من داخل ثورة البيتكوين في كوبا

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة:  مجتبى شنان | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2021

كما أظهرت المظاهرات السياسية للعالم أن الكوبيين قد سئموا من الديكتاتورية، فإن البيتكوين يقدم خيارًا للاحتجاج السلمي والانسحاب من نظام محطم.

لوسيا (Lucia) عاملة طبية تبلغ من العمر 30 عامًا ومستخدمة بيتكوين تعيش في ماتانساس، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي 150 ألف نسمة وتقع على بعد نحو 50 ميلاً شرق هافانا على الساحل الشمالي لكوبا.  سميت تيمنا بتمرد السكان الأصليين ضد المستعمرين الإسبان، وكلمة «ماتانساس» تترجم حرفياً إلى «الذبح».  تحولت المستوطنة فيما بعد إلى بؤرة للعبودية ومزارع السكر من القرن التاسع عشر. اليوم، مثل جميع المدن الكوبية، هي نقطة انفجار الأزمة المالية والإنسانية.

يعاني الشعب الكوبي معاناةً اقتصادية هي الأشد، منذ أوائل التسعينيات، عندما انهار الاتحاد السوفيتي وفقد النظام شريان الحياة الرئيس. في ذلك الوقت، قال الدكتاتور فيدل كاسترو (Fidel Castro) للمواطنين إنهم بحاجة إلى الاتحاد معًا من أجل اجتياز «فترة خاصة».  تميزت تلك الفترة بنقص الغذاء، وانقطاع للتيار الكهربائي، وفرار الآلاف إلى فلوريدا على قوارب محفوفة بالمخاطر، وانخفاض مذهل في قيمة البيزو المرتبط بالروبل السوفيتي.  بين عامي 1991 و 1994 تقلص الاقتصاد الكوبي بنسبة 35٪ وتدهورت نوعية الحياة تدهورًا كبيرًا.

بلغت التوترات ذروتها في صيف عام 1994، عندما اندلعت مظاهرات مناهضة للحكومة عرفت باسم انتفاضة ماليكونازو (Maleconazo) في هافانا.  بدون الدعم السوفيتي، أخفق نظام الحصص الحكومي في دعم المواطنين، وأصبحت السلع المهمة فجأة متاحة فقط للشراء بالدولار، وأصبحت تكلفة الحصول عليها تزداد بالنسبة للكوبيين الذين يتقاضون أجورهم ومعاشاتهم التقاعدية بالبيزو.  في خطوة يائسة، انتهك النظام فلسفته الجماعية التأسيسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المسبوقة على السكان. رداً على ذلك، تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين عند واجهة ماليكون البحرية، مطالبين بإسقاط الحكومة.

لم يكن الإنترنت وقتها موجودًا، لذلك كان النظام قادرًا على قمع الحركة من خلال وحشية الشرطة مع ضمان أن معظم الكوبيين بالكاد يعرفون أن شيئًا قد حدث. وأشار التلفزيون والراديو الحكوميان بإيجاز إلى تجمع صغير للجانحين ومثيري الشغب.  لكن في الواقع، كان تجمع ماليكونازو عرضًا مذهلاً للمعارضة، وهو التجمع الأكبر للمعارضة في الجزيرة منذ اندلاع الثورة.

إن سقوط النظام المالي يهدد بسقوط النظام السياسي.

أولا – التطهير المالي

اليوم، تتحدث لوسيا وآخرون من كوبا عن حقبة خاصة جديدة.  نتجت من إصلاح العملة والإحباط الاجتماعي الناجم عن عقود من القمع والبيروقراطية، فقد عاد النقص وانقطاع التيار الكهربائي والتضخم الشديد والاحتجاجات.

الاختلاف الكبير اليوم هو أن الجميع يعرف ما يحدث بسبب انتشار الهواتف المحمولة وسهولة الوصول إلى الإنترنت. في الشهر الماضي، في 11 تموز (يوليو)، اندلعت أكبر سلسلة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ ثورة 1959، ليس فقط في هافانا ولكن في المدن في جميع أنحاء كوبا.

من تجربة شخصية مع النظام الطبي، أخبرتني لوسيا أن شبكة الدعم البشري في كوبا تنهار. وأن الوباء اجتاح المستشفيات في ماتانساس وأن الجثث قد تكدست في الشوارع.  وقالت بأن الجو حار بشكل لا يصدق والمواطنين في كوبا يقضون ساعات طويلة في اليوم بدون كهرباء.  الغذاء – وخاصة اللحم البقري والأسماك والدجاج والبيض- نادر بل ومن المستحيل العثور عليه. أدت اللوائح الأمريكية الجديدة، التي أقرها الرئيس ترامب مباشرة قبل تركه لمنصبه، إلى عزل الكوبيين مالياً عن عائلاتهم في الولايات المتحدة.

قالت لوسيا: «من الصعب الحصول على الطعام، ومن الصعب الحصول على الأدوية، ومن الصعب الحصول على لوازم الحمام، وشبكة الكهرباء معطلة، والوباء في ذروته، وآلاف من كبار السن يموتون، ونظام الرعاية الصحية ينهار، وليس لدينا أكسجين أو مراوح»، تقول مواصلة حديثها: «كان هذا أمرا لا يطاق، هذا ما أخرج الناس إلى الشوارع».

أخبرتني لوسيا بأن أصل إخفاقات الدولة والاحتجاجات غير المسبوقة هو أزمة المال.

في يناير، أجرى الحزب الشيوعي الكوبي ما سمّاه «التطهير النقدي». منذ عام 1994، أصدرت الحكومة نوعين من العملات: البيزو الكوبي (CUP) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 24: 1 – والبيزو الكوبي التحويلي (CUC) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 1: 1.

كانت رواتب ومعاشات القطاع العام تُدفع دائمًا بالبيزو، ولكن لسنوات، كان المواطنون بحاجة إلى الحصول على البيزو التحويلي (CUC) لشراء المواد الأساسية مثل الأدوية وأي طعام يتجاوز الأساسيات والملابس ومستلزمات التنظيف والإلكترونيات. صمم النظام هذا التطهير لامتصاص القيمة من السكان، حيث يبيع الببزو القابل للتحويل مقابل 25 بيزو في مصارف الدولة والتي تسمى بالكاديكا (cadeca) بينما يشتريها فقط مقابل 24 بيزو. كان النظام يعلم أنه يتعين عليه الاستمرار في طباعة وتضخيم البيزو من أجل التوظيف في الاقتصاد المخطط مركزياً، حتى مع انهيار قطاعي الزراعي والصناعي. لقد أعطاه نظام العملة المزدوجة شريان حياة، أدى هذا الأمر الي الدفع بالقوة الشرائية للنخب والمتصلين بالنظام.

وصفت لوسيا مخرجات نظام العملة المزدوج بأنه يخلق حقيقة حيث يمكنها شراء فنجان من القهوة أو ركوب حافلة أو حتى وجبة صغيرة بسعر رخيص للغاية بالبيزو، لكن زوجًا من الأحذية أو خطة الهاتف، بسعر البيزو التحويلي، قد تكلف راتب شهر كامل. وضع هذا عمال الدولة – ومنهم المدرسون وضباط الشرطة والعاملين في المجال الطبي مثلها – في وضع اقتصادي شديد الحرمان مقارنة بأي شخص يتعامل مع صناعة السياحة، مثل النوادل أو سائقي سيارات الأجرة.

في مفارقة مأساوية، كان العمال غير المهرة في كثير من الأحيان أفضل حالًا ماليًا من المتعلمين تعليماً عالياً، وكثير منهم تركوا وظائفهم لتنظيف الطاولات أو اصطحاب الأشخاص من المطار للوصول إلى اقتصاد البيزو التحويلي. أدى نظام العملة المزدوجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عدم المساواة، وخلق فئات واضحة من الذين يملكون والذين لا يملكون. بالنسبة للعديد من الأشخاص مثل لوسيا، هذا الأمر بالتحديد -أكثر من أي شيء آخر- أوضح بأن الثورة كانت مجرد خدعة.

فر أكثر من 1.5 مليون كوبي من ديارهم منذ أن استولى فيدل كاسترو وقواته على هافانا عام 1959، وانتهى الأمر بالعديد منهم في الولايات المتحدة.  في الستينيات، أثار كاسترو ورفاقه هروب البشر ورأس المال من خلال فرض اقتصاد شيوعي مخطط في كوبا، وتأميم الشركات، ومصادرة الأراضي وتقليص دور القطاع الخاص عمليًا إلى الصفر.

لا يزال العديد من الأمريكيين الكوبيين لديهم عائلات في الجزيرة ويجد هؤلاء طرقًا لإرسال الدولارات إلى عائلاتهم في كوبا.  وتشير التقديرات إلى أنه يتم تحويل ما يصل إلى 3 مليارات دولار إلى كوبا كل عام. من أجل تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي، كان على المرء أن يدفع رسومًا بنسبة 10٪، كحد أدنى، لصالح الدولة. تم تصميم النظام لامتصاص العملات الأجنبية الصعبة وتزويد الكوبيين بـ«دولارات مزيفة» أو حتى بيزو أسوأ.

تنازل فيدل كاسترو عن السيطرة لأخيه راؤول (Raúl) في عام 2006، ومنذ ذلك الحين، قام النظام بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الفاترة للبقاء على قيد الحياة. كما كتب أنتوني دي بالما (Anthony DePalma) في كتابه للتاريخ الحديث، «الكوبيون»، فإن الحكومة الشيوعية كانت تتلاعب بالرأسمالية «كما يلعب النمر مع فريسته: يستغلّها قليلاً لوهلة من الزمن، ثم يخرج الحياة منها في اليوم التالي. حث المسؤولون الاشتراكيون الرأسماليين الكوبيين المحتملين على المضي قدمًا وفتح أعمالهم الصغيرة، ثم وضعوا طبقات من اللوائح المرهقة للحد من ربحهم وإعاقة نجاحهم.  لم يكن هدفهم الحقيقي انتشال الملايين من براثن الفقر. ولكن منع أي شخص من جني الملايين».

ابتداءً من عام 2011، تحدث راؤول علنًا عن الحاجة إلى التوحيد النقدي، لكنه حكم لمدة سبع سنوات أخرى دون اتخاذ أي إجراء. يمكن تلخيص الكارثة الاقتصادية الكوبية التي ترأسها في إحصائية واحدة: اعتبارًا من عام 2015، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكوبا هو نفسه تقريبًا كما كان في عام 1985، على الرغم من وجود إمكانات اقتصادية أعلى بكثير مع زيادة السكان بنسبة 13 ٪.

في عام 2018، تولى البيروقراطي الشيوعي المتمرس ميغيل دياز كانيل (Díaz-Canel) الرئاسة الكوبية، منهيا ما يقرب من 60 عامًا من استبداد عائلة كاسترو. مثل راؤول، أشرف دياز كانيل على التغييرات التي حدثت في الاقتصاد المخطط – مثل التسريح الجماعي للعاملين في الدولة والسماح للشركات الصغيرة بالعمل بشكل خاص – لكنه استمر في تقليد عبارات فيدل الحماسية في خطاباته: “Patrio o muerte!  ¡Socialismo o muerte!  ¡Venceremos! “(«الوطن أو الموت! الاشتراكية أو الموت!  سوف ننتصر!»)

كما كتب دي بالما: «مات فيدل وتشي. قبر راؤول يحمل اسمه بالفعل، والرئيس الجديد مجهول في جميع أنحاء العالم مثل زعيم أي بلد صغير. لا تعني أساطير الثورة سوى القليل جدًا للشباب الكوبي، الذين يرون – بوشومهم، وهواتفهم الذكية، وفلسفتهم العدمية الغليظة – بأن الرجال القدامى القادمين من جبال سييرا بعيدون تمامًا عن واقعهم.  المساعدات الخارجية التي اعتمدت عليها كوبا لفترة طويلة – أولاً من الاتحاد السوفيتي السابق، ثم من فنزويلا، بالإضافة إلى الدول المتعاطفة معها حول العالم – قد جفت، وعلى حد قول رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher)، فقد نفدت كوبا من أموال مواطنيها. في أسفل كل وصفة طبية، يطبع الآن السطر التالي: الرعاية الصحية في كوبا مجانية، ولكنها تكلف أموالا».

توافق لوسيا، وتقول إن الثورة قد نفد زخمها. الرئيس الجديد دياز كانيل ليس فيدل، ولا يمكنه إخماد الاحتجاجات بجاذبية شخصية أو بشرطة سرية تعمل في عالم بلا إنترنت. لقد أُجبر على الفعل، و «التطهير النقدي» هو أحد تلك الأفعال.

اعتبارًا من 1 يناير 2021، تم إلغاء البيزو التحويلي رسميًا.  مُنح الكوبيون ستة أشهر لاستبدال عملة البيزو التحويلي مقابل البيزو بسعر الصرف الرسمي. يشكل هذا الأمر سرقة زمنية ضخمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الكوبيين عملوا بجد للحصول على البيزو التحويلي، والآن يتم تصفيتهم عملاتهم المرتبطة بالدولار في مقابل كميات ضئيلة من عملة آخذة في الانخفاض بسرعة. حتى قبل شهر يناير، كان يتم تداول البيزو بخصم 15٪ على الدولار.

خلال الأشهر الثمانية الماضية، تسبب الإصلاح النقدي في انخفاض هائل في قيمة البيزو. فقد الكوبيون ما يقرب من ثلثي قوتهم الشرائية منذ نهاية عام 2020، حيث انتقل سعر الدولار الواحد من السعر الرسمي البالغ 24 بيزو إلى سعر يصل إلى 70 بيزو في السوق السوداء.

بلغ متوسط ​​الراتب الكوبي السنوي الرسمي في عام 2018 نحو 9300 بيزو، أو حوالي 372 دولارًا.  أخبرتني لوسيا أن رطلًا واحدًا من الأرز كلفها العام الماضي 6 أو 7 بيزو، لكن اليوم، أصبح أكثر من 50 بيزو. كان سعر كيلوغرامين من الدجاج 60 بيزو، لكنهما الآن يكلفان أكثر من 500. غالبًا ما يقول الاقتصاديون إن التضخم ليس مشكلة طالما أن الأجور ترتفع في نفس الوقت، لكن الأجور بالكاد تتزحزح، بل قد انخفضت بالمقارنة مع الدولار.

مددت الحكومة النافذة للكوبيين لاسترداد البيزو التحويلي لبضعة أشهر أخرى، ولكن تبخر استخدامها، حيث تم استبدال العملة بشكل أساسي بـ MLC، والتي تعني moneda libremente convertible قابلة للتحويل أو «عملة قابلة للتحويل بحرية».

قُدّم هذا النظام في عام 2019 كنظام نقدي مستقبلي للجزيرة، يعمل ال MLC مثل بطاقة هدايا قابلة لإعادة الاستخدام.  توجد بطاقة MLC بلاستيكية يمكن للمرء الحصول عليها من البنك، وتطبيقان مختلفان يمكن تنزيلهما على الهاتف المحمول.  لا توجد عملات ورقية أو عملات معدنية من MLC أو طرق لكسب الفائدة. عمليا توضح هذه البطاقات المواطنين الذين يقدمون معلومات حساباتهم إلى جهات الاتصال في الخارج، الذين يرسلون العملات الصعبة، والتي يصادرها النظام ويستبدلها بائتمان ال MLC للكوبيين لإنفاقها في المتاجر التي تديرها الحكومة.

في تطور هزلي قاسٍ، لا يمكن للكوبيين – الذين لم يزل كثير منهم يتقاضون رواتبهم أو يتقاعدون من البيزو – شراء MLC بالبيزو. الطريقة الوحيدة «لتعبئة» حساب MLC الخاص بك رسميًا هي بالعملة الصعبة الأجنبية. يجب أن يكون لديك عائلة أو جهات اتصال في الخارج ترسل الأموال إلى حسابك. في البداية، يمكن أن يتم ذلك بالدولار، ولكن بعد أن اتخذت إدارة ترامب إجراءات صارمة ضد التحويلات المالية إلى كوبا في أعقاب فضيحة مرض فيها الدبلوماسيون الأمريكيون بعد تعرضهم على ما يبدو لأسلحة صوتية، فقد انتهى هذا الخيار، لذا فإن MLC أصبحت الآن بشكل أساسي تولد من الجنيهات واليورو والدولار الكندي.

بهذه العملة السهلة التحويل، تمكّن النظام الكوبي فعليًّا من طباعة البيزو للحصول على العملة الصعبة. لقد سحب للبساط من تحت أقدام الكوبيين، ليكون سببًا رئيسًا للاحتجاجات التاريخية اليوم.

قالت لوسيا إن الخط الرسمي للحكومة هو أن نظام الـ MLC ضروري للدولة لجذب العملة الصعبة حتى تتمكن الدولة من شراء الأشياء في السوق الدولية، للحفاظ على استمرار النظام وإطعام الناس – وهو اعتراف مذهل بفشل الثورة.

ثانيًا اكتشاف الحرية بالبيتكوين

قابلتُ لوسيا على تليغرام (Telegram)، من خلال صديق مشترك يدير مجموعة دردشة البيتكوين في أمريكا اللاتينية. منذ ثمانية عشر شهرًا بدأت في شراء البيتكوين براتبها الحكومي. إنها تستخدم مجموعات التليغرام للعثور على أشخاص يرغبون في بيع البيتكوين مقابل MLC أو البيزو.  تقوم بالمعاملات بشكل شخصي – في مقهى، على سبيل المثال – حيث ترسل MLC من حساب الهاتف المحمول الخاص بها إلى البائع، أو تقوم بتسليم أوراق نقدية من البيزو مختومة بوجوه شخصيات ثورية مثل تشي جيفارا (Che Guevara) مقابل تحويل عملة البيتكوين إلى محفظة غرين (Green wallet) التابعة لشركة (Blockstream) على هاتفها.

منذ أن بدأت لوسيا «تكديس الساتوشيّات» (أي الادخار بالبيتكوين)، نمت ثمار عملها نموًّا كبيرًا وزادت قوتها الشرائية زيادة كبيرة. منذ ربيع عام 2020، ارتفع سعر البيتكوين من أقل من 5000 دولار إلى أكثر من 40 ألف دولار. لو احتفظت لوسيا بمدخراتها بالبيزو، لفقدت كل شيء تقريبًا.  لقد غيرت عملة البيتكوين حياتها وأنقذتها.

أخبرتني لوسيا أنها ليست عبقرية في التكنولوجيا.  في البداية، لم تكن تعتقد أن البيتكوين ستكون مناسبة لها (قالت «لا أحب الرياضيات») ولكن في أوائل عام 2020، بدأت في مشاهدة قناة روسيا اليوم (RT) لبضع ساعات كل ثلاثاء وخميس وسبت.  نظرًا لأنها دعاية روسية موثوقة، يبث النظام الكوبي قناة RT (المعروفة سابقًا باسم “روسيا اليوم”) على التلفزيون الحكومي.  ومع ذلك، يُطلق على أحد العروض على RT اسم «تقرير كايزر» (من إنتاج ماكس كايزر (Max Keizer) وستايسي هيربرت (Stacy Herbert)) وكان ينصح باستخدام البيتكوين.  يُسمح على الأرجح ببث البرنامج لأن لهجته انتقادية جدًا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، كان هذا العرض مثل حصان طروادة نوعا ما، حيث وصل إلى عدد كبير من الكوبيين والفنزويليين من خلال برامج الدولة وأدخلهم في اقتصاد البيتكوين الجديد.  ومن المفارقات بالنسبة إلى لوسيا، أن دعاية الدولة الاشتراكية هي التي أوضحت لها كيفية الحصول على الحرية الشخصية، وليس مئات الملايين من الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة على الترويج للديمقراطية في كوبا منذ التسعينيات.

مفتونة بما سمعته في «تقرير كايزر» حول شكل جديد من النقود الرقمية، بدأت لوسيا في البحث عن البيتكوين. وانضمت في النهاية إلى مجموعة تليغرام – باللغة الإنجليزية أولاً ثم بالإسبانية – مليئة بأمريكيين لاتينيين آخرين يتابعون العرض.  أعطتها هذه المجتمعات تعليماً كاملاً حول كيفية استخدام البيتكوين.

قالت لوسيا: «لقد علموني كيف يمكنني أن أكون بنك نفسي».

من خلال إحدى المحادثات ذات يوم، اكتشفت لوسيا أن إحدى صديقاتها كانت تستخدم البيتكوين أيضًا، وبدأتا تتحدثان عنه بشكل منتظم. انضمت لوسيا أيضًا إلى العديد من مجموعات البيتكوين التي تركز على كوبا على منصة التليغرام، وواصلت توسيع معرفتها. اشترت من البيتكوين بقيمة 10 دولارات أمريكية ثم أرسلتها إلى صديق في الخارج، وقد اندهش الاثنان معًا من عدم اضطرارهما لاستخدام أيٍّ من البنوك أو تقديم أي هوية أو استخدام النظام الرسمي بأي شكل من الأشكال.  حتى العملة نفسها، كما أدركوا، لم تنتجها دولة أو شركة، بل مجتمع في الإنترنت. لم يعرفوا حتى من الذي أنشأ البيتكوين، ولا يبدو أن الأمر مهم بالنسبة لهم.

قالت لي: «هذا أمر خارق». ثم أتبعت: «ما هي الأوراق التي كان عليّ تعبئتها؟  لا شيء على الاطلاق».

أخبرتني لوسيا أن العديد من الأشخاص يتلقون عملة البيتكوين من الخارج ثم يحولونها إلى MLC أو البيزو لشراء الطعام أو الإمدادات. في حالتها، تستخدمه للاستثمار من أجل مستقبلها.  تسميها «احتياطيها الشخصية» وأفضل خيار لتوفير المال.

قالت لوسيا إن الحظر الأمريكي لا يزال مؤلمًا جدًا للكوبيين.

قالت: «سينكر الكثير من الناس هذه الحقيقة، لكن لم يعد بإمكاننا شراء بطاقات ال MLC بالدولار. ليس لدينا وسيلة للوصول إلى التطبيقات المالية الأمريكية. تواجه عائلاتنا في الولايات المتحدة صعوبة بالغة في إرسال الدولارات إلينا».

قالت: «البيتكوين يساعد في تخفيف الألم».

ترى لوسيا في البيتكوين بديلًا من نظام الدولار.

قالت لي: «إذا كنّا أحرارًا من الدولار، فنحن أحرار».

أظهر العديد من الكوبيين الذين تحدثت إليهم من أجل هذه القصة روحًا وطنية مماثلة، على الرغم من خيانة الثورة.

قالت لوسيا، «إن الحظر يضع حكومتنا في مواجهة الجدار»، مجادلة بأن البيتكوين يمكن أن تمنح الاستقلال ليس فقط لأشخاص مثلها على المستوى الفردي، ولكن للمجتمع الكوبي ككل.

تقول لوسيا إنها دخلت حياتها البيتكوينية الجديدة بفعل الفضول.

«الفضول هو ما يحرك الناس. هذا ما دفعني لأن أصبح عاملة طبية». تواصل قائلة: «إنه يحيي كل البشر».

يدفعها هذا الفضول الآن إلى التعرف على البيتكوين ونشره للآخرين.

قالت: «لدى الناس الكثير من الأسئلة. من الذي يصنعه؟ كيف يعمل؟ من أين تحصل عليه؟ من الجيد الاستفادة من هذه اللحظات التي يمكن التعليم فيها».

أخبرتني أنها تقوم الآن شخصيًا بتعليم الآخرين في ماتانساس وفي دوائرها الاجتماعية الأوسع حول كيفية استخدام البيتكوين.

لكن التعلم صعب. وقالت إنه بسبب اليأس، سقط الكثير من الكوبيين في المخططات الهرمية والتسويق الشبكي. وقالت إن الدولة تخلط بين البيتكوين وتلك المخططات، لذلك يخشى الناس عمومًا من التورط. قالت إنه من الصعب التعرف على البيتكوين.  إنه لا يشبه أي شيء رآه الناس من قبل. من الصعب تصديق قدراته.  إن استخدامه بشكل صحيح يستغرق وقتًا وبحثًا.

قالت: «الاعتماد يحدث، لكن الأمر سيستغرق وقتًا».

اختتمت لوسيا حديثنا بإخباري بمدى أهمية استخدام المرأة الكوبية للبيتكوين، قائلة إنه «من الضروري أن تتعلم النساء تأكيد حريتهن المالية». وقالت إنه على الرغم من أن المجتمع الكوبي قد يكون متقدمًا نسبيًا في مجال حقوق المرأة، إلا أنه لا تزال هناك ثقافة أوسع من التحيز الجنسي وكراهية النساء. وقالت إنه حتى في هذا السياق، فإن معظم الرجال لا يفهمون حتى الاستقلال المالي، «لذا تخيلوا مدى صعوبة ذلك على النساء».

«يتيح لك البيتكوين التحكم في أموالك، وإنفاقك، وبالتالي، في حياتك». كما قالت، ثم أتبعت: «كامرأة، أصبح مستقبلي أخيرا بين يدي».

ثالثًا – تاريخ من البؤس الاقتصادي في كوبا

مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كانت كوبا واحدة من أغنى البلدان في أمريكا اللاتينية. كما كتب الباحث في العملات بواز سوبرادو (Boaz Sobrado)، «كان لكوبا قواسم مشتركة مع الولايات الأمريكية مثل لويزيانا وفلوريدا أكثر من الدول ذات الأصول الإسبانية مثل المكسيك وجمهورية الدومينيكان. تجاوز نصيب الفرد من الدخل الكوبي الدخل في المكسيك بنسبة 70٪ وفي جمهورية الدومينيكان بنسبة 300٪.  وكان دخل الفرد فيها أكبر من دخل الفرد في إسبانيا والبرتغال.»

وأشار سوبرادو إلى فندق هافانا هيلتون باعتباره «رمزًا لثراء كوبا في منتصف القرن». كان أطول وأكبر فندق في أمريكا اللاتينية، ويضم 630 غرفة ضيوف و42 جناحًا وكازينو وستة مطاعم وبارات وأروقة ومسبحًا في الهواء الطلق ونظام مرآب فسيح تحت الأرض. للوهلة الأولى، بدت كوبا مكانًا بعيد الاحتمال لثورة اشتراكية. لكن وراء بريق هافانا القديمة كان هناك مجتمع محطم بشدة.

حكم الدكتاتور فولغينسيو باتيستا (Fulgencio Batista) الجزيرة بقبضة من حديد، وبدعم قوي من الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص. كان الدخل السنوي لكوبا يبلغ 353 دولارًا للفرد في عام 1958، لكن معظم العمال الريفيين كانوا يكسبون أقل من 100 دولار، ولديهم خدمات عامة قليلة جدًا وبنية تحتية ضعيفة جدًا. سيطرت الحكومات والشركات الأجنبية على الاقتصاد، حيث امتلكت حوالي 75٪ من الأراضي الصالحة للزراعة، و 90٪ من الخدمات الأساسية و 40٪ من إنتاج السكر.

خلال الخمسينيات، قاد فيدل كاسترو حركة اشتراكية تحدت نظام باتيستا.  بحلول نهاية العقد، كانت تكتيكاته في حرب العصابات، الموجهة من المناطق الجبلية والريفية، قد استنزفت قدراً هائلاً من الأموال والطاقة من العاصمة. في عام 1958، فرضت الحكومة الأمريكية حظرًا على الأسلحة لكوبا، حيث بدأ باتيستا يفقد كل الدعم الأجنبي. في الأول من يناير 1959، استولت قوات كاسترو على هافانا.

وعد «القائد» بثورة شعبية، لكن سرعان ما انحدر حكمه إلى الطغيان، مكتملًا بمعسكرات الاعتقال، وآلاف الإعدامات التعسفية، والشرطة السرية، ودولة المراقبة على قدم المساواة مع ألمانيا الشرقية أو كوريا الشمالية. لقد كانت السجون السياسية على وجه الخصوص شديدة القسوة. فظائع النظام، التي تم إخفاؤها ذات مرة، يعاد تسليط الضوء عليها من خلال شهادات الناجين في كتب مثل «ضد كل الأمل» لأرماندو فالاداريس (Armando Valladares).

كتب أنتوني دي بالما: «الكوبيون الذين تجرأوا على التفكير بشكل مختلف خافوا أكثر من أي شيء آخر من جارهم الدائم، لجنة الدفاع عن الثورة (CDR). كان رئيس كل مجلس الإنماء والإعمار المحلي هو الشخص الذي يبلغ لديه مخبرو الحي. لقد تابعوا من لم يحضر موكب عيد العمال، الذين استمعوا إلى مباراة البيسبول بينما كان فيدل يتحدث على الراديو، والذين كان لديهم طبق قمر صناعي مخبأ تحت برميل على السطح، وقاموا بتمرير المعلومات إلى جهاز أمن الدولة المخيف الستاسي (Stasi) – وهي وزارة داخلية مدربة مثل جهاز الاستخبارات السوفيتي KGB.  كان لدى رئيس مجلس الإنماء والإعمار ما يسميه البعض قوة (fusilamiento del dedo)، والتي تعني حرفياً، «القتل بإشارة الأصبع» من خلال الإشارة وإدانة أي شخص يشتبه في قيامه بأنشطة معادية للثورة. مجرد السماح لشخص ما باستخدام هاتفك للاتصال بأحد الأقارب في ميامي قد يؤدي إلى إدانتك وإفساد حياتك. كانت شبكة المراقبة منتشرة لدرجة أن الكوبيين أصبحوا يخشون إبداء أي شكوى. حتى في منازلهم، امتنعوا عن ذكر اسم فيدل، في حال كان هناك من يستمع. وبدلاً من ذلك، قاموا بالإشارة بعلامة لحية وهمية عندما تجرأوا على انتقاد القائد».

بالإضافة إلى كونها قمعية وحشية ومنتشرة، كانت الحكومة الجديدة أيضًا عديمة الخبرة تمامًا عندما يتعلق الأمر بإدارة الاقتصاد فعليًا.  لقد اتبعوا المثال السوفيتي للنظام المالي المخطط، وسرعان ما أصبحوا معتمدين على الاتحاد السوفيتي سوقًا للتصدير.  حلّ الموالون محلّ الاقتصاديين، بغض النظر عن خلفياتهم أو كفاءتهم. يقال أنه عندما اختار كاسترو تشي غيفارا رئيسًا للبنك المركزي الكوبي، كان ذلك لأن غيفارا رفع يده بعد أن سأل كاسترو عما إذا كان هناك أي شخص اقتصادي، معتقدًا أن فيدل كان يسأل عما إذا كان هنالك أي شخص شيوعي.

في أوائل الستينيات، في سلسلة من العمليات الانتقامية ذهابًا وإيابًا، فرضت إدارتا أيزنهاور وكينيدي قيودًا تجارية، وفي نهاية المطاف حصارًا تامًا على كوبا، أما كاسترو وقواته فأمّموا مئات الملايين من الدولارات التي كانت ممتلكات وشركات أمريكية.

كانت الثورة كارثية على مدخرات الكوبيين الشخصية. كرئيس للبنك المركزي، قام غيفارا بتحويل ربط البيزو من الدولار إلى الروبل، مما أدى إلى خفض قيمة البيزو وقتها بنسبة 75٪.  بعد ذلك، تم إلغاء تداول الأوراق النقدية قبل الثورة. إذا رفضت السلطات الجديدة قبول أموالك القديمة، فقد فقدت كل شيء.

فشلت الخطط والمحاولات الأمريكية المختلفة للإطاحة بكاسترو، واستمر النظام. أصبح يعتمد هيكليًا على السوفييت في النفط والقروض والأسلحة والتدريب الفني وسوقًا لبيع صادراته الرئيسية من السكر، الذي اشترته موسكو بسعر مدعوم أعلى من أسعار السوق.

نما الاقتصاد الكوبي خلال العقود القليلة التالية، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى العلاقة مع السوفييت. ولكن حتى خلال أكثر الأوقات ازدهارًا في كوبا الشيوعية، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كانت تغطية نفقات المعيشة لا تزال صعبة، وحاول الآلاف المغادرة. في عام 1980، فر أكثر من 125000 كوبي إلى الولايات المتحدة على متن حوالي 1700 سفينة وطوافة في حدث عُرف باسم رافعة مارييل للقوارب (Mariel boatlift).

عندما تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، خسر نظام كاسترو ما يصل إلى 5 مليارات دولار من الإعانات السنوية، وانهارت صادرات كوبا من السكر بنسبة 80٪. عانى البيزو من انخفاض في قيمة العملة من 5 لكل دولار إلى 150 لكل دولار.  طلب كاسترو من الشعب الكوبي تقديم تضحيات جماعية لتجاوز تلك الفترة الخاصة، على غرار الطريقة التي طلب بها كيم جونغ إيل من الشعب الكوري الشمالي أن يظل قويًا وملتزمًا خلال «المسيرة الشاقة» في أواخر التسعينيات والتي أدت لهلاك الملايين.

خلال الفترة الخاصة، كان العديد من الكوبيين قادرين على شراء – أو العثور على – ما يكفي من الطعام مرة واحدة في اليوم. وعدتهم كتيبات اللوازم (libreta) بأشياء مثل لحم البقر والدجاج، لكن هذه العناصر اختفت. كان فيدل قد وعد بأنه سيكون بإمكان الجميع تناول كوب من الحليب كل يوم، لكن حتى ذلك فقد.

وبحسب دي بالما، فإن الكوبيين «كانوا يسطّحون قشور الجريب فروت ويطرّونها لقليها كما لو كانت شرائح لحم. أصبحت قشور الموز مطحونة ومخلوطة بالتوابل بديلاً شاحبًا آخر للحوم».  كل عائلة تتلقى حوالي تسع بيضات شهريا. ترافق نقص الطعام مع انقطاع للتيار الكهربائي بشكل «روتيني وطويل الأمد لدرجة أن الليالي الخالية من الضوء أصبحت هي القاعدة، حيث احتفل الكوبيون بالفترات القصيرة التي عادت فيها الأضواء كظواهر عابرة أطلقوا عليها بحماس الإضاءة (alumbrones)».

انهارت الصناعة. على سبيل المثال، بحلول نهاية التسعينيات، اختفت جميع أساطيل الصيد. اليوم، يستهلك الكوبيون 25٪ فقط من المأكولات البحرية التي كانوا يتناولونها في أواخر الثمانينيات. في بلد لا يبعد فيه المرء أكثر من 60 ميلاً عن الماء، يمزح الكوبيون عن كونهم «جزيرة بلا سمك».  البلد الذي كان ينتج 80٪ من طعامه الآن يستورد 80٪ منه. كتب سوبرادو (Sobrado) أن الاستهلاك المحلي لكوبا «لم ينتعش أبدًا إلى مستويات ما قبل عام 1990»، وهو ملخص مأساوي لقصة دولة جائعة.

كانت الأوقات قاتمة لدرجة أنه في عام 1993، اضطر كاسترو إلى جعل دولار الأعداء عملة رسمية لجذب العملة الصعبة.  بدأ الكوبيون في إيداع ودائع بالدولار في البنوك بتحويلات من الخارج. كان قانون تيير النقدي (Thier’s law) ساري المفعول بالكامل، حيث طرد المال الجيد السيئ. قدر سوبرادو أن ما يصل إلى نصف جميع المعاملات اليومية تمت بالدولار، وهو معدل مشابه لفنزويلا الحالية. لوقف هذا الاتجاه ومنع الدولرة الكاملة، طرح النظام البيزو التحويلي، الذي قالوا إنه كان مدعومًا بمبلغ مساوٍ من الدولارات في البنك المركزي الكوبي.

بدافع اليأس، سمح كاسترو أيضًا للمطاعم العائلية بالعمل كمؤسسات صغيرة خاصة. كان هذا جزءًا من عملية افتتاح أوسع شملت السماح للشركات الأوروبية بتشغيل فنادق كوبية، والسماح لبعض المواطنين بإدارة مزارع مستقلة، واستعادة عيد الميلاد كعطلة وطنية – وهي خطوة يُنظر إليها على أنها مقايضة للزيارة الأخيرة للبابا يوحنا بولس.  ثانيًا، أدى الجمع بين الإصلاحات الصغيرة وزيادة الاستثمار الأجنبي إلى انتعاش نسبي من الفترة الخاصة.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في دعم الدولة الكوبية ببعض أرباحه النفطية الجديدة، مما وفر شريان حياة جديدًا. ولكن في الوقت الذي تم فيه إنقاذ الحكومة، ظلت المعيشة بالنسبة للمواطن العادي صعبة للغاية. كتب سوبرادو عن تعبير كوبي: (dice que hay pollo) أو «يقولون أن هناك دجاجة»، وهي العبارة التي كان الحشد في الشوارع يصرخ بها عندما يصبح الدجاج متاحًا في المتاجر. قال إن كتيبات اللوازم (libreta) كان لديها قسم خاص بالأسماك، لكن ذلك القسم نفد وتم استبداله بالدجاج -أو كما يقال بالإسبانية السمك هو دجاج البحر Pollo por pescado)) إلا أنه في السنوات القليلة الماضية، نفد الدجاج أيضًا.

في نوفمبر 2004، وفي مواجهة انهيار اقتصادي آخر، سحبت الحكومة الكوبية الدولار الأمريكي من التداول. انتقلت المتاجر والشركات والمصارف التي تديرها الدولة بالكامل إلى نظام البيزو التحويلي. كان لا بد من تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي عند وصولها إلى كوبا، مما سمح للنظام بالاستيلاء على العملة الصعبة وفرض ضرائب عليها واستبدالها بشيء يمكن طباعته بدون دعم. كانت الصورة الكبيرة هي أن الدولارات التي كان يحتفظ بها المواطنون في يوم من الأيام يحتفظ بها الآن البنك المركزي الشيوعي.

في عصر البيزو التحويلي، سمحت العملات المزدوجة للحكومة بتوفير مستوى أساسي للغاية من بعض السلع والخدمات الرخيصة، ولكنها أنشأت نظامًا يحتاج فيه المرء إلى البيزو التحويلي لأي شيء يتجاوز الطبقة الدنيا من العناصر. على سبيل المثال، قد يكون المرء قادرًا على شراء رغيف خبز منخفض الجودة مقابل 1 بيزو من مخبز تديره الدولة – إذا كان هناك أي شيء متبقي – ولكن بالنسبة لـ 1 بيزو تحويلي، يمكنك الحصول على رغيف أفضل بكثير من متجر أرقى.  كان السياح في العقود الأخيرة يستخدمون البيزو التحويلي فقط، وكانوا يتسوقون في المتاجر الفاخرة بأسعار أعلى بكثير، وبالتالي صبوا دائمًا الكثير من العملات الصعبة في خزائن النظام.

سمحت العملات المزدوجة أيضًا بإجراء الخيمياء المحاسبية التي استفادت منها الشركات التي تديرها الدولة. على سبيل المثال، كما أشار سوبرادو، يمكن للنخبة ذات العلاقات الجيدة شراء تذكرة للسفر من كوبا مقابل بضع مئات من البيزو، بدلاً من بضع مئات من البيزو التحويلي أو الدولارات.  وهذا يعني أيضًا أن بعض مؤسسات الدولة يمكن أن تشتري الواردات بسعر «البيزو»، ثم تبيع بسعر الدولار.  كان هناك مبالغة مزمنة في الأصول وتقليل في تقدير المصروفات. لقد تمت هذه الحيل المالية على حساب البيزو والعامل العادي.

لدى العديد من الكوبيين وظيفة أخرى غير وظائفهم الحكومية، وهو ما قد يمنحهم إمكانية الوصول إلى البيزو التحويلي (أو بديلها اليوم، MLC) ويكسبهم ما يكفي للبقاء على قيد الحياة. يمكن للمرء في كثير من الأحيان أن يكسب أكثر من راتب الدولة الشهري أو معاشه التقاعدي في يوم واحد في السوق السوداء.  قال سوبرادو إن البعض يحصل حتى على ما يسميه رواتب سلبية: «الناس أحيانًا يرشون رئيسهم حتى لا يضطروا للحضور.  وبهذه الطريقة يمكنهم العمل من أجل كسب دخلهم طوال اليوم».

كتب دي بالما بأن «كل الكوبيين تقريبًا – سواء كانوا صاحب مشروع صغير أو والد يبحث عن العشاء – أصبحوا مجرمين بطريقة أو بأخرى. استبدل مصطلح (Inventando) وهو الفعل الإسباني للاختراع إلى حد كبير بكلمة ‹سرقة› باللغة الكوبية العامية، وتغيرت قواعد المجتمع المدني إذ تغاضى الناس عن السرقة، ما دام المسروق من الدولة وليس من أحد الجيران أو صديق. في كوبا الجديدة، كان الاختراع وسيلة لتسوية الملعب وتعويض رواتب الدولار في اليوم البائسة التي يتلقاها موظفي الدولة».

من الصعب تخيل التدهور التراكمي للاقتصاد الكوبي، لكن حقيقة أن حصاد 2018 من السكر أنتج مليون طن فقط، وهو نفس حصاد عام 1894، يساعد في رسم الصورة. اضطرّت كوبا، التي كانت في يوم من الأيام أكبر مصدر للسكر في العالم، إلى الاستيراد من فرنسا.

الإصلاحات «التاريخية» للنظام التي أعلن عنها راؤول ودياز-كانيل لم تكن إلا تعديلات صغيرة. لا تنمو ريادة الأعمال نموًّا جيدًا في مناخ لا يوجد فيه سوق جملة، مع وجود قيود صارمة على عدد الموظفين الذين يمكن للمرء تعيينهم، مع غلاء التراخيص والضرائب وندرة القروض.  بحلول عام 2017، على الرغم من العديد من الإصلاحات التي تم الترويج لها، لا يزال الجينز يكلف راتب شهر كامل من دخل الدولة، والحصص المتوفرة منه تنفد بعد أيام قليلة فقط.  سمح نظام الرعاية الصحية المتبجح بانتشار وباء الكوليرا، حيث كان يميل نحو رعاية خاصة للنخب.  ظل التعليم في طور الدعاية الترويجية للنظام.  في عامي 2014 و2015، فتحت إدارة أوباما قيودًا أمريكية، مما عزز المشاريع المحلية بقدوم موجة من السياح الجدد. لكن أوباما أنهى أيضًا سياسة الهجرة (القدم الجافة، القدم الرطبة)، وبعد سنوات قليلة عكس ترامب الانفتاح.

وفقًا لدي بالما، فإن الإصلاحات الاقتصادية الصغيرة التي قدمتها الحكومة للكوبيين على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية لم تكن «حرية لتطوير أنفسهم، ولكن تصريحًا لكسب مستوى من البقاء لم يعد بإمكان الحكومة توفيره. علاوة على القيود التي فرضتها على رؤيتهم الريادية وقدرتهم على جمع الثروة، طلبت الحكومة من الرأسماليين المحتملين شراء تراخيصهم مقابل رسوم باهظة نسبيًا ودفع ضرائب باهظة.  الهدف، كما حددته الحكومة، هو جعل كوبا دولة غنية بدون أغنياء».

رابعًا – أزمة حقوق الإنسان في كوبا

في أثناء بحثي لهذا المقال، تحدثت إلى مدافعة عن حقوق الإنسان لديها خلفية في المحاسبة والمالية، وتعيش في هافانا.  لم ترغب في الكشف عن اسمها («أريد أن أبقى متوارية عن الأنظار»، كما قالت) لكنها تحدثت بصراحة عن مجموعة متنوعة من الموضوعات الحساسة في دردشة الفيديو الخاصة بنا. سوف ندعوها فيريتا (Verita).

قلقها مفهوم. لا تزال كوبا دولة شيوعية ذات حزب واحد. يستمر نظام دياز كانيل في مناخ الخوف الذي بناه آل كاسترو. الأحزاب السياسية الأخرى غير قانونية، والمعارضة تقمع، والحريات المدنية مقيدة بشدة. وبحسب منظمة فريدوم هاوس (Freedom House) التي تراقب حقوق الإنسان، فإن «طابع النظام غير الديمقراطي لم يتغير على الرغم من القيادة الجديدة في عام 2018 وعملية التطبيع الدبلوماسي مع واشنطن، والتي توقفت في السنوات الأخيرة».

كسبت كوبا 13 فقط من أصل 100 نقطة محتملة في تقرير الديمقراطية الصادر عن فريدوم هاوس 2021، مع نقطة واحدة فقط من أصل 40 نقطة حول الحقوق السياسية، و 12 من 60 نقطة حول الحريات المدنية. يحظر الدستور الإعلام المستقل، و«الصحافة المستقلة في البلاد تعمل خارج القانون، وتعتبر منشوراتها «دعاية معادية»، ويتعرض صحفيوها للمضايقة والاحتجاز والاستجواب والتهديد والتشهير في الصحافة الرسمية ومنعهم من السفر إلى الخارج».

الكوبيون ممنوعون من نشر محتوى على خوادم أجنبية، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، وبشكل عام لا يمكنهم مشاركة أي شيء «يتعارض مع المصلحة الاجتماعية والأخلاق والعادات الحميدة ونزاهة الشعب». أصبحت الجامعات والمدارس الخاصة غير قانونية منذ الستينيات، ويتم ترقية المعلمين على أساس الولاء الأيديولوجي وليس الأداء الأكاديمي. وتم حظر النقابات العمالية المستقلة، ولا يمكن للعمال الكوبيين الإضراب أو الاحتجاج أو المساومة الجماعية. كما يقول المثل الثوري الشعبي، (Dentro de la revolución, todo. Contra la revolución, nada) أو «في الثورة: كل شيء. ضد الثورة: لا شيء».

فيريتا هي جزء من مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا. ولدوا إلى حد كبير في التسعينيات في أعقاب الفترة الخاصة، وهم يعيشون تحت هجوم مستمر. في عام 2003، في نفس الوقت تقريبًا الذي اضطر فيه النظام إلى تعديل نظام العملة لإبقاء المجتمع واقفاً على قدميه، أطلق النظام حملة «الربيع الأسود»، واعتقل العشرات من الشعراء والمؤلفين والصحفيين.  حتى يومنا هذا، تقوم أخوات وزوجات وبنات هؤلاء السجناء السياسيين بمسيرة في هافانا كل يوم أحد من أجل حريتهم، ويُعرفون باسم داماس دي بلانكو (Damas de Blanco) أو «سيدات يالأبيض».

تستمر المنافذ المستقلة مثل 14ymedio، التي أسسها المدون وعالم اللغة يواني سانشيز (Yoani Sánchez)، ودياريو دي كوبا (Diario de Cuba) في تقديم التقارير، لكن العمل لا يزال صعبًا. توفي أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا، أوزوالدو بايا (Oswaldo Payá)، في حادث سيارة في عام 2013، وهو حادث يُعتقد على نطاق واسع أنه جريمة قتل حكومية. لا يزال النزول إلى الشارع والاحتجاج ينطوي على مخاطر كبيرة، حيث اختفى المئات من متظاهري الشهر الماضي وكانت هناك أحكام سجن مطولة بحق المتظاهرين.

في عام 2018، تشكلت مجموعة من الإفريقيين الكوبيين من الأكاديميين والفنانين والصحفيين المعروفة باسم حركة سان إيسيدرو (San Isidro Movement)، للاحتجاج على المرسوم رقم 349، وهو قانون شيوعي يتطلب ترخيصًا مسبقًا من الحكومة للنشاط الفني. في نوفمبر 2020، أطلقت المجموعة احتجاجًا لدعم أحد أعضائها، مغني الراب دينيس سوليس (Denis Solis)، الذي أدين بـ «ازدراء السلطة». داهمت شرطة الدولة الاحتجاج، لكن النظام اضطر إلى الوعد بمزيد من الحقوق للفنانين، وزُرعت بذور انتفاضة الشهر الماضي.

كانت المجتمعات الكوبية السوداء في قلب هذه الاحتجاجات.  تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 90٪ من العائلات الكوبية البيضاء لديها أقارب في الخارج كمصدر تدفق للتحويلات المالية، ولكن فقط 30٪ إلى 40٪ من العائلات الكوبية السوداء لديها نفس الخيار. غييرمو «الشبح» فاريناس، وهو معارض أسود معروف، يصف الوضع بأنه «برميل بارود على وشك الانفجار».

في البداية، كانت فيريتا، وهي أيضًا كوبية إفريقية، رسمية للغاية، تقرأ حرفياً من خطاب كانت قد أعدته للجزء الأول من محادثتنا، حيث تحدثنا عن الاقتصاد. وظلت تكرر الخط الحكومي القائل إن «تخفيض قيمة العملة لا يؤثر على التضخم» وأن سعر صرف البيزو مقابل الدولار يظل من 24 إلى 1. في وقت لاحق في محادثتنا، انفتحت، وأخبرتني أنه في الواقع، فإن سعر الصرف لا يقل عن 70 إلى 1. كان من الواضح أن الأخ الأكبر لا يزال على قيد الحياة في ذهنها.

وأوضحت فيريتا أن نظام الـ MLC كان بمثابة استراتيجية حكومية لتخزين العملات الأجنبية الصعبة وتجنب هروب الدولار واليورو.  وقالت إنها كانت أيضًا وسيلة للحكومة لفرض ضرائب على القطاع غير الرسمي الذي كان يسرب كميات هائلة من القيمة خارج كوبا.

على سبيل المثال، قبل بضع سنوات، إذا كنت ترغب في شراء مكيف هواء، فمن المحتمل أن تقوم بتوظيف شخص ما (يُعرف أحيانًا باسم «البغل») في مكان مثل بنما، وسيحضرونه إليك وستدفع لهم بالدولارات، والتي من شأنها أن تترك الاقتصاد الكوبي بشكل دائم، دون أن يحصل النظام على فرصة للحصول على اقتطاع. مع نظام MLC، يخزن النظام الأجهزة مثل مكيفات الهواء، بحيث يسهل على المواطنين شرائها هناك بدلاً من البغل.  بهذه الطريقة، بدلاً من تسريب العملة الصعبة، يقوم النظام بتجميعها فعليًا، حيث يطلب المواطنون من العائلة والأصدقاء والزملاء تعبئة حسابات MLC الخاصة بهم حتى يتمكنوا من شراء مكيف الهواء.

ونتيجة لذلك، قالت فيريتا، إن البيزو في طور فقدان قيمته كعملة رسمية. من بين الوظائف الرئيسية الثلاث للنقود، فقد بشكل أساسي وظائف تخزين القيمة ووحدة الحساب – والتي تسربت الآن إلى MLC أو الدولار – كل ما تبقى للبيزو هو وظيفته كوسيلة للتبادل بين الأفراد عند التفاعل مع الحكومة، أو عند شراء الأشياء في الشارع.

عندما سألتها ما إذا كانت الحكومة لديها خطة لوقف تضخم البيزو، أعطتني نظرة لن أنساها أبدًا: أدارت رأسها وابتسمت قليلاً ونظرت إليّ نظرة عدم التصديق.

«خطة؟» سألت ثم واصلت قائلة: «كلا.  لا توجد خطة».

في تقديرها، سيحتاج الاقتصاد الكوبي إلى النمو بنسبة 5 ٪ سنويًا على مدار الـ 12 عامًا القادمة للتعافي من الصدمة الحالية.  لكنها قالت إنه تقلص بالفعل بنسبة 11٪ في عام 2020 وسينكمش أكثر في عام 2021. وستكون، على حد قولها، «كارثة».

خامسًا – الأثر المستمر للحظر

لمعرفة المزيد عن تأثير الحظر الأمريكي على الكوبيين، تحدثت إلى ريكاردو هيريرو (Ricardo Herrero)، ابن أحد المنفيين الكوبيين والمدير التنفيذي لمجموعة دراسة كوبا (the Cuba Study Group). وأوضح أنه اليوم، بسبب العقوبات الأمريكية، لا يمكن للكوبيين الوصول إلى مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية الشهيرة مثل خدمات الدفع الرقمي مثل بأي بال (PayPal) أو سترايب (Stripe) أو كاش آب (Cash App) أو زيلا (Zelle) أو منصة التداول كوين بايس (Coinbase) أو موقع استضافة المبرمجين غيت هب (GitHub) أو شركة التصميم الإعلاني أدوبي (Adobe) أو موقع تحميل ومشاركة الملفات دروب بوكس (Dropbox) أو برمجيات إيجار التاكسي ليفت (Lyft) أو أوبر (Uber) أو منصة التسوق الرقمي أمازون (Amazon).  ووصف الحظر بأنه «أكثر أنظمة العقوبات صرامة وتوسعا تجاه أي مجتمع على هذا الكوكب».

يعمل هيريرو على المساعدة في دفع حكومة الولايات المتحدة إلى تخفيف بعض هذه القيود. قال إن وظيفته صعبة، لا سيما بسبب قانون توريسيللي وهيلمز-بيرتون (Torricelli and Helms-Burton Acts)، الذي أُقرّ في التسعينيات، فأضفى الطابع الرسمي على القيود المفروضة على التجارة الأمريكية، والأعمال التجارية والسفر إلى كوبا من أجل زعزعة استقرار نظام كاسترو في وقت الضعف وتعزيز المعارضة الديمقراطية.

على عكس سياسة كوبا السابقة بين سنوات كينيدي وكلينتون، في العصر الجديد منذ عام 1996 عندما تم تمرير هيلمز بيرتون، تم تقنين الحظر في القانون ولا يمكن رفعه بأمر تنفيذي.  عندما ركز القانون وقتها على المطالبات الأمريكية بالأعمال التجارية والممتلكات التي يعتبرها القانون مسروقة من قبل نظام كاسترو خلال الثورة، وسع هيلمز بيرتون القيود المفروضة على الشركات الأمريكية ومنع أي شركة في العالم من ممارسة الأعمال التجارية في كوبا. إنه يهدد، على سبيل المثال، بمنع شركة من الدخول أو التعامل مع الولايات المتحدة إذا اختارت القيام بأعمال تجارية مع كوبا.

تنازل رؤساء الولايات المتحدة كلينتون وبوش وأوباما عن جزء من القانون، لذلك تمكنت بعض الكيانات الأجنبية من التعامل مع كوبا، وكانت النتائج متباينة. كما لاحظ سوبرادو بشكل جاف، فإن هافانا هيلتون (Havana Hilton)، الذي أعيدت تسميته إلى هابانا ليبر (Habana Libre) خلال الثورة، تم تسليمه في النهاية إلى سلسلة الفنادق الإسبانية ميليا العالمية (Meliá Hotels). اعتبارًا من العام الماضي، بقي الفندق الشهير فارغًا.

في العام الماضي، صنف الرئيس ترامب كوبا دولة راعية للإرهاب وأدخل 243 إجراءً جديداً لتعزيز الحظر. لم يلغ الرئيس بايدن هذه الإجراءات بعد. قال هيريرو إن قانون هيلمز بيرتون هو الرادع الذي يفسر سبب عدم رؤية محلات القهوة ستاربكس (Starbucks) أو محلات الملابس زارا (Zara) أو مطاعم ماكدونالدز (McDonalds) في كوبا.  ولهذا السبب لا تحصل كوبا على قروض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي (IMF).  هذا هو السبب في أن محطة جوراغوا للطاقة النووية لم تنتهِ قطّ. خلال افتتاح أوباما في عامي 2015 و2016، حاولت بعض شركات الدفع الأمريكية استكشاف إنشاء خدمات دفع بين الولايات المتحدة وكوبا، ولكن بمجرد فوز ترامب في الانتخابات، كان من الواضح أن الانفتاح سيتم التراجع عنه، وتم تعليق الخطط.

وقال هيريرو إن الحظر يعطي «الأكسجين السياسي» للرواية الثورية للحكومة الكوبية.

«إنه البعبع الكبير». كما قال، ثم قال: «من دونه، سيعاني النظام انهيارًا أيديولوجيًّا».

إن الحصار الممزوج بحكومة قمعية غير كفؤة هو مزيج مأساوي بشكل خاص. وقد تجلى ذلك مؤخرًا عندما عجز مواطن بريطاني مصاب بالسكري عن العثور على الأنسولين في هافانا، بسبب النقص الطبي. حاولت زوجته شحنه من لندن، لكن شركة توصيل الطرود (DHL) أعادت الطرد، وكتبت عبارة “عقوبات أمريكية على كوبا” على الملصق. توفي الزوج في المستشفى بعد فترة وجيزة.

قالت زوجته: «مزيج العقوبات الأمريكية على كوبا، وسوء إدارة كوبا للموارد الشحيحة، ووباء كوفيد -19 هو مزيج قاتل».

لا يزال هيريرو يلقي باللوم على معاناة الشعب الكوبي بشكل مباشر على أكتاف النظام، وقال إنهم يلعبون لعبة مزدوجة.  يلقي النظام باللوم على الحصار في جميع أو معظم الأزمات في كوبا، لكنهم «لم يفوتوا أبدًا فرصة لتفويت فرصة رفعه».

النظام يواصل استخدام الحصار ككبش فداء وأداة لجذب التعاطف الدولي لقضيته.

قال هيريرو: «إنهم يرسمون أنفسهم كداوود أمام جالوت الإمبريالي».

في ظل انفتاح أوباما، سارعت الشركات الأمريكية لإبرام الصفقات، لكن النظام سمح لعدد قليل جدًا من الكوبيين بالتوقيع.  أوضح هيريرو أن هذا يرجع جزئيًا إلى عقليتهم السوفيتية: «تم تدريب البيروقراطيين على أن يكونوا أعداء لليانكيز الأمريكين، وأن يعارضوا الرأسمالية».

عندما أتيحت لهم الفرصة لربط كوبا بالعالم، لم يتمكنوا من اغتنامها. على مدى العقد الماضي، تحدث النظام الكوبي عن المشاريع الخاصة واللامركزية في الاقتصاد، لكن في الواقع، كان الكلام جعجعة من غير طِحن.

أوضح أنتوني دي بالما أن النظام يذكر الكوبيين باستمرار «بالخطر الإمبريالي من الشمال، لكنه يطالب أيضًا بأن تُسقط الإمبراطورية حظرها حتى تتمكن كوبا من القيام بمزيد من الأعمال التجارية مع أمريكا وحلفائها.  لقد استخدم النظام التهديد الدائم بالتدخل الأمريكي كغطاء لكل زلة، أو برنامج فاشل، أو نقص في الغذاء، أو انقطاع التيار الكهربائي على مدى العقود الستة الماضية، لكنه يعتمد أيضًا على مليارات الدولارات الأمريكية التي يرسلها المنفيون في التحويلات المالية للسماح لكوبا بالبقاء واقفة على قدميها.  تقدم وسائل الإعلام التي تديرها الدولة الولايات المتحدة على أنها جحيم من إدمان المخدرات والقتل الجماعي والاستهلاك الجامح، بينما تصور كوبا على أنها جنة المساواة التي تديرها حكومة لا يمكنها أن ترتكب أي خطأ.  ومع ذلك، عندما يقارن الكوبيون حياتهم مع ما يسمعونه من أقاربهم في ميامي أو مع ما يرونه على الإنترنت، فإنهم يعرفون أن الأمر ليس كذلك».

إن كل ما يروج له النظام حول اقتصاده تقريبًا هو غطاء أيديولوجي لتغطية الاستغلال.  اعتبارًا من عام 2018، لم يكن أكبر مصدر للإيرادات في كوبا هو صناعة السياحة، بل كان تصدير أكثر من 50000 من العاملين في مجال الرعاية الصحية كل عام إلى أكثر من 60 دولة. تم تصميم النظام التعليمي في كوبا لإنتاج فائض من الأطباء والممرضات والفنيين – «جيش من المعاطف البيضاء» – الذين يتم إرسالهم إلى الخارج في مخطط العلاقات العامة.  قال هيريرو إن البرنامج هو وسيلة «لنسج الثورة» في حل، حيث تعلن الحكومة بفخر أننا سنرسل ألوية حول العالم لإنقاذ المضطهدين الذين تجاهلتهم القوى الإمبريالية.  في الواقع، تصادر الدولة 75٪ من رواتب هؤلاء العمال، وتحصل على أكثر من 11 مليار دولار سنويًا، مما يشكل شكلاً من أشكال العبودية بعقود طويلة الأجل، أكبر صادرات كوبا.

في غضون ذلك، يجد الكوبيون في الخارج صعوبة في إرسال الأموال إلى عائلاتهم.  قال هيريرو إن إحدى الطرق هي إجراء تحويل مصرفي لشخص ما في بنما الي هافانا هو نقلها نقدا بواسطة «حقيبة من القماش الخشن».  هناك طريقة أخرى تتمثل في الاعتماد على نظام من نوع الحوالة.  يمكن للمرء أن يعطي 100 دولار لشخص ما في ميامي، ويتصل بشريكه التجاري في هافانا ويطلب منه تقديم 100 دولار مطروحًا منها الرسوم لعائلة ذلك الفرد. كانت معاملات شركة تحويلات المغتربين عبر ويسترن يونيون (Western Union) من الولايات المتحدة إلى كوبا أيضًا خيارًا حتى نوفمبر الماضي إلى أن أغلقتها إدارة ترامب.  أغلقت الشركة 407 مواقع في جميع أنحاء الجزيرة، وهو ما يبدو مذهلاً، لكن هيريرو قال إن معظم الكوبيين وجدوا بالفعل الخدمة باهظة الثمن.

على سبيل المثال، وصفت هيريرو صفقة ويسترن يونيون من العام الماضي، حيث أرسل شخص ما 1030 دولارًا إلى أحد أفراد الأسرة في كوبا.  كانت الرسوم 77.25 دولارًا أمريكيًا، لذا كان إجمالي المبلغ الذي دفعه المرسل 11107.25 دولارًا أمريكيًا.  المبلغ المستلم في كوبا كان 1000 دولار.  تم تقسيم الرسوم المكونة من خانتين إلى 2.5٪ الإقامة في الولايات المتحدة كرسوم تخليص، و4٪ تذهب إلى ويسترن يونيون، و1٪ تذهب إلى فينيسميكس (Fincimex) وهو «معالج الدفع الحكومي الكوبي المعتمد حاليًا»، و2.5٪ احترقت في «سعر الصرف» للتحويلات، والتي ذهبت إلى جيوب الحكومة.

حتى إذا فتحت الولايات المتحدة خدمة ويسترن يونيون مرة أخرى، فلن يتلقى المستلمون سوى 1000 دولار “بالسعر الرسمي” البالغ 24 بيزو إلى دولار واحد.  لذا سيحصل المستلم على 25000 بيزو، على الرغم من أن القيمة الحقيقية للتحويل هي 70000 بيزو.  سيحافظ النظام على الفرق.

قال هيريرو إن بإمكان الأمريكيين بالفعل تغذية حسابات MLC مباشرة بالدولار حتى الصيف الماضي. لكن العقوبات الجديدة لإدارة ترامب أغلقت هذه القناة. إلى جانب إغلاق الرحلات الجوية وانخفاض السياحة، قال هيريرو إن هذه كانت «ضربة مزدوجة» تسببت في انخفاض كبير في تدفقات الدولار إلى كوبا.  قال، حدث هذاعندما بدأ البيتكوين في الإقلاع.

قال لي: «ما من عملة يمكن أن تساعد في في التغلب على تذبذبات السياسة الأمريكية الكوبية على مدى السنوات الخمس الماضية أفضل من البيتكوين».

وأضاف: «من الصعب أن ينمو أي شيء في كوبا، ولكن إذا كنت تستثمر في عملة البيتكوين على مدى السنوات القليلة الماضية، فإنك تنمو».

سادسًا – البيتكوين وسيلةً للالتفاف على النظام الكوبي

أخبرني هيريرو عن إريك غارسيا كروز (García Cruz Erich)، شخصية بيتكوين كوبية شهيرة. أطلق على كروز لقب «رجل السنت الواحد»، لأنه غالبًا ما يظهر كضيف على التلفزيون الحكومي، ويدير قناته الشهيرة على منصة التواصل الاجتماعي يوتيوب (YouTube) لمراجعة أنواع مختلفة من التكنولوجيا وأنظمة الدفع.  لقد تواصلت مع كروز لمعرفة المزيد.

قال لي كروز: «لقد عشت في هافانا منذ اليوم الذي ولدت فيه».  كان مرتاحًا لاستخدام اسمه في هذه المقابلة، حيث قال إنه بالفعل شخص «مشهور جدًا ومعروف جدًا».

وقال كروز إن الاحتجاجات الأخيرة اندلعت بسبب نقص الغذاء، ونقص الأدوية، والأشخاص الذين يعانون من الجوع، ومحاولة البقاء على قيد الحياة في ظروف وحشية، وأثناء الوباء، والبيروقراطية الحكومية، وارتفاع التضخم.

«الشعب الكوبي متعب». كما قال، ثم أتبع قائلا: «إنهم يريدون حياة أفضل».

قال كروز: «النظام لا يعمل، لذلك يلجأ الناس إلى البيتكوين للهروب».

شركة كروز، بيتريميساس (Bitremesas)، حلٌّ للمشكلة العملاقة التي يواجهها الناس عند محاولة إرسال تحويلات مالية من الولايات المتحدة إلى كوبا.  مرة أخرى، بسبب الحظر، لا تستطيع البنوك الأمريكية تحويل دولارات إلى حسابات كوبية.  لم يعد هناك خدمات تحويل نقدي كترانسفروايز (Transferwise)، ولا باي بال (PayPal)، ولا ريفولت (Revolut)، ولا حتى ويسترن يونيون (Western Union) بعد الآن.

لا تزال طريقة البغل تعمل، وهي تحويل الأموال إلى شخص ما سيذهب جسديًا إلى كوبا ويعطي نقودًا لعائلتك، لكن هذا مكلف ويستغرق وقتًا طويلاً.  قال كروز إنه يمكن للمرء أيضًا إجراء تحويل إلى أحد البنوك في إسبانيا، على سبيل المثال، حيث يمكن إرسال الحوالة مباشرة إلى حساب MLC الخاص بشخص ما.  لكن مرة أخرى، باهظ الثمن ويستغرق وقتًا طويلاً.

قال كروز إن الخيار الأفضل هو استخدام البيتكوين.

«لقد أصبحت وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي». وقال: «عدد الكوبيين الذين يستخدمون البيتكوين آخذ في الازدياد».

يقدر كروز أن 300000 مواطن كوبي على الأقل استخدموا البيتكوين أو العملات الرقمية مرة واحدة على الأقل، وربما يستخدمها 100000 على أساس منتظم.  يمثل هذا 2.5٪ من سكان الجزيرة، وهو ما يتماشى تمامًا مع التقديرات العالمية التي تشير إلى أن 200 مليون شخص من أصل 7.8 مليار شخص في العالم قد استخدموا عملة البيتكوين.

قال كروز إن أي شركة كوبية لا تستخدم الببيتكوين اليوم للتفاعل مع النظام المالي الدولي ستتعلم بالطريقة الصعبة، وستتكيف وتتبنى.

وقال: «ستضطر جميع الشركات التي تتعامع مع جهات خارجية إلى استخدام البيتكوين». «لدينا قول مأثور في كوبا: عليك ركوب الحافلة، لأن الحافلة تغادر المدينة».

إنه يعتقد أن معدل تبني البيتكوين هو بالفعل أكبر بالنسبة للفرد في كوبا مما هو عليه في أوروبا أو كندا، لكنه أخبرني أنه لم يكن دائمًا من المؤمنين بالبيتكوين. في الواقع، حتى مارس 2020، كان يعتقد أنها عملية احتيال. قال إنه كان هناك دائمًا أصدقاء وزملاء يحاولون تعريفه بالعملة الرقمية، لكنهم كانوا يحاولون حمله على القيام بذلك حتى يتمكن بعد ذلك من إرسال عملة البيتكوين إلى مخططات هرمية مثل أربيستار (Arbistar) أو ترست للاستثمار (Trust Investing).

قال: «كنت متشككًا للغاية».

في مارس 2020، قدم كروز مقطع فيديو شائعًا حيث كشف عن احتيال تراست للاستثمار، وأظهر كيف أنها كانت مخططًا هرميًا. كجزء من رد الفعل على الفيديو، شجعه الناس على النظر في خيارات الاستثمار الأخرى. كان أحدهما البيتكوين. تعهد لنفسه بأن يحاول أن يصبح خبيرًا في الموضوع.

في أبريل ويونيو 2020، ذهب في «جحر الأرنب» و «اكتشف الكأس المقدسة».  قال لي، من خلال عدسة البيتكوين، «ترى القيود الفعلية التي يُقَيَّدها الكوبيون والحرية التي توفرها البيتكوين. وترى العالم من منظور مختلف».

قال: «لا يمكننا الوصول إلى حلول الدفع التقليدية.  كنا عالقين.  حسنًا، إذا كان هذا هو الحال فسأنشئ مزود دفع باستخدام البيتكوين، وسنطور نشاطًا تجاريًا حول هذه الفرصة».

في 1 سبتمبر 2020، أطلق كروز بيتريميساس حتى تتمكن العائلات الكوبية من التعامل بسهولة بين الولايات المتحدة وكوبا.  العملية بسيطة: يقوم شخص ما في الولايات المتحدة بإرسال عملة البيتكوين إلى محفظة تديرها بيتريمساس (أخبرني أنها عبارة عن محفظة متعددة التوقيع (multisig) بحاجة الي توقيعين اثنين من أصل ثلاثة، للحصول على أمان إضافي) – ثم تبيع الشركة عملة البيتكوين مقابل MLC أو البيزو، وتقوم بتسليمها للمستلم.

وصف كروز نظام «مناقصة سلبية»، حيث تعلن شركته عن تحويل بيتكوين بقيمة 100 دولار أمريكي حديثًا في شبكة محلية: سيعرض أحد المتداولين 95 دولارًا، وسيقدم 94 دولارًا آخر.  سوف تبيع بيتريمساس لأدنى مزايد وتتخذ الفرق كأرباح. سيقوم التاجر بتسليم الأموال إلى المستلم. وقال إن التحسن الكبير الذي يحدثه هذا مقارنة بالطرق الأخرى لإرسال الأموال إلى كوبا هو أن المتلقي يقترب من سعر الصرف الحقيقي. وقال إن المرور بالنظام الرسمي يؤدي إلى التعثر في سعر 24 بيزو مقابل 1 دولار.

وقال إن الشعب الكوبي «ذكي ومفكر» ويخزن القيمة في عملة البيتكوين لأنهم يثقون بها أكثر من البيزو.

قال: «إذا كان بإمكانك شراء ساتوشي بالبيزو ويمكن أن تنتظر ثلاث سنوات، فإنك تزيد من قوتك الشرائية بطريقة هائلة».

قال كروز: «لا أحب أن أتحدث عن السياسة أو الحكومة أو ما إذا كانت لديهم سياسات صحيحة أو خاطئة». «أحاول فقط تعليم زملائي الكوبيين كيفية التعايش مع البيتكوين والعملات المشفرة».

ينسب كروز الفضل إلى مبتكر البيتكوين ساتوشي ناكاموتو في حياته الجديدة وأعماله الجديدة.

قال كروز إنه ليس لديه معلومات سياسية خاصة، لكنه قال إن الحكومة تبحث في العملة المشفرة كجزء من خطتها الخمسية الحالية، ويمكن أن تتبنى في النهاية استراتيجية البيتكوين. على سبيل المثال، يمكن أن يبدأ قبول البيتكوين في متاجر MLC، أو السماح للمواطنين باستخدام البيتكوين لتعبئة حسابات MLC، أو لبيع العروض السياحية أو حتى الصادرات من البيتكوين.

وقال: «ستكون هذه خطوة ذكية، ووسيلة جيدة لتجميع العملة الصعبة، لكننا نتحدث عن الحكومة الكوبية، لذلك لا أعرف».

لا يزال كروز ينتقد بشدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة، الذي يمنعه من الوصول إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المتاحة بخلاف ذلك للأشخاص الذين يعيشون على بعد بضع مئات من الأميال في ميامي.

وقال: «لكن محاربة الحظر معركة لا يمكنك الفوز بها».

وأضاف «في كوبا، هناك خياران يمكنك مغادرة كوبا والهروب من المصفوفة، أو يمكنك البقاء ولعب اللعبة.  البيتكوين هو رمز الغش للعب اللعبة.  الآن، اخترت البقاء».

سابعًا – بناء اقتصاد البيتكوين في هافانا

يعمل خورخي (Jorge) في شركة بيتكوين في هافانا. اكتشف البيتكوين في مارس 2018، عندما استفاد من الوصول إلى الإنترنت الموسع في كوبا لبدء التداول و«تكديس الساتوشيات» عبر الإنترنت للقيام بمهام مختلفة. على الرغم من ذلك، بالنسبة لمعظم حياة خورخي، كان الاتصال بالعالم الخارجي قريبًا من المستحيل. تم تقييد شبكة الإنترنت بشدة، لم يمكن إيصال المعلومات إلى كوبا إلا بطرق هادئة.

بصفتي متدربًا في مؤسسة حقوق الإنسان، ساعدت في المشاركة في برنامج عام 2007 حيث سنرسل كتبًا وأفلامًا أجنبية إلى نظام «المكتبة السرية» قبل الإنترنت في كوبا. من مكتب في نيويورك، كنت أقوم بنسخ نسخ من الأفلام المترجمة مثل (V For Vendetta) و (Braveheart) على أقراص DVD down the rabbit hole، والتي كانت متخفية في شكل أقراص مضغوطة موسيقية، وإرسالها إلى كوبا مع مواطني أمريكا اللاتينية الذين يتوجهون إلى الجزيرة عبر المكسيك.  كانوا يوصلون محتوى المنشورات المعارضة المحظورة الساميزدات (samizdat) – إلى جانب الإمدادات الطبية وغيرها من التقنيات – إلى معارفنا، الذين يجرون عروضًا خاصة في منازلهم على مشغلات DVD محمولة مع ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين في وقت واحد، ويستضيفون مجموعات مناقشة بعد ذلك.

لسنوات عديدة، كان هذا – إلى جانب التقاط إشارات الراديو من فلوريدا – هو كيفية وصول الكوبيين إلى المعلومات الخارجية.  بعد بضع سنوات، وُلد «paquete»: نظام يستخدم فيه بعض الكوبيين معدات أقمار صناعية غير قانونية لتنزيل محتوى أجنبي وتحميله على محركات أقراص صلبة، والتي يتم نشرها بعد ذلك من خلال المجتمعات حيث يدفع الأشخاص مقابل كل عنصر لنقل ما يريدون إلى أقراص USB الخاصة بمشاهدتها أو قراءتها في المنزل.

في عامي 2014 و2015، بدأت شبكة شبكة الإنترنت (WiFi) في الظهور في جميع أنحاء كوبا في الفنادق ونقاط الوصول العامة. نمت (paquete) بشكل كبير في هذه المرحلة، حيث حصل بعض الأشخاص على أموال مقابل الوقوف وتنزيل المحتوى طوال اليوم. في عامي 2017 و2018، تم إدخال البيانات إلى الهواتف المحمولة. زاد الوصول إلى الإنترنت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لكنه لا يزال بطيئًا ومراقبًا.

قال خورخي: «لا يوجد جدار حماية كبير، لكن تجربتنا ليست سلسة وبراقة مثل الإنترنت المفتوح».

عندما تحدثنا، استخدم شبكة بروكسي للاتصال VPN.

ظهرت قوة الإنترنت في كوبا بشكل كامل الشهر الماضي، عندما ساعد منشور على فيسبوك في 10 يوليو / تموز في بلدة سان أنطونيو دي لوس بانوس الصغيرة في إشعال احتجاجات وطنية في اليوم التالي.

«هل سئمت من انقطاع الكهرباء؟» سأل المنشور. «هل سئمت من الاستماع إلى وقاحة الحكومة التي لا تهتم لأمرك؟  حان وقت الخروج وتقديم المطالب. لا تنتقدوا في المنزل: دعونا نجعلهم يستمعون إلينا».

لم يكن بإمكان خورخي توقع حركة 11 يوليو هذا الصيف، ولكن في كلتا الحالتين، كان سعيدًا بالاتصال بالعالم عبر الإنترنت.  كانت أنواع المال الرقمي الجديدة كالبيتكوين أحد الأشياء الأكثر إثارة للاهتمام التي وجدها على الويب، لكنه لم يكن يعرف كيفية «الاستفادة» من العملة الرقمية الجديدة بما يتجاوز التوفير. هذا تغير عندما وجد موقع شراء بطاقات الهدايا بيتريفل (Bitrefill).

من خلال هذه الخدمة عبر الإنترنت، بدأ في شحن هاتفه باستخدام البيتكوين. على المنصة، يمكن للكوبيين شراء قسائم الهاتف المحمول – إلى جانب أشياء أخرى مثل متجر التطبيقات وكوبونات الألعاب – مباشرةً باستخدام عملة البيتكوين التي يكسبونها أو يشترونها أو يتلقونها من الخارج عبر منصات مثل بيتريميساس. في حالة خورخي، سيخزن عملة البيتكوين الخاصة به على تطبيقات المحافظ مثل Muun أو Blue Wallet على هاتفه.  قال إن هذين التطبيقين هما المفضلان له: كلا التطبيقين مجانيان ومفتوحان المصدر ويمكّنان من استخدام شبكة البرق (Lightning) ومتاحان للكوبيين بتنسيقات اللغة الإسبانية مباشرة من متجر Google Play. من هناك، إنها مجرد خطوة واحدة لشراء الأشياء باستخدام بيتريفل (bitrefill).

من خلال المنصة، وجد بعض الكوبيين فرصًا للتفاهم مع نظام مالي ابتزازي. على سبيل المثال، من أجل جذب العملة الصعبة، ستوفر شركة الاتصالات الحكومية ETECSA أحيانًا ائتمانًا إضافيًا إذا قام أحدهم بتعبئة هاتفه المحمول باليورو أو الجنيه الإسترليني. العروض الترويجية جيدة لدرجة أن بعض الكوبيين يدفعون للوسطاء لتغذية هواتفهم من الخارج. ولكن يمكن للكوبي الجلوس في المنزل، وكسب أو شراء عملة البيتكوين، ثم إعادة شحن هاتف أي شخص من خدمة بيتريفل (Bitrefill)، وتحقيق ربح جيد.

قال خورخي إنه اليوم دخل في سوق غير رسمي لتوصيل الوجبات باستخدام البيتكوين. حيث يقدم طلبًا عبر خدمة الدفع بالند للند، ويظهر الطعام الجاهز على عتبة بابه. يدفع بعملة البيتكوين، وهي نسخة كوبية مشفرة من خدمة توصيل الطعام أوبر إيتس (Uber Eats).  قال إنه بين عمله وواجباته وغيرها من العناصر المختلفة، يشتري تقريبًا كل ما يحتاجه اليوم باستخدام البيتكوين. بالنسبة لخورخي، فإن العيش في اقتصاد البيتكوين ليس حلمًا في المستقبل، إنه في الوقت الحاضر.

قال خورخي إن استخدام البيتكوين بشكل شامل للعيش ليس واسع الانتشار، ويعترف بأنه أحد أوائل المستخدمين. لكنه قال، في كلتا الحالتين، من السهل جدًا عليه استبدال البيتكوين مقابل MLC أو البيزو وشراء ما يحتاج إليه.

عندما سئل عما إذا كانت عملة البيتكوين موضة، أو شيئًا قد يتوقف عن استخدامه في وقت ما، قال «لن أعود. لا يمكنني تخيل حياتي الآن بدون البيتكوين».

وأشار إلى الأصدقاء من الأطباء أو المحامين، الذين تم التهام مدخراتهم بسبب التضخم قبل العثور على البيتكوين، أو غيرهم من رواد الأعمال الذين يبنون حياتهم بأكملها حول البيتكوين في الوقت الحالي، تمامًا مثله.

عندما تحدثت إلى سبرادو (Sobrado)، الباحث في العملات الذي أفادني عمله كثيرا في هذا المقال، أخبرني عن عمل كان يديره في كوبا قبل الوباء. قام ببناء فريق يخدم، على سبيل المثال، سائقي سيارات الأجرة وأصحاب الشقق، ليسهل عليهم قبول المدفوعات الأجنبية.

ستسمح شركة سبرادو للأجانب بالدفع مقابل خدمة الاستقبال في مطار هافانا عبر الإنترنت. يحصل سبرادو على اليورو في حساب أجنبي، ثم يبيع هذا اليورو مقابل البيتكوين، ليرسلها إلى فريقه في كوبا في غضون دقائق، ويبيعها الفريق هناك مقابل البيزو التحويلي أو البيزو. يوزع الفريق بعد ذلك الأموال على السائقين.

قدمت شركة سبرادو خدمة مماثلة للكوبيين الذين يستعملون تطبيقات إيجار المساكن مثل (booking.com) أو (Airbnb)، التي لديها إذن خاص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية للعمل في الجزيرة.

«فلنقل إنك مالك شقّة، من قبل، كان عليك أوّلًا أن تحصل على رخصة مشروع تجاري، ثم أن تعلن عن تأجير بيتك على الإنترنت، ثم يأتي زائرك الأول. كيف يدفع زائرك لشركة Airbnb؟ بشركة تحويل أموال اسمها فا كوبا. من الجهة الكوبية، يعني هذا أن رجلًا ما سيأتي ويسأل عنك، ثم يعطيك ظرفًا فيه المال. هذا الرجل سيتأخر غالبًا، وسيكون المال محسوبًا بسعر المصرف المركزي. كان الأمر فاسدًا. أمّا الآن سندفع لك مباشرة باستعمال البيتكوين».

إن لم تكن عملة البيتكوين موجودة، قال سوبرادو، لم تكن هذه الشركات لتنجح.  كان عليه أن يرفع الأسعار بنسبة 5٪ على الأقل، وعندها ستختفي هوامش الربح.  قال سوبرادو إن أفضل الشهور من حيث إجمالي الإيرادات كانت أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020. وخلال الوباء، قال: “انتهى كل شيء”، لكنه مثال آخر على كيفية استخدام العقول المبدعة للبيتكوين لتحسين الحياة وصنع الأشياء أكثر كفاءة، وكسب المال حتى في حالة بوليسية كئيبة.

في كتابته عن تبني كوبا للإنترنت في عام 2017، قال المؤلف أنطونيو غارسيا مارتينيز (Antonio Garcia Martinez) إن كلمة مهمة يجب معرفتها هي الحلّة: «الكلمة تعني حل المشكلات حرفيًّا، ولكن المعنى الأدق هو مفهوم قرصنة الحياة Life Hacking  المشهور في وادي السليكون»

«هل تحتاج إلى تجاوز العقبات التي لا نهاية لها التي ينطوي عليها الحصول على ترخيص الأعمال التجارية الصغيرة؟  جِد حَلّة»، ويقول: «الكوبيون هم ملوك وملكات مصطلح الحلّة. إنه الشيء الوحيد الذي أبقاهم واقفين على أقدامهم منذ الفترة الخاصة».

ومع ذلك، كتب مارتينيز: «إن القوى المصطفة ضد قوى الحلّ واسع الحيلة تكمن في كلمة أخرى مهمة: أمر معقّد».

«هل تريد التحدث إلى الصحفيين المعارضين الذين يسخرون من الرقابة الكوبية ويتعرضون للمضايقة والسجن بشكل روتيني؟  أمر معقّد. هل ترغب في الحصول على جواز سفر وتأشيرة للسفر إلى الخارج؟ أمر معقد».

يقول خورخي إن البيتكوين تجسّد لمفهوم الحلّة، إنه حل بديل، وطريقة للالتفاف على التعقيد.

كما كتب مارتينيز، فإن الحلّة تتفوق «دائمًا تقريبًا» على التعقيدات، «خاصة عندما يكون هناك أموال حقيقية يمكن جنيها».

على الرغم من أن مارتينيز قد أدلى بهذه الملاحظة في أيام ما قبل بيتكوين في كوبا، إلا أنه لا يمكن أن يكون أكثر صحة اليوم، عندما يتحول المواطنون إلى البيتكوين بدلًا من البيزو بحثًا عن «أموال حقيقية».

أخبرني خورخي أن البيتكوين ليس حلاً سحريًا لجميع مشكلات كوبا، وأشار إلى أن الناس يواجهون أوقاتًا صعبة للغاية لأسباب متنوعة. يتطلع خورخي إلى تبني عملة البيتكوين الوطني في السلفادور، وقال إن الخدمات المستخدمة هناك مثل سترايك (Strike) الذي يربط البيتكوين بالنظام المصرفي المحلي غير متوفرة في كوبا، ومن المحتمل ألا تتوفر في المستقبل بسبب الحظر.

ولكن، كما قال جورجي، يتعلم الناس اليوم المزيد عن البيتكوين، ويتحمسون ويدخرون. بعد سنوات عديدة من سحب البساط من تحت أقدامهم من قبل الحكومة عبر استخدام أنظمة البيزو التحويلي وبطاقات ال MLC، اليوم، يقوم مستخدمو البيتكوين بسحب للبساط من تحت أقدام الحكومة من خلال مبادلة البيزو أو MLC مقابل البيتكوين، وهو شكل متفوق من النقود ارتفع بشكل كبير خلال العقد الماضي.  قال خورخي، ربما سيكون الناس هم من يضحكون أخيرا.

سألت خورخي عن العديد من النقاد الغربيين للبيتكوين، الذين قالوا إنها مخصصة للمجرمين فقط وليس لها أي قيمة اجتماعية.  ضحك في حالة من عدم التصديق. وقال إن حياة الكثير من الناس «تحسنت بشكل كبير» من خلال البيتكوين.

قال: «هذه التكنولوجيا تتخطى الحصار والقيود الحكومية، فهي تسمح لك بنقل القيمة دون الوثوق بأي شخص، وهي تربطك بالعالم، وتسمح لك بتمكين نفسك والقيام بأشياء مستحيلة من دونها». «لقد أوجدت الأمل للذين يريدون التغيير».

ثامنًا – كوبا جديدة قادمة

مثل الكثير من الأنظمة المغلقة الأخرى مثل كوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي، فإن التكنولوجيا والمعلومات الخارجية لها تأثير هائل على كوبا. لا توجد طريقة يمكن لحركة احتجاجية مثل 11 يوليو أن تتوسع على الصعيد الوطني دون أن يتمكن الناس من التنظيم والتواصل رقميًا بعضهم مع بعض.

عندما تحدثت إلى أنطونيو غارسيا مارتينيز مؤخرًا، أخبرني بأن «الإنترنت سوف يقضي على 62 عامًا من الشيوعية الكوبية».

في الجزيرة، قال: «الإنترنت آلة لتدمير إجماع للنخب، التي تعتمد على احتكار المعلومات».

قال: «إذا ظل الإنترنت قيد التشغيل، فإن الحكومة الكوبية ستسقط في النهاية».

ولكن بعد ما يقرب من 20 عامًا من الإصلاحات الاقتصادية، ونصف عقد من السكان المتصلين بالإنترنت، لا يزال الحزب الشيوعي الكوبي متمسكًا بالسلطة. حتى ظهور الإنترنت لم يكن كافياً لزعزعة قبضته. لقد نجحت طبيعته المحافظة العنيدة للأسف، وأبقته على قيد الحياة لعقود عديدة. في حين أن البيتكوين قد تكون طريقة جيدة للنظام لجمع أصعب عملة على وجه الأرض، فإن الديناصورات المسؤولين في السلطة قد لا يعتقدون أن هذا الأمر يستحق المخاطرة.

على الجانب الأمريكي، أمرت إدارة بايدن بـ«مراجعة» التحويلات المالية إلى كوبا، في محاولة لتحديد الطريقة الأفضل التي يمكن بها لأولئك الموجودين في الولايات المتحدة إرسال الأموال إلى عائلاتهم في الجزيرة دون دعم النظام. الجواب، بالطبع، هو البيتكوين، ولكن بالنظر إلى عداء أمينة الخزانة يلين للعملة الجديدة، فمن غير المرجح أن يكونوا مستعدين للاعتراف بذلك والبدء في تفعيله في سياستهم الخارجية.

أثناء التحدث إلى الكوبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية المضطربة، هناك شيء واحد واضح: عدد متزايد من الناس لن ينتظر حكومته لإلغاء بعض الإصلاحات الجديدة، أو أن تخفف إدارة بايدن عقوباتها. إنهم يتحكمون في مصيرهم المالي من خلال البيتكوين.

منذ أكثر من مائة عام، كتب الشاعر الكوبي العظيم خوسيه مارتي (José Marti) إن «الحقوق يجب أن تؤخذ، لا أن تُطلب. تُنتَزَع ولا يُتوسَّل من أجلها».  قد يكون هذا هو شعار حركة البيتكوين الجديدة في كوبا.

ربما تكون الاحتجاجات السياسية الحالية كافية لتظهر للعالم أن الكوبيين سئموا العيش في ظل الديكتاتورية، لكنها ليست كافية لإنهاء النظام. على مدى عقود، توقع الكثيرون سقوط كاسترو الاستبداد، لكن ثبت خطؤهم.

في غضون ذلك، سيستمر الكوبيون في الاحتجاج السلمي عن طريق إلغاء الاشتراك في نظام البيزو وبطاقات ال MLC الاستغلاليين، واستخدام البيتكوين. بعد ستة عقود من البؤس الاقتصادي، هناك أخيرًا مخرج.

سواء أكان ذلك من خلال أفراد مثل لوسيا في ماتانساس، من خلال تكديس الساتوشيات بهدوء كل يوم، أو من طريق إريك أو خورخي في هافانا، الذين يوصلان الابتكار وإدماج الجماهير، أصبحت البيتكوين الآن حركة كوبية تمامًا، وحلّة يبدو من غير المرجح أن توقَف.

Tagged : / / / / / /

هل تستطيع الحكومات إيقاف البيتكوين؟

المقال الأصلي | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: مجتبى شنان | تحرير: ترجمان البيتكوين | تاريخ الكتابة: فبراير 2021

منذ اختراعه منذ أكثر من 12 عامًا، لم يهزم البيتكوين قطّ. قفز سعره من 5 دولارات إلى 50 دولارًا إلى 500 دولار إلى 5000 دولار إلى ما بعد 50000 دولار الآن. تجاوز عدد المستخدمين له  100 مليون مستخدم حول العالم. شبكة أمان النظام وعدد المطورين والتطبيقات الجديدة في أعلى مستوياتها على الإطلاق.  فيما بدأت العشرات من الشركات منها تسلا (Tesla) وسكوير (Square) في إضافة البيتكوين إلى سنداتها.

هذا النجاح العالمي لا يعني أن الناس لم يحاولوا إيقاف البيتكوين.  نجا مشروع النقود الرقمية في الواقع من مجموعة متنوعة من الهجمات التي هددت وجوده في بعض الحالات. هناك اتجاهان رئيسان: مجموعة من الهجمات على البنية التحتية للبرامج والأجهزة، والهجمات القانونية على مستخدمي البيتكوين. قبل أن نستكشف كلا النوعين من الهجمات ونفكر في سبب فشل كل منهما، يجب أن نبدأ من البداية.

في يناير 2009، أطلق مُبرمج غامض يُدعى ساتوشي ناكاموتو البيتكوين، وهي شبكة مالية مفتوحة المصدر ذات طموحات كبيرة: لاستبدال النظام المصرفي المركزي، بنظام لا مركزي للتبادل من الند إلى الند ومن دون حكام. استخدمت هذه الشبكة عملة رمزية قابلة للبرمجة وقابلة للاستبدال بدرجة كبيرة، يمكن إنفاقها مثل النقود الإلكترونية أو حفظها مثل الذهب الرقمي. توزّعت في جميع أنحاء العالم من خلال جدول زمني محدد لطباعتها على مجموعة فرعية من المستخدمين الذين سيتنافسون لتأمين احتياجات الشبكة من الطاقة وفي المقابل يحصلون على عملات البيتكوين حديثة الصك.

في البداية، كان معظمه الناس متشككين لأسباب مفهومة، وقليل منهم اهتم بالأمر. فقد كانت هناك محاولات لإنشاء «نقد إلكتروني» من قبل، وقد أخفقت جميعها. لم يكن أحد قادرًا على معرفة كيفية إنشاء دار سك لامركزية منيعة على الإفساد، أو كيفية تطوير نظام لا يمكن للحكومات إيقافه.

ولكن مجتمعًا صغيرًا نشأ حول البيتكوين، وعد بتحقيق ذلك. بقيادة ساتوشي وهال فيني (Hal Finney)، ناقشت هذه المجموعة من الأيقونات، وعدلت وحسنت من البرمجيات في عامها الأول، وباستخدام أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم عدّنوا 50 عملة بيتكوين عديمة القيمة كل 10 دقائق.  في النهاية، قرر شخص ما أن هذه الرموز الافتراضية تستحق ما يكفي لقبولها مقابل سلعة حقيقية في العالم. في 22 مايو 2010، دفع مطور يُدعى لازلو هانييتش (Laszlo Hanyecz) مبلغ 10،000 بيتكوين في مقابل طلبي بيتزا بابا جونز (Papa John)، بسعر صرف 0.1 سنت لكل بيتكوين. لم يكن أحد ليتوقع أن يصبح طلب لازلو للبيتزا باهظ التكلفة في يوم من الأيام: اليوم، تبلغ قيمة هذا الطلب أكثر من 500 مليون دولار.

منذ الأيام الأولى للتعدين على أجهزة الكمبيوتر الشخصية وموقع طريق الحرير (Silk Road)، أصبحت عملة البيتكوين ظاهرة عالمية. لا أحد يعرف من هو ساتوشي، ولكن إذا كان مخترعها شركة، فستكون واحدة من أفضل 10 شركات في العالم من حيث القيمة.  نمت قاعدة المعجبين بها من بضعة أسماء مستعارة على موقع لوحات الرسائل سيفربنك (Cypherpunk), لتشمل أمثال المدير التنفيذي لشركة تويتر (Twitter) جاك دورسي (Jack Dorsey)، والرئيس التنفيذي لشركة  تسلا (Tesla) إيلون ماسك (Elon Musk)، والأستاذ بجامعة هارفرد نايل فريغسون (Niall Ferguson)، والرئيس التنفيذي لفيديليتي (Fidelity) آبي جونسون (Abby Johnson)، والممثلة ليندسي لوهان (Lindsay Lohan)، والمغنية سولجا بوي (Soulja Boy)، و المتزلج على اللوح توني هوك (Tony Hawk)، والمستثمر بول تودور جونز (Paul Tudor Jones).  إن لعملة البيتكوين حرف يونيكود خاصًّا بها، ₿.  استقطب مؤتمر صناعي عقد هذا الشهر للتركيز على كيفية إضافة البيتكوين إلى سندات الخزانة للشركات أكثر من 6000 شركة. يفتخر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بإيجاد مركز أبحاث يساهم في تأمين البيتكوين على المدى الطويل.

ظهرت أسواق البيتكوين في كل بلد تقريبًا ومنطقة حضرية رئيسية على وجه الأرض، إذ يتوق التجار المحليون إلى شراء البيتكوين مقابل العملة المحلية في كل مكان من كاراكاس إلى مانيلا إلى موسكو. الملايين من الناس في نيجيريا والأرجنتين وإيران وكوبا وخارجها يستخدمون الآن عملة البيتكوين للهروب من نظام عملتهم المحلية، ويختارون شيئًا له سجل حافل كمخزن للقيمة، بشكل أفضل من النيرة أو البوليفار أو الريال أو البيزو. يمكنهم التحكم في البيتكوين الخاص بهم باستخدام مفتاح خاص (فكر فيه كأنه: كلمة مرور) يمكنهم تخزينه على الهاتف أو موصل USB أو على الورق أو حتى بحفظ قوائم من الكلمات، ومن ثم إرسال العملة إلى العائلة أو الأصدقاء في أي مكان على الأرض في دقائق، بدون طلب أي إذن من أي سلطة.

تُصوِّر وسائل الإعلام السائدة البيتكوين عادةً كأنه سهم سعره بالسنتات قد خرج عن السيطرة، أو باعتباره نوعًا جديدًا من هوس التوليب (tulip mania) الرقمي. ولكن الحقيقة هي أن البيتكوين مشروع سياسي يهدد بتعطيل النظام الاقتصادي الذي يقوده مؤتمر دافوس (Davos) بشكل أساسي، حيث أعرب الجميع من سكرتيرة الخزينة جانيت يلين (Janet Yellen) إلى رئيسة البنك الدولي ومديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد (Christine Lagarde) عن مخاوفهم من صعوده وطالبوا بتنظيمه.

تحتفظ الحكومات بسلطتها جزئيًا عن طريق إصدار الأموال والسيطرة عليها. البيتكوين هو نموذج جديد يقوم بصك الأموال وتأمينها بدون حكومات. لذا فإن السؤال الكبير هو: لماذا لم توقفه الحكومات أو الشركات العملاقة؟ وإذا حاولوا مهاجمة البيتكوين في المستقبل القريب، فكيف سيبدو ذلك؟

هناك قدر هائل من التكهنات على الإنترنت حول كيفية مهاجمة البيتكوين، لكن القلة فقط تتوقف للتفكير في سبب عدم تدميره بالفعل. الجواب هو أن هناك حوافز سياسية واقتصادية للمزيد والمزيد من الناس لدفع النظام إلى الأمام وتعزيز أمنه، ومثبطات سياسية واقتصادية وتقنية قوية تثبط الهجمات.

بالتأكيد، عملة البيتكوين ليست صغيرة بحيث لا تلفت انتباه الحكومات. أغلقت حكومة الولايات المتحدة المحاولات السابقة لعملات رقمية موازية على الإنترنت، مثل e-Gold وLiberty Reserve، قبل أن تصل إلى 10 مليارات دولار من القيمة السوقية. قيمة البيتكوين السوقية اليوم تفوق التريليون دولار. كل يوم يبقى البيتكوين على قيد الحياة، يصبح أقوى، وتغلَق نوافذ كثيرة لكثير من طرق الهجوم.

أحد الأسباب التي تجعل البيتكوين عنيدًا للغاية هو أنه ظاهرة منتشرة عالميًا. تتم الغالبية العظمى من التعدين خارج الولايات المتحدة في الصين وآسيا الوسطى. ولكن يبدو أن الغالبية العظمى من مالكي البيتكوين والمشترين هم من كيانات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وينتشر مطورو البرامج الأساسيون ومسؤولو العقد (الذين يستضيفون خوادم البيتكوين) في جميع أنحاء العالم. أهم شخص في البيتكوين – أو مخترعها – لم يعد ذا صلة، وقد يكون ميتًا.

البرمجة والتعدين والبنية التحتية والأسواق كلها مستقلة، تحدث بين آليات ودول متنافسة وأعداء جيوسياسيين، وغالبًا ما يتم ذلك من قبل جهات فاعلة مجهولة أو مستعارة، وكلها لها فلسفات وأهداف مختلفة، ولكن بدافع واحد موحد: الحفاظ على عملات البيتكوين.

على عكس كل العملات المشفرة الأخرى، لا توجد نقطة مركزية للفشل. لا يوجد لدى بيتكوين شخص كـ “فيتاليك بوترين” (Vitalik Buterin)، ولا جسم كمؤسسة إثيريم (Ethereum Foundation)، ولا بنك ديلتيك (Deltec) مثل تيثير (Tether)، ولا توجد مكاتب فاخرة في سان فرانسيسكو، ولا فريق من المحامين، ولا عملة حاكمة، ولا رأس مال مخاطر، ولا تعدين مسبق، ولا مجلس مصغر، ولا حيتان قادرة على التلاعب بالنظام.  لقد عصمت هذه البنية اللامركزية بالفعل البيتكوين من الهجمات على أعلى المستويات. بغض النظر عن مقدار البيتكوين الذي تملكه، لا يمكنك تغيير القواعد أو طباعة المزيد أو مراقبة أو سرقة أو منع الآخرين من استخدام الشبكة.

يمكن القول بأن أقوى قوة مالية في العالم – حكومة الولايات المتحدة بقيادة وزير الخزانة آنذاك ستيف منونشين (Steve Mnuchin) – شنت هجومًا على البيتكوين في ديسمبر 2020. لم يكن هذا الهجوم قويًا بشكل خاص، لكنه لا يزال هجومًا على الأقل. كان يمكن أن يؤدي إلى إجبار البورصات الأمريكية على جمع المزيد من المعلومات حول الأفراد الذين يسحبون عملات البيتكوين الخاصة بهم إلى المحافظ التي يسيطرون عليها أكثر مما تجمعه البنوك السائدة، مما يمنح دولة الرقابة معرفة أكثر تعقيدًا بتدفق أموال البيتكوين. لكن حملة ضبط البيتكوين قد فشلت، وأعاق الأمر تحالف واسع للمعارضة، والآن ذهب منونشين.

قد يكون النظام التشريعي الأمريكي الجديد أقل عدوانية. في الواقع، قام رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) القادم غاري جينسلر (Gary Gensler) بتدريس فصل دراسي عن البيتكوين. عُيّنت سينثيا لوميس (Cynthia Lummis)، عضوة مجلس الشيوخ المنتخب حديثًا من وايومنغ وهي داعمة متحمسة لعملة البيتكوين، في اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ.  هذا يعني أن واحدة من أقوى الهيئات في النظام المالي الأمريكي لديها الآن عضو غرّد مؤخرًا عم البيتكوين: «لقد جئت من أجل مخزن القيمة.  وبقيت من أجل مقاومة الرقابة». وإلى جانب لوميس، وارين ديفيدسون (Warren Davidson) وآخرون في الكونغرس تعهدوا بالدفاع عن البيتكوين.

جاء أكبر هجوم في تاريخ البيتكوين في عام 2017 على مستوى البرمجيات.  في ذلك الربيع، اجتمعت حفنة من أهم الفاعلين في الصناعة ووقعوا ما يسمى باتفاقية نيويورك.  تفاخر المؤلفون بأكثر من 83٪ من قوة التشفير للتعدين العالمي، وأكثر من 50 شركة في الإجمال، وأكثر من 20 مليون محفظة، وحصة ضخمة من البنية التحتية للتمويل. لقد كان تحالفًا بين المعدنين الصينيين، ووادي السيليكون، ووول ستريت، وكان هدفهم تغيير عملة البيتكوين للسماح لها بمعالجة المزيد من المعاملات في الثانية، على حساب التضحية باللامركزية وقدرة المستخدمين في تحقيق العرض النقدي من المنزل.

على الرغم من الصعاب، انتهى الأمر بحفنة من النشطاء على يبنون حركة هزمت تحالف نيويورك هذا بشكل مذهل. بحلول نوفمبر 2017، كانت خطة الشركة “SegWit2X” ميتة، وظلت عملة البيتكوين لا مركزية.  الدرس المستفاد من «حروب التوسع» هذه هو أنه لا المعدنون ولا الشركات يتحكمون في عملة البيتكوين. نعم، يعالج المعدنون المعاملات، ويقترح المطورون ترقيات للبرنامج، لكن عشرات الآلاف من المستخدمين الذين يقومون بتشغيل العقد يقررون بالفعل المعاملات الصالحة والإصدارات التي ستُعتمد من البرنامج.

حتى إذا سيطرت الحكومة على غالبية قوة تعدين البيتكوين، فإن هذا لن يمكنها من تغيير قواعد إجماع البيتكوين أو طباعة المزيد من البيتكوين أو سرقة ممتلكات أي شخص. أسوأ ما يمكن أن يفعلوه هو استخدام قوتهم لتعدين إصدارات جديدة من البيتكوين (والتي، في حالة BCH أو BSV، فشلت بشكل مذهل)، أو حرق مليارات الدولارات لتدمير الشبكة مؤقتًا فيما يسمى «هجوم 51٪» في مثل هذا الهجوم، يمكن لغالبية المعدنين أن يتعاونوا معًا ويستخدموا قوة التعدين المتفوقة لإرباك الشبكة مؤقتًا. لكن يتجاوز سعر الأجهزة المطلوبة لفعل هذا 5 مليارات دولار.

حتى لو أرادت الحكومة المخاطرة بهذا الهجوم الغريب، فمن غير المرجح أنها ستحول قدرة التصنيع الثمينة لعدد قليل من مصنعي أشباه الموصلات في العالم إلى هذا الغرض المضارب بالذات.  بالنسبة للصين أو الولايات المتحدة، فإن تعطيل طلبات أشباه الموصلات الحالية أثناء النقص العالمي يمكن أن يعرض الأمن القومي للخطر. قد يكون البديل هو الاستيلاء على غالبية معدات التعدين في العالم في عملية عسكرية. لكن المتطلبات اللوجستية لمحاولة تحديد موقع مئات الآلاف من الآلات التي يبلغ وزنها 5 أرطال وجمعها بعنف من الملاك الذين يعملون في كثير من الأحيان بأسماء مستعارة في عشرات الدول والولايات صعبة المنال حقًّا.

تكثر التكهنات بشأن الهجمات التقنية الأخرى على البيتكوين: مثل حظر التعاملات من قبل تجمعات التعدين (يجني المعدنون المزيد من الأموال من عدم الرقابة، ويمكن أن ينتقلوا بسرعة إلى التجمعات غير الخاضعة للرقابة، وقد يتبنون برامج تجعل الرقابة مستحيلة)، وإغلاق الإنترنت العالمي (يمكن أن يكون الأمر معطلاً، ولكن ليس قاتلاً)، إدخال أبواب خلفية لأجهزة التعدين (حدث هذا بالفعل، ولكن لم يتم استغلاله، والتهديد يتلاشى الآن)، وكسر أجهزة الكمبيوتر الكمومية تشفير البيتكوين (لا يأخذ الخبراء هذا الأمر على محمل الجد)، وحتى الجهات الفاعلة السيئة التي تقوم بإجراء تحديثات ضارة في البرنامج (لن يصمد هذا أمام مئات المطورين اليقظين).

الحقيقة هي أنه على الرغم من التخويف المستمر من فشل البيتكوين، كان جميع المستخدمين دائمًا قادرين على التعامل به. لم توجد أعمال حظر مهمة. ستكون محاولات تعطيل البروتوكول أو البنية التحتية للشبكة صعبة ومكلفة للغاية، وليس لها ضمان للنجاح. كما رأينا في عام 2017، حتى لو كانت القوى الراعية في ذلك قادرة على جمع الغالبية العظمى من قوة التعدين، فقد تهزمها البنية اللامركزية للشبكة. أسهل بكثير وأكثر احتمالا بكثير هي الهجمات على المستخدمين أنفسهم.

هناك بعض السيناريوهات المرعبة التي يخشاها مستخدمو عملات البيتكوين وليس فيها خيال علمي، مثل تعاون الحكومات في مهمة – على غرار أفلام المهمة المستحيلة –  للاستيلاء على مليارات الدولارات من معدات الطاقة والتعدين. أحد هذه المخاوف ممثل في أربعة أرقام: 6102.

في عام 1933، أصدرت إدارة فرانكلين روزفلت الأمر التنفيذي رقم 6102، الذي منع المواطنين من حيازة الذهب واجبرهم على تسليم أي ذهب إلى السلطات. يمكن أن تحاول حكومة الولايات المتحدة، أو أي حكومة أخرى، فعل الشيء نفسه، بمنح المواطنين نافذة لإعلان وبيع عملات البيتكوين الخاصة بهم إلى الحكومة، أو مواجهة عقوبة السجن.

يستعد مجتمع البيتكوين بالفعل لمثل هذا الهجوم. أحد أسباب نجاح 6102 هو أنه كان بإمكان الحكومة فقط الذهاب إلى البنوك التي تحتفظ بالذهب نيابة عن المواطنين، ومصادرته في نقطة الحيازة. لذلك، في الثالث من يناير من كل عام، يحتفل المستخدمون بيوم «إثبات المفاتيح«. حيث من المعتاد سحب أي عملة بيتكوين يمتلكونها في البورصات أو في عهدة طرف ثالث إلى المحافظ التي يتحكم فيها المستخدمون النهائيون. «ليست مفاتيحك، إذن ليست عملاتك»، التي أشاعها معلم البيتكوين أندرياس أنتونوبولوس(Andreas Antonopoulos) لأول مرة، وهو شعار في مجتمع البيتكوين. مع وجود أكثر من 10 في المائة من السكان الأمريكيين يستخدمون البيتكوين، إذا كان هناك عدد كافٍ من الأشخاص يحتفظون به لأنفسهم، فإن هجوم 6102 سيكون ذا تأثير محدود. بالنظر إلى أن مفاتيح حساب البيتكوين الخاصة تكون عادةً في شكل 24 كلمة أولية يمكن كتابتها أو إخفاؤها أو تشفيرها أو حفظها في الذاكرة، فإن الغارة العسكرية على المنازل لا يمكن أن تعمل بشكل جيد وستكون انتهاكا كبيرا لحقوق الإنسان.

قد يكون التهديد التنظيمي الآخر هو ضريبة أرباح جديدة غير متوقعة على البيتكوين، ستكون مدمرة للمدخرين على المدى الطويل، أو قواعد صارمة جديدة لسياسة «اعرف عميلك» (know your customer) تجعل عملية شراء البيتكوين من خلال جهة إصدار غير مصرح بها جريمة. لكن مثل هذه القواعد لديها العديد من العقبات: مثل الحماية المقدمة من التعديل الأول والرابع في الدستور الأمريكي؛ حيث يضغط العديد من أعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء الكونجرس من أجل سياسة أكثر تقبلا للبيتكوين؛ وصناعة العملات الرقمية الكبيرة والمتنامية ومن شأن ذلك أن يضغط بقوة ضد هذه اللوائح.

يمكن للحكومات محاولة تهميش البيتكوين من خلال تقديم منافس: عملة رقمية للبنك المركزي(Central Bank Digital Currency). حيث تقوم معظم البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم بتجربة فكرة استبدال الأوراق النقدية بعملات رقمية يمكن للمواطنين الاحتفاظ بها في محافظ الهاتف المحمول.  إحدى الحجج التي يقدمها مروجو هذه الأنظمة هي أنهم يمكن أن يساعدوا في تحقيق بعض التحكم في الرغبة في البيتكوين. في النهاية، ومع ذلك، لا يمكن للعملات الرقمية للبنوك المركزية مثل اليوان الرقمي (DCEP) في الصين أن تنافس لأن سعرها العالمي العائم سيكون مرتبطًا بالعملة الورقية الحالية، والتي ستنخفض حتماً في القوة الشرائية النسبية. وفي الوقت نفسه، تستمر القوة الشرائية للبيتكوين في الارتفاع بمرور الوقت، وهي توفر مستوى من حرية المعاملات والخصوصية من الدولة التي لا يمكن لأي عملة رقمية للبنوك المركزية المفاخرة بها.

يمكن أن يكون مدخل لهجوم الآخر هو حظر عمل تعدين البيتكوين نفسه داخل الديمقراطيات. اليوم، تصف العديد من المقالات الإعلامية السائدة البيتكوين بأنها كارثة بيئية. ولكن في الواقع، يعتمد البيتكوين بشكل كبير على الطاقة المتجددة (تتراوح التقديرات من 39 في المائة إلى 74 في المائة)، وتستهلك الكثير من الطاقة التي تقطعت بها السبل أو الزائدة، ويمكن أن يكون لها مستقبل أخضر في الغالب. ولكن بالنظر إلى الروايات غير المستنيرة حول هذا الموضوع، يمكن للمرء أن يتخيل عالمًا تقيد فيه إدارة بايدن تعدين البيتكوين كجزء من الصفقة الخضراء الجديدة (Green New Deal).

ربما تكون مشكلة «ثنائية البيتكوين» هي أكبر تهديد حالي لمستخدمي البيتكوين اليوم.  إذا وافقت أكبر 25 بورصة عالمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وشرق آسيا على منع المستخدمين من سحب عملاتهم، فسيؤدي ذلك إلى تقسيم النظام بشكل فعال. ستتم إضافة البيتكوين داخل الفقاعة إلى «القائمة البيضاء» ويمكن وضع البيتكوين خارج تلك البورصات في «القائمة السوداء» – مما يعني أنه إذا قبل التاجر منك عملة غير مدرجة في قائمة معينة، فسيكون عرضة للخطر. بغض النظر عن مدى خصوصيتك مع البيتكوين الخاص بك، فلن يكون ذلك مهمًا. ستحتاج إلى العثور على أشخاص على استعداد لقبول عملات البيتكوين الخاصة بك دون أي أثر. ستجبر مثل هذه القوانين المستخدمين على الدخول في أسواق الند للند، حيث لا يهتم المشترون بتاريخ العملات.

حتى مع ذلك، هناك الكثير من العوائق أمام هذا الهجوم.  ستخسر الأسواق ملايين العملاء ومليارات الدولارات من الأعمال. من المحتمل أن ينهار النظام البيئي للتبادل غير المركزي “DeFi”، نظرًا لأنه يعتمد على قدرة المستخدمين على شراء عملة إيثريم ETH بالدولار في البورصات الكبيرة ومن ثم سحبها من منصات مثل يونيسواب (Uniswap).  ستقاوم الشركات في هذا المجال بشدة أي تغيير من شأنه أن يمنع المواطنين من سحب البيتكوين أو أي عملة مشفرة إلى محافظ ذاتية التحكم.

كما تظهر هذه الأمثلة، هناك الكثير من أنواع الهجمات التنظيمية التي يجب أن تهم مستخدمي البيتكوين، وهي أكثر احتمالية بكثير من هجمات على التعدين في حد نفسه أو قوة التعدين في الشبكة، ولكن الحقيقة هي أن العديد من الهجمات القانونية قد حدثت بالفعل، ولم يكن لها تأثير.

في عام 2017، قيد الحزب الشيوعي الصيني قدرة مواطنيه على استبدال عملة اليوان بالبيتكوين. بعد ذلك بوقت قصير، فعلت الحكومة الهندية الشيء نفسه، وتبعتها الحكومة الباكستانية وعدة جهات أخرى. بعبارة أخرى، حاولت أكبر حكومتين في العالم قطع وصول البيتكوين إلى المواطنين، في أكثر النقاط وضوحًا: أسواق الدخول والخروج التي يتبادل فيها المواطنون العملة المحلية مقابل البيتكوين من خلال منصات التبادل.

في العام الماضي، نقضت المحكمة العليا الهندية هذا القانون، ولم تعد عملة البيتكوين مقيدة.  تسعى الحكومة مرة أخرى إلى تمرير مشروع قانون يحظر عملات البيتكوين وجميع العملات المشفرة غير الحكومية، بينما تطلق أيضًا عملة رقمية يصدرها بنك الاحتياطي الهندي، ولكن في غضون ذلك، ينمو الاستخدام المحلي. في الصين بعد قيود عام 2017، انتقلت بعض الشركات إلى دول أخرى في شرق آسيا، لكنها واصلت التعامل مع العملاء الصينيين. لا تزال اثنتان من أكبر منصات التبادل في السوق الصينية، هوبي (Huobi) وأوكي  كوين (OKCoin) تخدمان ملايين الصينيين. في باكستان، تُحظر عملة البيتكوين بحكم الأمر الواقع، لكن اعتمادها آخذ في الازدياد.

في نيجيريا، تعد الحكومة حاليًا بتجميد الحسابات المصرفية لأي مواطن يُعرَف أنه يشتري أو يبيع البيتكوين. لقد جرب هذا النظام تكتيكات مماثلة من قبل، لكنها فشلت جميعها. إن ما تحققه هذه الإجراءات في الواقع هو دفع المواطنين إلى أسواق الند للند التي يكون التحكم بها أصعب، وإلى أحضان رواد الأعمال الذين يتحملون المخاطر وهم ملتزمون بمساعدة المواطنين للوصول إلى نظام مالي أفضل.

في الولايات المتحدة، وبغض النظر عن هجوم اللحظة الأخيرة الذي شنه الوزير منونشين، تتم بشكل متزايد مراقبة النشاط المالي الأمريكي بموجب قوانين مثل قانون السرية المصرفية.  تماشياً مع هذا الاتجاه، أدخلت منصات تداول العملات المشفرة متطلبات تعريف أكثر صرامة لعملائها، فضلاً عن حدود سحب صغيرة ويزداد صغرها. على الرغم من ذلك، لا يزال بإمكان الأمريكيين بسهولة شراء البيتكوين وسحبها إلى المحافظ التي يملكونها، وسيدافع عن ذلك حلفاء أقوياء جدد.

لقد خرج كل من السيناتور لوميس وأعضاء الكونجرس ديفيدسون، وماكينزي، وإيمير، وسوتو، بالإضافة إلى قادة الولايات مثل عمدة ميامي فرانسيس سواريز (Francis Suarez)، لدعم البيتكوين، سواء من خلال استضافة الورقة البيضاء على مواقع الويب الخاصة بهم، أو الوعد بصد اللوائح التقييدية المفرطة، أو التعهد بجعل ولاياتهم نقاطًا ساخنة لنشاط ريادة الأعمال والابتكار في البيتكوين. على سبيل المثال، يدفع العمدة سواريز موظفي مدينة ميامي لكسب نسبة مئوية من رواتبهم بعملة البيتكوين، حتى يتمكن السكان من دفع الضرائب بعملة البيتكوين، ولتضمين البيتكوين كجزء من المحفظة الاستثمارية للمدينة.

يجادل البعض بأن الشركات الأمريكية ستحاول مهاجمة البيتكوين. ولكن حتى الآن، يبدو أن الشركات الكبرى تحاول بدلاً من ذلك الانضمام إلى السرب. في الأشهر القليلة الماضية، اشترت شركات مثل تسلا ومايكروستراتيجي (Microstrategy) وسكوير وغراي سكيل (Grayscale) وغيرها من البيتكوين مبلغًا أكبر بمليارات الدولارات من الذي ينتج في التعدين. وكما يدرك المستثمرون الأذكياء، لا يمكنك في النهاية فصل البيتكوين عن طبيعته الخارقة. البيتكوين ذو قيمة بفضل اللامركزية فقط، إذ لا يمكن لأحد تغيير قواعدها تغييرًا تعسفيًّا أو أن يقرر طباعة المزيد. مدفوعة بالمصلحة الذاتية، قد ينتهي الأمر بوول ستريت إلى أن تكون واحدة من أكبر المشجعين لهذه التكنولوجيا الجديدة التي لا تستطيع واشنطن السيطرة عليها.

حتى الآن، يبدو أنه عندما تحاول الحكومات حظر البيتكوين أو تقييده، ينتهي الأمر إلى مجرد تسريع اعتماد العملة داخل بلدانهم.  قد تجد الحكومات التي فشلت فشلاً ذريعاً في الحرب على المخدرات أن منع الناس من الاحتفاظ بشيء غير مرئي، ومتخطٍّ للحدود، وذو نقل آني أمرا أكثر صعوبة من المخدرات. في الديمقراطيات، ستواجه الحكومات عقبات كبيرة من صناعات التكنولوجيا والصناعات المالية، ولكن أيضًا من حقيقة أن القيود المفروضة على ملكية البيتكوين يمكن أن تتعارض مع حرية التعبير والخصوصية وحماية الملكية الخاصة. سوف تتطلب المصادرة درجة من الوحشية، وليس من الواضح ما إذا كانت جميع الحكومات لديها الجرأة أو القدرة على ذلك.

في النهاية، أكبر مدافع عن البيتكوين هو الطبيعة البشرية نفسها.  نحن جشعون مدفوعون بحب الذات، وهذا ينطبق على حكوماتنا.  بالفعل، بدأت بعض السلطات في التعدين أو تشجيع التعدين. هذا يحدث في كل مكان من بكين إلى كنتاكي إلى سيبيريا إلى أوكرانيا. مع ارتفاع السعر، يقتنع المزيد من الناس بقيمة البيتكوين مخزنًا للقيمة طويل الأجل وحاجزًا  ضد التضخم.  مثلما اضطرت بعض الحكومات ذات العملات الضعيفة إلى الدولرة، فقد تضطر حكومات أخرى في المستقبل إلى تجميع البيتكوين.  إنه كوكب تنافسي في النهاية.

لماذا تهاجم الحكومة البيتكوين إذا كان بإمكانها الاستفادة من احتكارها للطاقة أو قدرتها على طباعة النقود لشراء البيتكوين؟ يصمم الأثرياء والأقوياء دائمًا الأنظمة التي تفيدهم قبل أي شخص آخر. تتمثل عبقرية البيتكوين في الاستفادة من هذا الواقع الأساسي وإجبارهم على المشاركة والمساعدة في تشغيل النظام، بدلاً من مهاجمته.

في عالم في جهات تنظيمية صديقة في الولايات المتحدة، وأنظمة مارقة تقوم بتعدين البيتكوين لطباعة الدولارات، ومواطنون في العالم يطالبون بأصل لا يمكن أن يفقد قيمته بالتضخم، في هذا العالم يتضاءل الحافز لمهاجمة البيتكوين.

في النهاية، قد تكون الطريقة الوحيدة لقتل البيتكوين هي جعل الناس لا يحتاجون إليه بعد الآن. إذا لم يكن أحد يريد أصلًا ماليًا مقاومًا لخفض قيمته، ومقاومًا للرقابة، وبدون إذن، وبلا حدود، ومن غير تمييز، ومتحرك آنيًا، فلن يغذيه أحد بالطاقة، وسيموت. ربما يمكن للبشرية أن تبتكر تقنية أخرى تلبي هذه الاحتياجات.

ولكن حتى ذلك الحين، سيزدهر البيتكوين.

Tagged : / / / / /

الكشف عن التكلفة الخفية للدولار النفطي

المقال الأصلي | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: مجتبى شنان | تحرير: ترجمان البيتكوين | تاريخ الكتابة: أبريل 2021

تعتمد العملة الاحتياطية للعالم على النفط والديكتاتوريين وعدم المساواة ومجامع الصناعات العسكرية، ولكن معيار البيتكوين يمكن أن يغير هذا.

خلال نموه من مجرد ورقة مبادئ بيضاء إلى أصل يقدر بتريليون دولار، اجتذب البيتكوين قدرًا هائلاً من الانتقادات. يركز المنتقدون على نتائج سلبية متصورة: استهلاك الطاقة، والبصمة الكربونية، والافتقار إلى التحكم المركزي، وعدم القدرة على التنظيم. بغض النظر عن صحة هذه الحجج أو عدمها، يتوقف عدد قليل من النقاد للتفكير بالمقارنة مع النتائج السلبية للنظام المالي العالمي الحالي الذي يهيمن فيه الدولار.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العديد من نقاد البيتكوين يرون أنه مجرد منصة دفع شبيهة بفيزا، ويحللون أداءه وتكاليفه من خلال «التحويلات في الثانية».  لكن البيتكوين ليس شركة برمجيات مالية تتنافس مع فيزا، بل هو أصل لامركزي ينافس ليكون العملة الاحتياطية العالمية الجديدة، ويهدف إلى وراثة الدور الذي كان يقوم به الذهب فيما مضى، ويشغله الدولار اليوم.

يعتمد العالم على الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يمنح أمريكا هيمنة اقتصادية ضخمة لا مثيل لها. ما يقرب من 90٪ من المعاملات الدولية بالعملات تتم بالدولار، و 60٪ من احتياطيات النقد الأجنبي محجوزة بالدولار، وحوالي 40٪ من ديون العالم تصدر بالدولار، على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تمثل سوى حوالي 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وُلد هذا الوضع الخاص الذي يتمتع به الدولار في السبعينيات من خلال اتفاقية عسكرية بين أمريكا والمملكة العربية السعودية، دفع العالم إلى تسعير النفط بالدولار وتخزين ديون الولايات المتحدة. مع خروجنا من جائحة 2020 والأزمة المالية، تواصل النخب الأمريكية التمتع بهذا الامتياز الباهظ لإصدار السلعة النقدية الأقوى ووحدة قياس الطاقة والتمويل.

شهدت العقود القليلة الماضية ارتفاعًا عالميًا هائلاً في النشاط الاقتصادي والسكان، والتقدم الديمقراطي والتقدم التكنولوجي ومستويات المعيشة، ولكن في هذا النظام عيوبًا نادرًا ما تُذكَر، تثقل كاهل مليارات الناس في جميع أنحاء العالم.

كيف سيبدو العالم بوجود نوع من المال، مفتوح، محايد، يمكن التنبؤ به بدلاً من نظام تسيطر عليه حكومة واحدة وتتلاعب به، حكومة واحدة تمثل 4٪ فقط من سكان الكوكب؟ تستكشف هذه المقالة الجوانب التي نادراً ما تُناقش، والعيوب المثيرة للدهشة في النظام الحالي على أمل أن نتمكن من استبداله بشيء أكثر عدلاً وحرية ولامركزية.

سوف يستكشف هذا المقال إنشاء الدولار النفطي الذي نادرًا ما نوقش، ويوضح كيف دعمت أمريكا الحكام الدكتاتوريين المتوحشين، وعرّضت أمنها القومي للخطر، وألحقت الضرر بقاعدتها الصناعية، ودعمت وحمت صناعة الوقود الأحفوري، بل وكيف خاضت صراعات في الخارج من أجلها، وكل ذلك لدعم وضع الدولار عملةً احتياطية عالمية. وإن كانت هذه الاستراتيجية نجحت في عقود ماضية، فإن العالم اليوم يتجه بلا هوادة إلى هيكل مالي متعدد الأقطاب، وربما نحو معيار البيتكوين.

أولًا: ولادة الدولار النفطي

كانت الإمبراطورية البريطانية هي القوة الاقتصادية المهيمنة بلا منازع في القرن التاسع عشر، ولكنها بدأت تفقد قوتها في أوائل القرن العشرين، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. حيث برزت الولايات المتحدة أسلَم من أوروبا المنهكة بالحرب.  ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان الدولار قد فاق – بلا شك – الجنيه الإسترليني باعتباره العملة الوطنية الأكثر نفوذًا في العالم.

كانت الحكومات لا تزال تعتمد على الذهب باعتباره العملة الاحتياطية العالمية الأساسية، لكن صانعي السياسة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كانوا مصممين على إنشاء نظام أكثر «مرونة».  في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، اجتمع قادة 44 دولة في فندق بريتون وودز، نيو هامبشاير، لاختيار حجر الأساس المالي الجديد. دفع الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز بفكرة البانكور؛ وهي وحدة حساب عالمية يمكن للعديد من الدول إدارتها.  ولكن الولايات المتحدة فضلت فكرة أن يكون الدولار في المركز، لأنه مربوط بالذهب بمعدل 35 دولارًا للأونصة. ونظرًا لأنه لا يزال يتعين تسوية العجز التجاري الدولي بالذهب، فإن سيطرة أمريكا الكبيرة على إمدادات الذهب في العالم وكونها في وضع مرغوب في ميزان المدفوعات، قد وفر النفوذ اللازم لفعل ذلك.

على مدى العقود التالية، تحول العالم إلى معيار بريتون وودز، حيث رُبطت العملات الوطنية بمبالغ قابلة للتقويم بالدولار، حيث كانت الولايات المتحدة موثوقًا بها للاحتفاظ بالذهب وحيازة ما يكفي من الذهب لدعم النظام بأكمله. حتى أوائل الستينيات، كانت تؤدي عملًا جيدًا بشكل معقول. أصبحت الدولارات هي الوسيلة المهيمنة لتبادل التسويات الدولية، مدعومة بوعد بالدفع بالذهب. أصبحت أمريكا أكبر دولة دائنة وقوة اقتصادية في العالم.  ومع ذلك، بعد اغتيال الرئيس كينيدي، اختارت الحكومة الأمريكية طريق الإنفاق الاجتماعي والعسكري الضخم. مع البرامج الاجتماعية كبرنامج الرئيس الأمريكي جونسون «المجتمع العظيم» وغزو فيتنام، ارتفعت ديون الولايات المتحدة ارتفاعًا كبيرًا. على عكس الحرب العالمية الثانية أو الحرب الكورية، كانت فيتنام هي الحرب الأمريكية الأولى التي شنت كلها تقريبًا عن طريق الائتمان.

كما كتب نيال فيرغسون في كتابه «صعود الأموال»، «في أواخر الستينيات، كان عجز قطاع العام في الولايات المتحدة ضئيلًا وفقًا لمعايير اليوم، ولكنه كبير بما يكفي لإثارة شكاوى من فرنسا بأن واشنطن كانت تستغل وضع عملتها الاحتياطية لتحصيل السيولة من الدائنين الأجانب، من خلال طباعة الدولارات. مثلما استغل ملوك العصور الوسطى احتكارهم لسك العملة لخفض قيمتها».

أطلق الاقتصادي الفرنسي جاك ريوف على ذلك اسم «الخطيئة المالية للغرب»، وصاغت الحكومة الفرنسية مصطلح «الامتياز الباهظ».  أجبرت السياسة المالية البريطانية الضعيفة على تخفيض قيمة الجنيه في عام 1967، والفرنسيون – خوفًا من أن يؤدي الإنفاق الأمريكي غير المستدام إلى نتائج سلبية مماثلة – أرادوا عودة ذهبهم قبل تخفيض قيمة الدولار.

بحلول عام 1971، نمت الديون الأمريكية – بكل بساطة- نموًّا كبيرًا.  11 مليار دولار من الذهب فقط دعمت 24 مليار دولار من الدولارات.  في شهر أغسطس من ذلك العام، أرسل الرئيس الفرنسي بومبيدو سفينة حربية إلى مدينة نيويورك لجمع حصص بلاده من الذهب من الاحتياطي الفيدرالي، وطلب البريطانيون من الولايات المتحدة إعداد ما قيمته 3 مليارات دولار من الذهب المحتفظ به في فورت نوكس لسحبه.  في خطاب متلفز في 15 أغسطس 1971، أخبر الرئيس ريتشارد نيكسون الشعب الأمريكي أن الولايات المتحدة لم تعد تسترد الدولارات في مقابل الذهب، في جزء من خطة تتضمن تحديد الأجور وتجميد الأسعار وزيادة رسوم الاستيراد في محاولة لإنقاذ الاقتصاد،  قال نيكسون إن إغلاق نافذة الذهب مجرد إجراء مؤقت.  لكن قليلًا من الأشياء تدوم دوَام ما يُقال إنه مؤقت.  نتيجة لذلك، انخفضت قيمة الدولار أكثر من 10٪، ولم يعد نظام بريتون وودز موجودًا.  دخل العالم في أزمة مالية كبيرة، ولكن عندما سئل عن تأثير «صدمة نيكسون» على الدول الأجنبية، أوضح نيكسون موقفه قائلا: «أنا لا أبالي بشأن الليرة».

كما كتب ديفيد غريبر في كتابه «الديون»، «قام نيكسون بتعويم الدولار من أجل دفع تكلفة الحرب التي أمر فيها بإلقاء أكثر من أربعة ملايين طن من المتفجرات والمواد الحارقة على المدن والقرى في جميع أنحاء الهند الصينية … كانت أزمة الديون نتيجة مباشرة للحاجة إلى دفع ثمن القنابل، أو إذا أردت دقة أكبر، ثمن البنية التحتية العسكرية الهائلة اللازمة لإيصالها.  كان هذا ما تسبب في ضغوط هائلة على احتياطيات الذهب الأمريكية».

لأول مرة في التاريخ، كان العالم يعمل على معيار عملة لا غطاء لها مطلقًا.  فقدت الدولارات التي تحتفظ بها البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم دعمها، وكانت لحظة جيوسياسية شُكّك فيها بهيمنة الولايات المتحدة وأصبح العالم المالي متعدد الأقطاب احتمالًا واضحًا. ولزيادة الضغط، قررت الدول العربية المصدرة للنفط في منظمة أوبك في عام 1973 مضاعفة سعر النفط العالمي أربع مرات وفرض حظر على الولايات المتحدة ردًا على دعمها لإسرائيل خلال حرب تشرين.  في غضون سنوات قليلة فقط، ارتفع سعر برميل النفط من أقل من دولارين إلى ما يقرب من 12 دولارًا.  في مواجهة تضخم من رقمين وتراجع الثقة العالمية بالدولار، توصل نيكسون ووزير خارجيته ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، إلى فكرة تسمح لهما بالحفاظ على توازن «البنادق والزبدة» – والموازنة بين الإنفاق العسكري والاستثمار في السلع- في حقبة ما بعد معيار الذهب، ومن ثم تغير مصير العالم.

في عام 1974، أرسلوا وزير الخزانة الجديد ويليام سيمون إلى المملكة العربية السعودية «لإيجاد طريقة لإقناع مملكة معادية بتمويل عجز أمريكا المتزايد من ثروتها المكتشفة حديثًا من الدولار النفطي».  ببساطة، الدولار النفطي؛ هو دولار أمريكي يُدفع لمُصدِّر للبترول مقابل النفط.  كما جاء في تقرير بلومبرج، كان الإطار الأساسي «بسيطًا بساطةً مذهلة».  «سوف تشتري الولايات المتحدة النفط من المملكة العربية السعودية وتوفر المساعدة والمعدات العسكرية للمملكة.  في المقابل، سيضخ السعوديون المليارات من عوائدهم من أرباح النفط في سندات الخزانة ممولين إنفاق أمريكا».  كانت هذه هي اللحظة التي اقترن فيها الدولار الأمريكي رسميًا بالنفط.

في 8 يونيو 1974 في واشنطن، وقع كيسنجر وولي العهد الأمير فهد، اتفاقيات لإنشاء استثمار سعودي في الولايات المتحدة ودعم أمريكي للجيش السعودي. سافر نيكسون إلى جدة بعد بضعة أيام لمواصلة العمل على التفاصيل.  كشفت وثائق رفعت عنها السرية لاحقًا أن الحكومة الأمريكية مكَّنت السعوديين سرًا من شراء سندات الخزانة «خارج المزادات العادية بأسعار تفضيلية».  في أوائل عام 1975، قاموا بشراء 2.5 مليار دولار من سندات الخزينة، وبدؤوا موجة تحولت فيما بعد إلى مئات المليارات من دولارات الدولار النفطي المستثمرة في ديون الولايات المتحدة.  بعد عقود، قال جيري بارسكي – الذي كان نائب وزير الخزانة سايمون في ذلك الوقت – إن هذا «الترتيب السري مع السعوديين كان يجب تفكيكه منذ سنوات»، وإنه «فوجئ بإبقاء وزارة الخزانة عليه في مكانه لفترة طويلة»، ولكن مع ذلك، قال إنه «لا يشعر بأي ندم» لأن «إبرام الصفقة كان إيجابيًا لأمريكا».

بحلول عام 1975، اتبعت دول أخرى في أوبك المملكة العربية السعودية. فإذا كنت ترغب في شراء النفط منهم ومن مخازنهم الذي تحتوي على ما يقرب من 80٪ من احتياطيات النفط العالمية، فعليك أن تدفع بالدولار. أدى هذا إلى ظهور طلب جديد على العملة الأمريكية في وقت يسوده عدم اليقين العالمي وحتى في وقت التضخم المتواصل. احتاجت الدول الصناعية إلى النفط، وللحصول عليه، كان عليهم الآن إما تصدير البضائع إلى الولايات المتحدة، أو شراء الدولارات من أسواق الصرف الأجنبي، مما زاد من تأثير شبكة الدولار العالمية. في عام 1974، كان حوالي 20٪ من النفط العالمي لا يزال يُعامل بالجنيه البريطاني، لكن هذا الرقم انخفض إلى 6٪ بحلول عام 1976. بحلول عام 1975، ارتفعت واردات السعودية من المعدات العسكرية الأمريكية من 300 مليون دولار إلى أكثر من 5 مليارات دولار.  وظلّت أسعار النفط – مدعومة بالعلاوة التي جاءت مع القدرة على البيع بالدولار – مرتفعة للغاية حتى عام 1985.

ثانيًا: تأثير الدولار النفطي

في بحثه عن الدولار النفطي، يجادل الاقتصادي السياسي ديفيد سبيرو بأن أرباح الدولارات من منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) قد «أعيد تدويرها» في سندات الخزانة الأمريكية لدعم «سياسات الحكومة الأمريكية للديون المبهجة وكذلك الاستهلاك المبتهج بالديون لمواطنيها».  أدت إعادة تدوير الدولار النفطي بمرور الوقت إلى انخفاض أسعار الفائدة، وسمحت للولايات المتحدة بإصدار الديون بثمن بخس.  تم إنشاء هذا النظام وتثبيته لا من خلال الاقتصاد الخالص ولكن من خلال السياسة عبر الاتفاق مع المملكة العربية السعودية. كما قال ألان جرينسبان في عام 1977، وهو يعكس تجربته كرئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين خلال إدارة فورد، كان السعوديون «صناع قرار خارج السوق».

يشير جرايبر إلى إعادة تدوير الدولار النفطي كمثال على كيفية استبدال سندات الخزانة الأمريكية بالذهب كعملة احتياطية في العالم ومخزن نهائي للقيمة.  ويوضح أن البادئ لكل هذا قد كان أنه «بمرور الوقت، فإن التأثير المشترك لمدفوعات الفائدة المنخفضة والتضخم، هو أن هذه السندات تنخفض في الواقع من حيث القيمة … يفضل الاقتصاديون أن يطلقوا عليها اسم ‹أجر الصك›».

منذ إنشائه في عام 1974، غيّر نظام الدولار النفطي العالم بعدة طرق مهمة، منها:

  • إنشاء تحالف محكم بين الولايات المتحدة والدكتاتورية السعودية، بالإضافة إلى أنظمة استبدادية أخرى في منطقة الخليج.
  • الارتفاع الحاد لاقتصاد الظل العالمي لعملة «اليورو الدولاري»، حيث أغرقت دولارات النفط (التي تم إنشاؤها خارج سيطرة الاحتياطي الفيدرالي) البنوك في لندن وأمريكا الشمالية، ثم أعيد تدويرها في سندات الخزانة الأمريكية أو إقراضها مرة أخرى إلى الأسواق الناشئة.
  • إن تمويل الاقتصاد الأمريكي بسبب قوة الدولار المصطنعة، جعلت الصادرات غير قادرة على المنافسة، وأفرغت الطبقة الوسطى وحولت التركيز من التصنيع إلى التمويل والتكنولوجيا والدفاع والخدمات، وكل ذلك مع زيادة النفوذ في النظام.
  • ضغوط إضافية على الاتحاد السوفيتي، الذي كان يواجه سوقًا عالمية تتجه إلى الدولرة اتجاهًا متزايدًا، حيث كان يمكن للولايات المتحدة طباعة النقود لشراء النفط، أما الاتحاد السوفييتي فعليه استخراج النفط من الأرض.
  • قضايا مؤلمة لاقتصادات الأسواق الناشئة، التي أصبحت غارقة في الديون المقومة بالدولار، والتي كان من الصعب سدادها وعلقت في نظام يعطي الأولوية لتراكم الدولار على الاستثمار المحلي، مما يضر بالدخل ويؤدي إلى أزمات الديون في كل مكان، من المكسيك إلى شرق آسيا إلى روسيا إلى  الأرجنتين.
  • النمو المطرد لصناعة النفط والوقود الأحفوري على حساب الطاقة النووية واستقلال الطاقة الإقليمي.
  • وبالطبع، استمرار الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عسكرية-مالية، وقدرة الولايات المتحدة على إدارة عجز هائل لتمويل الحروب والبرامج الاجتماعية، وكلها مدفوعة جزئياً من قبل دول أخرى.

يقول بعض نقاد نظرية الدولار النفطي إن هذه الظاهرة هي إلى حد كبير أسطورة.  يقولون إن الدولار هيمن ببساطة لأنه لم تكن هناك منافسة. قال دين بيكر من مركز أبحاث الاقتصاد والسياسة أنه «صحيح أن النفط يسعَّر بالدولار وأن معظم النفط يُتداول بالدولار، ولكن هذه الحقائق لا تحدث فرقًا نسبيًا في وضع الدولار كعملة دولية تعتمد على الرفاه الاقتصادي للولايات المتحدة».

في غضون ذلك، يقلل منظرو النقد الحديثون مثل وارن موسلر وستيفاني كلينتون من أهمية الدولار النفطي، قائلين «لا يهم» أو «لا صلة له بالموضوع» لأنه لا يحد مما يمكن للولايات المتحدة أن تفعله محليًا ودوليًا، لا يهم ما هو سعر النفط لأن الدول يمكنها بسهولة مبادلة العملات قبل الشراء. يشير النقاد إلى حقيقة أن الدولار كان بالفعل العملة الاحتياطية العالمية قبل عام 1973، وأن تسعير السلع بالدولار «مجرد اتفاقية»، وأنه «لن يكون هناك فرق حقيقي إذا كان اليورو، أو الين، أو حتى تم اختيار مكيال من القمح كوحدة حسابية لسوق النفط».  كما يقولون إن الدولارات التي تدخل في تجارة النفط «تافهة» مقارنة بمصادر الطلب الأخرى.

لكن قرار السعودية وأوبك بتسعير صادراتهم النفطية بالدولار، واستثمار الأرباح في الدين الأمريكي لم يكن قرارا سوقيا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم يكن قرار حظ أو صدفة، بل كان قرارا سياسيا، مقابل الحماية والسلاح، وأدى إلى إحداث شبكة تأثيرات إضافية لا حصر لها، أدت بمرور الوقت إلى ترسيخ الدولار كعملة احتياطية في العالم.  عندما تضطر البلدان إلى استبدال عملاتها بالدولار لشراء النفط، فإن هذا يقوي هذا الزوج التجاري لتلك الدولة، مما يوسع نفوذ الولايات المتحدة إلى ما وراء أسواق الطاقة.  في «الديون»، يشير غرابر إلى الجدل حول ما إذا كانت مبيعات النفط المقومة بالدولار تعطي أي فائدة للولايات المتحدة أم لا، لكنه يقول إنه بغض النظر عن ذلك، ما يهم في النهاية هو أن «صانعي السياسة في الولايات المتحدة يشعرون بأنهم مهمون من الناحية الرمزية ويقاومون أي محاولة لتغيير هذا».

ثالثًا: السياسة الخارجية الأمريكية والدولار النفطي

في أكتوبر 2000، حاول صدام حسين تغيير نظام الدولار النفطي، عندما أعلن أن العراق سيبيع النفط باليورو وليس بالدولار.  بحلول فبراير 2003 ، كان قد باع 3.3 مليار برميل من النفط مقابل 26 مليار يورو. مع شركائه التجاريين الفرنسيين والألمان، ولد «اليورو النفطي»، الذي إذا توسّع سيساعد سوق اليورو على التطور مقابل الكثير من العملات الأخرى، وهو ما  يعزز قوة اليورو ويقوض الامتياز الباهظ للدولار.  لكن بعد شهر واحد، غزت الولايات المتحدة، بمساعدة المملكة المتحدة، العراق وأطاحت بصدام. بحلول حزيران (يونيو)، عاد العراق لبيع النفط بالدولار مرة أخرى.

هل ذهبت أمريكا إلى الحرب للدفاع عن الدولار النفطي؟  قليلًا ما يُناقش هذا الاحتمال في التحليلات التي تنظر إلى الحرب نظرًا خلفيًّا، إذ تميل إلى التركيز على مسائل مخزون العراق المزعوم من أسلحة الدمار الشامل أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الروابط الإرهابية.  ولكن في ذلك الوقت، كان الكثيرون ينظرون إلى اليورو على أنه منافس واقعي للدولار.  بالنظر إلى أن الإطاحة بصدام – في وقت لاحق – ساعدت على ردع التغيير ومنح نظام الدولار النفطي سنوات عديدة من الهيمنة، يبدو أنه أحد التفسيرات الأكثر منطقية للحرب الأكثر غموضًا في التاريخ الأمريكي الحديث.

في العام الماضي، ظهر الصحفي روبرت درابر في برنامج عزرا كلاين لمناقشة كتابه الجديد، «لبدء الحرب: كيف أدخلت إدارة بوش أمريكا في العراق».  بعد عقد من الإدراك المتأخر، غطوا العديد من الدوافع المحتملة للغزو، لكنهم أطلقوا عليها في النهاية «حرب البحث عن سبب». حتى يومنا هذا، لا إجماع على سبب غزو الولايات المتحدة للعراق، وقد ثبت أن الأسباب الرسمية مفتعلة تمامًا.

وفقًا لوزير الخزانة السابق بول أونيل، بحلول شباط (فبراير) 2001، كانت إدارة بوش تتحدث داخليًا بالفعل عن لوجستيات غزو العراق.  قال «ليس السبب، ولكن الكيفية والإسراع في إيجاد الكيفية»، بالفعل تم إعداد المخططات.  في الحادي عشر من سبتمبر، بعد ساعات قليلة من الهجمات، أمر نائب وزير الدفاع آنذاك بول وولفويتز، بإجراء دراسة شاملة لعلاقات صدام بالمنظمات الإرهابية.

على مدى الأشهر الثمانية عشر التالية، روجت إدارة بوش للمجهود الحربي، وبحلول مارس 2003 كانت قد حصلت على دعم واسع، خاصة بمساعدة وزير الخارجية كولن باول الذي أنفق مصداقيته على حملة العلاقات العامة في الأمم المتحدة وعلى التلفزيون الإخباري.  أيد مجلسا النواب والشيوخ الإطاحة بصدام، بما في ذلك أعضاء مجلس الشيوخ كلينتون وكيري وريد وبايدن. في وسائل الإعلام، أيدت منافذ إعلامية من فوكس نيوز إلى نيويورك تايمز الغزو، كما فعل 72٪ من الأمريكيين في استطلاعات الرأي في الأسابيع التي سبقت الغزو.  كان المنطق العام واضحًا: صدام كان خطيرًا، ويعتقد أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، ويمكن أن يمررها إلى القاعدة ونحتاج إلى إيقافه.  في ذلك الوقت، قال نائب الرئيس ديك تشيني: «ليس هناك شك في أن صدام يمتلك أسلحة دمار شامل».  سُوّقت الحرب أيضًا على أنها عمل إنساني وأطلق عليها اسم عملية تحرير العراق.  لكن بالنظر إلى الماضي، لم تغز أمريكا العراق لتعزيز حقوق الإنسان.  لم يكن هناك أي صلة للأمر بالقاعدة أو 9/11.  وعلى الرغم من وعود تشيني، لم يُعثَر على أسلحة دمار شامل.

الدوافع الأخرى ما زالت تناقش، بما في ذلك مواجهة إيران، وهو أمر غير منطقي، نظرًا لأن معظم العراقيين هم من الشيعة وانتهى الأمر بتركيبتهم ​​السياسية إلى الميل أكثر نحو إيران أثناء الاحتلال، وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة قد دعمت صدام في العقود السابقة لهذا الأمر بالذات. دفعت الطبيعة الواهية للأسباب الرسمية للحرب الكثيرين إلى الاعتقاد بأن النفط هو السبب الجذري. ليس الأمر غريبًا. على مدار الـ 150 عامًا الماضية، كانت الموارد الطبيعية أساس العديد من الحروب والغزوات والاحتلالات التي شكلت عالمنا، بما في ذلك التدافع الاستعماري على إفريقيا، واللعبة الكبرى في آسيا الوسطى، ومعاهدة سايكس-بيكو، والإطاحة بمصدق في إيران ولومومبا في الكونغو وحرب الخليج الأولى.

 أنكر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ونائبه كولين باول، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ورئيس سلطة التحالف المؤقتة بول بريمر، ووزير الخارجية البريطاني جاك سترو، أنكروا جميعًا علانية أن الحرب كانت بسبب النفط. لكن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق ألان جرينسبان كتب في مذكراته «أشعر بالحزن لأنه من غير الملائم سياسيًا الاعتراف بما يعرفه الجميع: حرب العراق تدور إلى حد كبير على النفط» وأخبر وسائل الإعلام أن الإطاحة بصدام كانت «ضرورية» لتأمين النفط العالمي. وقال رئيس العمليات الأمريكية السابق في العراق الجنرال جون أبي زيد «بالطبع الأمر يتعلق بالنفط.  لا يمكننا أن ننكر ذلك حقًا».  واعترف وزير الدفاع السابق تشاك هاجل في عام 2007 بأن «الناس يقولون إننا لا نحارب من أجل النفط، بالطبع نحن نفعل ذلك».

صحيح أن أمريكا، حتى في ذلك الوقت، لم تستهلك جزءًا كبيرًا من نفطها من الشرق الأوسط. في عام 2003، تلقت الولايات المتحدة معظم نفطها من الإنتاج المحلي بالإضافة إلى مصادر مثل كندا والمكسيك وفنزويلا.  في ضوء ذلك، يبدو غزو العراق لمجرد «السيطرة» على النفط سببًا ضعيفًا.  ويمكن لمعظم الناس أن يتنبؤوا بسهولة بأن الحرب المستعرة ستضر بالبنية التحتية للنفط في العراق، مما يؤدي إلى تأخيرات طويلة قبل أن يتمكن الإنتاج من العودة إلى طبيعته.  لكن ربما لم يكن شن الحرب من أجل النفط عمومًا، بل للدفاع عن نظام الدولار النفطي خصوصًا.

في ما بعد الغزو في مايو 2003، قبل أسابيع من عودة العراق إلى بيع النفط بالدولار، كتب هوارد فينمان في مجلة نيوزويك أن الأوروبيين كانوا يناقشون الأمم المتحدة حول ما إذا كانوا سيواصلون البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي لم يتمكنوا من العثور عليها أم لا.  وذكر أن الخلاف الحقيقي لم يكن «حول أسلحة الدمار الشامل على الإطلاق. يتعلق الأمر بشيء آخر تمامًا: من الذي سيبيع – ويشتري – النفط العراقي، وما هو شكل العملة الذي سيتم استخدامه لتحديد قيمة المبيعات».

كما يسأل غريبر: «ما مقدار تأثير قرار صدام بمقاومة الدولار على قرار الولايات المتحدة بعزله؟ من المستحيل معرفة ذلك. كان قراره بالتوقف عن استخدام ‹عملة العدو› – على حد تعبيره – واحدًا من سلسلة من الإشارات العدائية ذهابًا وإيابًا، التي كان من المحتمل أن تؤدي إلى الحرب. في أي حال؛ المهم هنا هو أنه كانت هناك شائعات منتشرة بأن هذا كان أحد العوامل الرئيسية المساهمة في اتخاذ قرار الحرب. ومن ثم، لا يمكن لأي صانع سياسة في العالم في وضع مماثل لصدام – يسمح له بإجراء تبديل مماثل – أن يتجاهل هذا الاحتمال تمامًا. على الرغم من أن المستفيدين من الأمر لا يحبون الاعتراف بذلك، إلا أن جميع الترتيبات الإمبريالية تعتمد في النهاية على الإرهاب».

بعد ما سبق، لقد كانت أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، هي فترة تحدي اليورو، وقد كان من المنطقي أن تتخذ الولايات المتحدة الإجراءات اللازمة. وعليه – سواء كان الدفاع عن الدولار النفطي هو الهدف الرئيسي لغزو العراق أم لا – فإن النتيجة كانت واحدة: الدول الأخرى رأت ما حدث لصدام، وكانت – لسنوات عديدة – شديدة الخوف من الدفع بعملاتها «النفطية».  وماذا عن النفط؟  تضاعف إنتاج العراق من عام 2001 إلى عام 2019، وارتفع في النهاية إلى خمسة ملايين برميل من النفط يوميًا.  أصبح العالم المالي متعدد الأقطاب خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن اعتبارًا من عام 2019، كان أكثر من 99٪ من مدفوعات تجارة النفط الخام تتم بالدولار.

رابعًا: الدكتاتوريون وعدم المساواة والوقود الأحفوري

بعد حرب العراق، كان هناك العديد من العوواقب السلبية لنظام الدولار النفطي على رأسها وأكثرها وضوحًا؛ الدعم الأمريكي للديكتاتورية السعودية. على الرغم من أن 15 من الخاطفين التسعة عشر في 11 سبتمبر بالإضافة إلى أسامة بن لادن نفسه كانوا سعوديين، قاومت الحكومة الأمريكية بالقوة أي محاولة للتحقيق مع النظام السعودي لتورطه في الهجوم وبدلاً من ذلك غزت وقصفت دولًا أخرى انتقامًا.  الدولار النفطي هو أحد الأسباب الرئيسية وراء بقاء آل سعود في السلطة.

في عام 2002، قال سفير الولايات المتحدة السابق لدى المملكة العربية السعودية تشاس فريمان للكونجرس: «من أهم الأشياء التي قام بها السعوديون تاريخياً، جزئياً بسبب الصداقة مع الولايات المتحدة، الإصرار على استمرار تسعير النفط بالدولار.  لذلك، يمكن لوزارة الخزانة الأمريكية طباعة النقود وشراء النفط، وهي ميزة لا تتمتع بها أي دولة أخرى». في عام 2007، حذر السعوديون الولايات المتحدة من أنها ستتخلى عن نظام الدولار النفطي إذا أجاز الكونجرس قانون «نوبك» الذي سيمكن وزارة العدل من ملاحقة حكومات أوبك بموجب قوانين مكافحة الاحتكار للتلاعب في أسعار النفط. وعليه لم يتم سن مشروع القانون.

وفقًا لقصة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز عام 2016، فإن المملكة العربية السعودية «أخبرت إدارة أوباما وأعضاء الكونجرس أنها ستبيع أصولًا أمريكية بمئات المليارات من الدولارات تحتفظ بها المملكة، إذا أقر الكونجرس مشروع قانون من شأنه أن يحمل المملكة العربية السعودية المسؤولية أمام المحاكم الأمريكية عن أي دور في هجمات 11 سبتمبر 2001».

في عام 2020، قام المدعي العام آنذاك وليام بار، بمنع نشر أسماء دبلوماسيين سعوديين مرتبطين بأحداث 11 سبتمبر، في السجل العام لأن هذا الكشف ينطوي على خطر «إلحاق ضرر كبير بالأمن القومي».  في أعقاب مقتل جمال خاشقجي، كاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست، لم يدفع الرئيس دونالد ترامب لاتخاذ أي إجراء ضد محمد بن سلمان، وقال في قناة «إن بي سي نيوز»: «لست مثل الأحمق الذي يقول: لا نريد التعامل معهم». كما رفض الرئيس بايدن معاقبة محمد بن سلمان مباشرة، على الرغم من أن وكالات المخابرات الأمريكية قدمت أدلة، تظهر بأنه قد أمر بقتل خاشقجي، قائلاً إن ذلك سيكون مكلفًا للغاية بالنسبة لأمريكا.

هذه أمثلة قليلة، على الرغم من الحرب الدموية التي يشنها النظام السعودي في اليمن، وتعذيب السجينات السياسيات واغتيال خاشقجي، فإن علاقة أمريكا بالمملكة لا تزال ثابتة ومحمية على أعلى المستويات.  وفقًا لبحث من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، «بين عامي 2015 و2019، اشترت دول الخليج الست أكثر من خمس الأسلحة المبيعة على مستوى العالم، مع تصنيف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، في الترتيب الأول والثامن والعاشر – على الترتيب – من حيث استيراد السلاح. اشترت المملكة العربية السعودية وحدها ربع إجمالي صادرات الأسلحة الأمريكية خلال تلك الفترة، في ارتفاع واضح من 7.4 بالمائة فقط بين عامي 2010 و2014».  لقد ظل اتفاق تسعير النفط الذي تم التوصل إليه لأول مرة في عام 1974 قوياً في عام 2021، على الرغم من مرور الوقت.

محليًا، ازدهرت فئات معينة في أمريكا بسبب الدولار النفطي، لكن التأثير على المتوسط ​​الأمريكي كان سالبًا.  كما كتب مؤخرًا في «فورين أفيرز»، «تعود الفوائد الأولوية للدولار بشكل أساسي على المؤسسات المالية والشركات الكبرى، ولكن يتحمل العمال التكاليف بشكل عام. لهذا السبب، فإن استمرار هيمنة الدولار يهدد بتعميق عدم المساواة وكذلك الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة».  لقد استفادت الشركات ومالكو الأصول أكثر من غيرهم في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة للنظام.  كما يجادل فايغن و ليوسدر في «السياسة الطبقية لنظام الدولار»، أن «أولوية الدولار تغذي عجزًا تجاريًا أمريكيًا متزايدًا، وتحول اقتصاد البلاد نحو تراكم الإيجارات بدلاً من نمو الإنتاجية.  وقد ساهم هذا في انخفاض نصيب الدخل للعمالة ورأس المال، وتضخم تكلفة الخدمات مثل التعليم والرعاية الطبية وإيجار المساكن».

نظرًا لأن نظام الدولار النفطي أبقى الطلب العالمي على الدولار قويًا بشكل مصطنع على مدار العقود الماضية، أصبحت قاعدة التصنيع الأمريكية ضعيفة وغير قادرة على المنافسة وفقدت الوظائف للخارج.  عادةً ما ينتهي الأمر بالعملة القوية جدًا إلى خلق مشكلة عجز وتضطر إلى خفض قيمتها لبيع الصادرات.  ولكن، كما تشير المستثمرة لين ألدن في «تآكل نظام احتياطي العملة العالمي في الولايات المتحدة»، لم يحدث هذا أبدًا مع الولايات المتحدة بسبب استمرار سداد الدول الأجنبية لعجزها.  في عام 1960، حدد الخبير الاقتصادي روبرت تريفين هذه الظاهرة، المعروفة الآن باسم معضلة تريفين: لكي تظل العملة الاحتياطية العالمية، يجب على الولايات المتحدة توفير السيولة العالمية من خلال إدارة عجز كبير بشكل متزايد، لا بد أن يقوض يومًا ما الإيمان بالدولار.

تضخم القطاع المالي في الولايات المتحدة، حيث يمثل الآن 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 10٪ في عام 1947. وقد أدى هذا التمويل إلى إثراء النخبة المالكة للأصول على السواحل بينما دمر عمال حزام الصدأ الذين يتعاملون مع الأجور المتناقصة. وقد أدى ذلك إلى إثارة الشعبوية وعدم المساواة الشديد، حيث لا يزال متوسط (معدل) ​​الثروة في الولايات المتحدة مرتفعًا نسبيًا بين الدول المتقدمة، لكن وسيط (القيمة الوسطى) ​​ثروتها منخفض نسبيًا.  بهذه الطريقة، تجادل ألدن وغيرها من مفكري الاقتصاد الكلي مثل لوك غرومين بأن هيمنة الدولار تؤذي الولايات المتحدة في الواقع في تنافسها مع دول مثل الصين، القادرة على اقتراض الدولارات باستمرار لتخزين الأصول الصلبة، وتعزيز السيطرة على سلاسل التوريد العالمية الهامة.

وبعد ذلك، بالطبع، لدينا الدولار النفطي نفسه وتأثيره على البيئة.  كما ذكرت رويترز، «إذا انخفض استخدام النفط المقوم بالدولار لصالح مصادر طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية أو المائية المنتجة محليًا، فقد تنحدر معه كل الدولارات النفطية التي دوّرها واستثمرها أكبر منتجي النفط منذ نهاية معيار النفط في السبعينيات».  وببساطة، فإن التحول العالمي إلى مصادر الطاقة المتجددة من شأنه أن يحد من الطلب على الوقود الأحفوري، والذي يمكن أن يوجه ضربة قاضية لنظام الدولار النفطي، وقدرة الولايات المتحدة على زيادة العجز الهائل دون عواقب. قاومت المصالح النفطية بقوة محاولات تطوير الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة على مدى العقود القليلة الماضية. لا يزال الجيش الأمريكي أكبر مستهلك منفرد لموارد البترول.

عندما تعتمد العملة الاحتياطية العالمية حرفياً على بيع النفط، فإن العالم سيعاني من مشكلة انبعاثات الكربون الهائلة. ناهيك عن حقيقة أن هذا الدولار النفطي، كما ناقشنا من قبل، يدافع عنه الوجود الأمريكي العسكري في أنحاء العالم، الذي ينتج الكربون بحجم دولة متوسطة الحجم، ويزداد هذا الحجم مع حاجة أمريكا لحماية الدولار، ويتعزز ذلك عبر حروب رفع أسعار النفط التي تخوضها في قارات مختلفة. من المستحيل حقًا أن يكون نظام الدولار النفطي أخضر عندما يعتمد على الذهب الأسود.

خامسًا: البيتكوين وعالم متعدد الأقطاب

حافظت السياسة الخارجية للولايات المتحدة على هيمنة الدولار النفطي لعقود عديدة، لكن قوتها بدأت تتضاءل بلا شك.  يمتع العديد من الأمريكيين، ومنهم مؤلف هذا الكلام، بامتيازات لا تصدق من هذا النظام، لكنهت لن تستمر إلى الأبد.

يطلق لوك غرومين على نظام الدولار النفطي اسم «مدينة الشركة»، حيث فرضت الولايات المتحدة سيطرتها على أسعار النفط بالتهديدات والعنف. ويقول إنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، كان بإمكان أمريكا إعادة هيكلة النظام وعقد اتفاقية بريتون وودز أخرى، لكنها احتفظت بنظام القطب الواحد.  بالإضافة إلى حماية النظام من الاضطرابات مثل عملة اليورو النفطي، يقول جرومين إن أمريكا أطالت عمر النظام من خلال إطلاق نافتا NAFTA، ومساعدة الصين على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. وقد سمحت هذه الخطوات للولايات المتحدة بمواصلة إنتاج وتصدير سندات الخزينة إلى الخارج مقابل البضائع والخدمات. ويشير إلى أنه في عام 2001، بلغت حصص الخزانة الصينية 60 مليار دولار، لكنها ارتفعت إلى 1.3 تريليون دولار بعد عقد من الزمن. من عام 2002 إلى عام 2014، كان أكبر صادرات أمريكا هو سندات الخزانة، حيث اشترت البنوك المركزية الأجنبية 53٪ من الإصدار، مستخدمة إياه كشكل جديد من الذهب.  ولكن منذ ذلك الحين، قامت الصين وحكومات أخرى بتجريد سندات الخزانة ودفعنا نحو نظام جديد، توقعًا أن يفقد الذهب قيمته.  وفقًا لجرومين، أدركت هذه الدول أنه إذا كانت الدولارات لا تزال مسعرة بالنفط مع استمرار الولايات المتحدة في تحقيق نسب أعلى للدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (يزداد ارتفاعًا من 35٪ في السبعينيات إلى أكثر من 100٪ اليوم)، فإن سعر النفط سيرتفع في نهاية المطاف.  لم تكن أوروبا قادرة على تعطيل نظام الدولار النفطي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولكن بمرور الوقت تآكلت هيمنة الولايات المتحدة وقدرتها على منع الدول الأخرى من تسعير النفط بعملاتها الخاصة.

هناك المزيد والمزيد من الدول التي تُقوّم تجارة النفط بعملات أخرى، مثل اليورو واليوان والروبل، جزئيًا لأنها تخشى الاعتماد على نظام ضعيف، وجزئيًا لأن الحكومة الأمريكية تواصل استخدام الدولار كسلاح.  نظام العقوبات الأمريكي قوي بشكل لا يصدق، حيث يمكنه عزل الأعداء عن شبكة الدفع SWIFT أو عن البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. كما ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز، «باستخدام البنوك الأمريكية كهراوة ضد روسيا، أظهر جو بايدن استعدادًا لتسليح النظام المالي الأمريكي ضد الأعداء، واستمرارًا لتكتيك شحذ خلال سنوات أوباما وازداد بشكل كبير في عهد دونالد ترامب».

هذا الشهر، استنكر الرئيس بايدن علنًا مشروع خط أنابيب نورد ستريم 2، والذي من شأنه أن يبني على الزخم الذي حققه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالفعل مع روسنفت، حيث قام بتسعير أكثر من 5٪ من نفط العالم باليورو من خلال ربط أوروبا وروسيا. وبحسب ما ورد يريد فريق بايدن «قتل» المشروع، وقد علق مسؤولوه بأن أولوية الدولار تظل «مهمة للغاية» للإدارة وأنه «في مصلحتنا الوطنية بسبب ميزة تكلفة التمويل التي يوفرها، [لأنها] تتيح لنا امتصاص الصدمات … ويمنحنا نفوذًا جيوسياسيًا هائلاً». هذا مؤشر صارخ على مدى أهمية نظام الدولار النفطي الذي يظل سياسيًا للولايات المتحدة، بعد 50 عامًا من إنشائه، على الرغم من النقاد الذين يقولون إن العالم يستخدم الدولارات لأسباب سوقية خالصة.

تريد العديد من الدول الهروب من السيطرة المالية الأمريكية، وهذه الرغبة تعمل على تسريع عملية نزع الدولرة على مستوى العالم. على سبيل المثال، تعاملت الصين وروسيا، اعتبارًا من العام الماضي، بالدولار بنسبة 33٪ فقط من الوقت، مقابل 98٪ فقط قبل سبع سنوات. تعمل الصين على توسيع تجارة النفط المقومة باليوان، ويخشى الكثيرون من مشروع “DC / EP” الجديد للحزب الشيوعي الصيني، أو مشروع اليوان الرقمي، باعتباره حيلة لزيادة الاستخدام الدولي لليوان.  في غضون ذلك، قال رئيس المفوضية الأوروبية السابق جان كلود يونكر: «من السخف أن تدفع أوروبا 80 في المائة من فاتورة وارداتها من الطاقة – بقيمة 300 مليار يورو سنويًا – بالدولار الأمريكي عندما يأتي ما يقرب من 2 في المائة فقط من وارداتنا من الطاقة من الولايات المتحدة الأمريكية».  بينما لا يزال الدولار هو المسيطر، تشير الاتجاهات إلى أن العملات الرئيسية الأخرى ستكتسب زخمًا في السنوات القادمة.

إلى جانب التحول إلى عالم متعدد الأقطاب، يمكن أن يكون هناك تهديد آخر لعملة الدولار النفطي، وهو حقوق السحب الخاصة، التي يستخدمها صندوق النقد الدولي، والتي تعتمد على الدولار واليورو والجنيه والين واليوان. مستوحاة من كينز وفكرته الفاشلة لعملة البانكور من بريتون-وودز، حققت حقوق السحب الخاصة مزيدًا من الجاذبية في السنوات القليلة الماضية، مع أكثر من 200 مليار وحدة متداولة ومن المحتمل إنشاء 650 مليارًا أخرى.  لكن قلة من الحكومات في موقع القوة الاقتصادية ستسلم عن طيب خاطر سيطرتها المالية إلى منظمة غير منتخبة مسماة بأحرف حساء الحروف.

أما بالنسبة للذهب، فإن العالم لن يعود.  كما كتب جاك روف في ستينيات القرن الماضي، «سيختار مديرو الأموال في أي نظام ديمقراطي التضخم دائمًا. لن يحرمهم هذا الخيار إلا المعيار الذهبي». يوضح المؤرخ اليساري مايكل هدسون أنه في سبعينيات القرن الماضي، حاول تقديم حجة غير سياسية لحكومة الولايات المتحدة للعودة إلى المعيار الذهبي، بالتعاون مع الباحث اليميني هيرمان خان: قدّما عرضًا تقديميًّا إلى وزارة الخزانة الأمريكية قائلين: «الذهب معدن مسالم لأنه يقيد على ميزان المدفوعات. إذا اضطرت الدول إلى سداد عجز ميزان المدفوعات في الذهب، فلن تكون قادرة على تحمل تكاليف ميزان المدفوعات لخوض الحرب».  كان هذا مقبولًا إلى حد كبير ولكنه كان أيضا سبب رد الولايات المتحدة بشكل أساسي بالقول: «لهذا السبب لن نعود إلى الذهب.  نريد أن نكون قادرين على خوض الحرب ونريد أن يكون البديل الوحيد الادخار باحتياطيات البنك المركزي هو دولار الولايات المتحدة». والذهب، بحسب رأي معظم الاقتصاديين اليوم، مقيد للغاية.

افترضت دراسة أجريت عام 2020 في مجلة الاقتصاد المؤسسي أربع نتائج نقدية مستقبلية محتملة للعالم: استمرار هيمنة الدولار، والكتل النقدية المتنافسة (حيث يعمل الاتحاد الأوروبي والصين كقوى موازنة للولايات المتحدة)، واتحاد نقدي دولي (حيث يحتل المرتبة الأولى في التسلسل الهرمي للعالم -بدلا عن دولة واحدة – بنك التسويات الدولية وحقوق السحب الخاصة)، والفوضى النقدية الدولية، حيث يتقلص العالم إلى جزر أقل ارتباطًا.  ومع ذلك، فقد نسي المؤلفون الاحتمال الخامس: معيار البيتكوين حيث تصبح العملة الرقمية أصلًا احتياطيًّا عالميًّا.

نمت قيمة البيتكوين منذ إنشائه عام 2009 على يد ساتوشي ناكاموتو، من أقل من بنس واحد إلى 50 ألف دولار، وانتشر في كل منطقة حضرية رئيسة على وجه الأرض مخزنًا للقيمة، وأصبح في بعض الأماكن وسيلة للتبادل. في العام الماضي بدأت شركات Fortune 500 مثل تسلا وصناديق الثروة السيادية مثل تيماسك في سنغافورة جمع البيتكوين بفضل خصائصها المنيعة على التضخم. يسميه كثيرون الذهب الرقمي.

من المحتمل جدًا أننا نشهد ولادة مخزن نهائي جديد للقيمة، بل وقاعدة نقود عالمية جديدة، محايدة وغير مركزية مثل الذهب، ولكنها خلافًا للذهب قابلة للبرمجة، وقابلة للنقل عن بعد، ويمكن التحقق منها بسهولة، ونادرة للغاية ومقاومة للتحكم المركزي.  يمكن لأي مواطن أو أي حكومة تلقي أو تخزين أو إرسال أي مبلغ من البيتكوين ببساطة من خلال الوصول إلى الإنترنت، ولا يمكن لأي تحالف أو إمبراطورية أن تحط من قيمة هذه العملة. إنها، كما يقول البعض، عملة الأعداء: يمكن للأطراف المتنازعة استخدام النظام والاستفادة بشكل متساوٍ دون أن ينتقص أحدهم من الآخر.

مع ارتفاع قيمة البيتكوين مقابل العملات الورقية، سيبدأ المزيد والمزيد من الشركات والأفراد في التجميع.  في النهاية، ستفعل الحكومات ذلك أيضًا.  في البداية سوف يضيفونها كجزء صغير من محافظهم إلى جانب العملات الاحتياطية الأخرى، لكن في النهاية، سيحاولون الشراء أو التعدين أو فرض الضرائب أو مصادرة أكبر قدر ممكن.

وُلد البيتكوين في وقت وصلت فيه العملة الاحتياطية العالمية السابقة إلى ذروتها، وقد يقدّم نموذجًا جديدًا، مع المزيد من الاحتمالات ولكن أيضًا مع المزيد من ضبط النفس. سيتمكن أي شخص لديه اتصال بالإنترنت من حماية رواتبه ومدخراته، لكن الحكومات، غير القادرة على جني الأموال بسهولة لمجرد نزوة، لن تكون قادرة على شن حروب إلى الأبد أو بناء دول رقابة ضخمة تتعارض مع رغبات مواطنيها. قد ينشأ توافق أوثق بين الحكام والمحكومين.

الخوف الأكبر، بطبيعة الحال، هو أن أمريكا لن تكون قادرة على تمويل برامجها الاجتماعية الباهظة والإنفاق العسكري إذا كان هناك طلب عالمي أقل على الدولار.  إذا كان الناس يفضلون اليورو أو اليوان أو السندات من دول أخرى، فإن الولايات المتحدة في شكلها الحالي ستكون في ورطة كبيرة. صمم نيكسون وكيسنجر الدولار النفطي بحيث يمكن للولايات المتحدة الاستفادة من الطلب العالمي على الدولارات المرتبطة بالنفط. السؤال هو: لماذا لا يكون هناك طلب عالمي على الدولار المرتبط بالبيتكوين؟

بغض النظر عن الأموال الأساسية، لا يزال من الممكن أن تكون هناك عملة ورقية وديون حكومية، مسعرة وفقًا للقوة الاقتصادية وموقع البيتكوين لتلك البلدان.  وفي عالم البيتكوين الناشئ، تتصدر أمريكا العديد من الفئات، سواء كانت البنية التحتية، أو تطوير البرمجيات، أو مقتنيات السكان الفعلية، وحتى التعدين، بالنظر إلى الاتجاهات الصاعدة حاليًّا.  أمريكا مبنية أيضًا على الحرية وتكافؤ الفرص وحرية التعبير والملكية الخاصة وأسواق رأس المال المفتوحة وغيرها من القيم والمؤسسات التي يعززها البيتكوين ويقويها. إذا أصبح البيتكوين في النهاية العملة الأساسية العالمية، فإن أمريكا في وضع يمكنها من الاستفادة من هذا التحول.

وهذا يعني ترك الاعتماد على الحكام المستبدين والمعاهدات السرية في الشرق الأوسط، ولن تبقى حاجة لتهديد أو غزو دول أخرى للحفاظ على أولوية الدولار، ولا إلى معارضة تكنولوجيا الطاقة النووية أو الطاقة المتجددة لحماية صناعة الوقود الأحفوري. على عكس نظام الدولار النفطي، يمكن للبيتكوين تسريع انتقال الطاقة العالمي إلى مصادر الطاقة المتجددة، حيث يختار المعدنون دائمًا أرخص مصادر الكهرباء، حيث تشير التوجهات المعاصرة إلى أن مصادر الطاقة المتجددة ستكون أرخص في المستقبل.

في حكم معيار البيتكوين، سيلعب الجميع بنفس القواعد. لا يمكن لأي حكومة أو تحالف من الحكومات التلاعب بالسياسة النقدية. ولكن يمكن لأي فرد أن يختار عملة قائمة ذات قواعد إجبارية مسبقة، والتحكم في أداة الادخار التي كانت متزايدة تاريخيًّا مقابل السلع والخدمات. ستكون هذه فائدة صافية كبيرة لمعظم الناس على وجه الأرض، خاصة عند الأخذ في الاعتبار أن المليارات يعيشون اليوم في ظل تضخم مرتفع أو قمع مالي أو عزلة اقتصادية.

قد لا يكون هذا الانتقال ممتعًا للغاية بالنسبة للأنظمة الاستبدادية، التي هي أكثر انغلاقًا واستبدادًا وإعادة توزيع عنيفة ومستبعدة مقارنة بالديمقراطيات الليبرالية. لكن من وجهة نظر الكاتب، سيكون هذا أمرًا جيدًا، ويمكن أن يفرض إصلاحات حيث فشل النشاط الاجتماعي لوحده.

إن الانجراف العالمي متعدد الأقطاب أمر لا مفر منه.  لا يمكن لدولة واحدة، في المستقبل القريب، أن تكتسب نفس القدر من القوة التي كانت تتمتع بها أمريكا في نهاية القرن العشرين.  ستظل الولايات المتحدة مركزًا قويًا لفترة طويلة قادمة، وكذلك الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا والهند ودول أخرى. وقد يتنافسون في نظام نقدي جديد يبتعد عن البترودولار وجميع عوامله الخارجية المكلفة: معيار البيتكوين المحايد يستغل نقاط القوة في المجتمعات المفتوحة، ولا يعتمد على الطغاة أو الوقود الأحفوري، ويديره المواطنون في النهاية وليس النخبة المحصّنة.

Tagged : / / / / /

انكشف السرّ

لقد خرجت القطة من الحقيبة ، وأصبح البيتكوين مشكلة الجميع الآن.

المقال الأصلي | المؤلف: Nic Carter | ترجمة: مجتبى شنان | تحرير: ترجمان البيتكوين | تاريخ الكتابة: ديسمبر 2019

«إيفي: تذكر تذكر، الخامس من نوفمبر، خيانة البارود والمؤامرة، لا أعرف سببًا يجعلنا ننسى خيانة البارود… ولكن ماذا عن الرجل؟ أعرف أن اسمه كان غاي فوكس وأعلم أنه في عام 1605 حاول تفجير البرلمان. ولكن من كان فعلًا؟ كيف كان شكله؟ لقد قيل لنا أن نتذكّر الفكرة، لا الرجل، لأن الرجل قد يُخفق.

قد يُعتَقل، قد يُقتَل، قد يُنسى، ولكن بعد 400 عام، لم يزل في مقدور الفكرة أن تغيّر العالم. لقد شاهدتُ رأيَ العين قوة الأفكار، وشاهدت أناسًا يقتلون باسمها، ويموتون مدافعين عنها، ولكن، لا يمكنك تقبيل الفكرة، ولا لمسها ولا الإمساك بها. الأفكار لا تنزف، ولا تتألّم، ولا تحبّ…»

–  إيفي هاموند، من فلم V for Vendetta

مزيّة باهظة

البيتكوين هو أولاً وقبل كل شيء ظاهرة نقدية. إن المتسلقين الاجتماعيين والأنبياء الكاذبين الذين أعلنوا أنها ثورة مدفوعات إما أنهم عادوا الي صوابهم وإما أن السوق نبذهم أو الأمواج جرفتهم بعيدا. معظم الذين فهموا الأمر بهذه الطريقة ينتقلون الآن إلى أشياء جديدة. لم يكن العالم بحاجة إلى باي بال أخرى.  وإنما يحتاج العالم إلى مؤسسة نقدية جديدة.

عندما تحول البيتكوين من مجرد إثبات لمفهوم، إلى لعبة، ثم إلى مزحة، ثم إلى مكتنزات، ثم إلى حركة، أدرك عدد قليل من صانعي السياسة أنها تشكل تهديدًا للنظام القائم.  ليس بسبب شكله الحالي، ولكن بسبب ما يمثله: إهانة دنيئة للنظام النقدي الذي تمت معايرته بعناية. كل ذلك بطريقة ساخرة وغير مبالية – تحدٍّ من عصابة من المهووسين والمعدمين يتحدون بكل وقاحة احتكار عائدات الدولة من صك العملة.  السخرية هي أكثر ما يخشاه الطغاة، وصعود عملة البيتكوين جعل نظامنا النقدي الحالي يبدو سخيفًا بشكل واضح.

«الناقد: لا شيء يدعم البيتكوين

البيتكويني: ماذا يدعم الدولار؟

الناقد: لا شيء جوهريًا – قدرتنا على إجبار الدول الأجنبية على قبول عملتنا كمعيار للتجارة الدولية، وقدرتنا على إجبار المواطنين على دفع الضرائب بالدولار، وأصولنا العسكرية المطلوبة لفرض كلا الشرطين.

البيتكويني: كم أنت مقنع!»

الكراهية العميقة التي تشعرها النخَب تجاه البيتكوين؟ مبرّرة تمامًا. وإلا كيف سيكون رد فعلك تجاه مغرور يهدف إلى اغتصاب امتيازك النقدي المقدس؟

هذه هي قوة البيتكوين التي تجبر كبار كهنة الإمبريالية الأمريكية على الكشف عن القواعد غير المكتوبة حول الدور الذي يلعبه الدولار في إبراز القوة في الخارج.  في مايو من هذا العام، تحدث النائب الأمريكي براد شيرمان (العضو الديمقراطي – كاليفورنيا) ضد العملة المشفرة في مجلس النواب.  لقد كشف بيانه عن عقيدة ما بعد معيار الذهب لبريتون-وودز، التي لا يستخدم فيها الدولار كأداة نقدية فحسب، بل كأداة استراتيجية أيضًا.

«يأتي قدر كبير من قوتنا الدولية من حقيقة أن الدولار هو الوحدة القياسية للتمويل الدولي […] والغرض المعلن من مؤيدي العملة المشفرة هو أخذ هذه القوة بعيدًا عنا […].  سواء كان ذلك لتعطيل سياستنا الخارجية، أو قدرتنا على جمع الضرائب، أو تطبيق القانون التقليدي لدينا […].  الغرض من العملة المشفرة […] هو فقط المساعدة في إضعاف الولايات المتحدة وسيادة القانون.»

النائب شيرمان بصيرٌ عمليًّا، لأنه يفهم بالضبط إلى أين يتجه العالم.

خطؤه ليس في التشخيص بل في العلاج.  يعتقد خطأً أنه يمكن هزيمة عملة البيتكوين.  لكن البيتكوين فكرة وليست منتجًا.  تم إنتاج فكرة سلعة افتراضية عديمة الوزن في عام 2009 (على الرغم من أن الفكرة سبقت عملة البيتكوين لفترة طويلة)، وقد أدى ذلك إلى تآكل الاحتكار النقدي للدولة منذ ذلك الحين.

لم يكن ممكنًا أن يُنشَأ البيتكوين في وقت أفضل؛ للمرء أن يتساءل عن مدى نجاح البيتكوين إذا تم إنشاؤه في الثمانينيات أو التسعينيات عندما كان الاقتصاد الأمريكي أعدَل، وكان النظام النقدي نظاما لا يمكن التشكيك فيه، وكانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى المهيمنة العالمية. ولكن بخلفية اليوم، يصر البيتكوين على نفسه.  بأن هناك حاجة ملحة له.  في أيام الرفاه في الأربعينيات من رواية باكس أمريكانا، كانت عملة البيتكوين أقل أهمية بكثير. ومع ذلك، وفي شفق شمس الإمبراطورية الأمريكية الغائبة، أصبحت له أهمية أكثر من أي وقت مضى.

يعيد نظامنا المالي توزيع الثروات على نحو كارثي

تنبع ثروة النخب السياسية في المقام الأول من امتياز الوصول إلى حنفية النقد. هذا لم يعد سرا.  إن عائد صك العملة كالمن المنزل من السماء، يأتي أولاً قطرة ثم كالطوفان كما الآن. إن العالم يتصارع مع عدم المساواة، وعشرات الثورات الشعبوية النشطة في العالم اليوم هي دليل واضح على ذلك.  ومع ذلك فإن الأحزاب الاشتراكية الناهضة أخطأت في تشخيص الوضع.  إن العدو ليس شكلاً غامضًا من أشكال الرأسمالية، بل هو شكل من أشكال الاشتراكية نفسها – أسعار منخفضة تغذي عملية إنقاذ دائمة لأصحاب الأصول المالية. ليس من قبيل المصادفة أن أسعار الأصول قد ارتفعت بثبات في العقد الماضي، حيث شرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في اصدار النقود بدون ادنى قيد لفترة طويلة.

يتساءل كثيرون: على خلفية الإصدار النقدي المتواصل، أين ذهب التضخم؟  لقد ذهب بالطبع إلى الأصول المالية.  لكن هذا يفيد القلة فقط.  هل تعلم أن الارتفاع الذي استمر عقدًا من الزمان في مؤشر S & P500 لأسهم أكبر 500 شركة أمريكية. قد تميز بمشاركة منخفضة تاريخيًا من مستثمري التجزئة؟  لقد أدت المكاسب الهائلة في أسعار الأصول إلى تهميش المحلات الصغيرة التي تملكها عائلات. تراكمت الأرباح لصالح المؤسسات الاستثمارية والقائمين على الشركات الذين أعادوا رأس المال لأنفسهم من خلال عمليات إعادة الشراء.

في التسعينيات من القرن الماضي، أقنع حاملو ماجستير إدارة الأعمال من جامعة وارتن المستثمرين، بأن الوضع المثالي لحوكمة الشركات، كان بتقديم منح كبيرة من الأسهم والمنح لمديري الشركات لخلق توافق في الحافز.  حسنًا، تم تقديم المنح، وقام المديرون بمكافأة المساهمين عن طريق إنفاق أرباح الشركة على إعادة شراء الأسهم، وبالتالي الحصول على أرباح السهم وإطلاق خيارات الدفع المؤجل للمديرين.  لقد صادف أنهم قد نسوا توليد قيمة مؤسسية على طول الطريق. هذا الاقتصاد الحقيقي المزعج … كان ذلك أمرا ثانويًا.

لماذا السياسيون أثرياء جدا؟  لماذا يصبحون أثرياء بعد تركهم مناصبهم؟  لماذا يذهب المشرعون للعمل في الصناعة التي يشرعونها؟  لماذا وزير الخزانة مصرفي سابق في بنك جولدمان ومدير صندوق حماية؟

تأثير كانتليون في صورة

لماذا المستأجرون محرومون تاريخيًا، في حين أن ملاك الأراضي يتمتعون بامتيازات تاريخية؟  لماذا فاقت تكلفة التعليم العالي والرعاية الصحية التضخم من حيث الحجم؟  لماذا يعتبر مؤشر أسعار المستهلك مزحة حزينة ومثيرة للشفقة؟  هل تمثل السلع الاستهلاكية معظم نفقاتك، أم الإيجار والرعاية الصحية والتعليم؟

ما الذي يؤثر عليك أكثر؟  تكلفة جهاز تلفزيون، أو قيم الممتلكات؟

حتى لو لم تكن تعرف ما هو تأثير كانتيلون، فقد شعرت به بوضوح في العقد الماضي.  إن اليأس الذي يشعر به الكثيرون في مجتمع اليوم هو نتيجة لهذا الاختلال النقدي.  إدخال كميات خيالية من الأموال في الاقتصاد، ولكن بتوزيع غير متكافئ. من الذي استفاد من المعدلات الفائدة المنخفضة بشكل تاريخي؟ الأشخاص العاديون الذين يتعاملون مع قروض بطاقات الائتمان المجحفة، أم أصحاب الأصول المالية الذين كانوا قادرين على توظيف رأس المال الرخيص للعمل؟  وكلا، فالتمويل الرخيص لم يساعد الطبقة الوسطى والدنيا في الحصول على موطئ قدم في العقارات … لأن قيم العقارات تضخمت بشكل رهيب في المقام الأول! العقارات، التي يراها الأثرياء مخزنًا ذا قيمة لهم، هي بالضبط المكان الذي استقر فيه الكثير من دولارات بنك الاحتياطي الفيدرالي الجديدة.  فكر في مراكز المدن المجوفة في فانكوفر ونيويورك ولندن – المليئة بالمنازل الفارغة المستخدمة كمستودعات رأس المال للمليونيرية الغائبين.

إذا كان هناك رسم بياني واحد يوضح تأثير عقد من التحفيز النقدي الحر على الاقتصاد، فهذا هو:

سرعة المال

السرعة النقدية في الولايات المتحدة في أدنى مستوياتها منذ أن بدأت السجلات الحديثة.  إذا كنت تفكر في معادلة التبادل (MV = PQ)، فإن الانخفاض في (V) السرعة يكفي لتعويض زيادة المعروض النقدي (M) للحفاظ على استقرار الأسعار (P).  وهذا ما حدث تمامًا: ظلت القوة الشرائية للدولار مستقرة نسبيًا حتى مع توسع العرض بشكل كبير. «أين هو التضخم؟»، هو السؤال المتكرر، ولكن يجب أن يكون السؤال بدلاً من ذلك «أين ذهب المعروض النقدي الجديد؟»، الواضح أنه استقرت، خاملًا وغير منتج، في الأصول المالية المملوكة في الغالب من قبل فاحشي الثراء، مما جعلها تصل إلى أعلى مستوياتها في القرن من حيث التقييم النسبي.

لهذا السبب يسمى هذا النوع الضار من رأسمالية الزومبي باسم اشتراكية الأغنياء.  إذا تمكنت من وضع نفسك قريبًا بما يكفي من حنفية المال والترتيب للمشاركة في غنائم إعادة التوزيع النقدي، فيمكنك الربح بشكل كبير.  إذا كان لديك إمكانية الوصول إلى الأصول المالية ويمكن أن تستفيد من التكلفة المنخفضة لرأس المال (سواء كنت مستثمرًا أو مدير شركة مع حرية التصرف في عمليات إعادة الشراء)، فيمكنك جعل المعدلات المنخفضة والتسهيل الكمي تعمل لصالحك. إذا لم تستطع، فقد تم تجميدك تمامًا خارج النظام، وأنت بالفعل محروم، حيث تعمل الأصول الرأسمالية الأغلى على تشتيت الطبقة غير الريعية وغير المستفيدة من موارد النظام.

البيتكوين نظام يرفض الهوية رفضًا صريحًا

غالبًا ما يسأل النقاد عن «من» هو الذي يخدمه البيتكوين. ربما هذا السؤال غير محدد.  لا يخدم البيتكوين «من» ولا مجموعة فرعية من الـ«من». إنه يخدم فقط، غير مبالي بهوية مستخدميه. لا يتطلب البيتكوين – حسب التصميم – بيانات هوية للعمل.  قد يكون الطرف المقابل على قائمة عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أو قد يكون ضفدعا عاقلاً، أو بضعة أسطر من الأوامر البرمجية.  ليس لدى البيتكوين أي وسيلة للمعرفة، ولا يهتم. الشرط الوحيد لإرسال دفعة هو تقديم توقيع صالح يفي بالمعايير الكافية لتحريك العملات.

من ناحية أخرى، تقدس علاقات الدفع والائتمان التقليدية الهوية.  تهتم شركة بطاقتي الائتمانية جدًا بمعرفة أنني أنا من يستخدم البطاقة.  إذا أخبرتهم أن شخصًا غريبًا قد هرب ببطاقتي، فإنهم يعتبرون جميع النفقات بعد السرقة غير صالحة تمامًا.  تكون المكالمة مع قسم الاحتيال على النحو التالي: 

  • «هل يمكنك أن تؤكد شراء 10.51 دولارًا في 24 2/24 في مطعم تشيبوتل» نعم، كان هذا أنا.  طبق غواك إضافي.
  • «هل يمكنك تؤكد الشراء بقيمة 463.39 دولارًا في 2/29 في متجر لولوليمون المعدات الرياضة؟» لا، أنا لا أشتري عادةً معدات رياضية

بيانات الهوية لا تنفصم عن شبكات الدفع التقليدية. هذا لوجود طبقات عديدة بين عملية الدفع والتسوية النهائية. يوجد مجال عمل كبير ومربح بشكل لا يصدق لتقييم مصداقية المتعاملين وتسهيل معاملات التسوية المؤجلة بينهم. وذلك لأن المصداقية والثقة المتبادلة تزيدان الكفاءة بشكل هائل. يمكنك إقراض جارك آلة جز العشب دون مطالبتك بتقديم سند لتغطية قيمتها لأنك تثق به.  تعمل شبكات بطاقات الائتمان على توسيع نطاق هذا الأمر فقط: فهم ضامنون للثقة، ويحددون من الناحية الكمية مدى جدارتي بالثقة، ويمررون هذه التأكيدات إلى التجار الذين أتعامل معهم.

إذا أخطئو التقييم، واتضح أنني من النوع الذي يحمل فاتورة بطاقة ائتمان بقيمة 10000 دولار دون نية للدفع على الإطلاق، فإنهم يتحملون التكلفة!  لقد كان هذا هو خطأهم.  كان ينبغي عليهم القيام بعمل أفضل في تقييم مصداقيتي.

الاتفاق الذي توافق عليه ضمنيًا عند استخدام البيتكوين هو بينك وبين البروتوكول، وليس بينك وبين جميع مستخدمي البيتكوين الآخرين. الثقة الوحيدة المطلوبة هي ثقة المستخدمين في سلامة افتراضات التشفير والاقتصاد ، وحتى الآن، هي سليمة.

لقد أصبح شائعا إدانة مستخدمي عملات البيتكوين بأنهم مجرد حمقى لا يتفاهمون وغير عقلانيين، وفي الإشارة إلى وجود خطأ ما في البيتكوين نتيجة لذلك أيضًا.  لكن البيتكوين لا يبالي بهذا.  إنه بروتوكول للتشفير ونقل القيمة من خلال وسيط اتصالات.  حتى عملات البيتكوين لا تدرك شيئا عن سعرها، ناهيك عن الاتجاهات السياسية اليوم.  إنها تعرف القليل جدًا جدًا عن نفسها.

كما هو مذكور أعلاه، فإن البيتكوين جذاب ومفيد على وجه التحديد لأنه ينفي أيًّا من بيانات الهوية من الشروط المطلوبة للإنفاق. الشيء الوحيد الذي يجب توفيره هو معرفة مفتاح خاص يتوافق مع مفتاح عام. عندما تتلقى البيتكوين، لا تحتاج إلى أن تكون على معرفة هوية المرسل، لأن تسوية المعاملات في البيتكوين تُقيَم بإحتمالية عكسها.  فيمكنك تحديد مدى الإحتمالية الذي يناسبك ومعاملتك – على سبيل المثال، يمكنك طلب تأمين معاملتك بقيمة 500٫000 دولار من العمل قبل اعتبارها بالنهائية.  ويتوافق ذلك مع فترة انتظار 4 إلى 5 كتل على سلسلة الكتل، بالمعدلات الحالية، تُدفن معاملتك خلفها

هذا ما يسمح لي بقبول الأموال من الأشخاص الذين لا أثق بهم، ولهذا يزدهر البيتكوين في هذا الحيز الجديد من التعاملات.  فكر في مبرمج متسلل ينتظر فدية من ضحيته. هؤلاء الأشخاص لا يثق بعضهم ببعض. في الواقع فإن الضحية قد تضرر من الهجوم الرقمي لبرنامج الفدية.  لكن المتسلل لا يزال يثق في أن مبلغ الفدية البالغ 500 دولار الذي تم إرساله إليه بالبيتكوين هو دفعة صالحة، ومن غير المحتمل أن يتم عكسها.  قد لا يعجبك هذا. ولكن البيتكوين يزدهر على هامش المجتمع. ويتسع استخدامه بشكل متزايد، في حين أصبحت الخدمات المصرفية مسيسة وتستخدم كأداة سياسية، وقد ثبت أن نظام التسوية الذي تقوده الولايات المتحدة لتحقيق أهداف استراتيجية، مع تزايد جشع متطلبات الهوية لشبكات المدفوعات.

التعامل مع الأشخاص الذين ليس لديك سبب للثقة بهم، هو بالضبط سبب وجود البيتكوين. سمح لنا الإنترنت بالتعامل مع أشخاص على الجانب الآخر من العالم، لكن التجارة عبر الإنترنت محفوفة بالاحتيال. السبب في أن بطاقات الائتمان باهظة الثمن هو أن تكاليف معالجة الاحتيال وعمليات رد المبالغ المدفوعة تُوزع على المستخدمين.

إذا لم تقبل أن يستخدم البيتكوين أشرار، فاتركه الآن

بالطبع، إن التخلي عن ثقة الطرف المقابل (والمخاطر) يأتي مع بعض العيوب المحتملة. على رأسها أنه لا يمكنك طرد أي شخص من شبكتك.  هذا أمر غير مريح للغاية للأشخاص الذين يعتقدون أن المال يجب أن يكون أداة سياسية، ليتم استغلاله لنزع القوة من الخصوم السياسيين اليوم.

هناك مفارقة خاصة في مطالبة أعضاء الشبكة التي أدخلت نفسك فيها بالالتزام بقواعد سلوك أخلاقية معينة. كما هو مذكور أعلاه، فإن البيتكوين، من حيث هو مال ثابت القيمة وسريع التسوية بشكل عام، موجود لتسهيل التجارة بين الأفراد الذين ليس لديهم رابطة ثقة موجودة مسبقًا.  ما الذي استخدمه التجار عبر القارات في القرن السابع عشر؟ من المؤكد أنهم لم يستخدموا سندات دين أو حلي الصدف التقليدية أو مقتنيات أو علاقات ائتمانية. لقد كانوا يعلمون أنهم قد لن يرى بعضهم بعضًا مرة أخرى، لذلك استخدموا أصعب العملات المتاحة لديهم – الذهب والفضة.  المعادن النقدية تتحدث عن نفسها.  فهي ليست مسؤولية أحد.

وبنفس الطريقة، يعد البيتكوين وسيلة لنقل الثروة بين الأفراد الذين لديهم مصلحة في التسوية النهائية.  إنها ليست وسيلة لتأسيس علاقة ائتمانية (على الرغم من أن شبكة البرق خطوة مبكرة في هذا الاتجاه).  البيتكوين غير أخلاقي عن عمد، وليس له متطلبات للدخول ولا يطلب من المستخدم شيئًا سوى التوقيع الصحيح.  يسهل التجارة بين الأشخاص الذين يختلفون صراحة فيما بينهم. وبالتالي فإن محاولة فرض شرعة أخلاقية على البيتكوين تتعارض مع طبيعته. إذا اتفق كل من استخدم البيتكوين، فلن يحتاج أي شخص إلى البيتكوين – يمكنهم جميعًا تبادل سندات دين مدعومة بثقتهم المتبادلة في بعضهم البعض.  ولكن لأن العالم فوضوي، والناس مختلفين، فإن الأموال الصعبة لها ما يبررها.  وفي عالمنا الفوضوي أصبحت مطلبا عمليا.

لذلك، إذا كنت من النوع الذي يرفض وسيط معاملات مفيد فقط لأن هناك شخصًا لا يعجبك يستخدمه أيضًا، فهو لم يكن مناسبًا لك في المقام الأول.  تعتبر عملة البيتكوين متمردة على وجه التحديد لأن العالم يحتاج إلى نظام للدفع والادخار لا يمكن التدخل فيه بدعاوي أخلاقية أو سياسية.  إن نبذ قيود المعاملات هذه هو انتهاك للإطار الأخلاقي المصمم بعناية الذي سيطر على الغرب.  إذا لم يكن الخروج عن الصف مناسبًا لك، فالتزم بخدمة الدفع الإلكتروني باي بال بدلاً من ذلك.

البيتكوين طائفة موت تنتظر القيامة

كما وصف ديفيد جيرارد، وهو كبير كارهي للبيتكوين، بأناقة، أن البيتكوين هو في الواقع طائفة موت ننتظر نهاية العالم، نهاية العالم، لأن مستخدمي البيتكوين يدركون عدم جدوى النظام النقدي الحالي، ويقدرون بأنه من المحتمل أن ينتهي الأمر بمأساة. أما بخصوص الموت، لأن الدول لن تتنازل عن امتيازها النقدي بسهولة.  البيتكوين متوشح بإيحاءات أخروية.  طائفة، لأنه يجب أن تكون مضطربًا إلى حد ما لتستكشف أمراً بهذا السواد.

الحرية ليست مجانية

لذا فالتظهر بعض التعاطف مع مستخدمي البيتكوين. فلقد انتبهوا للحزن والصراع الذي ينتظرنا، كما لو أنهم كاساندرا من الروايات الأغريقية، ينبهون الحكومات والمواطنين على حد سواء من الآثار المدمرة للعملة السيادية الحقيقية (سيادية، بمعنى كونها حرة، وليس في كونها المملوكة للدولة). لكنهم غير قادرين، في معظم الأحيان، على إقناع زملائهم المواطنين بأن آليات الدولة المالية قد لا تكون سليمة. يكتفي معظم الناس بالتنازل عن كل الحرية والاستقلالية للعقد الاجتماعي، ما دام القدر يغلي ببطء.

ولكن البيتكوين متاح للجميع

السبب عينه الذي يجعل الكثيرين يحتقرون البيتكوين هو أن أشياء مثل – الهوية والجدارة الائتمانية والثقة ، لا وجود لها في هذا النظام، وهو ما يجعله أرضًا خصبة للمجرمين – وهذا هو سبب كونه شاملًا للغاية.  على عكس باي بال أو فينمو أو معالجات الدفع التقليدية، لا يمكنك حظر وجهات نظر سياسية تتبنى أفكارًا معارضة أو عاملًا في الجنس أو شخصًا يبيع الحشيش بشكل قانوني. لدينا أكبر خيمة خدمية ممكنة.  لا تنشغل بالخطاب على الإنترنت ، فالبيتكوين غير مبالٍ مطلقًا بالآراء السياسية لمستخدميه. حتى مطوروها الأساسيون، من كبار كهنة البروتوكول، بالكاد يستطيعون تغييره: (تنفيذ ترقية روتينية إلى حد ما، كالشاهد المنفصل، SegWit, استغرق منهم سنوات من التملق والتوسل).  إن حمل البيتكوين على فعل أي شيء بخلاف إنتاج الكتل، وقبول الإنفاق الصحيح، وحل التفرعات، والمضي قدمًا بلا هوادة أمر شبه مستحيل.

لم نعرف بعد إذا كان البيتكوين سيتحدى الدولة، أو إذا كان هذا التحدي متروكًا لخليفة له. أما أن المزية المالية للدولة قد أُزيلت تمامًا، فهذا أمر ظاهر.

لقد مات الأمتياز المالي الدولة قليلاً في ذلك اليوم في كانون الثاني (يناير) 2009 عندما كان المستشار على حافة الهاوية، وهو يتقلص منذ ذلك الحين.

Tagged : / / / /

هل يكون البيتكوين عملة الحرّيّة في فلسطين؟

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: NoorVoltaireEgyptian SatoshiYazeed Al Oyoun | تحرير: ترجمان البيتكوين | تاريخ الكتابة: يوليو 2021

في أحد أيام الأسبوع الماضي تحدثت إلى أحد مستخدمي البيتكوين داخل قطاع غزة.

طلب الرجل عدم الكشف عن هويته واستخدام اسم عقاب، وهي فصيلة من النسور، خوفا من الخطر الذي قد يواجهه إن عُرفت شخصيته.

تحدّثنا على التلغرام، وكان علينا أن نجعل لمكالمتنا وقتًا محدّدًا، لأن عقاب لا تزوره الكهرباء إلا بضع ساعات في اليوم، ساعدني صديق فلسطيني في ترجمة المكالمة مباشرة. كان من الصعب علينا أن نتخيل حال الحياة على الطرف الآخر من الخط.

عقاب من سكان رفح، وهي مدينة في الجزء الجنوبي من غزة التي كانت من أسابيع قليلة تتعرض لقصفٍ شديد من قبل الجيش الإسرائيلي. شعرت كأنني أتحدث مع شخص من كوكب مختلف.

تحدّث عقاب عن طُرق دُمّرت، ومبانٍ مُحيت، وكهرباء تُقطَع، وإمدادات تُحدّد. تبدو غزة وكأنها جبنة سويسرية وفقا لخريطة الضربات الصاروخية الإسرائيلية، وهو ما يعطينا فكرة عن الأضرار الهيكلية التي سببتها هذه الضربات.

حاجز مفتوح دائمًا

قطاع غزة قطعة أرض يبلغ عرضها حوالي 5 أميال وطولها 28 ميلًا، تقع بين الركن الجنوبي الغربي لإسرائيل وسيناء المصرية والبحر الأبيض المتوسط. في الأصل كانت موقعًا لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا بعد النكبة عام 1948، وهي اليوم مدينة ذات أكبر كثافة سكانية على وجه الأرض. تبلغ مساحة غزة أقل من نصف مساحة مدينة أوستن بولاية تكساس، ولكن عدد سكانها أكثر من ضعفي عدد سكان أوستن. إنها هونغ كونغ صحراوية وذات بنية تحتية منهارة.

عانى أهل غزة في العقود الأربعة الماضية –وهم مليونا نسمة، نصفهم تحت سنّ ثمانية عشر- انهيارًا حضاريًّا شبه كامل.

فازت حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، على الرغم من رفضها بالاعتراف بحق الكيان الصهيوني بالوجود، كان التصويت احتجاجا من الشعب الفلسطيني على فساد حركة فتح الشديد وعجزها التي أظهرته على مدى 12 عامًا كانت فيه الحاكمة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية.  لم يعترف العديد من الجهات الدولية الفاعلة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشرعية الانتخابات، لأنهم يعتبرون حماس مؤسسه إرهابية، أمّا فتح فتمسكت بزمام السلطة في الضفة الغربية. في غضون هذه الصراعات، سقط سكان غزة تحت حكمٍ ديكتاتوري لدولة إسلامية بوليسية. وردا على ذلك، قامت الحكومتان الإسرائيلية والمصرية في عام 2007 بإغلاق غزة عن العالم الخارجي.

أحد الناجين من هذه الحروب الأربعة التي خاضتها قوات الدفاع الإسرائيلية وحماس، التي كان آخرها قبل شهرين، شابٌّ ابن خمسة عشر عامًا يسكن في غزة اليوم.

بين 10 مايو و21 مايو من هذا العام، أطلقت حماس أكثر من 4300 صاروخ باتجاه مدنٍ إسرائيلية، ورد الجيش الإسرائيلي بأكثر من 1500 صاروخ باتجاه غزة. كان هذا الصراع الأكثر وحشية منذ عام 2014. قدّرت الأمم المتحدة الأضرار بين 280 و380 مليون دولار، أما ميزانية التعافي فهي بين 345 و485 مليون دولار. لا يزال 800000 من سكان غزة محرومين من مياه الشرب النظيفة ولا يمكنهم الخروج من وسط الأنقاض إلى أي مكان في العالم الى من خلال معابر تفتيش، تُفتَح وتُغلَق أيام الحروب أيضًا.

 في عام 2012، تنبأت ورقة نشرتها الأمم المتحدة أن غزة ستكون غير صالحة للعيش بحلول عام 2020. هذا التنبؤ دقيق بشكل مأساوي. وفقًا لتقرير البنك الدولي في يوليو 2021، حتى قبل موجة التفجيرات الأخيرة، كان معدل البطالة في غزة 48٪، و يرتفع ليبلغ 64٪ لمن تقل أعمارهم عن 30 عامًا. ثُلث سكان غزة –ومنهم 400 ألف طفل- يعيشون في فقر، ويعتمد أكثر من 80٪ من الأسر على المساعدات الغذائية أو نوعٍ من المساعدات الاجتماعية.

وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي لعام 2017، دمرت الحرب بين إسرائيل وحماس في نهاية عام 2008 أكثر من 60٪ من رأس مال غزة  ودمر نزاع 2014 85٪ مما تبقى. في السنوات الخمسة والعشرين بين 1994 و2018، عانت غزة انخفاضًا بنسبة 44٪ من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، حيث انخفض متوسط دخل سكان غزة من 96٪ إلى 30٪ فقط من متوسط ​​دخل نظرائهم في الضفة الغربية. وهذا على الرغم من أن لدى غزه أعلى معدلات المواليد في العالم، إذ يصل إلى أكثر من 3.5 طفل لكل أسرة اليوم، وقد انخفض من نحو 7 أطفال لكل أسرة في عام 1990.

 تراجعت الاستثمارات الخارجية في غزة من إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني من 11٪ عام 1994 إلى 2.7٪ فقط في عام 2018. وفي أعقاب حرب 2008 و2009 بين حماس وإسرائيل، تشير التقديرات إلى إغلاق أكثر من 90٪ من مصانع القطاع. تسببت القيود الشديدة على التجارة مع إسرائيل الى خسائر فاجعة. فلا تولد محطة الكهرباء الوحيدة في غزة إلا جزءًا ضئيلًا من قدرتها الكاملة نظرًا لعدم استطاعتها على استيراد ما يكفي من الوقود وقطع الغيار. و انهار القطاع الزراعي بعد فقدان المزارعين سوقهم الرئيسي للسلع في إسرائيل، واضطرارهم إلى البيع في السوق المحلي داخل غزة بأسعار أقل و في بعض الحالات كان عليهم إتلاف محاصيلهم.

 في عام 2020، في تقرير للأمم المتحدة، نظَر في فرضيّة واقع موازٍ، لم يعانِ فيه الغزّيّون تضييقات إضافية بعد عام 2006، واستمر نمو اقتصادهم بمعدل نمو اقتصاد الضفة الغربية نفسه. في هذا العالم الحُلُم، سيكون نصيب الفرد الواحد من الدخل أعلى بـ 105.5%، أي سيبلغ 1539 دولارًا، أما في الكابوس الذي يعيشه الغزّيّون اليوم، فهو تحت ألف دولار بكثير.

الكارثة الاقتصادية في غزة ليست جديدة وليست مجرد نتيجة السنوات الخمس عشرة الأخيرة من الحرب والاستبداد، بل هي نتيجة سياسات بدأت منذ عقود. في عام 1987، نشرت الباحثة في جامعة هارفارد سارة روي، بحثًا تاريخيًا استخدمت فيه سنوات من العمل الميداني والمقابلات لفهم الخسائر الاقتصادية التي سببها الاحتلال العسكري في قطاع غزة منذ عام 1967. لوصف ما رأته، صاغت مصطلحًا جديدًا «نزع التنمية» وهو «التفكيك المتعمد والمنهجي والتدريجي لاقتصاد محلي لصالح اقتصاد سائد، حيث تشوَّه الإمكانيات الاقتصادية وبالتالي المجتمعية، ويُنكَر حقّ المجتمع كلّه فيها».

ارتفع دخل غزة وناتجها الاقتصادي ارتفاعًا ملحوظًا بين عام 1967 وعام 1987، نتيجة تحويلات العمال في إسرائيل والخارج. لكن، لاحظت روي أن هذا التدفق من رأس المال كان يستخدم إلى حد كبير لشراء سلع استهلاكية من إسرائيل، وبحلول منتصف الثمانينيات أُنفق ثلث الدخل المتاح على الاستهلاك الخاص. وقد أدى ذلك إلى   «زيادة مستويات الاستهلاك داخل قطاع غزة مع القليل جدا من الفوائد الاقتصادية العائدة على القطاع ذاته».

لاحظت روي أن نسبة العمالة الغزّيّة المرتفعة في إسرائيل لم تكن علامةً على أن المجتمع «يتبع أنماطًا نموذجية مرتبطة بالتصنيع (أو التحديث) ينتقل بها العمل تدريجيًّا من الأنشطة الزراعية إلى الأنشطة غير الزراعية، فالحق أن البحث عن عمل في الداخل الإسرائيلي كان بالنسبة للعمال الفلسطينيين نتيجة انعدام خيارات مماثلة في الاقتصاد المحلّي الغزّي». لاحظت روي عام 1987 أن السمات المميزة لاقتصاد غزة هي «تآكل القاعدة الاقتصادية الغزية، ونتج عن ذلك الاعتماد على إسرائيل».

 في عام 1991، شكل وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه أرينز لجنة مكلفة باستكشاف كيفية تحسين اقتصاد غزة، تسمي لجنة سادان. كان الاستنتاج أن: «لتعزيز المصالح الاقتصادية للسُكان [الفلسطينيين]، يجب التركيز على العاملين بأجر وعلى المدى القصير. كانت الأولوية زيادة دخلهم و توظيفهم في الاقتصاد الإسرائيلي. نادرًا ما اختارت السياسة تطوير البنية التحتية وتشجيع إنشاء المصانع والتوظيف المحلي داخل القطاع. لم يتم إعطاء الأولوية لتشجيع المواطنين ورجال الأعمال في قطاع غزة.  فقد أحبطت السلطات هذه المبادرات خاصةً إذا هددت بالمنافسة في السوق الإسرائيلي مع الشركات الإسرائيلية القائمة».

 المحنة المذهلة لسكان غزة هي نتيجة عقودٍ من السياسات الخارجية. أولاً، الاعتماد الإجباري على الاقتصاد الإسرائيلي وتثبيط التنمية الصناعية والسيادة الذاتية في ظل احتلال المستعمر. ثانيا إغلاق شرايين الحياة الاقتصادية، حيث مُنع سكان غزة بمرور الوقت عن العمل في إسرائيل، وعُزلوا عن العالم الخارجي بأكمله. وأخيرا تدمير بنيتها ​​التحتية من خلال حروبٍ عديدة.

 أُرسِل وزير الخارجية بلينكن إلى الضفة الغربية للقاء برئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس قبل أسابيع قليلة، ووعدت إدارة بايدن بتقديم 75 مليون دولار من المساعدات لإعادة بناء غزة. لكن التاريخ الإقليمي يظهر أن هذه الهدايا تستولي عليها النخب، وتخفق في تحسين حياة الشخص العادي. لا يمكن للمعونة وحدها إصلاح المخزون الرأسمالي المحتضر.

بالرغم من ذلك ثبات شعب غزة مبهر للغاية. نقلت رويترز عن أشرف أبو محمد صاحب دكان في غزه قوله «الحياة ستعود لأن هذه ليست الحرب الأولى ولن تكون الحرب الأخيرة. القلب يتألم، حدثت كوارث، مُسحت أسر من السجل المدني، وهذا يحزننا، ولكن هذا قدرنا في هذه الأرض، أن نصبر».

لكن للصبرِ حدود. عندما تحدثت مع عقاب، كان واضحًا أنه لا يريد الانتظار إلى الأبد. أنه يريد الهروب وبناء حياة أفضل لعائلته. ومن خلال البيتكوين، وجد مخرجًا.

 ويقول إن الطلب على البيتكوين في غزة تزايد خلال العامين الماضيين، خاصة ما بين الشباب. قد يكون سكان غزة محاصرين جسديًا ومنفصلين اقتصاديًا عن العالم الخارجي، لكن عقاب يصف البيتكوين بأنه «حاجز‎ تفتيش لا يغلق».

قال عقاب: «لقد أتاحت هذه العملة لبعض الناس الخروج من الفقر، إذ يشترون شيئًا فشيئًا، تدريجيًّا، ولكنها تنفع»، وقد قال حتى إن الغزيّين صاروا حديثًا «يشترون النزلة»، ليزيدوا قوتهم الشرائية مع انخفاض سعر البيتكوين.

 يتلقى البعض البيتكوين على تطبيقات الهاتف الجوال عن طريق تحويلات مباشرة من الأصدقاء أو العائلة في الخارج. يستخدم آخرون مجموعات تلجرام (Telegram) لتنسيق اللقاءات الشخصية لتداول النقود مقابل البيتكوين، أو يستخدمون المتاجر التقليدية لشراء العملات. يقول عقاب إن هذه المتاجر تحتفظ بقوائم أسماء من يبيعون ويشترون وترسل هذه القوائم للسلطات الاستعمارية والمحلية. لم يُعتَقَل أي شخص حتى الآن لاستخدام البيتكوين. أما لتخزين أموالهم في البيتكوين فقد يستخدمون باينانس (Binance) أو بيير(Payeer) حلولًا إيداعية، أو بلو والت (Blue Wallet) المتوفرة باللغة العربية، حلًّا ذاتيّ الحيازة.

 على الرغم من تحذيرات المسؤولين، ينضم يوميا المزيد من سكان غزة إلى شبكة البيتكوين. يقول عقاب: «عندنا قول: إذا قالت الحكومة هذا حرام، فهو حلال».

تحدّثنا عن أشياء كثيرة، منها: لماذا يفضّل عقاب البيتكوين على الشيكل (كلّ شيء في غزّة مراقب، ولكن يمكنك أن تملك ثروة من البيتكوين من دون أن تعرف حتى أسرتك)، كيف يمكن أن توقف قوات الدفاع الإسرائيلية أو حماس الناس من استعمال البيتكوين («نحن أذكياء من هذه الناحية، سنجد دومًا طريقةً للتخلص منهم»)، هل سمع عقاب بأن السلفادور جعلت البيتكوين عملة رسمية؟ (كان انتصارًا كبيرًا، سُرّوا به عندما سمعوا الأخبار)، هل يتبنّى الغزّيّون البيتكوين أسرع من الإسرائيليين (قد يعجز الإسرائيليون عن المخاطرة التي يريدها الغزّيّون)، وما مشكلة النظام المصرفي؟ («كلّنا نعلم أنه يدفع للناس فوائد للقرض، وهي حرام»).

أخبرني عقاب أنه في غزة لا وجود لـفينمو (Venmo) ولا باي بال (PayPal) ولا توجد طريقة سهلة للتعامل مع العالم الخارجي. البنية التحتية المالية تنهار بنفس السوء الذي تنهار فيه البنية التحتية المادية والاجتماعية. ولكن اليوم، يمكنه فعل المستحيل باستخدام البيتكوين: إرسال الأموال واستلامها من عائلته في الخارج، بسرعة وبشكل مباشرة، من دون رسوم تُذكَر.

أما بالنسبة للمدفوعات الدولية، فقد قال عقاب في السابق كان على المحول من الخليج أو الولايات المتحدة إرسال الأموال إلى حساب مصرفي في بلد مثل الصين أو تايلاند لتصل الأموال في النهاية إلى مكتب العملات في غزة.

قال عقاب: «كثير من الوسطاء يأخذون نصيبهم» فيتركون للمتلقي نسبة أقل مما تم إرساله في الأصل. اليوم مكاتب ويسترن يونيون تطالب بإثبات صلة الدم مع المرسل، والاستجوابات ويمكن كذلك مصادرة المال المرسل.

قال عقاب: «في البيتكوين، لست في حاجة إلى اجتياز أي اختبارات أو تحديد أي مربعات. يمكنني استخدامه مباشرة».

اليوم، يمكنه تلقي الأموال أو كسبها مباشرة، عبر الحدود، وأن يكون مصرفه الخاص عن طريق نظام مالي جديد.

قال: «إنه أفضل بكثير»، وخبرني بفخر أنه يشعر أن مستواه أصبح نظيرًا للآخرين في العالم رغم وجوده في غزة.

قال: «مع البيتكوين، نحن نواصل حياتنا». «إن شاء الله يكتشف المزيد من الفلسطينيين هذه التكنولوجيا».

لم يستطع عقاب مغادرة غزة بعد. لكن في الوقت الحالي على الأقل، يمكنه التوفير في الفضاء الإلكتروني، والحفاظ على أمواله في مأمن من السلطات، إنه ابتكار كبير يحتاجه الفلسطينيون كثيرًا.

مع كثرة التغطية للمعاناة السياسية –التي سببها الاحتلال العسكري الإسرائيلي، والتكتيكات الإرهابية الحماسية، وفساد السلطة الفلسطينية، وقلّة اكتراث العالم– لا يُذكَر الوضع المالي والاقتصادي للفلسطينيين عادة، ولكن المال هو أصل كل النزاعات.

ليس للفلسطينيين سلطة على عملتهم، انعدام السيادة الاقتصادية أضرّ بنموّهم وآفاقهم المستقبلية، ولكن كثيرين مثل عقاب يختارون الببيتكوين لينتزعوا حرّيتهم المالية.

تاريخ القمع المالي

بعد مرور أكثر من 30 عامًا لبحثها عن غزة ، قالت سارة روي إن «الأحداث قد حوّلت القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية، وحرمت الشعب من حقوقه السياسية والاقتصادية، وجعلته معتمدًا على المجتمع الدولي في قوته اليومي، حيث يتم التركيز بشكل شبه حصري  على حلول الإغاثة و ليس على التقدم». كتبت أن «الفلسطينيين يرون الحاضر أفضل من المستقبل».

هناك أسباب كثيرة لهذا اليأس والوضع المالي والاقتصادي، إذ أصبح الفلسطينيون يعتمدون بشدة على العالم الخارجي، وهم معزولون عنه في نفس الوقت. لكن موضوع المال نفسه مهمش وأحيانًا يتم تجاهله في الخطابات. على سبيل المثال ، في تقرير شامل بحجم رواية نشره مرصد حقوق الإنسان (Human Rights Watch) في أبريل 2021 عن إسرائيل وفلسطين، لم تُذكر قضايا العملة والمصارف والتحويلات والتجارة. تُجوهل بروتوكول باريس -وهو وثيقة مهمة للغاية وُقّعت عام 1994 ولم تزل تحدد قواعد المال والاقتصاد للفلسطينيين- تمامًا في هذا التقرير.

للتعمق في هذه الموضوع، علينا طرح أسئلة جديدة. لماذا يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي؟ لماذا يستخدم الفلسطينيون الشيكل وليس عملتهم الخاصة؟ لماذا لا يستطيع الفلسطينيون طلب البضائع بسهولة من أمازون أو تلقي الأموال من الخارج؟ لمعرفة المزيد، تحدثت إلى الاقتصادي السياسي الفلسطيني علاء ترتير.

علاء يعيش الآن في سويسرا مع عائلته، وُلد في رام الله وبدأ اهتمامه بالمال في سن المراهقة. عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، بدأ نوبات طويلة في محل بقالة لإعالة أسرته والادخار لتعليمه.  وكان معتمداً على نفسه بالكامل لم يسلم أمره لأحد. وقد دفعه ذلك إلى الاستمرار في العمل لمدة سبع سنوات حتى حصل على شهادة في المالية والمحاسبة.

نشأ وهو يدرس النظام الاقتصادي من حوله. قال إنه كان «يتعامل مع الأرستقراطيين والنخب»، وفهِم كيف استغلت السلطة الفلسطينية موقعها واختطفت المساعدات والعوائد الأخرى لإثراء نفسها، وتواطؤ السلطة مع الحكومة الإسرائيلية لترك المواطن الفلسطيني العادي منبوذًا.

أطلعني علاء على قصة فلسطين الاقتصادية والنقدية الحديثة، والتي عادة ما يتم تجاهلها أو تأخذ المقعد الخلفي وراء القصة السياسية الأشهَر.

قال: «إنه أمر مخفي، مع أن هيمنة الفاعل الإسرائيلي على الفاعل الفلسطيني مترسّخة في كل شيء من استعمال الفلسطيني للشيكل إلى الطريقة التي تجمع بها الحكومة الإسرائيلية أموالنا القادمة من الخارج، إلى فقداننا للبنك المركزي».

وقال إن المال هو القوة الدافعة وراء وجود الفلسطينيين في مكانهم الحالي، حيث أدى الاحتلال والفساد والحرب إلى تراجع التنمية والركود الحضاري وتآكل المخزون الرأسمالي.

بدأنا حديثنا في السنوات التي تلت الاحتلال العسكري الإسرائيلي في عام 1967، عندما بدت سياسات الكيان في البداية وكأنها تساعد الفلسطينيين من منظور اقتصادي. انفتحت التجارة مع الدول العربية الأخرى، وتمكن الفلسطينيون من العمل بشكل أكبر في إسرائيل مقابل أجور أعلى مما يمكن أن يكسبوه في مدنهم.

لكن كان لديهم دوافع أكبر. في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، صممت الحكومة الإسرائيلية نظام احتلال شَجَع الفلسطينيين على العمل في إسرائيل، ومنعهم من تطوير أي قاعدة تصنيعية، وازداد الاعتماد على الواردات الإسرائيلية. في العقدين من عام 1968 إلى عام 1987، انخفضت حصة الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة) من 9٪ إلى 7٪. في عام 1970، كان هناك 59000 عامل زراعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي ما يعادل 5.4٪ من السكان، مقابل 54000 فقط أو 2.3٪ من السكان في عام 1993.

وشرح علاء أنّه في السبعينيات والثمانينيات، أصبح الاعتماد على إسرائيل شبه كلي، حيث تجاوزت منتجاتها 90٪ من واردات الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما جعل الفلسطينيين ثاني أكبر مشتر للبضائع الإسرائيلية بعد الأمريكيين. كما كتب الباحث الاقتصادي الإسرائيلي شير هيفير، «تحول المصدر الرئيسي للدخل للفلسطينيين إلى تحويلات العمال الفلسطينيين … بحلول عام 1974 ، كان ثلث القوة العاملة الفلسطينية يعملون بالفعل في إسرائيل … هجر العديد من المزارعين الفلسطينيين أراضيهم من أجل العمل في إسرائيل، واستغلت السلطات الإسرائيلية ذلك وصادرت الأراضي التي ظلت غير مزروعة لفترة زمنية معينة». ويتضح هذا من خلال «انخفاض الإنتاجية الزراعية الفلسطينية بشكل حاد من 53٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام 1967 إلى 13٪ بحلول أواخر الثمانينيات».

بحلول منتصف الثمانينيات، بدأ تباطؤ النمو الاقتصادي الفلسطيني. أدى انهيار أسعار النفط والتضخم الشديد في إسرائيل إلى انهيار التحويلات المالية الفلسطينية من الخارج. في عام 1987، بعد إحباط سياسي هائل، وبعد توقف جودة حياتهم المتصاعدة، انتفض الفلسطينيون في حركة لامركزية تهدف إلى الاستقلال الذاتي، تُعرف بالانتفاضة.

وفقًا للباحث السياسي طارق دعنا ، كانت الانتفاضة “حربًا اقتصادية” ذات جُزْأين :«في الأول سعى الفلسطينيين إلى إلحاق الضرر بالمصالح الاقتصادية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال تكتيكات العصيان المدني مثل الإضرابات التجارية ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية ووقف دفع الضرائب، و رفض العمل في أسواق والمستوطنات الإسرائيلية … والثاني يتعلق بتبني الفلسطينيين نماذج محلية لاقتصاديات الأسرة وأحياء ضمان البقاء والاكتفاء الذاتي».

قال علاء إن الحكومة الإسرائيلية استفادت في البداية من الاحتلال. الضرائب فاقت النفقات؛ إسرائيل استفادت من العمال ذوي الأجور المنخفضة. حصلت على سوق للصادرات المنخفضة الجودة؛ ويمكنها استغلال الموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأسعار أقل من أسعار السوق. نجحت الانتفاضة في جعل الاحتلال أكثر تكلفة لإسرائيل بعد أوائل التسعينيات، لم تحقق ربحًا وأصبح مشروعًا مكلفًا ولكن الانتفاضة لم تنجح في تحقيق استقلال حقيقي للفلسطينيين.

اتفاقية باريس

في 29 أبريل 1994، التقى مندوبون من منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في فرنسا للتوقيع على وثيقة نادراً ما نوقشت، اسمها “بروتوكول العلاقات الاقتصادية”، والمعروف أيضًا باسم “بروتوكول باريس”.

كان هذا الاجتماع جزءًا من اتفاقيات أوسلو، وهي عملية سلام مدعومة دوليًا حصل الفلسطينيون من خلالها على استقلال سياسي. كانت أوسلو بمثابة نهاية للانتفاضة وبداية السلطة الفلسطينية وعملية بناء دولة فلسطين. لقد أشعلت عصر المساعدات الخارجية للفلسطينيين، حيث كان المانحون في السابق مترددين في تمويل إسرائيل عندما كانت قوة احتلال مباشرة. والجدير بالذكر أنه فاز رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز واسحاق رابين بجائزة نوبل للسلام «لجهودهما في إحلال السلام في الشرق الأوسط».

لماذا تخلت الحكومة الإسرائيلية عن سيطرتها الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الموقف الذي احتفظت به طيلة السنوات الخمس والعشرين الماضية؟ كانت المقاومة الفلسطينية والضغط الدولي والمحلي من العوامل الأساسية بالطبع، لكن علاء يعتقد أن السبب الرئيسي هو القدرة على أن يُنظر إليها على أنها “تمنح” الاستقلال السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال إنشاء السلطة الفلسطينية مع الاحتفاظ فعليًا بالسيطرة الاقتصادية وراء الكواليس من خلال بروتوكول باريس.

واليوم، لا يزال بروتوكول باريس يوجه السياسة النقدية والمالية والضريبية والزراعية والتأمينية الصناعية والعمالية، وكذلك السياحة والتجارة مع إسرائيل. كان من المفترض أن يعزز التجارة الفلسطينية، ويسمح للسلطة الفلسطينية بإنشاء قطاع عام رسمي وتوليد عائدات ضريبية من مواطنيها، وزيادة فرص العمل.

لكن بحسب رأي علاء، لم تؤدّ عملية أوسلو إلا إلى تغذية الثقافة الاستهلاكية وزيادة الاعتماد على الاحتلال. وقال إن «عرفات وأعوانه ضحوا بالحرية الفردية والسيادة الاقتصادية من أجل مكاسبهم الشخصية».

كان من المفترض أن يكون البروتوكول مؤقتًا وأن يستمر لمدة خمس سنوات فقط حتى عام 1999 ولكنه ما زال ساريًا بعد 28 عامًا. نصت الوثيقة على أنه لن يكون للفلسطينيين بنك مركزي ولا عملة الخاصة وأن يكون لهم بدلًا من ذلك «سلطة النقد الفلسطينية» ذات الاسم المضلل، لأنها لا تملك أي سلطة في الواقع.

سيطرت إسرائيل على السياسة النقدية الفلسطينية ونظامها المصرفي. وأصبح الشيكل الجديد الإسرائيلي العملة القانونية الإلزامية في الضفة الغربية وقطاع غزة. قامت البنوك بتقسيم الودائع والقروض بالشيكل. تمكنت سلطة النقد من التصرف بمتطلبات احتياطها المالي، ولكن لم تتحكم بأكثر من ذلك. أي تغيير لهذا النظام يتطلب تصويتًا من اللجنة الاقتصادية المشتركة وهي منظمة سقطت في سبات وهيمنة إسرائيلية مع مرور الوقت.

بالتوقيع على بروتوكول باريس تمكنت الحكومة الإسرائيلية من:

  • السيطرة على الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة وضرائب استيراد البضائع المتجهة إلى الضفة الغربية أو غزة، وخصم 3٪ رسوم «معالجة» للمدفوعات إلى السلطة الفلسطينية
  • القدرة على جعل البضائع الفلسطينية باهظة الثمن زورًا، ومنعها من المنافسة مع البضائع الإسرائيلية، وإجبار الفلسطينيين على الاستيراد، وأصبح لإسرائيل سوق خاصة لتصدير السلع المنخفضة الجودة ذات هامش الربح المرتفع، التي لا يمكن بيعها في أي مكان آخر
  • السيطرة على السياسة التجارية، وهو ما يمنح إسرائيل حق النقض على البضائع التي تدخل الضفة الغربية أو غزة، وَحَدّ أي سلعة تعتبر «مزدوجة الاستخدام» اي يمكن أن يستخدمها الجيش، بما في ذلك الأدوية والوقود. ويُفرَض هذا القرار بمساعدة الحكومة المصرية
  • القدرة على جمع ضرائب الدخل والتحويلات الاجتماعية من الفلسطينيين العاملين في إسرائيل أو المستوطنات ، و«تمنحها» الحكومة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية شهريًا، وهو ما يُمَكِنها من تأخير الدفع، وتحصيل فوائد على رأس المال في نظامها المصرفي، وحتى استخدامها لتسديد الديون الاسرائيلية.
  • فرض ضرائب الضمان الاجتماعي على العمال الفلسطينيين ورسوم النقابات وضرائب الضمان، من دون أن يحصلوا على المزايا التي تقدمها هذه الضرائب.

يمكننا ملاحظة  تأثير بروتوكول باريس في إحصائية واحدة بسيطة: انخفض بين عامي 1994 و2011 قطاع التصنيع في فلسطين من 19٪ إلى 10٪.

قال علاء إن هذا يجعل من الصعب للغاية الحصول على أموال من الخارج «فلا بد أن يمر عبر بنك مراسل إسرائيلي أي تحويل مالي من جنيف إلى رام الله». هذه التبعية الأجنبية تضع جميع الفلسطينيين في موقف معقد.

وقال: «إذا كنت مصدِّرًا أو مستوردًا فلسطينيًّا فلن تستطيع فعل شيء وحدك، لا بد أن تعتمد على نظير إسرائيلي يساعدك على تنفيذ تجارتك، وليس لك أن تخصص مساحة لك في المرافئ الإسرائيلية. هذه التناظرية الإجبارية تزيد كلفة كل تحويل وتفيد في الوقت نفسه الاقتصاد الإسرائيلي، ولكن، لا خيار آخر أمامنا».

بالمتوسط، بين عام 1997 و2017، شكلت المدفوعات التي تحكم بتسويتها الإسرائيليون، وتدفقات الدعم الأجنبي، 72% من إجمالي عائدات السلطة الفلسطينية.

يشير علاء أيضًا إلى نقص التكنولوجيا المالية في فلسطين. «في رام الله، ليس لدينا باي بال (PayPal)، ولا ترانسفر وايز (TransferWise)، ولا فنمو (Venmo)، ولا ريفولت (Revolut). لتلقي الأموال من الخارج فالخيار الوحيد المتوفر لنا هو ويسترن يونيون (Western Union)».

حتى ويسترن يونيون كانت أكثر مرونة ومتاحة في جميع أنحاء الضفة الغربية، ولكن مع عمليات مكافحة الإرهاب أصبحت هذه التحويلات مركزية توثق عن طريق بنك واحد أو بنكين. يمكن أن تستغرق هذه التحويلات أيامًا عديدةً أو حتى أسابيع إذا قررت سلطة النقد الفلسطينية الإبلاغ عنها على أنها مشبوهة؛ وهذه التحويلات باهظة الثمن: قد يكلف تحويل 500 دولار رسوم تصل إلى 30 دولارًا أو 40 دولارًا.

لكن إذا كان المرء يريد إرسال الأموال من أوروبا إلى الضفة الغربية اليوم فهذا أفضل خيار متاح له. أما التحويل المصرفي فهو أكثر صعوبة. في كلتا الحالتين إرسال أي مبلغ أكبر من 10000 دولار أمر «مستحيل تقريبًا».

صدر في 2019 تقرير للأمم المتحدة يؤكد أن التكلفة المالية الإجمالية لاحتلال فلسطين  بَلَغت 47.7 مليار دولار بين عام 2000 وعام 2017 ، أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لعام 2017. واستنتج أنه يتسرب سنويا 3.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني إلى الخزينة الإسرائيلية نتيجة آليات بروتوكول باريس.

هذه الاتفاقية التي اعتبرت خطوة نحو الاستقلال الفلسطيني كانت في الحقيقة مجموعة من القواعد والسياسات التي عززت تبعية الفلسطينيين واعتمادهم على المساعدات الخارجية والاقتصاد الإسرائيلي. أصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولة عن الملايين من الفلسطينيين ولكن إسرائيل لم تتخلّ عن سيطرتها على السياسة النقدية والبنوك والموارد الطبيعية والنقل والحدود.

على الرغم من الازدهار الاقتصادي لإسرائيل في التسعينيات، انكمش الاقتصاد الفلسطيني. و انخفض مستوى المعيشي الفلسطيني بنسبة 40٪ بحلول عام 2008 رغم الأمل الذي قدمه اتفاق أوسلو للسلام.

في أيلول (سبتمبر) 2000، اندلعت الانتفاضة الثانية بسبب زيارة أرييل شارون للمسجد الأقصى وأزمة مياه الشرب في غزة. كانت ردة فعل إسرائيل قاسية وفاجعة للاقتصاد الفلسطيني.

وفقًا للبنك الدولي، بين عامي 2000 و2003، فرضت إسرائيل قيودًا على عدد الفلسطينيين من الضفة الغربية المسموح لهم بالعمل في إسرائيل بنسبة 53٪، وبنسبة مذهلة بلغت 86٪ لسكان غزة. وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بنسبة 40٪ نتيجة هذا القرار، متجاوزًا انخفاض الانهيار المالي الذي عانته الأرجنتين في عام 2001 والكساد الكبير في الثلاثينيات في الولايات المتحدة.

مشكلة التبعية

جميع قيود بروتوكول باريس أدت إلى عجز مستمر لميزان المدفوعات الفلسطيني.  عادة عندما تجد دولة ما نفسها في هذا الموقف، يكون لديها عدد قليل من الخيارات. أولاً، يمكنها طباعة المزيد من النقود، وتخفيض قيمة عملتها. الخيار الثاني هو سحب الاحتياطيات. ثالثًا اقتراض تمويل الديون. لكن فلسطين ليس لديها سلطة تقديرية نقدية، ولا بنك مركزي، ولا توجد وسيلة لتسييل الديون، ولا سبيل لطباعة النقود، ولديها القليل من الاحتياطيات المالية، وبما أن فلسطين ليست دولة مستقلة كليا فإن قلة من الناس يرغبون في إقراضها. فبقي لها خيار واحد لتجاوز محنتها وهو المساعدات الخارجية.

 اعتمدت فلسطين على المساعدات الخارجية لجميع احتياجاتها. من دون هذه المساعدات لا تستطيع السلطة الفلسطينية تمويل الميزانية العامة. منذ عام 1993، أُنفق أكثر من 40 مليار دولار في الضفة الغربية وقطاع غزة، كلّها من المنح الدولية، حيث أصبح نصيب الفرد الفلسطيني من المساعدات  من الأعلى في العالم.

يقول علاء: «الفلسطينيون مجبَرون عل العيش بين المساعدة والتنمية: المشكلة هي أن المساعدات مرتبطة بانخفاض مؤشرات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبشرية، هذه الانخفاضات مذهلة في غزة».

على الرغم من كل المساعدات ارتفعت معدلات البطالة والفقر والديون. مع انخفاض دخل الفرد تدهورت القاعدة الاقتصادية. ارتفعت تكاليف المعيشة وانعدم الأمن الغذائي؛ ولم تتحقق وعود الاستثمارات الأجنبية.

أثبت تحليل نيكي تيلكنز (Nikki Tillekens) عام 2010 أن 71٪ من المساعدات أصبحت جزءًا من الاقتصاد الإسرائيلي.

وكتبت: «انتهى 8.7 مليار دولار في الاقتصاد الإسرائيلي من 12 مليار دولار من المساعدات الخارجية المقدمة للفلسطينيين بين عامي 2000 و2008».

كل عام تمول واشنطن إسرائيل بمبلغ 3.8 مليار دولار من المساعدات، ولم يزل سوق الولايات المتحدة أساسيًّا للصادرات ومصدر الواردات لإسرائيل. على الرغم من أن الفلسطينيين يعتمدون بشكل كبير على المساعدات، فإن نصيب الفرد في إسرائيل أكبر بكثير. قبل عام 1999، كانت تغطي المساعدات الخارجية الأمريكية تكلفة الاحتلال بالكامل.

اليوم، لا تزال الولايات المتحدة تدعم الاحتلال دعمًا كبيرًا في ترتيب وصفه شير هيفير بأنه «مشروع مربح» يتلقى فيه الإسرائيليون مدفوعات بالدولار، لكنهم يبنون الجدران ويدفعون الجنود بالشيكل. ونتيجة لذلك، زادت احتياطيات العملات الأجنبية في البنك المركزي الإسرائيلي، التي يمكن استخدامها لسداد العجز التجاري أو لتعزيز الشيكل، الذي ارتفع مقابل الدولار بنسبة 25٪ خلال السنوات العشرين الماضية. جادل هيفر بأن الحكومة الإسرائيلية تبذل قصارى جهدها لحماية هذه الآلية، حتى أنها تنظّر أن الدافع الرئيسي وراء هجومها على غزة في عام 2008 هو وقف تدفق الشيكل الذي كان يتدفق إلى مصر عبر الأنفاق تحت الأرض، مما يؤدي في الواقع إلى استنزاف الاحتياطيات الإسرائيلية.

تدعم الحكومة الأمريكية أيضًا الديكتاتورية العسكرية المصرية والملك الأردني والاستبداد السعودي، الذين يعملون جميعًا بالتنسيق مع إسرائيل لمواجهة تهديدات إيران وحلفائها في المنطقة. حتى مع ترسانتهم النووية، فإن الإسرائيليين قلقون بشكل مفهوم بشأن التهديد الإيراني بالإبادة، لأنه مشروع فاعل وليس معطلاً حالياً. خصوصاً عندما ينظر المرء إلى تاريخ إسرائيل، حيث هوجمت عند استقلالها من جميع الجهات. لذلك سيكون من السذاجة أن يتوقع الفلسطينيون انتهاء الدعم الخارجي لإسرائيل في أي وقت قريب.

يصر مؤيدو الوضع الراهن على أنها مجرد مسألة وقت، وأنه مع استمرار التحسينات التدريجية في مستويات المعيشة الفلسطينية، سيأتي السلام يومًا ما. تعود هذه الفكرة إلى سبعينيات القرن الماضي وإدارة كارتر، التي اعتقدت أن الفلسطينيين «السعداء» ، «الذين لديهم عمالة ثابتة وهيكل إداري فعّال، سيكونون على استعداد للتفاوض من أجل تسوية أثناء وجودهم تحت الاحتلال». كانت نتيجة هذه الفلسفة فصل المساعدة الاقتصادية عن السيادة.

لا يوافق العديد من المسؤولين والمانحين الإسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين بشدة، ويقولون إنهم يبذلون قصارى جهدهم للمساعدة في دعم السكان الفلسطينيين المعرضين للخطر تحت سيطرة القادة الفاسدين والعنيفين الذين يشكلون تهديدًا للاستقرار الإقليمي.

يلقي ترتير اللوم كذلك على السلطة الفلسطينية في الحفاظ على الوضع الراهن. وقال إنه بينما نتحدث، تقمع السلطة المتظاهرين لأنها لا تريد أن يعطّل أحد الصفقة التي أبرمتها، حيث تستفيد دائرتها المقربة من التعاون مع الحكومة الإسرائيلية في إدارة دولة ريعية محطمة.

ياسر عرفات وإرث الفساد

فادي السلامين فلسطيني من دعاة الديمقراطية. أثناء حديثنا أخبرني أن الفلسطينيين يتظاهرون بأعداد هائلة ضد الرئيس محمود عباس، الذي يحكم الضفة الغربية منذ 16 عامًا. وصفه فادي بأنه «فاسد للغاية».

كان حكم الحراميّة في أيام ياسر عرفات أسطوريًّا: قُدّرت ثروته بالمليارات، وكانت مبالغ كبيرة من هذه الثروة مسروقة من ظهور العمال الفلسطينيين في إسرائيل، إذ حُوّلت إلى حساباته المصرفية الخاصة، أو إلى حسابات فرنسية لزوجته.

قال فادي إن عباس يسير الآن على نفس خطة عرفات، حيث استخدم عباس وعائلته قوتهم السياسية لبناء إمبراطورية في صناعات مثل التأمين والاتصالات والبناء والتبغ. ووفقًا لوثائق بَنما المسربة، إن عباس وابنيه «استخدموا القوة والنفوذ للسيطرة على المجلسين الاقتصاديين الفلسطينيين الرئيسيين (الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار، وصندوق الاستثمار الفلسطيني) وأقاموا إمبراطورية اقتصادية في الضفة الغربية تبلغ قيمتها أكثر من 300 مليون دولار».

يمتلك ياسر نجل عباس شركة فالكون توباكو التي تحتكر بيع السجائر الأمريكية صُنعها في الضفة الغربية. وحسب ما قال فادي، رفع عباس ضرائب باهظة على منتجي التبغ في الضفة الغربية، لصالح أعمال الاستيراد الخاصة به، لدرجة أنهم انهاروا. واتهم عباس بسرقة مئات الملايين من الدولارات من أموال الدولة الفلسطينية لتحقيق مكاسب شخصية. أظهر استطلاع عام 2016 أن 95.5٪ من الفلسطينيين يعتبرون عباس فاسدًا. يواصل الحكم بالأمر والنهي.

قال فادي «إنني أكره حماس أكثر من عباس، لكن علينا استهداف رأس مخطط الهرم هنا في الضفة الغربية».

أخبرني فادي أن الاعتماد على المساعدات الخارجية جعل السلطة الفلسطينية غير مساءلة من قبل الشعب الفلسطيني، وأنشأت نخبة منفصلة عن بقية المجتمع. وقال إن الإيرادات العامة دعمت هذا النظام لعقود. في عام 2015 ، «تم إنفاق 16٪ فقط من الميزانية السنوية للسلطة الفلسطينية على التعليم، وتسعة بالمائة على الصحة وواحد بالمائة على الزراعة»، وفقًا لقناة الجزيرة 26٪ تم إنفاقها على الأمن، والذي غالبًا ما يستهدف، كما قال فادي، فلسطينيين.

تتعلّق الاحتجاجات الأخيرة بمقتل الناشط نزار بنات، أحد أشد منتقدي عباس.

قال السلامين: «ذهب سفّاحوه ليلًا وخطفوا نزار من منزله وضربوه بالهراوات حتى الموت. أعطاهم عباس حصانة كاملة، لذلك قالت عائلة الفقيد: ‹سنحتجّ حتى يرحل›، فانضم إليهم الناس في الشوارع».

قال فادي إن الآلاف تظاهروا في الضفة الغربية وطالبوا «بإسقاط النظام»، في مشاهد ذكّرت بعضاً الربيع العربي. لكن عباس لا يزال على قيد الحياة. قال فادي إن عباس يبقى في السلطة بتهديد الإسرائيليين والأمريكيين والبنك الدولي: إذا لم يكن لديكم السلطة، فسيكون لديكم حماس.

قال: «هكذا يحملهم عباس على حمايته». «هو عميلهم».

وأشار فادي إلى الاحتجاجات الفاشلة وقال إن السياسة أثبتت أنها محدودة الفائدة في النضال الفلسطيني. قال: «لا يمكنك التقدم فقط من خلال صندوق الاقتراع».

عندما سألته عن البيتكوين قال: «نعم، يمكننا أن نبدأ مقاومة سلمية مع البيتكوين. إنه شيء يمكن لأي شاب فلسطيني أن يفعله. ربما تتخلى عن استقرار الأسعار، لكن في المقابل نحصل على الحرية».

وقال إن التحدي هو «أننا يجب أن نعلم الناس عن هذه العملة». قال إنه مفهوم جديد وغريب. ولكن بمجرد أن يفهمه الناس، ليس لديه شك بأنهم سوف يستخدمونه. قال: «إنها ترقية بالنسبة لما نعيشه اليوم، حيث يحتفظ الناس بالنقود تحت مرتبتهم، أو ينتظرون شهرًا لتلقي دفعة من عائلاتهم في الخارج».

يعتقد فادي أن البيتكوين يمكن أن يحارب الفساد أيضًا.

قال: «اليوم يسمحون بتحويل مصاريفك بشكل أسرع، إذا قمت برشوة سلطات الدفع». «إنهم ينمون على هذا الفساد. ولكن يمكن أن ينتهي ذلك بالبيتكوين».

وأشار فادي إلى أن كثيرًا من الشباب يشترون البيتكوين فعلًا.

قال: «ليس لديهم أسهم S&P 500».

يعتقد فادي أن انتقاد الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية للبيتكوين أمر جيد.

يقول: «هكذا نعلم أنه مفيد للفلسطيني العادي».

من البنوك إلى البيتكوين في رام الله

متوسط ​​الأجر اليومي يصل إلى 264 شيكل في إسرائيل ، مقارنة بـ 123 شيكل في الضفة الغربية ، من يمكنه لوم الفلسطينيين على السعي وراء دخل أعلى في أماكن أخرى ، حتى لو أدى ذلك إلى ازدياد اعتمادهم على الآخرين؟

هذا الواقع جعلني أسأل علاء ترتير كيف سيكون الاقتصاد الفلسطيني ما بعد الاستعمار.

قال علاء: «إنه مشروع مستقبلي للأسف الشديد. لا شيء قريب يوجد.»

لقد قال إنه لطالما كان هناك فكرة في الخطاب الفلسطيني عن «اقتصاد المقاومة» يسمح لهم بالبقاء والمقاومة والحصول على السيادة. بعد الانتفاضة الثانية، أعرب المؤلف الفلسطيني عزمي بشارة عن أسفه «لعدم وجود بنك فلسطيني واحد أو شركة تأمين أو مطبعة، ودعا المستثمرين الفلسطينيين إلى التفكير في مشاريع اقتصادية محلية بهياكلها الخاصة وسوقها وحيويتها».

لكن، قال علاء، إنهم يعتمدون على الشيكل والقضبان المالية الإسرائيلية، و «ينقصنا دائمًا الأدوات لتحقيق تلك السيادة».

كان أبو وداد موظفًا في مصرف سابقًا، ويعتقد أن عملة البيتكوين قد تكون إحدى هذه الأدوات الناقصة. لم يرد ذكر اسمه الحقيقي في مقابلتنا، لكنه تحدث معي من منزله في رام الله، و ترك وظيفته مؤخرًا بعد سبع سنوات في المجال. عند استقالته كان نائب المدير المالي لأحد البنوك الكبرى التي تخدم الضفة الغربية والأردن. غادر منصبه لأنه تضايق بسبب دوره الشخصي في نشر ما يعتبره مرضا ماليا يضر الفلسطينيين: الاقتراض الزائد.

قال أبو وداد: «في الأعوام الخمسة عشر الماضية، كان النظام كلّه قائمًا على جعل الناس يقترضون أكثر مما يطيقون».

والأسوأ من ذلك، على حد قوله، أن القروض لا تُستخدم لإنشاء الأعمال التجارية أو بناء البنية التحتية، لكنها تُنفق على حفلات الزفاف أو السيارات أو الشقق في وسط المدينة. وفقًا للباحثة السياسية يارا هراري، «أصبحت قروض السيارات ستة أضعاف في السنوات العشر الماضي أي ارتفعت قيمة القروض من 40 مليون دولار في عام 2008 إلى 250 مليون دولار. في رام الله… يمكن تراها كمدينة مزدهرة بأحياء الطبقة الوسطى المليئة بالفيلات الفخمة وسيارات BMW اللامعة. لكن هذه مجرد واجهة».

قال أبو وداد إن كثرة الأموال السهلة، وانعدام التجارة الإلكترونية والوصول إلى أسواق الأسهم العالمية، هجم الناس على العقارات. بين عام 1994 وعام 2016، 80% من تشكيل رؤوس الأموال الفلسطينية كان في المباني. جعل هذا الأمر التكاليف «خيالية». فقج تشتري شقة صغيرة بمئة ألف دولار، أو أرضًا من ألف متر مربع بمليون دولار، كل هذا والناتج الإجمالي المحلي للفرد في نواحي 3500 دولار.

وقال إن البنوك مساهمة في زيادة اعتماد الفلسطينيين على إسرائيل والتقليل من سيادتهم. كان هذا نتيجة إصلاحات رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض التي اعتمدها في عام 2007، قال عنها أبو وداد «أعطت الأولوية للاستهلاك لا للاستقلال».

تقضي القوانين «أن على البنوك العاملة في فلسطين أن توسّع 40% من ائتمانها محلّيًّا، ارتفعت التسهيلات الائتمانية من 1.3 مليار دولار عام 2008 إلى 7.1 مليار دولار عام 2018، وهي زيادة قدرها 450%» بحسب الاقتصاد السياسي الفلسطيني، وهي مجموعة مقالات جديدة كتبها علاء ترتير وآخرون.

قال أبو وداد: «تخيل أن أحد أفراد قوات الأمن الفلسطينية بمرتب شهري قيمته 600 دولار». «يمكنهم الآن الحصول على قرض شهري 5 أو 10 أضعاف دخلهم، وبنسبة 10٪ نقدًا، يمكنهم شراء شقة فاخرة بمساحة 120 مترًا مربعًا في رام الله».

البنوك سعيدة بالطبع، حيث يمكنها ربح 200000 دولار لكل 100000 دولار تقدمه على مدار 25 عامًا. والمشكلة هي أن الناس الآن مدينون طوال حياتهم. هذا هو الواقع الآن، بحسب أبو وداد أعداد كبيرة من المجتمع الفلسطيني لم يقترض فقط لتمويل الشقق ولكن لجميع أنواع الاحتياجات الشخصية.

كتب أن القليل من الاقتراض يستثمر في الصناعة أو الزراعة أو ريادة الأعمال. في عام 2008، تم استخدام 7٪ فقط من الائتمان للزراعة والتصنيع، مقابل 33٪ «للسيارات وبطاقات الائتمان والسلع الاستهلاكية» وفقا لكتاب «الاقتصاد السياسي لفلسطين».

قال أبو وداد «إنها نفس السياسات ترتدي ملابس جديدة، هي نفسها التي أجبرتنا منذ عدة عقود على الابتعاد عن إنشاء قاعدة صناعية مستقلة وجعلتنا نعتمد على القوى الخارجية»، تحت رايات «بناء الدولة» و«التمكين الاقتصادي».

وقال إن جميع الفلسطينيين ما زالوا يطالبون بالحرية، ولكن النظام «يجعل التركيز على هذا الهدف أكثر صعوبة ويشتت انتباههم بسبب مخاوفهم المالية». وقال إن الناس «يعيشون لسداد القروض وإثراء المصارف بدلاً من الادخار والاستثمار من أجل مستقبلهم».

بعد ترك وظيفته في البنك اشتغل أبو وداد في شركة تكنولوجيا في رام الله، ثم حاول إنشاء عمل تجاري مع أصدقائه في صناعة الألعاب الإلكترونية. يعتقد أنه يمكن للفلسطينيين أن ينافسوا في الرياضات الإلكترونية على الرغم من أنهم لا يساهمون اليوم؛ هذه الألعاب يمكن أن تساعد في تعليم التعاون وتكوين الأفرقة وتعزيز الكرامة الشخصية والتواصل مع الناس في الخارج. ومع ذلك، هناك العديد من العقبات فالإنترنت ليس جيدًا بما فيه الكفاية (على الرغم من سرعته على بعد أميال قليلة) وأجهزة الكمبيوتر باهظة الثمن.

واستخدم أبو وداد مثال أجهزة الكمبيوتر التي قد تكلف 1500 دولار في الولايات المتحدة أو في إسرائيل، إذا أراد شراء نفس الآلة في فلسطين، فستكلفه حوالي 3500 دولار. المفروض أن تضخم الشيكل يضر الإسرائيليين والفلسطينيين بذات المستوى باعتبار أنهم يستخدمون نفس العملة. ولكن أبا وداد شرح لي سبب التضخم الأكبر للفلسطينيين.

قال أبو وداد: «عند وصول الواردات الفلسطينية إلى إسرائيل، تُفرض ضرائب على هذه المنتجات، ثم هناك تكلفة إضافية لتخزينها بانتظار إرسالها إلى الضفة الغربية فجداول الشاحنات مقيدة للغاية. وعند تحرك البضائع غالبًا ما يُسرق منها كمية ما. بعد ذلك، يقوم البائعون المحليون بترميز البضائع لتغطية ضرائبهم وأرباحهم. مع كل هذه التحركات لإيصال الكمبيوتر الى رام الله، قد يكون سعره أعلى بمرتين إلى ثلاث من سعره في تل أبيب، على الرغم من أن الجميع يستخدم نفس العملة».

تؤكد بعض المصادر أنه «قد يستغرق استيراد البضائع وبيعها للتجار الفلسطينيين متوسط ​​38 يومًا، بينما يمكن للإسرائيليين القيام بذات المعاملة في خلال 10 أيام. الصفقة الواحدة في رام الله تكلف متوسط ثلاثة أضعاف الصفقة في تل أبيب. وقال أبو وداد إن هذا التضخم الحاد ينطبق على العديد من المنتجات الاستهلاكية.

قال: «إذا كان بإمكاننا الاستيراد مباشرة، فستكون هذه العملية أرخص بكثير». وألقى باللوم على بروتوكول باريس، الذي قال إنه «عفا عليه الزمن» ولم يُراجَع منذ ما يقارب 30 عامًا على الرغم من أن الواقع الحالي مختلف تماما.

تبع التضخم الفلسطيني التضخم الإسرائيلي في الثمانينيات والتسعينيات، عندما دمر انهيار الشيكل القوة الشرائية الفلسطينية، ولكنهما افترقا بعد الانتفاضة الثانية في أكتوبر 2000. عانت إسرائيل انكماشًا في اقتصادها، أما الفلسطينيون فعانوا ركودًا تضخّميًّا مع انخفاض الدخل وارتفاع الأسعار. بدأت القوة الشرائية الفلسطينية تزحف لتدرك القوة الشرائية الإسرائيلية. لاحظ شير هيفر أنه عام 2008، «كان المنتج نفسه يكون أغلى بنسبة 32% في مدينة فلسطينية منه في مدينة إسرائيلية».

للأسف أحبط وباء الكورونا خطط أبي وداد للخروج من هذا الفخ من خلال ابتدائه شركة، وقال إن هذا الوباء أصاب الضفة الغربية خصوصًا بقوة، وهو ما أدى إلى انخفاض النشاط الاقتصادي. في ذلك الوقت استفسر أبو وداد كثيرا عن البيتكوين. قال إن هناك مجتمعًا كاملًا يتكون في الضفة الغربية وغزة. لقد ذكرته أن نسبة التبني العالمي لعملة البيتكوين اليوم هو تقريبًا نفس المستوى الذي كان عليه للإنترنت في عام 1997 أي حوالي 200 مليون شخص، أو 2٪ من السكان العالم. يعتقد أن هذه هي النسبة المئوية للفلسطينيين الذين يستخدمون البيتكوين، وقال إنها سوف تنمو بسرعة هائلة في السنوات القادمة.

لكن كيف يشتري الفلسطينيون البيتكوين؟

قال أبو وداد: «نحن نجد منافذ دائمًا».

أخبرني عن ثغرة، حيث تمنع سلطة النقد الفلسطينية الحسابات المصرفية من شراء عملة مشفرة عن طريق المنصات. ولكن هناك استثناء واحد، العملة الثابتة التيثر (Tether). يعتقد أنه نظرًا لأن التيثر مرتبطة بالدولار فقد غضوا النظر عنها، وبالتالي ألغوا حظر عمليات الشراء على منصات مثل باينانس (Binance). قال أبو وداد إن كل شخص يعرفه يتعامل مع العملة المشفرة عن طريق التيثر. من هناك، كما قال، يمكنهم شراء البيتكوين كأداة توفير، أو البقاء في التيثر كحساب «جارٍ». قال إن بعض الأشخاص يلتفّون على النظام المصرفي بالكامل ويستخدمون مجموعات التلجرام أو فيسبوك لتنسيق شراء التيثر أو البيتكوين من الند للند.

أبو وداد يعلم أن التيثر ليس بحل مثالي لكنه حل مؤقت. ناقشنا فكرة أنه في المستقبل القريب، يمكن للفلسطينيين امتلاك محافظ شبكة البرق (Lightening) موصولة بعملة ورقية مثل الدولار، ويمكن استخدامها بدلاً من الاضطرار إلى الاعتماد على التيثر. لم يكن يعرف الكثير عن شبكه البرق، لكن أثناء مكالمتنا عبر الواتس اب، أوضحت له كيفية تنزيل محفظة مون (Muun)، وأرسلت له 5 دولارات عبر البرق.

«ما أسرعها!»، قال، متأثرًا بالانتقال الفوري من بوسطن، حيث أقيم، إلى رام الله. فقلت له إن الرسوم بسيطة جدا، فازداد حماسًا. لقد فكرنا كيف أنه من الصعب على الفلسطينيين نقل الأموال من مكان إلى آخر، وناقشنا كيف أن عملة البيتكوين تغير قواعد اللعبة: من على بعد آلاف الأميال، أرسلت له المال ولم نضطر التعامل مع شرطة جمركية أو تأخير أو أعلام حمراء أو مصادرة أو ضريبة القيمة المضافة. لم تحصل الحكومة الإسرائيلية ولا السلطة الفلسطينية على شيء.

يعتقد أن محافظ البرق المستقرة يمكن أن تكون تقدمًا ضخمًا بالنسبة للفلسطينيين: حساب مصرفي لا تحتاج فيه إلى أي هوية، يمكنك التحكم في أموالك الخاصة، يمكنك التعامل على الفور في أي مكان في العالم بدون رسوم تقريبًا، ويمكنك اختيار الربط القيمة مقابل الدولار أو الاحتفاظ بأموالك في عملة البيتكوين. قال «هذا هو الحلم».

يعتبر أبو وداد عملة البيتكوين احتجاجًا سلميًا ضد النظام المالي الفاسد والاستغلالي والمركزي: نظام رآه من الداخل خلال خدمته كمصرفي. العقبة الكبرى وفقًا لأبي وداد، هي أن عددًا قليل من الفلسطينيين يستخدمون البيتكوين اليوم.

قال: «معظم الناس يراه استثمارًا، وليس عملة».

وقال إن الأمر سيستغرق وقتا حتى تصبح حركة جماهيرية. قال إن التعليم مهم للغاية.

وقال: «الناس عندهم أسئلة كثيرة، ولكنهم مع الوقت سيتعلمون ويستخدمون».

لقد شاهد تقارير مؤخرًا عن إطلاق السلطة الفلسطينية لعملتها الرقمية الخاصة، لكنه لا يعتقد أن الناس سيثقون بها. وقال إن هذه الأمر قد يشجع المزيد من الناس على استخدام البيتكوين.

«إذا أردنا أن نجعل البيتكوين طريقتنا لنقول لا للعالم، وأن نعيش بعيدًا عن اتفاقيات أوسلو وباريس، فنحن بحاجة لاستخدامها في حياتنا اليومية. سيستغرق بعض الوقت.»

وقال: «نحن نعلم جميعًا أن المجتمع الدولي لن يمنحنا الحرية. لذلك يجب أن نأخذها بأيدينا».

أخبرني أنه اختار اسم أبو وداد لأن وداد هو الاسم الذي سيطلقه على ابنته، إذا أكرم يومًا ما بفتاة. وقال إنها ربما ستنشأ في عالم البيتكوين.

اقتصاد المقاومة الجديد

كفاح أبو خضير هي فلسطينية-أمريكية من أبناء الجيل الثالث، ترعرعت في أتلانتا، واستقرت مع والدها في القدس الشرقية وتعمل مدرّسة.

غادرت عائلة كفاح في الأصل القدس عندما كانت تحت الحكم العثماني، فرارا من التجنيد الإجباري إلى أمريكا الجنوبية، ولكن أبقت على روابطها بموطنها. رجع والد كفاح إلى فلسطين وأصبح معارضًا صريحًا للوجود الأردني في الضفة الغربية في الستينيات من القرن الماضي. في النهاية غادر إلى الأبد للولايات المتحدة الأمريكية، حيث ذهب إلى المعهد التقني في جورجيا وقام بإنشاء عائلة في الجنوب الأمريكي، كما هو الحال مع عائلتها، رجعت كفاح إلى الضفة الغربية لدراسة اللغة العربية بجامعة بيرزيت في أواخر التسعينيات. انتهى الحال بها بالحصول على بكالوريوس في التربية والانتقال إلى القدس الشرقية في النهاية.

تقول كفاح: «إذا أردت كسر قلب أم فلسطينية، أخبرها أن ابنها سيقوم بدراسة التجارة أو الزراعة». لتحقيق الاستقلال، تعتقد كفاح، أن هذين الحقلين مهمين، ولكنهما متروكان إلى درجة النبذ. وهذا نتيجة لتصور أن تقدم الاقتصاد المحلي «مضيعة للوقت».

قضت كفاح العقد الماضي في تعليم الشباب الفلسطيني، بمساعدة برامج وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق EduReach، وهي منظمة تقدم للمعلمين برامج تدريب وبرامج إضافية على المنهج للأطفال. وهنا واجهت معضلة أن تكون أكثر تحديا وأن يذهب الأطفال إلى مدارس في إسرائيل لتعلم الإنجليزية. تعلم كفاح أن هذا بدوره سيقوم بإطالة وضع اعتماد الفلسطينيين على العالم من حولهم، وبهذا انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي، ولكنها تريد المستقبل الأفضل لأبنائها الذين يريدون أن يتم توظيفهم بقدر الإمكان. وقالت «نسهر الليل كله نفكر في هذا الأمر».

تقول كفاح: «بدأت أشعر بالذنب لشعوري بأني أشارك في هجرة العقول»، «إذا كان الأطفال ناجحين، سيذهبون إلى جامعات في إسرائيل أو في الولايات المتحدة الأمريكية ولن يرغبوا في الرجوع» لأنهم سيكونون أعلى كفاءةً من الوظائف الموجودة في فلسطين. وفي أفضل حال، سينتهي بهم المطاف بالعمل في المنظمات غير الحكومية أو الخارجية. تقول كفاح: «في الواقع نحن لسنا جزءًا من الاقتصاد المحلي»، «نحن لا نساعد في إعادة الاستثمار».

تغلف تجربتها معضلة الكثير من الفلسطينيين منذ1967. يمكنك المكوث في البيت، أو الذهاب إلى العمل في إسرائيل لأجر أعلى للحصول على المزيد لأسرتك.  ولكنك قمت بالمقايضة بجلب نشاط اقتصادي وتطور هناك بدلا عن موطنك.

قالت لي كفاح «الاستقلال مالي». «إذا لم يكن لدينا الحرية المالية، لن يتغير شيء».

أشارت كفاح أن استخدام العملة تغير بمرور الوقت. الشعب ما زال يستخدم الدينار الأردني، والدولار الأمريكي أيضا، ولكن مؤخرا، أردفت، الشيكل (عملة إسرائيل) أصبح أكثر شعبية حتى في غزة.

تقول كفاح «على الأقل 80% من المعاملات اليومية تتم بالشيكل» هذا يعني أنه تقريبا كل عملية يقوم فلسطيني بها «تدعم وتعمق الاعتماد على إسرائيل».

وقالت إن الترعرع في أتلانتا علمها الكثير عن حركة الحقوق المدنية الأمريكية (صراع الأمريكيين ذوي الأصل الأفريقي لتحقيق المساواة والعدل بينهم وبين باقي أطراف المجتمع في الخمسينات والستينات من القرن الماضي)، ودرست حركات مشابهة في جنوب أفريقيا وأيرلندا.

قالت كفاح: «إن من أول ما بدأ به هؤلاء تأسيس اقتصاد مستقل، أما نحن فلا نملك هذا. كل ما لدينا: أعلام حمراء، ومصادرات، وضرائب ندفعها لخدمات لا تنفعنا».

مؤخرا، صارت كفاح تمضي وقتها في مراكز تقنية في رام الله والقدس. تقول إنها هناك تعرفت على «الاستعمار التقني»، حيث يحضر الإسرائيليون لتعيين الأفضل والألمع ولا وجود لشركات فلسطينية تقوم بذلك.

«نحن نخلق قوة عاملة للاحتلال القائم». «التقانة مهمة لأننا نريد مسارًا غير محتاج إلى مورد خام، لأننا لا نستطيع امتلاك أرضٍ ولا نستطيع الصناعة، فعلى أي شيء نقدر؟»

من أجل هذا التغيير، تتطلع كفاح إلى البيتكوين. وهي جزء من حركة ستحاول رسم خريطة لمنظومة الأعمال التجارية الفلسطينية، سواء الشركات المملوكة للفلسطينيين في إسرائيل، وكذلك الشركات في القدس الشرقية والضفة الغربية، وتشجيع الممارسات الجديدة.

الفكرة هنا، إذا كنت صاحب عمل تجاري فلسطيني، يمكنك عرض الحصول على البيتكوين كوسيلة دفع. تقول إنه بذلك سيثير الفضول، وسيطلق اقتصادًا مستدارًا (حلقيًّا)، وسوف يحث المزيد من الناس على تعلم ما هو البيتكوين، وكيفية عمل المال.

تقول كفاح: «وبذا يمكننا إنهاء اعتمادنا على الشيكل»

اليوم، لدى كفاح معلمين يعملون لها في غزة. تقول إن السداد لهم في غاية التعقيد. تقول «لا أستطيع استخدام باي بال، رغم أنني مزدوجة الجنسية كمواطنة أمريكية وإسرائيلية. حتى مع امتيازي المالي، من الصعب فعل هذا».

تشرح كفاح بأنه تقوم بسحب المال من حساب بنكها الإسرائيلي من خلال ماكينة سحب، ثم تقوم بالإيداع في بنك فلسطيني (الذي يمكن فتح حساب به فقط بجوازها الأمريكي) ثم يمكنها عمل تحويل بنكي لحسابات المعلمين. هذا يأخذ الكثير من الوقت وهو مكلف أيضا. ولكن مع البيتكوين تقول إنه يمكنها الإرسال فورا لحساب المعلم في غزة.

تقول كفاح إنها ما زالت ترتّب الصورة المستقبلية لهذا الأمر في ذهنها.

وتقول: «بالبيتكوين، يمكنك إنشاء شركة مستقلة بالكامل، حيث لا تكون ملزمًا باستخدام بنك فلسطيني، ولست مجبرًا على الاعتماد على الشيكل والاقتصاد الإسرائيلي».

تعتقد كفاح أن التغيير سيأتي في النهاية فقط من خلال «كم كبير من العنف أو كم كبير من النشاط الاقتصادي» وتعتقد أن اللاحق هو الطريق الوحيد لإيجاد النجاح. «لا يمكننا قبول حل نصف ناضج» تقول كفاح هذا مشيرة إلى فشل سير اتفاقية أوسلو.

قالت كفاح: «نحتاج إلى هروب كامل». «إذا لم ننسحب من العملة، سينتهي بنا المطاف ونحن نقوي النظام».

مجتمع البيتكوين الإسرائيلي

من الواضح أن البعض في المجتمع الفلسطيني يرى البيتكوين كمسار تقدمي. ولكن ماذا عن نظيرهم الإسرائيلي؟ للتحقق، تحدثت إلى العديد من الإسرائيليين من المستثمرين في البيتكوين بشرط عدم كشف الهوية.

البعض قلق حيال البيئة السياسية في إسرائيل في الوقت الراهن. البعض يقول إنه «ليس بهذا السوء» ولكن أحد رواد الأعمال قال لي إنه من المخاطرة فعل أي شيء يمكن وصفه على أنه «يساري» (كمساعدة الفلسطينيين من خلال البيتكوين) وأنه إعلان المرء عن رأيه يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.

يقول: «الشعور العام يزداد سوءا يوما بعد يوم»، «يذكرني بالأيام الكريهة في تاريخ العالم».

ثم أكمل «هذا يجعل من الصعب التفكير في مستقبل مشرق هنا. إن البقاء في هذا البلد معضلة كبيرة من الأساس».

ولكن رغم قوله إن التواصل مع الفلسطينيين حول استخدام البيتكوين لم يكن طرحًا أو أولية في الاجتماعات المقامة بتل أبيب حتى الآن – «مطلقا» على حد قوله – فهو يعتقد أنه يمكن أن يكون ناجحًا.

قال إن البيتكوين يستمر في بناء جسور، لا جدران. وعندما توقف في التفكير عن كيف يمكن للإسرائيليين نشر الحرية للفلسطينيين، البيتكوين يمكن أن يكون هو الطريق لذلك.

يقول «إنها ليست حرية مزيفة مثل التي حاولنا تقديمها من قبل».

يقول رائد الأعمال «أنا هنا لأجل التعايش»، «أنا أريد حل الدولة الواحدة. أنا أريد بلدًا واحدًا عملته البيتكوين، وقوانينه واحدة تطبق على الجميع. إمكانية مساعدة البيتكوين في خلق حالة التعايش تلك مهمة جدا. ليس الموضوع عبارة عن إنشاء دولتين، بل تقليص دور الدولة وقوتها».

رأي مستوطِن إسرائيلي في البيتكوين

كثير من الإسرائيليين المتبنّين للبيتكوين تقدّميّون نسبيًّا، بل ومتعاطفون مع فكرة مساعدة الفلسطينيين بالمال مفتوح المصدر، ولكن ماذا عن الصهاينة القوميين؟ أو حتى المستوطنين؟ المثير للدهشة أن واحدًا منهم على الأقل يحاول نشر البيتكوين في فلسطين.

جوناثان كاراس رجل أعمال أمريكي في مجال التكنولوجيا ومدافع عن البيتكوين يعيش في الضفة الغربية منذ 10 سنوات.

قال لي ونحن نتحدّث مكالمة فيديو: «أستطيع أن أرى رام الله من نافذتي».

اليوم ، يعيش نحو 14 مليون فرد – تقريبًا نصفهم يهود ونصفهم عرب – بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن تحت السيطرة الاقتصادية للحكومة الإسرائيلية.

من ناحية، يوجد في دولة إسرائيل تسعة ملايين مواطن يعيشون في مجتمع ديمقراطي قوي، وإن كان متآكلًا. من ناحية أخرى، هناك احتلال عسكري لما يقرب من خمسة ملايين فلسطيني، يدخل الآن عامه الرابع والخمسين. كان الحاجز الذي يبلغ طوله 700 كيلومتر – وهو في كثير من الأماكن عبارة عن جدار خرساني فعليًا – قيد الإنشاء منذ عقدين من الزمن ، ويفصل بين الاثنين، الإسرائيليين والفلسطينيين. يعيش كاراس ومئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين شرق هذا الحاجز.

وفقا لمنظمة الحقوق المدنية الإسرائيلية بتسيلم، «يعيش أكثر من 2.6 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، في عشرات الجيوب المنفصلة، في ظل حكم عسكري صارم وبدون حقوق سياسية. في حوالي 40٪ من الأراضي، نقلت إسرائيل بعض السلطات المدنية إلى السلطة الفلسطينية». ومع ذلك، فإنه تذكرنا المنظمة، أنه حتى هناك «لا تزال السلطة الفلسطينية تابعة لإسرائيل ولا يمكنها ممارسة سلطاتها المحدودة إلا بموافقة إسرائيل».

صُنّف 61 بالمئة من أراضي الضفة الغربية على أنها منطقة ج – تتألف من مساحات مفتوحة وأراضي زراعية شاسعة – ويسيطر عليها الجيش الإسرائيلي سيطرة مباشرة. نص اتفاق عام 1995 على أن المنطقة ج الغنية بالموارد سيتم «نقلها تدريجياً إلى السلطة الفلسطينية» بحلول عام 1997. لكن هذا لم يحدث. وبدلاً من ذلك، مُنع الفلسطينيون من حصاد هذه الأرض أو الاستثمار فيها، وزاد المستوطنون والشركات الإسرائيلية من استعمار المنطقة.

تستخدم إسرائيل العديد من الموارد في المنطقة (ج)، بما في ذلك الطاقة الشمسية لأكثر من 10000 منزل إسرائيلي، ومصادر المياه والأراضي الزراعية. في الوقت نفسه، تصادر ممتلكات فلسطينية. في السنوات العشرين الماضية، اقتلعت القوات الإسرائيلية، على سبيل المثال، أكثر من مليون شجرة فلسطينية مثمرة. تحقق إسرائيل والأردن 4.2 مليار دولار سنويًا من بيع معادن مثل البوتاس والبروم من أراضي المنطقة ج حول البحر الميت. يشير تقرير للبنك الدولي إلى أنه يمكن للفلسطينيين زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10٪ تقريبًا إذا سُمح لهم بالاستثمار في هذه العملية أيضًا. في الخلاصة، خلص التقرير إلى أنه يمكن للفلسطينيين زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35٪ إذا سُمح لهم بتسخير المنطقة ج للزراعة والمعادن والتعدين والبناء والسياحة والاتصالات.

أغلق الجيش الإسرائيلي معظم الضفة الغربية أمام وصول المدنيين الفلسطينيين، وأقام نقاط تفتيش وحواجز لخنق حركة البشر في المناطق المتبقية أ و ب. حدّت هذه الإجراءات التي سُنّت تحت عنوان مكافحة الإرهاب قدرة الفلسطينيين على الانتقال والبناء والسفر والزواج وشراء العقارات والعمل والتصويت للمشاركة في النظام الذي يحكمهم.  تبيع التكنولوجيا المستخدمة لفرض هذا النظام شركات إسرائيلية مثل Candiru وCellebrite  وNSO Group إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم.  تسوَّق منتجات المراقبة هذه على أنها مجربة ومختبرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي مطلوبة بشدة وتعتبر من الطراز العالمي.

استقر مئات الآلاف من المستوطنين اليهود إلى الآن في مستوطنات الضفة الغربية شرق الخط الأخضر، الحدود حُدّت لتكون فاصلة بين إسرائيل وفلسطين بعد حرب عام 1948.  تحفز السياسات الإسرائيلية المواطنين وتدعمهم لينتقلوا إلى تلك المناطق، من هذه السياسات: مزايا الضرائب والإسكان.  في المجموع، هناك أكثر من 280 مستوطنة إسرائيلية ومجموعة متنوعة من المناطق الصناعية في الضفة الغربية، مع أكثر من 60 بؤرة استيطانية أُنشِئت في السنوات العشر الماضية، وكلها تُعارض القانون الدولي.  إن خرائط هذا التحول في السيطرة لافتة للنظر.

عندما بدأت عملية أوسلو عام 1993، كان في الضفة الغربية ما يزيد قليلاً عن 100 ألف مستوطن إسرائيلي، من دون حساب الذين في القدس الشرقية.  اليوم، هناك أكثر من 475 ألفًا.

كاراس واحد منهم.  قال إنه «مستوطن صهيوني متدين».  هدفه هو «إعادة مملكة داود وبناء هيكل سليمان».  قبل عشرين عامًا، جاء أول مرة إلى إسرائيل، وأدرك أن «أفضل طريقة للوفاء بالتزاماتي التوراتية هي الاستقرار على قمة تل فارغ في الضفة الغربية».

في السنوات القليلة الماضية، ألقى كاراس عددًا من المحاضرات حول «كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز التفاعل المختلط والتعايش».  قال إن البيتكوين يسمح للبشر أن يعبروا الحدود التي كانت مسدودة في السابق: القانونية منها والمالية والأيديولوجية.

قال: «إنها تتيح لنا أن نلتقي».  وهو عضو في غرفة تجارة يهودا والسامرة، ويتفاعل بشكل متكرر مع الفلسطينيين في عمله.

قال إنه إذا قام بعمل تجاري مع فلسطيني، فقد يكون ذلك خطرا على حياته.  قال كاراس: «إذا أردت بدء عمل تجاري مع جاري، فقد يُقتل أطفاله».  «لذا يتيح لنا البيتكوين العمل معًا والحفاظ على سلامته».

 أخبرني أنه شاهد سيارات تحترق لتصبح رمادًا تحذيرًا من التعامل مع الإسرائيليين.

يرى كاراس أن الفلسطينيين استفادوا بالفعل من الشيكل القوي، وقارن محنتهم بمحنة اللبنانيين والسوريين والمصريين وغيرهم في المنطقة الذين عانوا من ارتفاع التضخم أو التضخم الجامح.  ويقول إن حماس والسلطة الفلسطينية فاسدتان، لكن الشيكل وفر الحماية الجزئية للفلسطينيين من سوء حكمهم من خلال توفير وحدة حساب موثوق بها ووسيلة للتبادل ومخزن للقيمة.

عندما ذكرت له أن الفلسطينيين ما زالوا يعانون من تضخم كبير في الأسعار، قال «كوب الماء سيكون دائمًا أغلى في الصحراء منه في شلالات نياجارا» وقال إن هذا لا يتعلق بالمال، يتعلق بالسيطرة على الحدود والسلع والخدمات.

قال: «في الضفة الغربية، لا يستطيع الفلسطينيون الحصول على أشياء من أمازون». «سيكون هناك دائمًا تباين في الأسعار».

وقال إن النظام الاقتصادي التقييدي الذي يمنع الفلسطينيين من التقدم «يستسيغه» الإسرائيليون والمجتمع الدولي بسبب التهديدات العنيفة من الفلسطينيين.  وقال: «ما دامت حماس والسلطة الفلسطينية يهدفان إلى القضاء على الدولة اليهودية، فليس هناك أمل في أن يحصل الفلسطينيون على نفس الأسعار في تل أبيب».

في النهاية، من منظور ديني، يعتقد كاراس أن الشيكل وجميع النقود الحكومية ستكون في عين المتدينين «غير أخلاقية من منظور يهودي مسيحي إسلامي».

قال إن «العملات الورقية الحكومية إنما هي سعي وراء الريع، ومن الواضح أنها شكل من أشكال السرقة، فأنت تدفع فائدة للحكومة لبناء ثروة عائلتك».

 قارن هذا بالنقود القائمة على السلع، مثل الذهب والبيتكوين، حيث «كل فرد في المجتمع متساوٍ تحت السماء».

مع البيتكوين، «نعلم جميعًا ما هي القواعد ونعلم أنه يمكننا المشاركة دون أن يغير أحد القواعد في المستقبل»، قال.  «ليس هذا هو الحال عندما نعمل في نظام العملات الحكومية، لأنه بطبيعته نظام من حزبين.  هناك الأوليغارشية، وهم من القطط السمان الذين يضعون السياسة النقدية ويتحكمون في تدفق الأموال، ثم الرعاة والأقنان الذين يخضعون لإنفاذها.  إنه من جوهر العملات الحكومية أننا لسنا متساوين».

يعتقد كاراس أننا «في عصر المسيحاني» وأن «نبوءات الكتاب المقدس تتكشف»، وأن «الكثير من الأدلة» تدل على أن البيتكوين يقع تحت تلك النبوءات.

عندما سئل عما إذا كان يعتقد أن الحكومة الإسرائيلية ستحاول حظر أو تقييد عملات البيتكوين كأداة للإرهاب أو المقاومة، قال إن الشعب الإسرائيلي يعرف أن الابتكار التكنولوجي والفرص يفوقان المخاطر بكثير.  قال إنه إذا كانت حماس تحاول التحايل على القيود المصرفية من خلال جمع الأموال في البيتكوين (كما زعمت الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا، وصادرت البيتكوين في البورصات التي زعمت أنها مرتبطة بحماس)، فإن مراقبة هذا وتقنينه أسهل بكثير من مراقبة وتقنين كاراس «إذا دفع لمزارع أو مطوّر وب بالبيتكوين».

وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد لديه خلفية في الأمن السيبراني وريادة الأعمال، لذا فإن الحظر غير مرجح.

قال كاراس: «إن حظر البيتكوين أمر سخيف مثل حظر الماريوانا.  إذا كان لدي بذرة في جيبي، يمكنني زراعة حقول من المحاصيل.  إذا كان لدي 12 كلمة في رأسي، فلا يمكنك إيقافي».

وأشار كاراس إلى أن عملة البيتكوين هي بالفعل أكبر بكثير من حيث القيمة السوقية من الشيكل اليوم.  يعتقد أن البلدان ستضطر إلى إضافة عملة البيتكوين إلى ميزانياتها العمومية كأصل احتياطي وجعلها مناقصة قانونية، أو محاولة حظر أو محاربة البيتكوين، وهي معركة سيخسرونها، وسيُضطرّون إلى الشراء لاحقًا بسعر أعلى.

كاراس ناقد كبير لعملات البنوك المركزية الرقمية، وقال إن النقد مفيد لأنه خصوصي ولا يمكن إيقافه.

وقال: «سأعارض بشدة استبدال النقد بعملات البنك المركزي الرقمية: إنه شكل من أشكال السيطرة». «قد يضر عملك إذا جمد تويتر حسابك لمدة 72 ساعة.  قد يقتل عملك حرفيًا إذا لم يكن في المجتمع نقدٌ ولم تكن الحكومة راضية عن الذين رأتك ممسكًا بأيديهم قبل أن تجمّد حسابك».

لكن النقد، كما قال، عرضة للبخس دومًا، وهو ضارٌّ بقدرة الناس على الادخار على المدى الطويل.

وقال: «سيسمح ذلك بتنشئة جيل يؤمن أبناؤه بقدرتهم على الاستثمار في أنفسهم ووضع أموال كل شهر في مكان آمن يمكن أن يُقفل قفلًا زمانيًّا، ويمكن استخدامه ضمانًا».  «سيكون لهذا تأثير اجتماعي اقتصادي، في نهاية المطاف، على المستويين الشخصي والوطني للفلسطينيين والإسرائيليين».

وأضاف: «أخبّئ أموالي لأبنائي في البيتكوين»، «إن إيماني في البيتكوين أكبر من إيماني ببنك إسرائيل المركزي في السنوات العشرين القادمة، هذا وأنا داعم كبير لإسرائيل، فتأمّل».

يرى كاراس أن الدفع لأحد بالشيكل ديناميكية قوّة.

وقال: «يؤثّر هذا الأمر فيّ»، لذلك يعرض دائمًا على عملائه أن يدفع لهم بالبيتكوين. قال: «حتى لو كانوا يريدون أن يبيعوها، لا بدّ لهم في الأول من إنشاء محفظة ومحاولة فهمها».

عندما سئل عما إذا كان يعتقد أن إسرائيل قد تتخلف عن فلسطين في تبني عملة البيتكوين، قال إنه يضغط على الحكومة الإسرائيلية لتكون في طليعة الأمور.  ولكن إذا قام الفلسطينيون بالتحول إلى معيار البيتكوين أولاً، فإنه يعتقد أن ذلك سيجعل إسرائيل «تطاردهم».

قال كاراس إنه لا ينظر إلى نفسه على أنه غير متحيز، ويعرف أن بعض الفلسطينيين سيصفونه بمجرم الحرب، وبأنه «تجسّد بشري لكل محنهم».  لكنه قال إنه لا يزال قادرًا على الجلوس والتحدث عن البيتكوين مع الفلسطينيين.

وقال: «كلّنا نريد السيادة الماليّة، أنا مهتمّ بازدهار الجميع، لا ازدهار اليهود وحدهم».

النضال من أجل السيادة

يحاول الكثير من الفلسطينيين صدّ المستوطنات الإسرائيلية، ويرى بعضهم أن البيتكوين وسيلة ممكنة لدعم هذه الجهود، لأعرف المزيد عن هذا، تحدثت مع آدم البرغوثي، الذي يعني في الصندوق الاجتماعي الفلسطيني، وهي منظمة تموّلها الجالية الفلسطينية لدعم الأنشطة الزراعية في الضفة الغربية.

قال البرغوثي إن فلسطين «تعتمد اعتمادًا كاملًا على الإغاثات الأجنبية والواردات. تضاءلت سعتنا الإنتاجية. ليس لدينا سيادة». يؤمن أن المستقبل في «أن نصنع غذائنا لأنفسنا». خطته هي تنمية تعاونيات في أنحاء قرى الضفة الغربية، وإطلاق نموذج إداري لا يعتمد على أي مساعدات أجنبية أو السلطة الفلسطينية، إبل على «ما يملكه الأفراد ومجتمعاتهم».

بالطبع، هي رؤية يسارية. ذكرت له أنه هناك مجتمع بيتكوين لبرتاري (يميني) في الولايات المتحدة الأمريكية يحاول تحقيق اكتفاء زراعي ذاتي للخروج عن الشبكة، بتربية الحيوانات والمحاصيل، والسعي وراء الحرية والابتعاد عن الحكومة الفيدرالية.

قال البرغوثي «في نهاية الأمر نحن جميعنا بشر، ونحن محتلون من قبل إسرائيل وما نراه الآن أن لا بد من حل زراعي. الأميركان الذين تتحدث عنهم يمكن قد يكونوا محتلين من قبل الاستهلاكية، ولكنهم يسعون لنفس الغرض. كلاهما وجهان لعملة واحدة».

إن تحقيق الاستقلال الزراعي أمر صعب، وقال البرغوثي إن المستوطنات الإسرائيلية لم تزل تتوسع.

«إنهم يخنقوننا كما خُنق البانتوستانيون (بانتوستان منطقة جغرافية خصصتها إدارة الحزب الوطني في جنوب إفريقيا للسكان السود، أي السكان الأصليين في جنوب إفريقيا وجنول غرب إفريقيا)، أوّلًا، يأخذون قمم الهضاب، ثم يذهبون إلى أخصَب التُّرَب، كالمناطق المحيطة بالبحر الميت، هذه الأماكن رائعة لزراعة المنتجات على مدار السنة».

ذكرت وكالة بتسليم أن ثُمن الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية فقط مزروع، بسبب نظام التصاريح الإسرائيلي الصارم.

قال البرغوثي: «يجب أن نبدأ بما لدينا، الأرض المحيطة بمنازلنا، يمكننا البدء في بناء اقتصاد مقاوم يكون لا مركزيًّا ويزداد لامركزيّة».

وقال: «إن الاكتفاء الذاتي الزراعي كان روح الانتفاضة الأولى، لكن ياسر عرفات وأعوانه من منظمة التحرير الفلسطينية ضحوا بذلك من أجل المال والمكاسب الشخصية».

«علينا أن نحاول مرة أخرى».

مشكلة كبيرة يواجهها البرغوثي وفريقه هي أن أي أموال تدخل فلسطين تخضع للتفتيش الإسرائيلي. بتحكم الإسرائيليون بالحدود المالية. يؤخّرون الأموال، ويفرضون ضرائب عليها، ويقللونها ويصادرونها أحيانًا.

وقال: «متى ما رأوا أننا خطر، جمّدوا أموالنا في ثوانٍ، ولو كنّا في كندا»، لذلك يخطط هو وفريقه للتموّل بالبيتكوين، ليخرجوا من النظام المقيّد كلّه. يعمل فريقه اليوم على إعداد خادم BTCPay ، وهو معالج مدفوعات مفتوح المصدر.

لكن البرغوثي يريد أن يوضح أن العملة المعادية للاستعمار هي بحد ذاتها حل غير كامل.

وقال «الحرية النقدية يجب أن تسير يدا بيد مع بناء قوتنا الإنتاجية» «في نهاية المطاف، كل عملة هي اسم مستعار للموارد، وعلينا إنشاء مواردنا الخاصة من الطبيعة وبناؤها في منتجات قيمة يمكن استخدامها في مجتمعنا لزيادة الابتكار والتعليم والرعاية الصحية والأمن الغذائي».

وأضاف: «عندما نفعل ذلك، يجب علينا نحن الفلسطينيين أن نستخدم عملة نسيطر عليها، وليست عملة مرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي أو البترودولار (الدولار الأمريكي) أو أي شيء آخر».

مستقبل البيتكوين في فلسطين

قبل بضعة أسابيع، أعلنت الحكومة الإسرائيلية علنا عن مصادرة أموال بالبيتكوين مرتبطة بحركة حماس. يبدو من المؤكد أن الجيش الإسرائيلي سيبدأ في شيطنة عملة البيتكوين كأداة للإرهابيين وربما يجعل استخدامها أكثر صعوبة على الإسرائيليين والفلسطينيين.

بالنظر إلى أن الحكومة الإسرائيلية أعطت الأولوية لمركزية أكبر عدد ممكن من التدفقات الاقتصادية تحت سيطرتها من وإلى غزة والضفة الغربية، فمن المرجح أن أي أموال تتحرك خارج «القنوات الرسمية» ستعتبر مشبوهة. قد يكون هذا عائقًا أمام التبني المستقبلي.

ولكن اليوم، أسواق Paxful وLocalBitcoins نابضة بالحياة من نظير إلى نظير في فلسطين. إذا تبنت البيتكوين مئات الشركات الفلسطينية ومئات الآلاف من الأفراد، فقد يصبح احتجاجا سلميا قويا بشكل ملحوظ.

هاهنا احتمال هنا بالنسبة للفلسطينيين – أو أي فئة سكانية مستضعفة، سواء كانت محاصرة بسبب الاحتلال الأجنبي، أو الاستبداد المحلي، أو الاقتصاد المنهار، أو الافتقار الهيكلي للفرص-  لاعتماد البيتكوين عملة جديدة. لقد اختار ملايين الأفراد هذا بالفعل، في تركيا والأرجنتين ونيجيريا وإيران ولبنان وغيرها.

أكثر من ثلثي الفلسطينيين تقل أعمارهم عن 30 عام، وأكثر من 70٪ لديهم اتصال بالإنترنت. يشعر الشباب بارتياح أكبر لفكرة الأموال عبر الهاتف المحمول، ويبحثون عن حلول تكنولوجية لمشاكلهم. إنها مخاطرة، لكن البيتكوين اقتصاد حلقي يمكن أن يمنح الفلسطينيين مكانة جيدة على جيرانهم، ويضعهم في وضع جيد نسبيا للقرن المقبل.

قدمت السلفادور نموذجا وطنيا لكيفية استخدام البيتكوين ليس فقط كأداة توفير للاستثمار في المستقبل، ولكن أيضا كشبكة دفع يمكن أن تسمح للمواطنين بالتواصل مع أي شخص في العالم على الفور.

هل يمكن أن تكون فلسطين سلفادور الشرق الأوسط؟ الرئيس نجيب بقيلة، في نهاية الأمر، فلسطيني. هاجر أجداده في الأصل إلى السلفادور من منطقتي القدس وبيت لحم أثناء استنزاف الإمبراطورية العثمانية. حتى أن والده اعتنق الإسلام وأصبح «إماما بارزا في سان سلفادور ومدافعًا علنيًّا عن القضية الفلسطينية».

اقتُبِس من بقيلة قوله إنه فخور جدًّا بأصوله الفلسطينية، وقد قال إنه «يودّ أن يرى دولة فلسطينية مزدهرة». ومن المفارقة أن يكون ذو أصلٍ فلسطيني أول زعيم عالمي يتبنّى البيتكوين عملة وطنية.

لا شك في أن الحكومة الإسرائيلية والحكومة الأمريكية والسلطة الفلسطينية والبنك الدولي والأمم المتحدة سوف يعارضون جميعًا خطوة كهذه. لقد استثمروا جميعا في الوضع الراهن. لذا فإن أي تبني يجب أن يأتي من قوة حراك الشعب.

أما بالنسبة للمحاولات التقليدية للإصلاح، فقد جرت في الأسابيع القليلة الماضية نقاش حول إعادة تسيير «اللجنة الاقتصادية المشتركة» (JEC) وهي المنظمة التي تم إنشاؤها في وقت بروتوكول باريس، والتي كان المفترض لها في نهاية المطاف صنع عملة جديدة للفلسطينيين. لم تجتمع اللجنة الاقتصادية المشتركة منذ عام 2009 واستخدمت إلى حد كبير للإشراف على العمليات في الأرض الفلسطينية المحتلة، لكن الوزراء الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية يخططون لتجديد JEC «وإزالة العقبات» أمام النشاط الاقتصادي للسلطة الفلسطينية.

لقد شاهد الفلسطينيون هذا الفِلم من قبل. لم تقدّم أي محاولة من جانب الحكومة الإسرائيلية لمساعدة السلطة الفلسطينية للشخص العادي في الضفة الغربية أو غزة أي شيء، إلّا تحويل المزيد من الأموال إلى قيادة السلطة الفلسطينية وإدخال ضوابط جديدة على الأرض. الأهداف المعلنة هذه المرة هي إصدار 17000 تصريح إضافي للعمال الفلسطينيين «للعمل في البناء والصناعة في إسرائيل» وتعزيز إدارة الوقود الفلسطينية. مرة أخرى، من المرجح أن يؤدي أي إصلاح هنا إلى تعميق اعتماد الفلسطينيين على الاقتصاد الإسرائيلي ووضع السلطة الفلسطينية على دعامة قلب إضافية للحياة.

مؤخرا، انتشر الخبر أن سلطة النقد الفلسطينية تدرس إنشاء «عملة رقمية للبنك المركزي»، وهي نوع جديد من الأصول يهدف إلى استبدال الأوراق النقدية والعملات المعدنية بعملة رقمية تحتفظ على الهواتف تحت مسؤولية البنك المركزي. كان النقاد حادين بقولهم: «لن تحل هذه العملة محل الشيكل أو الدينار أو الدولار. من المؤكد أنها لن تكون مخزنًا للقيمة أو وحدة محاسبة» بتعبير باري توبف وهو مستشار كبير سابق لبنك إسرائيل.

لم يعد الفلسطينيين قادرين على صك عملتهم -بناء على بروتوكول باريس- وحتى إذا كان بإمكانهم هذا، لا يوجد ضمان على أن السلطة الفلسطينية لن تستغل سيطرتها وتخلق تضخمًا هائلًا. إن سجلها في الأمور المالية ضعيف. قد يكون توبف على حق.

علاوة على ذلك، إن إنشاء عملة «فلسطينية» (رقمية أو غير ذلك) ينطوي على خطر إطالة اختلالات القوة الموجودة اليوم في الاقتصاد الفلسطيني. فهل هل ستوفر “شمولا” ماليا أم استبعادا ماليا عالميا؟

والأسوأ من ذلك، أن تحويل الاقتصاد الفلسطيني إلى اقتصاد رقمي -سواء كان خاضعا لسيطرة السلطة الفلسطينية أو البنك الدولي أو إسرائيل أو أي جهة أخرى – سيكون كارثيا على القدر القليل من الحرية التي يتمتع بها الفلسطينيون من النقد والاقتصاد غير الرسمي، حيث يمكنهم الادخار والتعامل خارج سيطرة الحكومة. إن من شأن عملات البنك المركزي الرقمية وضع قوائم سوداء وزيادة المصادرة والرقابة أكبر، بغض النظر عمن هو المسؤول عن التصميم.

نشاطيّة ليست مراءاة بالفضيلة

يمكن تصنيف الكثير من النشاطات الإلكترونية لفلسطين على أنها «إشارات فضيلة». ماذا يحقق نشر #FreePalestine في أرض الواقع؟ الحقيقة هي ان تأثيره بسيط جدا مقارنةً بمساعدة شخص ما على فهم كيفية استخدام البيتكوين ليستطيع تحقيق نوع من انواع الحرية: القدرة على حماية أمواله من المصادرة والتواصل مع أي شخص في العالم.

هؤلاء الناس الذين غصّ تاريخهم بالمصادرة، يمنحهم البيتكوين طريقة لحفظ ثمار أعمالهم ووقتهم في الفضاء الإلكتروني، بعيدًا عن سيطرة حماس أو إسرائيل أو السلطة الفلسطينية أو البنك الدولي، وهي بعد ذلك مؤمّنة بالرياضيات، إنه احتجاج سلمي، ودرعٌ رقمي، سيؤدّي إلى تغييرات كبيرة.

تأكدت بنفسي من ذلك خلال المقابلات العديدة التي أجريتها لكتابة هذا المقال. بالإضافة إلى الذين رويت قصصهم، تحدثت مع أكثر من عشرة فلسطينيين لتوضيح الصورة. يبدو أنهم جميعًا متفقون على بعض الأفكار:

أولاً، كما قال أحدهم، «إذا لم نأخذ الأمور بأيدينا، فلن نتقدم». هناك نقص هائل ومفهوم في الثقة بالسلطات من جميع الأطراف، وإدراك بأن الوضع الراهن سيستمر ان لم يُجرَّب حل جديد.

ثانيًا، إذا كان عدد قليل من الأشخاص يستخدمون البيتكوين، فيبدو أن الجميع يتفقون على أن السلطات ستلاحقهم. ولكن إذا استعمل العملة مئة ألف إنسان، فلن يقف في طريقهم شيء، إن بناء الحركة ركن أساسي.

ثالثًا، إذا لم يفهم اليساريون، واستمروا بمهاجمة البيتكوين من موقعهم المميز، فالأمر كما قال أحدهم، «يبدو لي أنهم مهتمون بالحديث عن المشكلة أكثر من إصلاحها». ثم قال: «ما هو حلهم؟».

يكره اليساريون البيتكوين عادةً أو يتجاهلونه، ولطالما وصف النقّاد اليساريون والاقتصاديون البيتكوين عديم الفائدة، وقالوا إنه مخطط بونزي، وقالوا إنه أداة للجريمة، وكارثة بيئية، وهلمّ جرًّا. لم تزل منظّمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان صامتين في شأن البيتكوين. نعم، لقد عملوا عملًا يُشكَر لهم في تفصيل معاناة الفلسطينيين، ولكن، لم لا يتكلمون عن تقنية يستعملها كثير من الفلسطينيين للتمكين؟ يمكن أن نقول الأمر نفسه عن المجتمع الدولي بالعموم. إذا كانوا فعلًا مهتمّين بتغيير الواقع على الأرض، فلا بد أن يشمل عملهم المال، والبيتكوين طريقة لفعل هذا.

خلال البحث عن المصطلح على المواقع الإلكترونية لمؤسسة الفكر الاقتصادي الفلسطيني “ماس” أو مجموعة الحريات المدنية الإسرائيلية بتسليم لم أجد اي نتيجة متعلقة بالبيتكوين وهذه الصمت محزن جدا. الواضح أن الفلسطينيين سيستمرون بتبني هذه العملة الحديثة. لكن غير الواضح هو دعم أنصارهم لهم في هذا المسعى من حول العالم.

ليس لدى الفلسطينيين في يومنا هذا اي استقلال نقدي، وهم مضطرون إلى استخدام عملة المحتل، وليسوا قادرين على زيادة قاعدة رأس مالهم، وقد أصبحوا استهلاكيين مثقلون بالديون، ويعتمدون بالكامل على المساعدات الخارجية، أما غزة فهي تواجه انهيارًا حضاريًّا.

عندما فكرت سارة روي مؤخرًا في «ما يجب فعله»، كان أحد استنتاجاتها أن «إنتاج المعرفة والعلم هو في حد ذاته مقاومة».

لن تخسر شيئُا بمشاركة المعلومات عن البيتكوين الذي ساعد الكثير من الفلسطينيين. قد يفعل أكبر مشروع مالي مفتوح المصدر في العالم ما أخفق في فعله كل شيء آخر.

أصلِح المال، يَصلحِ العالم

في مجتمع البيتكوين يُقال: «أصلِح المال، يصلح العالم».

المال مجرد جزء واحد من المجتمع. لكنه جزء مهم للغاية، وفي نهاية المطاف إذا لم يتمكن الفلسطينيون من إصلاح أموالهم فلن يتمكنوا من إصلاح عالمهم.

في نهاية مكالمتي مع عقاب قال لي أن يأس كثير من الناس في غزة حملهم على بيع منازلهم مقابل البيتكوين، وكذلك المشاريع التجارية.  وقال: «أي مشروع في غزة محكوم عليه بالفشل، لذلك يفضل صاحب الأعمال بيعه على الاحتفاظ به».

وقال إن حساباتهم تقول لهم إن أسعار العقارات «ستبلغ الصفر»، في غزة، لذا فإن سيناريو أسوأ الحالات، وهو أن ينهار البيتكوين، «هو الحال القائمة عندنا».

أما إذا استمرّ البيتكوين في مساره التاريخ وازدادت قيمته أمام العملات الورقية، فإنه «سيفتح لنا أبواب الحرّيّة».

وقال، قبل أن ننهي المكالمة: «أنا أدّخر لأطفالي، سيكون البيتكوين تذكرتي للخروج من هنا».

Tagged : / / / /

محاربة الاستعمار المالي بالبيتكوين

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: NoorSudan Hodl | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: يونيو 2021

لم تزل فرنسا تستعمل الاستعمار المالي لاستغلال خمسة عشر بلدًا إفريقيًّا، هل يشكّل البيتكوين المخرج؟

في خريف عام 1993، كانت عائلة الشاب فودي ديوب تدخر من أجل مستقبله. كان فودي شابًّا ذكيًّا يبلغ من العمر 18 عامًا يعيش في السنغال، أمامه طريق مشرق كلاعب كرة سلة ومهندس. ساعده والده المعلّم في المدرسة في العثور على الإلهام في أجهزة الكمبيوتر والتواصل مع العالم من حوله. وساعدته مواهبه الرياضية على الحصول على مِنَح دراسية في أوروبا والولايات المتحدة.

لكن عندما استيقظ صباح 12 يناير 1994، تغير كل شيء. بين ليلة وضحاها، فقدت عائلة فودي نصف مدخراتها. لم يكن السبب سرقةً أو سطوًا على البنوك أو إفلاس شركة ولكن بخسًا لقيمة العملة، فرضَتْه قوة أجنبية مقرها على بعد 5000 كيلومتر من السنغال.

في الليلة السابقة، التقى المسؤولون الفرنسيون مع المسؤولين الأفارقة في داكار لمناقشة مصير “فرنك مجتمع إفريقيا الفرنسي”، المعروف على نطاق واسع باسم الفرنك الإفريقي أو “سيفا” باختصار. طول حياة فودي، كان فرنك سيفا مربوطًا بالفرنك الفرنسي بمعدل 1 إلى 50، ولكن عندما انتهى الاجتماع في وقت متأخر من الليل، أُعلن في منتصف الليل أن القيمة الجديدة هي بمعدل 1 إلى 100.

المهزلة الوقحة هي أن المصير الاقتصادي لملايين السنغاليين كان خارج أيديهم تمامًا. وكان التخلص من الأسياد الاقتصاديين مستحيلًا تمامًا مهما زادت الاحتجاجات. لعقود طويلة، جاء رؤساء ومستعمرون وذهبوا، لكن الترتيب المالي الأساسي لم يتغير أبدًا. لم يكن النظام نظام عملة ورقية عاديًّا، بل كان أمكر وأشدّ غدرًا. كان نظام استعمار مالي.

آليّات نظام الفرنك الإفريقي

في الكتاب المنير للبصيرة، “آخر عملة استعمارية لإفريقيا: قصة الفرنك الإفريقي“، يروي الباحثان الاقتصاديان فاني بيجود وندونغو سامباسيلا التاريخ المأساوي، بل الصادم أحيانًا، للفرنك الإفريقي.

استعمرت فرنسا، مثل القوات الأوروبية الأخرى، العديد من الدول حول العالم في أوجها الإمبراطوري، بوحشية في كثير من الأحيان. بعد احتلال ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بدأ تفكك “الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية”. حارب الفرنسيون للحفاظ على مستعمراتهم، فخلّفوا جرّاء ذلك خسائر بشرية هائلة. على الرغم من سلسلة حروب عالمية مكلفة، فقدت الإمبراطورية الفرنسية الهند الصينية، ثم سوريا ولبنان، وفي النهاية، الأراضي الفرنسية في شمال إفريقيا، ومنها المستعمرة الاستيطانية الغنية بالنفط والغاز: الجزائر. لكن فرنسا كانت مصممة على ألا تفقد أراضيها في غرب إفريقيا ووسطها. فقد وفرت هذه القوى البشرية العسكرية خلال الحربين العالميتين وقدمت ثروة من الموارد الطبيعية كاليورانيوم والكاكاو والأخشاب والبوكسيت اغتنت بها العاصمة الفرنسية.

مع اقتراب عام 1960، أصبح إنهاء الاستعمار أمرًا لا مفر منه. توحدت أوروبا في فك ارتباطها بإفريقيا بعد سنين طويلة من النهب. لكن السلطات الفرنسية أدركت أن بإمكانها أكل الكعكة والاحتفاظ بها معًا، إذا هي تنازلت عن السيطرة السياسية وأبقت على السيطرة النقدية.

لا يزال هذا الميراث قائماً حتى اليوم في 15 دولة تستعمل اللغة الفرنسية وتستخدم عملة تسيطر عليها باريس: السنغال، مالي، ساحل العاج، غينيا بيساو، توغو، بنين، بوركينا فاسو، النيجر، الكاميرون، تشاد، الجمهورية الإفريقية الوسطى، الجابون، غينيا الاستوائية، وجمهورية الكونغو، وجزر القمر. في عام 2021، لا يزال الفرنسيون يمارسون السيطرة النقدية على أكثر من 2.5 مليون كيلومتر مربع من الأراضي الإفريقية، وهي مساحة تكافئ 80٪ من مساحة الهند.

بدأت فرنسا إنهاء الاستعمار رسميًا في عام 1956 عن طريق قانون “لا لوا كادر ديفير” (قانون الإصلاح)، وهو تشريع يمنح المستعمرات مزيدًا من الاستقلالية والحرية لإنشاء المؤسسات الديمقراطية وحقوق الاقتراع العام. وفي عام 1958، تم تعديل الدستور الفرنسي لتأسيس “لا كوميونيتي” (المجتمع): مجموعة مستقلة من أقاليم ما وراء البحار ذات الإدارة الديمقراطية. قام الرئيس شارل ديغول بجولة في المستعمرات في غرب ووسط إفريقيا لتخييرها بين حل الحكم الذاتي دون الاستقلال، من خلال “المجتمع” وبين الاستقلال التام الفوري. وأوضح أن الخيار الأول سيأتي بمنافع واستقرار، والخيار الثاني سيجرّ مخاطر وفوضى.

في عام 1960، كان عدد سكان فرنسا -وهو ٤٠ مليون نسمة- أكبر من عدد سكان دول مجتمع إفريقيا الفرنسي الخمس عشرة -وهو ٣٠ مليون نسمة-. أما اليوم، فيعيش 67 مليون نسمة في فرنسا و183 مليونًا في دول المجتمع. وحسب توقعات الأمم المتحدة، بحلول العام 2100، سيكون لدى فرنسا 74 مليون نسمة، ولدى دول المجتمع أكثر من 800 مليون. فإذا نظرنا إلى أن فرنسا لم تزل على رأس المصير المالي لهذه البلدان، رأينا أن الوضع شبيه بالفصل العنصري الاقتصادي.

كان الفرنك الإفريقي في أول أمره عام 1945، يساوي 1.7 فرنك فرنسي. في عام 1948، تم تعزيزه إلى 2 فرنك فرنسي. ولكن مع الوقت رُبط الفرنك الإفريقي باليورو في نهاية التسعينيات، فأصبح يساوي 0.01 فرنك فرنسي. وهو بَخْس إجمالي لقيمة العملة بنسبة 99.5٪. في كل مرة خفضت فيها فرنسا قيمة الفرنك الإفريقي، زادت قوتها الشرائية مقابل مستعمراتها السابقة، وزادت تكلفة استيراد السلع الحيوية عليهم. في عام 1992، استطاع الشعب الفرنسي التصويت على تبني اليورو من خلال استفتاء وطني. أما دول مجتمع إفريقيا الفرنسي فحُرمت من أي حق تصويت، واستُبعدت من المفاوضات التي رُبطت فيها أموالهم بعملة جديدة.

تطورت آلية المجتمع الفرنسي منذ إنشائه، لكن وظائفه الأساسية وطرائق استغلاله لم تتغير. يصف بيغود وسيلا هذه الوظائف والطرائق بـ “نظرية التبعية”، إذ “تُستنْزَف موارد الدول النامية المحيطية باستمرار لصالح الدول الغنية… ولا تستثمر الدول الغنية في الدول فقيرة الدخل لجعلها أكثر ثراءً … [هذا] الاستغلال تطور بمرور الوقت من أنظمة العبودية الوحشية إلى وسائل أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا للحفاظ على العبودية السياسية والاقتصادية “.

تخدم ثلاثة بنوك مركزية اليوم دول المجتمع الفرنسي الخمس عشرة: البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وبنك دول إفريقيا الوسطى (BEAC)، والبنك المركزي لجزر القمر (BCC). تحتفظ البنوك المركزية باحتياطات النقد الأجنبي (أي المدخرات الوطنية) للدول الفردية في منطقتها، التي يجب أن تُبقي على نسبة مذهلة تبلغ 50٪ لدى الخزانة الفرنسية. هذا الرقم، رغم ارتفاعه، هو نتيجة مفاوضات تاريخية. في الأصل، كان على المستعمرات السابقة الاحتفاظ بنسبة 100٪ من احتياطاتها في فرنسا، ثم في سبعينيات القرن الماضي، اكتسبت حق السيطرة على بعضها والتنازل عن 65٪ “فقط” لباريس. ليس لدول مجتمع إفريقيا الفرنسي أي سلطة على احتياطاتها المخزنة في الخارج. في الواقع، لا تعرف هذه الدول أصلًا كيف تنفَق أموالها. وفي الوقت نفسه، تعرف باريس بالتفصيل كيف تُنفَق أموال كل دولة من دول المجتمع الفرنسي حيث تدير “حسابات تشغيل” لكل بلد عن طريق البنوك المركزية الثلاثة.

على سبيل المثال عندما تبيع شركة من ساحل العاج قهوة قيمتها مليون دولار لمشتر صيني، يُبدَّل اليوان من المشتري باليورو في سوق العملات الفرنسية. ثم تستودع الخزانة الفرنسية اليورو وتضيف المبلغ بالفرنك الإفريقي إلى حساب الدين لساحل العاج في BCEAO، ثم تحول بعد ذلك إلى حساب صانع القهوة محليًا. كل الخطوات تمر عبر باريس. وفقًا لـ بيغود وسيلا، لا تزال فرنسا تصنع جميع العملات الورقية والعملات المعدنية المستخدمة في دول المجتمع الفرنسي، وتتقاضى 45 مليون يورو سنويًا مقابل الخدمة وهي أصلًا تمتلك 90 ٪ من احتياطي الذهب لهذه الدول، حوالي 36.5 طنًا.

يمنح نظام المجتمع الفرنسي خمس ميزات رئيسية للحكومة الفرنسية: مزيدًا من الاحتياطات تحت تصرفها، وأسواقًا كبيرة للصادرات الغالية و الواردات الرخيصة، وقدرةً على شراء المعادن الاستراتيجية بعملتها المحلية دون استنزاف احتياطاتها، وقروضًا ملائمة عندما تكون دول المجتمع الفرنسي في حالة ائتمان، ومعدلات فائدة مناسبة عندما تكون الدول مدينة (لفترات من التاريخ، تجاوز معدل التضخم الفرنسي معدل فائدة القرض، أي إن فرنسا كانت تجبر دول مجتمع إفريقيا الفرنسي على دفع رسوم لتخزين احتياطاتها في الخارج)، وأخيراً، القرض المزدوج، الذي تقترض بموجبه دولة من دول المجتمع الفرنسي أموالاً من فرنسا، وفي سعيها لاستعمال رأس المال، ليس أمامها خيار إلا أن تتعاقد مع شركات فرنسية بسبب ظروف الاقتصاد الكلي السيئة. فيعود أصل القرض إلى فرنسا على الفور ولكن الدولة الإفريقية تبقى مُثقلة بأصل الدين والفائدة.

هذا يؤدي إلى ظاهرة شبيهة بـ”إعادة تدوير البترودولار” (التي تحصل فيها المملكة العربية السعودية على دولارات من مبيعاتها النفطية، لتستثمرها مرة أخرى في سندات الخزانة الأمريكية)، حيث كان مصدرو دول المجتمع الفرنسي يبيعون المواد الخام لفرنسا تاريخيًا، ويجمع البنك المركزي الإقليمي جزءًا من العائدات ليستثمرها مرة أخرى في ديون البلد الأمّ من خلال ديون الحكومات الفرنسية أو الأوروبية اليوم. ثم عندنا الصرافة الانتقائية للفرنك الإفريقي. يمكن للشركات بسهولة بيع الفرنك الإفريقي مقابل اليورو اليوم (والفرنك الفرنسي سابقًا)، ولكن لا يمكن للمواطنين الذين يحملون الفرنك الإفريقي خارج منطقة البنك المركزي تصريفه رسميًا في أي مكان. فالفرنك تقريبًا عديم الفائدة مثله مثل الطوابع البريدية. فإذا أرادت مواطنة من ساحل العاج مغادرة بلدها، وجب عليها أوّلًا تصريف أموالها باليورو، لتختلس الخزانة الفرنسية والبنك المركزي الأوروبي منها أجر الصكّ من خلال سعر الصرف.

القمع النقدي هو أن فرنسا تجبر دول المجتمع الفرنسي على الاحتفاظ بكمية ضخمة من الاحتياطيات في الخزائن الباريسية، وهو ما يمنع الأفارقة من تأسيس ائتمان محلي. فتضطر البنوك المركزية المحلية الإفريقية إلى إقراض القليل جدًا بمعدلات عالية جدًا، بدلاً من إقراض المزيد بمعدلات منخفضة. فتجبر دول المجتمع الفرنسي على شراء الديون الفرنسية أو الأوروبية باحتياطاتها الاستراتيجية.

وأدهَش الأشياء هو مزيّة حق الرفض الأول على الواردات والصادرات. إذا كنت منتج قطن في مالي، فيجب عليك أولًا عرض بضائعك على فرنسا، قبل أن تذهب إلى الأسواق الدولية. أو إذا كنت في بنين وتريد بناء مشروع بنية تحتية جديد، فيجب أن تفكر في المناقصات الفرنسية قبل غيرها. كان هذا يعني تاريخيًّا أن فرنسا كانت قادرة على الوصول إلى سلع أرخص من السوق من مستعمراتها السابقة، وبيع سلعها وخدماتها بأسعار أعلى من السوق.

يسمي بيغود وسيلا هذه الظاهرة استمرار “الميثاق الاستعماري”، الذي قام على أربعة مبادئ أساسية: “منع المستعمرات من التصنيع، وإجبارها على تزويد البلد الأم (فرنسا) بالمواد الخام لكي تحولها إلى منتجات ثم تبيعها مرة أخرى للمستعمرات نفسها، حق البلد الأم (فرنسا) باحتكار الصادرات والواردات الاستعمارية وحقها أيضًا باحتكار شحن منتجات المستعمرات إلى الخارج، وأخيرًا، تفضيل البلد الأم لمنتجات المستعمرات”.

والنتيجة، حالةٌ “تتوفر فيها احتياطات القطع الأجنبي مع البنوك المركزية، وتدفَع عليها فوائد سلبية، فتحتفظ البنوك التجارية بسيولة زائدة، ويحصَّص الوصول إلى ائتمان المنازل والشركات، وتُلزَم فيها الدول بازدياد على الالتزام بديون بعملات أجنبية عليها نسب فائدة عالية لا يمكن دفعها، وهو ما يزيد هروب رؤوس الأموال أكثر.

اليوم، أصبح نظام المجتمع الفرنسي “إفريقيًا”، أي إن العملات الورقية المحلية تُظهر الثقافة الإفريقية ونباتات إفريقيا وحيواناتها، وتقع البنوك المركزية في داكار وياوندي وموروني ولكن هذه تغييرات سطحية. لا تزال الأوراق النقدية تُصنع في باريس، ولا تزال السلطات الفرنسية تدير حسابات التشغيل، ولا يزال المسؤولون الفرنسيون أعضاءً في مجالس الإدارة للبنوك المركزية المحلية ويملكون حق النقض (الفيتو). إنه وضع ملفت، يتخذ قرارات مواطن الغابون فيه موظّف فرنسي نيابة عنه. تمامًا كما لو كان لدى البنك المركزي الأوروبي أو الاحتياطي الفيدرالي مسؤولون من اليابان أو روسيا يقررون نيابة عن الأوروبيين والأمريكيين.

تاريخيا عمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتنسيق مع فرنسا لفرض نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي وقلّما انتقد طبيعته الاستغلالية. في الواقع، قضى نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية، الذي قاد فيه الأمريكيون البنك الدولي والأوروبيون صندوق النقد الدولي، بأن منصب المدير العام لصندوق النقد الدولي محجوز غالبًا لمسؤول فرنسي، وتشغله اليوم الفرنسية كريستين لاغارد. مع مرور السنين، ساعد صندوق النقد الدولي فرنسا في الضغط على دول مجتمع إفريقيا الفرنسي لمتابعة سياساتها. كان المثال البارز في أوائل التسعينيات، عندما رفض ساحل العاج تخفيض قيمة عملته، لكن أصر الفرنسيون على هذا ذلك. يقول بيغورد وسيلا: “في نهاية عام 1991، رفض صندوق النقد الدولي إقراض المال لساحل العاج، وعرض على البلد خيارين. فإما أن تسدد الدولة الديون المتعاقد عليها مع الصندوق وإما ان تقبل بتخفيض قيمة العملة “. وخضعت ساحل العاج ودول الاتحاد المالي الإفريقي الأخرى ووافقت على تخفيض قيمة العملة بعد ثلاث سنوات.

دعمُ المسؤولون الفرنسيون gلطغاة في دول المجتمع الفرنسي على مدى العقود الستة الماضية مناقضةٌ للقيم المدنية التي بنيت عليها فرنسا: “الحرية، والمساواة، والإخاء”. على سبيل المثال، قضى ثلاثة طغاة -هم عمر بونغو في الغابون، وبول بيا في الكاميرون، وغناسينغبي إياديما في توغو- 120 عامًا في السلطة مجتمعين. كانت شعوبهم تريد طردهم من مناصبهم لو لم يقدم الفرنسيون المال والأسلحة والغطاء الدبلوماسي لهم. ذكر بيغورد وسيلا أن باريس في 1960 و1991، “نفذت ما يقرب من 40 تدخلاً عسكريًا في 16 دولة للدفاع عن مصالحها”. هذا الرقم هو بالتأكيد أعلى اليوم.

بمرور الوقت، سمح نظام المجتمع الفرنسي لفرنسا باستغلال موارد وعمالة دول المجتمع الفرنسي ومنع تراكم رأس المال وتطوير الاقتصاد ونمو الصادرات. هذا سبب كارثه على التنمية البشرية.

اليوم يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم في ساحل العاج (بالدولار) حوالي 1700 دولار، مقارنة بـ 2500 دولار في أواخر السبعينيات. في السنغال، لم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم المرتفعات التي بلغها في الستينيات حتى عام 2017. كما لاحظ بيغورد وسيلا، “سجلت 10 ولايات في منطقة الفرنك أعلى مستوياتها من متوسط ​​الدخل قبل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في الأربعين سنة الماضية، تدهور متوسط ​​القوة الشرائية في كل مكان تقريبًا. في الغابون، تم تسجيل أعلى متوسط ​​دخل في عام 1976، أقل بقليل من 20000 دولار. بعد أربعين عامًا، تقلص الى النصف. انضمت غينيا بيساو إلى [نظام المجتمع الفرنسي] في عام 1997، وهو العام الذي سجلت فيه ذروة متوسط ​​دخلها. بعد 19 عامًا، انخفض بنسبة 20٪ “.

تعتبر الأمم المتحدة أن دول المجتمع الفرنسي العشر من الدول “الأقل نمواً”، إلى جانب دول مثل هايتي واليمن وأفغانستان. في تصنيفات دولية مختلفة، صُنّفت النيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وغينيا بيساو من أفقر البلدان في العالم. تحتفظ فرنسا بنسخة متطرفة مما سماه ألين فارينجتون “منجم سلب رؤوس الأموال“.

لخص السياسي السنغالي أمادو لامين غيي نظام المجتمع الفرنسي بأنه نظام على المواطنين فيه “واجبات فقط وليس لهم حقوق”، وأن “مهمة الأراضي المستعمَرة هي الإنتاج الكثير، وإنتاج ما يتجاوز احتياجاتهم الخاصة، والإنتاج على حسابهم. من أجل رفع المستوى المعيشي لفرنسا وتأمين الإمدادات لها”. بالطبع، تقاوم فرنسا هذا الوصف وترفضه. كما قال وزير الاقتصاد الفرنسي ميشيل سابين في أبريل 2017، “فرنسا موجودة هناك كصديق”.

قد يسأل القارئ: هل تقاوم الدول الإفريقية هذا الاستغلال؟ الجواب هو نعم، لكنهم يدفعون ثمناً باهظاً. أدرك القادة القوميون الأوائل من حقبة الاستقلال الإفريقي القيمة الحاسمة للحرية الاقتصادية.

صرّح كوامي نكروما في عام 1963: “ليس الاستقلال سوى مقدمة لنضال جديد وأكثر تعقيدًا من أجل الحق في إدارة شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية [..] دون عائق من سحق وإهانة السيطرة والتدخل الاستعماري الجديد”. الحركة التي جعلت من غانا أول دولة مستقلة في إفريقيا جنوب الصحراء. لكن على مدار تاريخ منطقة المجتمع الفرنسي كان تصرف القادة الوطنيين الذين واجهوا السلطات الفرنسية سيّئًا.

في عام 1958 حاولت غينيا المطالبة باستقلالها النقدي. في خطاب شهير، قال القومي المشاغب سيكو توري لشارل ديغول الزائر: “نفضل الفقر في الحرية على البذخ في العبودية”، وبعد فترة قليله غادر نظام المجتمع الفرنسي. وفقًا للواشنطن بوست، “ردًّا على الانسحاب، وتحذيرًا للمناطق الأخرى الناطقة بالفرنسية، انسحب الفرنسيون من غينيا خلال فترة شهرين، وأخذوا معهم كل ما في وسعهم. فكّوا مصابيح الكهرباء، وأزالوا مخططات خطوط أنابيب الصرف الصحي في العاصمة كوناكري، وأحرقوا الأدوية لئلا يتركوها للغينيين “.

 ثم أطلق الفرنسيون عملية برسيل  الانتقامية لزعزعة الاستقرار، حيث قامت المخابرات الفرنسية وفقًا لبيغورد وسيلا بتزوير كميات ضخمة من الأوراق النقدية الغينية الجديدة ثم سكبها سكبًا جماعيًّا في البلاد.  وهو ما سبب “انهيار الاقتصاد الغيني”. تحطمت آمال البلاد الديمقراطية ومواردها المالية، وتمكن توري من ترسيخ سلطته في الفوضى وبدء حكمه الوحشي الذي طال 26 عامًا.

في يونيو 1962 ، أعلن زعيم الاستقلال المالي موديبو كيتا أن مالي ستغادر المجتمع الفرنسي لسك عملتها الخاصة. وأوضح كيتا بالتفصيل أسباب هذه الخطوة، مثل التبعية الاقتصادية المفرطة (80٪ من واردات مالي تأتي من فرنسا)، وتركيز سلطات اتخاذ القرار في باريس، وتوقف التنويع الاقتصادي والنمو.

وقال عن الوضع الحالي “صحيح أن رياح إنهاء الاستعمار قد مرت على الصرح القديم ولكنها لم تهزه كثيرا”. رداً على ذلك، جعلت الحكومة الفرنسية الفرنك المالي غير قابل للصرف. فجرّ ذلك أزمة اقتصادية عميقة، وأطيح بكيتا في انقلاب عسكري في عام 1968. فاختارت مالي العودة للمجتمع الفرنسي لكن الفرنسيين فرضوا تخفيضين لقيمة الفرنك المالي شرطًا للرجوع، ولم يسمحوا بالعودة مرة أخرى. حتى 1984.

في عام 1969، طلب الرئيس حماني ديوري النيجري ترتيبًا أكثر “مرونة”، لتتمتع بلاده باستقلال نقدي أكبر، لكن الفرنسيين رفضوا. وهددوه بوقف دفع ثمن اليورانيوم الذي كانوا يحصدونه من مناجم الصحراء، الذي يمنح فرنسا الاستقلال في مجال الطاقة من خلال الطاقة النووية. بعد ست سنوات، أطاح الجنرال سين كونتشي بحكومة ديوري، قبل ثلاثة أيام من الاجتماع المخطط لإعادة التفاوض لسعر اليورانيوم النيجيري. أراد ديوري رفع الثمن، لكن السادة المستعمرين اختلفوا معه. كان الجيش الفرنسي متمركزًا في مكان قريب أثناء الانقلاب، لكنه، كما ذكر بيغود وسيلا، لم يحرك ساكنًا.

في عام 1985، سُئل القائد العسكري الثوري توماس سانكارا من بوركينا فاسو في مقابلة، “هل الفرنك الإفريقي سلاح للهيمنة على إفريقيا؟ هل تخطط بوركينا فاسو لمواصلة تحمل هذا العبء؟ لماذا يحتاج الفلاح الإفريقي في قريته إلى عملة قابلة للصرف؟ ” أجاب سنكارا: “لا يهم الفلاح الإفريقي إذا كانت عملته قابلة للصرف أو لا، فقد انغمس ضد إرادته في نظام اقتصادي لا حول له ولا قوة ضده “.

اغتيل سانكارا بعد ذلك بعامين على يد صديقه المقرب والثاني في القيادة، بليز كومباوري. لم تعقد محاكمة للتحقيق عن الجريمة. بل استولى كومباوري على السلطة والحكم حتى عام 2014، وكان خادمًا مخلصًا ووحشيًا لنظام المجتمع الفرنسي.

نضال فريدة نامبوريما في سبيل الحرية المالية التوغولية

في كانون الأول (ديسمبر) 1962، قرر أول زعيم توغولي بعد الاستعمار سيلفانوس أوليمبيو إنشاء بنك توغو المركزي والفرنك التوغولي. لكن في صباح يوم 13 يناير / كانون الثاني 1963، قبل أيام من اقترابه من هذا الانتقال، قُتل برصاص جنود توغوليين كانوا قد تدربوا في فرنسا. كان نياسيجبي إياديما أحد الجنود الذين ارتكبوا الجريمة. استولى لاحقًا على السلطة وأصبح دكتاتور توغو بدعم فرنسي كامل، وحكم لأكثر من خمسة عقود وروج للفرنك الإفريقي حتى وفاته في 2005. ابنه يحكم حتى يومنا هذا. لم يحكَم في قضية جريمة قتل أوليمبيو.

لطالما شاركت عائلة فريدة نابوريما في النضال من أجل حقوق الإنسان في توغو. كان والدها زعيما نشطا للمعارضة وقبض عليه وأصبح سجينًا سياسيًّا. كان معارضًا للفرنسيين خلال الحقبة الاستعمارية. اليوم، فريدة شخصية بارزة في الحركة الديمقراطية في البلاد.

كانت فريدة تبلغ من العمر 15 عامًا عندما علمت أن تاريخ دكتاتورية توغو متشابك مع الفرنك الإفريقي. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت قد بدأت في مساءلة والدها، وطرحت عليه أسئلة حول تاريخ بلدها. فاستفسرت من أبيها “لماذا اغتيل رئيسنا الأول بعد سنوات قليلة من استقلالنا؟”.

فأجابها والدها: “لأنه قاوم الفرنك الإفريقي”

في عام 1962، بدأ أولمبيو التحرك نحو الاستقلال المالي والانقسام عن فرنسا. صوت البرلمان لصالح هذا التحول، وإنشاء فرنك توغولي والاحتفاظ بالاحتياطات في البنك المركزي الخاص بهم. صُدمت فريدة عندما علمت أن أوليمبيو اغتيل قبل يومين فقط من موعد مغادرة توغو للمجتمع الفرنسي. على حد تعبيرها: “اعتُبر قراره بالسعي إلى الحرية النقدية إهانة للهيمنة في إفريقيا الفرنكوفونية. كانوا خائفين من أن يتبعهم الآخرون “.

 في يومنا هذه تقول فريدة إن نظام المجتمع الفرنسي هو السبب الرئيس للسعي إلى الحرية، بالنسبة إلى كثير من النشطاء في توغو، “هذا ما يحرّك الكثيرين في المعارضة”.

الأسباب واضحة. قالت فريدة إن فرنسا تحتفظ بأكثر من نصف احتياطيات توغو في بنوكها، حيث لا يتمتع شعب توغو بأي رقابة على كيفية إنفاق هذه الاحتياطيات. في كثير من الأحيان، يتم استخدام هذه الاحتياطيات، التي يكسبها التوغوليون، لشراء الديون الفرنسية لتمويل أنشطة الشعب الفرنسي. غالبًا ما يتم إقراض هذه الأموال للسيادة الاستعمارية بعائد حقيقي سلبي. يدفع التوغوليون لباريس مقابل الاحتفاظ بأموالهم من أجلهم، وفي ذات الوقت يمولون المستويات المعيشية للشعب الفرنسي.

في عام 1994، أثر على التوغوليين بشدة بخس العملة الذي سرق مدخرات عائلة فودي ديوب في السنغال، لأنه سبب زيادة هائلة للدين الوطني، وخفض التمويل العام للبنية التحتية المحلية ومحاربة الفقر.

قالت فريدة: “تذكر، إن حكومتنا مجبرة على منح الأولوية للاحتفاظ باحتياطاتنا في البنك الفرنسي على الإنفاق في بلادنا، لذلك عندما تأتي أزمة، علينا أن نحط من قدر أنفسنا، لضمان وجود مبلغ مناسب من النقد في أيدي الباريسيين. “

هذا يخلق مناخًا من التبعية حيث يضطر التوغوليون إلى شحن المواد الخام إلى الخارج وإحضار السلع التامة الصنع دون حفر طريقها المستقل.

قالت فريدة إنه منذ حوالي 10 سنوات، اكتسبت الحركة المناهضة للمجتمع الفرنسي مزيدًا من الدعم. بفضل الهواتف الجوالة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمكن الناس من الاتحاد والتنظيم بطريقة لامركزية. قالت إنها اعتادت أن يكون سكان ساحل العاج والتوغو يكافحون بشكل منفصل، لكن الآن هناك جهد إقليمي بين النشطاء.

لسنوات طويله ظهرت فكرة العملة “البيئية” لجميع دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، من ضمنها القوات الاقتصادية الإقليمية نيجيريا وغانا. قالت فريدة إن الفرنسيين حاولوا اختطاف هذه الخطة، وجعلوها وسيلة لتوسيع إمبراطوريتهم المالية. في عام 2013، شكل الرئيس آنذاك فرانسوا هولاند لجنة أنشأت وثيقة للمستقبل الفرنسي في إفريقيا. وذُكر في هذه اللجنة أنه من الضروري إشراك البلدان الناطقة بالإنجليزية مثل غانا.

تحاول إدارة إيمانويل ماكرون الآن إعادة تسمية الفرنك الإفريقي إلى الإيكو (BCEAO)، في عملية مستمرة لصبغ النظام الاستعماري المالي الفرنسية بصبغة إفريقية. تراجعت نيجيريا وغانا عن مشروع Eco، لأنهم أدركوا أن الفرنسيين سيستمرون في السيطرة. لم يحدث شيء رسمي حتى الآن، ولكن البلدان التي يديرها حاليًا البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO) تسير على الطريق الصحيح للتحول إلى هذه العملة الاقتصادية بحلول عام 2027. سيظل لدى الفرنسيين قدرة اتخاذ القرار، ولا توجد أي خطط رسمية لتقويم المصرفية المركزية في دول المجتمع الفرنسي أو في جزر القمر.

قالت فريدة: “إنها قمة النفاق من قبل القادة الفرنسيين مثل ماكرون أن يذهبوا إلى مؤتمرات دافوس ويقولوا إنهم أنهوا الاستعمار، وهم في الحقيقة يحاولون توسيعه”.

وقالت إنه في الأصل تم إنشاء الفرنك الإفريقي على أساس خطة العملة المستخدمة من قبل المحتلين النازيين لفرنسا. خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأت ألمانيا عملة وطنية للمستعمرات الفرنسية حتى تتمكن بسهولة من التحكم في الواردات والصادرات باستخدام رافعة مالية واحدة فقط. عندما انتهت الحرب واستعاد الفرنسيون حريتهم قرروا استخدام نفس النموذج تمامًا لمستعمراتهم. لذلك، قالت فريدة، إن أساس الفرنك الإفريقي هو حقًا أساس نازي.

إنه نظام عبقري شرير، تمكن به الفرنسيون مع مرور الوقت من طباعة النقود لشراء سلع حيوية من مستعمراتهم السابقة، لكن يتعين على تلك البلدان الإفريقية العمل لكسب الاحتياطيات المالية.

قالت فريدة: “هذا ليس عدلاً، إنه ليس استقلالاً”. “إنه استغلال تام.”

تدّعي فرنسا أن النظام جيّد لأنه يوفّر استقرارًا وتضخّمًا قليلًا وقابلية للتحويل للشعب التوغولي. لكن قابلية التحويل هذه لا تسهّل إلا هروب رأس المال، لأنها تسهّل على الشركات الخروج من المجتمع الفرنسي وحفظ أرباحهم باليورو، وفي الوقت نفسه توقع توغو في نظام قائم على أجر الصك. فحالما يحوّل الفرنك الإفريقي –ولا بد أن يحول، إذ لا يمكن استعماله خارج المنطقة الاقتصادية للمواطن- يأخذ الفرنسيون والأوروبيون حصتهم.

قالت فريدة إن التضخم في توغو منخفض فعلًا عنه في الدول المستقلة لكن الكثير من أرباحها تستعمل لمحاربة التضخم بدلاً من دعم البنية التحتية ونمو الصناعة في الداخل. وأشارت إلى نمو غانا التي تتمتع بسياسة نقدية مستقلة وتضخم كان أعلى بمرور الوقت من دول المجتمع الفرنسي مقارنة بتوغو. دولة غانا متفوقة بأي مقياس من حيث الرعاية الصحية، نمو الطبقة الوسطى والبطالة. في الواقع عندما تكبر الصورة قالت فريدة إنه لا توجد دولة واحدة من دول المجتمع الفرنسي من بين أغنى 10 دول في إفريقيا. أما أفقر 10 دول فنصفها من هذا المجتمع.

تقول فريدة إن الاستعمار الفرنسي يتجاوز المال إلى التعليم والثقافة. وقالت على سبيل المثال، يقدم البنك الدولي 130 مليون دولار سنويًا لدعم البلدان الناطقة باللغة الفرنسية لدفع ثمن كتب المدارس العامة. تقول فريدة إن 90٪ من هذه الكتب مطبوعة في فرنسا. تذهب الأموال مباشرة من البنك الدولي إلى باريس وليس إلى توغو أو إلى أي دولة إفريقية أخرى. قالت فريدة إن الكتب هي أدوات لغسيل المخ. إنهم يركزون على مجد الثقافة الفرنسية، ويقوضون إنجازات الدول الأخرى، سواء كانت أمريكية أو آسيوية أو إفريقية.

في المدرسة الثانوية، سألت فريدة والدها: “هل يستخدم الناس أي لغة أخرى غير الفرنسية في أوروبا؟” فضحك والدها. لقد تعلموا فقط التاريخ الفرنسي والمخترعين الفرنسيين والفلاسفة الفرنسيين. نشأت وهي تفكر أن الأذكياء الوحيدين هم فرنسيون. لم تقرأ قط كتابًا أمريكيًا أو بريطانيًا قبل سفرها إلى الخارج لأول مرة.

بشكل عام، قالت فريدة إن إفريقيا الفرنسية تستهلك 80٪ من الكتب التي تطبعها فرنسا. يريد الرئيس ماكرون التوسع في هذه الهيمنة ، ووعد بإنفاق مئات الملايين من اليورو لتعزيز الفرنسية في إفريقيا ، معلناً أنها يمكن أن تكون “اللغة الأولى” للقارة ووصفها “بلغة الحرية”. بالاتجاهات الحالية، عند حلول عام 2050، يمكن أن يعيش 85 ٪ من جميع المتحدثين باللغة الفرنسية في إفريقيا. اللغة هي أحد دعائم بقاء الفرنك الإفريقي.

السياسة شيء آخر. جزء مهم من نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي هو الدعم الفرنسي للديكتاتورية. باستثناء السنغال، لم تشهد أي دولة من دول الاتحاد المالي الإفريقي على الإطلاق عملية ديمقراطية حقيقية. قالت فريدة إن كل طاغية ناجح في إفريقيا الفرنكوفونية يتمتع بدعم كامل من الدولة الفرنسية. كلما حدث انقلاب على الديمقراطية، فإن الفرنسيين يدعمون الانقلابيين ما داموا يؤيدون مجتمع إفريقيا الفرنسي. لكن في اللحظة التي يكون فيها لأي شخص ميول معادية للفرنسيين، ترى عقوبات أو تهديدات أو حتى اغتيالات.

تشير فريدة إلى مثال تشاد ومالي اليوم. كلا البلدين تحت تهديد الإرهاب والتمرد. في تشاد، دعمت فرنسا الدكتاتور العسكري الراحل إدريس ديبي لمدة ثلاثة عقود حتى وفاته في أبريل. وفقًا للدستور التشادي، يكون رئيس البرلمان التالي في الترتيب ليكون رئيس الدولة، ولكن نصب الجيش ابن ديبي، وهو جنرال في الجيش. أشادت الحكومة الفرنسية بهذا الانتقال غير القانوني، حتى أن الرئيس ماكرون زار تشاد قبل شهرين للاحتفال بهذا الانتقال الوهمي. وفي خطاب تكريم، وصف ديبي بـ”الصديق” و “الجندي الشجاع” وقال: “لن تسمح فرنسا لأي شخص أن يشكك أو يهدد استقرار تشاد وسلامته اليوم أو غدًا”. الابن، بالطبع، سيروج للفرنك الإفريقي.

من ناحية أخرى، قالت فريدة إن مالي تعرضت لانقلاب بعد شهر من الانقلاب في تشاد. المجلس العسكري والسكان ليسوا ودودين مع باريس ويبدو أنهم يسعون لروسيا كشريك جديد لإعاقة الإرهاب.  وصفت الحكومة الفرنسية الانقلاب بأنه “غير مقبول”، وهددت بسحب القوات من مالي “لتركهم وحدهم مع الإرهابيين” حسب رواية فريدة. تعاقب فرنسا مالي لارتكابها نفس الشيء الذي فعلته تشاد. هناك استبداد وفساد من الجانبين. الاختلاف الوحيد هو أن مالي أرادت الابتعاد عن السيطرة النقدية الفرنسية، بينما لا تزال تشاد تتعاون.

قالت فريدة: “عندما تكون دكتاتورًا، إذا كنت تعمل لصالح فرنسا، فإنهم يواصلون البحث عن الأعذار لمساعدتك للبقاء في السلطة”. لقد فعلوا نفس الشيء في بلدها توغو في عام 2005، مما أدى إلى تولي ولي العهد للسلطة من بعد أبيه الدكتاتور، ومن ثم إلى صحوتها السياسية.

فودي ديوب في مهمة لجلب البيتكوين إلى السنغال

لم ‏يستطع فودي ديوب أن ‏ينظر إلى وطنه السنغال من الخارج إلى أن جاءت فرصة سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في البداية كان انخفاض قيمة العملة مقابل الفرنك في العام ١٩٩٤ مهددًا لمستقبله الأكاديمي. أتيحت له الفرصة أن يدرس ويلعب كرة السلة في جامعة كنساس، ولكن مدخرات أسرته كانت مدمرّة بالكامل. لحسن حظه كان أمام أسرته خيار آخر، فقد كان لوالده حقوق طبع في مواد تعليمية كان قد أعدّها من قبل، كان بإمكان والده أن يستدين بعض المال مقابلها لسد حاجة ابنه المال وليمكنه من الدراسة.

في يوم ما بعد عدة سنوات مضت وبعد تخرجه من الجامعة وبينما كان فودي يعيش في أمريكا وكان وقتها يهم بإعداد فيديو جديد مع أخيه وجد ڤيديو على اليوتيوب للدكتور شيخ أنتا ديوب العالم والمؤرخ السنغالي وكان يتحدث فيه عن المال واللغة وكيف أن الإثنين قد يكونان أدوات للتحكم بعقول البشر وطريقة حياتهم.

كان فودي قد سمع باسم ديوب من قبل – أكبر جامعة في السنغال مسماة باسمه – ولكنه لم يستمع إلى حديثه ونقده لنظام فرنك المجموعة الإفريقية الفرنسية لقد أثر فيه هذا الطرح بشدة لدرجة أنه وصفها بأنها كانت لحظة كاللحظة في فلم “The matrix” الذي كان أحد أفلامه المفضلة عندما أختار (نيو) أن يأخذ الحبة الحمراء من (مورفيوس) ويخرج من كبسولته إلى العالم الحقيقي. أخيراً أصبح قادرًا على رؤية الأشياء تمامًا على حقيقتها.

” لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي بدأت أفكر فيها بنفسي” يقول فودي، “المرة الأولى التي لاحظت فيها أن عملة بلدي نفسها هي آلية للتسلط؟

 يعتقد فودا أن الأمر أكبر من مجرّد تحكم في العملة. فالفرنسيون لديهم كل البيانات، لأنهم هم الذين يطبعون ويتحكمون بالمال من خلال حساباتهم التشغيلية.

” لقد كانوا يعرفون تماماً ما الذي يحدث في كل البلدان. يعرفون تماماً من الفاسد. يعلمون تماماً من الذي كان يشتري العقارات في فرنسا. يعلمون ما المتوفر بالداخل بل لديهم الحق في قبول أو رفض أولويات الاستيراد التفضيلي. لقد كانت لديهم هيمنة كاملة” يقول فودي

سيتذكر في وقت لاحق خفض قيمة العملة في عام ١٩٩٤. وقتها كان عمره ١٨ عاماً فقط ولم يكن يستوعب تماماً ما حدث سوى أن وضع أسرته المادي أصبح أسوأ من قبل.

“كأنهم وضعوا كيسًا حول رأسك لكيلا ترى الحقيقة”

لكن بالعودة إلى الوراء نجد أن جزءًا كبيرًا من النقاش العام كان هذا الأمر. لقد فهم الناس ما يدور عندما حاولوا أن يحولوا عملتهم إلى الفرنك الفرنسي ووجدوا أنهم يحصلون فقط على نصف قيمة المبلغ رغم أنهم كانوا يؤدون نفس كمية العمل، التفسير من الجانب الفرنسي يقول فودي، هو جعل الصادر أرخص من قبل لكي يشجعوا الدول الإفريقية على الإنتاج. ولكن فودي يرى ذلك بشكل مختلف وكأن الجلاد الفرنسي يلهب ظهر الشعب ليشتري بضاعته بسعر أرخص.

ما زال أمام فودي “حبّتان حمراوان” الأولى منهما حدثت في عام ٢٠٠٧، عندما كان يعمل في لاس ڤيغاس في مجال التكنولوجيا. كان قد شاهد ڤيديو لستيڤ جوب الذي كان لتوّه قد أعلن عن آيفون للعالم. كان ذلك أمراً مذهلاً بالنسبة لفودي. ذلك الهاتف المحمول كان يشتغل بمجرد اللمس وجعل الكمبيوتر نفسه موجودًا في جيبك. لقد أدرك لحظتها أن ذلك سيغير العالم. أما ما فكر فيه لاحقًا هو: هل يمكن إدماج نظام الدفع في تطبيقات الآيفون ليمكن ذلك الأشخاص الذين ليس لديهم حسابات بنكية أو بطاقات ائتمانية من استخدامه كطريقة لتحويل الأموال؟

أما الحبة الحمراء الأخيرة فكانت عندما كان فودا يتعلم عن البيتكوين في عام ٢٠١٠. كان وقتها يعيش في لوس انجلوس عندما قرأ الورقة البيضاء التي كتبها ساتوشي ناكاموتو بعنون (بيتكوين نظام نقدي إلكتروني من نظير إلى نظير) حينها فكر فودي للمرة الأولى أن بيده سلاحًا ليدافع عن نفسه ضد القمع المالي والكولونيالية. مال يتحكم فيه الشعب وليس الحكومة. (هذا تماماً ما أحتاج إليه) فكر فودا بينه وبين نفسه.

قبل عدة سنوات قرأ فودي كتاباً بعنوان (خارج عن السيطرة) للكاتب كيڤن كيلي. في أحد أجزائه يتحدث الكتاب عن العملات الإلكترونية. لقد استوعب فودي أن جميع أشكال المال ستتحول إلى العالم الرقمي كجزء من تغير عالمي باتجاه الثورة الرقمية. لكنه لم يكن يدرك بعد كيف ستعيد هذه العملات تشكيل العالم إلا بعد أن عرف البيتكوين.

(ما هو المال؟ ومن أين يأتي؟ البيتكوين جعلني أطرح على نفسي هذه الأسئلة وأبحث لها عن إجابة. ولكن حتى ظهور البيتكوين لم أسائل مثل هذه الأسئلة قطّ)

“ربما يوما -فكر فودي – يوما ما لن يكون بإمكان فرنسا أن تتحكم في مال الشعب السنغالي أو تطبعه”

في السنين اللاحقة كان فودي وزميله في السكن في مدينة لاس فيغاس مستيقظين حتى وقت متأخر يفكران في هذه الفرضية وكيف أن البيتكوين سيجعل عمليات الدفع والتوفير بل العديد من الأنشطة الاقتصادية ممكنة. كان قد تعلم وقتها عن نظام الفيزا كارد وكيف أنه يظهر بياناتك الشخصية في كل مرة تستخدمه وكيف يمكن لطرف ثالث الاستفادة من هذه المعلومات.

يعتقد فودي أن الزواج بين البيتكوين والهواتف الذكية سيكون أمراً مذهلاً وسيكون أداة فعالة لتمكين الفرد. في كل مرة كان يعود فيها فودي إلى السنغال كان يحمل معه عدة هواتف ذكية محمولة ويعطيها لأصدقائه كهدايا لأنه كان يرى أهمية اتصالهم بالعالم الخارجي.

في السنوات التالية كان فودي قد عمل في عدة شركات تنشط في مجال رقمنة جوانب الحياة المختلفة. في العالم ٢٠١٧ ترك لاس فيغاس خلفه وتوجه نحو سان فرانسيسكو وانضم إلى معسكر لبرمجة الكمبيوتر كمهندس كمبيوتر. في البداية كان مهتماً بكل العملات الرقمية ككل لكنه فيما بعد تخلى عن شغفه بإيثيريوم مباشرة بعد عودته من سمنار في سان فرانسيسكو مع مؤسس شركة River أليكس ليشمان Alex Leishman. كان وقتها قد قابل العديد من مبرمجي شبكة البيتكوين والمستخدمين المبكرين لشبكة البرق.

‏ ‏في عام ٢٠١٩ فاز فودي بهاكاثون النقل عندما صنع إيصالاً على شبكة البرق قادراً على فتح سيارة تسلا. كان ذلك دافعاً كبيرا له وعزز ثقته بنفسه وإيمانه بأنه يستطيع تغيير العالم للأفضل. بعدها اتخذ قراره بالعودة إلى السنغال لنشر المعلومات وتعريف الناس بالبيتكوين. في طريق عودته تم منحه منحة ‏لحضور مؤتمر lightening في برلين، الذي أقامته المديرة التنفيذية لمؤسسة Lightning Labs إليزابيث ستارك. هنالك قابل فودي ريتشارد مايرز من GoTenna والمبرمج Will Clark الذي كان ينشط في مجال محاربة الرقابة التعسفية على الانترنت من خلال تقنية الشبكات المتداخلة (mesh networks). كان تفكير فودي أن شبكة الاتصالات في السنغال تتحكم بها شركة أورانج الفرنسية وفكر أنه ربما ما يكون للبيتكوين وشبكة lightening دور في كسر هذه الهيمنة في حال قررت هذه الشركة قطع الانترنت. 

تتحكم فرنسا بمنافذ اتصال السنغال بالإنترنت وتستطيع إغلاقها في حالة انتفاض الشعب ضد قائد البلاد الذي ستقف فرنسا إلى جانبه ما دام ملتزما بنظام المجتمع الفرنسي. ولكن ما زال هنالك ضوء في آخر النفق المظلم كما يقول فودي من خلال جهات أخرى بإمكانها توفير الإنترنت. بإمكانهم على سبيل المثال استخدام شبكات دول أخرى وحتى الاتصال عبر الأقمار الصناعية. قام فودي بصنع صندوق بإمكانه التقاط مختلف هذه الإشارات وكان بإمكانه إدخال الهواتف المحمولة بداخله مما يجعل مستخدميها متصلين بالإنترنت. ليشجع الآخرين للعمل بالمثل كان بإمكانه أن يدفع لهم من خلال البيتكوين. لتوجيه البيانات وصيانة الصندوق كان يدفع لهم من خلال شبكة lightening وهذا ما ينشط فيه فودي حتى يومنا هذا!

“إنه أمر في غاية الخطورة” يكمل فودي

“بإمكانهم إلقاؤك في السجن أو تغريمك لكن بوجود الحافز المالي يتقبل الناس مثل هذه المخاطر “

في المرة المقبلة عندما تقطع شركة أورانج الاتصال بالإنترنت لكي تحمي الحكومة سيكون لدى الناس وسيلة جديدة للتواصل وسيكون من المستحيل على النظام السياسي إيقافهم. 

“شبكة البرق هي كل شيء “يؤكد فودي

“نحتاج وسيلة دفع فورية، لا يمكننا استخدام الشبكة الأم بسبب الرسوم لأنها مكلفة! نحتاج أن نستخدم شبكة البرق، ليس هنالك خيار آخر، وهي فعالة”.

هذا أمر يتخذ أهمية خاصة في مجال الحوالات، وهي بحسب البنك الدولي مصدر أساسي من مصادر الناتج المحلي الإجمالي لدول منطقة مجتمع إفريقيا الفرنسي.  على سبيل المثال هنالك ١٤,٥٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي للكاميرونيين تأتي من الحوالات. في السنغال هذا الرقم حوالي ١٠،٧٪؜ وفي غينيا بيساو حوالي ٩،٨٪؜ وفي توغو ٨،٤٪؜ وفي مالي ٦٪؜ وبافتراض أن معدل التحويلات إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء حوالي ٢٠٠ دولار فالرقم سيكون حوالي ٨٪؜ أما إذا افترضنا أنه ٥٠٠ دولار فالنسبة ترتفع إلى ٩٪؜ وبافتراض أننا استخدمنا خدمة حوالات مبنية على شبكة البيتكوين (مثل خدمة strike) فذلك سيقلل من رسوم التحويل إلى أقل من ١٪؜ في أي نقطة بين ١٪؜ و٠،٥٪؜ يمكن إنقاذ معدل الانتاج المحلي لدول المجتمع الفرنسي من خلال تبني معيار البيتكوين. إذا نظرنا عن بعد نجد أن هنالك حوالي ٧٠٠ بليون دولار ترسل كتحويلات عالمياً. بين ٣٠-٤٠ بليون دولار يمكن انقاذها وهو نفس الرقم الذي تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية على ملف المعونات الخارجية.

فودي يتفهم تماماً لماذا ينظر الغرب إلى البيتكوين بتشكك. ” عندما يكون بإمكانك استخدام تطبيقات مثل Venmo وCash app ربما ليس بإمكانك أن ترى أهمية البيتكوين فأنت لديك كل وسائل الرفاهية التي يتيحها النظام المالي الحديث الذي تستعمله ولكن عندما تذهب إلى السنغال حيث أكثر من ٧٠٪؜ من السكان لم يدخلوا أي بنك في حياتهم وأمك لم تسمع من قبل بالبطاقة الائتمانية فكيف لهم أن يشاركوا في نظام مالي عالمي؟ “

يؤكد فودي أن الزواج بين الهواتف الذكية والبيتكوين سيحرر الناس ويغير المجتمع للأفضل. ثم يشير إلى  كتاب  “The Mobile Wave,”الذي قام بتأليفه مايكل سايلور المدير التنفيذي لشركة مايكروستراتيجي عن ثورة الهواتف المحمولة بأنه أمر مشابه و ملحوظ  جداً! عندما استخدم فودي جهاز الآيفون لأول مرة عرف مباشرةً أن هذا بانتظاره! وكأن الكون كله كان يمهد لهذه اللحظة. في خلال سنوات قليلة كان فودي شاهداً على وصول الآيفون، الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها تدشين ساتوشي لشبكة البيتكوين ثم حصوله هو نفسه على الجنسية الأمريكية.

وبما أن فودي أمضى نصف عمره في إفريقيا والنصف الثاني في الولايات المتحدة الأميركية يعتقد أن بإمكانه أن يرى الطريق نحو المستقبل.

“عندما أعود إلى الوطن أرى كيف أن الناس ما زالوا مقيدين، ولكننا سنقفز إلى البيتكوين دون المرور بالبنوك، كما قفزنا من قبل إلى الهواتف المحمولة دون المرور بالهواتف الأرضية”

وهنالك أيضاً تأثير آخر استطاع فودي مشاهدته هو أن الناس في السنغال عندما يكتشفون البيتكوين فإنهم سرعان ما يبدؤون الادخار فيه.

” اليوم في وطني أجد نفسي أفكر في طريقة لأساعد الناس على الادخار ” يقول ” ليس بإمكان أحد ادخار أي شيءٍ هنا ” هم فقط ينفقون كل ما يحصلون عليه من الفرنكات الإفريقية.

يقول فودي أنه ” ممتن للأبد ” للبيتكوين الذي منحه إياه ليشمان لأنه وجد نفسه يتبرع بها بكميات صغيرة للسنغاليين. أولئك الذين حضروا في الاجتماعات وشاركوا بأسئلة جيدة. كان بإمكانهم أن يروا كيف زادت قيمة البيتكوين مع مرور الزمن.

تابع فودي التطورات الأخيرة في السلفادور بغاية السعادة. عندما وقف ليتحدث بمؤتمر ميامي في بداية هذا الشهر وبينما كان يستمع إلى جاك مولر يعلن أن السلفادور قامت باعتماد البيتكوين كعملة قانونية اغرورقت عيناه بدموع الفرح. لم يكن يتصور أن يحدث كل هذا بهذه السرعة.

“ما بدأ كمخزن للقيمة يتطور الآن إلى وسيلة للتبادل” يقول فودي إن السلفادور لديها كثير من التشابهات مع دول المجتمع الفرنسي، فهي دولة فقيرة ومرتبطة بنقد أجنبي ومعتمدة على الواردات وتعاني من ضعف الصادرات. سياستها المالية يتم التحكم بها من خارج البلاد. ٧٠ ٪؜ من سكانها ليست لديهم حسابات بنكية و٢٢٪؜ من الناتج الإجمالي المحلي يأتي من الحوالات المالية.

” إذا كان خيارًا جيّدًا لهم، فقد ينفعنا نحن أيضًا”

لكن ما زال هنالك عوائق كبيرة. أولها هو أن اللغة السائدة هي الفرنسية وليس هنالك الكثير من المحتوى باللغة الفرنسية في GitHub أو في المواد التعليمية التي تشرح شبكة البرق أو شبكة البيتكوين الأساسية. لذلك يعمل فودي الآن على ترجمة المحتوى إلى اللغة الفرنسية بحيث يجد المبرمجين مواد جاهزة عندما يريدون المشاركة”.

هل ‏يمكن أن تتكرر تجربة شاطئ البيتكوين التي حدثت في السلفادور مرة أخرى في السنغال؟ “نعم،” يقول فودي، “ولذلك السبب قررت العودة إلى الوطن ولنفس السبب ننظم اجتماعات دورية لشرح شبكة البرق ونستقطب من خلالها التبرعات بينما في نفس الوقت نبني نموذجا لإذاعة (أوروبا الحرة) مبنياً على شبكة البيتكوين.”

“بإمكانهم أن يضعوني بالسجن ولكن من خلال اللقاءات سنستمر لقد فعلت هذا الأمر بطريقة تجعله لا يعتمد على وجودي”

يعتقد فودي أن تبني البيتكوين في السنغال سيكون أمرًا صعبًا بسبب التأثير الفرنسي

يواصل ” هم لن يغادروا بدون معركة”

وكما يقول دونقو سامبا سيلا ” تواجه فرنسا اليوم تدهورًا اقتصاديًّا نسبيًّا في منطقة لطالما اعتبرتها من ممتلكاتها الخاصة، حتى مع صعود قوى أخرى مثل الصين فرنسا ليس لديها خطة للتخلي عن هيمنتها الكاملة، ستقاتل حتى النهاية”

ولكن ربما تكون الثورة سلمية تدريجية طويلة المدى للتخلص من الاستعمار، لا ثورة عنيفة.

“لا نريد إلغاءً مباشرًا للنظام القائم بل بناء نظام موازٍ ينضم الناس إليه طواعية بصورة تدريجية ” يواصل فودي ” لا إكراه فيه”.

أما الذين يعتقدون أن علينا أن نطالب الحكومة بحماية ممتلكاتنا الشخصية؟

“هم لا يعلمون أن ديمقراطيات مثل فرنسا لديها مثل هذا الجانب المظلم ” يقول فودي ” هم لن يعطوننا حريتنا ولكن علينا أن نتبع خطوات (السايبربنك)* وننتزع حريتنا بأنفسنا باستخدام البرمجيات المفتوحة المصدر مثل البيتكوين.

عندما سُئل عن فرصة البيتكوين في استبدال البنوك المركزية يقول فودي أن الفكرة قد تبدو ” مجنونة قليلاً” بالنسبة للأمريكيين ولكن بالنسبة للسنغاليين والتوغوليين البنوك المركزية مجرد طفيليات على المجتمع وعلينا مكافحتها.

يعتبر فودي البيتكوين مغيّرًا شاملًا للحياة.

” لأول مرة يكون بالإمكان أن يوجد مال يمكن تعدينه بشكل لا مركزي تمامًا وهذا ما نمتلكه الآن. إنه الحل المتاح لمن هم في أشد الحاجة. لأول مره لدينا أداة قوية لندافع عن أنفسنا ضد هذا القمع ” يواصل، ” قد لا يكون الحل المثالي ولكن علينا أن نستخدمه الآن لندافع عن الناس ولا ننتظر أحدًا ليقوم بهذا نيابة عنا”

فصل المال عن الدولة

في عام ١٩٨٠ ‏كتب الاقتصاد الكاميروني جوزيف تشوندانغ Joseph Tchundjang ‏ما معناه أن العجز   المالي هو الأساس التي تقوم عليه جميع صور العجز. ‏الكلمات الأخيرة في هذا الكتاب ما زال صداها يتردد حتى اليوم: “مصير إفريقيا إمّا أن يصوغه المال وإمّا ألّا يصاغ أصلًا.

‏قضية المال والعملة بشكل عام مدفونة تحت السطح عندما يتعلق الأمر بحركة حقوق الإنسان حول العالم ‏وقلما يتم نقاشها في المؤتمرات وفي أوساط الناشطين.

‏ولكن اسأل أي مناضل ديمقراطي في نظام قمعي، ‏وسوف يخبرك بأشياء مدهشة ومأساوية في هذا الموضوع. ‏تدهور العملة في إريتريا وشمال كوريا، ‏التضخم في زيمبابوي وفنزويلا، تجسس الدولة في الصين وهونغ كونغ‏، تجنيد عمليات الدفع في بيلاروس ونيجيريا والحظر الاقتصادي على إيران وفلسطين. ‏والآن‏: ‏استعمار اقتصادي في توجو والسنغال. بدون الحرية المالية تفشل الحركات والمنظمات التطوعية ‏في أن تحافظ على وجودها. ‏إذا تم تجميد حساباتها، أو خفض قيمة مدخراتها، تصبح قوتها محدودة ويستمر الطغيان.  ‏القهر المالي ما يزال خفيا، ونادرا ما يتحدث عنه في الأوساط السياسية. والحقيقة أن اليوم ١٨٢ مليون إنسان في الدول الناطقة بالفرنسية ‏وبرغم أن بلدانهم نالت استقلالها اسمياً لكن ما زالت اقتصاداتها وأموالها تحت حكم استعماري وما زالت القوى الأجنبية تسيء معاملتهم وتطيل أمد هذه العلاقة الاستعمارية لاستخلاص أكبر قدر ممكن من القيمة التي تنتجها هذه المجتمعات ومن خصائصها الجغرافية.

في السنوات الأخيرة ‏زاد عدد السكان في المنطقة الفرنكوفونية ازديادًا كبيرًا. وتعالت هتافات (اخرجي فرنسا) لتصبح شعارًا ثورياً. ‏ولكن أكبر نقاد النظام، ومنهم بيغود وسيلا، لا يقدمون حلولاً تذكر. ‏هم يرفضون الحالة الراهنة والقيود التي يفرضها صندوق ‏النقد الدولي، ليقترحوا حلولًا إقليمية يديرها قادة محليون، أو نظامًا تصنع فيه كل دولة من المجتمع الفرنسي عملتها.

ولكن مجرد نجاح دول مثل توغو والسنغال في انتزاع استقلالها المالي من فرنسا، لا يعني بالضرورة أن هذه الدول سوف تنجح في مساعيها، أو أن قادتها لن يستغلوا سلطاتهم للتلاعب بالعملة.

ما زالت هذه البلدان تواجه خطر سوء الإدارة المحلية، أو الاحتلال المالي الجديد من جهة قوى أجنبية مثل روسيا أو الصين. يبدو جليا أن الشعوب في حاجة إلى نوع من المال يستطيع كسر هذ العجلة، مالٌ يستطيعون التحكم به ولا تستطيع الحكومات التلاعب به مهما كان نوعها. ‏وتماما كما حدث تاريخيا الفصل بين الكنيسة والدولة الذي قاده بدوره إلى مستقبل أكثر ازدهارا وحرية للمجتمعات الإنسانية، الفصل بين المال والسلطة‏ قادم في الطريق.

‏ترى هل يستطيع سكان هذه الدول الناطقة بالفرنسية عبر فترة من الزمن ‏ومع زيادة أعداد المستخدمين للإنترنت فيها استخدام البيتكوين إلى درجة تجعل الحكومة مضطرة للتعامل معها كما حدث في دول في أمريكا اللاتينية مثل الإكوادور؟

‏ما زال التاريخ بانتظار أن يكتب، لكن أمرً واحدًا لا شك فيه: سيقاوم النقد الدولي هذا الاتجاه ‏تماما كما فعل مع السلفادور مؤخرا!

قبل أسابيع قليلة كتب الممثل Hill Harper عن نشاطه في مجال البيتكوين في المجتمع الإفريقي الأمريكي قائلا وببساطة ” لا يمكنهم أن يستعمروا البيتكوين”. توافقه فريدة نامبورينا قائلة “هذه المرة الأولى التي يكون فيها مال لامركزي حقًّا ومتاح لكل إنسان في الوجود مهما كان لونه واعتقاده وجنسيته وثروته وتاريخه الاستعماري”. 

تقول فريدة إنها عملة لجميع الناس، وتضيف: “ربما ينبغي أن نسمي البيتكوين عملة إلغاء الاستعمار”.

Tagged : / / / / / /

أشدّ الثورات سلميّة

المقالة الأصلية | المؤلف: Nic Carter | ترجمة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2017

ليس على الشعوب أن تخاف من حكوماتها. إنما على الحكومات أن تخاف من شعوبها.

– ڤي، من فِلم V for Vendetta

تمتم ريديغر: «إنه الخضوع…» «الفكرة الصادمة البسيطة، التي لم يعبَّر عنها بهذه القوة من قبل، هي أنّ قمّة السعادة الإنسانية موجودة في أشدّ أنواع الخضوع».

― ميكل ويلبك

لا تغلط، أهل البيتكوين ثوّار

أخطأ اللبرتاريون في كل شيء. إذ سعوا إلى تقليص قوة الدولة من خلال المشاركة في العملية الديمقراطية. كانت هذه المهمة ولم تزل مهمة سيزيفية لا أمل منها. الدولة مثل أنغوليانت في أسطورة تولكن، وحشٌ لا حدّ لجشعه، يكافئها أنشَط ناخبيها بأصواتهم على نموّها، لتوكَل إليها بالمقابل استحقاقات لا تزال في نمو. اللبرتاريون بكلمة واحدة: عالقون. تنمو الدولة مهما رميت عليها، مثل الكائن المخيف الهلامي في فلم The Blob.  إن المشاركة في العمليات الديمقراطية يقوّي الدولة ويرسّخ الطقس المدني المنظم بوصفه الطريقة الشرعية الوحيدة للمشاركة السياسية.

يرفض البيتكوينيون هذا: ويفهمون أن الحركة الرابحة الوحيدة في السياسة هي عدم اللعب.

ركل البيتكوينيون رقعة الشطرنج واختالوا حولها اختيال المنتصرين. اختار البيتكوينيون رفض قوانين المشاركة السياسية، فبدؤوا يعملون على نظام مالي خارج إشراف الدولة واختصاصها، نظامٍ مالي لا قيدَ فيه. في النهاية، يستشرف البيتكوينيون نظامًا يتيح التجارة الحرة، والمصرفية الحرة (خلافًا للفوضى الحاليّة التي توزّع خسائرها علينا)، ويجعل ضوابط رأس المال شيئًا من الماضي، ويحرر المدّخرين من السرقة التي تفرضها الدولة عليهم بالتضخم، ثمّ يسلب الدولة من قواها تمامًا، بتقليص عدّتها الماليّة.

أغضب هذا الاقتراح النخبة المثقفة المعتمدة على الدولة، وطبقة الخبراء والصحفيين الذين ارتدّوا عن مكانة السلطة الرابعة الناقدة الجريئة، وأصبحوا طبولًا هزيلة للمنظومة القائمة. لا بدعَ أبدًا في أن الكثرة الكاثرة من نقّاد البيتكوين المهسترين يستفيدون من قربهم أو عضويتهم في الدوائر البيروقراطية في واشنطن أو نظائرها في الدول الأخرى. من الأكاديميين المستفيدين من فقاعة القرض الطلابي المنفوخة، والسياسيين الحاليّين والسابقين، الذين يستطيعون بين الحين والآخر أن يقلبوا نفوذهم السياسي ثروةً شخصية (وا عجبي)، والصحافيين، الذين لم يبق من مهنتهم إلا تمرير رسائل الحكومة في محاولة عقيمة لبناء خندق ضد شركات الاتصالات الناشئة والناشرين على يوتوب الذين لهم مئة ضعف من قوتهم، وعلماء الاقتصاد الذين اضطرّهم طلبُ المال والمنصب إلى نشر السرديات الكينزية.

هكذا، وجد البيتكوينيون أنفسهم أمام مُضغة عالية الصوت من الطبقات الثرثارة، فما لبثوا أن تحولوا من مخترعين طوباويين إلى معارضين، منذ طفولة الحركة. ابحث في الصفحات المالية في صحيفتك، لن تجد إلا الاستهزاء والمسخرة (وقد تجد إيماءةً نادرة بقبول اضطراري). كل هذا لأصلٍ مضى من 0 إلى 200 مليار دولار في عقد، من دون دعم للمخاطرة، ولا طرحٍ عامٍّ أولي، ولا شركة، ولا مؤسس موجود، والقائمون على المشروع كلهم يعملون في المصدر المفتوح للبروتوكول. في الولايات المتحدة حكمت الحكومة على روس أولبريخت حُكْمَين بالسجن المؤبد ممنوعًا من العفو، بالإضافة إلى 40 عامًا، بجريمة إنشائه سوقًا حرّة مسعّرة بالبيتكوين. حظرت الصين التقايض الرسمي بالبيتكوين، وتحاول الهند أن تمنع مجرّد امتلاك البيتكوين.

قانونية البيتكوين — بالأخضر: مسموح، بالبرتقالي: مقيَّد، بالزهري: متنازَع فيه، بالأحمر: ممنوع. (المصدر)

نحن لسنا مقبلين على الحرب، نحن في الحرب. نعم، ليست الحرب شبيهة بمرَح الأيّام الخوالي. لكنها لم تزل كذلك فترةً طويلة من الزمن. ذهبت أيام الرجال الذين يتواجهون بنبالة ويتقاتلون حتى تهلك أجسام طرف من الأطراف. ولم نعد نخرج من الخنادق إذا سمعنا صوت صفرة لنطلق رصاصنا. الحرب المفتوحة فكرة بائدة. حلّ محلّ الحرب المفتوحة في النزاعات المعاصرة مزيجٌ من الانتفاضات والعبوات الناسفة والعقوبات والهجومات بالطائرات المسيّرة والبنى التحتية الاستراتيجية الموجهة بالعمليات مثل ستوكسنت. فإذا انتقلت الحرب المعروفة إلى العالم الافتراضي، فلم لا تنتقل الثورة أيضًا؟

وهي ثورة، لا تغلط في هذا. فالعملات الرقمية، ولا عليك من أقوال بعض مستخدميها الجبناء، لم تزل مستقلّة استقلالًا ظاهرًا عن الدولة، ومعاديةً لها معاداةً تامّة. إذ لا يمكن تقنينها ولا حجرها ولا معرفة موافقتها للقوانين. لم يكن طريق الحرير طفرة أو خبرًا من التاريخ نقرؤه ونكتم ضحكتنا منه. بل كان برهانًا عميقًا على غاية البيتكوين العليا وعدم اكتراثه بالأعباء التي تُثقل النظام المالي. إن الدولة الحالية في شكلها المنفوخ الجشع، لا تكتفي بخضوعك المادي، بل تريد أيضًا سيلًا غير منقطع من بياناتك والإحصائيات. فأموالك ليست أموالك، بل هم يدققونها ويسمحون لك باستعمالها في كل خطوة. فإذا خرجت عن السائد ولو خروجًا بسيطًا، فإنك تخاطر بمدخراتك التي قد تصادَر من غير حق بالطعن. ناقلات الجند هذه لن تدفع تكاليف نفسها، أنت الذي ستدفع تكاليفها.

العملات الرقمية تنقضّ على الحكومة

كما بدأ البروتستانتيون في القرن السادس عشر يسائلون عقيدة الغفران الرسمية ومجال سلطة البابا، كذلك تساءَلت حفنة شعثاء من العباقرة ومحبي التشفير: هل التضخم ضروري فعلًا؟ وهل، في اقتصادٍ قائمٍ على السوق الحرّة، يكون للمصارف المركزية الحق في تسعير المال كيف شاءت؟ هل يجب أن يكون للدولة سلطة كاملة على مدخرات الإنسان ومصاريفه؟ هل على المستودعين أن يجبَروا على الثقة بالمصارف لتعيد لهم ودائعهم؟ ما الذي يعنيه سطرٌ في قاعدة بيانات المصرف؟

صورة نادرة للبيتكوين في شكله المادي

إن العملات الرقمية الأصيلة — وهي أنظمة مالية بديلة، حقًّا — تهدد الدولة والعالة المتعيّشة منها. البيتكوين فكرة خارجيّة تمامًا، إلى درجة أنه لا مجال فيها للتفكير. يهدد البيتكوين أهم مزيّة للدولة، وهي قدرتها على تمويل نفسها بالتضخم وأجر الصكّ.

لقد بدأت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، تؤثر في سياسات المصارف المركزية. ليس في كلامي مبالغة حين أؤكد على أهمية البيتكوين الجيوسياسية. اجمع سوقًا ماليّة حرّة مع خطوط التوزيع الإنترنتية، تحصلْ على أشدّ الحساءات سمًّا. فلننظر في طرق بدأت العملات الرقمية من خلالها تؤثر في الدولة.

أولًا، كما لاحظت جينا بيترز (2016)، فإن وجود أسواق البيتكوين السائلة تهديدٌ كبيرٌ على الدول التي تعتمد على ضوابط رأس المال لتحافظ على سعر معيّن لعملتها.

البيتكوين مشكلة بالنسبة للأرجنتين والدول المشابهة، إذ يجعل التحايل على ضوابط رأس المال أسهل. أظهرت بيترز وفيفانكو (2016) أن محاولات الحكومة لتقنين أسواق البيتكوين التي يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم، مخفِقة بالعموم، وأنّ أسعار البيتكوين تعكس حقيقة السوق، لا الأسعار التي وضعتها الحكومة، حسب ما أظهرته بيترز (2016). فإذا أصبحت التدفقات المالية التي يتيحها البيتكوين كبيرةً كفايةً، تحررت أسواق رأس المال العالمية في كل البلاد.

ليس هذا الأمر تافهًا، إذ إن نسبة كبيرة من سكان العالم يعيشون تحت سلطة ضوابط رأس المال، منهم سكان البرازيل وروسيا وإندونيسيا وتايوان والصين والأرجنتين. وهذه قطعة أساسية في عدّة الحكومة الماليّة تتآكل.

وبفضْل سيولة البيتكوين وعالميّة الاتجار به، فإن من آثاره كشف التلاعب بسعر الصرافة، وهو ما ناقشته الدكتورة بيترز في دراسة أخرى. يمكن استعمال أسعار البيتكوين للاستدلال على تقديرٍ لـ«سعر الشارع» للعملات المحلية، وإن كانت الحكومات تنشر أسعارًا كاذبة. ينمو البيتكوين سريعًا ليحقق دوره وسيلةً عالميّةً للقياس.

مثال: نشرُ المعلومات في الشارع عن قيمة البوليفار، ممنوع في فنزويلا، لأن من مصلحة النظام أن يتحكم بالسرديات حول عملته. أهم موقع يلاحق أسعار الصرافة في فنزويلا، المسمى dolarToday يستعمل موقع لوكال بيتكوينز ليستدل به على سعر الدولار بالبوليفار في الشارع الفنزويلي.

المصدر: https://dolartoday.com

لا بِدْعَ في أن أنشَط أسواق البيتكوين (من أسواق النظير للنظير) تكون في الدول التي فيها ضوابط رأس المال، والدول ذات العملات عالية التضخم، أو الدول ذات الحكومات المتقلبة. هذا التحليل الذي كتبه مات أهلبورغ يعتمد على بيانات لوكال بيتكوينز، ويظهر أن أكبر نسب تجارة البيتكوين للفرد الواحد موجودة في روسيا وفنزويلا وكولومبيا ونيجيريا وكينيا والبيرو. يقال أحيانًا إن تنافس العملات مثل الهروب من الدب ، فليس عليك إلا أن تسبق أبطأ رفاقك. الأرجح أنه ليس على الدولار خطر من وجود البيتكوين، لكن العملات العشرين الأشدّ تضخمًا لا شك أنها في خطر.

كما كتب هاسو يقدم البيتكوين نظام حقوق ملكية مستقرًّا (متوفرة باللغة العربية) من دون أي اعتماد على الدولة (ومن دون التهديدات بالعنف التي ترافق الاعتماد على الدولة). قد يكون هذا الأمر غير مهم في الغرب، لأن حقوق الملكية بالعموم محترَمة فيه، لكنه مسألة حياة أو موت في مناطق أخرى. فليست مهزلةً صغيرةً، إذن، أن أشرس نقّاد العملات الرقمية طالما كانوا من الذين لا سبب يدفعهم إلى سوء الظن بالحكومة التي تحتفظ بودائعهم. إن موقف الإنسان من البيتكوين برهانٌ عليه، فإما أن يدل على أنه واعٍ بآثار التضخم الخبيثة وسوء النظام المصرفي، وإما أن يدل على خلاف ذلك. إن أصخَب منكري البيتكوين إنما يظهرون جهلهم ونظرتهم التي تختزل العالم في الدول الإنكليزية.

أكدت دراسات جديدة أصدرها ماكس راسكين وفهد صالح وديفيد يرمك بعد تقدير أزمة العملة في تركيا والأرجنتين أن الاستخدام المباشر للعملات الرقمية إنما يكون في خارج العالم المتحضر.

إذا حكمنا من النظرة الأولى، فإن رؤية ناكاموتو لم تتحقق، إلا أن خيارًا جديدًا توفّر للناس واختاروا ألّا يستعملوه. ولكن، إذا نظرنا في البلدان النامية، وجدنا أن القصة مختلفة شيئًا ما. إن أزمة العملة في تركيا والأرجنتين هي الأولى منذ تأسيس البيتكوين، ومن ثم فإنهما فرصة للتحقيق في أثر العملات الرقمية البديلة على العملات الحكومية المضطربة. فإذا سحبنا هذا التحقيق على بقية العملات، فقد يظهَر لنا أن رؤية ساتوشي قد أثمرت. مع أن العملات الرقمية لم تحل محل الدولار، فإن مجرد وجودها قد يكون له أثر امتناع لوجود، فقد تكون ضابطًا للسياسات التشريعية والمالية.

لا سيما وأن المواطنين، حسب ما وجد مؤلفو الدراسة «يستفيدون من وجود العملات الرقمية الخاصة»، لا سيما من خلال وجود خيار التنويع، الذي «يولّد أرباحًا معيشية للمواطنين».

ومن أهم ما وجد الباحثون:

إن وجود العملات الرقمية الخاصة يضبط السياسة المالية لأنه يخلق بديلًا للمال المحلي. هذا الضبط للسياسة الماليّة يقلل التضخم ويزيد عوائد الاستثمار، ومن ثم يشجّع مزيدًا من الاستثمار المحلي.

وكما تدلّنا مناهج الاقتصاد للمبتدئين، إنّ إنهاء الاحتكار في سوق ما، وإدخال منافسين فيها، يجعلها أعدَل للمستهلكين (الحكومات تحتكر سوق المال المحلي).  ولمّا لم يكن للمواطنين أي بديل، كانوا مجبرين على الادخار بالعملة المحلية وقبول التضخم. أما الآن، فقد أصبح في أيدي الناس خيار الخروج من النظام المالي المحلي، وهو ما سيكلّف المصرف المركزي كثيرًا (لأن بيع العملة المحلية يزيد سرعة المال ويزيد التضخم سوءًا). لذا فإن مجرد وجود البيتكوين يفرض انضباطًا ماليًّا من جهة المصرف المركزي الذي ربما كان لولاه يبلغ مستويات خطيرة من التضخم.

ليس لضعفاء القلوب

بسبب كل هذه المصالح الكبيرة جدًّا، فإن اختراع نظام مالي جديد شيء مكروه جدًّا. يتطلب الأمر حماسةً جامحة والتزامًا ثابتًا برؤية صارمة للمستقبل. فإذا أخذنا بعين الاعتبار عِظَم هذه المهمّة، والتهديد الوجودي الذي تشكله للدولة، رأينا أنه لن يقوم بها إلا أشدّ الناس التزامًا. ليست أعظم خطيئة للمزابلين هي أنهم ركبوا الحصان الخاطئ، بل هي أنهم ركبوه بقناعة غير كافية. لقد باعوا حلمًا هم أنفسهم لم يؤمنوا به حقًّا.

كم رائد أعمال عملات رقمية سيقول لك بصدقٍ تامٍّ أنه يبني نظامًا سيستمرّ عقودًا ويبارز الدولة وجهًا لوجه؟ كم واحدًا منهم سيقبل السجن لأجل معتقداته؟ قليل جدًّا، حسبما أرى.

النغمة اللطيفة التي في القمة تنتشر في الهرم المؤسساتي. ومن هنا يظهر الفرق بين «مجتمعات» المُمسكين الغوّاصين الذين يحثّ بعضهم بعضًا على شراء العملة وهي في نزول، والمجتمع المتماسك الذي يعتنق التقلّب ويحفظ قناعته. ظاهريًّا، يتشابه البيتكوين وكثير من المشاريع التي تستعمل البلوكتشين. لكن الفارق الحقيقي هو الروح. ليس الأمر أن السلاسل الأخرى غير أخلاقية أو أنها مختارة بسبب مجموعة أدنى من القِيَم، بل الأمر أنها عدَميّة تمامًا. يكون التقدم والابتكار الكوني عند بناء مؤسسات خالدة غير حكومية.

لا شك أن حركة السعر تجذب كثيرين إلى البيتكوين. لكن في أهل البيتكوين شيءٌ أعمق وأقرب إلى البدائية يجذبهم، وهو احتمال بناء نظام متين موازٍ فعّال مفتوح مستقل عن الحكومات والشركات التي لا تخضع للمساءلة. لا شك أن هذا الدافع لا يدفع البيتكوينيين وحدهم. لكن البيتكوين من غير شك هو السبّاق في فصل المال عن الدولة، وهو الذي عانى صولة الهجومات السياسية إلى الآن. لم يتعرض مشروع آخر إلى هذه الهستيريا الإعلامية وهذه الحواجز المبكرة.

خلافًا للبدائل المزعومة. النجاح لمؤسسي العملات الصاعدة هو الخروج منها. والتعدين السابق للبيع، والرسوم، والبيع للتجار الصغار. إن الإغراء لبدء بلوكتشين جديد واضحٌ، لأن المال هو السلعة ذات أكبر إجمالي سوق معنون في الوجود، وكان الإغراء هو امتلاك جزءٍ منه من خلال إصدار عملة جديدة والحفاظ على وعدٍ مشترك بثروة قارونية. لكن الثروة لا تُلهم، لا سيما إذا كانت مجنيّة على حساب الناس الذين سيشترون. إن بيع الحصّة المعدّنة قبل البيع ليس طريقة ناجحة لاكتساب الدعم العقائدي المستمر من ملايين الجنود الراغبين.

كما قال طالب: لا تقل لي ماذا تفكر، أرني ملفّ استثماراتك. وأيّ شيءٍ أفضل للدراسة من بلوك ون، مؤسس EOS، الذي طمح إلى أن يكون البلوكتشين الثاني، لكنه أخذ أموال خزينة مشروعه واختار أن يُمسك 140,000 بيتكوين في ورقة موازنته.

الأسئلة الوحيدة المهمة

بعد عشرة أعوام من التجريب، وسوء وضع رؤوس الأموال، والغطرسة، تعلمنا دروسًا قيّمة عن تراكم القيمة. أخطأ العلماء والمهندسون حين ظنّوا الثورة المالية والسياسية ثورةً تقنية. وُلدت تجاربهم مصبوغةً بمعيارية لغوية لجوجة:

«إذا كان في الإمكان أن ننشئ قاعدة بيانات أو خوارزمية مقاومة سيبل أفضل من حيث الفعالية أو الأداء، فإننا قادرون على حل المشكلة وإنشاء العملة الرقمية التي ستنتصر في النهاية». هذه العقلية، صدق أو لا تصدق، لم تزل شائعة حتى اليوم. لكنها معيبة فلا أمل فيها. هذه التجارب هي تجارب اجتماعية وسياسية أولا. أهم العوامل في إنشاء نظام مالي جديد بالكامل ليست هي تفاصيل التطبيق التقني، بل هي تقديم أجوبة مقنعة لأسئلة مثل هذه:

  • ما الذي يعطيك الحق في إصدار عملة جديدة وامتلاك سلطة كبيرة على مصيرها؟ 
  • لماذا اخترت أن ترفض كل البدائل وتقترح أن تستبدلها جميعًا بنظامك أنت؟ 
  • من أين أتت سلطتك؟ 
  • كيف تكرّس العدل والمساواة في الفرص في توزيع مالك الجديد؟ 
  • ما الذي يضمن خلو نظامك من الفساد، إذا كان حتى الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة ضعيفًا أمام القوة السياسية؟

لدى البيتكوين إجابات واضحة على كل هذه الأسئلة. أما مقلدوها فليس لديهم شيء من ذلك. بل إن مؤسسي هذه العملات المقلدة لا يدركون أصلًا أن هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب التفكير فيها.

أعلاه: قائمة بكل العملات التي حققت أهدافها المعلنة وشهدت تبنّيًا حقيقيًّا.

نحن نعلم أن العملات الرقمية (أو أصول الاستخدام) إنما هي أوهام. ولا يتطلب الأمر عبقريًّا ليكتشف أن الحقائق الواقعية قد ثبتت الآن إلى الأبد. إن عالم العملات الرقمية شبيه بعالم تحتاج فيه إلى معاملة فوركس احتكاكية لا من أجل السفر بين الولايات كما هو الحال اليوم، بل من أجل الذهاب من متجر إلى آخر. جرّت العملات الرقمية انحدارًا كئيبًا، ونحن اليوم أفضل حالًا بعد أن رفضناها. العملات الرقمية الوحيدة التي تستحق الإنشاء هي العملات التي تريد أن تكون مالًا، وهذا يقتضي ضرورةً الانقضاض على الدولة.

لكن مبارزة الدولة تحتاج إلى عشرات أو مئات الملايين من الصناديد الذين يؤمنون بمجموعة مستقرة من القيم وهم راغبون في وضع أموالهم لدعمها. إن برابرة التشفير الأذكياء يحاولون اليوم بخوارزميات تقبل مشكلة الضباط البيزنطيين، لذا لا يستطيعون الإلهام واكتساب الإخلاص. لا بد من وجود مجموعة قيَم جوهرية تعلو على كل شيء. معظم التعدديين الماليين يريدون أن يبرروا موقفهم بالرجوع إلى كليشيهات مبتذلة مثل أنهم «يشجعون الابتكار». هذا الكلام غير متماسك، لأنهم إذا رفضوا العملات المتمكّنة كالبيتكوين واتجهوا إلى مشروع بديل، فإنهم هم أيضًا سيواجهون اعتراضات من تقدميي العملات الرقمية إلى يسارهم.

«لمَ نقف عند البلوكتشين الفلاني؟ لمَ لا نذهب إلى س أو ع أو ص؟» هذا السؤال سؤال مقنع. من دون وجود قيَم مشتركة معتقَدة عميقة يمثّلها المشروع الذي تختاره، لا حجّة لك في اختيار أي سلسلة بديلة، إلّا أموالك الغارقة. لذا بالضرورة، مصير كل تقدمي أن يصبح رجعيًّا.

يتميّز البيتكوين بالقيم

فما هي هذه القيم التي يعتنقها البيتكوينيون؟ البيتكوينية هي فلسفة اقتصادية وسياسية ناشئة تجمع عناصر من المذهب النمساوي في الاقتصاد واللبرتارية، مع تقدير كبير لحقوق الملكية، والتعاقدية وفلسفة الاعتماد على النفس. سيرجع بعض اللبرتاريين إلى نظرية العقد الاجتماعي، ليقول إنها إكراهية (لأننا لم نعطَ عقدًا سياسيًّا نوقعه لدى مولدنا أو بلوغنا). ليس الأمر كذلك في البيتكوين. لا يولَد أحد في البيتكوين: بل يقدم البيتكوين عقدًا صريحًا لمستخدميه المحتملين. إن لك حقًّا في المشاركة في أشدّ الأنظمة المالية شفافية وأسهلها تدقيقًا، وأمنعها على البَخْس، وأوضحها في العالم كله، ولكن لا إكراه عليك في ذلك.

من القيم الأخرى التي أعدّها أساسية في البيتكوين، التصديق الرخيص (حتى يستطيع كل الناس المشاركة)، والتدقيق الكامل (حتى لا يكون تضخم غير متوقع)، والعدل في الإصدار (إذ يدفع كل أحدٍ مهما كان منصبه «ثمن السوق الكامل» لبيتكويناتهم، سواءٌ أشتروها من المصرف أو بالتعدين)، والتوافق الرجعي (أي تفضيل الانفصالات السهلة على الانفصالات الصعبة)، وإتاحة عدّة التصديق، لمنع التواطؤ والرقابة التي تنتج عنه. اطرح هذا السؤال على بديلك المفضل عن البيتكوين. ما هي القيم التي تدفع المشروع؟ إذا كانت هذه القيم موجودة، فإنك ستلحظ أنها بالعموم ضعيفة في أنفس حامليها، لأن الابتداع مقدَّم عندهم على الاتساق.

لذا، يظهر البيتكوينيون اختلافًا عميقًا عن الاستغلاليين الذين يرون أن نجاحهم هو الخروج من مشروع عملتهم. أما البيتكوينيون، فالنجاح عندهم هو عندما لا يحتاج المرء إلى الخروج من البيتكوين. إن فلسفتهم الأخروية تستشرف زمانًا يكونون فيه قادرين على المشاركة في اقتصاد هو حلقة مغلقة يدور فيها البيتكوين، خالٍ من تغيرات النظام المالي التقليدي. إنهم لا يحلمون بالخروج المالي، على الأقل ليس بمعنى المجازفة. يحلم البيتكوينيون بنظام مبني على معيار مالي لا يبخس مدخراتهم المالية لأن التمييز الماليّ غائب تماما عنه.

وهم جادّون في أمر استعادة هذه القيَم المؤسسة. إنّ جدول المعروض المحدد من قبل، ليسَ شيئًا ينبغي الحفاظ عليه فقط، بل هو شيء أساسي تمامًا في البروتوكول ونظام حقوق الملكية إلى درجة أنك لو أردت تغييره فسينهي هذا النظام القديم تمامًا. المعروض المسقوف ليس ميزة من ميزات البيتكوين، سقف المعروض هو البيتكوين نفسه. إنه أمر أساسي وجودي، كما أن موافقة المحكومين عنصر لا يمكن إلغاؤه من دستور الولايات المتحدة الأمريكية. نعم، تستطيع أن تسقط الحكومة القائمة وتقيم مكانها حكومة أوتوقراطية توافقها في الاسم، لكن هذا لن يكون مبتكرًا. إن جوهر الدولة نفسه، القائم على قيمها المؤسسة، يجب أن يتغير. هذه المثُل ليست أمرًا مشروطًا بغيره. وليست تفصيلًا صغيرًا في تطبيق التكنولوجيا. القيَم هي النظام، والنظام يرمّز القيم.

ومن أفضلُ مثالًا من ساتوشي نفسه. ساتوشي هو البطل المضحّي الأكبر، لقد قضى عمرًا يبني البيتكوين من الصفر، لينشر بعد ذلك الكود، ويدير المشروع مدّة من الزمان، ثم يختفي، إلى الأبد. إن العملات التي عدّنها ساتوشي — اضطرارًا، لدعم الشبكة أيّام لم يكن يدعمها أحد — لم تتحرّك من مكانها. إنّ وصف هذا العمل بالبروميثيوسي، مؤلمٌ لأنه لا يوفي ساتوشي حقّه. تجرّأ ساتوشي ليسرق أعزّ الكنوز على الدولة، وهي قدرتها على إنشاء المال كما شاءت، وأعطى هذا الحق للناس، بأنقى طريقة ممكنة.

فماذا فعلت الدولة؟ إذا كان التهديد كبيرًا هكذا، فلمَ لم تتدخل؟ إنّ مما يخيب الأمل، أن عند البيتكوينيين إجابةً لكل اعتراض.

الحقيقة أن المنعَ لم يكن ليوقف البيتكوين، إلا إذا كنت تعتقد أن المجتمع الدولي، الذي يتجه يومًا بعد يوم إلى الفوضى والاضطراب، سيتحد ليواجه هذا التهديد. تخيل ذلك! كوريا الشمالية، وإيران، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والسعودية، كلهم في قضية مشتركة. هذا وهذه الحجة تعتبر من أفضل الحجج ضد البيتكوين عند نقّاده.

ملعونون إذا فعلوا، ملعونون إذا لم يفعلوا

لنفترض أن كل الحكومات الكبرى تواطأت لتمنع البيتكوين. لن يضرّ هذا البيتكوين إلا أنه سيجعله سلعةً للسوق السوداء. لكن هذا المنع لن يكفي لوقف البيتكوين. تخيل لحظةً واحدة سلعةً محظورة على نطاق واسع، تعتمد على قدر كبير من الطاقة لإنتاجها، وينتجها مزيج من الكيانات الصناعية وغير الرسمية، ومعظم تداولها في السوق السوداء، ومع هذا يستعملها ملايين. أقصد الحشيش طبعًا، إذ بإمكان أي أحد أن يحصل على الحشيش من تاجر قريب — سواء أكان هذا الشيء قانونيا أو غير قانوني — في أقل من نصف ساعة. إن الاعتقاد بأن حظر البيتكوين سيخفف شيوعه اعتقاد مضحك. ولن يكون منه إلا تعزيز سبب وجود البيتكوين الحرفي: الحماية من نزوات الدولة المتقلبة. إن الدولة التي تظهر أن سلعةً ماليّة تهدد وجودها، تظهر للعالم أنها كيان متشكك متسلط، وهو ما يبيّن طبيعتها الطفيلية.

ومما يثير السخرية أن أفضل رد للدولة على البيتكوين والأموال التي تستلهم البيتكوين هو تلبية مطالب النمساويين التقنيين وإصلاح نفسها. سيقتضي هذا إنهاء بخس العملة، وإنهاء النظام المالي الذي يزيد التفاوت بين الناس، وإنهاء التدخل في الدورات الاقتصادية (الذي أصلًا لا يزيدها إلا شدّة)، وإنهاء المحاولات المخفقة لتسعير قيمة الوقت للمال، وإنهاء استعمال المؤسسات المالية أسلحةً للحرب.

لكن تغيير أي شيء من هذه الأشياء على المدى القريب أمرٌ غير مرجح. إن النظرية الكينزية الجديدة، هي فظاعة تسارعية سُمّيت «النظرية المالية الحديثة»، ويعتقد أصحابها أن الدولة تستطيع ظاهريًّا أن تشتري مقادير غير محدودة من أي سلعة معروضة للبيع بعملتها، من غير نظر إلى العواقب. إن هذه اللحظة هي لحظة يرتقي فيها السياسيون الاشتراكيون على أكتاف ناخبيهم الذين يزيدون خضوعًا. بيرني، إليزابيث وارن، أوكازيو كورتيز، جيريمي كوربن. في عالم الدول النامية، تجد الحركة الكرشنرية التي تستعيد سيطرتها على الأرجنتين، لتهبط أسعار كل الأصول المالية متجهة إلى الصفر مع صعود الحركات الجمعية. وفي جارة الأرجنتين ذات السوق الحرة نسبيًّا، تشيلي، يتحكم محاميان شيوعيّان مصرّحان بشيوعيتهما بالأجندة الإعلامية. فنزويلا، لا بد أنك تعرف فنزويلا. في المملكة المتحدة، اعتنق حزب العمال سياسة مصادرة صادمة، ودعم إجراءات إكراهية مثل التصفية الإكراهية العامة. وعاصمة السوق الحرة في العالم هونغ كونغ، تقبع تحت اعتداء حرفيّ من محتلّها الأوتوقراطي القاتل.

يكفي أن نقول إن الأسواق الحرة وحقوق الملكية القوية، وهما ركنا الاقتصادات الرأسمالية الفاعلة، يتعرضان لهجوم عالمي. بعيدٌ أن ينعكس هذا الأمر. إن الطبقة الدنيا العالمية، التي يزداد فشلها، تتوق إلى مزيد من التدخل، وستقبل الإفقار الشامل إذا كان يعني إنقاصًا في التفاوت.

أما مؤسساتنا المالية، فقد تخلت عن كل مظهر من مظاهر العقلانية. لقد أرانا عصرنا المشهد المسلي وإن كان مخيفًا، لرئيس الولايات المتحدة وهو يحارب حاكم الاحتياطي الفدرالي علنًا على سعر المال. والمصالح: حَلبُ اقتصادنا المموّل تمامًا في محاولة لإعادة الانتخاب. كان هذا كفيلًا بالاستيلاء على الاحتياطي الفدرالي غير السياسي، زعمًا. تصرف الصناديق الوقائية في عرضٍ لجمعها لمشابك الورق، ملايين الدولارات على خوارزميات التعلم السريع التي تتوقع معدلات الفائدة من رمشات عين الكهنة الأعلين للمال وهم ينظرون في كنه الأمور. خير استعمال للمال.

تحت تصرفك: الآلة المالية التي لا تتوقف

معدلات الفائدة السلبية نظامٌ متّبع اليوم في كل المصارف المركزية في الدول المتطورة. بل إن صندوق النقد الدولي يبحث الآن علنًا كيف يفرض معدلات فائدة سلبية أعمق وأعمق، ومن طرائق ذلك البخس الإجباري لقيمة النقد. وبغض النظر إن كنت تعتقد أن للمودعين حقٌّا إلهيًّا في زيادة ودائعهم أو لا، فإنهم حتمًا سيعادونك عندما تقترح مصادرة ودائعهم. إذا كانت معدلات الفائدة السلبية العشوائية مسموحًا بها للحصول على نتائج سياسية معينة، فعند أي حد ستتوقف المصارف المركزية لتأخذ نفسًا وتعطي المودِعين مهلة؟ لقد دخل هذا الأمر في منطقة غير مقيدة، وبعيدٌ أن يقف المنهج الميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) في السياسة المالية عند أي حد.

ربما لن يهلع المودعون عند معدل فائدة سالب 1%، بحجة أنهم يعتقدون أن البنك يقدم خدمة مفيدة. لكنهم سيتذمرون عند -3%، ويبدؤ تساؤلهم عن مقدار فهم أسيادهم الماليين. عند -5%، سيهرعون إلى الذهب ويبحثون عن أمر البيتكوين.

لأن كثيرًا من الناس لا يقدّرون قوة النظام، فلنلخّص العقد الأول من البيتكوين:

  • دُفع أكثر من مليار دولار في أجور التحويل 
  • جمع المعدنون معًا أكثر من 14 مليار دولار مقابل خدماتهم لحماية الشبكة 
  • أساس تكلفة كل الممسكين البيتكوينيين يبلغ تقريبًا مئة مليار دولار 
  • القيمة السوقية لكل البيتكوينات في سوق تبلغ تقريبًا 190 مليار دولار 
  • سوّت الشبكة نحو تريليوني دولار في التحويلات المالية 
  • تنتج شبكة البيتكوين نحو 80 إكسا هاش في الثانية (أي 8 * 10¹⁹). هذه الهاشات تكلف 19.8 مليون دولار في اليوم مستهلكة على العدد المتخصصة.

قد تهزأ من البيتكوين، لا بأس. سيكون البيتكوين مستعدًّا لمساعدتك عندما تحتاجه. قد لا تحتاج إليه الآن، قد لا تحتاج إليه أبدًا. ولكن، مع انغماسنا المتزايد في عالم استبدادي سلطوي فوضوي، قد تشعر يومًا بالطمأنينة عندما تعرف أن نظام حماية الثروة الأعلى ضمانًا في التاريخ ينتظرك صابرًا.

إلى ذلك الوقت، سيستمرّ دأب البيتكوين.

Tagged : / / / / / /

لماذا البيتكوين أمر حيوي لحقوق الانسان

لماذا بيتكوين مهم لحقوق الإنسان في دقيقتين؟ عملة بيتكوين الرقمية تستطيع أن تكون أداة مالية فعالة في خدمة الأفراد في لبنان، سوريا، فلسطين، السعودية وغيرها.

لماذا البيتكوين أمر حيوي لحقوق الانسان – في دقيقتين

 

Tagged : / / /

كتاب معيار البيتكوين – د. سيف الدين عموص

كتاب معيار البيتكوين هو مرجع أساسي لكل فرد يسعى لتكوين فهم ورؤية واضحة لهذا النقد الرقمي الجديد.

تتوفر النسخة العربية للتحميل المجاني على موقع المؤلف: saifedean.com
والنسخة الورقية على موقع جملون: jamalon.com
تابع المؤلف على تويتر: saifedean@


تمهيد

في الأول من نوفمبر عام 2008، أرسل مبرمج حاسوب بالاسم المُستعار “ساتوشي ناكاموتو” بريداً إلكترونياً إلى قائمة بريدية للتشفير ليُعلن أنه أنتج “نظاماً نقدياً إلكترونياً جديداً يعمل بشكل كامل كنظام نظير إلى نظير، دون حاجةٍ لوجود طرف ثالث موثوق به”. في جوهره، قدَّم البيتكوين شبكة دفع بوساطة عملته الخاصة، واستخدَم طريقة متطورة ليتحقق الأعضاء فيها من جميع التحويلات دون حاجة للوثوق بأي عضو من أعضاء الشبكة. وتم إصدار العملة بمعدل مُحدَّد سلفاً لمكافأة الأعضاء الذين أنفقوا طاقة المعالجة للتحقق من صحة التحويلات لِتُؤمِّن بالتالي مكافأة لهم على عملهم. والأمر المذهل في هذا الاختراع هو أنه خلافاً للعديد من المحاولات السابقة الأخرى لإنشاء نقد رقمي، فقد نجح هذا الاختراع.

ويمكن فهم البيتكوين على أنه برمجيات مُوزَّعة تَسمح بنقل القيمة الاقتصادية باستخدام عملة محمية من التضخم غير المتوقع، دون الاعتماد على طرف ثالث موثوق. بعبارات أخرى، يُجري البيتكوين وظائف البنك المركزي الحديث بشكل آلي، ويجعلها قابلة للتنبؤ ويُصعِّب عملياً من مهمة تغييرها، وذلك عن طريق برمجتها في شيفرات لا مركزية مُوزَّعة على آلافٍ من أعضاء الشبكة، بحيث لا يمكن لأيٍ منهم تغيير الشيفرة دون موافقة البقية. وهذا الأمر يجعل البيتكوين المثال العملي التشغيلي الموثوق الأول عن النقد الرقمي و العملة الرقمية الصعبة.

وبالرغم من كون البيتكوين اختراع جديد من العصر الرقمي، إلا أن المشاكل التي يهدف إلى حلها، وهي مشاكل قائمةٌ منذ نشأة المجتمع البشري، تتمثل بتوفير شكل من أشكال النقد تحت سلطة صاحبه الكاملة، ومن المرجح أن يحتفظ هذا النقد بقيمته على المدى الطويل. ويُقدِّم هذا الكتاب تصورا لهذه المشاكل بناءً على سنوات من دراسة هذه التكنولوجيا والمشاكل الاقتصادية التي تحلُّها، وكيف توصَّلَت المجتمعات سابقا إلى حلول لها عبر التاريخ. وقد يُفاجئ استنتاجي أولئك الذين يصفون البيتكوين بأنه عملية احتيال أو خدعة من قِبَل المضاربين أو المروجين من أجل تحقيق ربحٍ بزمنٍ قياسي، لكن البيتكوين يطوِّر فعلاً من الحلول السابقة لِ “مخزون القيمة”، وقد يتفاجأ المشككون في البيتكوين بمدى ملائمته لتأدية دور النقد السليم في العصر الرقمي.

1 الجزء الأول من الكتاب يشرح النقد ووظائفه وخصائصه. وكخبير اقتصادي لي باعٌ طويل في مجال الهندسة، سَعَيتُ دائماً إلى فهم التقنيات من حيث المشاكل التي تهدف إلى حلها، الأمر الذي يسمح بتحديد جوهرها الوظيفي وفصلها عن الخصائص العرضية، والتجميلية وغير الجوهرية. فمن خلال فهم المشاكل التي يحاول النقد حلها، يصبح بالإمكان توضيح العوامل التي قد تجعل النقد سليما أو غير سليم، ثم يمكن تطبيق ذلك الإطار التصوري لفهم السبب والطريقة التي مكَّنت سلع مختلفة كالأصداف البحرية، والخرز، والمعادن والنقود الحكومية من تأدية دور النقد. ويمكن أيضا فهم السبب والطريقة التي أدت إلى فشلها في ذلك أو خدمتها لأهداف المجتمع لحفظ القيمة وتداولها.

2 والجزء الثاني من الكتاب يناقش الآثار الفردية، والاجتماعية والعالمية لأشكال النقد السليم والنقد غير السليم عبر التاريخ. فالنقد السليم يدفع الناس للتفكير بالمستقبل البعيد وللادخار واستثمار المزيد للمستقبل. والادخار والاستثمار على المدى الطويل هما أساس تراكم رأس المال وتَقدُّم الحضارة البشرية. فالنقد هو نظام المعلومات والقياس للاقتصاد، والنقد السليم هو ما يسمح للتجارة والاستثمار وريادة الأعمال بالمُضي قدما على أساس متين، بينما يضع النقد غير السليم هذه العمليات بحالة من الفوضى. يجدر الإضافة أن النقد السليم هو عنصر أساسي في مجتمع حر وذلك لأنه يوفر حصانةً فعالةً ضد الحكومات الاستبدادية.

3 القسم الثالث من الكتاب يشرح آلية عمل شبكة البيتكوين وخصائصها الاقتصادية الأبرز، ويحلل الاستخدامات المُحتمَلة للبيتكوين كشكل من أشكال النقد السليم، ويناقش بعض الاستخدامات التي لا يخدمها البيتكوين بفعاليّة، إضافة إلى تسليط الضوء على أبرز المفاهيم والاعتقادات الخاطئة المرتبطة به.

كُتب هذا الكتاب لمساعدة القارئ على فهم اقتصاديات البيتكوين بكونه تكرار رقمي للعديد من التقنيات التي استُخدمت لتؤدي دور النقد عبر التاريخ. إن هذا الكتاب ليس إعلانًا أو دعوة لشراء عملة البيتكوين، بل على العكس، من المرجح أن تبقى قيمة البيتكوين متقلِّبة على الأقل لفترة من الزمن؛ حيث قد تنجح شبكة البيتكوين أو تفشل لأية أسباب متوقعة أو غير متوقعة؛ وسيتطلَّب استخدامها كفاءة تقنية، وسيحوط بها مخاطر قد تجعلها غير مناسبة للعديد من الناس. فلا يُقدِّم هذا الكتاب نصيحة استثمارية، لكنه يهدف إلى المساعدة في توضيح الخصائص الاقتصادية للشبكة وآلية عملها ليقدم للقرَّاء معلوماتٍ مفيدة قبل أن يتخذوا قرارا بشأن استخدامها.

ولا يجب أن يفكر أي شخص بامتلاك مخزون من البيتكوين إلا بوجود معرفة ودراية مُوَسَّعة، وبعد بحث واسع وشامل في الجوانب التشغيلية العملية لامتلاك وتخزين البيتكوين. فقد يبدو البيتكوين استثمارا لا يحتاج ذكاءً نظرا إلى ارتفاع قيمته السوقية، إلا أن النظر في العدد الضخم من الاختراقات، والهجمات، والفشل الأمني وعمليات الاحتيال التي كلَّفت الناس ممتلكاتهم من البيتكوين، يشكِّل تحذيرا لأي شخص يعتقد أنَّ امتلاك البيتكوين سيوفر ربحا مضمونا.ً فإذا كنتَ تعتقد أنك عندما تنتهي من قراءة هذا الكتاب أن عملة البيتكوين تستحق الامتلاك، فلا يجب أن يكون استثمارك الأول هو شراء البيتكوين، بل يجب أن يكون بتمضية الوقت في فهم كيفية شراء وتخزين وامتلاك البيتكوين بشكل آمن، وذلك لأن طبيعة البيتكوين الجوهرية تكمن في أنك لا تستطيع استخدام طرف آخر أو الاستعانة بمصادر خارجية للوصول إلى هذه المعرفة. فليس هناك بديل للمسؤولية الشخصية لأي شخص مهتم باستخدام هذه الشبكة، وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يجب القيام به للدخول في عالم البيتكوين.


 

Tagged : / / / /

العولمة اللامركزية – أندرياس أنتونوبولس

العولمة في شكلها الحالي ليست شيئاً نشارك فيه أنا و أنت حقاً؛ إنه شيء تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات والدول القوية لوضع نفسها خارج إطار القانون. للمراجحة بين السلطات القضائية ، للتسوق والبحث عن البيئات الأكثر ملاءمة ، الأشد فساداً ، والمنخفضة الضرائب. حيث يمكنهم ممارسة الاستعمار المالي المُقنّع في شكل عولمة.

تُغير العملات المشفرة من طبيعة العولمة كشيء مركزي ومتاح فقط للشركات الأكثر قوة وبُعداً ولامبالاة، وتضعه في متناول يد الأفراد مباشرة.
يوماً تلو آخر، تتمكن أعداد متزايدة من الناس من استخدام العملات المشفرة لتحقيق شكل لامركزي من العولمة، هذا الشكل الذي يسمح للشخص العادي أن يتسوق ويبحث عن النظم القانونية، وأن يراجح بين العملات، ويختار القانون الذي يخدم مصلحته.”

أندرياس أنتونوبولس
العولمة اللامركزية – مع ترجمة باللغة العربية.
Tagged : / / / / /