مشكلة الإيثريوم

المقال الأصلي | المؤلف: Tomer Strolight | ترجمة: Arabic_HodlPracticalmedit | تاريخ الكتابة: أغسطس 2021

يسألني الناس: لم لا يروقك الإيثريوم وتوصي بعدم شرائه أو الاحتفاظ به؟

إليكم ما أقول في ذلك.

خلق مجتمع جديد: عن الدستور والأدوار المطلوبة

تخيل أنك تبدأ مجتمعًا جديدًا. وأن هذا المجتمع سيسمّى إيثريوم. سيُقطع عدد من الوعود لتشجيع الناس على الانضمام إلى هذا المجتمع:

وسيوجد عدد من القواعد المختلفة لهذا المجتمع.

ستكون هناك طبقة عاملة: فئة من الناس يؤدون العمل الذي يحتاجه المجتمع لتقوم قائمته. وسيتقاضون أجرًا لقاء عملهم، لكن سيتعين عليهم كذلك دفع نفقاتهم. لندعُ هذه المجموعة بالمعدنين.

ستوجد طبقة ثرية: فئة الناس المشاركين في التأسيس. لندعُ هذه المجموعة المشاركين المقدّمين للعملات الأولى.

ستوجد طبقة حاكمة: وهي فئة الناس الذين يضعون القوانين. وستكون فئة صغيرة. لندعُ هذه المجموعة المطوّرين الأساسيّين أو الأساس أو «فيتالِك» أو هذه الأسماء كلها. وهي مجموعة فرعية عن الطبقة الثريّة.

وستوجد كذلك طبقة هي رعيّة القوانين ونتائج العمل. وهذه الأخيرة ستكون الأكبر. سندعو هذه الفئة بالإيثريين.

الآن، عند تأسيس المجتمع الجديد ستُقطع بعض الوعود. من هذه الوعود القول بأن الحاجة للطبقة العاملة، أي المعدنين، ستزول عند نقطة ما في المستقبل القريب. سيطبق هذا الوعد بالقوة بقانون يجعل العمل مستحيلًا بعد وقت محدد. هذا وعد الإيثريوم بالتحويل من إثبات العمل إلى إثبات الحصّة، والمفروض بقاعدة تدعى «قنبلة الصعوبة» والتي من شأنها أن تفضي إلى «عصر جليدي». هذا الكود، الذي سيجعل التعدين مستحيلًا بنهاية المطاف، موضوع في دستور المجتمع أو كوده.

يُقطع وعد آخر يقول إن كود الحاسوب في هذا المجتمع هو القانون. «الكود هو القانون».

يحدث خطأ

والآن، في مرحلة مبكرة، يرتكَب خطأٌ يضع كثيرًا من أموال الطبقة الثرية أمام خطر الضياع نتيجة هذا الخطأ. وهذه قضية DAO الشائنة، إذ جمع عقد ذكي قيمته 150 مليون دولار من الإثريوم من المستثمرين الأوائل، واختُرِق بعد ذلك ليستخرج المخترق معظم الأموال منه. تختلق الأعذار وتوضع التفسيرات لتوضيح سبب كون هذه الحالة تحديدًا استثناءً من وعد أن «الكود هو القانون» وبأن هذا الاستثناء سيكون الوحيد.

التغيير المجرى لتلافي الخطأ: تقترح الطبقة الحاكمة تعديلًا في القواعد بحيث تستفيد الطبقة الثرية على حساب الشخص الذي استفاد من هذا الخطأ، بدا الأمر معقولًا جدًا آنذاك.

يشتكي قليل من الناس، معظمهم من طبقة الرعيّة، أي الإيثريون، من أن وعد «الكود هو القانون» يجب ألا يخلف به. لكن يأتيهم الرد بمغادرة المجتمع وتأسيس واحد جديد يسمى «بالإثيريوم الكلاسيكي»، وكذلك يفعلون.

وخلال ذلك تبتدع الطبقة الحاكمة في مجتمع الإيثريوم قوانين جديدة (شوكة صلبة) للعودة بالزمن للوراء وتلافي الخطأ، وتستعيد الطبقة الثرية كل مالها وتُمنح استثناءً من تنفيذ قانون «الكود هو القانون» لهذه المرة، مع تقديم وعد بألا تتكرر ثانيةً.          

لدى الطبقة الحاكمة فكرة

تقرر بعد ذلك ببرهة أن الحاجة تدعو لتغيير بعض القواعد لدواعي التحسين والاستمرارية. هي شوكة صلبة أخرى. وكأن ذلك غير متوقع.

لكن في الوقت عينه قد سبق بالحدوث أمر آخر غير متوقع:

كان أحد الوعود التي قطعت عند تأسيس المجتمع أن يدفع للطبقة العاملة خمس وحدات من العملة مقابل كل وحدة عمل يؤدونها. يعني ذلك 5 عملات إيثريوم لكل كتلة. لكن الطبقة الحاكمة الآن ترى ذلك كثيرًا لأن الكمية أكبر من قيمة العمل. وعلى ذلك تغير الطبقة الحاكمة القواعد من خمسة إيثريوم لقاء الكتلة إلى أربعة. يقلل هذا الأمر تعويضات الطبقة العاملة بما مقداره عشرون في المئة.

يشتكي بعض الناس وخصوصًا من الذين في الطبقة العاملة. وكذلك يُرد عليهم بإما قبول هذا الخصم أو المغادرة والعمل في مكان آخر. لكن ما يزال العمل مربحًا، لذلك يبقي كثيرون.

والآن ليست الطبقة الحاكمة وحدها من تدعم تصعيد «تقبل الخصم أو المغادرة» هذا. بل يعجب هذا التغيير الجميع تقريبًا في طبقتي الأثرياء والرعيّة أيضًا. لم؟ يقلل هذا التغيير من إنتاج وحدات العملة الجديدة التي لم يكونوا هم يكسبونها (إذ أنهم لا يؤدون أي عمل). وعليه، فإن لهم حصة أكبر من كعكة إجمالي النقد بعد التغيير مما لو لم يكن هذا التغيير ليحصل.

لم تُطرح أسئلة أخلاقية بشكل جدي حيال ما إذا كان هذا التغيير في القاعدة يعد خرقًا للوعد الذي قطع وقت تأسيس المجتمع.

وقد أجري التغيير.

خطأ آخر: يفوت الطبقة الحاكمة موعد الوفاء بوعدهم لإلغاء نظام العمل

ويمرّ الوقت. والحقيقة أن زمان تفجير «قنبلة الصعوبة» التي لها أن تودي إلى «عصر جليدي» يقترب. إذا ما تفعلت القنبلة فسيغدو العمل مستحيلًا وسينهار المجتمع بأكمله. يتفق الجميع على سوء ذلك.

لكن الطبقة الحاكمة قد فشلت في تصميم قواعد للوفاء بوعد التحويل إلى نظام إثبات الحصّة. إنهم غير قادرين على حفظ وعدهم الأساسي.

تقترح الطبقة الحاكمة حلًّا، ولا يشمل هذا الحل تضحيتهم بثروتهم كجزاء لهم على الفشل بإيفاء وعدهم. ولا يزيل الحل قنبلة الصعوبة من كود الأساس كذلك. إنما يؤخر إطلاق قنبلة الصعوبة لا أكثر.

تدّعي الطبقة الحاكمة أمرًا على شاكلة «بتأخير قنبلة الصعوبة ، نحن نجدد عهدنا بتقديم إثبات الحصة، من خلال تحديد موعد آخر لأنفسنا عبر تأجيل العصر الجليدي».

يقبل البعض هذا البيان بظاهره. بينما يشكّ آخرون فيسألون: ماذا لو فات الميعاد مجددًا؟ ألن تؤخرّوا قنبلة الصعوبة مرةً أخرى؟ ولكن يأتيهم ما يبدو أنه التصعيد المعتاد الآن «إن لم ترضَ فارحل»

وكذلك أُصدرت شوكة صلبة لتأخير قنبلة الصعوبة.

خصم آخر على الطبقة العاملة وتأخير جديد في إثبات الحصّة.

ويمرّ الوقت. مزيد من الأشواك الصلبة تقترح وتطبق للأسباب السابقة عينها.

قد أُنقص أجر الطبقة العاملة هذه المرة من أربعة إيثريوم إلى ثلاثة لقاء الكتلة، أي خصم بمقدار 25%.قلّ كسب المعدنين الآن بنسبة 40% لقاء الكتلة مما كان عليه وقت تأسيس المجتمع الذي وعد بأن يكون الكود هو القانون، وذلك أيضًا ما عهدت الطبقة الحاكمة بألا تخرقه إلا مرة كانت لسبب محدد ووجيه. لكن وعد الكود هو القانون كان الآن قد نُكِث عدة مرات حتى صار الناس ليتوقعون خرقه على فواصل منتظمة، بل وحتى يقلقون من بطء «التقدم» عند عدم وجود كفاية من الأشواك الصلبة (للنكوث بالعهد مرة أخرى).

وكما المتوقع فقد فات الميعاد لإثبات الحصة مرةً أخرى ولا ثمن تدفعه الطبقة الحاكمة لفواته مجددًا. في الحقيقة إن تخفيض أجور الطبقة العاملة هو ما يدفع لإرضاء طبقة الرعيّة التي بدأت تطالب الطبقة الحاكمة بالوفاء بوعدها. وتسعد الطبقة الحاكمة للتضحية بمال الطبقة العاملة. في النهاية، ليست أموالهم التي يضحون بها.

وكذلك تتقبل الطبقة الثرية مع طبقة الرعيّة هذه التضحية دون طرح السؤال الأخلاقي القائل: أمن الصواب أن يدفع العاملون في مجتمعنا ثمن فشل الحكام؟

لعلّي الآن آخذ وقفةً قبل استكمال هذه الحكاية، إذ عند هذه النقطة يجدر بأي قارئ أن يرى ويقول: يبدو شيء ما هنا مشابهًا إلى حد كبيرًا للنظام الذي جاءت العملات الرقمية لإصلاحه. فقد جاءت لتنحية الحكّام. جاءت لتحميل كلٍّ مسؤولية أفعاله. جاءت لتكافئ الذكي والمجتهد والقادر دون أن تعطي غير الأكفاء أو قاطعي الوعود الناكثين بها. لكن يبدو أن تكرار النظام القديم الفاسد هذا يعود ليحدث مجددًا. وبالطبع لن ترى هذا إذا ما كنت منخرطًا في ذلك فقط للربح دون السعي لإصلاح أي شيء في نظامنا الاقتصادي.

التظاهر بالإنجاز وهم يدفعون للأغنياء بخصم المزيد من دخل الطبقة العاملة

ويمرّ مزيد من الوقت. والتقدم تجاه إثبات الحصة، وهو الوعد بتشغيل النظام دون برهان العمل، يغدو أبطًا مما كان متوقعًا في البداية. وتؤكد الطبقة الحاكمة لبقية الطبقات أن التقدم على قدم وساق. كما ويطلقون حلًا جزئيًّا لتهدئة الطبقة الأخرى. يدفع حل التهدئة هذا الناس لقاء تخزين عملاتهم، لكنه لا يلغي الاعتماد على إثبات العمل. ترحب الطبقة الثرية بالدفع لقاء الحصّة. فهم بعد كل ذلك يتقاضون أجرًا لقاء كونهم أثرياء، فلم يعترضون؟

ما يزال العمل مطلوبًا في ظل هذا الترتيب الجديد. لكن الآن يتلقى الأثرياء الوحدات الجديدة المنتجة لقاء عمل أقل جهدًا وهو كونهم أثرياء بينما يتقاضى العاملون الأجر فقط لقاء العمل المجهد المتمثل بإنجاز العمل.

وتزداد المخاوف من التضخّم الآن إذ يتقاضى الجميع المال من العملات المصدرة حديثًا (الجميع باستثناء الفئة الأفقر من الرعيّة).

لا مواعيد إيفاءٍ حقيقية بخصوص برهان العمل، وإذا كانت فلا أحد سيصدقها بجميع الأحوال. لا قلق حيال قنبلة الصعوبة التي ما عاد أحد يأبه لها بعد الآن إذ يعلمون مسبقًا أنها فقط ستؤخّر مجددًا إذا ما طرح أمرها. والجميع يعلم أن الطبقة الحاكمة ستأمن العقاب. 

لكن الآن يُخشى خطر التضخم.

لذا تقترح الطبقة الحاكمة حلًّا. وهو حل له سابقة من النجاح: تقليل أجور الطبقة العاملة من جديد. يبدو أن الطبقة العاملة لا تتقاضى الأجر فقط لقاء العملات المُنتجة حديثًا، إنما يتقاضون كذلك رسومًا لقاء التحويلات التي يجريها المستخدمون. تقترح الطبقة الحاكمة حرق جزء من أجور الطبقة العاملة. سيستمر دفع الرسوم من طرف المستخدمين، لكنها لن تذهب لصالح المعدنين. إنما سيضحى بها عوضًا عن ذلك. وبحرق أموال الطبقة العاملة ينتهي المطاف بالطبقتين الحاكمة والثرية بالحصول على قطعة أكبر من الكعكة. وهو حل مبتكر، شرير نعم، لكنه مبتكر.

والآن عند هذه النقطة يغدو جليًّا أن الطبقة الحاكمة تظهر كفاءة أكبر في قصّ قصص ذوات أسماءٍ جذّابة من مثل «العصر الجليدي» و«حاسوب العالم» منها في تقديم أكواد حقيقية تتسق مع وعودهم. فهم لا يخيبون الظن في هذا الصدد. يطلقون على حرق مكاسب الطبقة العاملة اسم «الأموال فوق الصوتية» فهو ذو وقع أقوى على المسامع من اسم «المال الصوتي (أي السليم)» – يكون المال صوتيًّا عندما يحدث صوتًا مميزًا للسامع عند رنينه على طاولة، والكلمة «فوق الصوتية» تعني الصوت الذي لا يمكن سماعه. لكنها تبدو أفضل عندما لا تحللها بهذا الشكل. بل لعلها كمثل كل شيء في الإيثريوم، يبدو أفضل إذا لم تحلله مطلقًا.

والآن نحن هنا، لكن كيف غدونا هنا؟

والآن يأتي بنا ذلك إلى الحاضر.

إن لدينا مجتمعًا قد فشلت طبقته الحاكمة في الوفاء بوعودها مرةً بعد أخرى. يبدو الأمر مألوفًا؟

إننا في مجتمع يجبر فيه العاملون على الدفع لأولئك الذين لا يعملون مرارًا وتكرارًا. ألا يبدو مألوفًا؟

إن لدينا طبقة حاكمة لا يضم حلها لأي مشكلة الاعتراف أو دفع أي ثمن لأجل الحل حتى ولو أنهم هم من سبب المشكلة في المقام الأول. ألا يبدو مألوفًا؟

نرى مطاوعة الطبقة التي تستفيد من قرارات الطبقة الحاكمة على حساب الطبقة العاملة. أليس الامر مألوفًا؟

إنما يبدو ذلك تمامًا كما هو نظام الأموال الورقية الفاسد التي نحاول التخلص منه. كيف انتهي بنا الحال تمامًا إلى النظام عينه الذي نسعى للخلاص منه؟ أعتقد أنها العوامل الآتية.

أولاً، لقد خلق العرض المسبق للعملة، أو البيع المسبق أو تملك ما قبل التعدين طبقة تحوز الغالبية العظمى من الثروة.

ثم اعتزمت ال DAO بالشوكة الصلبة إصلاح الخطأ الأحمق الذي ارتكبته هذه الطبقة الغنية. لكن يبدو أن الخلاف الذي أحدثته قد غدا سابقة يستطيع منها المشرعون التصعيد على المحكومين بالقواعد. «اقبل بهذا أو ارحل».

ثم لم يتحمل المشرعون أي مسؤولية اقتصادية لقاء فشلهم بالوفاء بوعودهم. عوضًا عن ذلك قدمت الطبقة الحاكمة مرارًا أموال العمال قربانًا لإرضاء الناس في الطبقات الأخرى إذ يشعرون باستحقاقهم للتعويض عن وعود الطبقة الحاكمة المنكوث بها. وقد تقبل هؤلاء الناس في الطبقة الأخرى هذه التضحية.

ولهذا أكره الإيثريوم. أدينها بالنكوث بعهودها مرارًا وتكرارًا إذ يجعلها ذلك غير جديرة بالثقة. أدينها بتقديم ضحايا من الفئة الوحيدة في المجتمع التي التزمت حقيقًة بمسؤولياتها.

وأرى هذه الأفعال، كبيتكويني، لا تسامح فيها ولا يمكن قبولها. وأعرف أن لا شيء منها سيقبل مطلقًا في البيتكوين. فما كنا لنجرؤ على السماح بزرع قنبلة من شأنها هدم النظام، فما بالك بتولية فئة صغيرة من الناس شأنها. ما كنا مطلقًا لنحنث بعهد الكود هو القانون بغاية إثراء طبقة على حساب الأخرى. وما كان لنا أن نعد وعودًا بناءً على ما يبدو ذكيًّا. ما كنا ببساطة لنحنث بالعهود التي أسس مجتمعنا بناء عليها، ذلك بأن كامل الرغبة به (أي البيتكوين) تأتي من أن لا طبقة حاكمة فيه لتستغل الطبقات الأخرى.

إنني كذلك ينتابني الفضول عما يظن أولئك الذين دعموا الطبقة الحاكمة مرارًا بشأن ما سيصيبهم في نهاية المطاف. كيف سيجيبون السؤال: ماذا تظنه حاصلًا إذا ما أقصيت الطبقة العاملة بشكل فعلي؟ أحسبت أن الطبقة الحاكمة سترتدع فجأة عن طلب الضحايا في سبيل إغناء نفسها؟ في النهاية فإن بيد الطبقة الحاكمة القوة لتفعل ما يحلو لها. بمقدورهم تسريع إصدار الإيثريوم لأنفسهم. يمكنهم جعل المال فوق صوتي أو فائقًا فوق صوتي بحرق مزيد من العملات (عملات حاملي الإيثريوم لا عملاتهم بالطبع) لأي أسباب يزعمون أنها أفضل للمجتمع. لا حد غير السماء لقدرتهم على التحكم بالعملة. إن أي سوء استخدام ناتج عن إصدار المصارف المركزية للعملات الرقمية هو أيضاً عرضة للحدوث في الإيثريوم، خصوصًا بالنظر إلى تاريخ طبقتها الحاكمة في التدخل لتغيير القوانين بما يناسبهم ولإبقائهم في السلطة.

لم لا أترك الأمر عند هذا الحد؟

الحقيقة التي على الجميع رؤيتها الآن هي أن الإيثريوم ليست نظامًا لا مركزيًّا يعمل من نظير إلى نظير. إنما هو نظام ذو طبقة حكام لا تحاسَب وتستغل الطبقة العاملة، تقطع عهودًا لا يمكنها الوفاء بها بينما تقص القصص المبهرة عن كيفية حلهم لجميع المشاكل. مجموعة من المشاكل هم الذين خلقوها، مشاكل غير حقيقية، ومشاكل لا يعرفون حقيقةً كيفية حلها.

سيكون من المقبول ترك الأمر عند هذا الحد ، حتى لو نحّينا جانبًا عمليات الاحتيال التي لا تعد التي ارتكبت في الإيثريوم، إلا لسبب واحد فقط.

وهذا السبب هو أن حقيقة الإيثريوم تُخفى تحت بساط بينما تروى حكاية مغايرة تمامًا للقادمين الجدد. وعلى ذلك تعرض حديثو العهد بالإيثريوم إلى طيف واسع من عمليات الاحتيال. من ذلك طيف يتباين من عمليات عرض العملة الأولي (ICO) التي تبين لاحقًا أنها غير قانونية بل انها احتيال صريح. شيوع وانتشار العقود «الذكية» التي تفتقر إلى الذكاء وتُستغل وتُستنزف أو تُسرق لدرجة لم يعد الأمر بخبر جديد. تباع القمامة على أنها فن. يوضع فن لا يمكن امتلاكه موضع ما بمكن. وتروى الأكاذيب حيال ما يوجد على سلسلة الكتلة ويمكن حيازته وما لا يوجد.

تتغير وعود الإيثريوم بشكل باستمرار مع ظهور الحملات التسويقية الجديدة، مثل حملة دعايا «المال فوق الصوتي». لكن الحكاية لا تذكر شيئًا عن التاريخ الواضح للحكام في مساعدتهم طبقة الأثرياء على حساب الطبقة العاملة إذ يقف الباقون متفرجون مستمتعون بالغنائم.

إذا لم يقلقك أي من هذا فأظن يمكن لك أن تحوزها. كنت لأشجعك على السعي لبعض النصائح الأخلاقية بهذا الشأن لكن لا حاجة لك بذلك، يمكنك تقبل محاولة أن تكون رابحاً في هكذا نظام. وعليه فيمكنك قبوله، أو إذا لم يكن يرضيك فعلاً، يمكنك تركه. على الأقل تفي الإيثريوم بهذا الوعد عندما تقطعه.

Tagged : / /

البيتكوين لا يمكن نسخه

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

حين كنّا أطفالًا، تعلّمنا جميعًا أن المال لا ينمو على الأشجار. ولكن مجتمعنا، من جهة أخرى، لُقّن أن هذا الأمر ليس ممكنًا فحسب، بل هو وظيفة طبيعية وضرورية ومنتجة للاقتصاد. قبل البيتكوين، كانت مزيّة طباعة المال محجوزة للمصارف المركزية العالمية (انظر هنا مثلًا). بعد البيتكوين، صار في مظنون كل زيد وعمْرٍو وقيس أنه يستطيع أن ينتج مالًا. من حيث المبدأ، هذه هي جراءة كل من يحاول خلق نسخة من البيتكوين. سواءٌ أكان ذلك بالانفصال عن إجماع البيتكوين (بيتكوين كاش) أو باستنساخ البيتكوين (لايتكوين) أو بإنشاء بروتوكول جديد له خصائص «أفضل» (إثيريوم)، كل هذه محاولات لخلق نوع جديد من المال. إذا استطاع البيتكوين أن يفعلها، فلم لا نستطيع نحن؟

ها نحن ذا، في عام 2019، نشهد تموّل سلعة اقتصادية (هي البيتكوين) في السوق الحرة، أول مرة منذ آلاف السنين (منذ الذهب). يتجنب كثير من الناس تدبّر ثقل هذا الواقع الجديد أو فهم كيفيته أو سبب إمكانه، ويقفزون وراءه ليركزوا على مشتقّاته أو على طرائق لحلّ مشكلة لم يروها أصلًا. كل الناس يريدون أن يغتنوا بين ليلة وضحاها، وما دام في الوجود مال، سيبقى فيه خيميائيون. فالذين يحاولون نسخ البيتكوين هم خيميائيو العصر الحديث.

كل الناس يريدون أن يغتنوا بين ليلة وضحاها، وما دام في الوجود مال، سيبقى فيه خيميائيون

يقولون لنا إن البيتكوين بطيء جدًّا فيخلقون نسخة هي «أسرع». أو يقولون إن البيتكوين لا يستطيع معالجة عدد التحويلات الكبير الذي يجري في الاقتصاد العالمي، فيخلقون نسخة «أوسعَ» نطاقًا. يقولون لنا إن البيتكوين متقلّب السعر جدًّا، فيخلقون نسخة «أشدّ استقرارًا» منه. وهكذا دواليك. ثم سيقولون إن البيتكوين صارم جدًّا وهو محتاج إلى أن يقبل البرمجة أكثر، فيخلقون نسخة «أمرَن». بل إنهم لطالما قالوا إن مخلوقاتهم هذه ليست مالًا، إنما هي وسيلة «للدفع» أو «للاستخدام» أو ربما هي «حاسوب عالمي موقود بالغاز». ويحاولون أن يقنعونا بعالمٍ فيه مئات، أو آلاف من العملات. ولكن لا تغلط، في كل حالة من هذه الحالات، محاولتهم هي لإنتاج مال.

قيمة البيتكوين

إذا كان الاستخدام الأساسي (أو الوحيد) لأصلٍ ما، هو مقايضته لسلَع وخدمات أخرى، وإذا لم يكن مرتبطًا بمجرى دخل أصلٍ إنتاجي (كالأسهم والسندات)، فهذا الأصل منافِسٌ في سوق المال ولن يحفظ القيمة إلا إذا اتصف بخصائص مالية موثوقةفي كل تغيير لـ«ميزة» ما، يُظهر الذين يحاولون نسخ البيتكوين أنهم لا يفهمون الخصائص التي تجعله قيّمًا أو ممكنًا من حيث هو مال. عندما أُطلق كود البيتكوين، لم يكن مالًا. بل إلى يومنا هذا، كود البيتكوين ليس مالًا. يمكنك أن تنسخ الكود غدًا وتنشئ تنويعتك الخاصة وتُلصق بها خصيصة جديدة، ولكن الذين اعتبروا البيتكوين مالًا، لن يروا أن تنويعتك هذه مال. أصبح البيتكوين مالًا مع الوقت، لأن شبكة البيتكوين طوّرت خصائص جديدة لم تكن موجودة أيام انطلاقها. هذه الخصائص استنساخُها أقرب إلى المستحيل اليوم مع وجود البيتكوين.

لا تشير محاولات نسخ البيتكوين سوى إلى فشل في فهم الخصائص التي تجعل البيتكوين قيم أو مناسب كمال

نشأت هذه الخصائص طبيعيًّا وارتجاليًّا لأن أفرادًا من كل أرجاء الأرض قيّموا البيتكوين وقرروا أن يحفظوا جزءًا من ثروتهم فيه. وعندما ازدادت قيمة البيتكوين، أصبح لا مركزيًّا، وعندما أصبح لا مركزيًّا، أصبح تغيير الإجماع فيه لتحقيق تحويلات فاسدة أو منع تحويلات صالحة أصعب وأصعب (وهو ما نسميه المناعة ضد الرقابة). نعم، لم يزل جدال «هل لامركزية البيتكوين كافية؟» أو «هل مناعته على الرقابة كافية؟»، ولكن الحال وإن كان هكذا، فإننا يجب أن ننظر في هذه النقاط:

  1. يمثل البيتكوين، إلى الآن، أكثر الأنظمة المالية لامركزيّة ومناعة على الرقابة في العالم، سواءٌ أقورن بالعملات التقليدية أو بالعملات الرقمية الأخرى أو بالأموال السلعية كالذهب.
  2. تأتي قيمة البيتكوين من لامركزيته ومن مناعته على الرقابة، هاتان الخصيصتان هما ما يجعله آمنًا ويثبّت موثوقية معروضه الثابت (21 مليون عملة، وهو ما يجعله مخزنًا فعّالًا للقيمة).
  3. لامركزية البيتكوين تزداد يومًا بعد يوم، وكذلك مناعته على الرقابة، مع ازدياد قيمته واتساع كل مستويات الشبكة.
  4. كرر.

كل الأنظمة المالية تنتهي بواحد

كل عملة حكومية، أو مال سلعي، أو عملة رقمية، تنافس ليكون لها استعمال البيتكوين نفسه، سواءٌ أكان هذا الأمر مُدرَكًا أم لا، وكل الأنظمة المالية تتجه إلى وسيط مالي واحد لأن وظيفة المال هو السيولة لا الاستهلاك ولا الإنتاج. عندما نفاضل الشبكات المالية، نجد أنه غير منطقي حفظ الثروة في شبكة أصغر وأقل سيولة وأمنًا، ما دام في الإمكان حفظها في شبكة أكبر وأسيَل وآمَن.

أجرِ اختبار التفكير السليم هذا. إذا عملت أسبوعين، وعرضَ عليك مُعمِّلك أن يدفع بعملة يقبلها مليار إنسان حول العالم أو بعملة يقبلها مليون إنسان، فأي واحدة تختار؟ هل ستطلب 99.9% من عملة و0.1% من الأخرى، أو ستطلبها جميعًا من العملة ذات المليار؟ إذا كنت مقيمًا في الولايات المتحدة ولكنك تسافر إلى أوروبا أسبوعًا كل سنة، هل تطلب من معمّلك أن يدفع لك جزءًا من 52 جزءًا من راتبك باليورو أو تجرّب حظك مع الدولارات؟ الحقيقة العملية أن معظم الناس يحفظون ثروتهم في أصل مالي واحد، لا لعدم وجود أصول أخرى لكن لأن هذا الأصل هو الأسيَل في اقتصادهم السوقي.

سيختار أصحاب البوليفار الفنزويلي أو البيزو الأرجنتيني الانتقال إلى نظام الدولار إن استطاعوا. كذلك، كل واحد يضارب في نسخة من البيتكوين يختار الخيار غير المنطقي بدخوله في شبكة مالية أقل سيولة وأمنًا. نعم، في العالم اليوم شبكات مالية أكبر وأسيَل من البيتكوين (كالدولار واليورو والين)، لكن الأفراد الذين اختاروا أن يحفظوا جزءًا من ثروتهم في البيتكوين اختاروا ذلك لإيمانهم بأنها أفضل شبكة مالية (لامركزية ← منيعة على الرقابة ← معروض ثابت ← مخزن للقيمة). وبسبب توقعهم أن آخرين (قريبًا يبلغون المليار) سيدخلون هذه الشبكة، فتزداد سيولتها وتجّارها.

أن يراهن شخص على نسخة جديدة من البيتكوين هو أن يتخذ قرار غير عقلاني بالدخول طواعية إلى شبكة نقدية أقل سيولة و أماناً

لماذا لا يمكن نسخ البيتكوين؟

إن كثيرًا من الذين يخلقون عملات رقمية لا يقبلون ولا يعترفون أن الذي يخترعونه لا بد أن يكون مالًا لينجح، ويخفق الآخرون الذين يضاربون بهذه العملات في إدراك أن الأنظمة المالية تتجه إلى وسيط واحد، أو يعتقدون بسذاجتهم أن عملتهم ستغلب البيتكوين. لا يستطيع واحد منهم أن يشرح كيف ستصبح عملته الرقمية أكثر لامركزية وأمنَع على الرقابة، أو أسيَل من البيتكوين. والحقيقة أنه ما من عملة رقمية سوى البيتكوين ستبلغ أدنى مراحل اللامركزية أو المناعة على الرقابة، المرحلة المطلوبة لتطبيق سياسة مالية موثوقة. واسمح لي أن أسرق صفحة من معيار البيتكوين:

البيتكوين قيّم، لا لخصيصة معينة فيه، بل لأنه حقق نُدرة رقمية منتهية، منها اشتُقّت وظيفته لحفظ القيمة. إن موثوقية ندرة البيتكوين (وسياسته المالية عمومًا) قائمة على لامركزيته ومناعته على الرقابة، وهو أمر ليس له كبير علاقة بالبرنامج. وبالخلاصة، يجذب هذا الأمر اعتمادًا متزايدًا وسيولة متزايدة تثبّت قيمة شبكة البيتكوين وتقويها. وفي هذه العملية نفسها، يخرج الأفراد في الوقت نفسه من الشبكات المالية الأدنى. هذا هو السبب الذي يجعل استنساخ الخصائص الناشئة في البيتكوين أقرب إلى المستحيل، والذي يجعل نسخ البيتكوين غير ممكن، أو على الأقل ممكنًا ولكن مغلوبًا: لأن البيتكوين خيار موجود أصلًا وخصائصه المالية تتزايد مع الوقت (على نطاقات أوسع وأوسع)، على حساب الشبكات المالية الأدنى.

لن يبلغ المرء هذا الاستنتاج إلا إذا فهم هذه النقاط بفهمه الخاص: 1) البيتكوين نادر ندرة مطلقة (كيف ولماذا؟) 2) البيتكوين قيّم لأنه نادر، 3) الشبكات المالية تنتهي بوسيط واحد. قد تصل إلى استنتاجات أخرى، ولكن هذا هو الإطار الذي يجب أن تتأمله عندما تفكر في إمكانية نسخ البيتكوين (أو غلبته)، وليس أي إطار آخر. ومن المهم أيضًا أن ندرك أن استنتاجات الأفراد، ومنها استنتاجي واستنتاجك، ليس لها معنى كبير في المعادلة. المهم هو اعتقاد إجماع السوق وما يعتقد السوق أنه أفضل وأوثق مخزن للقيمة على المدى الطويل.

إن الدليل التجريبي (آلية السعر والقيمة) يظهر أن السوق لم يزل يعبّر عن تميّز البيتكوين، بغض النظر عن كمية الضجيج الكبيرة. قبل المضاربة، حاول أن تفهم لماذا يعمل البيتكوين ولم هو فريد. سيقول لك الناس عن أنواع أفضل من البيتكوين تختلف بخصائص معينة، تذكر حينها أن السوق، الذي رأى مفرق الطرق الذي تراه أنت الآن قبل عشر سنوات، نظر في هذه العملات واختار البيتكوين لأسباب منطقية جدًّا.

حكم الأقلية

كتب نسيم طالب كيف أن أقلية صغيرة صلبة تستطيع أن تفرض إرادتها على الأغلبية، وسمى هذا حكم الأقلية وفسّر لمَ ينتصر الأقلّ تقبّلًا. البيتكوين (والأنظمة المالية) مثال مثالي لهذه الظاهرة. إذا أكّدت أقلية صغيرة على أن للبيتكوين خصائص مالية متفوقة ولم تقبل أي نوع من العملات الرقمية (أو العادية) مالًا، سيبقى السوق الذي لم يقتنع بعد يقبل البيتكوين وغير البيتكوين، ولكن في النهاية، تنتصر الأقلية التي لا تتقبل. هذا هو الذي يجري اليوم في التنافس العالمي على التفوق في فضاء العملات الرقمية. قررت أقلية من المشاركين في السوق أن البيتكوين وحده هو الممكن، ورفضوا كل الخصائص المالية لكل العملات الرقمية الأخرى، أما الأغلبية فتقبل البيتكوين إلى جانب هذه العملات. بسبب صلابة هذه الأقلية، يُفرَض رأيها على الأغلبية. في عالم العملات الرقمية، تنويع الاستثمار باختيار عملات مكافئ لجعل العوام (أو الأقلية الأقل تقبّلًا) يختارون أي شيء سيكون مالك المستقبلي، والتخلّي عن البقية الباقية من مالك. تدبّر التنازلات وفكّر في حكم الأقلية قبل أن تبيع قيمتك التي تعبت فيها بخبر في صحيفة. المال لا ينمو على الأشجار.

البيتكوين إنجاز تشفيري مرموق، لأن القدرة على خلق شيء لا يمكن استنساخه في العالم الرقمي لها قيمة عظيمة.

إريك شميدت (المدير التنفيذي السابق لغوغل)
Tagged : / /

الجميع محتالون

المقالة الأصلية | المؤلف: Michael Goldstein | ترجمة: Arabic_hodl – BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2014

إنها حرب قائمة

لن يستطيع كلايد وبوني (لصان شهيران من تكساس) سرقة أول سلسلة كتل وطنية بسهولة. نعم قد يقرصنان الخوادم وملفات المحافظ غير المشفرة أو يفحصون المحافظ الذهنية الممكن تخمينها. لكن تكاليف سرقة بيتكوين مكنوز في محفظة ورقية عالية التأمين ومحمية بكلمة سر، عالية جدًّا. لا يمكن أن يتوقَّع من حاسوب أن يفكّ أي محفظة بالقوة الغاشمة ولو أُعطي عمُر الكون، لذا لا بد للسارق أن يلجأ إلى الوسائل المكلفة كالخطف والتعذيب لأي هدف مأمول. لا يستطيع المجرمون والنصابون والمحتالون أن يعتمدوا على العنف ليحوزوا الثروة التي يريدونها، لقد أصبح الأمر مرهقًا جدًّا. لا بد للأوغاد أن يعتمدوا على قوى السوق قديمة الطراز.

والأمر ينفع. البيتكوين متج إلى نمو أُسّي، لذا فتكاليف عدم الانخراط فيه إلى أعلى درجة أكبر من أن تُحسَب. مع هذا نجد أن تجّارًا ومستثمرين وأصحاب رؤوس أموال آخرين استطاعوا أن يقنعوا أعدادًا طائلة من أهل البيتكوين أن يتركوا ثرواتهم المستقبلية، رغم المساوئ الظاهرة لهذا الأمر، بإعتبار أنك تفكر على المدى الطويل اللازم لتشهد عالم ما بعد العملات الحكومية. سيقولون لك إن الصَّرْف والاستهلاك ضروري، والنسخة القادمة المُحدثة للبيتكوين ستكون أفضل فقط إذا ما أعطيتهم من بيتكويناتك الحالية، أو أن بيتكويناتك لا تساوي إلا 475 دولارًا للبيتكوين الواحدة. سيقولون لك مثل هذه الأمور دون مزاح، والإنترنت يخفي ضرب أصابعهم على الشاشة. فإذا سقطت أمام إغوائهم، تركوك وحدك لتتعلم أنه لا «رجوع في الكلام». في الواقع السياسي للبلوكتشين، الكل محتال. هناك حرباً قائمة هدفها الحصول على بيتكويناتك، وسلاحك الوحيد هو قوة إرادتك.

محتالون في كل مكان

البيتكوين مكان خطير. فيه قائمة لا تنتهي من القراصنة والمحتالين والسارقين. يعِد البيتكوين بشبكة موزّعة الثقة. أتعلم لماذا؟ لأن البيتكوينيين الآخرين موجودون.

ليس كل محتال في البيتكوين مجرد رجل أعمال أو مستثمر. بعضهم نصّابون صرحاء وخدّاعون. عندما تشتري بساطًا من أوفرستوك، على الأقل تحصل على بساط. عندما ترسل مالًا إلى إيثيريوم، قد تحصل فعلًا على عملة عديمة القيمة في النهاية. ولكن هل تعلم ما الذي لن تحصل عليه؟ طلباتك المسبقة على غوكس بكس من بترفلاي لابس.

تقاوم بعض الاحتيالات بإقناع البيتكوينيين بعدم استغلال القيمة المقترحة للبيتكوين. أي، يقنعونهم أنهم وإن كان يجب ألّا يثقوا بأطراف ثالثة، فإن هذا الرجل لا بأس به. إيّاك أعني، إم تي غوكس. ويقنعهم آخرون بلعب ألعاب استثمار يتبين في الآخر أنها مخططات بونزي. كيف الحال، بي إس تي؟

بعض الاحتيالات مزيج نقيّ من جشع البيتكويني وغبائه. سوّق Ponzi.io لنفسه صراحةً على أنه مخطط بونزي، ووعد بأنه سيرجع إليك بيتكوينات أكثر من جيوب المستثمرين التالين. استمتع. تلقّى عنوانهم 1ponziUjuCVdB167ZmTWH48AURW1vE64q نحو 350 بيتكوين.

بعض الاحتيالات شرّ صريح. لجأ فيها المحتالون إلى الفيروسات وبرامج الفدية. أصاب كريبتو لوكر الحواسيب بتشفير ملفات أصحابها وعدم فتحها إلا إذا دُفعت فدية بالبيتكوين خلال 48 ساعة.

لجأ المحتالون إلى الابتزاز. في الثامن من سبتمبر، استطاع قرصان السيطرة على إيميل ساتوشي ناكاموتو، واستعمله في تشويه صفحة البيتكوين على صفحة سورس فورج، وليدّعي بعد ذلك أنه وجد اسم ساتوشي الحقيقي. من مقالة في مجلة فايس: «بعد التحقيق في ما أراده القرصان من كل هذا، قال الرجل: البيتكوينات طبعًا، ولكن لا تنسَ المتعة أيضًا».

وانخرط بعض المحتالين في تسريب صور عارية لمشاهير ليحصلوا على بعض البيتكوين.

سيحاول المحتالون ما استطاعوا لزيادة ممتلكاتهم من البيتكوين. أنت تعرف هذا. أنت احتلت على أحد لتحصل على بيتكويناتك. نعم غالبًا لم تنصب عليه أو تقرصنه كما بالأعلى، ولكنك حتمًا استغللت تفكيره قصير الأمد.

التجار محتالون

بعد زمن طويل، صارت نيو إيغ تقبل البيتكوين، هي وأوفرستوك وتايغر دايركت ودِل وإكسبيديا وتجار كبار آخرون ومواقع. فلنصرف الآن بيتكويناتنا، صح؟ ما بهذه السرعة. فلنمسح لعابنا من النظر إلى كل الألعاب اللامعة، ونمعن التفكير في الأمر.

لا عجبَ في أن التجار يقبلون البيتكوين. أزالت بيت باي BitPay مؤخرًا كل رسوم الدفع، حتى رسوم صرافة العملات. فالتجار الآن يستطيعون أن يستقبلوا مدفوعات من دون رسوم، إلى جانب فوائد أخرى كثيرة، منها امتناع الاحتيال وإرجاع المال وسهولة الدفع عبر الدول. يمكن أن يمرروا أموالهم التي وفروها إلى العملاء أو أن يزيدوا بها هوامش ربحهم. وربما يمسكون على بيتكويناتهم بحسب ما يسمح حسابهم، ليتربّحوا من زيادة سعره. في النهاية، إذا زاد اعتماد البيتكوين للمدفوعات، لن يكون في السوق إلا عدد ثابت من البيتكوين، وهو ما يزيد قيمة كل وحدة.

فالتجار إذن في موقع جيد. يستطيعون أن يدخروا أموالًا لمشاريعهم، وأن يشتروا البيتكوين مقابل بضائعهم، كما يشتريها كثير من الناس بالدولار واليورو. ولو كنت تاجرًا لشجّعت الناس أن يشتروا من متجري بالبيتكوين. وقد أحاول إقناعهم، بغض النظر عن غلط الاستدلال الاقتصادي، أن صرف البيتكوين في متجري ينفع البيتكوين، أكثر من تخزينه والمضاربة عليه. في النهاية، «قد تصبح كلها عديمة القيمة بين ليلة وضحاها»، وإن «مستقبلها معتمد على الصرف» (لأنني أنا قلت هذا). بل قد أقول أشياء من قبيل:

زبائني من الموجة الأولى من مستخدمي البيتكوين ويسعدنا قبول العملة الرقمية وسيلة للبيع. نحن مثلك، نؤمن أن البيتكوين قد يكون مستقبل العملات الرقمية. ولكن إذا كنت تدّخره وتأمل أن يغنيك في المستقبل، فالأفضل أن تصرفه هنا إذا أردت أن تسهم في نجاحه.

وأنا، في هذا السياق، أمثل شركة نيو إيغ. التي كانت آخر مقالة في مدونتها معنونة، «لماذا ادخار البيتكوين فكرة ليست جيدة». السبب؟ لأنه يعني أنك لن تدفعه لنيو إيغ.

بل يختار بعض التجار أن يبيعوا مباشرة كل البيتكوين الذي يصلهم. يحتالون عليك ليأخذوا بيتكويناتك التي لا يريدونها أصلا، لأنهم لا يهتمون بالقيمة المستقبلية للشبكة.

التجار محتالون لأنهم يقنعونك أن بيتكويناتك لا تساوي إلا سعر بضائعهم، لكي يتيحوا لأنفسهم (أو للذين يبيعونهم البيتكوين، إذا باعوه) أن ينتفعوا من ازدياد سعر البيتكوين، ويحرمونك منها.

… وهذا أمر جيد

لا أعني أن اعتماد التجار للبيتكوين أمر سيئ. في الحقيقة، من وجهة نظر كانِزي البيتكوين، اعتماد التجار عظيم. أوّلًا، اعتماد التجار يعني زيادة الطلب على البيتكوين، أي نمو شبكة البيتكوين، ومن ثم ازدياد قيمة البيتكوين عمّا كانت عليه أمس. ثانيًا، اعتماد التجار يعني ازدياد الأماكن التي يمكن فيها صرف البيتكوين.

لا أعني أن الكانزين يريدون أن يصرفوا بيتكويناتهم. لكن المهم أنهم يستطيعون أن يصرفوها. يعكس الطلب على المال قلة اليقين بالحاجات المستقبلية، وصاحب المال يعتقد أنه سيأتي على فرص لا يعلمها اليوم في المستقبل، تستطيع أن تلبي حاجاته أكثر من فرص اليوم. فإذا جاءت فرصة يعتقد أنها تفيده أكثر مما يفيده هذا المال في المستقبل، استحوذ عليها. كما يبين لنا قانون متكالفي، تزداد قيمة الشبكة أسّيًّا مع كل عقدة جديدة. مع كل تاجر جديد، يزداد عدد الناس الذين يمكن أن تتاجرهم، ومن ثم تزداد الفرص المحتملة لإشباع الحاجات بالمال.

طبعًا، هذه الفوائد للكانِز لا تتطلب أن يقبل التجار البيتكوين، ما دامت البنية التحتية مناسبة. بطاقات ائتمان إكسابو مثلًا، تتيح للكانز إمكانية استعمال بيتكويناته على شبكات بطاقات الائتمان الموجودة. أي إن الكانزين يستطيعون من اليوم أن يستعملوا البيتكوين كوحدة حساب سواء أعلم التجار ما هو البيتكوين أم لم يعلموا. كلما زاد إمكان استعمال البيتكوين وسيلةً للدفع قلّت الدولارات المُشكِكة في مستقبل البيتكوين، و التشكيك هو مخطارة لا يتمنونها إلا لعملاء الحكومات والاقتصاديين المتشككين. فالفائدة الأولى من اعتماد التجار للبيتكوين هي زيادة موازنة البيتكوينات المكنوزة. لن تحتاج إلى شراء الدولارات قبل الدفع بالدولار، بل ستُجدد مكنوز البيتكوين عندك بعد أن تدفع بالبيتكوين.

بين اعتماد التجار وأنظمة الدفع، يصبح البيتكوين سلعةً أقيَم للاكتناز. بشرى للبيتكوين!

الاستثمارات احتيالات…

البيتكوين مشوّق. أما النظر في ملفات المحافظ الثابتة والموازنات ليس مشوّقًا. يختار كثير من أصحاب البيتكوين أن «يستغلوا المال» بدلًا من إمساكه ونسيانه، ليجدوا مئات من باعة العملات الرقمية جاهزين لانتزاع بيتكويناتهم. سيقدمون لك عقود تعدين، أو يقدمون لك خططًا لصندوق استثمار، أو يحثونك على الاستثمار في شركة تعمل في مجال البيتكوين. اليوم، أشهر وسيلة للاستثمار عند البيتكوينيين هي مخططات «البيتكوين القادم» من ماستر كوين إلى إثيريوم.

كل هذه احتيالات.

وبغض النظر عن قدرتهم على الوفاء بوعودهم، كلّهم يخفقون في امتحان بسيط: هل عائدات الاستثمار إيجابية؟ إذا كنت عالقًا في عقلية العملات الورقية، قد تجني بعض المال من هذه العملات، ولكن بالنظر إلى نمو البيتكوين الاستثنائي المتوقع، هل تتوقع فعلًا أن تجني عائد أكبر من عائد مجرد الإمساك بالبيتكوين؟ ينبغي للمستثمرين طويلي المدى أن يستعملوا البيتكوين وحدة للحساب، وينبغي لكل استثمار أن يقارن بعائدات البيتكوين المتوقعة.

إذا بدأت البتكنة الفائقة سيرى ممسكو البيتكوين قوتهم الشرائية تزيد أضعافًا. يجب أن يفكر أصحاب البيتكوين مرتين قبل أن يرموا ولو مئات آلاف الساتوشيات في مشروع «ليروا أين سيذهب». ومن النكَت الشائعة في المجتمع غلاءُ البيتزا التي اشتراها ’لازلو‘. ننكّت في أمر بيتزا بمليون دولار، هذا ولم تبدأ البتكنة بعد. أثني على ’لازلو‘ استخدامه الريادي للتقنية الجديدة، لكنني لا أتمنى لنفسي ولا لغيري أن نكون مثل ’لازلو‘.

من الرابح هنا؟ ليس المستثمر، بل بائع أحلام الكريبتو. جمعت إثيريوم مؤخرا 15 مليون دولار لـمشروع غير منته وكان الدفع بالبيتكوين، طبعًا. لم يكن المشروع منتهيًا أصلًا ولم يوجد المنتج، ومع هذا استثمر المستثمرون فيه. مع إثيريوم اليوم أكثر من 3 آلاف بيتكوين ستبلغ في المستقبل ثروات طائلة من المال، وسيبقى المستثمرون ينتظرون أملهم الخائب.

الاستثمارات احتيالات لأنها تجعلك تعتقد أن من وراءها عوائد أكبر من إمساك البيتكوين، مع أن اقتصاديات البيتكوين تجعل هذه الدعوى سخيفة على المدى المتوسط. في عالم ما بعد العملات الرقمية، ستتكاثر الاستثمارات التي ترجع بعوائد أكبر (ومخاطر أكبر) من إمساك البيتكوين، ولكن هذه الاستثمارات ستكون في أصول تولّد أرباحًا بالبيتكوين.

… ولكن يمكنها أن تكون غير ذلك

إذا أراد كانزٌ للبيتكوين أن يستثمر أرباحه، فليس عليه النظر أبعد من شبكة البيتكوين نفسها. إن الاستراتيجية الصحيحة لريادة الأعمال في البيتكوين، كما أشار دانييل، هي الاستثمار الخيري. في حين تذهب أموال كثيرة إلى العملات البديلة وعملات التطبيقات والبرمجيات الوهمية وخدمات الأطراف الثالثة السهلة الاختراق، وغير ذلك، فإن في البيتكوين مشكلات كثيرة تحتاج إلى الحل بتطوير البرمجيات مفتوحة المصدر، وكثير من هذه المشكلات قطوف دانية. بتمويل هذه المشاريع، يزداد أمن شبكة البيتكوين وإمكان الوصول إليها واستعمالها، وهو ما يجعل البيتكوين استثمار أفضل وأفضل.

ابدأ التكويد. كل مساهمة جديدة في git فيها بشرى للبيتكوين.

الكانزون محتالون1

إن كانِز البيتكوين في معركة دائمة مع نفسه ليخفض ترجيحه الزماني ما استطاع. هذه هي الطريقة الوحيدة لاستثمال مدخرات البيتكوين. يمازحني أصدقائي أننا سنموت جوعًا بسبب الانكماش الشديد، ولكن لا يمكنني أن أقول إنني لا أنظر إلى الماضي وأتمنى أنني تخطين غدائين في ذلك المطعم الممل لأشتري مزيدًا من البيتكوين بـ10$ ما دام في وسعي.

يتحمّس الكانِزون إذا رأوا السعر صاعدًا، ويتحمسون إذا رأوه في نزول أيضًا. قبل عدة أشهر كان Coinbase يعيطيني البيتكوين بألف ومئتي دولار، اليوم يريدون 475 فقط. مهما كان السعر، يقول الكانِز في نفسه، «أغبياء».

كانزو البيتكوين في لعبة المدى الطويل. خطتهم ليست الشراء بالرخيص والبيع بالغالي، بل الشراء بأي سعر، وبيع البعض بأعلى سعر. إنهم يفعلون أي شيء ليحصلوا على بعض الساتوشيات، ولا شيء يسعدهم أكثر من تافه يبيع بيتكويناته بعد أن اقتنع أن البيتكوين لا يساوي إلا (أي سعر أقل من القمر). هؤلاء الباعة تطوعوا ليحملوا حقائب العملات الورقية الزبالة، ولن يبادر الكانزون إلى مساعدتهم على التخلص من نتنها.

نعم، ربما يكون الكانزين أخطر المحتالين. لئن كان التجار وبائعو الاستثمارات صريحين في رغبتهم لأخذ بيتكويناتك، فقد يكون الكانزون أقل وضوحًا. يستطيع المرء إثبات أن معه المفتاح الخاص لمحفظة ما، ولكنه لا يستطيع أن يثبت أنه ليس معه. فإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، فمن المعقول أن بعض تأكيدات المشككين العريضة الصاخبة، ما هي إلا عمليات نفسية تحاول التأثير في طلب السوق، ومن ثم في السعر، لمصلحة المشكك. فمثلًا، عندما قال ’بول كرغمان‘ مؤخرًا في مقالة له أنه  «ليس واضحًا أبدًا أن لتقانة البيتكوين أي قيمة اقتصادية»، لا يمكننا أن نعرف بيقين علمي أن ’بول كرغمان‘ ليس المؤمن الحق بالبيتكوين، وأنه لا يقول هذا ليشتري مزيدًا من البيتكوين بالرخيص.

الكانزون محتالون لأنهم يفهمون احتمال النمو الأسي الراجح للبيتكوين، وفي الوقت نفسه يريدون إقناع الممسكين الآخرين بأي طريقة أن القيمة المستقبلية للبيتكوين ليست أكبر من سعر السوق اليوم.

وعليك أن تشكرهم

الكَنْز هو الذي يعطي المال قيمة. ولا، لن أعطيك من بيتكويناتي.

بشرى للبيتكوين!

كيف ننهي كل هذا

لا شك، الاحتيال لأخذ البيتكوين مهنة لن تنتهي أبدًا. ستهمد الاحتيالات السوقية (التي ليس فيها نصب) مع امتصاص البيتكوين لمعروض المال الحقيقي من كل العملات الأخرى، وعندما يتباطأ الطلب على النقد ثم يستقر. ولكن، سينظر محتالون آخرون في طرق أخرى ليخدعوا أحدًا عن أمواله.

لا حلّ لهذا إلا ببناء شبكات موثوقة. كما قلنا من قبل، البيتكوين عظيم، لكنه لن يصلح الجزء البدائي من أدمغتنا. إنما استطاع البيتكوين أن يوفر مالًا من دون أطراف ثالثة موثوقة، لأن دفتره ذاتيّ الإشارة. وعلى الذين يستعملون البيتكوين أن يفكروا دائمًا بعقلية مسؤولية المشتري. من خلال بروتوكولات الدفع، وشبكات الثقة، والعقود الذكية، وعقود جي بي جي GPG، ومجامع التصويت، يمكن للمستخدمين أن يخففوا خطر أنواع متعددة من التجارة.

الحركة الرابحة الوحيدة هي ألّا تصرف

نحن في حالة حرب شاملة. كل من يمسك البيتكوين يحاول أن يحصل على مزيدٍ بالاحتيال على غيره أو بإقناعهم أن الدخول في البيتكوين لا يستحق وجعة الرأس. وكل من ليس عنده بيتكوين قد احتيل عليه إما ليبيع وإما ليبتعد عن الموضوع من أصله. يتطلب امتلاك البيتكوين المعرفة وإرادة التعلم والرغبة في رؤية مستقبل يسود فيه البيتكوين، أما عدم امتلاكه أو صرفه فهو فاقد لأحد هذه الثلاثة. إذا كان معك بيتكوين، فخذ نفسًا في كل مرة تريد فيها أن ترسل بعضًا منه لشخص آخر. واسأل نفسك هل يستحق هذا الإنسان مقادير لا علم بها من الثروة في المستقبل مقابل صبّ كأس شراب لك؟ قد تجد في نفسك رغبة لتمسك أكثر.

البتكنة الفائقة ليست قوّة يمكن الاستخفاف بها. فحتى المدخرات الهامشية بالبيتكوين اليوم، ستشكل أغلبية معتبرة في موازنة صاحبها غدًا. وإذا حدثت، فلا رجوع عنها. يومًا ما، ستبلغ موازنتك البيتكوينية مبلغًا لا ترى بعده الفاصلة تذهب إلى اليمين مرة أخرى. لن تبطئ البيتكوين لأحدٍ في سباقها على الطريق من العبودية إلى السيادة العالمية (والتحرير العالمي؟). لا تتخلّ عن مقعدك لأي أحد.

«محتال» وصف، لا تهمة.

Tagged : / /

الطاعون الأكبر: وباء زبالة العملات

لا يمثل البيتكوين الإمكانية الحقيقية الوحيدة لفصل النقد عن الدولة فحسب، بل نقلة نوعية متقدمة جداً بالفعل وحتمية الحدوث

المقال الأصلي لكاتبه Thibaud Maréchal | ترجمة: Arabic_hodlBTCTranslator

والخراب الحتمي من صك العملة المعاصرة

إنّ الكلمة الإنكليزية الدالّة على أجر صكّ العملات “seigniorage”، ترجمتها الحرفية: «السنيوريّة»، نسبة إلى السنيور أي السيّد، جاءت من الفرنسية القديمة، دالّةً على حقّ السيّد (السنيور) بصكّ العملات والتربّح الفاحش من إنتاج المال. وكان حقًّا موروثًا للأسياد والملوك استخراج أجرًا من السبائك التي تُجلب إلى المصكّ لصيغها او مبادلتها بقطع نقدية تُستخدَم في التجارة. وكان الناس يأتون بمعادنهم الثمينة كالذهب والفضّة، فيصكّها مصكّ المَلِك عملات، ليقبلها التجار في معاملاتهم. كانت هذه المزيّة مقصورة على النُّخَب المسلّحة ذات القوى التشريعية والتنفيذية. 

واليوم، لم يزل أجر الصكّ وسيلة شائعة للتربّح بين حكومات العالم من دون فرض ضرائب تقليدية، إذ إنّ هذه الأخيرة أقل قبولًا لدى الناخبين. إن أسياد طباعة المال في العصر الحديث هم المصارف المركزية التي تعمل بالتعاون مع المصارف المالية والحكومات، يتعاونون على إصدار الديون في نظام مصرفي احتياطي جزئي. تحمي القوانين الرسمية العملات الوطنية الورقية، كالدولار الأمريكي واليورو والين، إذ تقضي هذه القوانين بقبول هذه العملات وسيلة لتسديد أي دين مالي في أي قضاء. وممّا اعتيد أيضًا أن يُفرَض على السكان في منطقة العملة استعمالها لدفع الضرائب وللتجارة. هذه العملات لا تُستخدم هذه العملات إلا لغياب خيارات أخرى قانونية. في النظام المالي الحكومي، تقترب تكلفة إصدار العملة من الصفر، أي إنّ إنتاج العملة فيه ربح كبير لمنتجيها الوطنيين، وليس هناك حدّ أو سقف لمقدار المال الذي يستطيعون إنتاجه، الأمر الذي يقلّل من قيمة العملة التي تدور في السوق، ويهلك القوة الشرائية لحاملي تلك العملات، وهم عامّة الناس، أي أنا وأنت.

مصدر الصورة

الاحتكارات تزول

ثمّ جاء البيتكوين عام 2008، وتمثّل للعالم مصَكًّا ماليًّا مستقلًّا عن كلّ سلطة مركزية، في زاوية مظلمة من منتدى لأنصار التشفير في الإنترنت. وكما اخترق يوهان غوتنبرغ احتكار الكنيسة للمعارف المطبوعة باختراع آلة الطباعة، قضى ساتوشي ناكاموتو على احتكار الدولة لإنتاج المال. ولئن كان اختراع غوتنبرغ مكّن عصر التنوير الذي أدّى إلى نهضة ثقافية وفكرية لا منتهى لها، فإنّ اختراع ساتوشي قد يؤدي إلى ثورة مجتمعيّة أشدّ راديكالية. 

اللغة والمال كلاهما أداة يتعاون بها الناس سِلْمًا، وينبغي لهما أن يكونا حرّين من التلاعب المركزي. مع تطهير الأسواق الحرة من القوى المقيّدة المصنوعة، سيكتشف الأفراد والشركات سبلًا جديدة مبدَعة لبثّ الحرية والسلام والثراء لإخوتنا البشر، ولكن هذا خارج نطاق هذه المقالة.

مع أنّ وجود البيتكوين لم يزد كثيرًا على عشر سنوات بعد، فإنّه كثيرًا ما يوصف بأنه تقنية قديمة ذهبت ريحها وبطلت فكرتها. بُنيت قصص كثيرة حول البروتوكول المالي الإنترنتي الأصلي، لمنح شرعية لعروض بديلة منافسة، تقدّمها شركات خاصة وأفراد. فهل تنافس هذه العملات البيتكوين حقًّا، على افتراض تفوّفها المالي؟ ما الذي يجعل مالًا ما قيّمًا، وهل يمكن لمالٍ رقمي أن يكون موثوقًا وكفؤًا؟ وهل بين نظام العملات الحكومية الحالي، ونظام العملات الرقميّات البدائل أو بالعامّية، «الزبائل» أي فرق؟ وإذا كان تموّل البيتكوين بدأ بوصفه مالًا للناس ومن الناس، فما هي مسالك تطوره المحتملة في العقد القادم أو العقدين القادمين؟ وهل المُزابلة (shitcoinery) ظاهرة محدَثة، أم إن التاريخ يعيد نفسه؟ وهل يمكن أن تكون الزبلات (shitcoins) تقنيات فقاعية منفوخة يغذوها الطمع والترجيح الزماني العالي (high time preference) والأساليب التقانية الخاطئة؟ 

في هذه المقالة الموجزة، سنحاول تحليل الجوهر المريض لطبيعة العملات الرقمية البديلة، وننظر للبيتكوين على أنه تطور مالي براغماتي، لا «ثورة تقانية» كالمزعومة للعملات الزبلات، وسنحاول تبيين أن البيتكوين هو الاحتمال الأصيل الوحيد لفصل المال عن الدولة، وأنّ هذا التحوّل النموذجي من الآن متقدّم جدًّا ولا محيد عنه. 

شيطان قديم

لقد عمل البيتكوين لتغيير المجتمع نحو الأفضل، على رغم جهل الناس به، لكنه في الوقت نفسه أحيا ظاهرة عمرها آلاف السنين على مستوًى عالمي، هي رغبة نخبة مختارة من الناس في التحكم بإنتاج المال. وقد أثبت التاريخ في حضارات ومناطق كثيرة مستقلة، أن التحكم بإنتاج المال صناعة مربحة جدا. وإنتاج المال اليوم أسهل من أي وقت مضى، إذ يمكن لأي أحد أن ينتج مالًا ويوزعه على ملايين أو مليارات الناس. إلى يومنا هذا، أنشئت أكثر من 7 آلاف عملة رقمية، وما زال الرقم في ازدياد، يدّعي أصحابها زورًا أنها أعلى من البيتكوين ماليًّا، أو يخدعون المشترين الغافلين بروايات كاذبة. 

إن إنشاء «عملة رقمية مشفرة» اليوم، لا يكلف إلا بضع دقائق، وهو ما يضيق الحاجز الذي كان بين الناس وبين منتجي المال. يخدع «منتجو العملات» هؤلاء الأفراد والشركات والمستثمرين ليصدّقوا بقيمة عملاتهم، باستخدام خطاب تسويقي داه، ومنصات توزيع عالمية على الإنترنت، وأحيانا بتلاعبات مختلقة في السوق. معظم هذه المشاريع إن لم يكن كلها، مضللة أو هي احتيالات على مستوى عالمي تورث المستثمرين فيها ألمًا. بلغت القيمة السوقية للعملات الرقمية البديلة تقريبًا 100 مليار دولار عند كتابة هذه المقالة، وهو ما يدل على سوء استثمار من المطورين وأصحاب الشركات والباحثين والمستثمرين. لا يستفيد من العملات الزبلات على المدى الطويل إلا طبقة واحدة من الناس: المحتالون الذين يستغلون عدم انتظام المعلومات في السوق. 

ولأكن واضحًا: نعم، ينبغي أن يترك للناس في السوق الحرة خيار بناء أي عمل كيف شاؤوا، ما دام الاحتيال خارج المعادلة، وما دام يفضَح باستمرار. إن المقامرة في مصارف العملات الرقمية، التي يسميها الناس «كازينوهات الزبلات» لم تزل واحدة من أربح الصناعات حول البيتكوين، ولكن هذه الكازينوهات قلما صرّحت بمقدار الخطورة فيها للمتاجرين في السوق. إن إخفاء المعلومات عن المستهلكين الذين يشترون منتجات وخدمات هي المشكلة هنا. لن يستطيع أي إشراف تشريعي أن يمنع المستهلكين من أن يُحتال عليهم، إلا أن يفهم الناس أن سوق المال مختلف وفريد. إن سوق المال هو السوق الوحيد في العالم ذو المجموع الصفري، وهو في الوقت نفسه السوق الوحيد الذي يأخذ فيه المنتصر كل شيء، إذ يصبح هو النوع السائد من المال في النهاية. لا بد أن يخسر أحد في أحد جهتي التجارة، ولأن المال هو نصف كل تعامل يجري في العالم، فإن أسواق المال الفاسد مشكلة كبيرة، تجرّ عواقب سلبية شديدة.

عاصفة من اللَّبْس

يستعمل لتشريع الزبلات مزيج من المعلومات المضللة العالمية والمشكلات في السوق التقليدية والضغط المالي الحاصل على الأجيال الجديدة التي ترزح تحت عبء الدين. إن المعلومات الزائفة والكذب الصراح سائدان في مشهد ترويج العملات البديلة، إذ يتلاعب سدنتها بجمهور المستهلكين الصغار الذين لا علم لهم بالخدمات المالية وتاريخ الأموال. مع صعود الريبة بشأن الأسواق المالية التقليدية تريد الأجيال الرقمية — وأبرزها الجيل Z وبنو الألفية — التعامي عن المصرفية التقليدية والخروج منها سريعًا. وتأثُّرًا بأعراف الدولة المربية، تُعفى هذه الأجيال من المسؤولية الذاتية، ويظنون أن بإمكانهم أن «يكسروا الدنيا» بين ليلة وضحاها ويكتسبوا ربحًا يتقاعدون فيه وهم أبناء 25. ومن أمثلة هذه الظاهرة الحديثة، الصعود الجنوني لأسواق البورصة الذي كان دليلًا على المبادئ الاقتصادية الهشة عند هذه الأجيال.

مصدر الصورة

إن المزابلة (أي التعامل بالزبلات) مغرية للخصلة الداخلية الأشنع في الإنسان، التي يكابر كثير من الناس فلا يعترفون بها: الطمع. الطمع يفسد العقل ويقلب الرجل الصادق خروفًا قصير النظر قليل العقل خدوم النفس، تابعًا للقطيع الذي يغتني من دونه. إن أصل الطمع هو خوفنا الداخلي من مواجه المستقبل المجهول، والمزابلة هي الكأس التي نشرب منها خمرة الأبدية الطموح، الواعدة بثروة موهومة، ليست إلا سرابًا. 

وبغضّ النظر عن المشكلات التقنية للتطبيقات المختلفة للزبلات، فإن الظاهر صحة القول بأن معظم هذه العملات والشبكات والبروتوكولات، إن لم يكن كلها، مخططات بونزي صريحة معيبة عن قصد. إن مسلّمة الثقة الأساسية هي اللامركزية المحضة، وهي خصيصة مرفوعة الثالث (إما أن تكون أو ألا تكون)، وليست طيفًا كما يروج معظم المزابلين. إما أن يكون النظام مركزيًّا أو لا مركزيًّا. قد تتراوح المركزية على طيف من التنوع، كشبكات الخادم والزبون الحاسوبية، ولكن هذا لا يعنينا هنا. نهايةً، إن لمعظم المطورين العاملين في الزبلات سلطة غير معلومة على السياسة المالية لعملاتهم، وهو ما يتطلب الثقة، وهو متطلب ألغاه البيتكوين قبل أكثر من 10 سنوات. 

داروينية مالية متوحشة 

نُشر البيتكوين محاولةً لبناء نظام مصكّ ماليّ عالمي باستعمال الإنترنت والتشفير والحوسبة الشبكية والبنية التحتية للأنظمة. لا جديد في البيتكوين، معظم التقنيات المستعملة فيه موجودة ومستعملة منذ عقود. كل شيء مجرَّب ومختبَر. ومن الخطأ افتراض أن البيتكوين كان أول محاولة لإنشاء نقدٍ رقمي. فقد كان من قبله محاولات كثيرة، كلها هلك. 

سواءٌ أكان إي غولد، أم ديجيكاش، أم لبرتي ريزيرف أم بي مني، كل هذه التطبيفات طُوّرت عبر السنين، وأضافت إلى صرح البيتكوين ما أضافت. إن الفرق الأساسي بين البيتكوين والزبلات هو طبيعته اللامركزية المطلقة، ومَولِده النظيف، ومُنشِئه الغامض. ليس للبيتكوين رأس يقطع، ولا إدارة تُبتَز، ولا نقاط فشل مركزية. والبيتكوين متأقلم مع بيئته، مهما عادته، وتزداد صلابته مع تطويرات البروتوكول التي تحترم ضماناته التي لا إدهان فيها. البيتكوين أشبَهُ بالكائن الحي الذي يحاول أن ينجو من اختبار الوقت، وهو النمط العالمي الأنقى لتعذّر الهشاشة. 

«إن عبقرية البيتكوين كانت في ابتكار عملة رقمية ناجحة في العالم الحقيقي، ولم تكن في إنشاء فتح رياضي أو تشفيري عميق، بل باستعمال قطَع عمرها عقود بطريقة شبه محدَثة ولكن نادرة»، جاء هذا في مقالة مؤثرة عام 2011 عن التكنولوجيا. كل شيء احتاجه البيتكوين كان موجودًا قبل سنين، حتى الأفكار الأساسية.

ليست المعارك في سوق المال معارك في خصائص تقنية متزايدة، بل هي معارك في الخصائص المالية الأساسية. البيتكوين هو تطوّر مالي براغماتي، خلافًا لمصدري الزبلات الذين يجعلونها ثورة تقنية موهومة. هذه السرديات التافهة عن «لامركزية الوِب»، و«إصلاح إمكانية تعقب سلسلة العرض»، تروَّج بدلًا من المحاولات الفاشلة لتشريع بعض المشاريع في المجال، التي كان مكتوبًا عليها الفشل منذ نشأتها. وتستعمل التعقيدات غير اللازمة عادة لإرباك الناس وزيادة عامل الطمع الذي ناقشناه من قبل. 

تتنافس الأموال (وهي نوع من البضائع مختلف عن بضائع المستهلكين ورؤوس الأموال) على المتانة، وهي مزيج من صفات موضوعية تجعل كل وسيط محايد مفيد فعال مالًا. إن أفضل مال هو المال الذي لا استخدام له إلا المال، أي المال الذي ليس له قيمة جوهرية. إلى جانب القيمة المزيدة التي يكتسبها المال من كونه مالًا، يدرك الناس طبيعيًّا أن هذا المال طريقة صالحة لحفظ العملة ومتاجرتها وقياسها. وفي هذا القول مخالفة للمدرسة النمساوية في الاقتصاد، التي ترفضه وتقول بدلًا منه بـ«نظرية الإرجاع» ولكن هذا نقاش يومٍ آخر.

تروّج الزبلات «أساليب الاستغناء السريع»، بعوائد لا تصدق وسرديات ضحلة، إذ تُسرع وتكسر الأشياء، وتدفع عن نفسها بالقول إن التنافس في السوق الحرة موجود ليتيح للناس اختيار ما يرونه الأفضل. ولئن كان هذا الرأي محل نزاع بين أهل العلم به، فإنه ينبغي أن يرفَض ببساطة بذكر هذه المسلمات: الكذب احتيال، والاحتيال سرقة، والسرقة يجب منعها. يُعجب البيتكوين أصحاب الترجيح الزماني المنخفض، أي الذين يفكرون على المدى البعيد ويريدون أن يجدوا أمانهم في ساتوشياتهم (كل بيتكوين تنقسم إلى 100 مليون ساتوشي). البيتكوين ليس على طريقة «اغتنِ سريعًا»، بل على طريقة «لا تفتقر بطيئًا»، أي إنه سلاح ضد أبرز شرور العالم: التضخم المالي.

فكر على المدى البعيد، اختر البيتكوين واخرج من المنظومة السائدة. كن طمّاعًا، وجرّ على نفسك شرور الترجيح الزماني العالي والقمار الفاسد الذي لم يزل يفسد القلوب والأرواح والعقول منذ مطلع الزمان.

في النهاية، لا مناص: البيتكوين حتمٌ وكل الزبلات ستهلك في داروينية مالية متوحشة. اختر بحكمة.

مصدر الصورة

Tagged : / / /