هجوم المضاربة – Pierre Rochard

المقال الأصلي لكاتبه Pierre Rochard | ترجمة: Arabic_hodlSB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

يتوجّس رافضو البيتكوين1 من أن البيتكوين لن يدخل الثقافة العامة. ويرددون ببهجة أن البيتكوين لن يعبر هوّة الابتكار.

  • إنه معقد جدًّا
  • ليس فيه بنية الحكم الصحيحة 2
  • تأمين حمايته صعب جدًّا
  • إن أنظمة الدفع الموجودة والمستقبلية بالمال الحكومي أفضل من البيتكوين
  • إنه متقلب جدًّا
  • ستحظره الحكومة
  • لن يُستطاع تعميمه

فيكون الرد على هذه الدعاوى من مجتمع البيتكوين على أحد وجهين، أولهما مناقشتها مناقشة لا انتهاء لها3، وثانيها تغلب الضعف والإنهزامية وابتذال4 أقوالًا من قبيل:

  • عملة البيتكوين غير مهمة، المهم تقنية سلسلة الكتل (البلوكتشين)
  • ينبغي أن تستعمل الحكومات والمصارف تقنية البلوكتشين
  • سيبقى البيتكوين نظامًا ضيقاً لأصحاب الفضول، فما هو إلا تجربة
  • سيتعايش البيتكوين والمال الحكومي جنباً إلى جنب في سعادة أبدية
  • البيتكوين في العملات الرقمية، مثل “ماي سبيس” في التواصل الاجتماعي

تستحق كل واحدة من هذه الأغاليط مقالة مخصوصة، على الأقل لتحليل الأنماط النفسية والاجتماعية لأصحابها الببغاوات.

نعم، بعض الانتقادات المذكورة أعلاه صحيحة، إلا أنها خادعة. لن يكون تبني عامة الناس للبيتكوين بدافع الحماس، بل سيُضطَرّون إليه اضطرارًا. اضطرارًا بمعنى «إجبارًا بالواقع الاقتصادي». سيُجبر الناس على الدفع بالبيتكوين، لا من أجل «التقنية» بل لأن أحدًا لن يقبل الدفع بالعملات الحكومية عديمة القيمة. فالمال الجيّد يطرد المال السيّئ، خلافًا للاعتقاد الشائع. بدأ هذا «الطرد» بنزفٍ خفيف في المال الحكومي. لكنه سيتسارع حثيثًا ليصبح نزفًا من الدرجة الرابعة بسبب هجمات المضاربة على الأموال الحكومية الضعيفة. سينتهي الأمر بالدفع إلى البَتْكَنة الفائقة، أو بعبارة اخرى: «نقــودك غير مقبـولة هنا».

قانون ثيير: المال الجيّد يطرد المال السيّئ

“عرف التاريخ عملات قوية جيدة طردت عملات ضعيفة سيئة. على مدى القرون الطويلة، سادت العملات القوية وأخرجت العملات الضعيفة من مجال التنافس العالمي. لم يسد استخدام عملات مثل الدريك الفارسي والتترادراخما الإغريقي والستاتير المقدوني والديناريوس الروماني في العالم القديم من ضعفٍ أو من سوء. ولم تصبح عملات المدائن الإيطالية الفلورين والداكوت والترتر «دولارات العالم القديم» لأنها عملات سيئة، بل كانت من أفضل العملات في التاريخ كله. لم يصبح الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر أو الدولار الأمريكي في القرن العشرين عملات سائدة بسبب الضعف. من صفات العملات العظيمة التي ربحت المنافسة العالمية المالية: الاتساق والاستقرار وعلوّ القيمة”

روبرت ماندل،«استعمالات قانون غريشام وانتهاكاته في تاريخ المال»

البيتكوين هو المال الجيد، بل هو المال الأفضل5. شبكة البيتكوين هي صاحبة السياسة المالية الأفضل6 والهوية الأفضل7. لذا يجب أن نتوقع أن البيتكوين سيطرد العملات الضعيفة السيئة8. فكيف سيصبح البيتكوين العملة السائدة؟ وأي العملات الحكومية ستسبق إلى الاضمحلال؟ هذه أسئلة معاصرة مهمة، لأن المقدمات الضرورية لهذه الأسئلة حقائق مثبتة.9

1. نزف المال الحكومي

نزعة البيتكوين الحالية أن تتزايد قيمته تزايدًا أسّيًّا مع دخول الناس فيها أفواجًا. المال الجيّد يطرد المال السيئ «ببطء». يدفع هذه النزعة دافعان:

  • نقص التفاوت في مصادر العلم – فالناس يتعلمون عن البيتكوين ويدركون أن البيتكوين حتمًا هو المال الأفضل، ومن دوافعه المحتملة:
    • اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط – تَوْثين المُحدَثات المدفوع بثقافتنا الاستهلاكية بعد الحرب أو بالعمليات البيولوجية الداخلية.
    • خوف فوات الفرصة، انظر نظرية الندم والمجموعات الداخلية أو بعبارة أخرى: الجشع وطلب المكانة.
    • اضطراب توتر ما بعد الإنترنت، أو بعبارة أخرى: «المجال الجديد»، و«الاختراع الكبير التالي»، و«إنترنت المال».
  • زيادة السيولة – شراء البيتكوين أسهل اليوم ورسومه أقل مما كانت قبل عام. يستطيع المرء أن يتوقع توقعًا معقولًا أن الأمر سيكون كذلك بعد عام بالقياس إلى اليوم. لماذا؟ لأن بيع البيتكوين عمل ربحي تنافسي. لماذا؟ لأن الناس يريدون البيتكوين، انظر أعلاه.

بسبب سايكولوجية الجماعة، يصل الناس إلى البيتكوين في موجات. هذه الدفعات تسبب اضطرابًا على سعر المقايضة: فالمضاربون لا يعرفون سعة موجة التبني ولا طولها، والهواة المقامرون يغرقون أنفسهم بالإثارة ثم بالخوف. ولكن، ما إن ينتهي المدّ وتخرَج الأيدي الضعيفة، يكون السعر قد ازداد عما كان قبل الموجة الأخيرة. هذا النزف «البطيء» هو نموذج التبني الحالي، ويفترض المعلّقون عمومًا واحدًا من التالي:

  • لم يحدث النزف البطيء أصلًا، وما هو إلا خيال قائم على معلومات مغلوطة.
  • لقد توقف النزف البطيء، والدوافع المذكورة أعلاه لا تؤثر إلا في «مبتذلة اللبرتاريين» والمراهقين الغاضبين.
  • ستنخفض شدة العملية في المستقبل، لأن كل البارعون في الأمور التقنية انضمّوا إلى البيتكوين

أمّا توقعي أنا فهو أن النزف البطيء في تسارع وأنه الخطوة الأولى فحسب. أما الخطوة الثانية فهي هجمات المضاربة التي تتخذ البيتكوين منصة لها. أما المرحلة الثالثة الأخيرة، فهي البتكنة الفائقة.

2. أزمة العملة

“لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البيتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع”

ساتوشي ناكاموتو 1/17/2009

يؤدي النزف البطيء إلى أزمة العملة مع ترسّخ القيمة المتوقعة للبيتكوين في عقول الناس. في أول الأمر يكونون محافظين، فيستثمرون «ما يطيقون خسارته». بعد 12-18 شهرًا، تزيد قيمة رصيدهم الصغير زيادة كبيرة. ولا يرون سببًا يقنعهم بأن النزعة العامة ستنعكس: الأساسات تتحسن والتبني يبقى قليلًا. تزيد ثقتهم. ويشترون مزيدًا من البيتكوين. ويسوّغون هذا: «لا بأس، ما هي إلا [1-5%] من استثماراتي». ثم يرون انهيارًا في السعر عدة مرات، بسبب انفجار الفقاعات أو بسبب البيع من خوف – فيحثّهم هذا على شراء المزيد، «خصم كبير». ويتنامى البيتكوين على جهة الأصول في ورقة ميزانيتهم.

أما في جهة المطلوبات فتكتَب الرهون العقارية وقروض الطلاب والسيارات وبطاقات الائتمان، وغير ذلك. يحذّر الناس من الاستدانة لشراء البيتكوين. لكن الحقيقة أن هذا المال يمكن استعادته: إذا اشتريت عملات بيتكوين بدلًا من الدفع لتقليل رهنك العقاري، فأنت مستثمر بيتكوين مستخدم للرافعة. تقريبًا كل الناس مستثمرو بيتكوين مستخدمون للرافعة، لأن الأمر منطقي من الجهة الاقتصادية. إن ثمن الاستدانة (الفوائد السنوية بين 0% و25%) أقلّ من العائد المتوقع من امتلاك البيتكوين.

أما مقدار الرفع في ورقة الموازنة فيعتمد على النسبة بين الأصول والمطلوبات. ويزيد إغراء الرفع إذا كان صاحب المال يعتقد أن المطلوبات بالمال الحكومي ستنقص قيمتها الحقيقية، إذا كان التضخم أكبر من نسبة الربح التي يدفعونها. عندئذ لا يحتاج الأمر إلى تفكير، يستدين الناس بالعملات الضعيفة المحلية ويقبلون أي ضمان للتغطية، ثم يستثمرون في العملة العالمية القوية، ويدفعون قروضهم من عوائد هذا الاستثمار. في هذه العملية، تنتج المصارف المزيد من العملة الضعيفة، فتضخم المشكلة.

إن أثر شراء الناس والشركات والمؤسسات المالية للبيتكوين باقتراض العملة المحلية هو ازدياد سعر البيتكوين بهذه العملة نسبة إلى بقية العملات. للتبيين، فلنقل إن الطبقة الوسطى في الهند اتجهت إلى البيتكوين. وتحول آلاف المشترين إلى مئات آلاف. ولنقل إنهم اقترضوا روبيات هندية بأي ضمانة يملكونها – من بيوت أو شركات أو حليّ ذهبية أو غيرها. ثم اشتروا بالروبيات بيتكوينات. سيزيد سعر البيتكوين مقابل الروبية الهندية، ويتشكل فرق بينه وبين سعر البيتكوين مقابل العملات الأخرى. قد يكون سعر البيتكوين الواحد في الهند 600$ وفي الولايات المتحدة 500$. عندها يشتري تجّار الولايات المتحدة عملات بيتكوين ويبيعونها للهند ليربحوا 100$. سيبيع الهنود روبياتهم ويشترون بها دولارات. سيضعف هذا الروبية الهندية، ويشكل تضخمًا في الواردات وخسارة للمستثمرين الأجانب. عندها إما أن يرفع المصرف الهندي المركزي نسبة الفوائد ليكسر الدورة، أو أن يفرض ضوابط رأس المال أو أن يستهلك احتياطي النقد الأجنبي في محاولة لرفع سعر الروبية. من هذه الحلول، لا يمكن الحفاظ إلا على رفع نسبة الفوائد، ولكن هذا من شأنه التسبب في ركود اقتصادي.

هذا ويمثل رفع البنك المركزي الهندي لنسبة الفوائد مشكلةٌ ضخمة، لأن العوائد التاريخية للبيتكوين بلغت نحو 500% في السنة. فحتى إذا توقع المستثمرون عُشر هذه العوائد، لا بد أن يرفع المصرف نسبة الفوائد إلى مستويات غير معقولة ليصدّ الهجوم. والنتيجة واضحة: سيهرب كل الناس من الروبية ويتبنون البيتكوين، بسبب الضغط الاقتصادي لا بسبب الفهم التقني. وما هذا المثال إلا مثالًا توضيحيًّا، فقد يحدث الأمر في بلد صغير أولًا، أو قد يحدث في الوقت نفسه في كل أرجاء العالم. لا سبيل لنا إلى معرفة من سيستخدم أصوله وكيف سيفعل ذلك، لكن إذا تصدّع السدّ، فلا سبيل لإيقاف الماء.

أي البلدان أضعف أمام أزمات العملة؟ قدّم أحد المطلعين على الأعمال قائمة مفيدة هنا. قبل أن يمكن استعمال البيتكوين كأداة لهجمات المضاربة، لا بد أن يبلغ درجة معينة من السيولة، عبر منصات تبادل العملات راسخة في كل مركز مالي ومعروض مالي حقيقي لا يقل عن 50 مليار دولار (أي قيمة سوقية). إما أن يزامِن هذا أزمة العملة وإما ان يسببها.

3. البتكنة الفائقة

إن هجوم المضاربة الذي يبدو معزولًا ومقتصرًا على عدة عملات ضعيفة، سيسبب زيادة القوة الشرائية للبيتكوين زيادةً كبيرة، وسينتشر من ثمّ كالنار في الهشيم. فعلى سبيل المثال، قد يرى السويسريون أن سعر البيتكوين تضاعف عشرة أضعاف، ثم مئة ضعف. عند هذا الحد سيشترون عملات بيتكوين لأنهم يريدون أن يضاربوا على قيمتها، لا بسبب مشكلة حقيقية في الفرنك السويسري. تستلزم الانعكاسية هنا أن قلّة الطلب على الفرنك السويسري ستزيد التضخم فوق القيمة المتوقعة ومن ثم ستشكل مشكلة جوهرية في الفرنك السويسري. ستتكون حلقة بين تضخم العملات الحكومية وانكماش البيتكوين، وهو ما سيرمي بالعالم إلى البتكنة الفائقة، التي شرحها دانييل هنا.

خلاصة

سيسود استخدام البيتكوين. لا يفهم نقّاد البيتكوين10 هذا الأمر بسبب انحيازاتهم وقلة معرفتهم المالية. أوّلًا، هم يسكنون في غرفة صدى قوتها من قوة المتشككين بالبيتكوين. إنهم يبحثون بحثًا حثيثًا عن أدلة تؤكد رأيهم بالبيتكوين. ثانيًا، يسيئون فهم كيفية استحواذ العملات القوية كالبيتكوين على العملات الضعيفة كالدولار، وهو ما يحدث بهجمات المضاربة وأزمات العملة التي يسببها المستثمرون، لا بالتقدير الدقيق لصحفيي التقانة و«مستهلكي السائد». وعلى شرف هؤلاء النقّاد المشرفين على الانقراض، أطلقت مؤسسة ناكاموتو تحية للدعاوى العريضة.


1- لا، بجدية، هناك أشخاص على الإنترنت يقضون وقتا غير بسيط في الكتابة عن عملة يعتقدون أنها ستفشل ومع ذلك تستمر في النجاح بما يتجاوز توقعات أي شخص.

2- ويصرح بذلك بشكل عام الأشخاص ممن يتخيلون وجود “جماعة داخلية” ويحلمون بالإنضمام إليها من خلال السياسة بدلاً من العمليات القائمة على الجدارة

3- دخل البيتكوين مرحلة يعتقد فيها كل شخص جديد أن لديه فهم فريد للبيتكوين ويجب على الجميع أن يستمع اليه. هناك سيل لا نهاية له من المبتدئين “المعنيين” حول مشكلة كذا وكذا في البيتكوين. مجتمع البيتكوين يسيء إلى هؤلاء الجدد بأخذهم على محمل الجد بدلا من مجرد إخبارهم “اقرأ أكثر”

5- Bitcoin is the Best Unit of Account by Daniel Krawisz

6- The Bitcoin Central Bank’s Perfect Monetary Policy by Pierre Rochard

7- Bitcoin Has No Image Problem by Daniel Krawisz

8- Hyperbitcoinization by Daniel Krawisz

9- وإذا كنت لا توافق، فإما أنك لم تتعلم بعد أو أنك لم تشترك في المناقشة، عد إلى نقطة البداية

Tagged : / /

لماذا ليس البيتكوين هرم بونزي: نقطة بنقطة – Lyn Alden

المقال الأصلي على Swan Bitcoin، كاتبة المقال: Lyn Alden | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

من أهم التهَم التي رأيتها موجَّهة إلى البيتكوين، ادّعاء أنه هرم بونزي احتيالي. يدّعي أصحاب هذه التهمة أن شبكة البيتكوين معتمدة دائمًا على دخول ناس جديدين إليها، وأن نهايتها أن ينهار سعرها مع نفاد المشترين الجدد.

لذا، تلقي هذه المقالة نظرة جادة على هذا الادعاء وتقارن البيتكوين بأنظمة أخرى لها خصائص شبيهة بالبونزي، لنرى إذا كانت الدعوى صحيحة.

أما إذا أردتها من قصيرها: فالبيتكوين لا يوافق تعريف سلسلة البونزي لا في النطاق الضيق ولا العريض، ولكن فلنتعمق لنرى حقيقة الأمر

تعريف هرم بونزي

لا بد لنا أولًا من تعريف لنعالج موضوع البيتكوين وهرم البونزي.

دونكم تعريف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية:

«هرم بونزي هو احتيال استثماري تُدفَع فيه أموال المستثمرين الجدد إلى المستثمرين السابقين. يَعِد منظمو أهرام بونزي عادةً أن يستثمروا مالك ويأتوك بأرباح كبيرة بخطر قليل أو معدوم. ولكن في كثير من أهرام بونزي، لا يستثمر المحتالون المال. بل يستعملونه ليدفعوا للمستثمرين السابقين ويحتفظون ببعضه لهم.

تتطلب أهرام بونزي تدفقًا مستمرًّا من المال الجديد لتبقى، إذ يكاد لا يكون فيها أي ربح شرعي. عندما يصعب توظيف مستثمرين جدد، أو عندما تنسحب أعداد كبيرة من المستثمرين، تنهار هذه الأنظمة عادة.»

سميت أهرام بونزي على اسم تشارلز بونزي، الذي خدع المستثمرين في عشرينيات القرن العشرين بمخطط مضاربة للطوابع البريدية.

ثم تستمر الهيئة لتصف علامات تدل على أهرام بونزي:

«تشترك كثير من أهرام بونزي بخصائص مشتركة. ابحث عن هذه العلامات المحذّرة:

أرباح عالية وخطر قليل أو معدوم. في كل استثمار درجة معينة من الخطر، والاستثمارات التي تعيد أرباحًا أكثر يكون خطرها عادة أكبر. احذر حذرًا كبيرًا من أي فرصة استثمارية «مضمونة».

عوائد متسقة للغاية. من شأن الاستثمارات أن تصعد وتهبط مع الوقت. خذ حذرك من أي استثمار يأتي بعوائد إيجابية منتظمة بغض النظر عن أحوال السوق.

استثمارات غير مسجلة. تشمل أهرام بونزي عادة استثمارات غير مسجلة في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أو في دوائر الحكومة. التسجيل مهم لأنه يؤمن للمستثمرين الوصول إلى معلومات عن إدارة الشركة ومنتجاتها وخدماتها وتمويلها.

باعة غير مرخّصين. تفرض قوانين الحكومة الفدرالية والمحلية تسجيل العاملين في الاستثمار أو الترخيص لهم. تحتوي معظم أهرام بونزي أفرادًا غير مرخص لهم وشركات غير مسجلة.

مخططات سرية معقدة. تجنب الاستثمارات إذا كنت لا تفهمها أو لا تستطيع الوصول إلى معلومات كاملة عنها.

مشاكل في الأوراق. قد تدل الأخطاء في بيانات الحساب على أن الأموال لا تستثمَر كما ادُّعي.

صعوبة في تسلّم الأموال. احذر إذا كنت لا تستطيع تسلّم دفعة المال أو واجهت صعوبة في الانسحاب. يحاول أصحاب أهرام بونزي عادة أن يمنعوا المشتركين من الانسحاب بعرض عوائد أعلى مقابل البقاء».

أعتقد أن هذه مجموعة عظيمة من المعلومات لنبدأ التحليل. يمكننا الآن أن نرى كم صفة من الصفات المذكورة يتصف بها البيتكوين.

عملية إطلاق البيتكوين

قبل أن نبدأ مقارنة البيتكوين نقطة بنقطة بالقائمة السابقة، يمكننا أن نبدأ بخلاصة عن عملية إطلاق البيتكوين.

في أغسطس 2008، أسس شخص يسمي نفسه ساتوشي ناكاموتو نطاق Bitcoin.org.

بعد شهرين في أكتوبر 2008، أصدر ساتوشي الورقة البيضاء للبيتكوين. شرحت هذه الوثيقة كيفية عمل التقنية، وحلّ مشكلة الإنفاق المزدوج. وإذا نظرت في الرابط المذكور، رأيتَ أن الورقة مكتوبة على طريقة البحث الأكاديمي، لأنها تمثل فتحًا تقنيًّا قدّم حلًّا لتحديات معروفة في علوم الحاسوب متعلقة بالندرة الرقمية. لم يكن في الورقة أي وعد بالإغناء أو الأرباح.

ثم بعد ثلاثة أشهر في يناير 2009، نشر ساتوشي برنامج البيتكوين المبدئي. في كتلة التكوين الأولى من سلسلة الكتل (بلوكتشين)، التي لم تحو أي عملة يمكن صرفها، قدّم ساتوشي عنوان وتاريخ مقالة في ذا تايمز أوف لندن، وكانت هذه المقالة عن عمليات إنقاذ البنوك، ربما ليثبت عدم وجود تعدين سابق، وليؤسس طابع المشروع. من هنا، استغرق الأمر 6 أيام لإنهاء بعض الأمور وتعدين الكتلة الأولى، التي احتوت أول 50 عملة بيتكوين يمكن صرفها، وأصدر ساتوشي الكود المصدري في التاسع من يناير. في العاشر من يناير، غرّد هال فيني وقال إنه يشغل برنامج البيتكوين أيضًا، وكان ساتوشي منذ البداية يفحص النظام بإرسال بعض البتكوينات إلى هال.

ومما يلفت النظر هنا، أن ساتوشي أظهر كيفية عمل النظام في الورقة البيضاء قبل شهرين من إصدار برنامج البيتكوين مفتوح المصدر، لذا عمليًّا كان يمكن أن يسبقه أحد ويستعمل المعرفة الجديدة ليؤسس نسخة من النظام قبله. نعم لم يكن الأمر مرجّحًا، بفضل انطلاقة ساتوشي الذكية في اكتشاف هذا النظام وفهمه فهمًا عميقًا، لكن تقنيًّا كان الأمر ممكنًا. لقد تبرّع ساتوشي بالفتح التقني قبل أن يطلق أول نسخة من المشروع. بين نشر الورقة البيضاء وإصدار البرنامج، أجاب ساتوشي كل الأسئلة وشرح اختياراته في الورقة البيضاء لعلماء تشفير كثيرين في قائمة بريدية ردًّا على منتقديه، كما لو كان يدافع عن أطروحة أكاديمية، وكان كثير من هؤلاء العلماء قادرين تقنيًّا على سرقة المشروع، لو أنهم كانوا أقل تشكيكًا.

بعد إصدار البرنامج، بقيت مجموعة من المعدّات يعتقد كثيرون أنها لساتوشي، معدّنًا كبيرًا في السنة الأولى. التعدين ضروري لتحقيق التحويلات في الشبكة، ولم يكن للبيتكوين أي سعر بالدولار في ذلك الوقت. قلل ساتوشي تعدينه تدريجيًّا مع الوقت، وأصبح التعدين متوزّعًا أكثر في الشبكة. في الشبكة نحو مليون عملة بيتكوين يعتقَد أنها لساتوشي وأنه عدّنها في الفترة الأولى للشبكة، لم تنقَل هذه الأموال من عنوانها الأصلي قط. كان بإمكان ساتوشي أن ينسحب في أي وقت مع مليارات الدولارات من الأرباح، لكنه لم يفعل هذا حتى الآن، بعد عقد كامل من حياة المشروع. لا يعرَف إذا كان ساتوشي لم يزل حيًّا، لكن لم ينقَل من عملاته إلا مجموعة قليلة لاختبار التحويل في الشبكة.

لم يلبث ساتوشي أن نقل ملكية نطاق الموقع لآخرين، ومنذ ذلك الوقت، أصبح البيتكوين نظامًا يحافظ على نفسه بين مجتمع متجدد من المتطورين الذين لا يصلهم أي خبر من ساتوشي.

البيتكوين مفتوح المصدر، ومتوزعة في أنحاء العالم. سلسلة الكتل عامة وشفافة ويمكن التحقق منها ومراقبتها وتحليلها. يمكن للشركات أن تحلل السلسلة كلها وترى أي عملات نقلت أو بقيت في العناوين المختلفة. يمكن إعمال عقدة بيتكوين كاملة مفتوحة المصدر على أي حاسوب منزلي، ويمكن لها أن تراقب معروض البيتكوين الكامل ومعايير أخرى.

بعد أن عرفنا هذا، فلنقارن البيتكوين بالعلامات المحذّرة لأهرام بونزي.

عوائد الاستثمار: غير موعودة

لم يعد ساتوشي أحدًا بأي عوائد استثمار، لا عوائد استثمار عالية ولا متسقة ولا شيء من هذا. في الواقع، عُرف البيتكوين في العقد الأول من وجوده بوصفه مضاربة عالية التقلّب. في أول سنة ونصف، لم يكن للبيتكوين أي سعر يُرجَع إليه، وبعد ذلك كان سعره متقلب جدا.

لم تزل كتابات ساتوشي موجودة، وهو لم يكد يتكلم أصلًا عن أي ربح مالي. كانت معظم كتاباته عن الجوانب التقنية، عن الحرية، عن مشكلات النظام المصرفي الحديث، وهكذا. كانت كتابات ساتوشي كتابات مبرمج، وأحيانًا كتابات اقتصادي، لم تكن أبدًا كتابات بائع.

وعلينا أن نبحث كثيرًا لنجد أمثلة على مناقشة ساتوشي لإمكانية اكتساب البيتكوين للقيمة. عندما تحدث ساتوشي عن القيمة المحتملة للبيتكوين، تكلّم بطريقة شرح فيها الحقائق فقط، فيما يخص تصنيفها، وهل ستكون تضخمية أم انكماشية، وأقر بوجود اختلاف كبير فيما يمكن أن يؤول إليه المشروع. بعد بحث في اقتباسات ساتوشي عن كلام عن قيمة البيتكوين، هذا ما وجدته:

«إن إنتاج عملات جديدة يعني أن معروض المال يزداد بخطة معلومة، لكن هذا لا يقتضي حتمًا التضخم. إذا كان معروض المال يزداد بنسبة زيادة مستخدمي النظام نفسها، ستبقى الأسعار مستقرة. إذا كان ازدياد معروض المال أقل من الطلب، سيكون انكماش، ويرى السابقون الممسكون لأموالهم ازدياد قيمتها».

«لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع»

«بهذا المعنى، فهي أقرب إلى المعادن النفيسة. لأن معروضها لا يتغير للحفاظ على قيمتها، بل يبقى معروضها ثابتًا وتتغير القيمة. مع تزايد عدد المستخدمين، تزداد قيمة العملة الواحدة. وربما حققت الشبكة حلقة تلقيم إيجابي، فمع ازدياد المستخدمين، تزداد القيمة، وهو ما يجذب مستخدمين جددًا ليستفيدوا من ازدياد القيمة».

«ربما تكتسب العملة قيمة أولية على نحو دائري كما اقترحتَ، إذا استشرف الناس منفعتها الممكنة للمقايضة. (سأحتاج بعضًا منها حتمًا) وقد يقدح شرارتها الجمّاعون أو أي سبب عشوائي. أعتقد أن المؤهلات التقليدية للمال كُتبت على افتراض أن في الوجود أشياء كثيرة نادرة متنافسة، ينتصر في هذه المنافسة حتمًا الشيء الذي له قيمة جوهرية على الأشياء التي لا قيمة جوهرية لها. ولكن إذا لم يكن في الكون أي شيء له قيمة جوهرية يمكن استعماله مالًا، ولم يكن فيه إلا أشياء نادرة ولكن لا قيمة جوهرية لأحدها، أظن عندها أن الناس سيتخذون شيئًا من هذه النادرات مالًا. (أستعمل كلمة الندرة هنا للدلالة على محدودية المعروض المحتمل)»

«يعكس سعر السوق المنطقي لشيء يتوقَّع ارتفاع قيمته، القيمة الحالية للزيادات المتوقعة في المستقبل. في عقلك، قدّر ووازن احتمال استمرار تزايد السعر».

«أنا متأكد أنه بعد 20 سنة إما أن يكون في الشبكة حجم تحويلات هائل وإما أن يكون حجم التحويلات صفرًا».

«ليس في البيتكوين حصص أرباح ولا حصص محتملة في المستقبل، ومن ثم فهي ليست كالأسهم. بل هي أقرب إلى شيء يمكن تجميعه، أو بضاعة.»

اقتباسات من ساتوشي ناكاموتو

إن الوعد بأرباح استثمار عالية ومنتظمة من علامات هرم بونزي، ولكننا رأينا أنه في مشروع ساتوشي الأصلي، لا وجود لهذه الوعود.

مع الوقت، كان من شأن المستثمرين في البيتكوين توقع أسعار عالية جدًّا (وإلى اليوم كانت هذه التوقعات صحيحة)، ولكن المشروع نفسه من بدايته ليس فيه هذه الخصائص.

مفتوح المصدر: نقيض السرّيّة

تعتمد معظم أهرام بونزي على السرّيّة. إذا فهم المستثمرون أنهم يستثمرون هرم بونزي، لا شك أنهم سيسارعون إلى سحب أموالهم مباشرة. تمنع هذه السرية السوق من تسعير الاستثمار تسعيرًا صحيحًا، حتى يتبيّن السرّ.

فعلى سبيل المثال، اعتقد المستثمرون في نموذج بيرني مادوف أنهم يمتلكون أصولًا متنوعة. لكن في الحقيقة، كانت أرباح المستثمرين الأوائل آتية من تدفق المستثمرين الجدد، لا من الاستثمار الحقيقي. كانت الاستثمارات المكتوبة في بياناتهم زائفة، وكان شبه مستحيل على المستثمرين أن يتثبتوا من أنها زائفة.

أما البيتكوين، فيعمل على نقيض ذلك تمامًا. فهو برنامج موزَّع مفتوح المصدر يتطلب إجماع الأغلبية ليتغير، وكل سطر فيه معروف، لا تستطيع أي سلطة مركزية تغييره. ومن أهم مبادئ البيتكوين التثبّت بدلًا من الثقة. يمكن تحميل برنامج العقدة الكاملة على أي حاسوب عادي، ويمكنه حين ذلك مراقبة سلسلة الكتل كلها ومعروض المال كله. لا يعتمد البيتكوين على أي موقع أو غرفة سيرفرات أو شركة.

لهذا، ليس في البيتكوين أي «مشكلات في الأوراق» أو «صعوبة في تسلّم الأموال»، كما ورد في العلامات المحذرة أعلاه. بل كل فكرة البيتكوين هي عدم الاعتماد على أي جهة ثالثة، فهي ثابتة ويمكن التحقق منها مباشرة. لا يمكن نقل البيتكوين إلا باستعمال المفتاح الخاص المرتبط بعنوان معين، وإذا استعملت مفتاحك الخاص لنقل بيتكويناتك، فلن يستطيع أحد أن يمنعك من ذلك.

نعم لا شك أن في البيئة المحيطة مستخدمين سيئين. خسر بعض الناس الذين اعتمدوا على الآخرين لحفظ مفاتيحهم الخاصة (بدلًا من أن يحفظوها بأنفسهم) عملاتهم بسبب سوء الأوصياء، لا بسبب فشل برنامج البيتكوين الأصلي. قد تكون أسواق الجهة الثالثة محتالة وقد تخترَق. يمكن لمخططات التصيّد أو عمليات الاحتيال الأخرى أن تخدع بعض الناس فيظهروا لها مفاتيحهم الخاصة أو معلومات حسابهم. لكن هذا غير مرتبط بالبيتكوين نفسه، والناس عندما يستعملون البيتكوين يجب أن يتأكدوا من فهمهم لكيفية عمل النظام ليتجنبوا الوقوع في عمليات الاحتيال هذه.

لا تعدين مسبق

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشره.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار له حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء ينفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

نموّ بلا قائد

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشرها.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار لها حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء تنفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

الاستثمارات والباعة غير المسجلين

العلامات الوحيدة التي تنطبق على البيتكوين من القائمة السابقة هي أن البيتكوين استثمار غير مقنن من جهة الحكومة. لا يدل هذا في نفسه على أن البيتكوين هرم بونزي، بل يعني وجود علامة من علاماته وأن على المستثمرين أن يأخذوا حذرهم. لا سيما في الأيام الأولى للبيتكوين، كان شراء مال الإنترنت السحري استثمارًا خطيرًا بالنسبة لمعظم المستثمرين.

صُمّم البيتكوين على نحو تكون فيه غير محتاج إلى الإذن، لتعمل خارج النظام المالي الموجود، مع ميل فلسفي إلى الثقافة التشفيرية الللبرتارية والنقد السليم. في معظم حياة البيتكوين، كان منحنى سعره أشدّ صعودًا من أي استثمار تقليدي، لأنه قائم على تقاطع من البرمجة والاقتصاد والثقافة.

قال بعض المسؤولين في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إن البيتكوين وإثيريوم ليستا سندات مالية (ومن ثم فليس فيهما احتيال سندات). صُنّفت عملات رقمية كثيرة أخرى بأنها سندات مالية مثل الريبل واتُّهمت ببيع سندات غير مسجلة. تعامل مصلحة الضرائب البيتكوين وكثيرًا من الأصول الرقمية الأخرى بوصفها بضائع، لأغراض جباية الضرائب.

لذا، نعم في أيام البيتكوين الأولى لا شك أنه كانت استثمارًا غير مسجل، أما اليوم فهو أصل له مكانه في إطار قانون الضرائب والهيئات التقنينية حول العالم. تتغير القوانين مع الوقت، لكن الأصل صار مشهورًا جدًّا. مشهورًا إلى درجة أن شركة فيديليتي للاستثمارات وغيرها تحتفظ به لعملائها من المؤسسات، وأن جي بي مورغان تضع توقعات أسعار له.

يجمع كثير من الناس الذين لم ينظروا بعمق في الصناعة «العملات الرقمية» كلها. لكن من المهم للمستثمرين أصحاب الرؤية أن ينظروا في التفاصيل ويجدوا الاختلافات المهمة. إن شراء «العملات الرقمية» كلها معًا شبيه بشراء «الأسهم» كلها معًا. ليست البيتكوين مثل بقية العملات الرقمية في كثير من خصائصه، وقد كان إطلاقه أشبَه بإطلاق حركة أو بروتوكول لا بإطلاق استثمار، لكنه مع الوقت أصبح استثمارًا.

من هنا، يستطيع الناس أن ينظروا في كل العملات الرقمية التي أتت مع صعود البيتكوين ويصلوا إلى استنتاجاتهم. وفي المجال طيف واسع من المشاريع حسنة النيّة من جهة إلى الاحتيالات الصارخة من جهة أخرى. ومن المهم إدراك أنه حتى إذا كان في أحد هذه المشاريع ابتكار حقيقي، فإن هذا لا يعني أن العملة المرتبطة به سيكون لها قيمة مستمرّة. إذا حلّت إحدى العملات مشكلة طارئة، فقد يتبنّى هذا الحل في طبقة من طبقات بروتوكول أكبر له شبكة أكبر. كذلك فإن أي استثمار في هذه العملات الأخرى يُتخلّى به عن فرصة شراء بيتكوين أكثر مع الوقت.

خلاصة الفقرة: ليست هرم بونزي، وضوحًا

لقد أطلق مشروع البيتكوين بأعدل الطرق الممكنة.

أظهر ساتوشي للعالم أولا كيف يمكن أن يعمل النظام في الورقة البيضاء بالمعنى الأكاديمي، ثم فعلها بنفسه بعد عدة شهور، وقد كان يمكن لأي أحد أن يشاركه التعدين في الأيام الأولى، كما فعل بعض السباقين إلى المشروع. ثم وزّع ساتوشي تطوير المشروع على مطورين آخرين، ولم يسحب أمواله من الشبكة مطلقًا حتى اليوم.

منذ البداية، كان البيتكوين ولم يزل مشروعًا مفتوح المصدر وكامل الشفافية، وحافظ على مسار تطوره الطبيعي. وبعد أن تعرّف السوق هذه المعلومات، سعّرها بما يراه مناسبًا، على المكشوف.

التعريف الأوسع لهرم بونزي

رأينا أن تعريف البونزي الضيّق لا ينطبق على البيتكوين، ولكن استعمل بعض الناس تعريفًا أوسع ليؤكدوا أن البيتكوين هرم بونزي.

البيتكوين مثله مثل أي بضاعة، بمعنى أنه شيء رقمي نادر ليس فيه أي تدفق للأموال، ولكن له منفعة. وهو محدود بواحد وعشرين مليون وحدة يمكن قسمتها، عُدّن منها أكثر من 18.5 مليون، حسب خطة مبرمجة مسبقًا. في كل أربع سنين، ينتصف عدد عملات البيتكوين التي تولّد في كل كتلة، ليقارب عدد البيتكوينات في الوجود 21 مليون واحدة.

ومثل أي بضاعة أخرى، لا يوفر البيتكوين أي تدفق مالي أو حصص أرباح، ولا تساوي قيمته إلا ما يريد الناس الدفع مقابل الحصول عليه. وتحديدًا، البيتكوين سلعة نقدية، ومنفعته الوحيدة تخزين القيمة ونقلها. وهذا يجعل الذهب أقرب شيء يمكن مقارنته به.

البيتكوين وسوق الذهب

يؤكد بعض الناس أن البيتكوين هرم بونزي لأنه تعتمد على انضمام المستثمرين الجدد إلى المجال بشرائهم من المستثمرين السابقين.

نعم، هذا الاعتماد صحيح إلى حدٍّ ما، لأن أثر الشبكة في البيتكوين لم يزل متزايدًا، بتزايد عدد المستخدمين وحجم الأموال، وهو ما يزيد قيمة البيتكوين ومنفعته.

لن يستمر نجاح البيتكوين في المدى الطويل إلا إذا بلغت قيمته السوقية مستوى عاليًا جدًّا وحافظ عليه، لأن أمن الشبكة (معدّل الهاش) مرتبط ارتباطًا جوهريًّا بسعر العملة. إذا ظلّ الطلب على البيتكوين لسبب ما ثابتًا ثم انخفض، ولم يبلغ مستوًى عاليًا بما فيه الكفاية، سيبقى البيتكوين أصلًا متخصصا وسيتدهور قيمته وأمنه وأثر شبكته. إذا حدث هذا، فإنه سينشئ دورة خبيثة فيجذب مطورين أقل لبناء الطبقات الثانوية والعتاد الصلب والبرمجي المحيط بالشبكة، وقد يؤدي إلى ركود القيمة والسعر والأمان.

ولكن هذا لا يجعل البيتكوين هرم بونزي، لأننا إذا طبقنا نفس المنطق، سنجد أن الذهب نفسه هرم بونزي عمره 5 آلاف عام. إن الأغلبية العظمى من استعمالات الذهب ليست استعمالات صناعية، بل لتخزين الثروة وإظهارها. لا يقدم الذهب أي تدفق مالي، ولا يساوي إلا ما يريد الآخرون أن يدفعوا فيه. إذا تغيرت أذواق الناس في الحليّ، وإذا لم يعد الناس يرون في الذهب أفضل مخزن للثروة، سينكمش أثر الشبكة للذهب.

لدينا معلومات من أكثر من ستين عامًا عن معروض إنتاج الذهب السنوي الذي يقدَّر أنه متوفر بأشكال متعددة حول العالم. وهذا أقرب إلى أن يساوي طلب الصناعة وحدها لمدة 500 عام، دون حساب طلب الحلي وحفظ القيمة. لذا، فإن توازن معروض الذهب وطلبه للحفاظ على سعر عال يتطلب استمرار نظر الناس إليه بوصفه طريقة جذابة لحفظ الثروة وإظهارها، وهو أمر ذاتي نوعا ما. بناءً على البيانات المتوفرة عن طلب الذهب للاستعمالات الصناعية، فإن فائض معروض الذهب كبير جدًّا ولولا نظرة الناس إلى الذهب لكان سعره أقل كثيرا.

ولكن أثر شبكة الذهب المالية لم يزل صلبًا مدّة طويلة من الزمن بسبب جمعه لخصائص فريدة تجعل الناس يرونه أفضل طريقة لحفظ الثروة والحليّ على المدى الطويل عبر الأجيال، هذه الخصائص هي: ندرته وجماله وطواعيته وإمكانية استبداله وتقسيمه واستحالة إتلافه كيميائيًّا تقريبًا. مع تغيّر النقود الحكومية في العالم، وتزايد رقم الفئة الواحدة منها، فإن معروض الذهب يبقى نادرًا نسبيًّا، ولا ينمو إلا 1.5% كل عام. حسب تقديرات الصناعة، فإن لكل فرد في العالم أونصة ذهب واحدة من الذهب المستخرَج.

كذلك البيتكوين، يعتمد على أثر الشبكة، أي إنه يحتاج للحفاظ على قيمته إلى أن ينظر إليه عدد كاف من الناس بوصفه مقتنًى جيدًا. لكن أثر الشبكة ليس هرم بونزي في ذاته. يمكن للمستثمرين أصحاب الرؤية أن يحللوا بيانات أثر شبكة البيتكوين ويحددوا لأنفسهم خطر وفائدة شرائه.

البيتكوين ونظام المصرفية الحكومية

إذا استعملنا أوسع تعريف من تعريفات هرم بونزي، فإن نظام المصرفية العالمي هرم بونزي.

أولًا، العملات الحكومية بضاعة زائفة، بمعنى من المعاني. الدولار، من حيث هو دولار، ليس إلا شيئًا مصنوعًا من ورق، أو شيئًا ممثلًا في دفتر بنك رقمي. كذلك اليورو والين وبقية العملات. لا تقدّم هذه العملات تدفقًا ماليًّا في نفسها، لكن المؤسسات التي تحتفظ بدولاراتك قد تدفع لك دخلًا (أو أحيانًا، تكلّفك أن تدفع لها). عندما نعمل أو نبيع شيئًا لنحصل على الدولارات، فإننا لا نفعل ذلك إلا لاعتقادنا بأن أثر الشبكة الكبير للدولار (وهو ما يشمل أثر الشبكة الحكومي القانوني) سيضمن أننا نستطيع أن نأخذ هذه الأوراق وندفعها لأحد آخر لنحصل على خدمات.

ثانيًا، عندما ننظم هذه الأوراق وتمثيلاتها الرقمية في نظام مصرفية احتياطية جزئية، فإننا نضيف طبقة معقدة أخرى. إذا أراد نحو 20% من الناس أن يسحبوا أموالهم من البنك في الوقت نفسه، سينهار النظام المصرفي. أو، إذا أردنا أن نكون واقعيين، سترفض المصارف تسليم المال، لأنها لا تملكه. حصل هذا لبعض المصارف الأمريكية في أوائل عام 2020، أيام الإقفال، وهو يحصل كثيرًا حول العالم. وفي الحقيقة هذا واحد من علامات أهرام بونزي التي وردت في بيان هيئة الأوراق المالية والبورصات: صعوبة تسلّم الأموال.

في لعبة الكراسي الموسيقية المعروفة (تسمّى في سورية كرسي كراسي)، توجد مجموعة من الكراسي، وعندما تبدأ الموسيقا يبدأ الأطفال طوافهم حول الكراسي (التي عددها أقل من عددهم بواحد). عندما تتوقف الموسيقا، يتسابق الأطفال ليجلسوا على الكراسي الموجودة. يخسر طفل واحد في الدورة، لبطئه أو قلّة حظّه، ويخرج من اللعبة. في الدورة التالية، يزال أحد الكراسي، وتستمر الموسيقا مع من تبقى من الأطفال. بعد دورات كثيرة، يبقى طفلان وكرسي واحد، يربح واحد منهما بنهاية الدورة.

إن النظام المصرفي لعبة كرسي كراسي دائمة. الأطفال أكثر من الكراسي، ولن يستطيع كل واحد منهم أن يأخذ كرسيًّا. عندما تتوقف الموسيقا، سيتبيّن للأطفال هذا. ولكن، ما دامت الموسيقا مستمرة (مع دعم الحكومة للنظام بالأموال المطبوعة)، تستمر اللعبة.

تجمع البنوك أموال المودعين، وتستعملها للإقراض وشراء السندات. لا يتاح للسحب إلا مقدار ضئيل من الأموال. أصول البنوك تتشكل من القروض والسندات واحتياطات الكاش. أما مسؤولياتها فهي أموال يستحقها المودعون، ومسؤوليات أخرى مثل السندات المصدرة للدائنين.

في الولايات المتحدة، تحتفظ البنوك جميعها بنحو خُمس إيداعات زبائنها نقدًا.

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

يظهر المخطط أن النسبة بلغت أقل من 5% قبل الأزمة المالية العالمية (وهو سبب سوء الأزمة، وأنها كانت نقطة تحول في دورة الدين طويلة المدى)، ولكن بسبب التيسير الكمي، والتشريعات الجديدة، وتنظيمات داخلية جديدة، عادت البنوك لتملك 20% من موازنة إيداعاتها بالكاش.

كذلك المقدار الكلي للنقد الفيزيائي في السوق، الذي تختص بطباعته وزارة الخزانة الأمريكية، لا يساوي إلا نحو 13% من مقدار المودعات في البنوك التجارية، ولا تحتفظ البنوك في خزائنها إلا بجزء ضئيل من هذا. ليس في السوق مقدار النقد الكافي (وهذا من أساس التصميم) لنسبة كبيرة من الناس إذا أرادوا سحب إيداعاتهم من البنوك في وقت واحد. سيواجه الناس «صعوبة في تسلّم الأموال» إذا أراد عدد كاف منهم أن يسحب أمواله في الوقت نفسه.

بهذه الهيكلية، لا يمكن أن ينتهي النظام المصرفي. إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يسدد ديونه، سيتوقف النظام كله عن العمل.

إذا أراد بنك واحد أن يسدد ديونه من دون أن يُستحوذ عليه، فعليه -فرضيًّا- أن يبيع كل قروضه وسنداته لبنوك أخرى، ويحولها إلى كاش، ويدفع الكاش للمودعين. ولكن، إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يفعل هذا في الوقت نفسه، ستنخفض القيم السوقية للأصول المبيعة انخفاضًا حادًّا وسيواجه السوق أزمة سيولة، لعدم كفاية عدد المشترين.

واقعيًّا، إذا أرادت البنوك تسديد حساباتها في الوقت نفسها، وتجمّد السوق بسبب إرباك بائعي القروض للمشترين، سيضطر الاحتياطي المركزي إلى طباعة دولارات جديدة ليشتري الأصول ويعيد السيولة إلى السوق، وهو ما سيزيد عدد الدولارات في السوق زيادة ضخمة. فإن لم يفعل، انهار كل شيء، لعدم كفاية وحدات العملة التي في النظام لفكّ أصول الأنظمة المصرفية.

فالنظام المالي يعمل كأنه دورة دائمة من لعبة الكراسي الموسيقية، مبنيًّا على أصول زائفة تصدرها الحكومة، ودعاوى الحقّ في هذا المال (الأطفال) أكثر بكثير من المال المتوفر نفسه (الكراسي)، وهو ما يتبين عندما يتزاحم الأطفال ليأخذوا مكانهم. لا يزال عدد الأطفال والكراسي في ازدياد، ولكن دائمًا عدد الأطفال أكبر بكثير من عدد الكراسي. فإذا حدث انهيار جزئي في النظام، أُضيف كرسيّان إلى الدورة لتبقى مستمرة.

نحن نقبل هذا الأمر ونراه عاديًّا، لأننا نفترض أنه لن ينتهي. لقد عمل نظام الاحتياطي المصرفي الجزئي حول العالم مئة عام (معتمدًا أولًا على الذهب، ثم مستقلًّا عنه) وإن كان بأحداث تضخمية كثيرة على الطريق لإصلاح بعض الأمور جزئيًّا.

كل وحدة مفردة من العملة الحكومية قلّت قيمتها نحو 99% أو أكثر على مدى العقود السابقة. يقتضي هذا أن المستثمرين إما أن يحصلوا على نسبة ربح أكبر من نسبة التضخم الحقيقية (وهو ما لا يحدث الآن)، وإما أن يشتروا استثمارات، وهو ما يضخّم قيمة الأسهم والعقارات مقارنة بالتدفق النقدي، ويرفع أسعار المنتجات النادرة كالفنون الجميلة.

على مدى القرن الماضي، لم تزل سندات الخزينة ونقد البنك في ازدياد مع التضخم، ولكن من دون ربح حقيقي. لكن هذا الأمر ليس دائمًا. فقد مرت بعض العقود، كأربعينيات القرن العشرين وسبعينياته والعقد الثاني من قرننا هذا، لم يستطع فيها أصحاب سندات الخزينة ونقد البنك أن يجاروا التضخم. يظهر هذا المخطط معدل سندات الخزينة ناقص معدل التضخم الرسمي على مدى تسعة عقود:

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

البيتكوين تقنية دفع وادّخار محدَثة، أكثر استعماله دون رافعة، أي إن معظم الناس يشترون المال، ثم يمسكونه، وقلّما يتاجرون به. في السوق بعض مصارف البيتكوين، ويتاجر بعض الناس فيه، ولكن الدين العام في النظام يبقى منخفضًا جدًّا نسبةً إلى القيمة السوقية، هذا مع إمكانية أن تحتفظ بمدّخراتك معك.

التكاليف الاحتكاكية

من دعاوى اتهام البيتكوين بأنه هرم بونزي دعوى تقول إن للبيتكوين تكاليف احتكاكية، فهي إذن هرم بونزي. إن النظام يحتاج إلى عمل مستمر ليبقى فعّالًا.

مرة أخرى، ليس بين البيتكوين وبين أي نظام تجارة آخر أي فرق في هذا. أي شبكة تعاملات صحيّة لها تكاليف احتكاكية.

في البيتكوين، يستثمر المعدّنون في عتادهم المخصص وكهربائهم وطاقمهم ليدعموا تعدين البيتكوين، أي تحقيق التحويلات واكتساب عملات جديدة وأجور التحويل بالمقابل. خطر الخسارة في التعدين كبير، وأجر النجاح فيه كبير، ولكن المعدنين ضرورة ليعمل النظام. كما في النظام أيضًا من يدعم السيولة بين المشترين والبائعين، أو يحول العملات الحكومية إلى بيتكوين، فيسهّل شراء البيتكوين أو بيعه، وهؤلاء لهم رسومهم كذلك. تقدم بعض المؤسسات حلول ادّخار أيضًا، وتكلّف زبائنها رسومًا قليلة لتدّخر لهم أموالهم.

كذلك معدّنو الذهب يصرفون أموالًا كثيرة على الطاقم والاستكشاف والمعدات والطاقة اللازمة لإخراج الذهب من الأرض. ثم تنقّي هذا الذهب عدة شركات وتصهره في سبائك وعملات، وتحميه وتحتفظ به للمستثمرين، وترسله إلى المشترين، وتتحقق من صفاءه، وتجعله حليًّا، وتصهره مرة أخرى للتنقية والصبّ من جديد، إلخ. تدور ذرات الذهب في السوق بأشكال عديدة، بسبب عمل الناس في صناعة الذهب من ضاربي النقود في سويسرا إلى بائعي الحلي إلى المسترهنين الذي يشترون الذهب. يتجه معظم العمل الطاقي في الذهب إلى الإنشاء لا إلى الحفاظ على النظام، لكن الصناعة نفسها فيها تكاليف احتكاكية مستمرة أيضا.

بل حتى نظام المال الحكومي العالمي له تكاليف احتكاكية. تستخرج المصارف وشركات التقانة المالية أكثر من 100 مليار دولار في العام من رسوم التحويل المتعلقة بالدفعات، ومن احتفاظهم بأصول زبائنهم وإدارتهم له، وتسييلهم للسوق بين المشترين والباعة.

حللت مؤخرًا مدّخرات مجموعة دي بي إس، وهو أكبر بنك في سنغافورة. يجني البنك نحو 900 مليون دولار سنغافوري في كل ربع سنة، أو نحو 3 مليارات دولار سنغافوري كل سنة. إذا ترجمنا هذا إلى الدولار الأمريكي، فهو يساوي مليارين ونصف مليار دولار في السنة الواحدة، من الرسوم وحدها.

وهذا بنك واحد قيمته السوقية 50 مليار دولار. في سنغافورة بنكان آخران لهم حجم قريب من هذا. أما مصرف جي بي مورغان تشيس، أكبر بنك في الولايات المتحدة، فهو يقدَّر بسبعة أضعاف المذكور، وفي الولايات المتحدة غيره عدة بنوك لها حجم قريب. يجني هذا البنك سنويًّا 40 مليار دولار، متوسّطًا بين فيزا وماستركارد. أما مجموع الرسوم التي تأخذها البنوك وشركات التقانة المالية حول العالم فهي أكثر من 100 مليار دولار.

إن تحقيق المعاملات وحفظ القيمة يحتاج إلى عمل، لذا لا بد أن يكون لكل نظام مالي تكاليف احتكاكية. وليس هذا مشكلة إلا إذا كانت الرسوم كبيرة جدا بالنسبة إلى المقادير المرسَلة. وإذا نظرنا في التكاليف الاحتكاكية للبيتكوين وجدناها متواضعة مقارنة بالنظام المالي القائم، وأن طبقات البيتكوين الثانوية تقلل هذه الرسوم أكثر. فعلى سبيل المثال، يهدف تطبيق سترايك إلى أن يصبح أرخص شبكة دفع عالمية، وهو يعمل على شبكة البرق على البيتكوين (لايتنينغ).

يشمل هذا أيضًا البضائع غير المالية. إلى جانب الذهب، يحفظ المستثمرون الأغنياء ثروتهم في أشياء أخرى لا تقدم تدفقًا ماليًّا، منها الفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية الرفيعة الفخمة التي لا يمكن أن يستأجرها أحد. ففي شواطئ فلوريدا وكاليفورنيا مثلا بعض المساحات التي ليس فيها إلا منازل سعر الواحد منها 30 مليون دولارًا، ولكنك لا تجدها إلا خالية متى زرتَها. أحب الذهاب إلى هذه الشواطئ لأنها فارغة عادة.

هذه المقتنيات النادرة تزيد قيمتها مع الوقت، وهو ما يدفع الناس إلى اقتنائها. ولكن لها تكاليف احتكاكية عندما تشتريها أو تبيعها أو تحافظ عليها. ما دامت التكاليف الاحتكاكية أقل من ازدياد القيمة مع الوقت، فإن هذه الاستثمارات صالحة بالمقارنة مع الاحتفاظ بالأموال الحكومية، وليست أهرام بونزي.

خلاصة الفقرة: أثر الشبكة، لا هرم بونزي

أوسع تعريف لشبكة بونزي يشير إلى أي نظام يحتاج إلى عمل مستمر للحفاظ عليه، أو أي نظام له تكاليف احتكاكية.

ولا يوافق البيتكوين هذا التعريف إلا كما يوافقه الذهب ونظام المال الحكومي العالمي، أو الأسواق الأقل سيولة كالفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والعقارات الشاطئية. بعبارة أخرى، إذا كان تعريفك واسعًا إلى درجة أنه يشمل كل مخزن للقيمة لا تدفق نقدي فيه، فإنك تحتاج إلى تعريف أفضل.

كل هذه المقتنيات النادرة لها منفعة معينة إلى جانب ميزة حفظها للثروة. فالذهب والفن يمتّعانك بالجمال البصري. والخمر تمتّعك بحلاوة المذاق. والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية يمتعانك بالجمال البصري واللمسي. والبيتكوين يمكنك من دفع المال محليًّا ودوليًّا بطريقة لا يستطيع فيها أي طرف ثالث التدخل، وهو ما يعطي المستخدم تحرّكيّة مالية لا نظير لها.

هذه المقتنيات النادرة تحافظ على قيمتها أو تزيدها مع الوقت، ولا بأس عند المستثمرين أن يدفعوا التكاليف الاحتكاكية القليلة المتعلقة بها، وهي بديل صالح للإمساك بالنقد الحكومي الذي تقل قيمته مع الزمن.

نعم، يتطلب البيتكوين عملًا مستمرًّا ولا بد أن يبلغ قيمة سوقية معينة حتى يصبح مستدام، ولكني أرى أن هذا في أفضل أحواله مشكلة تقنية، أما المستثمرون فيسعّرون الشيء حسب نظرتهم لاحتمال نجاحه أو إخفاقه. إنه أثر شبكة ينافس كل أثر شبكة موجود في العالم، خصوصًا النظام المصرفي العالمي. والمهزلة أن النظام المصرفي العالمي فيه من خصائص أهرام بونزي أكثر مما في غيره.

فِكَر أخيرة

لا بد لكل تقنية من وقت للتقييم، واختيار بين الرفض والقبول. قد يكون السوق غير منطقي في أول الأمر في صعوده وهبوطه، لكن في النهاية، تُقيَّم الأصول وتقاس.

لقد تنامى سعر البيتكوين باستمرار مع كل دورة تنصيف للمعروض، ومع استمرار نمو أثر شبكته يبقى معروضه محدودًا.

مصدر المخطط: Blockchain.com

في كل استثمار خطر، ولا شك أننا لا نعرف بعد ما هو مصير البيتكوين النهائي.

إذا استمر السوق على رؤيته إياه كوسيلةً للادخار والدفع، متاحةً لمعظم الناس في الكوكب ومدعومة بشبكة إجماع لا مركزية حول العالم، ومسجّلة في دفتر عام، فسيستمر في أخذ حصص السوق الأخرى بوصفه مخزنًا للثروة وشبكة دفع، حتى يبلغ قيمة سوقية ناضجة وتبنّيًا واسعًا وتقلّبًا قليلًا. 

أما المخالفون، فيؤكدون أنه ليس للبيتكوين قيمة جوهرية وأن الجميع سيدرك الحقيقة يومًا ما، وستعود قيمته إلى الصفر. لكن حجة التراجع الأقوى هي أن البيتكوين سيخفق في أخذ حصص سوقية متسقة من النظام المصرفي العالمي لسبب أو لآخر، مع ذكر الأسباب.

كان عام 2020 قصة عن القبول المؤسسي، وتعالت فيه البيتكوين على الحدود بين استثمار المفرَّق والمخصصات المؤسسية. أصبحت ميكروستراتيجي وسكوير أول شركات علنية التداول تخصص بعض احتياطاتها أو جميعها بالبيتكوين بدلًا من النقد. وماس ميوتشوال أول شركة تأمين كبيرة تضع جزءًا من أصولها بالبيتكوين. أظهر بول تيودور جونز وستانلي دركنميلر وبيل ميلر ومستثمرون معروفون آخرون آراءً لمصلحة البيتكوين. وركبت بعض المؤسسات مثل فيديليتي قطار البيتكوين وعينها على خدمات الأمانة والحفظ المؤسسية، لكن 2020 شهدت آخرين كثرًا يركبون القطار، منهم أكبر شركة إدارة أصول في العالم، بلاك روك.

من منافع البيتكوين أنه تسمح بالاحتفاظ الذاتي وسهولة نقل المال وإجراء صفقات من دون إذن أحد. وبالرغم من وجود مشاريع بلوكتشين كثيرة، لم تقدم أي عملة رقمية أخرى درجة أمان مشابهة لتحمي من الهجومات على دفترها (من جهة معدل الهاش ومن جهة توزّع العقد)، ولم يكن لأي منها أثر شبكة كاف ليقبلها السوق قبولًا مستمرًّا بوصفها مخزنًا للقيمة على نحو متسق.

والأهم أن نمو البيتكوين كان طبيعيًّا أكثر من أي عملة أخرى في الصناعة، فقد جاء أولًا وانتشر من دون وجود قيادة أو تسويق مركزي، وهو ما جعله أقرب إلى بروتوكول مؤسس منه إلى مشروع أعمال أو أمن مالي.

Tagged :

لماذا البيتكوين أمر حيوي لحقوق الانسان

لماذا بيتكوين مهم لحقوق الإنسان في دقيقتين؟ عملة بيتكوين الرقمية تستطيع أن تكون أداة مالية فعالة في خدمة الأفراد في لبنان، سوريا، فلسطين، السعودية وغيرها.

لماذا البيتكوين أمر حيوي لحقوق الانسان – في دقيقتين

 

Tagged : /

البيتكوين حق أساسي من حقوق الانسان – Nik Bhatia

اقرأ المقال الأصلي | تابع الكاتب على تويتر
ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

لدي بعض الأخبار المزعجة للمشككين والمعارضين والزاعمين أن البيتكوين في عداد الموتى: لقد تعافى البيتكوين من إنهيار آخر في سعره زُعم أنه كارثي. مضي الآن على إنشاء البيتكوين عشر سنوات، ارتقى فيها من رؤيته كأموال مخدرات رقمية مشبوهة إلى إعتباره فئة من الأصول ووسيلة إدخار مستقلة وكاملة. المشكلة مع البيتكوين هي صعوبة استيعابه. تطلب مني الأمر شهور لفهمه جزئياً، فهو متعدد الجوانب والأبعاد بحيث لا يمكن إلا لشخص نادر إدّعاء الإلمام به بشكل كامل.

حاولت تلخيص ثلاث سنوات من الدراسة والتعلم في مجموعة من التشبيهات لتسهيل الأمر على من يخطوا خطوته الأولى بفضول إلى عالم البيتكوين. تخاطب هذه المقالة من لم يسبق له امتلاك أو استخدام البيتكوين من قبل، أحاول فيها الإجابة على التساؤلات العابرة للملايين منهم مثل: ما هو البيتكوين تحديداً؟ البيتكوين مال، البيتكوين إستيلاء على الأراضي، البيتكوين لعبة، يعمل البيتكوين كالبريد الإلكتروني. وأخيراً وليس آخراً، البيتكوين حق إنساني. لو تمكنت من فهم هذه التعريفات الخمسة، فأنا واثق بأنه لن يستغرق الامر الكثير من الوقت لتنضم لصفوف مالكي البيتكوين. ولا تنسى، يمكنك شراء جزء من عملة بيتكوين!

البيتكوين مال:

بالرغم من تقلبات الأسعار الفريدة للبيتكوين على مدى عمره القصير، إلا أنه أظهر بوضوح ملاءمته للعب دور النقد حول العالم. ربما لن تتمكن بعد من استخدامه لشراء منزل أو سيارة أو وجبة غذاء أينما ذهبت، لكن يمكنك شراء السلعة الأكثر فائدة على الإطلاق: الدولار الأمريكي. تزدهر أسواق قوية حول العالم لتبادل البيتكوين مقابل الدولار واليورو وبطاقات هدايا موقع أمازون. إن كان لديك عملة ذهبية، فربما لن تمكنك شراء وجبة عشاء، لكن بالتأكيد ستجد من يبادلها بالدولار. يعمل البيتكوين على نحو مماثل. يمتلك عدة ملايين من الأشخاص حول العالم البيتكوين بالفعل لتخزين ثرواتهم. هؤلاء هم السبَّاقون، أوائل من أعتمد البيتكوين كشكل جديد من المال.

البيتكوين إستيلاء على الأراضي:

يوجد فقط 57 مليون ميل مربع من الأراضي على سطح كوكبنا. بالمثل، لن يكون هناك سوى 21 مليون عملة بيتكوين. قال الكاتب ورائد الأعمال (مارك توين) ذات مرة: “قم بشراء الأراضي، فهم لن يصنعوا المزيد منها”، ويجب التفكير بالبيتكوين بالطريقة ذاتها. البيتكوين محدود الكمية، تماماً مثل مساحة الأراضي على سطح الكوكب. سيستمر إرتفاع سعر أراضي البيتكوين، وستزداد صعوبة إيجاد المزيد منها مع إنتقال المزيد من الناس من عالم الجنيه الإسترليني والين الياباني والدولار الأمريكي إلى عالم البيتكوين. سيواجه من لا يملك البيتكوين في المستقبل عواقب الاضطرار إلى إقتراضه في سبيل استخدامه، على غرار حاجة من لا يملك عقار لإستجار مسكن. سيستمر الإستيلاء على أراضي البيتكوين بسبب إدراك الناس والشركات والحكومات لتداعيات كونهم مستأجرين بدلاً من مالكين بيتكوين. أرتفع سعر البيتكوين بسبب تعامل الناس معه كأنه عقار مميز. ستصعب الملكية وترتفع كلفتها أكثر مع زيادة إزدحام عالم البيتكوين.

البيتكوين لعبة:

ولكن كيف يعمل البيتكوين؟ لو لم تدعمه حكومة، فمن يسيطر عليه؟ يمكن الإجابة على هذه الأسئلة عبر تشبيه البيتكوين باللعبة. لكل لعبة قواعد يجب على اللاعبين إتباعها. وُضعت قواعد عام 2009 و يقوم الاف اللاعبين بإنفاذها كل عشر دقائق في المتوسط (هذه واحدة من القواعد). أثبتت قوانين البيتكوين المتعلقة بصك العملة ونقل القيمة أنها ثابتة وموثوقة للغاية، الأمر الذي يشجع المزيد من الناس على الانضمام إلى اللعبة. بإمكانك اللعب عبر تنزيل برنامج على جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الخاص بك. لن يُطلب منك فهم كل قوانين البيتكوين اليوم، لكن ينبغي عليك فهم أن هناك قوانين، تماماً مثل أي رياضة أو لعبة.

يعمل البيتكوين كالبريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني شيء يستخدمه الجميع. قد لا تفهم علوم الكومبيوتر المبني عليها عمله، ولكن إرسال واستقبال بريد إلكتروني هو مفهوم بسيط ومفهوم عالمياً. يمكن مشاركة عناوين البريد الإلكتروني مع أي شخص، لكن يمكن فقط لحامل كلمة السر فتح صندوق البريد. يعمل البيتكوين بطريقة مشابهة. يمكنك مشاركة عنوانك العام مع من تشاء ليرسل لك أموال، ولكن يمكنك فقط إنفاقها بإستخدام كلمة السر، والتي تدعى المفتاح الخاص. تُوجه الإنتقادات للبيتكوين لكونه صعب الاستخدام، ولكن الواقع أن الناس لم يعتادوا إستخادمه بعد. في المستقبل القريب، سينتشر فهم وإستخدام البيتكوين على نطاق واسع ليصبح مثل إستخدام البريد الإلكتروني: إرسال و استقبال.

البيتكوين حق إنساني:

إستخدام البيتكوين لشراء قهوة في كاليفورنيا ليس عملاً ثورياً، لكن إستخدامه في فنزويلا لشراء طعام للبقاء على قيد الحياة هو العمل الثوري. تُمكّن وسيلة إدخار كالبيتكوين كل الأشخاص حول العالم من الإحتفاظ بأموالهم وحمايتها من الرقابة والمُصادرة من حكومات فاسدة. البيتكوين شكل جديد من المال، للناس الحق في إختياره بملئ إرادتهم. في يومنا هذا، يستطيع مليارات البشر إرسال واستقبال المعلومات عبر شبكة الانترنت. في المستقبل، سيتمكن مليارات البشر من إرسال واستقبال القيمة عبر شبكة البيتكوين. الحق في إستخدام كلا الشبكتين هو حق إنساني: إن كان التواصل عبر الانترنت هو حرية التعبير، فالبيتكوين هو أموال التعبير بحرية.

Tagged : / / / / /