رويدًا، ثم فجأة

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: يوليو 2019

مقدمة

هذه أول حلقة من سلسلة أسبوعية قررت أن أكتبها عن موضوع البيتكوين، مستلهمًا صديقيّ مارتي بنت وسيف الدين عموص. التعليم جانب أساسي في البيتكوين، وأرجو أنني بنشر أفكاري أستطيع أن أساعد الناس ليسرعوا في طريق فهمهم لهذا الموضوع المعقد. سمّيت هذه السلسلة رويدًا، ثمّ فجأة. كما وصف همنغواي طريقه للإفلاس، كذلك وصْفُ تضخم العملات الحكومية، وكذلك وَصْف فهم الناس للبيتكوين (رويدًا، ثم فجأة). ستلتزم الكتابات بالبيتكوين ولكنها ستشمل أيضًا الاحتياطي الفدرالي والاقتصاد المالي لأن هذه المواضيع متداخلة بعمق. وبمقتضى محاولتي للاختصار، ستعبّر هذه السلسلة عن خلاصة أفكاري وآرائي، لا عن كل تفصيل قادني إليها، إنّ نيّتي هي تبصير القارئ بعملية الفكر وتقديم خريطة للآخرين إذا أرادوا أن يتعلموا أكثر. هدفي هو الوصول إلى جمهور أوسع (أوسع من جمهور الذين شكّلوا رحلتي أنا) ومساعدة الناس في محيطي على اكتساب فهم لسبب تركيزنا على البيتكوين. إن الآراء المذكورة في هذه السلسلة آرائي أنا، وليست آراء أنتشيند كابيتال أو زملائي. أتمنى أن تستمتع، وأرجو أن تعود إليّ بملاحظاتك.

البيتكوين مال

أو، بالأحرى، البيتكوين أصبح مالًا (عندي). كانت عملية بطيئة انفتحت فيها سدود كثيرة في ذهني ولكنها بدأت بالسؤال: ما هو المال؟ كان هذا مبدأ حفرة الأرنب الحقيقية. الحقيقية، لا التخمينية، إنني أتطلع إلى بطاقة دخول لحفرة الأرنب التي تعرف فيها أن البلوكتشين تقنية ستغير العالم. على مستوى الجذر، تحاول هذه الحفرة أن تجيب سؤال: «ما الذي جعل الدولار الذي في جيبي مالًا؟» لم يستبدل مئات ملايين الناس قيمتهم التي اجتهدوا لكسبها في العالم الحقيقي، بقطع ورقية (أو تمثيل رقمي لها)؟ إنه سؤال صعب أن تسأله، وأصعب أن تجاوبه، وهو شيء أدركت أن كل أحد يفهمه بطريقة خاصة، وبتوقيت خاص، ومهتديًا بتجارب حياته الخاصة. لا بد أن تكون مهتمًّا بهذا السؤال حتى تبدأ فهم البيتكوين.

ما هو المال؟ هذا السؤال هو بداية الرحلة في جحر الاستكشاف

كانت أول خطوة في طريقي هي فهم لماذا كان الذهب مالًا. شمل هذا فهم الخصائص الفريدة التي تجعل الشيء نوعًا أفضل أو أسوأ من المال، ومال الذي يفرق المال بوصفه سلعة اقتصادية فريدة عن بقية أنواع السلع الاقتصادية. كان كتاب معيار البيتكوين تأسيسيًّا وساعدني في استكشاف الأسئلة، لم يكن إنجيلًا بل كان قاعدة للتفكير في المشكلة. عندما طبقت هذه القاعدة على تجارب حياتي وعلى فهمي للنظام المالي الحالي وعيوبه، صارت أمرًا بدهيًّا. وهو أمر قد يكون بدهيًّا (أن البيتكوين مال بالبداهة) للذين قضوا سنين يفكروا فيه من حيث مبادئه المالية، ولكنه حقٌّ أيضًا أن البيتكوين ليس أمرًا بدهيًّا. إنه ليس بدهيًّا مطلقًا، إلى أن يصبح بدهيًّا، ثم مع الوقت يصبح أبده البداهة.

وفي طريقي، وجدت مقارنة البيتكوين بنظامين ماليين ملموسين، هما الذهب والدولار، أمرًا مفيدًا. هل في البيتكوين خصائص الدولار أو الذهب؟ هل البيتكوين أفضل من الدولار أو الذهب؟ لأن الذي يجعل الأشياء مالًا ليس هو الحكم المطلق، بل هو الاختيار بين حفظ القيمة في وسيلة معينة وحفظها في غيرها، وفي كل خيار تنازل عن شيء ما. من دون فهم عيوب النظام المالي القائم (سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين أو البوليفار أو البيزو)، لم يكن في مقدوري استنتاج أن البيتكوين مالٌ هكذا من الفراغ.

عندما كنت أعمل في بنك دوتش في أيام الأزمة المالية، لم يكن عندي أساس لفهم ما كان يحدث. بعد عشرة سنين، وبعد العمل على إعادة ترتيب العالم ليصبح صندوقًا وقائيًّا كبيرًا، بدأت أطوّر فهمًا أوضح لما حدث فعلًا في 2008 و2009. وفي بحثي عن الأزمة المالية الكبرى، والاحتياطي الفدرالي، وخصوصًا أثر التيسير الكمي (انظر هنا)، وصلت إلى استنتاجي الرئيسي، وهو أن المشكلة الأساسية كانت أن النظام المالي رُفع تقريبًا بنسبة 150 إلى 1 (دين كثير ودولارات قليلة)، وأن درجة الرفع المجنونة لم تكن ممكنة من دون سياسة الاحتياطي الفدرالي التي منعت باستمرار إزالة الرفع عن النظام على مدى العقود الثلاثة السابقة للأزمة. ثم، اتضح لي أن الحل (التيسير الكمي) لم يسبب إلا انتشار نظام الدين الذي لا يمكن الحفاظ عليه، في السنين العشرة القادمة، وهو ما يجعل التيسير الكمي في المستقبل أمرًا لا مناص منه. وأصبحت مقتنعًا، أنه سواءٌ أبقي البيتكوين أم ذهب، فإن النظام المالي القائم يعمل في وقت مستعار، وأنه بطريقة أو بأخرى، سيكون شيء ما غيره هو الطريق الذي لا بد منه.

“لقد بات واضحاً أن الحل (التيسير الكمي) لم يتسبب إلا في توسع نظام ائتماني غير مستدام على مدى السنوات العشر اللاحقة، الأمر الذي جعل التيسير الكمي في المستقبل أمراً حتميا”.

ثم، اكتشفت أن للبيتكوين معروضًا ثابتًا. إن فهم المعروض الثابت وكيفيته وما الذي جعله ممكنًا، هو أساس فهم البيتكوين مالًا. إن هذا الفهم يتطلب استثمارًا شخصيًّا كبيرًا في فهم كيف حُبكت الدوافع الاقتصادية مع بنيان البيتكوين التقني، وأنه يستحيل تزوير البيتكوين أو نسخه (أو، بالأحرى، أنّ دوافع التعاون قوية جدًّا وتكلفة الفرصة البديلة عالية جدًّا). إنه طريق طويل، ولكنه يقود في النهاية إلى فهم أن شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقية (أو نظام الاعتقاد) يعزز ويدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

فالأمر ليس أن كودًا برمجيًّا حكَم أنه لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، بل هو فهم أن هذه السياسة المالية قوية وصادقة، وكيف استطاعت شبكة البيتكوين تحقيق الندرة التي يمكن التثبّت منها. لا يمكن أن يحدث هذا بين ليلة وضحاها لفرد واحد. ولا يمكن أن تشرحه لأحد في حفلة كوكتيل. إنه حقيقة تتعزز وتتقوى مع الوقت بالعيش في بنية الدوافع ورؤيتها تعمل مرة بعد أخرى، كل عشرة دقائق (بالمتوسط). فإذا بعد ذلك قورن هذا بكيفية عمل نظام البيتكوين أو حتى بأسس الذهب، عُلم أن البيتكوين مالٌ بالبداهة.

“البيتكوين موجود كحل لمشكلة المال التي هي التيسير الكمي العالمي”

والخلاصة، إذا أردت أن تفهم البيتكوين مالًا، فابدأ بالذهب والدولار والاحتياطي الفدرالي والتيسير الكمي، واعلم لم ثُبّت معروض البيتكوين. المال ليس مجرد هلوسة جمعية أو نظام اعتقاد، بل إن فيه نغمة وتعقّلًا. البيتكوين حلٌّ لمشكلة المال التي هي التيسير الكمي العالمي، وإذا كنت تعتقد أن تدهور العملات في تركيا أو الأرجنتين أو فنزويلا لن يحدث للدولار الأمريكي أو الدول المتقدمة، فما أنا وأنت إلا نقطتان مختلفتان على الخط نفسه. ستدرك خطأك مع الوقت. يمثل البيتكوين بنية مختلفة أساسًا، وطريقًا أمتَن إلى الأمام، ولكن عليك أن تفهم أين كنا، وكيف أصبحنا هنا، لتعرف ما الذي يجري.

كتب حايك عن آلية الأسعار وأعظم توزيع للمعرفة في العالم في (استعمال المعرفة في المجتمع). عندما يتلاعب بمعروض المال، يُفسد ذلك آليات التسعير العالمية التي تقدّم حالئذ معلومات فاسدة في النظام الاقتصادي. فإذا استمر هذا التلاعب 30-40 سنة، تنشأ اختلالات كثيرة في النشاط الاقتصادي الأساس، وهو المكان الذي نحن فيه اليوم. في النهاية، إخفاق الذهب هو الدولار، وإخفاق الدولار هو الفساد الاقتصادي الذي أدى إليه، الذي يزيد طينه بلّة التيسير الكمي. أما وعد البيتكوين فهو حلّ المشكلتين معًا. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سبصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، وممع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

يسخر اقتصاديو المنظومة القائمة من تقلب البيتكوين، كأن في الإمكان أن يتحول البيتكوين من أمر معدوم إلى شكل مستقر للمال بين ليلة وضحاها، إنه قول سخيف تمامًا.

فيجاي بوياباتي على SLP
Tagged : /

الجميع محتالون

المقالة الأصلية | المؤلف: Michael Goldstein | ترجمة: Arabic_hodl – BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2014

إنها حرب قائمة

لن يستطيع كلايد وبوني (لصان شهيران من تكساس) سرقة أول سلسلة كتل وطنية بسهولة. نعم قد يقرصنان الخوادم وملفات المحافظ غير المشفرة أو يفحصون المحافظ الذهنية الممكن تخمينها. لكن تكاليف سرقة بيتكوين مكنوز في محفظة ورقية عالية التأمين ومحمية بكلمة سر، عالية جدًّا. لا يمكن أن يتوقَّع من حاسوب أن يفكّ أي محفظة بالقوة الغاشمة ولو أُعطي عمُر الكون، لذا لا بد للسارق أن يلجأ إلى الوسائل المكلفة كالخطف والتعذيب لأي هدف مأمول. لا يستطيع المجرمون والنصابون والمحتالون أن يعتمدوا على العنف ليحوزوا الثروة التي يريدونها، لقد أصبح الأمر مرهقًا جدًّا. لا بد للأوغاد أن يعتمدوا على قوى السوق قديمة الطراز.

والأمر ينفع. البيتكوين متج إلى نمو أُسّي، لذا فتكاليف عدم الانخراط فيه إلى أعلى درجة أكبر من أن تُحسَب. مع هذا نجد أن تجّارًا ومستثمرين وأصحاب رؤوس أموال آخرين استطاعوا أن يقنعوا أعدادًا طائلة من أهل البيتكوين أن يتركوا ثرواتهم المستقبلية، رغم المساوئ الظاهرة لهذا الأمر، بإعتبار أنك تفكر على المدى الطويل اللازم لتشهد عالم ما بعد العملات الحكومية. سيقولون لك إن الصَّرْف والاستهلاك ضروري، والنسخة القادمة المُحدثة للبيتكوين ستكون أفضل فقط إذا ما أعطيتهم من بيتكويناتك الحالية، أو أن بيتكويناتك لا تساوي إلا 475 دولارًا للبيتكوين الواحدة. سيقولون لك مثل هذه الأمور دون مزاح، والإنترنت يخفي ضرب أصابعهم على الشاشة. فإذا سقطت أمام إغوائهم، تركوك وحدك لتتعلم أنه لا «رجوع في الكلام». في الواقع السياسي للبلوكتشين، الكل محتال. هناك حرباً قائمة هدفها الحصول على بيتكويناتك، وسلاحك الوحيد هو قوة إرادتك.

محتالون في كل مكان

البيتكوين مكان خطير. فيه قائمة لا تنتهي من القراصنة والمحتالين والسارقين. يعِد البيتكوين بشبكة موزّعة الثقة. أتعلم لماذا؟ لأن البيتكوينيين الآخرين موجودون.

ليس كل محتال في البيتكوين مجرد رجل أعمال أو مستثمر. بعضهم نصّابون صرحاء وخدّاعون. عندما تشتري بساطًا من أوفرستوك، على الأقل تحصل على بساط. عندما ترسل مالًا إلى إيثيريوم، قد تحصل فعلًا على عملة عديمة القيمة في النهاية. ولكن هل تعلم ما الذي لن تحصل عليه؟ طلباتك المسبقة على غوكس بكس من بترفلاي لابس.

تقاوم بعض الاحتيالات بإقناع البيتكوينيين بعدم استغلال القيمة المقترحة للبيتكوين. أي، يقنعونهم أنهم وإن كان يجب ألّا يثقوا بأطراف ثالثة، فإن هذا الرجل لا بأس به. إيّاك أعني، إم تي غوكس. ويقنعهم آخرون بلعب ألعاب استثمار يتبين في الآخر أنها مخططات بونزي. كيف الحال، بي إس تي؟

بعض الاحتيالات مزيج نقيّ من جشع البيتكويني وغبائه. سوّق Ponzi.io لنفسه صراحةً على أنه مخطط بونزي، ووعد بأنه سيرجع إليك بيتكوينات أكثر من جيوب المستثمرين التالين. استمتع. تلقّى عنوانهم 1ponziUjuCVdB167ZmTWH48AURW1vE64q نحو 350 بيتكوين.

بعض الاحتيالات شرّ صريح. لجأ فيها المحتالون إلى الفيروسات وبرامج الفدية. أصاب كريبتو لوكر الحواسيب بتشفير ملفات أصحابها وعدم فتحها إلا إذا دُفعت فدية بالبيتكوين خلال 48 ساعة.

لجأ المحتالون إلى الابتزاز. في الثامن من سبتمبر، استطاع قرصان السيطرة على إيميل ساتوشي ناكاموتو، واستعمله في تشويه صفحة البيتكوين على صفحة سورس فورج، وليدّعي بعد ذلك أنه وجد اسم ساتوشي الحقيقي. من مقالة في مجلة فايس: «بعد التحقيق في ما أراده القرصان من كل هذا، قال الرجل: البيتكوينات طبعًا، ولكن لا تنسَ المتعة أيضًا».

وانخرط بعض المحتالين في تسريب صور عارية لمشاهير ليحصلوا على بعض البيتكوين.

سيحاول المحتالون ما استطاعوا لزيادة ممتلكاتهم من البيتكوين. أنت تعرف هذا. أنت احتلت على أحد لتحصل على بيتكويناتك. نعم غالبًا لم تنصب عليه أو تقرصنه كما بالأعلى، ولكنك حتمًا استغللت تفكيره قصير الأمد.

التجار محتالون

بعد زمن طويل، صارت نيو إيغ تقبل البيتكوين، هي وأوفرستوك وتايغر دايركت ودِل وإكسبيديا وتجار كبار آخرون ومواقع. فلنصرف الآن بيتكويناتنا، صح؟ ما بهذه السرعة. فلنمسح لعابنا من النظر إلى كل الألعاب اللامعة، ونمعن التفكير في الأمر.

لا عجبَ في أن التجار يقبلون البيتكوين. أزالت بيت باي BitPay مؤخرًا كل رسوم الدفع، حتى رسوم صرافة العملات. فالتجار الآن يستطيعون أن يستقبلوا مدفوعات من دون رسوم، إلى جانب فوائد أخرى كثيرة، منها امتناع الاحتيال وإرجاع المال وسهولة الدفع عبر الدول. يمكن أن يمرروا أموالهم التي وفروها إلى العملاء أو أن يزيدوا بها هوامش ربحهم. وربما يمسكون على بيتكويناتهم بحسب ما يسمح حسابهم، ليتربّحوا من زيادة سعره. في النهاية، إذا زاد اعتماد البيتكوين للمدفوعات، لن يكون في السوق إلا عدد ثابت من البيتكوين، وهو ما يزيد قيمة كل وحدة.

فالتجار إذن في موقع جيد. يستطيعون أن يدخروا أموالًا لمشاريعهم، وأن يشتروا البيتكوين مقابل بضائعهم، كما يشتريها كثير من الناس بالدولار واليورو. ولو كنت تاجرًا لشجّعت الناس أن يشتروا من متجري بالبيتكوين. وقد أحاول إقناعهم، بغض النظر عن غلط الاستدلال الاقتصادي، أن صرف البيتكوين في متجري ينفع البيتكوين، أكثر من تخزينه والمضاربة عليه. في النهاية، «قد تصبح كلها عديمة القيمة بين ليلة وضحاها»، وإن «مستقبلها معتمد على الصرف» (لأنني أنا قلت هذا). بل قد أقول أشياء من قبيل:

زبائني من الموجة الأولى من مستخدمي البيتكوين ويسعدنا قبول العملة الرقمية وسيلة للبيع. نحن مثلك، نؤمن أن البيتكوين قد يكون مستقبل العملات الرقمية. ولكن إذا كنت تدّخره وتأمل أن يغنيك في المستقبل، فالأفضل أن تصرفه هنا إذا أردت أن تسهم في نجاحه.

وأنا، في هذا السياق، أمثل شركة نيو إيغ. التي كانت آخر مقالة في مدونتها معنونة، «لماذا ادخار البيتكوين فكرة ليست جيدة». السبب؟ لأنه يعني أنك لن تدفعه لنيو إيغ.

بل يختار بعض التجار أن يبيعوا مباشرة كل البيتكوين الذي يصلهم. يحتالون عليك ليأخذوا بيتكويناتك التي لا يريدونها أصلا، لأنهم لا يهتمون بالقيمة المستقبلية للشبكة.

التجار محتالون لأنهم يقنعونك أن بيتكويناتك لا تساوي إلا سعر بضائعهم، لكي يتيحوا لأنفسهم (أو للذين يبيعونهم البيتكوين، إذا باعوه) أن ينتفعوا من ازدياد سعر البيتكوين، ويحرمونك منها.

… وهذا أمر جيد

لا أعني أن اعتماد التجار للبيتكوين أمر سيئ. في الحقيقة، من وجهة نظر كانِزي البيتكوين، اعتماد التجار عظيم. أوّلًا، اعتماد التجار يعني زيادة الطلب على البيتكوين، أي نمو شبكة البيتكوين، ومن ثم ازدياد قيمة البيتكوين عمّا كانت عليه أمس. ثانيًا، اعتماد التجار يعني ازدياد الأماكن التي يمكن فيها صرف البيتكوين.

لا أعني أن الكانزين يريدون أن يصرفوا بيتكويناتهم. لكن المهم أنهم يستطيعون أن يصرفوها. يعكس الطلب على المال قلة اليقين بالحاجات المستقبلية، وصاحب المال يعتقد أنه سيأتي على فرص لا يعلمها اليوم في المستقبل، تستطيع أن تلبي حاجاته أكثر من فرص اليوم. فإذا جاءت فرصة يعتقد أنها تفيده أكثر مما يفيده هذا المال في المستقبل، استحوذ عليها. كما يبين لنا قانون متكالفي، تزداد قيمة الشبكة أسّيًّا مع كل عقدة جديدة. مع كل تاجر جديد، يزداد عدد الناس الذين يمكن أن تتاجرهم، ومن ثم تزداد الفرص المحتملة لإشباع الحاجات بالمال.

طبعًا، هذه الفوائد للكانِز لا تتطلب أن يقبل التجار البيتكوين، ما دامت البنية التحتية مناسبة. بطاقات ائتمان إكسابو مثلًا، تتيح للكانز إمكانية استعمال بيتكويناته على شبكات بطاقات الائتمان الموجودة. أي إن الكانزين يستطيعون من اليوم أن يستعملوا البيتكوين كوحدة حساب سواء أعلم التجار ما هو البيتكوين أم لم يعلموا. كلما زاد إمكان استعمال البيتكوين وسيلةً للدفع قلّت الدولارات المُشكِكة في مستقبل البيتكوين، و التشكيك هو مخطارة لا يتمنونها إلا لعملاء الحكومات والاقتصاديين المتشككين. فالفائدة الأولى من اعتماد التجار للبيتكوين هي زيادة موازنة البيتكوينات المكنوزة. لن تحتاج إلى شراء الدولارات قبل الدفع بالدولار، بل ستُجدد مكنوز البيتكوين عندك بعد أن تدفع بالبيتكوين.

بين اعتماد التجار وأنظمة الدفع، يصبح البيتكوين سلعةً أقيَم للاكتناز. بشرى للبيتكوين!

الاستثمارات احتيالات…

البيتكوين مشوّق. أما النظر في ملفات المحافظ الثابتة والموازنات ليس مشوّقًا. يختار كثير من أصحاب البيتكوين أن «يستغلوا المال» بدلًا من إمساكه ونسيانه، ليجدوا مئات من باعة العملات الرقمية جاهزين لانتزاع بيتكويناتهم. سيقدمون لك عقود تعدين، أو يقدمون لك خططًا لصندوق استثمار، أو يحثونك على الاستثمار في شركة تعمل في مجال البيتكوين. اليوم، أشهر وسيلة للاستثمار عند البيتكوينيين هي مخططات «البيتكوين القادم» من ماستر كوين إلى إثيريوم.

كل هذه احتيالات.

وبغض النظر عن قدرتهم على الوفاء بوعودهم، كلّهم يخفقون في امتحان بسيط: هل عائدات الاستثمار إيجابية؟ إذا كنت عالقًا في عقلية العملات الورقية، قد تجني بعض المال من هذه العملات، ولكن بالنظر إلى نمو البيتكوين الاستثنائي المتوقع، هل تتوقع فعلًا أن تجني عائد أكبر من عائد مجرد الإمساك بالبيتكوين؟ ينبغي للمستثمرين طويلي المدى أن يستعملوا البيتكوين وحدة للحساب، وينبغي لكل استثمار أن يقارن بعائدات البيتكوين المتوقعة.

إذا بدأت البتكنة الفائقة سيرى ممسكو البيتكوين قوتهم الشرائية تزيد أضعافًا. يجب أن يفكر أصحاب البيتكوين مرتين قبل أن يرموا ولو مئات آلاف الساتوشيات في مشروع «ليروا أين سيذهب». ومن النكَت الشائعة في المجتمع غلاءُ البيتزا التي اشتراها ’لازلو‘. ننكّت في أمر بيتزا بمليون دولار، هذا ولم تبدأ البتكنة بعد. أثني على ’لازلو‘ استخدامه الريادي للتقنية الجديدة، لكنني لا أتمنى لنفسي ولا لغيري أن نكون مثل ’لازلو‘.

من الرابح هنا؟ ليس المستثمر، بل بائع أحلام الكريبتو. جمعت إثيريوم مؤخرا 15 مليون دولار لـمشروع غير منته وكان الدفع بالبيتكوين، طبعًا. لم يكن المشروع منتهيًا أصلًا ولم يوجد المنتج، ومع هذا استثمر المستثمرون فيه. مع إثيريوم اليوم أكثر من 3 آلاف بيتكوين ستبلغ في المستقبل ثروات طائلة من المال، وسيبقى المستثمرون ينتظرون أملهم الخائب.

الاستثمارات احتيالات لأنها تجعلك تعتقد أن من وراءها عوائد أكبر من إمساك البيتكوين، مع أن اقتصاديات البيتكوين تجعل هذه الدعوى سخيفة على المدى المتوسط. في عالم ما بعد العملات الرقمية، ستتكاثر الاستثمارات التي ترجع بعوائد أكبر (ومخاطر أكبر) من إمساك البيتكوين، ولكن هذه الاستثمارات ستكون في أصول تولّد أرباحًا بالبيتكوين.

… ولكن يمكنها أن تكون غير ذلك

إذا أراد كانزٌ للبيتكوين أن يستثمر أرباحه، فليس عليه النظر أبعد من شبكة البيتكوين نفسها. إن الاستراتيجية الصحيحة لريادة الأعمال في البيتكوين، كما أشار دانييل، هي الاستثمار الخيري. في حين تذهب أموال كثيرة إلى العملات البديلة وعملات التطبيقات والبرمجيات الوهمية وخدمات الأطراف الثالثة السهلة الاختراق، وغير ذلك، فإن في البيتكوين مشكلات كثيرة تحتاج إلى الحل بتطوير البرمجيات مفتوحة المصدر، وكثير من هذه المشكلات قطوف دانية. بتمويل هذه المشاريع، يزداد أمن شبكة البيتكوين وإمكان الوصول إليها واستعمالها، وهو ما يجعل البيتكوين استثمار أفضل وأفضل.

ابدأ التكويد. كل مساهمة جديدة في git فيها بشرى للبيتكوين.

الكانزون محتالون1

إن كانِز البيتكوين في معركة دائمة مع نفسه ليخفض ترجيحه الزماني ما استطاع. هذه هي الطريقة الوحيدة لاستثمال مدخرات البيتكوين. يمازحني أصدقائي أننا سنموت جوعًا بسبب الانكماش الشديد، ولكن لا يمكنني أن أقول إنني لا أنظر إلى الماضي وأتمنى أنني تخطين غدائين في ذلك المطعم الممل لأشتري مزيدًا من البيتكوين بـ10$ ما دام في وسعي.

يتحمّس الكانِزون إذا رأوا السعر صاعدًا، ويتحمسون إذا رأوه في نزول أيضًا. قبل عدة أشهر كان Coinbase يعيطيني البيتكوين بألف ومئتي دولار، اليوم يريدون 475 فقط. مهما كان السعر، يقول الكانِز في نفسه، «أغبياء».

كانزو البيتكوين في لعبة المدى الطويل. خطتهم ليست الشراء بالرخيص والبيع بالغالي، بل الشراء بأي سعر، وبيع البعض بأعلى سعر. إنهم يفعلون أي شيء ليحصلوا على بعض الساتوشيات، ولا شيء يسعدهم أكثر من تافه يبيع بيتكويناته بعد أن اقتنع أن البيتكوين لا يساوي إلا (أي سعر أقل من القمر). هؤلاء الباعة تطوعوا ليحملوا حقائب العملات الورقية الزبالة، ولن يبادر الكانزون إلى مساعدتهم على التخلص من نتنها.

نعم، ربما يكون الكانزين أخطر المحتالين. لئن كان التجار وبائعو الاستثمارات صريحين في رغبتهم لأخذ بيتكويناتك، فقد يكون الكانزون أقل وضوحًا. يستطيع المرء إثبات أن معه المفتاح الخاص لمحفظة ما، ولكنه لا يستطيع أن يثبت أنه ليس معه. فإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، فمن المعقول أن بعض تأكيدات المشككين العريضة الصاخبة، ما هي إلا عمليات نفسية تحاول التأثير في طلب السوق، ومن ثم في السعر، لمصلحة المشكك. فمثلًا، عندما قال ’بول كرغمان‘ مؤخرًا في مقالة له أنه  «ليس واضحًا أبدًا أن لتقانة البيتكوين أي قيمة اقتصادية»، لا يمكننا أن نعرف بيقين علمي أن ’بول كرغمان‘ ليس المؤمن الحق بالبيتكوين، وأنه لا يقول هذا ليشتري مزيدًا من البيتكوين بالرخيص.

الكانزون محتالون لأنهم يفهمون احتمال النمو الأسي الراجح للبيتكوين، وفي الوقت نفسه يريدون إقناع الممسكين الآخرين بأي طريقة أن القيمة المستقبلية للبيتكوين ليست أكبر من سعر السوق اليوم.

وعليك أن تشكرهم

الكَنْز هو الذي يعطي المال قيمة. ولا، لن أعطيك من بيتكويناتي.

بشرى للبيتكوين!

كيف ننهي كل هذا

لا شك، الاحتيال لأخذ البيتكوين مهنة لن تنتهي أبدًا. ستهمد الاحتيالات السوقية (التي ليس فيها نصب) مع امتصاص البيتكوين لمعروض المال الحقيقي من كل العملات الأخرى، وعندما يتباطأ الطلب على النقد ثم يستقر. ولكن، سينظر محتالون آخرون في طرق أخرى ليخدعوا أحدًا عن أمواله.

لا حلّ لهذا إلا ببناء شبكات موثوقة. كما قلنا من قبل، البيتكوين عظيم، لكنه لن يصلح الجزء البدائي من أدمغتنا. إنما استطاع البيتكوين أن يوفر مالًا من دون أطراف ثالثة موثوقة، لأن دفتره ذاتيّ الإشارة. وعلى الذين يستعملون البيتكوين أن يفكروا دائمًا بعقلية مسؤولية المشتري. من خلال بروتوكولات الدفع، وشبكات الثقة، والعقود الذكية، وعقود جي بي جي GPG، ومجامع التصويت، يمكن للمستخدمين أن يخففوا خطر أنواع متعددة من التجارة.

الحركة الرابحة الوحيدة هي ألّا تصرف

نحن في حالة حرب شاملة. كل من يمسك البيتكوين يحاول أن يحصل على مزيدٍ بالاحتيال على غيره أو بإقناعهم أن الدخول في البيتكوين لا يستحق وجعة الرأس. وكل من ليس عنده بيتكوين قد احتيل عليه إما ليبيع وإما ليبتعد عن الموضوع من أصله. يتطلب امتلاك البيتكوين المعرفة وإرادة التعلم والرغبة في رؤية مستقبل يسود فيه البيتكوين، أما عدم امتلاكه أو صرفه فهو فاقد لأحد هذه الثلاثة. إذا كان معك بيتكوين، فخذ نفسًا في كل مرة تريد فيها أن ترسل بعضًا منه لشخص آخر. واسأل نفسك هل يستحق هذا الإنسان مقادير لا علم بها من الثروة في المستقبل مقابل صبّ كأس شراب لك؟ قد تجد في نفسك رغبة لتمسك أكثر.

البتكنة الفائقة ليست قوّة يمكن الاستخفاف بها. فحتى المدخرات الهامشية بالبيتكوين اليوم، ستشكل أغلبية معتبرة في موازنة صاحبها غدًا. وإذا حدثت، فلا رجوع عنها. يومًا ما، ستبلغ موازنتك البيتكوينية مبلغًا لا ترى بعده الفاصلة تذهب إلى اليمين مرة أخرى. لن تبطئ البيتكوين لأحدٍ في سباقها على الطريق من العبودية إلى السيادة العالمية (والتحرير العالمي؟). لا تتخلّ عن مقعدك لأي أحد.

«محتال» وصف، لا تهمة.

Tagged : / /

محاربة الاستعمار المالي بالبيتكوين

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: NoorSudan Hodl | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: يونيو 2021

لم تزل فرنسا تستعمل الاستعمار المالي لاستغلال خمسة عشر بلدًا إفريقيًّا، هل يشكّل البيتكوين المخرج؟

في خريف عام 1993، كانت عائلة الشاب فودي ديوب تدخر من أجل مستقبله. كان فودي شابًّا ذكيًّا يبلغ من العمر 18 عامًا يعيش في السنغال، أمامه طريق مشرق كلاعب كرة سلة ومهندس. ساعده والده المعلّم في المدرسة في العثور على الإلهام في أجهزة الكمبيوتر والتواصل مع العالم من حوله. وساعدته مواهبه الرياضية على الحصول على مِنَح دراسية في أوروبا والولايات المتحدة.

لكن عندما استيقظ صباح 12 يناير 1994، تغير كل شيء. بين ليلة وضحاها، فقدت عائلة فودي نصف مدخراتها. لم يكن السبب سرقةً أو سطوًا على البنوك أو إفلاس شركة ولكن بخسًا لقيمة العملة، فرضَتْه قوة أجنبية مقرها على بعد 5000 كيلومتر من السنغال.

في الليلة السابقة، التقى المسؤولون الفرنسيون مع المسؤولين الأفارقة في داكار لمناقشة مصير “فرنك مجتمع إفريقيا الفرنسي”، المعروف على نطاق واسع باسم الفرنك الإفريقي أو “سيفا” باختصار. طول حياة فودي، كان فرنك سيفا مربوطًا بالفرنك الفرنسي بمعدل 1 إلى 50، ولكن عندما انتهى الاجتماع في وقت متأخر من الليل، أُعلن في منتصف الليل أن القيمة الجديدة هي بمعدل 1 إلى 100.

المهزلة الوقحة هي أن المصير الاقتصادي لملايين السنغاليين كان خارج أيديهم تمامًا. وكان التخلص من الأسياد الاقتصاديين مستحيلًا تمامًا مهما زادت الاحتجاجات. لعقود طويلة، جاء رؤساء ومستعمرون وذهبوا، لكن الترتيب المالي الأساسي لم يتغير أبدًا. لم يكن النظام نظام عملة ورقية عاديًّا، بل كان أمكر وأشدّ غدرًا. كان نظام استعمار مالي.

آليّات نظام الفرنك الإفريقي

في الكتاب المنير للبصيرة، “آخر عملة استعمارية لإفريقيا: قصة الفرنك الإفريقي“، يروي الباحثان الاقتصاديان فاني بيجود وندونغو سامباسيلا التاريخ المأساوي، بل الصادم أحيانًا، للفرنك الإفريقي.

استعمرت فرنسا، مثل القوات الأوروبية الأخرى، العديد من الدول حول العالم في أوجها الإمبراطوري، بوحشية في كثير من الأحيان. بعد احتلال ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بدأ تفكك “الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية”. حارب الفرنسيون للحفاظ على مستعمراتهم، فخلّفوا جرّاء ذلك خسائر بشرية هائلة. على الرغم من سلسلة حروب عالمية مكلفة، فقدت الإمبراطورية الفرنسية الهند الصينية، ثم سوريا ولبنان، وفي النهاية، الأراضي الفرنسية في شمال إفريقيا، ومنها المستعمرة الاستيطانية الغنية بالنفط والغاز: الجزائر. لكن فرنسا كانت مصممة على ألا تفقد أراضيها في غرب إفريقيا ووسطها. فقد وفرت هذه القوى البشرية العسكرية خلال الحربين العالميتين وقدمت ثروة من الموارد الطبيعية كاليورانيوم والكاكاو والأخشاب والبوكسيت اغتنت بها العاصمة الفرنسية.

مع اقتراب عام 1960، أصبح إنهاء الاستعمار أمرًا لا مفر منه. توحدت أوروبا في فك ارتباطها بإفريقيا بعد سنين طويلة من النهب. لكن السلطات الفرنسية أدركت أن بإمكانها أكل الكعكة والاحتفاظ بها معًا، إذا هي تنازلت عن السيطرة السياسية وأبقت على السيطرة النقدية.

لا يزال هذا الميراث قائماً حتى اليوم في 15 دولة تستعمل اللغة الفرنسية وتستخدم عملة تسيطر عليها باريس: السنغال، مالي، ساحل العاج، غينيا بيساو، توغو، بنين، بوركينا فاسو، النيجر، الكاميرون، تشاد، الجمهورية الإفريقية الوسطى، الجابون، غينيا الاستوائية، وجمهورية الكونغو، وجزر القمر. في عام 2021، لا يزال الفرنسيون يمارسون السيطرة النقدية على أكثر من 2.5 مليون كيلومتر مربع من الأراضي الإفريقية، وهي مساحة تكافئ 80٪ من مساحة الهند.

بدأت فرنسا إنهاء الاستعمار رسميًا في عام 1956 عن طريق قانون “لا لوا كادر ديفير” (قانون الإصلاح)، وهو تشريع يمنح المستعمرات مزيدًا من الاستقلالية والحرية لإنشاء المؤسسات الديمقراطية وحقوق الاقتراع العام. وفي عام 1958، تم تعديل الدستور الفرنسي لتأسيس “لا كوميونيتي” (المجتمع): مجموعة مستقلة من أقاليم ما وراء البحار ذات الإدارة الديمقراطية. قام الرئيس شارل ديغول بجولة في المستعمرات في غرب ووسط إفريقيا لتخييرها بين حل الحكم الذاتي دون الاستقلال، من خلال “المجتمع” وبين الاستقلال التام الفوري. وأوضح أن الخيار الأول سيأتي بمنافع واستقرار، والخيار الثاني سيجرّ مخاطر وفوضى.

في عام 1960، كان عدد سكان فرنسا -وهو ٤٠ مليون نسمة- أكبر من عدد سكان دول مجتمع إفريقيا الفرنسي الخمس عشرة -وهو ٣٠ مليون نسمة-. أما اليوم، فيعيش 67 مليون نسمة في فرنسا و183 مليونًا في دول المجتمع. وحسب توقعات الأمم المتحدة، بحلول العام 2100، سيكون لدى فرنسا 74 مليون نسمة، ولدى دول المجتمع أكثر من 800 مليون. فإذا نظرنا إلى أن فرنسا لم تزل على رأس المصير المالي لهذه البلدان، رأينا أن الوضع شبيه بالفصل العنصري الاقتصادي.

كان الفرنك الإفريقي في أول أمره عام 1945، يساوي 1.7 فرنك فرنسي. في عام 1948، تم تعزيزه إلى 2 فرنك فرنسي. ولكن مع الوقت رُبط الفرنك الإفريقي باليورو في نهاية التسعينيات، فأصبح يساوي 0.01 فرنك فرنسي. وهو بَخْس إجمالي لقيمة العملة بنسبة 99.5٪. في كل مرة خفضت فيها فرنسا قيمة الفرنك الإفريقي، زادت قوتها الشرائية مقابل مستعمراتها السابقة، وزادت تكلفة استيراد السلع الحيوية عليهم. في عام 1992، استطاع الشعب الفرنسي التصويت على تبني اليورو من خلال استفتاء وطني. أما دول مجتمع إفريقيا الفرنسي فحُرمت من أي حق تصويت، واستُبعدت من المفاوضات التي رُبطت فيها أموالهم بعملة جديدة.

تطورت آلية المجتمع الفرنسي منذ إنشائه، لكن وظائفه الأساسية وطرائق استغلاله لم تتغير. يصف بيغود وسيلا هذه الوظائف والطرائق بـ “نظرية التبعية”، إذ “تُستنْزَف موارد الدول النامية المحيطية باستمرار لصالح الدول الغنية… ولا تستثمر الدول الغنية في الدول فقيرة الدخل لجعلها أكثر ثراءً … [هذا] الاستغلال تطور بمرور الوقت من أنظمة العبودية الوحشية إلى وسائل أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا للحفاظ على العبودية السياسية والاقتصادية “.

تخدم ثلاثة بنوك مركزية اليوم دول المجتمع الفرنسي الخمس عشرة: البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وبنك دول إفريقيا الوسطى (BEAC)، والبنك المركزي لجزر القمر (BCC). تحتفظ البنوك المركزية باحتياطات النقد الأجنبي (أي المدخرات الوطنية) للدول الفردية في منطقتها، التي يجب أن تُبقي على نسبة مذهلة تبلغ 50٪ لدى الخزانة الفرنسية. هذا الرقم، رغم ارتفاعه، هو نتيجة مفاوضات تاريخية. في الأصل، كان على المستعمرات السابقة الاحتفاظ بنسبة 100٪ من احتياطاتها في فرنسا، ثم في سبعينيات القرن الماضي، اكتسبت حق السيطرة على بعضها والتنازل عن 65٪ “فقط” لباريس. ليس لدول مجتمع إفريقيا الفرنسي أي سلطة على احتياطاتها المخزنة في الخارج. في الواقع، لا تعرف هذه الدول أصلًا كيف تنفَق أموالها. وفي الوقت نفسه، تعرف باريس بالتفصيل كيف تُنفَق أموال كل دولة من دول المجتمع الفرنسي حيث تدير “حسابات تشغيل” لكل بلد عن طريق البنوك المركزية الثلاثة.

على سبيل المثال عندما تبيع شركة من ساحل العاج قهوة قيمتها مليون دولار لمشتر صيني، يُبدَّل اليوان من المشتري باليورو في سوق العملات الفرنسية. ثم تستودع الخزانة الفرنسية اليورو وتضيف المبلغ بالفرنك الإفريقي إلى حساب الدين لساحل العاج في BCEAO، ثم تحول بعد ذلك إلى حساب صانع القهوة محليًا. كل الخطوات تمر عبر باريس. وفقًا لـ بيغود وسيلا، لا تزال فرنسا تصنع جميع العملات الورقية والعملات المعدنية المستخدمة في دول المجتمع الفرنسي، وتتقاضى 45 مليون يورو سنويًا مقابل الخدمة وهي أصلًا تمتلك 90 ٪ من احتياطي الذهب لهذه الدول، حوالي 36.5 طنًا.

يمنح نظام المجتمع الفرنسي خمس ميزات رئيسية للحكومة الفرنسية: مزيدًا من الاحتياطات تحت تصرفها، وأسواقًا كبيرة للصادرات الغالية و الواردات الرخيصة، وقدرةً على شراء المعادن الاستراتيجية بعملتها المحلية دون استنزاف احتياطاتها، وقروضًا ملائمة عندما تكون دول المجتمع الفرنسي في حالة ائتمان، ومعدلات فائدة مناسبة عندما تكون الدول مدينة (لفترات من التاريخ، تجاوز معدل التضخم الفرنسي معدل فائدة القرض، أي إن فرنسا كانت تجبر دول مجتمع إفريقيا الفرنسي على دفع رسوم لتخزين احتياطاتها في الخارج)، وأخيراً، القرض المزدوج، الذي تقترض بموجبه دولة من دول المجتمع الفرنسي أموالاً من فرنسا، وفي سعيها لاستعمال رأس المال، ليس أمامها خيار إلا أن تتعاقد مع شركات فرنسية بسبب ظروف الاقتصاد الكلي السيئة. فيعود أصل القرض إلى فرنسا على الفور ولكن الدولة الإفريقية تبقى مُثقلة بأصل الدين والفائدة.

هذا يؤدي إلى ظاهرة شبيهة بـ”إعادة تدوير البترودولار” (التي تحصل فيها المملكة العربية السعودية على دولارات من مبيعاتها النفطية، لتستثمرها مرة أخرى في سندات الخزانة الأمريكية)، حيث كان مصدرو دول المجتمع الفرنسي يبيعون المواد الخام لفرنسا تاريخيًا، ويجمع البنك المركزي الإقليمي جزءًا من العائدات ليستثمرها مرة أخرى في ديون البلد الأمّ من خلال ديون الحكومات الفرنسية أو الأوروبية اليوم. ثم عندنا الصرافة الانتقائية للفرنك الإفريقي. يمكن للشركات بسهولة بيع الفرنك الإفريقي مقابل اليورو اليوم (والفرنك الفرنسي سابقًا)، ولكن لا يمكن للمواطنين الذين يحملون الفرنك الإفريقي خارج منطقة البنك المركزي تصريفه رسميًا في أي مكان. فالفرنك تقريبًا عديم الفائدة مثله مثل الطوابع البريدية. فإذا أرادت مواطنة من ساحل العاج مغادرة بلدها، وجب عليها أوّلًا تصريف أموالها باليورو، لتختلس الخزانة الفرنسية والبنك المركزي الأوروبي منها أجر الصكّ من خلال سعر الصرف.

القمع النقدي هو أن فرنسا تجبر دول المجتمع الفرنسي على الاحتفاظ بكمية ضخمة من الاحتياطيات في الخزائن الباريسية، وهو ما يمنع الأفارقة من تأسيس ائتمان محلي. فتضطر البنوك المركزية المحلية الإفريقية إلى إقراض القليل جدًا بمعدلات عالية جدًا، بدلاً من إقراض المزيد بمعدلات منخفضة. فتجبر دول المجتمع الفرنسي على شراء الديون الفرنسية أو الأوروبية باحتياطاتها الاستراتيجية.

وأدهَش الأشياء هو مزيّة حق الرفض الأول على الواردات والصادرات. إذا كنت منتج قطن في مالي، فيجب عليك أولًا عرض بضائعك على فرنسا، قبل أن تذهب إلى الأسواق الدولية. أو إذا كنت في بنين وتريد بناء مشروع بنية تحتية جديد، فيجب أن تفكر في المناقصات الفرنسية قبل غيرها. كان هذا يعني تاريخيًّا أن فرنسا كانت قادرة على الوصول إلى سلع أرخص من السوق من مستعمراتها السابقة، وبيع سلعها وخدماتها بأسعار أعلى من السوق.

يسمي بيغود وسيلا هذه الظاهرة استمرار “الميثاق الاستعماري”، الذي قام على أربعة مبادئ أساسية: “منع المستعمرات من التصنيع، وإجبارها على تزويد البلد الأم (فرنسا) بالمواد الخام لكي تحولها إلى منتجات ثم تبيعها مرة أخرى للمستعمرات نفسها، حق البلد الأم (فرنسا) باحتكار الصادرات والواردات الاستعمارية وحقها أيضًا باحتكار شحن منتجات المستعمرات إلى الخارج، وأخيرًا، تفضيل البلد الأم لمنتجات المستعمرات”.

والنتيجة، حالةٌ “تتوفر فيها احتياطات القطع الأجنبي مع البنوك المركزية، وتدفَع عليها فوائد سلبية، فتحتفظ البنوك التجارية بسيولة زائدة، ويحصَّص الوصول إلى ائتمان المنازل والشركات، وتُلزَم فيها الدول بازدياد على الالتزام بديون بعملات أجنبية عليها نسب فائدة عالية لا يمكن دفعها، وهو ما يزيد هروب رؤوس الأموال أكثر.

اليوم، أصبح نظام المجتمع الفرنسي “إفريقيًا”، أي إن العملات الورقية المحلية تُظهر الثقافة الإفريقية ونباتات إفريقيا وحيواناتها، وتقع البنوك المركزية في داكار وياوندي وموروني ولكن هذه تغييرات سطحية. لا تزال الأوراق النقدية تُصنع في باريس، ولا تزال السلطات الفرنسية تدير حسابات التشغيل، ولا يزال المسؤولون الفرنسيون أعضاءً في مجالس الإدارة للبنوك المركزية المحلية ويملكون حق النقض (الفيتو). إنه وضع ملفت، يتخذ قرارات مواطن الغابون فيه موظّف فرنسي نيابة عنه. تمامًا كما لو كان لدى البنك المركزي الأوروبي أو الاحتياطي الفيدرالي مسؤولون من اليابان أو روسيا يقررون نيابة عن الأوروبيين والأمريكيين.

تاريخيا عمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتنسيق مع فرنسا لفرض نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي وقلّما انتقد طبيعته الاستغلالية. في الواقع، قضى نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية، الذي قاد فيه الأمريكيون البنك الدولي والأوروبيون صندوق النقد الدولي، بأن منصب المدير العام لصندوق النقد الدولي محجوز غالبًا لمسؤول فرنسي، وتشغله اليوم الفرنسية كريستين لاغارد. مع مرور السنين، ساعد صندوق النقد الدولي فرنسا في الضغط على دول مجتمع إفريقيا الفرنسي لمتابعة سياساتها. كان المثال البارز في أوائل التسعينيات، عندما رفض ساحل العاج تخفيض قيمة عملته، لكن أصر الفرنسيون على هذا ذلك. يقول بيغورد وسيلا: “في نهاية عام 1991، رفض صندوق النقد الدولي إقراض المال لساحل العاج، وعرض على البلد خيارين. فإما أن تسدد الدولة الديون المتعاقد عليها مع الصندوق وإما ان تقبل بتخفيض قيمة العملة “. وخضعت ساحل العاج ودول الاتحاد المالي الإفريقي الأخرى ووافقت على تخفيض قيمة العملة بعد ثلاث سنوات.

دعمُ المسؤولون الفرنسيون gلطغاة في دول المجتمع الفرنسي على مدى العقود الستة الماضية مناقضةٌ للقيم المدنية التي بنيت عليها فرنسا: “الحرية، والمساواة، والإخاء”. على سبيل المثال، قضى ثلاثة طغاة -هم عمر بونغو في الغابون، وبول بيا في الكاميرون، وغناسينغبي إياديما في توغو- 120 عامًا في السلطة مجتمعين. كانت شعوبهم تريد طردهم من مناصبهم لو لم يقدم الفرنسيون المال والأسلحة والغطاء الدبلوماسي لهم. ذكر بيغورد وسيلا أن باريس في 1960 و1991، “نفذت ما يقرب من 40 تدخلاً عسكريًا في 16 دولة للدفاع عن مصالحها”. هذا الرقم هو بالتأكيد أعلى اليوم.

بمرور الوقت، سمح نظام المجتمع الفرنسي لفرنسا باستغلال موارد وعمالة دول المجتمع الفرنسي ومنع تراكم رأس المال وتطوير الاقتصاد ونمو الصادرات. هذا سبب كارثه على التنمية البشرية.

اليوم يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم في ساحل العاج (بالدولار) حوالي 1700 دولار، مقارنة بـ 2500 دولار في أواخر السبعينيات. في السنغال، لم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم المرتفعات التي بلغها في الستينيات حتى عام 2017. كما لاحظ بيغورد وسيلا، “سجلت 10 ولايات في منطقة الفرنك أعلى مستوياتها من متوسط ​​الدخل قبل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في الأربعين سنة الماضية، تدهور متوسط ​​القوة الشرائية في كل مكان تقريبًا. في الغابون، تم تسجيل أعلى متوسط ​​دخل في عام 1976، أقل بقليل من 20000 دولار. بعد أربعين عامًا، تقلص الى النصف. انضمت غينيا بيساو إلى [نظام المجتمع الفرنسي] في عام 1997، وهو العام الذي سجلت فيه ذروة متوسط ​​دخلها. بعد 19 عامًا، انخفض بنسبة 20٪ “.

تعتبر الأمم المتحدة أن دول المجتمع الفرنسي العشر من الدول “الأقل نمواً”، إلى جانب دول مثل هايتي واليمن وأفغانستان. في تصنيفات دولية مختلفة، صُنّفت النيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وغينيا بيساو من أفقر البلدان في العالم. تحتفظ فرنسا بنسخة متطرفة مما سماه ألين فارينجتون “منجم سلب رؤوس الأموال“.

لخص السياسي السنغالي أمادو لامين غيي نظام المجتمع الفرنسي بأنه نظام على المواطنين فيه “واجبات فقط وليس لهم حقوق”، وأن “مهمة الأراضي المستعمَرة هي الإنتاج الكثير، وإنتاج ما يتجاوز احتياجاتهم الخاصة، والإنتاج على حسابهم. من أجل رفع المستوى المعيشي لفرنسا وتأمين الإمدادات لها”. بالطبع، تقاوم فرنسا هذا الوصف وترفضه. كما قال وزير الاقتصاد الفرنسي ميشيل سابين في أبريل 2017، “فرنسا موجودة هناك كصديق”.

قد يسأل القارئ: هل تقاوم الدول الإفريقية هذا الاستغلال؟ الجواب هو نعم، لكنهم يدفعون ثمناً باهظاً. أدرك القادة القوميون الأوائل من حقبة الاستقلال الإفريقي القيمة الحاسمة للحرية الاقتصادية.

صرّح كوامي نكروما في عام 1963: “ليس الاستقلال سوى مقدمة لنضال جديد وأكثر تعقيدًا من أجل الحق في إدارة شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية [..] دون عائق من سحق وإهانة السيطرة والتدخل الاستعماري الجديد”. الحركة التي جعلت من غانا أول دولة مستقلة في إفريقيا جنوب الصحراء. لكن على مدار تاريخ منطقة المجتمع الفرنسي كان تصرف القادة الوطنيين الذين واجهوا السلطات الفرنسية سيّئًا.

في عام 1958 حاولت غينيا المطالبة باستقلالها النقدي. في خطاب شهير، قال القومي المشاغب سيكو توري لشارل ديغول الزائر: “نفضل الفقر في الحرية على البذخ في العبودية”، وبعد فترة قليله غادر نظام المجتمع الفرنسي. وفقًا للواشنطن بوست، “ردًّا على الانسحاب، وتحذيرًا للمناطق الأخرى الناطقة بالفرنسية، انسحب الفرنسيون من غينيا خلال فترة شهرين، وأخذوا معهم كل ما في وسعهم. فكّوا مصابيح الكهرباء، وأزالوا مخططات خطوط أنابيب الصرف الصحي في العاصمة كوناكري، وأحرقوا الأدوية لئلا يتركوها للغينيين “.

 ثم أطلق الفرنسيون عملية برسيل  الانتقامية لزعزعة الاستقرار، حيث قامت المخابرات الفرنسية وفقًا لبيغورد وسيلا بتزوير كميات ضخمة من الأوراق النقدية الغينية الجديدة ثم سكبها سكبًا جماعيًّا في البلاد.  وهو ما سبب “انهيار الاقتصاد الغيني”. تحطمت آمال البلاد الديمقراطية ومواردها المالية، وتمكن توري من ترسيخ سلطته في الفوضى وبدء حكمه الوحشي الذي طال 26 عامًا.

في يونيو 1962 ، أعلن زعيم الاستقلال المالي موديبو كيتا أن مالي ستغادر المجتمع الفرنسي لسك عملتها الخاصة. وأوضح كيتا بالتفصيل أسباب هذه الخطوة، مثل التبعية الاقتصادية المفرطة (80٪ من واردات مالي تأتي من فرنسا)، وتركيز سلطات اتخاذ القرار في باريس، وتوقف التنويع الاقتصادي والنمو.

وقال عن الوضع الحالي “صحيح أن رياح إنهاء الاستعمار قد مرت على الصرح القديم ولكنها لم تهزه كثيرا”. رداً على ذلك، جعلت الحكومة الفرنسية الفرنك المالي غير قابل للصرف. فجرّ ذلك أزمة اقتصادية عميقة، وأطيح بكيتا في انقلاب عسكري في عام 1968. فاختارت مالي العودة للمجتمع الفرنسي لكن الفرنسيين فرضوا تخفيضين لقيمة الفرنك المالي شرطًا للرجوع، ولم يسمحوا بالعودة مرة أخرى. حتى 1984.

في عام 1969، طلب الرئيس حماني ديوري النيجري ترتيبًا أكثر “مرونة”، لتتمتع بلاده باستقلال نقدي أكبر، لكن الفرنسيين رفضوا. وهددوه بوقف دفع ثمن اليورانيوم الذي كانوا يحصدونه من مناجم الصحراء، الذي يمنح فرنسا الاستقلال في مجال الطاقة من خلال الطاقة النووية. بعد ست سنوات، أطاح الجنرال سين كونتشي بحكومة ديوري، قبل ثلاثة أيام من الاجتماع المخطط لإعادة التفاوض لسعر اليورانيوم النيجيري. أراد ديوري رفع الثمن، لكن السادة المستعمرين اختلفوا معه. كان الجيش الفرنسي متمركزًا في مكان قريب أثناء الانقلاب، لكنه، كما ذكر بيغود وسيلا، لم يحرك ساكنًا.

في عام 1985، سُئل القائد العسكري الثوري توماس سانكارا من بوركينا فاسو في مقابلة، “هل الفرنك الإفريقي سلاح للهيمنة على إفريقيا؟ هل تخطط بوركينا فاسو لمواصلة تحمل هذا العبء؟ لماذا يحتاج الفلاح الإفريقي في قريته إلى عملة قابلة للصرف؟ ” أجاب سنكارا: “لا يهم الفلاح الإفريقي إذا كانت عملته قابلة للصرف أو لا، فقد انغمس ضد إرادته في نظام اقتصادي لا حول له ولا قوة ضده “.

اغتيل سانكارا بعد ذلك بعامين على يد صديقه المقرب والثاني في القيادة، بليز كومباوري. لم تعقد محاكمة للتحقيق عن الجريمة. بل استولى كومباوري على السلطة والحكم حتى عام 2014، وكان خادمًا مخلصًا ووحشيًا لنظام المجتمع الفرنسي.

نضال فريدة نامبوريما في سبيل الحرية المالية التوغولية

في كانون الأول (ديسمبر) 1962، قرر أول زعيم توغولي بعد الاستعمار سيلفانوس أوليمبيو إنشاء بنك توغو المركزي والفرنك التوغولي. لكن في صباح يوم 13 يناير / كانون الثاني 1963، قبل أيام من اقترابه من هذا الانتقال، قُتل برصاص جنود توغوليين كانوا قد تدربوا في فرنسا. كان نياسيجبي إياديما أحد الجنود الذين ارتكبوا الجريمة. استولى لاحقًا على السلطة وأصبح دكتاتور توغو بدعم فرنسي كامل، وحكم لأكثر من خمسة عقود وروج للفرنك الإفريقي حتى وفاته في 2005. ابنه يحكم حتى يومنا هذا. لم يحكَم في قضية جريمة قتل أوليمبيو.

لطالما شاركت عائلة فريدة نابوريما في النضال من أجل حقوق الإنسان في توغو. كان والدها زعيما نشطا للمعارضة وقبض عليه وأصبح سجينًا سياسيًّا. كان معارضًا للفرنسيين خلال الحقبة الاستعمارية. اليوم، فريدة شخصية بارزة في الحركة الديمقراطية في البلاد.

كانت فريدة تبلغ من العمر 15 عامًا عندما علمت أن تاريخ دكتاتورية توغو متشابك مع الفرنك الإفريقي. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت قد بدأت في مساءلة والدها، وطرحت عليه أسئلة حول تاريخ بلدها. فاستفسرت من أبيها “لماذا اغتيل رئيسنا الأول بعد سنوات قليلة من استقلالنا؟”.

فأجابها والدها: “لأنه قاوم الفرنك الإفريقي”

في عام 1962، بدأ أولمبيو التحرك نحو الاستقلال المالي والانقسام عن فرنسا. صوت البرلمان لصالح هذا التحول، وإنشاء فرنك توغولي والاحتفاظ بالاحتياطات في البنك المركزي الخاص بهم. صُدمت فريدة عندما علمت أن أوليمبيو اغتيل قبل يومين فقط من موعد مغادرة توغو للمجتمع الفرنسي. على حد تعبيرها: “اعتُبر قراره بالسعي إلى الحرية النقدية إهانة للهيمنة في إفريقيا الفرنكوفونية. كانوا خائفين من أن يتبعهم الآخرون “.

 في يومنا هذه تقول فريدة إن نظام المجتمع الفرنسي هو السبب الرئيس للسعي إلى الحرية، بالنسبة إلى كثير من النشطاء في توغو، “هذا ما يحرّك الكثيرين في المعارضة”.

الأسباب واضحة. قالت فريدة إن فرنسا تحتفظ بأكثر من نصف احتياطيات توغو في بنوكها، حيث لا يتمتع شعب توغو بأي رقابة على كيفية إنفاق هذه الاحتياطيات. في كثير من الأحيان، يتم استخدام هذه الاحتياطيات، التي يكسبها التوغوليون، لشراء الديون الفرنسية لتمويل أنشطة الشعب الفرنسي. غالبًا ما يتم إقراض هذه الأموال للسيادة الاستعمارية بعائد حقيقي سلبي. يدفع التوغوليون لباريس مقابل الاحتفاظ بأموالهم من أجلهم، وفي ذات الوقت يمولون المستويات المعيشية للشعب الفرنسي.

في عام 1994، أثر على التوغوليين بشدة بخس العملة الذي سرق مدخرات عائلة فودي ديوب في السنغال، لأنه سبب زيادة هائلة للدين الوطني، وخفض التمويل العام للبنية التحتية المحلية ومحاربة الفقر.

قالت فريدة: “تذكر، إن حكومتنا مجبرة على منح الأولوية للاحتفاظ باحتياطاتنا في البنك الفرنسي على الإنفاق في بلادنا، لذلك عندما تأتي أزمة، علينا أن نحط من قدر أنفسنا، لضمان وجود مبلغ مناسب من النقد في أيدي الباريسيين. “

هذا يخلق مناخًا من التبعية حيث يضطر التوغوليون إلى شحن المواد الخام إلى الخارج وإحضار السلع التامة الصنع دون حفر طريقها المستقل.

قالت فريدة إنه منذ حوالي 10 سنوات، اكتسبت الحركة المناهضة للمجتمع الفرنسي مزيدًا من الدعم. بفضل الهواتف الجوالة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمكن الناس من الاتحاد والتنظيم بطريقة لامركزية. قالت إنها اعتادت أن يكون سكان ساحل العاج والتوغو يكافحون بشكل منفصل، لكن الآن هناك جهد إقليمي بين النشطاء.

لسنوات طويله ظهرت فكرة العملة “البيئية” لجميع دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، من ضمنها القوات الاقتصادية الإقليمية نيجيريا وغانا. قالت فريدة إن الفرنسيين حاولوا اختطاف هذه الخطة، وجعلوها وسيلة لتوسيع إمبراطوريتهم المالية. في عام 2013، شكل الرئيس آنذاك فرانسوا هولاند لجنة أنشأت وثيقة للمستقبل الفرنسي في إفريقيا. وذُكر في هذه اللجنة أنه من الضروري إشراك البلدان الناطقة بالإنجليزية مثل غانا.

تحاول إدارة إيمانويل ماكرون الآن إعادة تسمية الفرنك الإفريقي إلى الإيكو (BCEAO)، في عملية مستمرة لصبغ النظام الاستعماري المالي الفرنسية بصبغة إفريقية. تراجعت نيجيريا وغانا عن مشروع Eco، لأنهم أدركوا أن الفرنسيين سيستمرون في السيطرة. لم يحدث شيء رسمي حتى الآن، ولكن البلدان التي يديرها حاليًا البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO) تسير على الطريق الصحيح للتحول إلى هذه العملة الاقتصادية بحلول عام 2027. سيظل لدى الفرنسيين قدرة اتخاذ القرار، ولا توجد أي خطط رسمية لتقويم المصرفية المركزية في دول المجتمع الفرنسي أو في جزر القمر.

قالت فريدة: “إنها قمة النفاق من قبل القادة الفرنسيين مثل ماكرون أن يذهبوا إلى مؤتمرات دافوس ويقولوا إنهم أنهوا الاستعمار، وهم في الحقيقة يحاولون توسيعه”.

وقالت إنه في الأصل تم إنشاء الفرنك الإفريقي على أساس خطة العملة المستخدمة من قبل المحتلين النازيين لفرنسا. خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأت ألمانيا عملة وطنية للمستعمرات الفرنسية حتى تتمكن بسهولة من التحكم في الواردات والصادرات باستخدام رافعة مالية واحدة فقط. عندما انتهت الحرب واستعاد الفرنسيون حريتهم قرروا استخدام نفس النموذج تمامًا لمستعمراتهم. لذلك، قالت فريدة، إن أساس الفرنك الإفريقي هو حقًا أساس نازي.

إنه نظام عبقري شرير، تمكن به الفرنسيون مع مرور الوقت من طباعة النقود لشراء سلع حيوية من مستعمراتهم السابقة، لكن يتعين على تلك البلدان الإفريقية العمل لكسب الاحتياطيات المالية.

قالت فريدة: “هذا ليس عدلاً، إنه ليس استقلالاً”. “إنه استغلال تام.”

تدّعي فرنسا أن النظام جيّد لأنه يوفّر استقرارًا وتضخّمًا قليلًا وقابلية للتحويل للشعب التوغولي. لكن قابلية التحويل هذه لا تسهّل إلا هروب رأس المال، لأنها تسهّل على الشركات الخروج من المجتمع الفرنسي وحفظ أرباحهم باليورو، وفي الوقت نفسه توقع توغو في نظام قائم على أجر الصك. فحالما يحوّل الفرنك الإفريقي –ولا بد أن يحول، إذ لا يمكن استعماله خارج المنطقة الاقتصادية للمواطن- يأخذ الفرنسيون والأوروبيون حصتهم.

قالت فريدة إن التضخم في توغو منخفض فعلًا عنه في الدول المستقلة لكن الكثير من أرباحها تستعمل لمحاربة التضخم بدلاً من دعم البنية التحتية ونمو الصناعة في الداخل. وأشارت إلى نمو غانا التي تتمتع بسياسة نقدية مستقلة وتضخم كان أعلى بمرور الوقت من دول المجتمع الفرنسي مقارنة بتوغو. دولة غانا متفوقة بأي مقياس من حيث الرعاية الصحية، نمو الطبقة الوسطى والبطالة. في الواقع عندما تكبر الصورة قالت فريدة إنه لا توجد دولة واحدة من دول المجتمع الفرنسي من بين أغنى 10 دول في إفريقيا. أما أفقر 10 دول فنصفها من هذا المجتمع.

تقول فريدة إن الاستعمار الفرنسي يتجاوز المال إلى التعليم والثقافة. وقالت على سبيل المثال، يقدم البنك الدولي 130 مليون دولار سنويًا لدعم البلدان الناطقة باللغة الفرنسية لدفع ثمن كتب المدارس العامة. تقول فريدة إن 90٪ من هذه الكتب مطبوعة في فرنسا. تذهب الأموال مباشرة من البنك الدولي إلى باريس وليس إلى توغو أو إلى أي دولة إفريقية أخرى. قالت فريدة إن الكتب هي أدوات لغسيل المخ. إنهم يركزون على مجد الثقافة الفرنسية، ويقوضون إنجازات الدول الأخرى، سواء كانت أمريكية أو آسيوية أو إفريقية.

في المدرسة الثانوية، سألت فريدة والدها: “هل يستخدم الناس أي لغة أخرى غير الفرنسية في أوروبا؟” فضحك والدها. لقد تعلموا فقط التاريخ الفرنسي والمخترعين الفرنسيين والفلاسفة الفرنسيين. نشأت وهي تفكر أن الأذكياء الوحيدين هم فرنسيون. لم تقرأ قط كتابًا أمريكيًا أو بريطانيًا قبل سفرها إلى الخارج لأول مرة.

بشكل عام، قالت فريدة إن إفريقيا الفرنسية تستهلك 80٪ من الكتب التي تطبعها فرنسا. يريد الرئيس ماكرون التوسع في هذه الهيمنة ، ووعد بإنفاق مئات الملايين من اليورو لتعزيز الفرنسية في إفريقيا ، معلناً أنها يمكن أن تكون “اللغة الأولى” للقارة ووصفها “بلغة الحرية”. بالاتجاهات الحالية، عند حلول عام 2050، يمكن أن يعيش 85 ٪ من جميع المتحدثين باللغة الفرنسية في إفريقيا. اللغة هي أحد دعائم بقاء الفرنك الإفريقي.

السياسة شيء آخر. جزء مهم من نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي هو الدعم الفرنسي للديكتاتورية. باستثناء السنغال، لم تشهد أي دولة من دول الاتحاد المالي الإفريقي على الإطلاق عملية ديمقراطية حقيقية. قالت فريدة إن كل طاغية ناجح في إفريقيا الفرنكوفونية يتمتع بدعم كامل من الدولة الفرنسية. كلما حدث انقلاب على الديمقراطية، فإن الفرنسيين يدعمون الانقلابيين ما داموا يؤيدون مجتمع إفريقيا الفرنسي. لكن في اللحظة التي يكون فيها لأي شخص ميول معادية للفرنسيين، ترى عقوبات أو تهديدات أو حتى اغتيالات.

تشير فريدة إلى مثال تشاد ومالي اليوم. كلا البلدين تحت تهديد الإرهاب والتمرد. في تشاد، دعمت فرنسا الدكتاتور العسكري الراحل إدريس ديبي لمدة ثلاثة عقود حتى وفاته في أبريل. وفقًا للدستور التشادي، يكون رئيس البرلمان التالي في الترتيب ليكون رئيس الدولة، ولكن نصب الجيش ابن ديبي، وهو جنرال في الجيش. أشادت الحكومة الفرنسية بهذا الانتقال غير القانوني، حتى أن الرئيس ماكرون زار تشاد قبل شهرين للاحتفال بهذا الانتقال الوهمي. وفي خطاب تكريم، وصف ديبي بـ”الصديق” و “الجندي الشجاع” وقال: “لن تسمح فرنسا لأي شخص أن يشكك أو يهدد استقرار تشاد وسلامته اليوم أو غدًا”. الابن، بالطبع، سيروج للفرنك الإفريقي.

من ناحية أخرى، قالت فريدة إن مالي تعرضت لانقلاب بعد شهر من الانقلاب في تشاد. المجلس العسكري والسكان ليسوا ودودين مع باريس ويبدو أنهم يسعون لروسيا كشريك جديد لإعاقة الإرهاب.  وصفت الحكومة الفرنسية الانقلاب بأنه “غير مقبول”، وهددت بسحب القوات من مالي “لتركهم وحدهم مع الإرهابيين” حسب رواية فريدة. تعاقب فرنسا مالي لارتكابها نفس الشيء الذي فعلته تشاد. هناك استبداد وفساد من الجانبين. الاختلاف الوحيد هو أن مالي أرادت الابتعاد عن السيطرة النقدية الفرنسية، بينما لا تزال تشاد تتعاون.

قالت فريدة: “عندما تكون دكتاتورًا، إذا كنت تعمل لصالح فرنسا، فإنهم يواصلون البحث عن الأعذار لمساعدتك للبقاء في السلطة”. لقد فعلوا نفس الشيء في بلدها توغو في عام 2005، مما أدى إلى تولي ولي العهد للسلطة من بعد أبيه الدكتاتور، ومن ثم إلى صحوتها السياسية.

فودي ديوب في مهمة لجلب البيتكوين إلى السنغال

لم ‏يستطع فودي ديوب أن ‏ينظر إلى وطنه السنغال من الخارج إلى أن جاءت فرصة سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في البداية كان انخفاض قيمة العملة مقابل الفرنك في العام ١٩٩٤ مهددًا لمستقبله الأكاديمي. أتيحت له الفرصة أن يدرس ويلعب كرة السلة في جامعة كنساس، ولكن مدخرات أسرته كانت مدمرّة بالكامل. لحسن حظه كان أمام أسرته خيار آخر، فقد كان لوالده حقوق طبع في مواد تعليمية كان قد أعدّها من قبل، كان بإمكان والده أن يستدين بعض المال مقابلها لسد حاجة ابنه المال وليمكنه من الدراسة.

في يوم ما بعد عدة سنوات مضت وبعد تخرجه من الجامعة وبينما كان فودي يعيش في أمريكا وكان وقتها يهم بإعداد فيديو جديد مع أخيه وجد ڤيديو على اليوتيوب للدكتور شيخ أنتا ديوب العالم والمؤرخ السنغالي وكان يتحدث فيه عن المال واللغة وكيف أن الإثنين قد يكونان أدوات للتحكم بعقول البشر وطريقة حياتهم.

كان فودي قد سمع باسم ديوب من قبل – أكبر جامعة في السنغال مسماة باسمه – ولكنه لم يستمع إلى حديثه ونقده لنظام فرنك المجموعة الإفريقية الفرنسية لقد أثر فيه هذا الطرح بشدة لدرجة أنه وصفها بأنها كانت لحظة كاللحظة في فلم “The matrix” الذي كان أحد أفلامه المفضلة عندما أختار (نيو) أن يأخذ الحبة الحمراء من (مورفيوس) ويخرج من كبسولته إلى العالم الحقيقي. أخيراً أصبح قادرًا على رؤية الأشياء تمامًا على حقيقتها.

” لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي بدأت أفكر فيها بنفسي” يقول فودي، “المرة الأولى التي لاحظت فيها أن عملة بلدي نفسها هي آلية للتسلط؟

 يعتقد فودا أن الأمر أكبر من مجرّد تحكم في العملة. فالفرنسيون لديهم كل البيانات، لأنهم هم الذين يطبعون ويتحكمون بالمال من خلال حساباتهم التشغيلية.

” لقد كانوا يعرفون تماماً ما الذي يحدث في كل البلدان. يعرفون تماماً من الفاسد. يعلمون تماماً من الذي كان يشتري العقارات في فرنسا. يعلمون ما المتوفر بالداخل بل لديهم الحق في قبول أو رفض أولويات الاستيراد التفضيلي. لقد كانت لديهم هيمنة كاملة” يقول فودي

سيتذكر في وقت لاحق خفض قيمة العملة في عام ١٩٩٤. وقتها كان عمره ١٨ عاماً فقط ولم يكن يستوعب تماماً ما حدث سوى أن وضع أسرته المادي أصبح أسوأ من قبل.

“كأنهم وضعوا كيسًا حول رأسك لكيلا ترى الحقيقة”

لكن بالعودة إلى الوراء نجد أن جزءًا كبيرًا من النقاش العام كان هذا الأمر. لقد فهم الناس ما يدور عندما حاولوا أن يحولوا عملتهم إلى الفرنك الفرنسي ووجدوا أنهم يحصلون فقط على نصف قيمة المبلغ رغم أنهم كانوا يؤدون نفس كمية العمل، التفسير من الجانب الفرنسي يقول فودي، هو جعل الصادر أرخص من قبل لكي يشجعوا الدول الإفريقية على الإنتاج. ولكن فودي يرى ذلك بشكل مختلف وكأن الجلاد الفرنسي يلهب ظهر الشعب ليشتري بضاعته بسعر أرخص.

ما زال أمام فودي “حبّتان حمراوان” الأولى منهما حدثت في عام ٢٠٠٧، عندما كان يعمل في لاس ڤيغاس في مجال التكنولوجيا. كان قد شاهد ڤيديو لستيڤ جوب الذي كان لتوّه قد أعلن عن آيفون للعالم. كان ذلك أمراً مذهلاً بالنسبة لفودي. ذلك الهاتف المحمول كان يشتغل بمجرد اللمس وجعل الكمبيوتر نفسه موجودًا في جيبك. لقد أدرك لحظتها أن ذلك سيغير العالم. أما ما فكر فيه لاحقًا هو: هل يمكن إدماج نظام الدفع في تطبيقات الآيفون ليمكن ذلك الأشخاص الذين ليس لديهم حسابات بنكية أو بطاقات ائتمانية من استخدامه كطريقة لتحويل الأموال؟

أما الحبة الحمراء الأخيرة فكانت عندما كان فودا يتعلم عن البيتكوين في عام ٢٠١٠. كان وقتها يعيش في لوس انجلوس عندما قرأ الورقة البيضاء التي كتبها ساتوشي ناكاموتو بعنون (بيتكوين نظام نقدي إلكتروني من نظير إلى نظير) حينها فكر فودي للمرة الأولى أن بيده سلاحًا ليدافع عن نفسه ضد القمع المالي والكولونيالية. مال يتحكم فيه الشعب وليس الحكومة. (هذا تماماً ما أحتاج إليه) فكر فودا بينه وبين نفسه.

قبل عدة سنوات قرأ فودي كتاباً بعنوان (خارج عن السيطرة) للكاتب كيڤن كيلي. في أحد أجزائه يتحدث الكتاب عن العملات الإلكترونية. لقد استوعب فودي أن جميع أشكال المال ستتحول إلى العالم الرقمي كجزء من تغير عالمي باتجاه الثورة الرقمية. لكنه لم يكن يدرك بعد كيف ستعيد هذه العملات تشكيل العالم إلا بعد أن عرف البيتكوين.

(ما هو المال؟ ومن أين يأتي؟ البيتكوين جعلني أطرح على نفسي هذه الأسئلة وأبحث لها عن إجابة. ولكن حتى ظهور البيتكوين لم أسائل مثل هذه الأسئلة قطّ)

“ربما يوما -فكر فودي – يوما ما لن يكون بإمكان فرنسا أن تتحكم في مال الشعب السنغالي أو تطبعه”

في السنين اللاحقة كان فودي وزميله في السكن في مدينة لاس فيغاس مستيقظين حتى وقت متأخر يفكران في هذه الفرضية وكيف أن البيتكوين سيجعل عمليات الدفع والتوفير بل العديد من الأنشطة الاقتصادية ممكنة. كان قد تعلم وقتها عن نظام الفيزا كارد وكيف أنه يظهر بياناتك الشخصية في كل مرة تستخدمه وكيف يمكن لطرف ثالث الاستفادة من هذه المعلومات.

يعتقد فودي أن الزواج بين البيتكوين والهواتف الذكية سيكون أمراً مذهلاً وسيكون أداة فعالة لتمكين الفرد. في كل مرة كان يعود فيها فودي إلى السنغال كان يحمل معه عدة هواتف ذكية محمولة ويعطيها لأصدقائه كهدايا لأنه كان يرى أهمية اتصالهم بالعالم الخارجي.

في السنوات التالية كان فودي قد عمل في عدة شركات تنشط في مجال رقمنة جوانب الحياة المختلفة. في العالم ٢٠١٧ ترك لاس فيغاس خلفه وتوجه نحو سان فرانسيسكو وانضم إلى معسكر لبرمجة الكمبيوتر كمهندس كمبيوتر. في البداية كان مهتماً بكل العملات الرقمية ككل لكنه فيما بعد تخلى عن شغفه بإيثيريوم مباشرة بعد عودته من سمنار في سان فرانسيسكو مع مؤسس شركة River أليكس ليشمان Alex Leishman. كان وقتها قد قابل العديد من مبرمجي شبكة البيتكوين والمستخدمين المبكرين لشبكة البرق.

‏ ‏في عام ٢٠١٩ فاز فودي بهاكاثون النقل عندما صنع إيصالاً على شبكة البرق قادراً على فتح سيارة تسلا. كان ذلك دافعاً كبيرا له وعزز ثقته بنفسه وإيمانه بأنه يستطيع تغيير العالم للأفضل. بعدها اتخذ قراره بالعودة إلى السنغال لنشر المعلومات وتعريف الناس بالبيتكوين. في طريق عودته تم منحه منحة ‏لحضور مؤتمر lightening في برلين، الذي أقامته المديرة التنفيذية لمؤسسة Lightning Labs إليزابيث ستارك. هنالك قابل فودي ريتشارد مايرز من GoTenna والمبرمج Will Clark الذي كان ينشط في مجال محاربة الرقابة التعسفية على الانترنت من خلال تقنية الشبكات المتداخلة (mesh networks). كان تفكير فودي أن شبكة الاتصالات في السنغال تتحكم بها شركة أورانج الفرنسية وفكر أنه ربما ما يكون للبيتكوين وشبكة lightening دور في كسر هذه الهيمنة في حال قررت هذه الشركة قطع الانترنت. 

تتحكم فرنسا بمنافذ اتصال السنغال بالإنترنت وتستطيع إغلاقها في حالة انتفاض الشعب ضد قائد البلاد الذي ستقف فرنسا إلى جانبه ما دام ملتزما بنظام المجتمع الفرنسي. ولكن ما زال هنالك ضوء في آخر النفق المظلم كما يقول فودي من خلال جهات أخرى بإمكانها توفير الإنترنت. بإمكانهم على سبيل المثال استخدام شبكات دول أخرى وحتى الاتصال عبر الأقمار الصناعية. قام فودي بصنع صندوق بإمكانه التقاط مختلف هذه الإشارات وكان بإمكانه إدخال الهواتف المحمولة بداخله مما يجعل مستخدميها متصلين بالإنترنت. ليشجع الآخرين للعمل بالمثل كان بإمكانه أن يدفع لهم من خلال البيتكوين. لتوجيه البيانات وصيانة الصندوق كان يدفع لهم من خلال شبكة lightening وهذا ما ينشط فيه فودي حتى يومنا هذا!

“إنه أمر في غاية الخطورة” يكمل فودي

“بإمكانهم إلقاؤك في السجن أو تغريمك لكن بوجود الحافز المالي يتقبل الناس مثل هذه المخاطر “

في المرة المقبلة عندما تقطع شركة أورانج الاتصال بالإنترنت لكي تحمي الحكومة سيكون لدى الناس وسيلة جديدة للتواصل وسيكون من المستحيل على النظام السياسي إيقافهم. 

“شبكة البرق هي كل شيء “يؤكد فودي

“نحتاج وسيلة دفع فورية، لا يمكننا استخدام الشبكة الأم بسبب الرسوم لأنها مكلفة! نحتاج أن نستخدم شبكة البرق، ليس هنالك خيار آخر، وهي فعالة”.

هذا أمر يتخذ أهمية خاصة في مجال الحوالات، وهي بحسب البنك الدولي مصدر أساسي من مصادر الناتج المحلي الإجمالي لدول منطقة مجتمع إفريقيا الفرنسي.  على سبيل المثال هنالك ١٤,٥٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي للكاميرونيين تأتي من الحوالات. في السنغال هذا الرقم حوالي ١٠،٧٪؜ وفي غينيا بيساو حوالي ٩،٨٪؜ وفي توغو ٨،٤٪؜ وفي مالي ٦٪؜ وبافتراض أن معدل التحويلات إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء حوالي ٢٠٠ دولار فالرقم سيكون حوالي ٨٪؜ أما إذا افترضنا أنه ٥٠٠ دولار فالنسبة ترتفع إلى ٩٪؜ وبافتراض أننا استخدمنا خدمة حوالات مبنية على شبكة البيتكوين (مثل خدمة strike) فذلك سيقلل من رسوم التحويل إلى أقل من ١٪؜ في أي نقطة بين ١٪؜ و٠،٥٪؜ يمكن إنقاذ معدل الانتاج المحلي لدول المجتمع الفرنسي من خلال تبني معيار البيتكوين. إذا نظرنا عن بعد نجد أن هنالك حوالي ٧٠٠ بليون دولار ترسل كتحويلات عالمياً. بين ٣٠-٤٠ بليون دولار يمكن انقاذها وهو نفس الرقم الذي تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية على ملف المعونات الخارجية.

فودي يتفهم تماماً لماذا ينظر الغرب إلى البيتكوين بتشكك. ” عندما يكون بإمكانك استخدام تطبيقات مثل Venmo وCash app ربما ليس بإمكانك أن ترى أهمية البيتكوين فأنت لديك كل وسائل الرفاهية التي يتيحها النظام المالي الحديث الذي تستعمله ولكن عندما تذهب إلى السنغال حيث أكثر من ٧٠٪؜ من السكان لم يدخلوا أي بنك في حياتهم وأمك لم تسمع من قبل بالبطاقة الائتمانية فكيف لهم أن يشاركوا في نظام مالي عالمي؟ “

يؤكد فودي أن الزواج بين الهواتف الذكية والبيتكوين سيحرر الناس ويغير المجتمع للأفضل. ثم يشير إلى  كتاب  “The Mobile Wave,”الذي قام بتأليفه مايكل سايلور المدير التنفيذي لشركة مايكروستراتيجي عن ثورة الهواتف المحمولة بأنه أمر مشابه و ملحوظ  جداً! عندما استخدم فودي جهاز الآيفون لأول مرة عرف مباشرةً أن هذا بانتظاره! وكأن الكون كله كان يمهد لهذه اللحظة. في خلال سنوات قليلة كان فودي شاهداً على وصول الآيفون، الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها تدشين ساتوشي لشبكة البيتكوين ثم حصوله هو نفسه على الجنسية الأمريكية.

وبما أن فودي أمضى نصف عمره في إفريقيا والنصف الثاني في الولايات المتحدة الأميركية يعتقد أن بإمكانه أن يرى الطريق نحو المستقبل.

“عندما أعود إلى الوطن أرى كيف أن الناس ما زالوا مقيدين، ولكننا سنقفز إلى البيتكوين دون المرور بالبنوك، كما قفزنا من قبل إلى الهواتف المحمولة دون المرور بالهواتف الأرضية”

وهنالك أيضاً تأثير آخر استطاع فودي مشاهدته هو أن الناس في السنغال عندما يكتشفون البيتكوين فإنهم سرعان ما يبدؤون الادخار فيه.

” اليوم في وطني أجد نفسي أفكر في طريقة لأساعد الناس على الادخار ” يقول ” ليس بإمكان أحد ادخار أي شيءٍ هنا ” هم فقط ينفقون كل ما يحصلون عليه من الفرنكات الإفريقية.

يقول فودي أنه ” ممتن للأبد ” للبيتكوين الذي منحه إياه ليشمان لأنه وجد نفسه يتبرع بها بكميات صغيرة للسنغاليين. أولئك الذين حضروا في الاجتماعات وشاركوا بأسئلة جيدة. كان بإمكانهم أن يروا كيف زادت قيمة البيتكوين مع مرور الزمن.

تابع فودي التطورات الأخيرة في السلفادور بغاية السعادة. عندما وقف ليتحدث بمؤتمر ميامي في بداية هذا الشهر وبينما كان يستمع إلى جاك مولر يعلن أن السلفادور قامت باعتماد البيتكوين كعملة قانونية اغرورقت عيناه بدموع الفرح. لم يكن يتصور أن يحدث كل هذا بهذه السرعة.

“ما بدأ كمخزن للقيمة يتطور الآن إلى وسيلة للتبادل” يقول فودي إن السلفادور لديها كثير من التشابهات مع دول المجتمع الفرنسي، فهي دولة فقيرة ومرتبطة بنقد أجنبي ومعتمدة على الواردات وتعاني من ضعف الصادرات. سياستها المالية يتم التحكم بها من خارج البلاد. ٧٠ ٪؜ من سكانها ليست لديهم حسابات بنكية و٢٢٪؜ من الناتج الإجمالي المحلي يأتي من الحوالات المالية.

” إذا كان خيارًا جيّدًا لهم، فقد ينفعنا نحن أيضًا”

لكن ما زال هنالك عوائق كبيرة. أولها هو أن اللغة السائدة هي الفرنسية وليس هنالك الكثير من المحتوى باللغة الفرنسية في GitHub أو في المواد التعليمية التي تشرح شبكة البرق أو شبكة البيتكوين الأساسية. لذلك يعمل فودي الآن على ترجمة المحتوى إلى اللغة الفرنسية بحيث يجد المبرمجين مواد جاهزة عندما يريدون المشاركة”.

هل ‏يمكن أن تتكرر تجربة شاطئ البيتكوين التي حدثت في السلفادور مرة أخرى في السنغال؟ “نعم،” يقول فودي، “ولذلك السبب قررت العودة إلى الوطن ولنفس السبب ننظم اجتماعات دورية لشرح شبكة البرق ونستقطب من خلالها التبرعات بينما في نفس الوقت نبني نموذجا لإذاعة (أوروبا الحرة) مبنياً على شبكة البيتكوين.”

“بإمكانهم أن يضعوني بالسجن ولكن من خلال اللقاءات سنستمر لقد فعلت هذا الأمر بطريقة تجعله لا يعتمد على وجودي”

يعتقد فودي أن تبني البيتكوين في السنغال سيكون أمرًا صعبًا بسبب التأثير الفرنسي

يواصل ” هم لن يغادروا بدون معركة”

وكما يقول دونقو سامبا سيلا ” تواجه فرنسا اليوم تدهورًا اقتصاديًّا نسبيًّا في منطقة لطالما اعتبرتها من ممتلكاتها الخاصة، حتى مع صعود قوى أخرى مثل الصين فرنسا ليس لديها خطة للتخلي عن هيمنتها الكاملة، ستقاتل حتى النهاية”

ولكن ربما تكون الثورة سلمية تدريجية طويلة المدى للتخلص من الاستعمار، لا ثورة عنيفة.

“لا نريد إلغاءً مباشرًا للنظام القائم بل بناء نظام موازٍ ينضم الناس إليه طواعية بصورة تدريجية ” يواصل فودي ” لا إكراه فيه”.

أما الذين يعتقدون أن علينا أن نطالب الحكومة بحماية ممتلكاتنا الشخصية؟

“هم لا يعلمون أن ديمقراطيات مثل فرنسا لديها مثل هذا الجانب المظلم ” يقول فودي ” هم لن يعطوننا حريتنا ولكن علينا أن نتبع خطوات (السايبربنك)* وننتزع حريتنا بأنفسنا باستخدام البرمجيات المفتوحة المصدر مثل البيتكوين.

عندما سُئل عن فرصة البيتكوين في استبدال البنوك المركزية يقول فودي أن الفكرة قد تبدو ” مجنونة قليلاً” بالنسبة للأمريكيين ولكن بالنسبة للسنغاليين والتوغوليين البنوك المركزية مجرد طفيليات على المجتمع وعلينا مكافحتها.

يعتبر فودي البيتكوين مغيّرًا شاملًا للحياة.

” لأول مرة يكون بالإمكان أن يوجد مال يمكن تعدينه بشكل لا مركزي تمامًا وهذا ما نمتلكه الآن. إنه الحل المتاح لمن هم في أشد الحاجة. لأول مره لدينا أداة قوية لندافع عن أنفسنا ضد هذا القمع ” يواصل، ” قد لا يكون الحل المثالي ولكن علينا أن نستخدمه الآن لندافع عن الناس ولا ننتظر أحدًا ليقوم بهذا نيابة عنا”

فصل المال عن الدولة

في عام ١٩٨٠ ‏كتب الاقتصاد الكاميروني جوزيف تشوندانغ Joseph Tchundjang ‏ما معناه أن العجز   المالي هو الأساس التي تقوم عليه جميع صور العجز. ‏الكلمات الأخيرة في هذا الكتاب ما زال صداها يتردد حتى اليوم: “مصير إفريقيا إمّا أن يصوغه المال وإمّا ألّا يصاغ أصلًا.

‏قضية المال والعملة بشكل عام مدفونة تحت السطح عندما يتعلق الأمر بحركة حقوق الإنسان حول العالم ‏وقلما يتم نقاشها في المؤتمرات وفي أوساط الناشطين.

‏ولكن اسأل أي مناضل ديمقراطي في نظام قمعي، ‏وسوف يخبرك بأشياء مدهشة ومأساوية في هذا الموضوع. ‏تدهور العملة في إريتريا وشمال كوريا، ‏التضخم في زيمبابوي وفنزويلا، تجسس الدولة في الصين وهونغ كونغ‏، تجنيد عمليات الدفع في بيلاروس ونيجيريا والحظر الاقتصادي على إيران وفلسطين. ‏والآن‏: ‏استعمار اقتصادي في توجو والسنغال. بدون الحرية المالية تفشل الحركات والمنظمات التطوعية ‏في أن تحافظ على وجودها. ‏إذا تم تجميد حساباتها، أو خفض قيمة مدخراتها، تصبح قوتها محدودة ويستمر الطغيان.  ‏القهر المالي ما يزال خفيا، ونادرا ما يتحدث عنه في الأوساط السياسية. والحقيقة أن اليوم ١٨٢ مليون إنسان في الدول الناطقة بالفرنسية ‏وبرغم أن بلدانهم نالت استقلالها اسمياً لكن ما زالت اقتصاداتها وأموالها تحت حكم استعماري وما زالت القوى الأجنبية تسيء معاملتهم وتطيل أمد هذه العلاقة الاستعمارية لاستخلاص أكبر قدر ممكن من القيمة التي تنتجها هذه المجتمعات ومن خصائصها الجغرافية.

في السنوات الأخيرة ‏زاد عدد السكان في المنطقة الفرنكوفونية ازديادًا كبيرًا. وتعالت هتافات (اخرجي فرنسا) لتصبح شعارًا ثورياً. ‏ولكن أكبر نقاد النظام، ومنهم بيغود وسيلا، لا يقدمون حلولاً تذكر. ‏هم يرفضون الحالة الراهنة والقيود التي يفرضها صندوق ‏النقد الدولي، ليقترحوا حلولًا إقليمية يديرها قادة محليون، أو نظامًا تصنع فيه كل دولة من المجتمع الفرنسي عملتها.

ولكن مجرد نجاح دول مثل توغو والسنغال في انتزاع استقلالها المالي من فرنسا، لا يعني بالضرورة أن هذه الدول سوف تنجح في مساعيها، أو أن قادتها لن يستغلوا سلطاتهم للتلاعب بالعملة.

ما زالت هذه البلدان تواجه خطر سوء الإدارة المحلية، أو الاحتلال المالي الجديد من جهة قوى أجنبية مثل روسيا أو الصين. يبدو جليا أن الشعوب في حاجة إلى نوع من المال يستطيع كسر هذ العجلة، مالٌ يستطيعون التحكم به ولا تستطيع الحكومات التلاعب به مهما كان نوعها. ‏وتماما كما حدث تاريخيا الفصل بين الكنيسة والدولة الذي قاده بدوره إلى مستقبل أكثر ازدهارا وحرية للمجتمعات الإنسانية، الفصل بين المال والسلطة‏ قادم في الطريق.

‏ترى هل يستطيع سكان هذه الدول الناطقة بالفرنسية عبر فترة من الزمن ‏ومع زيادة أعداد المستخدمين للإنترنت فيها استخدام البيتكوين إلى درجة تجعل الحكومة مضطرة للتعامل معها كما حدث في دول في أمريكا اللاتينية مثل الإكوادور؟

‏ما زال التاريخ بانتظار أن يكتب، لكن أمرً واحدًا لا شك فيه: سيقاوم النقد الدولي هذا الاتجاه ‏تماما كما فعل مع السلفادور مؤخرا!

قبل أسابيع قليلة كتب الممثل Hill Harper عن نشاطه في مجال البيتكوين في المجتمع الإفريقي الأمريكي قائلا وببساطة ” لا يمكنهم أن يستعمروا البيتكوين”. توافقه فريدة نامبورينا قائلة “هذه المرة الأولى التي يكون فيها مال لامركزي حقًّا ومتاح لكل إنسان في الوجود مهما كان لونه واعتقاده وجنسيته وثروته وتاريخه الاستعماري”. 

تقول فريدة إنها عملة لجميع الناس، وتضيف: “ربما ينبغي أن نسمي البيتكوين عملة إلغاء الاستعمار”.

Tagged : / / / / / /

أشدّ الثورات سلميّة

المقالة الأصلية | المؤلف: Nic Carter | ترجمة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2017

ليس على الشعوب أن تخاف من حكوماتها. إنما على الحكومات أن تخاف من شعوبها.

– ڤي، من فِلم V for Vendetta

تمتم ريديغر: «إنه الخضوع…» «الفكرة الصادمة البسيطة، التي لم يعبَّر عنها بهذه القوة من قبل، هي أنّ قمّة السعادة الإنسانية موجودة في أشدّ أنواع الخضوع».

― ميكل ويلبك

لا تغلط، أهل البيتكوين ثوّار

أخطأ اللبرتاريون في كل شيء. إذ سعوا إلى تقليص قوة الدولة من خلال المشاركة في العملية الديمقراطية. كانت هذه المهمة ولم تزل مهمة سيزيفية لا أمل منها. الدولة مثل أنغوليانت في أسطورة تولكن، وحشٌ لا حدّ لجشعه، يكافئها أنشَط ناخبيها بأصواتهم على نموّها، لتوكَل إليها بالمقابل استحقاقات لا تزال في نمو. اللبرتاريون بكلمة واحدة: عالقون. تنمو الدولة مهما رميت عليها، مثل الكائن المخيف الهلامي في فلم The Blob.  إن المشاركة في العمليات الديمقراطية يقوّي الدولة ويرسّخ الطقس المدني المنظم بوصفه الطريقة الشرعية الوحيدة للمشاركة السياسية.

يرفض البيتكوينيون هذا: ويفهمون أن الحركة الرابحة الوحيدة في السياسة هي عدم اللعب.

ركل البيتكوينيون رقعة الشطرنج واختالوا حولها اختيال المنتصرين. اختار البيتكوينيون رفض قوانين المشاركة السياسية، فبدؤوا يعملون على نظام مالي خارج إشراف الدولة واختصاصها، نظامٍ مالي لا قيدَ فيه. في النهاية، يستشرف البيتكوينيون نظامًا يتيح التجارة الحرة، والمصرفية الحرة (خلافًا للفوضى الحاليّة التي توزّع خسائرها علينا)، ويجعل ضوابط رأس المال شيئًا من الماضي، ويحرر المدّخرين من السرقة التي تفرضها الدولة عليهم بالتضخم، ثمّ يسلب الدولة من قواها تمامًا، بتقليص عدّتها الماليّة.

أغضب هذا الاقتراح النخبة المثقفة المعتمدة على الدولة، وطبقة الخبراء والصحفيين الذين ارتدّوا عن مكانة السلطة الرابعة الناقدة الجريئة، وأصبحوا طبولًا هزيلة للمنظومة القائمة. لا بدعَ أبدًا في أن الكثرة الكاثرة من نقّاد البيتكوين المهسترين يستفيدون من قربهم أو عضويتهم في الدوائر البيروقراطية في واشنطن أو نظائرها في الدول الأخرى. من الأكاديميين المستفيدين من فقاعة القرض الطلابي المنفوخة، والسياسيين الحاليّين والسابقين، الذين يستطيعون بين الحين والآخر أن يقلبوا نفوذهم السياسي ثروةً شخصية (وا عجبي)، والصحافيين، الذين لم يبق من مهنتهم إلا تمرير رسائل الحكومة في محاولة عقيمة لبناء خندق ضد شركات الاتصالات الناشئة والناشرين على يوتوب الذين لهم مئة ضعف من قوتهم، وعلماء الاقتصاد الذين اضطرّهم طلبُ المال والمنصب إلى نشر السرديات الكينزية.

هكذا، وجد البيتكوينيون أنفسهم أمام مُضغة عالية الصوت من الطبقات الثرثارة، فما لبثوا أن تحولوا من مخترعين طوباويين إلى معارضين، منذ طفولة الحركة. ابحث في الصفحات المالية في صحيفتك، لن تجد إلا الاستهزاء والمسخرة (وقد تجد إيماءةً نادرة بقبول اضطراري). كل هذا لأصلٍ مضى من 0 إلى 200 مليار دولار في عقد، من دون دعم للمخاطرة، ولا طرحٍ عامٍّ أولي، ولا شركة، ولا مؤسس موجود، والقائمون على المشروع كلهم يعملون في المصدر المفتوح للبروتوكول. في الولايات المتحدة حكمت الحكومة على روس أولبريخت حُكْمَين بالسجن المؤبد ممنوعًا من العفو، بالإضافة إلى 40 عامًا، بجريمة إنشائه سوقًا حرّة مسعّرة بالبيتكوين. حظرت الصين التقايض الرسمي بالبيتكوين، وتحاول الهند أن تمنع مجرّد امتلاك البيتكوين.

قانونية البيتكوين — بالأخضر: مسموح، بالبرتقالي: مقيَّد، بالزهري: متنازَع فيه، بالأحمر: ممنوع. (المصدر)

نحن لسنا مقبلين على الحرب، نحن في الحرب. نعم، ليست الحرب شبيهة بمرَح الأيّام الخوالي. لكنها لم تزل كذلك فترةً طويلة من الزمن. ذهبت أيام الرجال الذين يتواجهون بنبالة ويتقاتلون حتى تهلك أجسام طرف من الأطراف. ولم نعد نخرج من الخنادق إذا سمعنا صوت صفرة لنطلق رصاصنا. الحرب المفتوحة فكرة بائدة. حلّ محلّ الحرب المفتوحة في النزاعات المعاصرة مزيجٌ من الانتفاضات والعبوات الناسفة والعقوبات والهجومات بالطائرات المسيّرة والبنى التحتية الاستراتيجية الموجهة بالعمليات مثل ستوكسنت. فإذا انتقلت الحرب المعروفة إلى العالم الافتراضي، فلم لا تنتقل الثورة أيضًا؟

وهي ثورة، لا تغلط في هذا. فالعملات الرقمية، ولا عليك من أقوال بعض مستخدميها الجبناء، لم تزل مستقلّة استقلالًا ظاهرًا عن الدولة، ومعاديةً لها معاداةً تامّة. إذ لا يمكن تقنينها ولا حجرها ولا معرفة موافقتها للقوانين. لم يكن طريق الحرير طفرة أو خبرًا من التاريخ نقرؤه ونكتم ضحكتنا منه. بل كان برهانًا عميقًا على غاية البيتكوين العليا وعدم اكتراثه بالأعباء التي تُثقل النظام المالي. إن الدولة الحالية في شكلها المنفوخ الجشع، لا تكتفي بخضوعك المادي، بل تريد أيضًا سيلًا غير منقطع من بياناتك والإحصائيات. فأموالك ليست أموالك، بل هم يدققونها ويسمحون لك باستعمالها في كل خطوة. فإذا خرجت عن السائد ولو خروجًا بسيطًا، فإنك تخاطر بمدخراتك التي قد تصادَر من غير حق بالطعن. ناقلات الجند هذه لن تدفع تكاليف نفسها، أنت الذي ستدفع تكاليفها.

العملات الرقمية تنقضّ على الحكومة

كما بدأ البروتستانتيون في القرن السادس عشر يسائلون عقيدة الغفران الرسمية ومجال سلطة البابا، كذلك تساءَلت حفنة شعثاء من العباقرة ومحبي التشفير: هل التضخم ضروري فعلًا؟ وهل، في اقتصادٍ قائمٍ على السوق الحرّة، يكون للمصارف المركزية الحق في تسعير المال كيف شاءت؟ هل يجب أن يكون للدولة سلطة كاملة على مدخرات الإنسان ومصاريفه؟ هل على المستودعين أن يجبَروا على الثقة بالمصارف لتعيد لهم ودائعهم؟ ما الذي يعنيه سطرٌ في قاعدة بيانات المصرف؟

صورة نادرة للبيتكوين في شكله المادي

إن العملات الرقمية الأصيلة — وهي أنظمة مالية بديلة، حقًّا — تهدد الدولة والعالة المتعيّشة منها. البيتكوين فكرة خارجيّة تمامًا، إلى درجة أنه لا مجال فيها للتفكير. يهدد البيتكوين أهم مزيّة للدولة، وهي قدرتها على تمويل نفسها بالتضخم وأجر الصكّ.

لقد بدأت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، تؤثر في سياسات المصارف المركزية. ليس في كلامي مبالغة حين أؤكد على أهمية البيتكوين الجيوسياسية. اجمع سوقًا ماليّة حرّة مع خطوط التوزيع الإنترنتية، تحصلْ على أشدّ الحساءات سمًّا. فلننظر في طرق بدأت العملات الرقمية من خلالها تؤثر في الدولة.

أولًا، كما لاحظت جينا بيترز (2016)، فإن وجود أسواق البيتكوين السائلة تهديدٌ كبيرٌ على الدول التي تعتمد على ضوابط رأس المال لتحافظ على سعر معيّن لعملتها.

البيتكوين مشكلة بالنسبة للأرجنتين والدول المشابهة، إذ يجعل التحايل على ضوابط رأس المال أسهل. أظهرت بيترز وفيفانكو (2016) أن محاولات الحكومة لتقنين أسواق البيتكوين التي يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم، مخفِقة بالعموم، وأنّ أسعار البيتكوين تعكس حقيقة السوق، لا الأسعار التي وضعتها الحكومة، حسب ما أظهرته بيترز (2016). فإذا أصبحت التدفقات المالية التي يتيحها البيتكوين كبيرةً كفايةً، تحررت أسواق رأس المال العالمية في كل البلاد.

ليس هذا الأمر تافهًا، إذ إن نسبة كبيرة من سكان العالم يعيشون تحت سلطة ضوابط رأس المال، منهم سكان البرازيل وروسيا وإندونيسيا وتايوان والصين والأرجنتين. وهذه قطعة أساسية في عدّة الحكومة الماليّة تتآكل.

وبفضْل سيولة البيتكوين وعالميّة الاتجار به، فإن من آثاره كشف التلاعب بسعر الصرافة، وهو ما ناقشته الدكتورة بيترز في دراسة أخرى. يمكن استعمال أسعار البيتكوين للاستدلال على تقديرٍ لـ«سعر الشارع» للعملات المحلية، وإن كانت الحكومات تنشر أسعارًا كاذبة. ينمو البيتكوين سريعًا ليحقق دوره وسيلةً عالميّةً للقياس.

مثال: نشرُ المعلومات في الشارع عن قيمة البوليفار، ممنوع في فنزويلا، لأن من مصلحة النظام أن يتحكم بالسرديات حول عملته. أهم موقع يلاحق أسعار الصرافة في فنزويلا، المسمى dolarToday يستعمل موقع لوكال بيتكوينز ليستدل به على سعر الدولار بالبوليفار في الشارع الفنزويلي.

المصدر: https://dolartoday.com

لا بِدْعَ في أن أنشَط أسواق البيتكوين (من أسواق النظير للنظير) تكون في الدول التي فيها ضوابط رأس المال، والدول ذات العملات عالية التضخم، أو الدول ذات الحكومات المتقلبة. هذا التحليل الذي كتبه مات أهلبورغ يعتمد على بيانات لوكال بيتكوينز، ويظهر أن أكبر نسب تجارة البيتكوين للفرد الواحد موجودة في روسيا وفنزويلا وكولومبيا ونيجيريا وكينيا والبيرو. يقال أحيانًا إن تنافس العملات مثل الهروب من الدب ، فليس عليك إلا أن تسبق أبطأ رفاقك. الأرجح أنه ليس على الدولار خطر من وجود البيتكوين، لكن العملات العشرين الأشدّ تضخمًا لا شك أنها في خطر.

كما كتب هاسو يقدم البيتكوين نظام حقوق ملكية مستقرًّا (متوفرة باللغة العربية) من دون أي اعتماد على الدولة (ومن دون التهديدات بالعنف التي ترافق الاعتماد على الدولة). قد يكون هذا الأمر غير مهم في الغرب، لأن حقوق الملكية بالعموم محترَمة فيه، لكنه مسألة حياة أو موت في مناطق أخرى. فليست مهزلةً صغيرةً، إذن، أن أشرس نقّاد العملات الرقمية طالما كانوا من الذين لا سبب يدفعهم إلى سوء الظن بالحكومة التي تحتفظ بودائعهم. إن موقف الإنسان من البيتكوين برهانٌ عليه، فإما أن يدل على أنه واعٍ بآثار التضخم الخبيثة وسوء النظام المصرفي، وإما أن يدل على خلاف ذلك. إن أصخَب منكري البيتكوين إنما يظهرون جهلهم ونظرتهم التي تختزل العالم في الدول الإنكليزية.

أكدت دراسات جديدة أصدرها ماكس راسكين وفهد صالح وديفيد يرمك بعد تقدير أزمة العملة في تركيا والأرجنتين أن الاستخدام المباشر للعملات الرقمية إنما يكون في خارج العالم المتحضر.

إذا حكمنا من النظرة الأولى، فإن رؤية ناكاموتو لم تتحقق، إلا أن خيارًا جديدًا توفّر للناس واختاروا ألّا يستعملوه. ولكن، إذا نظرنا في البلدان النامية، وجدنا أن القصة مختلفة شيئًا ما. إن أزمة العملة في تركيا والأرجنتين هي الأولى منذ تأسيس البيتكوين، ومن ثم فإنهما فرصة للتحقيق في أثر العملات الرقمية البديلة على العملات الحكومية المضطربة. فإذا سحبنا هذا التحقيق على بقية العملات، فقد يظهَر لنا أن رؤية ساتوشي قد أثمرت. مع أن العملات الرقمية لم تحل محل الدولار، فإن مجرد وجودها قد يكون له أثر امتناع لوجود، فقد تكون ضابطًا للسياسات التشريعية والمالية.

لا سيما وأن المواطنين، حسب ما وجد مؤلفو الدراسة «يستفيدون من وجود العملات الرقمية الخاصة»، لا سيما من خلال وجود خيار التنويع، الذي «يولّد أرباحًا معيشية للمواطنين».

ومن أهم ما وجد الباحثون:

إن وجود العملات الرقمية الخاصة يضبط السياسة المالية لأنه يخلق بديلًا للمال المحلي. هذا الضبط للسياسة الماليّة يقلل التضخم ويزيد عوائد الاستثمار، ومن ثم يشجّع مزيدًا من الاستثمار المحلي.

وكما تدلّنا مناهج الاقتصاد للمبتدئين، إنّ إنهاء الاحتكار في سوق ما، وإدخال منافسين فيها، يجعلها أعدَل للمستهلكين (الحكومات تحتكر سوق المال المحلي).  ولمّا لم يكن للمواطنين أي بديل، كانوا مجبرين على الادخار بالعملة المحلية وقبول التضخم. أما الآن، فقد أصبح في أيدي الناس خيار الخروج من النظام المالي المحلي، وهو ما سيكلّف المصرف المركزي كثيرًا (لأن بيع العملة المحلية يزيد سرعة المال ويزيد التضخم سوءًا). لذا فإن مجرد وجود البيتكوين يفرض انضباطًا ماليًّا من جهة المصرف المركزي الذي ربما كان لولاه يبلغ مستويات خطيرة من التضخم.

ليس لضعفاء القلوب

بسبب كل هذه المصالح الكبيرة جدًّا، فإن اختراع نظام مالي جديد شيء مكروه جدًّا. يتطلب الأمر حماسةً جامحة والتزامًا ثابتًا برؤية صارمة للمستقبل. فإذا أخذنا بعين الاعتبار عِظَم هذه المهمّة، والتهديد الوجودي الذي تشكله للدولة، رأينا أنه لن يقوم بها إلا أشدّ الناس التزامًا. ليست أعظم خطيئة للمزابلين هي أنهم ركبوا الحصان الخاطئ، بل هي أنهم ركبوه بقناعة غير كافية. لقد باعوا حلمًا هم أنفسهم لم يؤمنوا به حقًّا.

كم رائد أعمال عملات رقمية سيقول لك بصدقٍ تامٍّ أنه يبني نظامًا سيستمرّ عقودًا ويبارز الدولة وجهًا لوجه؟ كم واحدًا منهم سيقبل السجن لأجل معتقداته؟ قليل جدًّا، حسبما أرى.

النغمة اللطيفة التي في القمة تنتشر في الهرم المؤسساتي. ومن هنا يظهر الفرق بين «مجتمعات» المُمسكين الغوّاصين الذين يحثّ بعضهم بعضًا على شراء العملة وهي في نزول، والمجتمع المتماسك الذي يعتنق التقلّب ويحفظ قناعته. ظاهريًّا، يتشابه البيتكوين وكثير من المشاريع التي تستعمل البلوكتشين. لكن الفارق الحقيقي هو الروح. ليس الأمر أن السلاسل الأخرى غير أخلاقية أو أنها مختارة بسبب مجموعة أدنى من القِيَم، بل الأمر أنها عدَميّة تمامًا. يكون التقدم والابتكار الكوني عند بناء مؤسسات خالدة غير حكومية.

لا شك أن حركة السعر تجذب كثيرين إلى البيتكوين. لكن في أهل البيتكوين شيءٌ أعمق وأقرب إلى البدائية يجذبهم، وهو احتمال بناء نظام متين موازٍ فعّال مفتوح مستقل عن الحكومات والشركات التي لا تخضع للمساءلة. لا شك أن هذا الدافع لا يدفع البيتكوينيين وحدهم. لكن البيتكوين من غير شك هو السبّاق في فصل المال عن الدولة، وهو الذي عانى صولة الهجومات السياسية إلى الآن. لم يتعرض مشروع آخر إلى هذه الهستيريا الإعلامية وهذه الحواجز المبكرة.

خلافًا للبدائل المزعومة. النجاح لمؤسسي العملات الصاعدة هو الخروج منها. والتعدين السابق للبيع، والرسوم، والبيع للتجار الصغار. إن الإغراء لبدء بلوكتشين جديد واضحٌ، لأن المال هو السلعة ذات أكبر إجمالي سوق معنون في الوجود، وكان الإغراء هو امتلاك جزءٍ منه من خلال إصدار عملة جديدة والحفاظ على وعدٍ مشترك بثروة قارونية. لكن الثروة لا تُلهم، لا سيما إذا كانت مجنيّة على حساب الناس الذين سيشترون. إن بيع الحصّة المعدّنة قبل البيع ليس طريقة ناجحة لاكتساب الدعم العقائدي المستمر من ملايين الجنود الراغبين.

كما قال طالب: لا تقل لي ماذا تفكر، أرني ملفّ استثماراتك. وأيّ شيءٍ أفضل للدراسة من بلوك ون، مؤسس EOS، الذي طمح إلى أن يكون البلوكتشين الثاني، لكنه أخذ أموال خزينة مشروعه واختار أن يُمسك 140,000 بيتكوين في ورقة موازنته.

الأسئلة الوحيدة المهمة

بعد عشرة أعوام من التجريب، وسوء وضع رؤوس الأموال، والغطرسة، تعلمنا دروسًا قيّمة عن تراكم القيمة. أخطأ العلماء والمهندسون حين ظنّوا الثورة المالية والسياسية ثورةً تقنية. وُلدت تجاربهم مصبوغةً بمعيارية لغوية لجوجة:

«إذا كان في الإمكان أن ننشئ قاعدة بيانات أو خوارزمية مقاومة سيبل أفضل من حيث الفعالية أو الأداء، فإننا قادرون على حل المشكلة وإنشاء العملة الرقمية التي ستنتصر في النهاية». هذه العقلية، صدق أو لا تصدق، لم تزل شائعة حتى اليوم. لكنها معيبة فلا أمل فيها. هذه التجارب هي تجارب اجتماعية وسياسية أولا. أهم العوامل في إنشاء نظام مالي جديد بالكامل ليست هي تفاصيل التطبيق التقني، بل هي تقديم أجوبة مقنعة لأسئلة مثل هذه:

  • ما الذي يعطيك الحق في إصدار عملة جديدة وامتلاك سلطة كبيرة على مصيرها؟ 
  • لماذا اخترت أن ترفض كل البدائل وتقترح أن تستبدلها جميعًا بنظامك أنت؟ 
  • من أين أتت سلطتك؟ 
  • كيف تكرّس العدل والمساواة في الفرص في توزيع مالك الجديد؟ 
  • ما الذي يضمن خلو نظامك من الفساد، إذا كان حتى الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة ضعيفًا أمام القوة السياسية؟

لدى البيتكوين إجابات واضحة على كل هذه الأسئلة. أما مقلدوها فليس لديهم شيء من ذلك. بل إن مؤسسي هذه العملات المقلدة لا يدركون أصلًا أن هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب التفكير فيها.

أعلاه: قائمة بكل العملات التي حققت أهدافها المعلنة وشهدت تبنّيًا حقيقيًّا.

نحن نعلم أن العملات الرقمية (أو أصول الاستخدام) إنما هي أوهام. ولا يتطلب الأمر عبقريًّا ليكتشف أن الحقائق الواقعية قد ثبتت الآن إلى الأبد. إن عالم العملات الرقمية شبيه بعالم تحتاج فيه إلى معاملة فوركس احتكاكية لا من أجل السفر بين الولايات كما هو الحال اليوم، بل من أجل الذهاب من متجر إلى آخر. جرّت العملات الرقمية انحدارًا كئيبًا، ونحن اليوم أفضل حالًا بعد أن رفضناها. العملات الرقمية الوحيدة التي تستحق الإنشاء هي العملات التي تريد أن تكون مالًا، وهذا يقتضي ضرورةً الانقضاض على الدولة.

لكن مبارزة الدولة تحتاج إلى عشرات أو مئات الملايين من الصناديد الذين يؤمنون بمجموعة مستقرة من القيم وهم راغبون في وضع أموالهم لدعمها. إن برابرة التشفير الأذكياء يحاولون اليوم بخوارزميات تقبل مشكلة الضباط البيزنطيين، لذا لا يستطيعون الإلهام واكتساب الإخلاص. لا بد من وجود مجموعة قيَم جوهرية تعلو على كل شيء. معظم التعدديين الماليين يريدون أن يبرروا موقفهم بالرجوع إلى كليشيهات مبتذلة مثل أنهم «يشجعون الابتكار». هذا الكلام غير متماسك، لأنهم إذا رفضوا العملات المتمكّنة كالبيتكوين واتجهوا إلى مشروع بديل، فإنهم هم أيضًا سيواجهون اعتراضات من تقدميي العملات الرقمية إلى يسارهم.

«لمَ نقف عند البلوكتشين الفلاني؟ لمَ لا نذهب إلى س أو ع أو ص؟» هذا السؤال سؤال مقنع. من دون وجود قيَم مشتركة معتقَدة عميقة يمثّلها المشروع الذي تختاره، لا حجّة لك في اختيار أي سلسلة بديلة، إلّا أموالك الغارقة. لذا بالضرورة، مصير كل تقدمي أن يصبح رجعيًّا.

يتميّز البيتكوين بالقيم

فما هي هذه القيم التي يعتنقها البيتكوينيون؟ البيتكوينية هي فلسفة اقتصادية وسياسية ناشئة تجمع عناصر من المذهب النمساوي في الاقتصاد واللبرتارية، مع تقدير كبير لحقوق الملكية، والتعاقدية وفلسفة الاعتماد على النفس. سيرجع بعض اللبرتاريين إلى نظرية العقد الاجتماعي، ليقول إنها إكراهية (لأننا لم نعطَ عقدًا سياسيًّا نوقعه لدى مولدنا أو بلوغنا). ليس الأمر كذلك في البيتكوين. لا يولَد أحد في البيتكوين: بل يقدم البيتكوين عقدًا صريحًا لمستخدميه المحتملين. إن لك حقًّا في المشاركة في أشدّ الأنظمة المالية شفافية وأسهلها تدقيقًا، وأمنعها على البَخْس، وأوضحها في العالم كله، ولكن لا إكراه عليك في ذلك.

من القيم الأخرى التي أعدّها أساسية في البيتكوين، التصديق الرخيص (حتى يستطيع كل الناس المشاركة)، والتدقيق الكامل (حتى لا يكون تضخم غير متوقع)، والعدل في الإصدار (إذ يدفع كل أحدٍ مهما كان منصبه «ثمن السوق الكامل» لبيتكويناتهم، سواءٌ أشتروها من المصرف أو بالتعدين)، والتوافق الرجعي (أي تفضيل الانفصالات السهلة على الانفصالات الصعبة)، وإتاحة عدّة التصديق، لمنع التواطؤ والرقابة التي تنتج عنه. اطرح هذا السؤال على بديلك المفضل عن البيتكوين. ما هي القيم التي تدفع المشروع؟ إذا كانت هذه القيم موجودة، فإنك ستلحظ أنها بالعموم ضعيفة في أنفس حامليها، لأن الابتداع مقدَّم عندهم على الاتساق.

لذا، يظهر البيتكوينيون اختلافًا عميقًا عن الاستغلاليين الذين يرون أن نجاحهم هو الخروج من مشروع عملتهم. أما البيتكوينيون، فالنجاح عندهم هو عندما لا يحتاج المرء إلى الخروج من البيتكوين. إن فلسفتهم الأخروية تستشرف زمانًا يكونون فيه قادرين على المشاركة في اقتصاد هو حلقة مغلقة يدور فيها البيتكوين، خالٍ من تغيرات النظام المالي التقليدي. إنهم لا يحلمون بالخروج المالي، على الأقل ليس بمعنى المجازفة. يحلم البيتكوينيون بنظام مبني على معيار مالي لا يبخس مدخراتهم المالية لأن التمييز الماليّ غائب تماما عنه.

وهم جادّون في أمر استعادة هذه القيَم المؤسسة. إنّ جدول المعروض المحدد من قبل، ليسَ شيئًا ينبغي الحفاظ عليه فقط، بل هو شيء أساسي تمامًا في البروتوكول ونظام حقوق الملكية إلى درجة أنك لو أردت تغييره فسينهي هذا النظام القديم تمامًا. المعروض المسقوف ليس ميزة من ميزات البيتكوين، سقف المعروض هو البيتكوين نفسه. إنه أمر أساسي وجودي، كما أن موافقة المحكومين عنصر لا يمكن إلغاؤه من دستور الولايات المتحدة الأمريكية. نعم، تستطيع أن تسقط الحكومة القائمة وتقيم مكانها حكومة أوتوقراطية توافقها في الاسم، لكن هذا لن يكون مبتكرًا. إن جوهر الدولة نفسه، القائم على قيمها المؤسسة، يجب أن يتغير. هذه المثُل ليست أمرًا مشروطًا بغيره. وليست تفصيلًا صغيرًا في تطبيق التكنولوجيا. القيَم هي النظام، والنظام يرمّز القيم.

ومن أفضلُ مثالًا من ساتوشي نفسه. ساتوشي هو البطل المضحّي الأكبر، لقد قضى عمرًا يبني البيتكوين من الصفر، لينشر بعد ذلك الكود، ويدير المشروع مدّة من الزمان، ثم يختفي، إلى الأبد. إن العملات التي عدّنها ساتوشي — اضطرارًا، لدعم الشبكة أيّام لم يكن يدعمها أحد — لم تتحرّك من مكانها. إنّ وصف هذا العمل بالبروميثيوسي، مؤلمٌ لأنه لا يوفي ساتوشي حقّه. تجرّأ ساتوشي ليسرق أعزّ الكنوز على الدولة، وهي قدرتها على إنشاء المال كما شاءت، وأعطى هذا الحق للناس، بأنقى طريقة ممكنة.

فماذا فعلت الدولة؟ إذا كان التهديد كبيرًا هكذا، فلمَ لم تتدخل؟ إنّ مما يخيب الأمل، أن عند البيتكوينيين إجابةً لكل اعتراض.

الحقيقة أن المنعَ لم يكن ليوقف البيتكوين، إلا إذا كنت تعتقد أن المجتمع الدولي، الذي يتجه يومًا بعد يوم إلى الفوضى والاضطراب، سيتحد ليواجه هذا التهديد. تخيل ذلك! كوريا الشمالية، وإيران، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والسعودية، كلهم في قضية مشتركة. هذا وهذه الحجة تعتبر من أفضل الحجج ضد البيتكوين عند نقّاده.

ملعونون إذا فعلوا، ملعونون إذا لم يفعلوا

لنفترض أن كل الحكومات الكبرى تواطأت لتمنع البيتكوين. لن يضرّ هذا البيتكوين إلا أنه سيجعله سلعةً للسوق السوداء. لكن هذا المنع لن يكفي لوقف البيتكوين. تخيل لحظةً واحدة سلعةً محظورة على نطاق واسع، تعتمد على قدر كبير من الطاقة لإنتاجها، وينتجها مزيج من الكيانات الصناعية وغير الرسمية، ومعظم تداولها في السوق السوداء، ومع هذا يستعملها ملايين. أقصد الحشيش طبعًا، إذ بإمكان أي أحد أن يحصل على الحشيش من تاجر قريب — سواء أكان هذا الشيء قانونيا أو غير قانوني — في أقل من نصف ساعة. إن الاعتقاد بأن حظر البيتكوين سيخفف شيوعه اعتقاد مضحك. ولن يكون منه إلا تعزيز سبب وجود البيتكوين الحرفي: الحماية من نزوات الدولة المتقلبة. إن الدولة التي تظهر أن سلعةً ماليّة تهدد وجودها، تظهر للعالم أنها كيان متشكك متسلط، وهو ما يبيّن طبيعتها الطفيلية.

ومما يثير السخرية أن أفضل رد للدولة على البيتكوين والأموال التي تستلهم البيتكوين هو تلبية مطالب النمساويين التقنيين وإصلاح نفسها. سيقتضي هذا إنهاء بخس العملة، وإنهاء النظام المالي الذي يزيد التفاوت بين الناس، وإنهاء التدخل في الدورات الاقتصادية (الذي أصلًا لا يزيدها إلا شدّة)، وإنهاء المحاولات المخفقة لتسعير قيمة الوقت للمال، وإنهاء استعمال المؤسسات المالية أسلحةً للحرب.

لكن تغيير أي شيء من هذه الأشياء على المدى القريب أمرٌ غير مرجح. إن النظرية الكينزية الجديدة، هي فظاعة تسارعية سُمّيت «النظرية المالية الحديثة»، ويعتقد أصحابها أن الدولة تستطيع ظاهريًّا أن تشتري مقادير غير محدودة من أي سلعة معروضة للبيع بعملتها، من غير نظر إلى العواقب. إن هذه اللحظة هي لحظة يرتقي فيها السياسيون الاشتراكيون على أكتاف ناخبيهم الذين يزيدون خضوعًا. بيرني، إليزابيث وارن، أوكازيو كورتيز، جيريمي كوربن. في عالم الدول النامية، تجد الحركة الكرشنرية التي تستعيد سيطرتها على الأرجنتين، لتهبط أسعار كل الأصول المالية متجهة إلى الصفر مع صعود الحركات الجمعية. وفي جارة الأرجنتين ذات السوق الحرة نسبيًّا، تشيلي، يتحكم محاميان شيوعيّان مصرّحان بشيوعيتهما بالأجندة الإعلامية. فنزويلا، لا بد أنك تعرف فنزويلا. في المملكة المتحدة، اعتنق حزب العمال سياسة مصادرة صادمة، ودعم إجراءات إكراهية مثل التصفية الإكراهية العامة. وعاصمة السوق الحرة في العالم هونغ كونغ، تقبع تحت اعتداء حرفيّ من محتلّها الأوتوقراطي القاتل.

يكفي أن نقول إن الأسواق الحرة وحقوق الملكية القوية، وهما ركنا الاقتصادات الرأسمالية الفاعلة، يتعرضان لهجوم عالمي. بعيدٌ أن ينعكس هذا الأمر. إن الطبقة الدنيا العالمية، التي يزداد فشلها، تتوق إلى مزيد من التدخل، وستقبل الإفقار الشامل إذا كان يعني إنقاصًا في التفاوت.

أما مؤسساتنا المالية، فقد تخلت عن كل مظهر من مظاهر العقلانية. لقد أرانا عصرنا المشهد المسلي وإن كان مخيفًا، لرئيس الولايات المتحدة وهو يحارب حاكم الاحتياطي الفدرالي علنًا على سعر المال. والمصالح: حَلبُ اقتصادنا المموّل تمامًا في محاولة لإعادة الانتخاب. كان هذا كفيلًا بالاستيلاء على الاحتياطي الفدرالي غير السياسي، زعمًا. تصرف الصناديق الوقائية في عرضٍ لجمعها لمشابك الورق، ملايين الدولارات على خوارزميات التعلم السريع التي تتوقع معدلات الفائدة من رمشات عين الكهنة الأعلين للمال وهم ينظرون في كنه الأمور. خير استعمال للمال.

تحت تصرفك: الآلة المالية التي لا تتوقف

معدلات الفائدة السلبية نظامٌ متّبع اليوم في كل المصارف المركزية في الدول المتطورة. بل إن صندوق النقد الدولي يبحث الآن علنًا كيف يفرض معدلات فائدة سلبية أعمق وأعمق، ومن طرائق ذلك البخس الإجباري لقيمة النقد. وبغض النظر إن كنت تعتقد أن للمودعين حقٌّا إلهيًّا في زيادة ودائعهم أو لا، فإنهم حتمًا سيعادونك عندما تقترح مصادرة ودائعهم. إذا كانت معدلات الفائدة السلبية العشوائية مسموحًا بها للحصول على نتائج سياسية معينة، فعند أي حد ستتوقف المصارف المركزية لتأخذ نفسًا وتعطي المودِعين مهلة؟ لقد دخل هذا الأمر في منطقة غير مقيدة، وبعيدٌ أن يقف المنهج الميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) في السياسة المالية عند أي حد.

ربما لن يهلع المودعون عند معدل فائدة سالب 1%، بحجة أنهم يعتقدون أن البنك يقدم خدمة مفيدة. لكنهم سيتذمرون عند -3%، ويبدؤ تساؤلهم عن مقدار فهم أسيادهم الماليين. عند -5%، سيهرعون إلى الذهب ويبحثون عن أمر البيتكوين.

لأن كثيرًا من الناس لا يقدّرون قوة النظام، فلنلخّص العقد الأول من البيتكوين:

  • دُفع أكثر من مليار دولار في أجور التحويل 
  • جمع المعدنون معًا أكثر من 14 مليار دولار مقابل خدماتهم لحماية الشبكة 
  • أساس تكلفة كل الممسكين البيتكوينيين يبلغ تقريبًا مئة مليار دولار 
  • القيمة السوقية لكل البيتكوينات في سوق تبلغ تقريبًا 190 مليار دولار 
  • سوّت الشبكة نحو تريليوني دولار في التحويلات المالية 
  • تنتج شبكة البيتكوين نحو 80 إكسا هاش في الثانية (أي 8 * 10¹⁹). هذه الهاشات تكلف 19.8 مليون دولار في اليوم مستهلكة على العدد المتخصصة.

قد تهزأ من البيتكوين، لا بأس. سيكون البيتكوين مستعدًّا لمساعدتك عندما تحتاجه. قد لا تحتاج إليه الآن، قد لا تحتاج إليه أبدًا. ولكن، مع انغماسنا المتزايد في عالم استبدادي سلطوي فوضوي، قد تشعر يومًا بالطمأنينة عندما تعرف أن نظام حماية الثروة الأعلى ضمانًا في التاريخ ينتظرك صابرًا.

إلى ذلك الوقت، سيستمرّ دأب البيتكوين.

Tagged : / / / / / /

هجوم المضاربة

المقال الأصلي لكاتبه Pierre Rochard | ترجمة: Arabic_hodlSB3 | تاريخ الكتابة: يوليو 2014

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

يتوجّس رافضو البيتكوين1 من أن البيتكوين لن يدخل الثقافة العامة. ويرددون ببهجة أن البيتكوين لن يعبر هوّة الابتكار.

  • إنه معقد جدًّا
  • ليس فيه بنية الحكم الصحيحة 2
  • تأمين حمايته صعب جدًّا
  • إن أنظمة الدفع الموجودة والمستقبلية بالمال الحكومي أفضل من البيتكوين
  • إنه متقلب جدًّا
  • ستحظره الحكومة
  • لن يُستطاع تعميمه

فيكون الرد على هذه الدعاوى من مجتمع البيتكوين على أحد وجهين، أولهما مناقشتها مناقشة لا انتهاء لها3، وثانيها تغلب الضعف والإنهزامية وابتذال4 أقوالًا من قبيل:

  • عملة البيتكوين غير مهمة، المهم تقنية سلسلة الكتل (البلوكتشين)
  • ينبغي أن تستعمل الحكومات والمصارف تقنية البلوكتشين
  • سيبقى البيتكوين نظامًا ضيقاً لأصحاب الفضول، فما هو إلا تجربة
  • سيتعايش البيتكوين والمال الحكومي جنباً إلى جنب في سعادة أبدية
  • البيتكوين في العملات الرقمية، مثل “ماي سبيس” في التواصل الاجتماعي

تستحق كل واحدة من هذه الأغاليط مقالة مخصوصة، على الأقل لتحليل الأنماط النفسية والاجتماعية لأصحابها الببغاوات.

نعم، بعض الانتقادات المذكورة أعلاه صحيحة، إلا أنها خادعة. لن يكون تبني عامة الناس للبيتكوين بدافع الحماس، بل سيُضطَرّون إليه اضطرارًا. اضطرارًا بمعنى «إجبارًا بالواقع الاقتصادي». سيُجبر الناس على الدفع بالبيتكوين، لا من أجل «التقنية» بل لأن أحدًا لن يقبل الدفع بالعملات الحكومية عديمة القيمة. فالمال الجيّد يطرد المال السيّئ، خلافًا للاعتقاد الشائع. بدأ هذا «الطرد» بنزفٍ خفيف في المال الحكومي. لكنه سيتسارع حثيثًا ليصبح نزفًا من الدرجة الرابعة بسبب هجمات المضاربة على الأموال الحكومية الضعيفة. سينتهي الأمر بالدفع إلى البَتْكَنة الفائقة، أو بعبارة اخرى: «نقــودك غير مقبـولة هنا».

قانون ثيير: المال الجيّد يطرد المال السيّئ

“عرف التاريخ عملات قوية جيدة طردت عملات ضعيفة سيئة. على مدى القرون الطويلة، سادت العملات القوية وأخرجت العملات الضعيفة من مجال التنافس العالمي. لم يسد استخدام عملات مثل الدريك الفارسي والتترادراخما الإغريقي والستاتير المقدوني والديناريوس الروماني في العالم القديم من ضعفٍ أو من سوء. ولم تصبح عملات المدائن الإيطالية الفلورين والداكوت والترتر «دولارات العالم القديم» لأنها عملات سيئة، بل كانت من أفضل العملات في التاريخ كله. لم يصبح الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر أو الدولار الأمريكي في القرن العشرين عملات سائدة بسبب الضعف. من صفات العملات العظيمة التي ربحت المنافسة العالمية المالية: الاتساق والاستقرار وعلوّ القيمة”

روبرت ماندل،«استعمالات قانون غريشام وانتهاكاته في تاريخ المال»

البيتكوين هو المال الجيد، بل هو المال الأفضل5. شبكة البيتكوين هي صاحبة السياسة المالية الأفضل6 والهوية الأفضل7. لذا يجب أن نتوقع أن البيتكوين سيطرد العملات الضعيفة السيئة8. فكيف سيصبح البيتكوين العملة السائدة؟ وأي العملات الحكومية ستسبق إلى الاضمحلال؟ هذه أسئلة معاصرة مهمة، لأن المقدمات الضرورية لهذه الأسئلة حقائق مثبتة.9

1. نزف المال الحكومي

نزعة البيتكوين الحالية أن تتزايد قيمته تزايدًا أسّيًّا مع دخول الناس فيها أفواجًا. المال الجيّد يطرد المال السيئ «ببطء». يدفع هذه النزعة دافعان:

  • نقص التفاوت في مصادر العلم – فالناس يتعلمون عن البيتكوين ويدركون أن البيتكوين حتمًا هو المال الأفضل، ومن دوافعه المحتملة:
    • اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط – تَوْثين المُحدَثات المدفوع بثقافتنا الاستهلاكية بعد الحرب أو بالعمليات البيولوجية الداخلية.
    • خوف فوات الفرصة، انظر نظرية الندم والمجموعات الداخلية أو بعبارة أخرى: الجشع وطلب المكانة.
    • اضطراب توتر ما بعد الإنترنت، أو بعبارة أخرى: «المجال الجديد»، و«الاختراع الكبير التالي»، و«إنترنت المال».
  • زيادة السيولة – شراء البيتكوين أسهل اليوم ورسومه أقل مما كانت قبل عام. يستطيع المرء أن يتوقع توقعًا معقولًا أن الأمر سيكون كذلك بعد عام بالقياس إلى اليوم. لماذا؟ لأن بيع البيتكوين عمل ربحي تنافسي. لماذا؟ لأن الناس يريدون البيتكوين، انظر أعلاه.

بسبب سايكولوجية الجماعة، يصل الناس إلى البيتكوين في موجات. هذه الدفعات تسبب اضطرابًا على سعر المقايضة: فالمضاربون لا يعرفون سعة موجة التبني ولا طولها، والهواة المقامرون يغرقون أنفسهم بالإثارة ثم بالخوف. ولكن، ما إن ينتهي المدّ وتخرَج الأيدي الضعيفة، يكون السعر قد ازداد عما كان قبل الموجة الأخيرة. هذا النزف «البطيء» هو نموذج التبني الحالي، ويفترض المعلّقون عمومًا واحدًا من التالي:

  • لم يحدث النزف البطيء أصلًا، وما هو إلا خيال قائم على معلومات مغلوطة.
  • لقد توقف النزف البطيء، والدوافع المذكورة أعلاه لا تؤثر إلا في «مبتذلة اللبرتاريين» والمراهقين الغاضبين.
  • ستنخفض شدة العملية في المستقبل، لأن كل البارعون في الأمور التقنية انضمّوا إلى البيتكوين

أمّا توقعي أنا فهو أن النزف البطيء في تسارع وأنه الخطوة الأولى فحسب. أما الخطوة الثانية فهي هجمات المضاربة التي تتخذ البيتكوين منصة لها. أما المرحلة الثالثة الأخيرة، فهي البتكنة الفائقة.

2. أزمة العملة

“لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البيتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع”

ساتوشي ناكاموتو 1/17/2009

يؤدي النزف البطيء إلى أزمة العملة مع ترسّخ القيمة المتوقعة للبيتكوين في عقول الناس. في أول الأمر يكونون محافظين، فيستثمرون «ما يطيقون خسارته». بعد 12-18 شهرًا، تزيد قيمة رصيدهم الصغير زيادة كبيرة. ولا يرون سببًا يقنعهم بأن النزعة العامة ستنعكس: الأساسات تتحسن والتبني يبقى قليلًا. تزيد ثقتهم. ويشترون مزيدًا من البيتكوين. ويسوّغون هذا: «لا بأس، ما هي إلا [1-5%] من استثماراتي». ثم يرون انهيارًا في السعر عدة مرات، بسبب انفجار الفقاعات أو بسبب البيع من خوف – فيحثّهم هذا على شراء المزيد، «خصم كبير». ويتنامى البيتكوين على جهة الأصول في ورقة ميزانيتهم.

أما في جهة المطلوبات فتكتَب الرهون العقارية وقروض الطلاب والسيارات وبطاقات الائتمان، وغير ذلك. يحذّر الناس من الاستدانة لشراء البيتكوين. لكن الحقيقة أن هذا المال يمكن استعادته: إذا اشتريت عملات بيتكوين بدلًا من الدفع لتقليل رهنك العقاري، فأنت مستثمر بيتكوين مستخدم للرافعة. تقريبًا كل الناس مستثمرو بيتكوين مستخدمون للرافعة، لأن الأمر منطقي من الجهة الاقتصادية. إن ثمن الاستدانة (الفوائد السنوية بين 0% و25%) أقلّ من العائد المتوقع من امتلاك البيتكوين.

أما مقدار الرفع في ورقة الموازنة فيعتمد على النسبة بين الأصول والمطلوبات. ويزيد إغراء الرفع إذا كان صاحب المال يعتقد أن المطلوبات بالمال الحكومي ستنقص قيمتها الحقيقية، إذا كان التضخم أكبر من نسبة الربح التي يدفعونها. عندئذ لا يحتاج الأمر إلى تفكير، يستدين الناس بالعملات الضعيفة المحلية ويقبلون أي ضمان للتغطية، ثم يستثمرون في العملة العالمية القوية، ويدفعون قروضهم من عوائد هذا الاستثمار. في هذه العملية، تنتج المصارف المزيد من العملة الضعيفة، فتضخم المشكلة.

إن أثر شراء الناس والشركات والمؤسسات المالية للبيتكوين باقتراض العملة المحلية هو ازدياد سعر البيتكوين بهذه العملة نسبة إلى بقية العملات. للتبيين، فلنقل إن الطبقة الوسطى في الهند اتجهت إلى البيتكوين. وتحول آلاف المشترين إلى مئات آلاف. ولنقل إنهم اقترضوا روبيات هندية بأي ضمانة يملكونها – من بيوت أو شركات أو حليّ ذهبية أو غيرها. ثم اشتروا بالروبيات بيتكوينات. سيزيد سعر البيتكوين مقابل الروبية الهندية، ويتشكل فرق بينه وبين سعر البيتكوين مقابل العملات الأخرى. قد يكون سعر البيتكوين الواحد في الهند 600$ وفي الولايات المتحدة 500$. عندها يشتري تجّار الولايات المتحدة عملات بيتكوين ويبيعونها للهند ليربحوا 100$. سيبيع الهنود روبياتهم ويشترون بها دولارات. سيضعف هذا الروبية الهندية، ويشكل تضخمًا في الواردات وخسارة للمستثمرين الأجانب. عندها إما أن يرفع المصرف الهندي المركزي نسبة الفوائد ليكسر الدورة، أو أن يفرض ضوابط رأس المال أو أن يستهلك احتياطي النقد الأجنبي في محاولة لرفع سعر الروبية. من هذه الحلول، لا يمكن الحفاظ إلا على رفع نسبة الفوائد، ولكن هذا من شأنه التسبب في ركود اقتصادي.

هذا ويمثل رفع البنك المركزي الهندي لنسبة الفوائد مشكلةٌ ضخمة، لأن العوائد التاريخية للبيتكوين بلغت نحو 500% في السنة. فحتى إذا توقع المستثمرون عُشر هذه العوائد، لا بد أن يرفع المصرف نسبة الفوائد إلى مستويات غير معقولة ليصدّ الهجوم. والنتيجة واضحة: سيهرب كل الناس من الروبية ويتبنون البيتكوين، بسبب الضغط الاقتصادي لا بسبب الفهم التقني. وما هذا المثال إلا مثالًا توضيحيًّا، فقد يحدث الأمر في بلد صغير أولًا، أو قد يحدث في الوقت نفسه في كل أرجاء العالم. لا سبيل لنا إلى معرفة من سيستخدم أصوله وكيف سيفعل ذلك، لكن إذا تصدّع السدّ، فلا سبيل لإيقاف الماء.

أي البلدان أضعف أمام أزمات العملة؟ قدّم أحد المطلعين على الأعمال قائمة مفيدة هنا. قبل أن يمكن استعمال البيتكوين كأداة لهجمات المضاربة، لا بد أن يبلغ درجة معينة من السيولة، عبر منصات تبادل العملات راسخة في كل مركز مالي ومعروض مالي حقيقي لا يقل عن 50 مليار دولار (أي قيمة سوقية). إما أن يزامِن هذا أزمة العملة وإما ان يسببها.

3. البتكنة الفائقة

إن هجوم المضاربة الذي يبدو معزولًا ومقتصرًا على عدة عملات ضعيفة، سيسبب زيادة القوة الشرائية للبيتكوين زيادةً كبيرة، وسينتشر من ثمّ كالنار في الهشيم. فعلى سبيل المثال، قد يرى السويسريون أن سعر البيتكوين تضاعف عشرة أضعاف، ثم مئة ضعف. عند هذا الحد سيشترون عملات بيتكوين لأنهم يريدون أن يضاربوا على قيمتها، لا بسبب مشكلة حقيقية في الفرنك السويسري. تستلزم الانعكاسية هنا أن قلّة الطلب على الفرنك السويسري ستزيد التضخم فوق القيمة المتوقعة ومن ثم ستشكل مشكلة جوهرية في الفرنك السويسري. ستتكون حلقة بين تضخم العملات الحكومية وانكماش البيتكوين، وهو ما سيرمي بالعالم إلى البتكنة الفائقة، التي شرحها دانييل هنا.

خلاصة

سيسود استخدام البيتكوين. لا يفهم نقّاد البيتكوين10 هذا الأمر بسبب انحيازاتهم وقلة معرفتهم المالية. أوّلًا، هم يسكنون في غرفة صدى قوتها من قوة المتشككين بالبيتكوين. إنهم يبحثون بحثًا حثيثًا عن أدلة تؤكد رأيهم بالبيتكوين. ثانيًا، يسيئون فهم كيفية استحواذ العملات القوية كالبيتكوين على العملات الضعيفة كالدولار، وهو ما يحدث بهجمات المضاربة وأزمات العملة التي يسببها المستثمرون، لا بالتقدير الدقيق لصحفيي التقانة و«مستهلكي السائد». وعلى شرف هؤلاء النقّاد المشرفين على الانقراض، أطلقت مؤسسة ناكاموتو تحية للدعاوى العريضة.


1- لا، بجدية، هناك أشخاص على الإنترنت يقضون وقتا غير بسيط في الكتابة عن عملة يعتقدون أنها ستفشل ومع ذلك تستمر في النجاح بما يتجاوز توقعات أي شخص.

2- ويصرح بذلك بشكل عام الأشخاص ممن يتخيلون وجود “جماعة داخلية” ويحلمون بالإنضمام إليها من خلال السياسة بدلاً من العمليات القائمة على الجدارة

3- دخل البيتكوين مرحلة يعتقد فيها كل شخص جديد أن لديه فهم فريد للبيتكوين ويجب على الجميع أن يستمع اليه. هناك سيل لا نهاية له من المبتدئين “المعنيين” حول مشكلة كذا وكذا في البيتكوين. مجتمع البيتكوين يسيء إلى هؤلاء الجدد بأخذهم على محمل الجد بدلا من مجرد إخبارهم “اقرأ أكثر”

5- Bitcoin is the Best Unit of Account by Daniel Krawisz

6- The Bitcoin Central Bank’s Perfect Monetary Policy by Pierre Rochard

7- Bitcoin Has No Image Problem by Daniel Krawisz

8- Hyperbitcoinization by Daniel Krawisz

9- وإذا كنت لا توافق، فإما أنك لم تتعلم بعد أو أنك لم تشترك في المناقشة، عد إلى نقطة البداية

Tagged : / /

بيتكوين والخوف

اقرأ المقال الأصلي، وتابع المؤلف على تويتر | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

كلّما ركَضَ ثورُ البيتكوين (أي تزايد سعرُها وتزايدت ثقة الناس بها) حاول المنكرون أن يسوّغوا فواتَ قطارهم بالخوف Fear والريبة Uncertainty والشكّ Doubt، وهو ما سمّاه أهل البيتكوين FUD، اختصارًا. إن معظم هذه المخاوف لا أساس لها تعتمد عليه، وما هي إلا روايات سلبيّة عن البيتكوين لا بدَّ أن تواجَه. 

وإني لأرى مزيدًا من هذه المزاعم يعرُض مع صعود البيتكوين، لذا سأعقد في هذه المقالة جلسةً سريعةً أدحض فيها بعض أشهر هذه المزاعم: 

القيمة الجوهريّة 

يشتكي الرافضون من أن البيتكوين لا قيمة جوهريّةً لها، مع أن عملتهم الحكومية الأساسية لا قيمة جوهرية لها (فالدولار لم يعد مدعومًا بالذهب).

«ليس للبيتكوين قيمة جوهرية… ولا للدولار الأمريكي، ولا اليورو، ولا الفرنك الروسي، ليس لأي شيء من هذا قيمة جوهرية» – الاحتياطي الفدرالي

البتكوين فقاعة

عدّة فُقّاعات
عدّة فُقّاعات

«ليس من عادة الفقاعات أن تدوم 12 عامًا» – جي بي مورغان 

البيتكوين ليس التوليب. (إشارة إلى جنون التوليب في القرن السابع عشر) تقدم البيتكوين للعالم أفضل مخزن رقمي للقيمة منذ الأزل، سامحةً للناس أن يخزنوا القيمة في مخزن صعبِ الانتزاع، وأن يرسلوها إلى من شاؤوا في العالم، من دون إذن أحد. 

البيتكوين فقاعة لا تنفجر. 

غسل الأموال والمخدرات

يغسَل في العام الواحد نحو تريليونَيْ دولار حول العالم، ويصرف الأمريكيون 150 مليار دولار على المخدرات كل عام، أما رأسمال سوق العملات الرقمية فهو 1.1 تريليون دولار في أثناء كتابة هذا الكلام. إن المشكلة موجودة حتى في أموال الحكومة، بل إن قواعد البيانات العامة للعملات الرقمية (الدفاتر Ledgers) تجعل التعتيم على عمليات التمويل صعبًا.

«ليس في العملات المشفرة خطر كبير من جهة غسل الأموال وتمويل الأنشطة الإرهابية» – مجموعة العمل المالي

تقلّب الأسعار

ليس في السوق ثابتٌ إلا التقلّب. لا يقول أحد «إن الذهب ليس مخزنًا جيّدًا للقيمة بسبب تقلب أسعاره»، لكننا نسمع هذا دائمًا عن البيتكوين. تجد أدناه مخططًا لأسعار الذهب في السنين المئة الماضية. انظر إلى مدى «استقرار» مخزن القيمة الذي بلغ عمره 4 آلاف عام الآن. 

فكيف بعملة جديدة؟ لا شكّ أن سعرها لن يمشي حسب منحنٍ خطّي. 

هذا وإن السعر المستقر نقيضُ جودة تخزين القيمة، لأنه يدل على أن العرضَ تتحكم به جهة مركزية.

أسعار الذهب في السنين المئة الماضية

استهلاك الطاقة

يشتكون من استهلاك الطاقة لتعدين البيتكوين، ولا يقارنونه باستهلاك الطاقة لاستخراج الذهب، أو لعمل النظام المالي، أو الحكومة أو المحاكم أو التقاط الصور، أو مشاهدة آل كارديشيان. 

ما دمتَ قد اشتريت الكهرباء، فليس في العالم «شرطة أخلاق للكهرباء» تحاسبك على استعمالك لهذه الكهرباء. وإذا أردت، فهذه مقالتي السهلة القراءة عن برهان العمل في البيتكوين واستهلاكه للطاقة.

تكاليف استهلاك الطاقة سنويًّا، من مخطط واردٍ في مقالتي المذكورة أعلاه

التحكم

يخاف بعض الناس أن يكون مؤسس البيتكوين مجرمًا إلكترونيًّا مجهولًا، وبعضهم أن يكون مجموعة من الأفراد المؤسسين للنظام المالي الحكومي. يخاف بعضهم أن السياسة المالية لا يتحكم بها أحد، وبعضهم أن رجالًا مسنين -لا يستطيعون حتى تسميتهم- يتحكمون بها. لكن الكود المصدري للبيتكوين متاح لينظر فيه أي أحد. 

هل يتلاعب أحد بالبيتكوين؟ 

على مدى العقد الماضي، غُرّمت البنوك عالميًّا بأكثر من 330 مليار دولار إثر تحقيقات في التلاعب بأسواق عدة، منها: الفوركس، والمعادن، وسعر الفائدة بين البنوك في لندن، وغير ذلك. تبلغ هذه الغرامات المتراكمة ثلثَ الرأسمال الكلي للعملات المشفرة. 

إن في كل سوقٍ «تلاعبًا»، ولكن هذا لا يجعل السعر أقلّ حقيقيّةً. 

ليس سوق البيتكوين أسوأ من الأسواق الأخرى. البيتكوين من أشدّ الأصول سيولةً في العالم، ويجري اكتشاف سعره في عشرات الأماكن، وله سجلّات يستطيع مراجعتها أي أحد. 

عملة تيثر Tether

من الحماقة الاعتقاد بأن عملة مستقرة، ليس فيها إلا 3% من رأسمال البيتكوين، تستطيع أن تؤذي البيتكوين وتجعلها مفلسة.

الارتباط لا يعني السببية. لئن كان إصدار تيثر مرافقًا لصعود البيتكوين، فلا يقتضي هذا أنه سببه. فعملة USDC، وهي عملة مستقرة أخرى، فيها الارتباط نفسه، وهو شيء بديهي لأن الناس يستخدمون الأموال ليستغلوا الفرَص العشوائية. لماذا تُقلق عملة USDC المتوجّسين؟

عندما انهار الريبل (عملة XRP) لم تتأثر البيتكوين. عندما أفلست البيتكونكت، لم تتأثر البيتكوين. ببساطة، ليست تيثر خطرًا إلا على من هي في حيازتهم. لا خطرَ عليك ما دمت تملك البيتكوين. 

ضيّف نيك كارتر في بودكاسته دان ماتوسزفسكي، التاجر خارج البورصة، الذي تاجر بمليارات الدولارات في تيثر، وقد دحض بعض هذه الأساطير. 

وإذا كان إصدار تيثر مفبركًا كلّه، فإن هذا سيفيد البيتكوين فائدةً جمّة، لأن الناس سيبيعون التيثر والعملات المستقرة الأخرى ليشتروا البيتكوين. 

قديمًا في 2013/2014، كانت مخاوف «ويلي بوت» حاضرة، إذ ظن الناس أن سعر البيتكوين لا يتصاعد إلا بسبب بوت يتلاعب به صعودًا على إم تي غوكس. وهي دعوى لا أساس لها. 

خلاصة

لا تدلّ هذه المخاوف إلا على حجم التغيير الذي جاءت به البيتكوين. كل تقنية جديدة تثير في الناس مخاوف تكون متناسبة مع أثرها في العالم. 

عندما اختُرعت الدرّاجات في القرن التاسع عشر، رماها الناس بشتّى أنواع المصائب، من تجنين الناس إلى تدمير أخلاق النساء. في المستقبل، سننظر إلى هذه الاعتراضات كما ننظر اليوم إلى الاعتراضات على الدرّاجة: بضحك.

أمْسِك – HODL، 
دان

Tagged :

تقييم البيتكوين باستخدام نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول – S2FX

لقطة مقربة من لوحة التدفق-إلى-المخزون الشهيرة بتكليف من PlanB، اللوحة بعنوان “التكوين“، ويظهر فيها نقطة بيانات الذهب مصنوعة من ورقة ذهب عيار 22 قيرات ومحاطة بتراب من نيزك حقيقي، وعبرها قصاصات من عملة الدولار الأمريكي | اللوحة للرسامة Petek

اقرأ المقال الأصلي، وتابع المؤلف على تويتر| ترجمة: فاتي أحمد، SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

<<ليس المهم في العلم أن تكتشف حقائق جديدة، بل أن تكتشف طرائق جديدة للتفكير في الحقائق>> وليام لورانس براغ

مقدمة

في مارس 2019، نُشر نموذج تقدير قيمة البيتكوين (BTC) باستخدام منهج المخزون إلى التدفق (stock-to-flow) [1]

تستند معادلة نموذج المخزون إلى التدفق (S2F) لتقييم البيتكوين على سعر عملة البيتكوين ونسبة المخزون إلى التدفق شهريا. وبما أن نقاط البيانات مُرتبة حسب الترتيب الزمني، فإن النموذج هو سلسلة زمنية. جذب النموذج اهتمام المحللين الكَمّيين في مختلف أنحاء العالم وأكد العديد منهم وجود علاقة بين نسبة المخزون إلى التدفق وسعر العملة. [2][3][4]

نموذج تدفق المخزون الحالي

إذا لم تكن على دراية بنموذج المخزون إلى التدفق (S2F)، فأنصحك بشدة بقراءة المقال الأصلي لأنه يشرح الخلفية والمصطلحات.

يُعزز هذا المقال قاعدة نموذج المخزون إلى التدفق الحالي عن طريق استبدال الوقت بأصول أخرى (الفضة والذهب) للنموذج. حيث نطلق على هذا النموذج الجديد نموذج تقييم البيتكوين باستخدام نهج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول (S2FX). يسمح هذا النموذج بتقييم الأصول المختلفة كالفضة والذهب والبيتكوين بمعادلة واحدة.

أولاً، سوف نشرح مفهوم التحول الطوري، الذي يقدم طريقة جديدة للتفكير في البيتكوين ونسبة المخزون إلى التدفق ويوضح مدى أهمية نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول.

وثانياً، نقوم بشرح كيف يعمل نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول وماذا تعنى نتائجه.

التحول الطوري

إن التحول الطوري هو منظور مهم جدا في فهم نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول. فعند نقطة التحول الطوري، قد تخضع الخواص الفيزيائية إلى تغير تام ويتغير حجم الطورين تماما، وتكون التحولات في الغالب متقطعة. سنقدّم ثلاثة أمثلة لتحوّلات الأطوار:

1. الماء

2. الدولار الأمريكي

3. البيتكوين

الماء

إن الماء هو المثال المعروف للتحول الطوري، الماء موجود في أربع مراحل مختلفة (حالات): صلب، سائل، غاز، مؤيّن. كلها مياه ولكن تختلف خصائصها تماما في كل مرحلة.

الدولار الأمريكي

إن التحول الطوري موجود في الأموال أيضا. فعلى سبيل المثال قد تحول الدولار الأمريكي من عملة ذهبية (1 دولار = 371.25 حبة من الفضة النقية = 24 حبة من الذهب) إلى عملة ورَقية مدعومة بالذهب («يُدفَع لصاحبها عُملة ذهبية عند طلبه») إلى عملة ورقية غير مدعومة بشيء («هذه الورقة عملة قانونية لجميع الديون، العامة والخاصة»). وعلى الرغم من أننا نستمر في تسميته الدولار، فإن الدولار له خصائص مختلفة تماما في هذه المراحل الثلاث.

البيتكوين

وينطبق نفس الشيء على البيتكوين. فيوضح نيك كارتر وهاسو في دراستهما لعام 2018 كيف تغيرت خصائص البيتكوين مع مرور الوقت. [5]


كيف تغيرت خصائص البيتكوين الرئيسية مع مرور الوقت

تبدو خصائص البيتكوين ثابتة جدا في الرسم البياني. ومع ذلك، فإننا إذا جمعنا خصائصه مع المعالم المالية (وفيما بعد مع المخزون إلى التدفق وسعر العملة)، بدَتْ لنا كالأطوار إلى حد كبير مع تحولات أكثر فجائية:

1. «إثبات المفهوم» -> بعد ورقة البيتكوين البيضاء. [6]

2. «المدفوعات» -> بعد تعادل الدولار الأمريكي (1 دولار= 1 بيتكوين).

3. «الذهب الإلكتروني» -> بعد التنصيف الأول، أصبح يعادل الذهب تقريباً (1 بيتكوين = أونصة واحدة من الذهب).

4. «الأصل المالي» -> بعد التنصيف halving الثاني (حوالات بقيمة 1 مليار دولار كل يوم، ووضوح قانوني في اليابان وأستراليا، وأسواق العقود الآجلة في بورصة شيكاغو التجارية وباكت Bakkt).

تقدم هذه الأمثلة الثلاث للتحول الطوري في الماء، والدولار الأمريكي والبيتكوين منظورا جديدا حول البيتكوين ونهج المخزون إلى التدفق. ومن المهم ألا نفكر بهذا على أنه سلسلة زمنية مستمرة فحسب، بل وعلى أنه مراحل بينها تحولات حادة. فعند تطوير نموذج S2FX، نرى البيتكوين في كل مرحلة كأصل جديد، له خصائص مختلفة تماماً. وتتمثل الخطوة المنطقية التالية في تحديد التحول الطوري للبيتكوين وقياسه كمياً.

نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول للبيتكوين

يوضح الرسم البياني أدناه نموذج المخزون إلى التدفق الشهري للبيتكوين ونقاط البيانات لسعر العملة المستخدمة في نموذج المخزون إلى التدفق الأصلي. حيث يمكننا رؤية أربعة تجمعات.

لا بدّ أن هذه التجمعات الأربعة تشير إلى التحولات الطورية.

ويمكننا إجراء تحديد كمي لهذه التجمعات من خلال تقليل المسافة بين بيانات البيتكوين الشهرية وبينها. حيث نقوم باستخدام الخوارزمية الوراثية (تقليل المساقة المطلقة) لتحديد أربعة تجمعات. ويمكن أن تركز البحوث المستقبلية على خوارزميات تجميع مختلفة (مثل خوارزمية K-mean).

لكل تجمع من التجمعات الأربعة المحدّدة من البيتكوين مجموعة مختلفة تماما من القيم السوقية وقيم تدفق المخزون، تبدو كأنها متسقة مع التنصيفات halvings ومع التغير الحادث في سرد البيتكوين.

1. بيتكوين «إثبات المفهوم» (المخزون إلى التدفق 1.3 والقيمة السوقية 1 مليون دولار)

2. بيتكوين «المدفوعات» (المخزون إلى التدفق 3.3 والقيمة السوقية 58 مليون دولار)

3. بيتكوين «الذهب الإلكتروني» (المخزون إلى التدفق 10.2 والقيمة السوقية 5.6 مليار دولار)

4. بيتكوين «الأصل المالي» (المخزون إلى التدفق 25.1 والقيمة السوقية 114 مليار دولار)

ومثلها كمثل الماء والدولار الأميركي، تمثل هذه التجمعات الأربعة للبيتكوين أربعة أصول مختلفة، لكلّ منها سردٌ مختلف وخصائص مختلفة. فإن بيتكوين «إثبات المفهوم» الذي كانت قيمة مخزونه إلى تدفقه 1.3 وقيمته السوقية 1 مليون دولار فقط هو أصل مختلف تماماً عن بيتكوين «الأصل المالي» الذي تبلغ قيمة مخزونه إلى تدفقه 25 وقيمته السوقية 114 مليار دولار.

مع تبني منظور التحول الطوري لتجمعات البيتكوين كأصول مختلفة، يمكننا أن نضيف أصولاً أخرى كالفضة والذهب للنموذج. مما يجعله نموذجاً متداخل الأصول. بالنسبة للفضة والذهب، نستخدم أرقام المخزون والتدفق من التحليل الأخير الذي أجراه جان نيونيهويس وألتيمو للأسعار في ديسمبر عام 2019 على موقع TradingView.

– الفضة (المخزون إلى التدفق 33.3 والقيمة السوقية 561 مليار دولار).

– الذهب (المخزون إلى التدفق 58.3 والقيمة السوقية 10.088 مليار دولار).

يبين الرسم البياني تجمعات البيتكوين الأربع المحددة كمياً (بالإضافة إلى بيانات البيتكوين الشهرية للسياق) وتشكل الفضة والذهب خطّاً مستقيماً مثاليّاً.

نستخدم تحليل الارتباط لعمل نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول (S2FX). نلاحظ أن الفرق الكبير بين النموذج الأصلي وهذا النموذج هو استخدام القيم السوقية وقيم المخزون إلى التدفق للفضة والذهب في تحليل الارتباط. يُظهر النموذج علاقة كبيرة بين تدفق المخزون والقيمة السوقية لهذه الأصول الستة (99.7% R2).

وهذا يترجم إلى تقييم عملة البيتكوين (باعتبار 19 مليون بيتكوين في عام 2020-2024) بنحو 288 ألف دولار.

إن الأسعار المتوقعة للبيتكوين هي أعلى بكثير من 55 ألف دولار في الدراسة الأصلية. يرجى العلم أن نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول هو خطوة أولى لم تثبتها النتائج المختلفة والمراجعات بعد.

ملاحظة 1: على الرغم أن ست ملاحظات observations عدد ليس بكثير، فإني أقدر نتائج هذا النموذج. ومن الممكن أن تركز البحوث في المستقبل على إضافة المزيد من الأصول إلى التحليل، ومع ذلك، فإن معظم الأصول تحتوي على قيم 2F منخفضة (≤1) ولذلك فهي غير مهمة. وعلى العكس من ذلك، فإن الماس يتمتع بمستوى عالٍ من المخزون إلى التدفق ولكن تقييمه شديد التعقيد (الخام/المقصور، والقيراط، والألوان المختلفة والسطوع، وما إلى ذلك).

ملاحظة :2 يسمح نموذج S2FX بالاستيفاء، بدلاً من الاستقراء في نموذج S2F الأصلي. يتنبّأ النموذج الأصلي S2F تنبّؤاً يقع خارج نطاق البيانات المستخدم في صنع النموذج، أما نموذج S2FX الجديد فيتنبّأ تنبّؤاً يقع ضمن نطاق البيانات المستخدم في استخلاص الصيغة.

مثال على الاستيفاء (اليسار) والاستقراء (اليمين) — البيانات باللون الأزرق، والخط الأسود هو نموذج، والنقاط الحمراء تنبؤات

الملخص

في هذه المقالة، أعزز الأساس للنموذج الحالي المخزون إلى التدفق (S2F) من خلال إزالة الوقت وإضافة أصول أخرى (الفضة والذهب( للنموذج. أسمي هذا النموذج الجديد نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول لتقييم البيتكوين (S2FX). ويتيح نموذج S2FX تقييم مختلف الأصول مثل الفضة والذهب والبيتكوين بمعادلة واحدة.

لقد شرحت مفهوم التحول الطوري. فهو يقدم طريقة جديدة للتفكير في البيتكوين ونموذج المخزون إلى التدفق. وقد قادني إلى نموذج S2FX.

تتمتع صيغة نموذج S2FX بملاءمة مثالية للبيانات (99.7% R2).

يقدّر نموذج S2FX القيمة السوقية لمرحلة أو مجموعة البيتكوين التالية (تقييم البيتكوين في نموذج المخزون إلى التدفق يصبح56 مليون بين عام 2020-2024) بقيمة 5.5 تريليون دولار أمريكي. هذا يُترجم إلى سعر بيتكوين بحوالي 288 ألف دولار (باعتبار 19 مليون بيتكوين بين عام 2020-2024)

وبتعزيز الحقائق المعروفة من دراسة المخزون إلى التدفق الأصلية (S2F)، يقدم نموذج S2FX طريقة جديدة للتفكير في انتقال البيتكوين إلى المرحلة الخامسة.

مصادر ومراجع

[1] PlanB@100trillionUSDModeling Bitcoin Value with Scarcity, Mar 2019

[2] Nick EmblowFalsifying Stock-to-Flow As a Model of Bitcoin Value, Aug 2019

[3] Marcel BurgerReviewing “Modelling Bitcoin’s Value with Scarcity”, Sep 2019

[4] Nic CarterHasu@HasuflVisions of Bitcoin — How major Bitcoin narratives changed over time, Jul 2018

[5] Satoshi Nakamoto, Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System, 2008

[6] Jan NieuwenhuijsHow Much Silver Is Above Ground?, Dec 2019

Tagged : / / /

صعود البيتكوين

فيجاي بوياباتي – 26 فبراير 2018

نُشر المقال الأصلي على مدونة فيجاي بوياباتي| ترجمة: فاتي أحمد، Arabic Hodl

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مع ارتفاع سعر البيتكوين الى مستويات قياسية جديدة في عام 2017، قد يبدو شراء البيتكوين بالإستثمار البديهي الذي لا يحتاج حتى إلى توضيح. بالمقابل، قد يبدو من الحماقة الاستثمار في أحد الاصول الرقمية التي لا تدعمها أي حكومة وليس لها غطاء مادي، والتي دفع ارتفاع اسعارها البعض لمقارنتها بهوس التوليب او بفقاعة الانترنت. كلا النظرتين غير صحيح؛ أسباب صعود البيتكوين مقنعة ولكنها ليست واضحة.   ينطوي الاستثمار في البيتكوين على مخاطر كبيرة ولكنه يحمل في طياته فرصة هائلة، كما سأوضح.

التكوين

لم يحدث قط في تاريخ العالم أن أمكن نقل القيمة بين شعوب بعيدة دون الاعتماد على وسيط موثوق به، مثل مصرف أو حكومة. في عام 2008، نشر (ساتوشي ناكاموتو)، الذي لا تزال هويته مجهولة، حلاً من تسع صفحات لمشكلة قديمة بعلوم الكمبيوتر تُعرف باسم “مسألة الجنرال البيزنطي”. سمح الحل الذي قدمه ناكاموتو والنظام المبني عليه –البيتكوين- بتحويل القيمة بسرعة عبر المسافات ودون الحاجة إلى الثقة في طرف ثالث، لم يكن هذا الأمر ممكناً من قبل قط. إن التداعيات المترتبة على اختراع البيتكوين عميقة للغاية بالنسبة للاقتصاد وعلوم الحاسوب إلى الحد الذي يجعل ناكاموتو أول شخص مؤهل لنيل كلاً من جائزة نوبل في الاقتصاد وجائزة تورنغ في مجال الكمبيوتر.

وبالنسبة للمستثمر فإن الحقيقة البارزة في اختراع البيتكوين هي خلق سلعة رقمية نادرة جديدة. البيتكوين عملة رقمية قابلة للنقل، تُنتج على شبكة البيتكوين في عملية تُسمى “التعدين”. إن عملية تعدين البيتكوين شبيهة إلى حد ما بتعدين الذهب، باستثناء أن معدل الإنتاج يتبع جدولاً زمنياً محدد مسبقاً، لن يُنتج أبداً سوى 21 مليون عملة بيتكوين وفقا لجدول التصميم، وقد أُنتج معظمها بالفعل، فقد تم تعدين حوالي 16.8 مليون بيتكوين فى وقت كتابة هذا المقال. وسوف يتوقف إنتاج العملات الجديدة كلياً بحلول العام 2140.

يعرض الرسم البياني معدل إصدار عملة البيتكوين (ملايين/عام) بالأحمر مقابل معدل تضخم العملة بالأزق

ليس لعملة البيتكوين غطاء من سلع مادية كما لا تضمنها أي حكومة أو شركة، مما قد يدفع مستثمر البيتكوين الجديد للتساؤل: لم للبيتكوين قيمة على الإطلاق؟ فبعكس الأسهم والسندات والعقارات أو حتى السلع الأساسية مثل النفط والقمح، لا يمكن تقدير قيمة عملات البيتكوين عبر تحليل التدفقات النقدية أو عن طريق تحليل الطلب على استخدامها في إنتاج سلع اخرى. يندرج البيتكوين في فئة مختلفة تماماً من السلع، تعرف بالسلع النقدية، والتي تُحدد قيمتها وفق قواعد “نظرية الألعاب”؛ يقدر كل فرد قيمة السلعة بناءً على توقعاته لكيف سيقيمها الأفراد الاخرون في السوق. ولكي نفهم طبيعة تتبع السلع النقدية لـ”نظرية الألعاب”، يتعين علينا أن نستكشف أصل المال.

أصل الأموال

قديماً، كانت التجارة بين مجموعات من الناس تتم من خلال نظام المقايضة. واتسمت عمليات المقايضة بانعدام الكفاءة، مما قيض من النطاق الجغرافي ومن حجم التجارة الممكن.ومن العيوب الرئيسية في التجارة القائمة على المقايضة مشكلة اختلاف الرغبات. فعلى سبيل المثال، قد يرغب مزارع التفاح في التجارة مع صياد سمك، ولكن إذا لم يرغب الصياد في شراء التفاح، فلن تكتمل الصفقة. وبمرور الوقت، نشأ لدى البشر رغبة في الجمع والاحتفاظ ببعض السلع بسبب ندرتها وقيمتها الرمزية وتشمل الأمثلة على ذلك (الأصداف والأسنان الحيوانية وحجر الصوان). كما يشرح (نيك سابو) في مقالته الرائعة عن أصل المال، كانت رغبة الإنسان في جمع المقتنيات بمثابة ميزة تطورية متميزة للإنسان البدائي مقارنة بأقرب منافسيه، إنسان نياندرثال (الإنسان البدائي).

كانت الوظيفة التطورية الرئيسية والمطلقة لجمع الممتلكات هي كوسيلة لتخزين ونقل الثروة.

 كان جمع الممتلكات بمثابة نوع من «المال الأولي» الذي جعل التجارة ممكنة بين القبائل المعادية، وسمح بنقل الثروة عبر الأجيال. كانت التجارة ونقل المقتنيات حدث نادر في مجتمعات العصر الحجري، وقد لعبت تلك السلع دور “مخزن القيمة” وليس “وسيط للتبادل“وهو الدور الذي يلعبه النقد الحديث كما يوضح(سابو):

مقارنة بالنقد الحديث فإن النقد البدائي يتسم بسرعة منخفضة للغاية ــ فقد لا تنتقل ملكيته إلا بضع مرات في متوسط عمر الفرد. ومع ذلك، فإن وجود مجموعة ممتلكات دائمة، ما نسميه اليوم إرثا، يمكن أن يتواجد لأجيال عديدة وأن يضيف قيمة كبيرة في كل عملية نقل ملكية -مما يجعل النقل ممكنا في كثير من الأحيان.

لقد واجه الإنسان البدائي معضلة نظرية الألعاب عند اتخاذ القرار بشأن أي سلعة ينبغي عليه جمعها أو صناعتها: ماهي السلع التي سيرغب بها الآخرون؟ من خلال التوقّع الصحيح للسلع التي قد يكون عليها طلب بغرض جمعها، يكسب مالك تلك السلع فائدة هائلة في قدرته على إبرام الصفقات واكتساب الثروة. وتتخصص بعض القبائل الاميركية الأصلية، مثل قبائل ناراغانسيت، في صنع المقتنيات التي لا فائدة لها سوى استخدامها في التجارة. تجدر الإشارة إلى أنه كلما كان توقع الطلب المستقبلي على سلعة مبكراً وسريعا، كلما عظمت الميزة الممنوحة لمالكها؛ حيث يمكنه جمعها بتكاليف أقل مقارنة في حين ترتفع قيمتها التجارية ويزداد الطلب عليها مع زيادة عدد السكان الراغبين في الحصول عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فحيازة سلعة ما على أمل أن يزداد الطلب عليها كمخزن للقيمة في المستقل من شأنه أن يعجّل من اعتمادها لهذا الغرض بالذات. والواقع أن هذه الدورة الظاهرية تشكل حلقة من رد الفعل تدفع المجتمعات إلى التلاقي بسرعة على مخزن واحد للقيمة. ويعرف ذلك ضمن نظرية الألعاب باسم “توازن ناش“. إن تحقيق توازن ناش لمخزن القيمة هو هبة عظيمة لأي مجتمع، حيث يقوم بتيسير التجارة وتقسيم العمل إلى حد كبير، مما يمهد الطريق لقيام الحضارة.

طريق الحرير

وعلى مر آلاف السنين، ومع نمو المجتمعات البشرية وتطور الطرق التجارية، بدأت مخازن القيمة التي نشأت في المجتمعات الفردية بالتنافس فيما بينها. وواجه التجار خياراً بين حفظ عائدات تجارتهم في مخزن قيمة الرائج في مجتمعهم أو في مخزن قيمة المجتمع الذي يتاجرون معه، أو خليط من هذا وذاك. وتتمثل فائدة الحفاظ على المدخرات في مخزن قيمة أجنبي في تعزيز القدرة على إتمام التجارة مع ذلك المجتمع بسهولة. كما أن إبقاء المدخرات في مخزن قيمة أجنبي من شأنه منح حافز للتجار لتشجيع استخدام مخزن القيمة في مجتمعاتهم لأن ذلك يزيد القوة الشرائية لمدخراتهم. إن الفوائد المترتبة على مخزون القيمة المستورد لا تعود على التجار الذين يقومون بالاستيراد فحسب، بل وأيضاً على المجتمعات نفسها.

عندما يتفق مجتمعان على مخزن قيمة واحد فإن ذلك من شأنه أن يخفض تكلفة التجارة فيما بينهما ويزيد من الثروة الناتجة عنها. وفي الواقع، قد كان القرن التاسع عشر أول مرة يجتمع فيها أغلب سكان العالم على مخزن واحد للقيمة وهوالذهب. وشهدت تلك الفترة أعظم انفجار تجاري في تاريخ العالم. وقد كتب اللورد (كينز) عن هذه الفترة الذهبية ما يلي:

يا لها من فترة استثنائية في التقدم الاقتصادي للإنسان في ذلك العصر … بالنسبة لأي رجل ذي قدرة تتجاوزالمتوسط، وصولا ًالى الطبقات المتوسطة والعليا، تقدم الحياة وسائل راحة ومتعة تتجاوز أغنى وأقوى ملوك العصور الأخرى، بتكلفة منخفضة وبأقل قدر من المتاعب.  فبإمكان الشخص المقيم في لندن أن يطلب من شتى منتجات الأرض كلها وبالكميات التي يرغبها بينما يرتشف الشاي الصباحي في سريره ويتوقع وصولها إلى عتبة منزله مبكراً.

محددات مخزن القيمة المناسب

عندما تتنافس مخازن القيمة مع بعضها البعض، فإن السمات التي تجعل مخزنا ما للقيمة جيداً هي التي تسمح لنوع ما بالتفوق فى المنافسة على الآخر ويزداد الطلب عليه بمرور الوقت. ورغم استخدام العديد من السلع كمخازن للقيمة أو “أموال أولية”، فقد ظهرت سمات معينة كانت مطلوبة بشكل خاص وسمحت للسلع التي تتسم بتلك السمات بهزيمة سلع أخرى غير قادرة على المنافسة.  من شأن مخزن القيمة المثالي أن يكون:

سلعة معمرة: لا يجوز أن تكون السلعة عرضة للتلف أو التدمير بسهولة. وبالتالي فإن القمح ليس مخزناً مثالياً للقيمة.

يمكن حملُها: لابد أن تكون سهلة النقل والتخزين، الأمر الذي يجعل من الممكن تأمينها ضد الفقدان والسرقة،ومن أجل استخدامها في التجارة عن بُعد.وعلى هذا فيكون السوار الذهبي مناسبا أكثر من البقرة.

قابلة للإستبدال: إحدى صفات السلعة الجيّدة أن يمكن استبدال عينة منها بأخرى من نفس الكمية. ومن دون القابلية للإستبدال، فإن مصادفة مشكلة الرغبة تظل بلا حل. ولذلك فإن الذهب أفضل من الماس الغير منتظم في الشكل والصفات.

يمكن التحقق منها: يجب أن يكون من السهل تحديد السلعة والتحقق من كونها حقيقية. إن سهولة التحقق من السلعة تزيد من ثقة المتلقي في التجارة وتزيد من احتمالية إتمام الصفقات التجارية.

قابلة للتقسيم: يجب أن يكون من السهل تقسيم السلعة إلى أجزاء فرعية.ورغم أن هذه السمة كانت أقل أهمية في المجتمعات السابقة حيث كانت التجارة غير متكررة، إلا أنها أصبحت أكثر أهمية مع ازدهار التجارة وبعد أن أصبحت الكميات المتبادلة أصغر وأكثر دقة.

نادرة: إن أي سلعة نقدية لابد وأن تكون ذات “كلفة لا يمكن تزويرها” كما وصفها نيك سابو.  وبعبارة أخرى، لا ينبغي للسلعة أن تكون وافرة أو سهل الحصول عليها أو يمكن إنتاجها بكمية كبيرة.ولعل الندرة هي السمة الأكثر أهمية التي يتسم بها أي مخزن للقيمة، حيث أنها تتغذى على الرغبة البشرية الفطرية في جمع كل ما هو نادر. هذا هو مصدر القيمة الأصلية لمخزن القيمة.

ذات تاريخ راسخ: كلما طال أمد إدراك المجتمع لقيمة السلعة، كلما ازدادت جاذبيتها كمخزن للقيمة.فمن الصعب أن يحل محل مخزن القيمة الذي تم إنشاؤه منذ فترة طويلة مخزن جديد إلا عن طريق فرضه بالقوة أو إذا كان هذا المخزن الجديد يتمتع بميزة كبيرة من بين السمات الأخرى المذكورة أعلاه.

مقاومة الرقابة والحظر: وهي سمة جديدة ازدادت أهمية في مجتمعنا الرقمي الحديث الذي يتمتع بالرقابة الشاملة، ألا وهي مقاومة الحظر. وهذا يعني مدى صعوبة طرف خارجي، مثل شركة ما أو دولة، على منع صاحب السلعة من الاحتفاظ بها واستخدامها. فالسلع المقاومة للرقابة مثالية بالنسبة لمن يعيش في ظل أنظمة تحاول فرض ضوابط على رأس المال أو تجريم أشكال مختلفة من التجارة السلمية.

يصنف الجدول أدناه البيتكوين والذهب وعملة الفيات (مثل الدولار) مقابل السمات المذكورة أعلاه ويليه شرح كل درجة:

تصنيف البيتكوين والذهب وعملات البيتكوين

السلع المعمرة

الذهب هو ملك السلع المعمرة بلا منازع. ولا تزال الغالبية العظمى من الذهب الذي تم استخراجه أو صقله في الماضي، بما في ذلك ذهب الفراعنة، موجودا حتى الآن ومن المرجح أن يظل موجودا بعد ألف عام. ولا تزال القطع الذهبية التي استخدمت كعملة في العصور القديمة تحتفظ بقيمة كبيرة اليوم. البيتكوين والعملات الحكومية (الفيات) هي بالأساس عملات رقمية يمكن أن تتخذ شكل مادي (مثل الأوراق المالية). وعلى هذا، فليس المظهر المادي هوالذى ينبغي أخذه في الاعتبار (حيث أنه يمكن استبدال ورقة دولار بالية بأخرى جديدة)، بل استمرارية المؤسسة التي تتولى إصدار هذه الأموال. وفي حالة عملات الفيات، مرت عدة حكومات على مر القرون، واختفت معهم عملاتهم. عملات مثل البابيرمارك والرنتتنمارك والرايخ مارك من جمهورية فايمار لم تعد ذات قيمة لأن المؤسسات التي أصدرتهم زالت من الوجود. وإذا استرشدنا بالتاريخ، فمن الحماقة أن نعتبر عملات الفيات باقية على الأمد البعيد، يعتبر الدولار الأميركي والجنيه البريطاني من الحالات الشاذة نسبياً في هذا السياق. ليس لعملة البيتكوين جهة إصدار، ولذلك فبقائها يعتمد على استمرارية الشبكة التي تؤمن وجودها.ولأن البيتكوين لا يزال في مرحلة مبكرة، فمن السابق للأوان أن نستخلص استنتاجات قوية حول مدى استمراريته. ولكن هناك من الدلائل المشجعة ما يشير إلى أنه على الرغم من المحاولات البارزة من قِبَل الدول والحكومات لتنظيم عمل البيتكوين وسنوات الهجمات من قِبَل المتطفلين، فإن الشبكة استمرت في العمل، الأمر الذي يظهر درجة كبيرة من “الاستمرارية“.

القابلية للنقل

إن البيتكوين هو أكثر مخزن للقيمة قابل للنقل على الإطلاق. يمكن تخزين وحمل المفاتيح الخاصة التى تمثل مئات الملايين من الدولارات فى ذاكرة USB صغيرة جدا وإلى أي مكان بسهولة.علاوة على ذلك، يمكن إرسال أي قيمة مالية عبر كوكب الأرض بشكل فوري تقريباً. ولأن العملات الحكومية رقمية بالأساس، فهي أيضاً قابلة للنقل. ومع ذلك، فإن اللوائح الحكومية وضوابط رأس المال تعني أن التحويلات كبيرة القيمة قد تستغرق أياماً أو قد لا تكون ممكنة على الإطلاق. من الممكن استخدام الأموال النقدية لتجنب ضوابط رأس المال، ولكن ذلك يزيد من خطر التخزين وتكلفة النقل.  أما الذهب، والذي يتسم بهيئته المادية ووزنه الكبير، فهو أقل مخزن للقيمة قابلية للنقل. ولذلك لا تتحرك أغلب سبائك الذهب من مستودعاتها، يتغير مالك الذهب أثناء عمليات البيع والشراء، ولكن لا تتحرك سبائك الذهب فعلياً. إن نقل الذهب بشكله المادى عبر المسافات هو أمر مكلف وخطير ومستهلك للوقت.

القابلية للاستبدال

الذهب هوالمعيار لقابلية الاستبدال. فعند إذابته، لا يمكن تمييز أونصة من الذهب عن أخرى، دوماً ما كان هذا حال سوق الذهب. من الناحية الأخرى، فإن عملات الفيات لا يمكن استبدالها إلا بقدر ما تسمح به المؤسسات المصدرة لها. وفي حين أنه قد يكون الحال أن تحظى جميع أوراق العملات النقدية الحكومية بنفس المعاملة من قِبَل التجار، هناك حالات تُعامل فيها الأوراق ذات القيمة الكبيرة معاملة مختلفة عن الأوراق الصغيرة. على سبيل المثال، في محاولة للقضاء على التجارة الغير خاضعة للضرائب في الهند، نزعت الحكومة الهندية كامل القيمة النقدية للعملات من فئة 500 و1000 روبية. وقد أدى هذا الأمر إلى تداول الأوراق النقدية بقيمة 500 و1000 بخصم على قيمتها الاسمية، مما أحال من قدرة استبدالهم مع الفئات الأدنى من نفس العملة. يمكن استبدال وحدات البيتكوين على مستوى الشبكة، وهذا يعني أن كل عملات البيتكوين تحظى بنفس المعاملة عند ارسالها عبر الشبكة. ومع ذلك، ولأن عملة البيتكوين يمكن تتبعها عبر سلسلة البلوك تشين، فقد تصبح بعض الوحدات ملوثة إن استُخدمت في التجارة غير المشروعة وقد يضطر التجار إلى عدم قبول هذه العملات الملوثة. ومن دون إدخال تحسينات على خصوصية بروتوكول شبكة البيتكوين وإخفاء الهوية، فلا يمكن اعتبار البيتكوين قابل للاستبدال كالذهب.

القابلية للتحقق

من السهل التحقق من صحة كل عملة من عملات الفيات والذهب الى حد كبير. ولكن على الرغم من تزويد العملات الورقية بعلامات مميزة لمنع تزويرها، لا تزال الدول ومواطنيها يواجهون احتمال الخداع بالأوراق المالية المزيفة، كما يستخدم المجرمون التنجستن المطلي بالذهب كوسيلة لخداع المستثمرين وحملهم على دفع ثمن ذهب مزيف.بالمقابل، يمكن التحقق من عملات البيتكوين بدقة حسابية مؤكدة. يمكن لمالك عملات البيتكوين إثبات ملكيتها علناً عن طريق استخدام توقيعات التشفير.

القابلية للتقسيم

من الممكن تقسيم عملات البيتكوين إلى مائة مليون وحدة وإرسالها بكميات متناهية الصغر (ولكن قد تجعل رسوم الشبكة من نقل تلك الكميات الضئيلة أمر غير اقتصادي). عادةً ما تُقسم عملات الفيات إلى مصروفات الجيب، والتي لا تتمتع إلا بقدر ضئيل من القوة الشرائية، الأمر الذي يجعل عملات الفيات قابلة للتقسيم من الناحية العملية. أما الذهب، وإن أمكن تقسيمه مادياً، يصبح من الصعب استخدامه عندما يقسم إلى كميات صغيرة بالقدر الكافي لكي يصلح للتجارة اليومية ذات القيمة المنخفضة.

الندرة

يتميز البيتكوين عن العملات الورقية والذهب فى نُدرتة المحددة مسبقا. يسمح تصميم البيتكوين بإنتاج 21 مليون عملة فقط. وهذا يعطي مالك البيتكوين نسبة مئوية معروفة من إجمالي المعروض المحتمل. على سبيل المثال، يعرف مالك عشر عملات بيتكوين أنه لن يزيد عدد الأشخاص الذين قد يملكوا نفس العدد عن2.1 مليون إنسان على وجه الأرض. (اقل من 003. بالمئة من سكان العالم). ورغم أن الذهب يتميز بالندرة إلى حد كبير عبر التاريخ، الا أنه ليس محصناً ضد زيادة المعروض. فمن الممكن أن يزداد المعروض من الذهب بشكل هائل إن أصبحت هناك طريقة جديدة اقتصادية لتعدين أو احتياز الذهب(ومن بين الأمثلة على ذلك التعدين في قاع البحر أو في الكويكبات). وأخيرا، أثبتت عملات الفيات، على الرغم من كونها اختراعاً حديثاً نسبياً، أنها عُرضة للزيادات المستمرة في المعروض. فقد أظهرت الدول القومية ميل متواصل لتضخيم المعروض من النقد لحل المشاكل السياسية قصيرة الأمد. إن الميول التضخمية لدى الحكومات في مختلف أنحاء العالم تترك مالكي عملات الفيات مع احتمالية تضاؤل قيمة مدخراتهم بمرور الوقت.

التاريخ الراسخ

لا توجد أي سلعة نقدية لها تاريخ طويل ومحدد مثل الذهب، الذي أصبح موضع تقدير منذ بدء الحضارة الإنسانية. لا تزال العملات المعدنية التي تم تعدينها في قدم الزمن تحتفظ بقيمة كبيرة حتى اليوم. يختلف الأمر عن الحديث عن عملات الفيات، والتي تشكل شذوذاً حديثاً نسبياً في التاريخ. منذ بدايتها، كان للعملات الورقية ميل شبه عالمي نحو انعدام القيمة في نهاية المطاف. وكان استخدام التضخم كوسيلة ماكرة لفرض ضرائب خفية بمثابة إغراء لم تتمكن سوى بضع حكومات من مقاومته عبر التاريخ. وإن أظهر القرن العشرون أي حقيقة اقتصادية، وهو القرن الذي هيمنت فيه عملات الفيات على النظام النقدي العالمي، فإن تلك الحقيقة هي أن عملات الفيات لا يمكن الوثوق بها للحفاظ على قيمتها في الأمد البعيد أو حتى في الأمد المتوسط.لقد نجح البيتكوين، على الرغم من وجوده القصير، في اجتياز عدداً كافياً من التجارب في السوق، لدرجة شبه انعدام احتمالات زواله كأصل قيم مستقبلاً. وعلاوة على ذلك، فإن تأثير لِّيندي يشير إلى أنه كلما استمر البيتكوين فى البقاء لمدة اطول تزيد ثقة المجتمع في أنه سوف يستمر في البقاء لمدة طويلة في المستقبل. وبعبارة أخرى، فإن الثقة المجتمعية في سلعة نقدية جديدة هي أمر مقارب، كما هو موضح أدناه:

الثقة في الذهب والبيتكوين مع مرور الوقت

إذا استمر البيتكوين بالوجود لمدة عشرين عاماً، فسوف تكون هناك ثقة شبه عالمية في أن البيتكوين سوف يظل متاحاً إلى الأبد، مثلما يعتقد الناس أن الإنترنت هو سمة دائمة من سمات العالم الحديث.

مقاومة الحظر

من أكبراسباب الطلب المبكر على البيتكوين كان استخدامه في الاتجارغير المشروع بالمخدرات. مما أدى الى افتراض العديد من الناس بالخطأً أن الطلب الأول على البيتكوين يرجع إلى قدرته على إخفاء هوية المستخدم. ولكنه لا تخفي عملة البيتكوين هوية مستخدمها؛ فكل معاملة يتم إرسالها على شبكة البيتكوين يتم تسجيلها إلى الأبد عبر تقنية البلوك تشين. ويسمح السجل التاريخي للمعاملات فيما بعد بإجراء تحليل جنائي لتحديد مصدر الأموال. وكان مثل هذا التحليل هو ما أدى إلى إلقاء القبض على مرتكب جريمة سطو(MtGox) الشهيرة. ورغم أنه من الصحيح أن شخصاً حذراً ودؤوبا بالقدر الكافي قادر على إخفاء هويته عندما يستخدم عملة البيتكوين، إلا أن هذا ليس هو السبب الذي جعل البيتكوين شعبياً إلى هذا الحد في التعامل مع المخدرات. إن السمة الرئيسية التي جعلت البيتكوين قيماً فى تلك الأنشطة المحظورة هي أن استخدام الشبكة “لا يحتاج الى طلب إذن”. عندما يتم إرسال البيتكوين عبرالشبكة، لا يقرر أي تدخل بشري يقرر ما إذا كان يُسمح بتلك المعاملة ام لا. ولأن شبكة البيتكوين لامركزية وتقوم على مبدأ نظير إلى نظير، فهو مصمم بطبيعته بحيث يكون مقاوماً للحظر. ويتناقض هذا بشكل صارخ مع النظام المصرفي القائم على عملات الفيات، حيث تعمل الدول على تنظيم البنوك وغيرها من مسؤولى نقل الأموال للإبلاغ عن الاستخدامات المحظورة للسلع النقدية ومنعها. وتُعَد ضوابط رأس المال مثالاً كلاسيكياً لنقل الأموال الخاضعة للتنظيم. على سبيل المثال، قد يجد المليونير الثرى صعوبة بالغة في تحويل ثروته إلى مكان جديد إذا كان يرغب في الفرار من نظام قمعي. ورغم أن الذهب لا يُصدر بواسطة الدول، فإن طبيعته المادية تجعل من الصعب نقله عبر المسافات، الأمر الذي يجعله أكثر عُرضة للقوانين الحكومية مقارنة بالبيتكوين. ويشكل قانون التحكم في الذهب في الهند مثالاً لمثل هذه القوانين.

يتفوق البيتكوين في أغلب السمات المذكورة أعلاه، الأمر الذي يسمح له بالتفوق فى المنافسة على السلع النقدية الحديثة والقديمة ويوفر حافز قوي لتبنيه على نحو متزايد. وبصفة خاصة، قد كان المزيج القوي بين مقاومة الحظر والندرة المطلقة بمثابة الحافز القوي الذي دفع المستثمرين الأثرياء إلى تخصيص جزء من ثرواتهم لفئة الأصول حديثة النشأة

تطور المال

أصبح دور المال كوسيط للتبادل هوس الاقتصاديين فى العصر الحديث. في القرن العشرين، احتكرت الدول اصدار المال وقوضت بشكل مستمر من فكرة استخدامه كمخزن للقيمة، مكونة اعتقادا خاطئا عن المال على انه وسيط للتبادل فقط. يرى كثيرون أن البيتكوين غير مناسب للعب دور المال نظراً لتقلب سعره المستمر، ولكن هذا المعتقد غير صحيح بالمرة. يتطور المال على مراحل، ويأتي دوره كمخزن للقيمة قبل دور وسيط التبادل. يوضح ستانلي جيفونز، واحد من مؤسسي علم الاقتصاد الهامشي، ذلك:

تاريخيا … لقد اعتُبر الذهب أولاً سلعة ثمينة لأغراض الزينة؛ ثانيا، ثروة مخزنة، ثالثا، وسيط للتبادل؛ وأخيراً، مقياس للقيمة.

بالمسميات الحديثة، نجد ان المال دائما ما يتطور المال عبر اربعة مراحل:

1- مقتنيات للجمع: في المرحلة الاولى من تطوره، يكون الطلب على المال مستندا إلى خواصه المميزة، ويكون المال عادة بمثابة زينة عند مالكة. فقد كان الذهب والخرز والأصداف جميعهم المقتنيات قبل ان يصبحوا فيما بعد بمثابة عملات مالية.

2- مخزن للقيمة: يتم الاعتراف بالمال كوسيلة للحفاظ على القيمة وتخزينها مع مرور الوقت بمجرد ان يطالب به العدد الكافي من الأشخاص. عند اعتبار سلعة ما مستودعا للقيمة، فإن قوتها الشرائية سوف ترتفع مع تزايد عدد الأشخاص اللذين يطلبونها لتحقيق هذه الغاية. في نهاية المطاف تستقر القيمة الشرائية لمخزن القيمة عند توسع نطاق الاحتفاظ بها كمخزن للقيمة وتضاؤل الطلب الجديد عليها.

3- وسيط للتبادل: تستقر القوة الشرائية للمال عند اكتمال الاعتراف به كمخزن للقيمة، وعندها تقل تكلفة الفرصة البديلة لاستخدام المال فى اتمام الصفقات التجارية حتى تصل الى مستوى مناسب لاستخدامه كوسيط للتبادل. في الأيام الأولى لاستخدام البيتكوين، انتقد العديد من الناس تكلفة الفرصة البديلة الهائلة عند استخدام البيتكوين كوسيلة للتبادل بدلا من استخدامه كمخزن للقيمة. وبالفعل تؤكد القصة الشهيرة لرجل قايض نحو عشرة الاف بيتكوين (يساوى نحو 94 مليون دولار أمريكي وقت كتابة هذا المقال) مقابل فطيرتان من البيتزا هذا الارتباك.

4- وحدة للحساب: عند اعتبار المال وسيلة للتبادل على نطاق واسع، يتم تسعير السلع على اساسه، ويتاح تبادل العديد من السلع مقابل المال. من المفاهيم الشائعة الخاطئة أن اسعارالبيتكوين متاحة للعديد من السلعالحالية. على سبيل المثال، بالرغم من أن فنجان من القهوة قد يكون متاحاً للشراء باستخدام البيتكوين، فإن السعر المدرج ليس سعر البيتكوين الحقيقي؛ بل هو سعر فنجان القهوة الذي يرغب به التاجربالدولار محولاً قيمة الدولار الى البيتكوين طبقاً لسعر السوق. إذاانخفض سعرالبيتكوين بالقيمة الدولارية، سوف يزداد عدد البيتكوين الذييطلبه التاجر بشكل متناسب. لا يمكن ان نعتبر البيتكوين وحدة للحساب الا عندما يكون التجار على استعداد لقبول البيتكوين كمقابل فعلي للدفع دون اعتبار لسعر صرف البيتكوين مقابل العملات الورقية.

قد يُنظر للسلع النقدية التي لم تصبح بعد وحدة حسابية على انها “محولة جزئياً إلى نقد”. واليوم يشغل الذهب هذا الدور، فيُعتبر كمخزن للقيمة بعدما جرده التدخل الحكومي من كونه وسيط للتبادل ووحدة للحساب. ومن المحتمل أيضاً أن تقوم سلعة ما بدور وسيط التبادل وتقوم سلعة اخرى بالأدوار الأخرى وهذا عادة ما يحدث في البلدان ذات الحكومات المُختلة، مثل الأرجنتين وزيمبابوى.

كتب ناثنييل بوبر في كتابه الذهب الرقمي:

في أمريكا، يخدم الدولار وظائف المال الثلاث بسلاسة: يعمل كوسيط للتبادل ووحدة لقياس تكلفة السلع وأصل لحفظ القيمة. من الناحية الأخرى، يُستخدم البيزو في الأرجنتين كوسيط للتبادل في المشتريات اليومية ولكن ليس كمخزن للقيمة، فالاحتفاظ بالمدخرات في صيغة البيزو بمثابة القاء المال في القمامة. يبدل المواطنين كل مدخراتهم من البيزو الأرجنتيني بالدولار الذي يحفظ قيمته أفضل من عملة البيزو. ولأن عملة البيزو اصبحت واهية، يتذكر الناس الأسعار بالدولار، والذي أصبح وحدة فعالة للحساب على مر الوقت.

ينتقل البيتكوين حاليًا من المرحلة الأولى للتحول الى نقد إلى المرحلة الثانية. ومن المرجح أن يستغرق سنوات عديدة قبل ان يتحول من مخزن أولي للقيمة إلى وسيط حقيقي للتبادل، ومسار الوصول الى تلك المرحلة محفوف بالمخاطر وعدم اليقين. ومن الملفت للنظرأن نفس التحول فى الذهب قد استغرق قروناً عديدة. لم يشهد أى شخص على قيد الحياة عملية تحول أي سلعة إلى سلعة نقدية (كما يحدث الان مع البيتكوين)، ولذلك فالخبرة محدودة وثمينة فيما يتعلق بالمسار الذي تتخذه هذه العملية.

تبعية المسار

ترتفع القوة الشرائية للسلع النقدية بشكل هائل اثناء عملية التحول الى نقد. ولقد شبه الكثيرون عملية ارتفاع القوة الشرائية للبيتكوين بمظهر “الفقاعة”. ورغم أن هذا المصطلح كثيراً ما يستخدم بشكل مزعج في الإشارة إلى أن قيمة البيتكوين مبالغ فيها، لكنه هنا مناسب. فهناك صفة شائعة بين كل السلع النقدية، وهي أن قيمتهم الشرائية أعلى بكثير من قيمة استخدامهم. وبالفعل، لم يكن للعديد من السلع النقدية أي قيمة استخدام على الاطلاق. بوسعنا أن ننظر إلى الفارق بين قيمة استخدام السلعة في حد ذاتها وبين قوتها الشرائية الفعلية باعتباره “الميزة النقدية”. تزداد الميزة النقدية مع انتقال سلعة نقدية ما عبر مراحل التحول إلى نقد (المذكورة أعلاه)، ولكن لا تزداد تلك القيمة بطريقة ثابتة يمكن التنبؤ بها. فيمكن لسلعة ما في طور التحول أن تخسر المنافسة أمام سلعة أخرى مناسبة أكثر كسلعة نقدية، وعندها يمكن أن تقل الميزة النقدية للسلعة الأولى او حتى تختفي تماما. مثلما اختفت الفضة تماماً كسلعة نقدية في اواخر القرن التاسع عشر عندما استبدلتها الحكومات حول العالم بالذهب.

الميزة النقدية بالأصفر مقابل الطلب الصناعي بالرمادي للفضة والذهب والبيتكوين

لا يمكن توقع قيمة الميزة النقدية للعملة الجديدة حتى فى حالة عدم وجود عوامل خارجية مثل التدخل الحكومى او المنافسة مع السلع النقدية الاخرى. يعبر الاقتصادى لاري وايت عن ذلك قائلاً:

إن المشكلة في قصة الفقاعة هي انها، بطبيعة الحال، تصلح لتفسير أي مسار للأسعار. وبالتالي، فهي لا تقدم اى تفسير لمسار سعر بعينه.

تتبع عملية تحول السلع الى نقد نظرية الألعاب؛ حيث يحاول كل مشارك في السوق توقع الطلب الكلي للمشاركين الآخرين وبالتالي توقع التدفقات النقدية في المستقبل. ولأن الميزة النقدية غير مرتبطة بأي فائدة متأصلة، فإن المشاركين في السوق يميلون إلى الأخذ بالاسعار السابقة لتحديد إذا ما كانت السلعة النقدية رخيصة أم مكلفة وإذا ما كان يجب شراؤها أو بيعها. .يُعرف الرابط بين الطلب الحالي والأسعار السابقة باسم “الاعتماد على المسار”، وربما كان الاعتماد على المسارمصدر الالتباس الاكبر فيما يتعلق بفهم تحركات أسعار السلع النقدية.

مع تزايد تبني السلعة النقدية وارتفاع قوتها الشرائية، تتغير توقعات السوق لما يُعتبر “رخيصاً” و”باهظ التكلفة”. وعلى هذا النحو، عندما تنهار أسعار السلع النقدية، يمكن أن تتحول التوقعات إلى اعتقاد عام بأن الأسعار السابقة كانت “غير عقلانية” أو مضخمة. وتوضح كلمات مدير صندوق وول ستريت المعروف جوش براون نظرية الاعتماد على المسار:

لقد اشتريت عملات بيتكوين عند سعر 2300 دولار وتضاعف سعرها في الحال. وعندها قلت أننى “لن اشترى المزيد منها” بعد أن ارتفع سعرها، رغم ان هذا الرأى مبنىٌ فقط على السعر الذي اشتريتها به فى بادئ الأمر. ومع انخفاض سعر البيتكوين الاسبوع الماضي بسبب حملة الحكومة الصينية ضد مصارف البيتكوين، بدأت بالتفكير “حسنا، اتمنى ان تنهار حتى اتمكن من شراء المزيد”.

والحقيقة هي أن مفاهيم مثل “الرخص” و”باهظ الثمن” لا معنى لها في الأساس فيما يتعلق بالسلع النقدية. إن ثمن أي سلعة نقدية لا يعكس مدى فائدتها أو قدر إيراداتها، بل هو مقياس لمدى اتساع اعتمادهالأداء مختلف أدوار المال.

ويزيد من تعقيد طبيعة المال في الاعتماد على المسارأن المشاركين في السوق لا يتصرفون بحيادية عند الشراء أو البيع طبقا لمقدار الميزة النقدية المتوقع مستقبلاً فحسب، بل يعملون أيضاً كداعيين نشطين. وبما أنه لا يمكن تحديد قيمة الميزة النقدية بشكل موضوعي، فإن التبشير بتفوق ميزات السلعة النقدية الجديدة يصبح أمر فعال مقارنة بالترويج للسلع العادية والتي ترتكز قيمتها في نهاية المطاف على التدفق النقدي أو الاستخدام. يمكننا رؤية الحماس الديني للمشاركين في سوق البيتكوين عند الترويج لتفوقه النقدي والثروة التي يمكن جنيها من خلال الاستثمار فيه. يعلق(لي دروجين) على سوق البيتكوين قائلاً:

الأمر أشبه باعتناق دين جديد-قصة نؤمن بها ونخبر بها بعضنا البعض. منحنى اعتناق الأديان هو ما ينبغي علينا أن نفكر فيه. يكاد أن يكون التطابق مثالياً – فبمجرد دخول شخص فيه، يذهب لإخبار الجميع ويشرع في الدعوى اليه، ثم يدخل فيه اصدقائه ويقوموا هم أيضاً بالدعوة إليه.

وفي حين أنه يمكن أن تعطى مقارنة البيتكوين بالدين شعوراً بكونه إيمان لا عقلاني، فمن المنطقي تماماً أن يدعو مالك سلعة نقدية متفوقة المجتمع برمته لتبنيها. يشكل المال أساس كل المدخراتوالتجارة، ولذلك فإن تبني صورة متفوقة من المال يعود بفوائد هائلة ومضاعفة في خلق الثروة لكل أفراد المجتمع.

التحول إلى سلعة نقدية

في حين لا توجد قواعد مسبقة بشأن المسار الذي قد تسلكه أي سلعة نقدية عند تحولها إلى نقد، فقد نشأ نمط غريب أثناء التاريخ القصير نسبياً لتحول عملة البيتكوين إلى نقد. يبدو أن سعر البيتكوين يتبع نمط كسرى متكرر ومتزايد الحجم، حيث يتطابق كل تكرار كسوري مع الشكل الكلاسيكي لدورة (هايب جارتنر)

دورة جارتنر

يفترض (مايكل كازى) في مقاله حول تبني عملة البيتكوين/نظرية السعر، أن دورات هايب جارتنر المتوسعة تمثل أطوارا من منحنى التبنى على شكل S، والذي تتبعته العديد من الثورات من التقنيات الثورية مع شيوع استخدامها فى المجتمع

مسار تبني التقنيات الناشئة حتى الانتشار التام

تبدأ كل دورة من دورات هايب غارتنرباندفاع من الحماس للتكنولوجيا الجديدة، ويتم تحديد السعر عبر مزايدات المشاركين في السوق ممن “يمكن الوصول إليهم” في هذه الدورة. عادة مايكون لدى المشترين الأوليين في دورة هايب جارتنر اقتناع قوى بالطبيعة التحويلية للتكنولوجيا التي يستثمرون فيها. وفي النهاية يبلغ السوق ذروة الحماس مع توقف تدفق المشاركين الجدد لهذه الدورة، وتصبح حركة الشراء خاضعة لهيمنة المضاربين الهادفين للربح السريع أكثر من اهتمامهم بالتكنولوجيا الأساسية.

في أعقاب ذروة دورة هايب جارتنر، تنهار الأسعار بسرعة ويحل الياس والسخرية العامة محل حماسة المضاربة ويسود الشعور بأن التكنولوجيا لم تكن ثورية على الإطلاق. ومع نهاية الانهيار، تستقر الأسعار في أدنى مستوياتها وتنضم جماعة جديدة ممن استطاع تحمل ألم انهيار الأسعار وأدرك أهمية التكنولوجيا إلى المستثمرون الأصليون.

يستمر هذا الاستقرار لفترة طويلة من الزمن ويشكل ما يسميه (كيسي)بـ “القاع المستقر والممل”. يتضاءل الاهتمام العام بالتكنولوجيا خلال فترة الاستقرار، ولكن يستمر تطويرها ويزداد ببطء عدد المؤمنين بدورها. تتشكل حينئذ قاعدة جديدة لدورة هايب التالية مع إدراك المراقبين من الخارج أن هذه التكنولوجيا باقية وأن الاستثمار فيها قد لا يكون محفوفاً بالمخاطر مثلما بدا خلال مرحلة الانهيار من الدورة. يتعاظم حجم الدورة التالية وتجذب عدد أكبر من المتبنين.

بإمكان قلة قليلة فقط من الأشخاص المشاركين في دورة هايب جارتنر توقع مدى ارتفاع الأسعار في الدورة. فعادة ما تصل الأسعار إلى مستويات تبدو عبثية في نظر أغلب المستثمرين من المراحل الأولية للدورة. ومع انتهاء الدورة، يشرع الإعلام في اعطاء الأسباب للانهيار. وفي حين أن السبب المعلن (مثل فشل منصة تبادل) قد يكون عاملاً، فإنه ليس سبباً لانتهاء الدورة. تنتهى دورة هايب جارتنر بسبب استنفاذ المشاركين في السوق الذين يمكن الوصول إليهم في الدورة.

من المعروف اتباع الذهب لنمط دورة هايب جارتنر الكلاسيكى بداية من أواخر السبعينات الى أوائل القرن العشرين. وقد يستدل البعض من ذلك أن دورة هايب هى دورة ديناميكية اجتماعية متأصلة فى عملية تحويل السلع الى نقد.

الذهب تاريخياً

دفعات جارتنر

شهد سوق البيتكوين أربع دورات هايب جارتنر كبرى منذ ميلاد أول سعر صرف تجارى في عام 2010. وبالنظر اليها الان، يمكننا أن نحدد نطاقات الأسعار لدورات هايب السابقة في سوق البيتكوين بدقة. وبوسعنا أيضاً أن نحدد نوعيات المستثمرين المرتبطين بكل من تلك الدورات.

صفر-1 دولار أميركي (2009 إلى مارس 2011): هيمن التقنيون وخبراء الكومبيوتر وأخصائيو التشفير ممن أدرك أهمية اختراع ساتوشي ناكاموتو على أول دورة هايب، وكانوا رواد إثبات خلو بروتوكول البيتكوين من العيوب التقنية.

30-1 دولار أميركي (2009-يوليو 2011): جذبت الدورة الثانية كلاً من أوائل المتبنين للتكنولوجيا الحديثة ومجموعة من المستثمرين المتحمسين والمنبهرين بفكرة وجود أموالا بلا حكومة. فقد انجذب الليبراليين مثل (روجر فير) إلى البيتكوين من أجل الأنشطة المناهضة للمؤسسات والتي قد تصبح ممكنة عند تبني هذه التكنولوجيا الناشئة على نطاق واسع. شارك أيضاً (وينسى كاساريس) العبقري ومؤسس عدة شركات في دورة هايب الثانية للبيتكوين، وهو معروف بحثّه أشهر المستثمرين والتقنيين في سيليكون فالي للمشاركة في البيتكوين.

250 -1100 دولار أميركي (إبريل/نيسان 2013 إلى ديسمبر/كانون الأول 2013): شهدت دورة هايب الثالثة دخول الأفرادوالمؤسسات الاستثمارية ممن كانوا على استعداد لمواجهة التعقيدات الشديدة والسيولة المحدودة عند شراء البيتكوين من شركات الصرافة. وفى أثناء تلك الفترة كان مصدر السيولة الرئيسي هو شركة Mt.Gox للصرافة ومقرها في طوكيو باليابان، كان يديرها (مارك كاربيليز) المعروف بعدم كفاءته وميوله الإجرامية، والذي بالفعل حُكم عليه بالسجن فيما بعد عن دوره في انهيار شركة الصرافة.

من الجدير بالملاحظة ارتباط ارتفاع أسعار البيتكوين أثناء دورات هايب المذكورة مسبقاً مع زيادة السيولة وسهولة شراء البيتكوين. لم توجد شركات صرافة أثناء دورة هايب الأولى، وكان التعدين أو التبادل المباشر مع أحد المُعدنين الوسيلة الرئيسية للحصول على البيتكوين. ظهرت بعض البورصات البدائية في التكرار الثاني لدورة هايب، ولكن كان يتطلب الحصول على البيتكوين من تلك البورصات خبرة تكنولوجية عالية ولم يكن مناسباً لغالبية المستثمرين. وحتىاثناء دورة هايب الثالثة، كانت ما تزال هنالك عقبات أمامارسال الأموال من البنوك إلى شركةMt. Gox من اجل شراء البيتكوين. عزفت البنوك عن التعامل مع شركات صرافة البيتكوين، وكثيراً ما كانت الشركات الوسيطة غير كفء أو إجرامية أو كليهما. وعلاوة على ذلك، واجه العديد ممن نجحوا في تحويل الأموال إلىMt.Gox خسارة أموالهم عندما تعرضت المنصة للاختراق ومن ثم الأغلاق. ولم تتوافر مصادر سيولة عميقة الا بعد مرور عاميين من الركود في أسعار البيتكوين بعدما انهار سوق Mt.Gox للتبادل؛ وتتضمن الأمثلة على ذلك منصات التبادل الكبيرة مثل GDAX واسواق التبادل غير الرسمية مثل Cumberland للتعدين. وبحلول دورة هايب الرابعة في عام 2016، كان من السهل نسبيًا على المستثمرين شراء وتأمين عملات البيتكوين.

19600 دولار؟ (2014-؟):

يمر سوق البيتكوين بدورة هايب الرابعة الكبرى في وقت كتابة هذا المقال. وتهيمن “الأغلبية المبكرة”من المستثمرين من الأفراد والمؤسسات على المشاركة في دورة هايب الحالية، كما يصفها(مايكل كازي)

معدل اختراق التقنية للسوق

ومع نمو وزيادة مصادر السيولة، أصبح لدى كبار المؤسسات الاستثمارية الفرصة للمشاركة من خلال الأسواق الآجلة الخاضعة للتنظيم. إن وجود مثل تلك الأسواق يمهد الطريق أمام إنشاء صناديق المؤشرات المتداولة لعملة البيتكوين، والتي من شأنها أن تفتح الطريق أمام “الأغلبية المتأخرة” و”المتلكئين” في دورات هايب القادمة.

وبرغم أنه من المستحيل أن نتوقع حجم دورة هايب الحالية بدقة، فمن الممكن القول بأنها ستبلغ ذروتها فى ما بين عشرين إلى خمسين ألف دولار. وفى حال تجاوزت هذا النطاق فسوف يحصل البيتكوين على جزء كبير من القيمة السوقية للذهب، (تتعادل القيمة السوقية لكل من الذهب والبيتكوين عند بلوغ سعر عملة البيتكوين نحو 380 ألف دولار،فى وقت كتابة هذا المقال). يرجع جزء كبير من رسملة سوق الذهب للطلب الخاص بالبنوك المركزية، والتي من غير المرجح مشاركتها في هذه الدورة.

دخول الدول القومية لسوق البيتكوين

ستبدأ دورة هايب جارتنر الأخيرة للبيتكوين عندما تبدأ الدول القومية الدولية بتخزين البيتكوين كجزء من احتياطات العملات الأجنبية. إن الرسملة السوقية لعملة البيتكوين صغيرة للغاية بحيث لا يمكن اعتبارها إضافة مجدية لمعظم البلدان في الوقت الحالي. ولكن مع زيادة اهتمام القطاع الخاص ومع اقتراب رسملة البيتكوين من تريليون دولار، سيتمتع البيتكوين بسيولة كافية تؤدي لدخول أغلب الدول إلى السوق. ومن المرجح أن يؤدي أول قرار دولة بإضافة البيتكوين إلى احتياطاتها رسمياً إلى تدافع باقي الدول لفعل الشيء نفسه. ستشهد أوائل الدول تبنياً للبيتكوين أعظم العوائد على ميزانياتها إن انتهى الأمر بالبيتكوين كعملة احتياطية عالمية. ولكن من المؤسف أن أكثر الدول سرعة في تكديس البيتكوين ستكون على الأغلب الدول صاحبة أقوى السلطات التنفيذية، كالديكتاتوريات مثل كوريا الشمالية. إن الفروع التنفيذية الضعيفة بطبيعتها فى الديمقراطيات الغربية وعدم رغبتها فى تحسين موقعها المالى من شأنه أن يؤدى الى ترددها وتلكؤها عن تكدييس البيتكوين فى احتياطاتها.

ومن المفارقات العجيبة هنا أن الولايات المتحدة تُعَد حالياً واحدة من أكثر الدول انفتاحاً على موقفها التنظيمي إزاء البيتكوين، في حين تُعَد الصين وروسيا الأكثر عدائية. فالولايات المتحدة تجازف بالجانب السلبي الأكبرفي موقفها الجغرافي سياسيا إذا ما حل البيتكوين محل الدولار كالعملة الاحتياطية العالمية. ففي الستينيات، انتقد شارل ديجول “الامتياز الباهظ” الذي تمتعت به الولايات المتحدة بفضل نظام النقد الدولي الناتج عن اتفاق بريتون وودز عام 1944. لم تلحظ الحكومتان الروسية والصينية بعد مدى الفوائد الجغرافية الاستراتيجية التي تترتب على استخدام البيتكوين كعملة احتياطية، فهم مشغولون فقط بالتأثيرات التي قد يخلفها على أسواقهما الداخلية. ولكنكما هدد الصينيين والروس من قبل بإعادة العملبمعيار الذهب رداًعلى الامتياز الفاحش الذي تتمتع بها الولايات المتحدة، فإنهم في الوقت المناسب سيدركون فوائد الاحتفاظ باحتياطي نقدي كبير في مخرن قيمة غير خاضع لسيادة الدول. وبفضل تركز أكثر طاقة تعدين للبيتكوين في الصين،فهي تتمتع بالفعل بميزة واضحة فيما يتعلق بإمكانية إضافة البيتكوين إلى احتياطاتها.

تفخر الولايات المتحدة بكونها أمة من المبدعين، حيث يشكل وادي السليكون جوهرة تاج الاقتصاد الأميركي.  الى الآن، هيمن وادي السليكون على الحديث مع الجهات التنظيمية حول موقفها حيال البيتكوين.في المقابل، بدأت المصارف والبنك الفيدرالي الأمريكي بإدراك التهديد الوجودي الذي يفرضه البيتكوين على السياسة النقدية الأميركية إذا تحول إلى عملة احتياطية عالمية.  نشرت صحيفة وول ستريت جورنال المعروفة بكونها لسان حال البنك الفيدرالي تعليقاً حول التهديد الذي يفرضه البيتكوين على السياسة النقدية الأميركية:

هنالك خطر آخر قد يكون أشد خطورة من وجهة نظر البنوك المركزية والجهات التنظيمية: قد لا ينهار البيتكوين. فإذا كانت حماسة المضاربة في العملات المشفرة مجرد مقدمة لاستخدامها على نطاق واسع كبديل للدولار، فإن ذلك من شأنه أن يهدد احتكار البنوك المركزية للمال.

ستشهد السنوات المقبلة صراعاً عظيماً بين رجال الأعمال والمبتكرين في وادي السليكون ممن يريدون الحفاظ على البيتكوين حراً من سيطرة الدول، وبين الصناعة المصرفية والبنوك المركزية الذين سيفعلون كل ما في وسعهم للسيطرة على البيتكوين بهدف منع تعطيل سلطاتهم في إصدار العملة.

الانتقال إلى مرحلة وسيط التبادل

لا يمكن لأي سلعة نقدية التحول إلى وسيط مقبول للتبادل (التعريف الاقتصادي القياسي “للمال”) إلا بعد الإعتراف بقيمتها على نطاق واسع. وبتعبير اخر، لن تُقبل سلعة لا يُعترف بقيمتها كوسيط للتبادل. ترتفع القوة الشرائية للسلعة بشكل هائل مع زيادة الإعتراف بقيمتها واعتمادها كمخزن للقيمة، مما يزيد من تكلفة الفرصة البديلة عند مبادلتها بسلعة اخرى. لا يمكن لمخزن القيمة التحول لوسيط للتبادل إلا عندما تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للتخلي عنها إلى مستوى منخفض ومناسب.

وعلى نحو أكثر دقة، لن تكون السلعة النقدية مناسبة كوسيط للتبادل إلا عندما ينخفض مجموع تكلفة الفرصة البديلة لها وتكلفة المعاملات المترتبة على استخدامها في التبادل إلى ما دون تكلفة إتمام التداول بدونها.

وفي مجتمع قائم على المقايضة، يمكن أن يحدث الانتقال من دور مخزنا للقيمة إلى وسيط التبادل حتى وان كانت القوة الشرائية للسلعة النقدية تزداد، وذلك لأن تكاليف المعاملات التجارية للمقايضة مرتفعة للغاية. أما في اقتصاد متقدم ذو تكاليف معاملات منخفض، من الممكن استخدام مخزن قيمة حديث النشأة وسريع الانتشار، مثل البيتكوين، كوسيط للتبادل، وإن كان في نطاق محدود للغاية. ومن بين الأمثلة على ذلك سوق المخدرات غير المشروعة حيث يبدي المشترون استعداداً للتضحية بفرصة الاحتفاظ بالبيتكوين بهدف الحد من المخاطر الكبيرة لشراء المخدرات باستخدام عملة حكومية

وعلى الرغم مما ذكرناه سابقاً، هناك حواجز مؤسساتية رئيسية تحول دون تحول مخزن القيمة الناشئ إلى وسيلة تبادل مقبولة عموما في مجتمع متقدم. تستخدم الدول الضرائب كوسيلة قوية لحماية أموالها السيادية من خطر الإزاحة بسبب منافسة السلع النقدية الاخرى. فعلاوة على تمتع الأموال السيادية بالطلب المستمر عليها بغرض دفع الضرائب، تُفرض أيضاً الضرائب على السلع المنافسة في حال زيادة سعرها. يشكل هذا النوع من الضرائب مقاومة كبيرة ضد استخدام مخزن القيمة كوسيط للتبادل.

لن تجدى محاولات إعاقة إستخدام السلع النقدية كوسيط للتبادل فى السوق، ولكن قد تنهار قيمة العملة الحكومية إذا ضاع إيمان الناس بها في عملية تعرف باسم التضخم المفرط. عندما تتضخم العملة الحكومية وتنهار، تحل محلها السلع مرتفعة السيولة فى المجتمع مثل الذهب أو عملة أجنبية مثل الدولار الأميركي. وإذا لم تتوفر أي سلع قابلة للسيولة أو كان المعروض منها محدوداً، تحل السلع الحقيقية ذات القيمة الأعلى محل العملة الحكومية مثل العقارات والسلع. إن الصورة النمطية المعبرة عن التضخم المفرط كمحل بقالة قد أًفرغ من كل منتجاته مع هروب المستهلكين من قيمة عملة بلدهم المتضائلة سريعا.

سوبر ماركت في فينزويلا بعد إنهيار العملة

وفي نهاية المطاف تصبح العملة الحكومية غير مقبولة عندما يفقد المواطنين ثقتهم بها أثناء فرط التضخم، ويتحول المجتمع الى نظام المقايضة أو تقوم عملة أخرى باستبدالها كوسيط للتبادل ومن بين الأمثلة على ذلك عندما تم استبدال الدولار الزيمبابوى بالدولار الأمريكى. أصبح استبدال العملة الحكومية بعملة أجنبية أكثر صعوبة بسبب ندرة العملة الأجنبية وغياب المؤسسات المصرفية الأجنبية لتوفير السيولة

وتزداد قيمة البيتكوين خاصة فى البلدان التى تتعامل مع التضخم المفرط لأنه لا يحتاج الى نظام مصرفى ويسهل نقلة عبر العالم. وحين تنهار قيمة العملات الحكومية كما هو متوقع سوف تصبح عملة البيتكوين هى العملة المفضلة عالميا للحفاظ على المدخرات. وعندما يتم استبدال العملات الحكومية بالبيتكوين، فإنه يكون قد تحول من كونه مخزن للقيمة الى وسيط للتبادل. وقد وصف دانيال كراويز هذه العملية بـ “فرط تبني البيتكوين“.

مفاهيم خاطئة شائعة عن البيتكوين

يركّزهذا المقال على الطبيعة النقدية لعملة البيتكوين. وبهذا الأساس، يمكننا أن نناقش بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة عنها.

البيتكوين فقاعة

مثل كل السلع النقدية فى السوق، يظهر سعر البيتكوين ميزة نقدية تدفع الكثيرين إلى وصفه بالفقاعة. تظهر كل السلع النقدية هذه الميزة النقدية وهي خاصية فريدة بالمال، أي ارتفاع سعره عن قيمة استخدامه في حد ذاته. بعبارة أخرى، المال فقاعة دائماً وفي كل مكان. ومن المفارقات أنه يمكن تكون السلعة النقدية فقاعة ومنقوصة القيمة في الوقت ذاته إن كانت في المراحل المبكرة من تبنيها كعملة نقدية.

تقلب سعر عملة البيتكوين

يرجع تقلب أسعار البيتكوين لحداثته. كان البيتكوين يشبه الأسهم الرخيصة في السنوات القليلة الأولى من وجوده، وكان من الممكن أن يتسبب أي مشتر كبير مثل تؤام وينكليفوس بارتفاع حاد في سعره. ولكن تضاءلت تقلبات البيتكوين بشكل كبير مع تزايد معدلات تبنيه وزيادة سيولته النقدية على مر السنين. وعندما تعادل قيمة البيتكوين السوقية قيمة الذهب، فسوف يُظهِر مستوى مشابهاً من التقلب. وسيتقلص تقلب الأسعار بدرجة تمكن من استخدامه كوسيط للتبادل على نطاق واسع بعد تجاوز قيمة الذهب السوقية. كما أوضحنا في السابق، تحدث عملية تحول البيتكوين الى نقد في سلسلة من دورات جارتنر. وتكون التقلبات فيأقل مستوياتها أثناء مرحلة الاستقرار من الدورة، في حين تكون في أعلى مستوى لها أثناء مرحلتي الذروة والانهيار. تقل حدة تقلب الأسعاربمرور الدورات بسبب زيادة السيولة النقدية في السوق.

ارتفاع رسوم التحويلات المالية

من بين الانتقادات التي وُجهت مؤخراً إلى شبكة البيتكوين هي زيادة رسوم إتمام التحويلات النقدية على نحو يجعلها غير مناسبة كنظام للدفع. ولكن ارتفاع الرسوم هو أمر صحي ومتوقع لأنها تمثل التكلفة المدفوعة للمُعدِّنين من أجل التحقق من صحة التحويلات وتأمين الشبكة. يمكن الدفع للمُعدِّنين أما عن طريق الرسوم أو عبر مكافئات التعدين، وهي مكافئات ذات اثر تضخمي يتحمله مالكو البيتكوين الحاليون.

ونظراً لثبات جدول عرض البيتكوين، والذي يمثل السياسة النقدية التي تجعل البيتكوين مناسباً للاستخدام كمخزن للقيمة، فإن مكافئات التعدين سوف تنخفض في نهاية المطاف إلى الصفر، وستؤمن حينها الشبكة برسوم التحويلات فقط. إن الشبكة التي تفرض رسوماً “منخفضة” لا تتمتع بقدر كبير من الأمان، وتكون أكثر عرضة للرقابة الخارجية.

تتلخص الحجة المخادعة وراء انتقاد ارتفاع رسوم التحويلات في الاعتقاد بأن البيتكوين يجب أن يكون نظام للدفع أولاً ثم مخزن للقيمة لاحقاً. وكما رأينا في أصل المال، فإن هذا الاعتقاد معكوس. لن يصبح البيتكوين مناسبا كوسيط للتبادل الى بعد أن يصبح مخزناً مقبولاً للقيمة.وبمجرد أن تنخفض تكلفة الفرصة البديلة لتداول البيتكوين بشكل يناسب استخدامه كوسيط للتبادل، فإن أغلب التداولات لن تحدث على شبكة البيتكوين ذاتها بل على شبكاتالطبقة الثانيةوالتي تتطلب رسوماً أقل بكثير. وتماثل شبكات الطبقة الثانية، مثل شبكة البرق، المكافئ الحديث للسندات الإذنية التي استُخدمت لتبادل الذهب في القرن التاسع عشر. استخدمت البنوك السندات الإذنية لتفادي التكلفة الهائلة لنقل السبائكمقارنة بتكلفة نقل السند الذي يمثل حق ملكية الذهب. ولكن على عكس السندات الإذنية، تسمح شبكة البرق بتحويل عملات البيتكوين بتكاليف منخفضة ودون الحاجة الى طرف ثالث مثل البنوك. يشكل تطوير شبكة البرق إبداعاً تقنياً بالغ الأهمية في تاريخ البيتكوين، وسوف تتجلى قيمته بوضوح مع تطوره وتبنيه في السنوات المقبلة.

المنافسة

ولأن البيتكوين عبارة عن بروتوكول من البرامج ذات الأكواد مفتوحة المصدر، كان من الممكن دوماً نسخ برمجياته ومحاولة تقليد شبكته. ظهر العديد من المقلدين للبيتكوين عبر الأعوام. بدءاً من البدائل البسيطة مثل (لايت كوين)، إلى الشبكات الأكثر تعقيداً مثل (الإثيريوم)والذي يعد بتنفيذ عقود معقدة تعسفاً على شبكة موزعة من الحواسيب. من بين الانتقادات الاستثمارية الشائعة لعملة البيتكوين أنها لن تستطيع الحفاظ على قيمتها لسهولة إنشاء المنافسين القادرين على دمج أحدث الابتكارات وميزات البرمجيات.

والمغالطة في ذلك تكمن في افتقار المنافسين عبر الأعوام إلى “التأثير الشبكي” الذي تحظى به التكنولوجيا الأولى والمهيمنة. يُقصد بالتأثير الشبكي تزايد فائدة استخدام شبكة البيتكوين فقط لكونها الشبكة الأكبر، يمثل التأثير الشبكي ميزة في حد ذاته. وبالنسبة لأي تقنية ذات طبيعة شبكية، فإنهاالميزة الأهمعلى الإطلاق.

يشمل تأثير الشبكة لعملة البيتكوين مدى سيولة السوق الخاص به، وعدد الأشخاص المالكين له، ومجتمع المطورين الذين يقومون بصيانة وتحسين برمجياته وعلامته التجارية. يبحث كبار المستثمرين والدول القومية عن السوق الأكثر سيولة حتى يتسنى لهم البيع والشراء بسرعة ودون التأثير على سعر السوق. وسوف يتوافد المطورون إلى مجتمع المبرمجين من ذوى الخبرات الأقوى، مما يعزز من قوة ذلك المجتمع. الوعي بالعلامة التجارية هو أمر ذاتي التعزيز، بسبب ذكر أي منافس محتمل للبيتكوين في سياق البيتكوين نفسه

انقسام في الطريق

ومن ضمن الاتجاهات التي قد كانت شائعة في عام 2017 بالإضافة الى تقليد برمجياته، كان ايضاً نسخ تاريخ معاملاته السابقة بالكامل (المعروف باسم البلوك تشين أو سلسلة الكتل). تمكن المنافسون من توزيع عملتهم الجديدة إلى قاعدة مستخدمين أكبرمن خلال نسخ تاريخ معاملات شبكة البيتكوين إلى شبكة مستقلة جديدة، تعرف هذه العملية بالانقسام

وقد حدثت أهم عملية انقسام من هذا النوعفي الأول من أغسطس عام 2017 عندما أُطلقت شبكة جديدة تعرف باسم بيتكوين كاش (Bcash). بعيّد الانقسام، حصل مالك عدد من عملات بيتكوين على نفس العدد من عملات كاش الجديدة.

فشلت كل محاولات المجتمع المناصر لعملة الكاشفي انتزاع العلامة التجارية للبيتكوين، سواء كانعن طريق تسمية شبكتهم الجديدة أو من خلال إطلاقهم حملة لإقناع المبتدئين في السوق أن عملات كاش هيعملات البيتكوين “الحقيقية”. وينعكس هذا الفشل فيالقيمة السوقية لكل من العملتين. ولكن بالنسبة للمستثمرين الجدد، يظل هناك خطر ظاهري في احتمال استنساخ منافس ما لعملة البيتكوين وسلسلة البلوك تشين الخاصة بها، والنجاح في تجاوزها في رسملة السوق، وبالتالي التحول إلى عملة البيتكوين بحكم الأمر الواقع.

وبوسعنا استنباط قاعدة مهمة من الانقسامات التى شهدتها شبكتي البيتكوين والإثيريوم، وهي أنه سوف تستقر أغلبية رؤوس أموال السوق على الشبكة التى تمتلك أمهر المطورين وأكثرهم نشاطاً. وعلى الرغم من أن البعض قد ينظر إلى البيتكوين على انه مال وليد فحسب، إلا أنه أيضا شبكة حاسوبية مبنية على برمجيات بحاجة إلى الصيانة والتحسين. إن شراء العملات الخاصة بشبكة تفتقر الى المطورين ذوي الخبرة والمهارة أشبه بشراء نسخة من برنامج الويندوزلا يدعمها أفضل مطوري شركة ميكروسوفت. وكان واضحاً منذ بداية انقسام عام 2017 التزام أفضل خبراء البرمجيات والتشفير بتطوير شبكة البيتكوين الأصلية وليس الفيلق المتنامي من المقلدين.

المخاطر الحقيقية

ورغم أن الانتقادات الشائعة الموجهة للبيتكوين التي وجدت فى الإعلام والاقتصاد في غير محلها وتستند إلى فهم معيب للمال، فإن الاستثمار في البيتكوين ينطوي على مخاطر كبيرة وحقيقية. ويجب أن يفهم المستثمر المحتمل هذه المخاطر قبل التفكير في الاستثمار فيه.

مخاطر البروتوكول

قد يحتوي بروتوكول البيتكوين أو أساسيات التشفير الذي بُنى عليه على خلل في التصميم، أو قد يصبح غير آمن مع تطور الحوسبة الكمية. فقد يؤدي اكتشاف عيب ما في البروتوكول أو وسيلة جديدة لكسر التشفير المستخدم فى البيتكوين إلى تهديد خطير للثقة في الشبكة. كانت مخاطر البروتوكول في ذروتها في الأعوام الأولى من عمل الشبكة، عندما كان من غير الواضح حتى بالنسبة لأخصائيو التشفير أن ساتوشي ناكاموتو قد توصل فعلياً إلى حل لمسألة الجنرال البيزنطي. وبالرغم من أن المخاوف من عيوب بروتوكول البيتكوين قد تبددت على مر السنين، ولكن نظراً لطبيعته التكنولوجية، فإن مخاطر البروتوكول دائما ما ستظل موجودة.

إغلاق بورصات البيتكوين

بفضل تصميمه اللامركزي، أظهر البيتكوين درجة ملحوظة من المرونة في مواجهة محاولات حكومات عدة لتنظيمه أو إغلاقه.ولكن ومع ذلك، فإن البورصات التي يتم فيها تداول البيتكوين مقابل العملات الورقية تتسم بدرجة عالية من المركزية وتبقى عُرضة للتنظيم والإغلاق. وفي غياب هذه البورصات اواستعداد النظام المصرفي للعمل معها، فإن عملية تحول البيتكوين إلى نقد قد تتعطل. ورغم وجود مصادر سيولة نقدية بديلة للبيتكوين، مثل السماسرة والأسواق اللامركزية لشراء وبيع البيتكوين (مثل localbitcoins.com)، فإن عملية استكشاف الأسعار تحدث في أسواق البورصة الأكثر سيولة، والتي تتسم جميعها بالمركزية.

تخفف المراجحة القضائية من خطر توقف أسواق البورصة. فبعدما انتقل مقر منصة بينانس من الصين إلى اليابان بعد إتخاذ الحكومة الصينية إجراءات صارمة بشأن العملات المشفرة. أصبحت الحكومات الوطنية يقظة إزاء غلق صناعة ناشئة قد تكون مؤثرة بقدر تأثير شبكة الإنترنت، وبالتالي التخلي عن ميزة تنافسية هائلة للدول الأخرى.  

لن تتوقف عملية تحول البيتكوين إلى نقد إلا عبر إغلاق عالمي منسق لجميع بورصات البيتكوين. وقد اقتربت عملة البيتكوين من أن تصبح متبناة على نطاق واسع إلى الحد الذي يجعل الإغلاق الكامل غير ممكن على المستوى السياسي وأشبه بغلق شبكة الانترنت. وعلى الرغم من ذلك فإن احتمالات الإغلاق ما زالت موجودة، ولابد من وضعها في الحسبان عند بالاستثمار في عملة البيتكوين. وكما ناقشنا في القسم السابق عن تدخل الدول القومية، فإن الحكومات الوطنية بدأت بادراك خطر وجود عملة رقمية مقاومة للرقابة والحظر على سياساتها النقدية. ويبقى السؤال إذا ما كانت ستعمل على مواجهة هذا التهديد قبل أن يصبح البيتكوين راسخاً إلى الحد الذي يجعل أي إجراء سياسي ضده غير فعّال.

القابلية للاستبدال

إن الطبيعة الشفافة والواضحة لسجل تحويلات البيتكوين تجعل من الممكن للدول أن تضع علامة على بعض عملات البيتكوين باعتبارها “ملوثة” عند استخدامها في أنشطة محظورة. ورغم أن مقاومة البيتكوين للحظر على مستوى البروتوكول تسمح بنقل هذه العملات، فإذا بدت القيود التنظيمية وكأنها تحظر استخدام هذه العملات الملوثة من قِبَل أسواق البورصة أو التجار، فإنها قد تصبح بلا قيمة. ومن ثم يخسر البيتكوين واحدة من الخصائص المهمة للسلعة النقدية وهي القابلية للاستبدال.

لابد من إجراء التحسينات على مستوى البروتوكول لتعزيز خصوصية المعاملات من أجل زيادة قابلية البيتكوين للاستبدال. ورغم وجود تطورات جديدة في هذا الصدد متمثلة في عملات رقمية مثل (مونيرو)و(زي كاش)، فتبقى هناك مقايضات تكنولوجية كبرى بين كفاءة وتعقيد البيتكوين وبين خصوصيته. ويظل السؤال بلا إجابة إذا كان من الممكن إضافة مميزات لتعزيز خصوصية البيتكوين دون المساس بفائدته كسلعة نقدية

الختام

البيتكوين مال أولي يمر بمرحلة التحول من كونه مخزناً للقيمة إلى كونه وسيط للتبادل. ولأنه سلعة نقدية غير حكومية، فمن الممكن أن يتحول البيتكوين في مرحلة ما في المستقبل إلى عملة نقدية عالمية مثل الذهب أثناء المعيار الذهبي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر. يمثل تبني البيتكوين كمعيار نقدي عالمي جوهر قضية صعود البيتكوين، كما أوضح ساتوشي ناكاموتو في بريد الكتروني أرسله إلى مايك هيرن عام 2010:

إذا تصورت استخدام البيتكوين فى جزء من التجارة العالمية، فسوف يكون هناك 21 مليون عملة للعالم أجمع، وهذا يعني أنه سوف تساوي قيمة كل وحدة الكثير.

وقدم خبير التشفير اللامع ومتلقي أول تحويل بيتكوين من ساتوشي(هال فينى) جوهر صعود البيتكوين بعد وقت قصير من الإعلان عن أول برنامج بيتكوين ناجح:

تخيل أن البيتكوين قد نجح وتحول إلى نظام الدفع المهيمن عبر العالم، إذن القيمة الكلية للعملات يجب أن تساوى القيمة الكلية للثروة الموزعة عبر العالم. وجدت أن تقديرات الثروة الموزعة حول العالم تتراوح من 100 تريليون إلى 300 تريليون دولار. ومع وجود 20 مليون عملة بيتكوين، فإن قيمة كل عملة تصبح 10 مليون دولار.

حتى لو لم يتم تبني البيتكوين عالميا، وكان ببساطة قادر على منافسة الذهب باعتباره مخزناً للقيمة لا يتبع سيادة الدول، فإن قيمته الحالية منقوصة بشكل هائل. وبمقارنة الرسملة السوقية لقيمة الذهب الموجود فوق سطح الأرض (ما يقارب 8 تريليون دولار) مع الحد الأقصى من المعروض من البيتكوين وهو 21 مليون عملة، فستساوي قيمة كل عملة ما يقارب380000 دولار. وكما رأينا في الأقسام السابقة، فإن البيتكوين يتفوق على الذهب في كل سمات مخزن القيمة باستثناء التاريخ الراسخ. ومع مرور الوقت واستحواذتأثير لِّيندي لن يكون التاريخ الراسخ ميزة تنافسية للذهب. وعلى هذا فمن المتوقع أن تقترب عملة البيتكوين، بل وربما تتفوق، على رسملة السوق الخاصة بالذهب في العقد المقبل. ولكن ولأن قسماً كبيراً من رؤوس أموال الذهب يأتي من البنوك المركزية التي تحتفظ به باعتباره مخزناً للقيمة، فمن الممكن أن يتطلب الأمر مشاركة الدول القومية حتى يتمكن البيتكوين من مكافئة وتجاوز رأس مال الذهب. ومن غير الواضح ما إذا كانت الأنظمة الديمقراطية الغربية سوف تشارك في ملكية البيتكوين. وللأسف من المرجح أن تكون الدول الديكتاتورية أول من يدخل سوق البيتكوين.

بأية حال، تبقى قضية صعود البيتكوين قائمة بغض النظر عن مشاركة الدول القومية. باعتباره مخزناً للقيمة لا يتبع سيادة الدول ويقتصر استخدامه على المستثمرون من الأفراد والمؤسسات، فإن البيتكوين لا يزال في مرحلة مبكرة من منحنى التبني ويدخل الأغلبية المبكرة السوق الآن بينما لا تزال الغالبية المتأخرة على بعد سنوات من الدخول. وفي ظل مشاركة أوسع نطاقاً من قبل المستثمرون، فإن مستوى الأسعار سوف يتراوح بين 100 ألف إلى 200 ألف دولار.

يشكل امتلاك البيتكوين واحدة من الرهانات القليلة غير المتناظرة والتي يستطيع المشاركة بها الجميع من مختلف أنحاء العالم. ويشبه الأمر خيار الشراء، الجانب السلبي للاستثمار محدود لحجم الاستثمار بينما يحمل اتجاه صعود البيتكوين احتمالية مضاعفة قيمة الاستثمار مائة ضعف. البيتكوين هو أول فقاعة عالمية حقيقية لا يحد حجمها ونطاقها إلا رغبة مواطني العالم في حماية مدخراتهم من تقلبات الإدارة الاقتصادية الحكومية. لقد نهض البيتكوين كطائر العنقاء من تحت رماد الكارثة المالية العالمية في عام 2008والتي كانت نتيجة لسياسات البنوك المركزية مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي.

وبعيداً عن القضية المالية للبيتكوين، سيؤدي صعوده كمخزن للقيمة خارج نطاق سيادة الدول إلى عواقب عميقة من الناحية الجيوسياسية. فوجود عملة احتياطية عالمية وغير التضخمية من شأنه إرغام الحكومات على تغيير آلية تمويلها الرئيسية من التضخم إلى فرض الضرائب المباشرة، وهو أمر غير مستساغ على المستوى السياسي. سيتقلص حجم الحكومات بما يتناسب مع الآلام السياسية المترتبة على الانتقال إلى فرض الضرائب كالوسيلة الوحيدة للتمويل.  فضلاً عن ذلك، فإن التجارة العالمية سوف تتم على النحو الذي يرضي تطلعات شارل ديغول بعدم منح أي دولة ميزة فوق الاخرين:

نرى أنه من الضروري أن تنشأ التجارة الدولية، كما كانت قبل المحن الكبرى في العالم، على معيار نقدي لا يقبل الجدل، ولا يحمل علامة أي بلد بعينه.

بعد 50 عاماً من الآن سيصبح البيتكوين هو ذلك المعيار النقدي.

Tagged : / / / /

تقدير قيمة البيتكوين بإستخدام النُدرة – S2F

اقرأ المقال الأصلي Modeling Bitcoin’s Value with Scarcity — تابع الكاتب على تويتر: PlanB

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

نشر ساتوشي ناكاموتو مستند البيتكوين في 31 أكتوبر 2008[1]، وأطلق الكتلة الأولى في الشبكة بتاريخ 3 يناير 2009، ثم نشر الشيفرة البرمجية في 8 يناير 2009. وبذلك، بدأت رحلة أوصلتنا إلى 70 مليار دولار قيمة سوقية للبيتكوين.

البيتكوين هو أول ابتكار في التاريخ لسلعة رقمية محدودة الكمية. فالبيتكوين محدود الكمية مثل الذهب أو الفضة، ويمكن إرساله عبر الانترنت أو موجات الراديو والأقمار الصناعية وغيرها.

كتجربة ذهنية، تخيل وجود معدن نادر كالذهب ولكن له هذه الخصائص: لونه رمادي باهت، لا يوصل الكهرباء، ليس صلباً، ولا يُستخدم في أغراض صناعية ولا تجميلية.. ولكن تميزه خاصية واحدة سحرية: يمكن إرساله عبر قنوات الاتصالات

ساتوشي ناكاموتو [2]

من المؤكد أن للندرة الرقمية قيمة، ولكن ما مقدار هذه القيمة؟ في هذه المقالة، أستخدم النسبة بين المخزون و التدفق لقياس مقدار الندرة ثم أضع نموذج إحصائي لتقدير قيمة البيتكوين مستنداً إلى نسبة تدفقه إلى مخزونه.     

الندرة ونسبة التدفق إلى المخزون

عادة ما تعرّف القواميس الندرة بكونها “شيء يصعبُ الحصول عليه” أو “شيء قليل الوجود”. يُعرّف “نيك سذابو” الندرة في إطار أكثر نفعاً: “تكلفة غير قابلة للتزييف”

ما هي الصفة المشتركة بين الذهب والوقت والأعمال الفنية النادرة؟ ثلاثتهم باهظ التكلفة، ويرجع هذا إما لكلفتهم الأصلية أو لقلة إحتمالية تكرارهم في المستقبل. يصعب التحايل على هذه التكلفة. […] تطبيق مفهوم التكلفة الغير قابلة للتزييف بشكل رقمي ليس بالأمر السهل، ولكنه يحمل في طياته إمكانية التوصل لإختراع الذهب الرقمي [3]

لا يمكن التحايل على ندرة المعادن الثمينة والمقتنيات النادرة، وهذا يرجع لتكلفة انتاجهم. فيما مضى، عندما لعبت المعادن والمقتنيات النادرة دور المال، كان للمال قيمة مستقلة لا يتولى طرف ثالث مسئولية تحديدها. ولكن لا يمكنك استخدام المعادن للسداد عبر الانترنت. ولهذا، فسيكون من الرائع وجود بروتوكول مستقل يجعل من المكلف صنع “بايت” رقمي، ثم يتيح تخزين ونقل والتحقق من صحة هذا البايت الرقمي بطريقة مستقلة ودون الحاجة للثقة بأي طرف: بايت من ذهب [4]

نيك سذابو

يتطلب صك عملات البيتكوين الجديدة إستهلاك كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية. ولهذا، فإصدار عملات البيتكوين يتطلب تكلفة غير قابلة للتزييف،  والتحايل على عملية إنتاج البيتكوين هو ليس بالأمر السهل. يجدر الإشارة إلى أن هذه الخاصية لا تنطبق على العملات الوطنية كما لا تنطبق على العملات الالكترونية الاخرى التي تفتقر لسقف إمداد أو لنظام لإثبات العمل أو لديها قوة معالجة ضعيفة، أو تخضع لإدارة مجموعة من الناس أو الشركات يمكنهم تعديل قوانينها بسهولة.

يتحدث “سيف الدين عموص” عن الندرة من منظور النسبة بين المخزون و التدفق. فيشرح أن ما يميز الذهب والبيتكوين عن السلع الاخرى كالنحاس والرصاص هو إرتفاع نسبة المخزون مقارنة بالتدفق للذهب والبيتكوين

مضاعفة معدل إنتاج أي سلعة إستهلاكية سيُحجِّم أي مخزون حالي، وسَيتسبَّب بحدوث تحطُّمٍ في الأسعار وسيُلحق الضرر بالمالكين. أما فيما يخص الذهب، فلن يكون ارتفاع الأسعار الذي يؤدي إلى مضاعفة الإنتاج السنوي ذا أهمية، حيث أنه يزيد المخزون بنسبة 3% بدلاً من 1.5%

فمعدل عرض الذهب المنخفض على الدوام هو السبب الجوهري لحفاظه على دوره النقدي على مرّ تاريخ البشرية

فنسبة المخزون إلى التدفق المرتفعة للذهب تجعله السلعة ذات السعر الأقل مرونة بالنسبة للعرض

كانت مخزون  عملات البيتكوين المتوفرة عام 2017 أكبر بنحو 25 مرة من العملات الجديدة المُنتجة في نفس العام، ولا يزال هذا أقل من نصف نسبة الذهب، ولكن بحدود عام 2022 ، ستتفوق نسبة المخزون إلى التدفق للبيتكوين على الذهب[5]

سيف الدين عموص

إذاً، فمن الممكن قياس مقدار الندرة بإستخدام النسبة بين المخزون و التدفق (م:ت)

نسبة م:ت = المخزون\التدفق

يشير المخزون إلى حجم الاحتياطي الحالي لأي سلعة بينما يشير التدفق إلى كمية الإنتاج السنوي. قد يستخدم بعض الناس معدل زيادة الإنتاج بدلاً من إستخدام نسبة م:ت. يشير معدل زيادة الإنتاج إلى نسبة التدفق للمخزون: المخزون\التدفق. – لاحظ هنا أن م:ت = 1\معدل زيادة الإنتاج

لنلق نظرة على بعض نسب م:ت

يتمتع الذهب نسبة م:ت=62، وهي الأعلى من بين المعادن؛ يعني هذا أننا سنحتاج إلى 62 سنة من الإنتاج للوصول لحجم المخزون الحالي. يليه الفضة بنسبة م:ت=22. هذه النسبة المرتفعة للمخزون مقارنة بالتدفق هي ما تعطي الذهب والفضة صفة نقدية.

جدول يوضح نسبة م:ت لبعض المعادن وأسعارهم ومعدل نمو المخزون السنوي

نسبة م:ت لمعادن مثل الباليديوم والبلاتينيوم بالكاد تعلو عن 1؛ فيمكن لحجم إنتاج سنة واحدة أن يضاعف حجم المخزون الحالي. تلعب عملية الإنتاج دوراً هاماً في نسبة م:ت لهذه المعادن. زيادة نسبة م:ت للسلع هو أمر شبه مستحيل نظراً لإرتفاع سعرها بمجرد كنز كميات كبيرة منها، مما يؤدي لزيادة معدل إنتاجها وبالنتيجة عودة سعرها للمعدلات الطبيعية. الإفلات من هذا الفخ هو أمر صعب للغاية.  

مخزون البيتكوين الحالي هو 17.5 مليون عملة، وتُصَّك العملات الجديدة بمعدل 0.7 مليون عملة في السنة – مما يعطينا نسبة م:ت = 25. تضع هذه النسبة البيتكوين في فئة السلع النقدية مثل الذهب والفضة. تقدر القيمة السوقية لعملات البيتكوين ب$70 مليار دولار

تُصدر عملات البيتكوين وفق جدول زمني ثابت. تعالج الشبكة كتلة جديدة من التحويلات كل 10 دقائق في المتوسط وتتضمن هذه الكتل العملات الجديدة. فعندما يحل أحد المعدنين المسألة الرياضية لنظام إثبات العمل للكتلة، يحصل على تلك العملات الجديدة والمسماة ـ”دعم الكتلة”. تشتمل مكافئة الكتلة على دعم الكتلة إضافة على كل رسوم التحويل المتضمنة من قبل المرسلين.

بدأ دعم الكتلة ب 50 بيتكوين لكل كتلة، وتقل للنصف كل 210,000 كتلة (حوالي 4 أعوام). يطلق على هذه العملية أسم “التنصيف”، وهي أمر هام للغاية بالنسبة للعرض النقدي للبيتكوين ونسبة م:ت. عملية التنصيف هي ما يجعل التغيير بمعدل زيادة العرض يحدث في خطوات حادة، بدلاً من تغير ناعم. (في عالم البيتكوين، يُطلق على معدل زيادة العرض مصطلح “التضخم النقدي”)

يوضح الخط الأصفر نسبة التضخم المتناقصة مع الزمن – والأزرق يوضح العدد الكلي لعملات البيتكوين

 نسبة المخزون إلى التدفق والقيمة

الفرضية في هذا البحث هي أن الندرة، مُعرفة في إطار نسبة المخزون إلى التدفق، تؤثر بشكل مباشر في القيمة. إلقاء نظرة على الجدول أعلاه يؤكد أن القيمة السوقية تميل للزيادة مع زيادة نسبة المخزون إلى التدفق. الخطوة التالية هي جمع البيانات ووضع نموذجاً إحصائياً.

البيانات

قمت بحساب نسبة م:ت والقيمة السوقية للبيتكوين لكل الشهور من ديسيمبر 2009 حتى فبراير 2019 ( بمجموع 111 نقطة قياس). يمكن استخراج عدد الكتل لكل شهر من سلسلة كتل البيتكوين بإستخدام أمر Python/RPC/bitcoind. يختلف عدد الكتل الفعلي عن المعدل النظري، ويرجع هذا لأن الكتل لا تُصدر كل 10 دقائق بدقة. (مثلاً، كان عدد الكتل في عام 2009 أقل بكثير من المعدل النظري)

وبإستخدام عدد الكتل المُصدرة كل شهر والمعدل المعروف لدعم الكتلة، يمكننا حساب التدفق والمخزون. أخرجت أول مليون عملة من الحسابات (7 شهور) وذلك بغرض التصحيح لمراعاة العملات المفقودة. ستكون مسألة التعديل لمراعاة العملات المفقودة موضوعاً للبحث المستقبلي.

تتوفر البيانات عن سعر البيتكوين من عدة مصادر ولكنها تبدأ في شهر يوليو 2010. استخدمت أول عمليات تسعير للبيتكوين قبل هذا التاريخ من أجل إكمال الحسابات (دولار واحد لقاء 1309 عملة في اكتوبر 2009 – 0.003 دولار للعملة في مارس 2010، وعملية بيع شطيرتي بيتزا بقيمة 41 دولار لقاء 10,000 عملة بيتكوين في مايو 2010). سيكون إستكشاف البيانات القديمة موضوعاً للبحث المستقبلي.

لدينا بالفعل البيانات الخاصة بالذهب (م:ت 62 وقيمة سوقية 8.5 تريليون دولار) وللفضة (م:ت 22 وقيمة سوقية 308 مليار دولار)؛ سأستخدم هذه البيانات كمقياس مرجعي.

النموذج الإحصائي

بوضع رسم إحصائي بالنقاط المبعثرة، يتبين لنا وجوب إستخدام المقياس اللوغاريتمي لعرض القيمة السوقية، وذلك لتضاعفها 8 مرات (من $10 آلالف إلى $100 مليار). وبإستخدام المقياس اللوغاريتمي أيضاً لنسبة م:ت، يتبين لنا وجود علاقة خطية جيدة بين اللوغاريتم الطبيعي لكل من م:ت و القيمة السوقية. (لاحظ أن إستخدام لوغاريتم عشري سيحقق نتائج مماثلة)

رسم بياني يوضح القيمة السوقية بالنسبة إلى م:ت

يؤكد الإنحدار الخطي ما يمكن رؤيته بالعين المجردة: علاقة ذات دلالة إحصائية بين نسبة م:ت والقيمة السوقية للبيتكوين (معامل التحديد 95% – القيمة الاحتمالية 2.3E-17 – القيمة الاحتمالية للانحدار 2.3E-17). فإحتمال كون العلاقة بينهما محض صُدفةً أو عَرَضًا هو أقرب إلى الصفر. تؤثر عوامل أخرى على السعر مثل القوانين الحكومية وعمليات القرصنة والاخبار المختلفة، ولهذا لا تصل قيمة معامل التحديد إلى 100% (أي أنه لا تقع كل النقاط على خط مستقيم بدقة تامة). ولكن يبدو أن الندرة (نسبة م:ت) هي العامل المهيمن.[i]

ومن المثير للدهشة هو أنه وبالرغم من كونهما أسواق مختلفة تماماً، تتماشى القيمة السوقية للذهب والفضة مع قيمة البيتكوين التي يقدمها النموذج. يعزز هذا الأمر الثقة بالنموذج الإحصائي. لاحظ أنه في أوج السوق الصاعدة للبيتكوين في ديسيمبر 2017، كانت نسبة م:ت 22 وكانت القيمة السوقية $230 مليار وهي أرقام مقاربة جداً للفضة.

ولأن للتنصيف أثر كبير على نسبة م:ت، قمت بتلوين الشهور بحسب قربها من موعد التنصيف على النحو التالي: شهور التنصيف بالون الأزرق الغامق، والأحمر للشهور بُعَيدَ التنصيف. موعد التنصيف القادم في شهر مايو 2020. ونسبة م:ت الحالية ستضاعف من 25 لتصبح 50، وهذه النسبة قريبة جداً من النسبة الخاصة بالذهب وهي 62

تبلغ القيمة السوقية المُقدرة للبيتكوين بعد تنصيف مايو 2020 تريليون دولار، وهو ما يمثل سعر 55 ألف دولار لعملة البيتكوين الواحدة، سيكون هذا أمراً رائعاً. سيخبرنا الزمن بعد مرور سنة أو أثنين على التنصيف، بحلول عام 2020 أو 2021، ما إذا كان هذا التقدير صحيحاً، فالأمر بمثابة أول إختبار للفرضية والنموذج من خارج العينة المعروفة.

يسألني الناس من أين سيأتي المال المطلوب للوصول إلى قيمة سوقية بحجم تريليون دولار؟ ستأتي الأموال من مصادر عدة: من الذهب والفضة، ومن البلدان ذات معدلات الفائدة السالبة (كأوروبا واليابان وقريباً الولايات المتحدة)، ومن البلاد ذات الحكومات الإستغلالية (كالصين وفينيزويلا وإيران وتركيا وغيرهم)، ومن أصحاب الثروات الكبيرة للتحوط ضد التيسير الكمي (أي ضخ البنوك المركزية للسيولة المالية وطباعة نقد جديد)، وأخيراً من المؤسسات الإستثمارية عندما تكتشف أفضل الأصول أداءً في العشر سنين الأخيرة.

بوسعنا أيضاً التنبؤ بسعر عملة البيتكوين مباشرة من نسبة م:ت. ستختلف معايير المعادلة الرياضية ولكن تبقى النتيجة ذاتها: معامل التحديد 95% وسعر عملة بيتكوين متوقع يبلغ $55000 مع وصول نسبة م:ت إلى 50، وذلك بعد تنصيف مايو 2020

وضعت رسم بياني للسعر المتوقع بناء على نسبة م:ت (باللون الأسود) و سعر البيتكوين الحقيقي ملوناً بحسب عدد الكتل المُنتجة في الشهر.

عدد الكتل المُصدْرة كل شهر – الخط الأسود للنموذج الإحصائي و النقاط لعدد الكتل الفعلي

لاحظ مدى مطابقة السعر الحقيقي للمتوقع. يتضح التوافق جلياً في سرعة تكيف الأسعار بعد تنصيف نوفمبر 2012. كانت عملية تكيف الأسعار مع تنصيف يونيو 2016 أبطأ بكثير، وهذا على الأرجح بسبب المنافسة من العملات الأخرى كالإيثيريوم وإختراق DAO الأمني. يمكنك أيضاً رؤية إنخفاض عدد الكتل المُنتجة في الشهر (باللون الأزرق) في أول عمل الشبكة في 2009 و مع تدني صعوبة التعدين في نهاية 2011، منتصف 2015 ونهاية 2018. أدى إستخدام كروت الجرافيك في 2010-2011 والمعالجات المحددة برمجياً (AISCs) في 2013 إلى تزايد عدد الكتل المُنتجة في الشهر (باللون الأحمر)

قوانين القوة والأنماط الهندسية المتكررة (Fractals)

وجود دلالة على علاقة قوة هو أمر مثير للإهتمام جداً

دالة الإنحدار الخطي[ii] هي:  ln(market value) = 3.3 * ln(SF)+14.6

يمكن كتابتها كدالة قانون قوة[iii]: القيمة السوقية = exp(14.6) * SF ^ 3.3

إمكانية إيجاد علاقة قوة ممتدة عبر 8 مضاعفات للسعر وبمعامل تحديد 95% هو أمر يعزز الثقة بالنموذج الإحصائي ويدعم فرضية أن نسبة م:ت هي المحرك الرئيسي لقيمة البيتكوين.

يشير قانون القوة إلى علاقة بين متغيرين بحيث يؤدي تغيير قيمة المتغير الأول إلى تغيير متناسب له في الثاني، بغض النظر عن القيمة الأولية لهذه المتغيرات. بعبارة أخرى، مع كل عملية تنصيف تتضاعف نسبة م:ت للبيتكوين وتزداد قيمته السوقية بعشرة أضعاف، هذه العلاقة ثابتة.

علاقات القوة مثيرة للإهتمام لأنها تكشف عن آلية نظامية لخواص نظام يبدو في ظاهره معقد وعشوائي. أنظر التذييل للاطلاع على بعض أشهر الأمثلة على قانون القوة. عادة ما تكون للأنظمة المعقدة خواص تجعل نسب التغيرات بين الظواهر ثابتة بغض النظر عن حجم تلك الظواهر.

هذا النمط المتكرر يكمن وراء علاقات قانون القوة. نرى هذا الأمر في البيتكوين: فإنهيار الأسعار في أعوام 2011، 2014 و 2018 تبدو كلها متشابهة (-80% في كل مرة) ولكن على مقاييس مختلفة تماماً ($10 و$1000 و $10000)؛ لا يمكنك رؤية هذا الأمر إن لم تستخدم مقياس لوغاريتمي. هذا التشابه الذاتي وثبات نسب التغيير له علاقة بالأنماط الهندسية المتكررة. في الواقع فإن قيمة 3.3 في دالة الإنحدار الخطي أعلاه هي “البعد الكسوري”. للمزيد من المعلومات عن الأنماط الهندسية المتكررة أنظر الدراسة الشهيرة لطول الخطوط الساحلية.[7]

الخلاصة

البيتكوين هو أول ابتكار في التاريخ لسلعة رقمية محدودة الكمية. فالبيتكوين محدود الكمية مثل الذهب أو الفضة، ويمكن إرساله عبر الانترنت أو موجات الراديو والأقمار الصناعية وغيرها.

من المؤكد أن للندرة الرقمية قيمة، ولكن ما مقدار هذه القيمة؟ في هذه المقالة، أستخدم نسبة المخزون إلى التدفق لقياس مقدار الندرة ثم أضع نموذج إحصائي لتقدير قيمة البيتكوين مستنداً لنسبة تدفقه إلى مخزونه.    

هناك علاقة ذات دلالة إحصائية بين نسبة م:ت والقيمة السوقية للبيتكوين، فإحتمال كون العلاقة بينهما محض صُدفةً أو عَرَضًا هو أقرب إلى الصفر.

ومما يزيد الثقة في النموذج:

بالرغم من كونهما أسواق مختلفة تماماً، تتماشى القيمة السوقية للذهب والفضة مع قيمة البيتكوين التي يقدمها النموذج

وهناك مؤشرات على كون العلاقة علاقة قوة (بمعنى أن معامل التغيير ثابت بين نسبة م:ت و بين القيمة، بغض النظر عن حجمهما)

يتنبأ النموذج أن تصل القيمة السوقية للبيتكوين إلى ترليون دولار أمريكي بعد التنصيف المقبل في عام 2020، وهو ما يمثل سعر 55 ألف دولار لعملة البيتكوين الواحدة.

مراجع

[1] https://bitcoin.org/bitcoin.pdf — Satoshi Nakamoto, 2008

[2] https://bitcointalk.org/index.php?topic=583.msg11405#msg11405 — Satoshi Nakamoto, 2010

[3] https://unenumerated.blogspot.com/2005/10/antiques-time-gold-and-bit-gold.html — Nick Szabo, 2008

[4] https://unenumerated.blogspot.com/2005/12/bit-gold.html — Nick Szabo, 2008

[5] The Bitcoin Standard: The Decentralized Alternative to Central Banking — Saifedean Ammous, 2018 – كتاب معيار البيتكوين – د. سيف الدين عموص

[6] https://necsi.edu/power-law

[7] http://fractalfoundation.org/OFC/OFC-10-4.html

[i]  (95% R2, significance of F 2.3E-17, p-Value of slope 2.3E-17)

[ii] The linear regression function: ln(market value) = 3.3 * ln(SF)+14.6

[iii] Power law function: market value = exp(14.6) * SF ^ 3.3

Tagged : / / /

العولمة اللامركزية – أندرياس أنتونوبولس

العولمة في شكلها الحالي ليست شيئاً نشارك فيه أنا و أنت حقاً؛ إنه شيء تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات والدول القوية لوضع نفسها خارج إطار القانون. للمراجحة بين السلطات القضائية ، للتسوق والبحث عن البيئات الأكثر ملاءمة ، الأشد فساداً ، والمنخفضة الضرائب. حيث يمكنهم ممارسة الاستعمار المالي المُقنّع في شكل عولمة.

تُغير العملات المشفرة من طبيعة العولمة كشيء مركزي ومتاح فقط للشركات الأكثر قوة وبُعداً ولامبالاة، وتضعه في متناول يد الأفراد مباشرة.
يوماً تلو آخر، تتمكن أعداد متزايدة من الناس من استخدام العملات المشفرة لتحقيق شكل لامركزي من العولمة، هذا الشكل الذي يسمح للشخص العادي أن يتسوق ويبحث عن النظم القانونية، وأن يراجح بين العملات، ويختار القانون الذي يخدم مصلحته.”

أندرياس أنتونوبولس
العولمة اللامركزية – مع ترجمة باللغة العربية.
Tagged : / / / / /