلي هو السبب الذي يجعلني أقول إنه ما من استهلاك للطاقة أهم من حماية نظام البيتكوين المالي، لا سيما ونحن نعرف أن البدائل (العملات الحكومية والذهب) معيبة في جوهرها. إذا انتظرنا إلى أن نرى علامات التضخم المفرط، فقد خسرنا. ولكن فنزويلا ليست مجرد مثال لما يحدث عندما يصبح التضخم مفرطًا، بل هي مثال حي عن أهمية إنتاج الطاقة في المجتمع الفاعل. إن بعض المدخلات الطاقية أمر لا بد منه لكل شيء نستهلكه في حياتنا اليومية. تنسيق هذه المدخلات الطاقية معتمد على وثوقية المال الذي نستخدمه واستقراره.

تجاهل قهوتك الصباحية وفكر دقيقةً واحدة في الأساسيات: الماء العذب، المنظفات، الطعام، الدواء، والرعاية الطبية الأساسية، وغير ذلك. إن تنسيق الموارد اللازم لتقديم هذه الخدمات الأساسية معتمد على وجود نظام مالي فاعل. عندما يتعطل نظام مالي، يضمحل معه التنسيق الاجتماعي وحتى النسيج الاجتماعي. إذا كان أساس كل التجارة هو الطاقة، وإذا كنا نحتاج إلى المال لننظم التجارة، فإن أعلى وأفصل استعمال لهذه الطاقة ينبغي أن يكون لحماية النظام المالي. ضع قناع الأكسجين أوّلًا ثم انظر إلى أتباعك. احمِ أساس التجارة أوّلًا ثم ركّز على كل ما يشتقّ منها.

كل شكوى من مقدار الطاقة التي يستهلكها البيتكوين أو سوف يستهلكها، إنما هي تشتيت عن أصل الموضوع. ليس الأمر أنّ علينا التضحية بالكهرباء التي تصل إلى البيوت، بل أننا لن نجد كهرباء تصل إلى البيوت إذا لم يكن عندنا نظام مالي موثوق لتنسيق النشاطات الاقتصادية والموارد المجتمعة. عمليًّا، لن ينافس البيتكوين على مصادر الطاقة نفسها التي تدعم الوظائف الأساسية الإنتاجية والاستهلاكية لاقتصادنا (ليست مسألة مجموع صفري)، بل إن وظيفة البيتكوين من حيث هو نظام عملة ستضمن أن هذه الاحتياجات للطاقة ستبقى مشبَعة.

السيّئ، هو أن تنهار دول أكثر إلى الكارثة الاقتصادية والإنسانية التي في فنزويلا، حيث لا يمكن تقديم الرعاية الطبية الأساسية ولا الخدمات الإنسانية تقديمًا موثوقًا. وليس هذا الشرح لتقديم نظرة دراكونية أو ديستوبية للمستقبل، بل هو لتبيين أهمية النظام المالي والوظيفة الطاقية، وارتباطهما في اقتاصدات معقدة عالية التخصص.

«إذا كان يمنع حالة واحدة من التضخم المفرط كالتي في فنزويلا فهو (أي استهلاك البيتكوين للطاقة) أفضل صفقة حصلت عليها الإنسانية في التاريخ».

سيف الدين عموص, أبحاث معيار البيتكوين

يقدم البيتكوين خيارًا احتياطيًّا بديلًا عن البنية الحالية للنظام المالي الذي سيصبح قريبًا محرّكه الأساسي. وحتى إذا صرفنا النظر عن الأخطار النظامية التي تتفشى في نظامنا المالي، فإن البيتكوين نظام مالي أسلَم من الأساس. وهو محمي بإنتاج الطاقة واستهلاكها. ليس عليك أن تؤمن أن مصير الدولار هو مصير البوليفار لتفهم أهمية التفاعل بين استقرار الوظيفة المالية وإنتاج مصادر الطاقة التي توفر الضرورات الاقتصادية الأساسية. أضف أن الخطر الجوهري الموجود في مجرد احتمال التضخم المفرط سلبيٌّ جدًّا إلى درجة أنه يجعل ثمن استهلاك البيتكوين للطاقة صغيرًا نسبيًّا.

سيستهلك البيتكوين كل الموارد الطاقية اللازمة لحماية شبكته المالية، وهذا الاستهلاك مدفوعٌ جوهريًّا بالطلب المتزايد على إمساكه عملةً في المحافظ. كلما قدّر مزيد ن الناس الاستقرار طويل المدى الذي يقدّمه البيتكوين، زادت الطاقة التي سيستهلكها. في النهاية، هذا الاستهلاك سيضمن أن كل مشتقّات استهلاك الطاقة ستبقى مشبعة، لذلك ما من استهلاك للطاقة أهم من استهلاكها لحماية شبكة البيتكوين. ضع سعرًا للاستقرار المالي والحرية الاقتصادية التي يقدمها النظام المالي، وهو التبرير الحقيقي لمقدار الطاقة التي ينبغي أن تستهلَك على البيتكوين، وسوف تستهلَك. كل شيء سوى ذلك تشتيت.

Tagged : / /