المقال الأصلي | الكاتب: مجلس البيتكوين | تاريخ الكتابة: يونيو 2024
تتربع العملات الربوية، المسماة العملات الحكومية، على عرش النظم المالية المعاصرة، فتديم الظلم العالمي وتفاوت الثروات وفساد الأخلاق وانهيار المجتمعات. نتناول في هذا المقال آليات عمل العملات الربوية وإصدارها من الديون المثقلة بالفوائد وقيامها على السندات الحكومية – وهي عقود متأصلة في الربا فتغدو محرمة. نستلهم من كتابات سيف الدين عموص في “معيار النقد الحكومي” ونيك بهاتيا في “النقد متعدد الطبقات”، لنكشف كيف يعمل هذا النظام، ولماذا ينبغي تسميتها عملات ربوية، ولماذا على المسلمين الاتحاد لرفض هذا النظام الربوي.
إنشاء العملات الربوية: إصدار العملة بالإقراض
تُصدر العملات الربوية من خلال عملية الإقراض، وهو أمر ينطوي بطبيعته على الفوائد. حين تمنح البنوك القروض، فإنها تفعل ذلك عبر خلق وحدات نقدية جديدة في اللحظة ذاتها. يبين سيف الدين عموص في “معيار النقد الحكومي” آليات عمل النظام النقدي الحكومي المعاصر، مسلطاً الضوء على نشوئه وبقائه عبر الديون وسياسات البنوك المركزية. ينتج عن النظام المالي الربوي تضخم مستمر وتفاوت في الثروات وزعزعة اقتصادية، نابعة من الدورة السرمدية للنقد الذي يُصدر بالإقراض مع الفوائد.

إن مبدأ إقراض النقود للوجود يعني أن كل دولار يُستحدث يتطلب سداد ما يزيد عن دولار. هذا الاختلال يضطر المدينين للبحث عن أموال إضافية في مناطق أخرى من الاقتصاد، والتي هي الأخرى مقترضة وتحمل فوائد. هذه الحلقة من الديون والفوائد تمثل لب الربا، تلك الممارسة المحرمة تحريماً قاطعاً في المالية الإسلامية لما تنطوي عليه من استغلال.
الطبقة الأساس في النقد الحكومي: السندات الحكومية والربا
يرسم نيك بهاتيا في “النقد متعدد الطبقات” الأساس الهيكلي للنظام المالي الراهن، مبرزاً الدور المحوري للسندات الحكومية. هذه السندات سندات ديون تصدرها الحكومات لتمويل مصروفاتها. حين تحتاج الحكومة إلى المال، تُصدر سندات حكومية يشتريها المستثمرون من البنوك والحكومات الأخرى.

غير أن السندات الحكومية ذاتها عقود محرمة تنطوي على الربا. يشتري المستثمرون هذه السندات طمعاً في مدفوعات الفوائد، فيغدو النظام بأسره لا إسلامياً في جوهره. الاعتماد على السندات الحكومية المثقلة بالفوائد لدعم العملة الحكومية يعني تجذر الربا في صميم النظام المالي العالمي. انطلاقاً من هذا الفهم بأن العملة لا بد أن تُقرض للوجود بفوائد، وأن السندات الخزانة (العقود الربوية) هي أساس النظام النقدي، ينبغي للمسلمين أن يعتادوا تسمية العملات الحكومية بحقيقتها: عملات ربوية!
مصائب العملة الربوية
إن إقراض العملة الربوية للوجود وارتكازها على السندات الحكومية الحاملة للفوائد ينجم عنه تبعات مدمرة عدة:
١. تفاوت الثروات: إن خلق الأموال من خلال الديون يفيد بشكل غير متناسب أولئك الذين يحصلون على ائتمان رخيص – وهم أساساً الشركات الكبرى والأثرياء – بينما يواجه الناس العاديون معدلات فوائد أعلى وأعباء ديون أثقل. هذا يفاقم عدم المساواة في الثروة، إذ يزداد الأغنياء ثراءً بينما يكافح الفقراء لمواكبة الركب.
٢. زعزعة الاقتصاد: الاعتماد على الديون والفوائد يخلق نظاماً مالياً غير مستقر بطبيعته. الأزمات المالية الدورية أمر شبه حتمي، حيث يصبح عبء الدين غير قابل للاستدامة. كل أزمة تؤدي إلى عمليات إنقاذ ومزيد من طباعة الأموال، ما يقلل من قيمة العملة ويبخث قيمة المدخرات. هذا النظام يساهم في دورة الازدهار والكساد، حيث تتبع فترات النمو الاقتصادي السريع المدفوع بالائتمان الميسر انهيارات شديدة عندما تنفجر فقاعة الدين، مؤدية إلى ركود أو كساد.
٣. الانحطاط الأخلاقي: العملة الربوية تحفز على الغش والتفكير قصير المدى، وتنمي الأولوية الزمنية العالية بين الأفراد والشركات. هذا الميل يعطي الأولوية للإشباع الآني على التخطيط طويل المدى والنزاهة، مما يدفع الناس لاتخاذ قرارات تفيدهم على المدى القصير لكنها ضارة على المدى الطويل. قد تتجاهل الشركات المعايير أو تنخرط في ممارسات غير أخلاقية للوفاء بالتزامات الديون، بينما قد يلجأ الأفراد لوسائل خادعة للتأقلم مع الضغوط المالية. هذا التآكل في التفكير طويل المدى والنزاهة يدهور النسيج الأخلاقي العام للمجتمع حيث تُضحى بالمعايير الأخلاقية من أجل البقاء والكسب السريع.
٤. العبودية المالية: الدورة المستمرة للديون والفوائد تحبس الأفراد والشركات وحتى الحكومات في شكل من أشكال العبودية المالية. فهم يعملون باستمرار لخدمة الديون، دون أمل في الهروب من هذا العبء. وإلى جانب التأثيرات الفردية والوطنية، يفرض النظام الربوي هيكلاً من القهر العالمي. البلدان النامية، بما فيها معظم البلدان الإسلامية، غالباً ما تُثقل بقروض عالية الفوائد من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتجد نفسها في دورة من الديون والتبعية. هذه البلدان مجبرة على تخصيص أجزاء كبيرة من ميزانياتها لخدمة الديون بدلاً من الخدمات الأساسية والتنمية. هذه الديناميكية تديم التفاوتات العالمية، حيث تمارس الدول الثرية والمؤسسات المالية سيطرة على البلدان الأفقر، مملية السياسات والأولويات الاقتصادية. النظام الربوي يعزز بذلك التسلسل الهرمي العالمي، خانقاً الفرص للاستقلال والنمو الاقتصادي الحقيقي في البلدان الإسلامية، مما يؤدي إلى تفاوت اقتصادي وظلم اجتماعي على نطاق دولي.
البيتكوين: طريق إلى التحرر
يقف بيتكوين نقيضاً صارخاً للعملات الربوية، إذ يطرح شكلاً ثورياً من المال خالياً من التأثير المفسد للبنوك المركزية والديون الحاملة للفوائد. يضمن بروتوكول البيتكوين وجود كمية ثابتة مطلقاً من الوحدات النقدية، ما يجعله محصناً ضد التضخم والتلاعبات التي تبتلى بها العملات الاعتبارية. هذا العرض الثابت مفروض بمصداقية من خلال شبكة لامركزية من العقد، والأهم من ذلك، آلية أساسية تُسمى إثبات العمل.
يربط إثبات العمل بيتكوين مباشرة بالعالم الواقعي باشتراط جهد حاسوبي جسيم ونفقة طاقة كهربائية للتثبت من المعاملات، وإدخال وحدات نقدية جديدة بطريقة عادلة، وحماية الشبكة من الهجمات. هذه العملية تكفل أن بيتكوين هو النظام النقدي الرقمي الوحيد بآلية إنفاذ موثقة، مدعومة بأعلى مقدار من إثبات العمل. العملات المشفرة الأخرى إما تفتقر لإثبات العمل أو مدعومة بمقدار تافه، ما يجعلها أشد عرضة للتلاعب والمركزة.
يعمل البيتكوين وفق مبادئ تتماشى أكثر مع المالية الإسلامية، فيؤكد العدالة والشفافية وينأى تماماً عن الربا. بتبني البيتكوين، يستطيع الأفراد والمنظمات والبلدان التحرر من قيود العملات الربوية، مستعيدين سيادتهم المالية واستقامتهم الأخلاقية. الطبيعة اللامركزية للبيتكوين توفر سبيلاً للناس للتعامل وحفظ ثرواتهم دون أي اعتماد على المؤسسات المالية.
العملات الربوية المخلوقة من خلال ديون محملة بالفوائد والمبنية على نظام من السندات الحكومية الحرام، هي أداة استغلال وسيطرة واستعباد. عواقبها – تفاوت الثروات وزعزعة الاقتصاد وفساد الأخلاق والعبودية المالية – تؤكد شرورها الجوهرية. في المقابل، يقف البيتكوين كمنارة مضيئة، موفراً بديلاً حلالاً خالياً من الربا وغير قابل للإفساد. نبذ العملات الربوية واعتماد بيتكوين يمكن أن يمهد السبيل لنظام مالي أعدل وأنصف، محرراً الأمة الإسلامية من أغلال الدين والفوائد.

اشترك مجاناً في دورة أساسيات البيتكوين ⚡👇