البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: يناير 2020

في الحديث عن اعتماد البيتكوين، هناك قاعدتان يبدو أنهما لا تخلفان. كل من يدخل يعتقد أنه متأخر، وكل من يدخل يتمنى لو أنه اشترى أكثر. لكل قاعدة استثناءات، ولكن للبيتكوين قدرة عجيبة على العبث بالنفس الإنسانية. لقد تبيّن أن 21 مليونًا رقمٌ صغيرٌ صغرًا مخيفًا، وأنه يصبح أصغر كلما فهم مزيد من الناس أن المعروض الثابت للبيتكوين مفروضٌ فرضًا له مصداقية وأن الشبكات المالية تتّجه إلى وسيط واحد. إن الطلب على البيتكوين تقوده مصداقية خصائصه المالية والطبيعة التجمّعية للمال، ولكن زيادة هذا الطلب تزيد ندرة المعروض الثابت مصداقيّة وأمنًا. وبذلك، يصبح البيتكوين قيّمًا من حيث هو وسيط مالي. ومع أن هذا يزيد وضوحًا كلما أبعَد المرء السفر في جحر البيتكوين، فإنه ليس نادرًا أن نرى أفرادًا على الهامش يحيّرهم العدد الكبير للعملات التشفيرية. نعم، البيتكوين هو القائد اليوم، ولكن غيره آلافًا، كيف تعلم أنه ليس مثل ماي سبيس؟ كيف يمكن أن تتأكّد أن البيتكوين لن يسقط أمام شيء جديد؟

قد يبدو جنونًا الاعتقاد بأن البيتكوين سيصبح العملة العالمية السائدة، ولعلّه جنون إذا قسنا الاحتمال من منظور احتمالي مقيس من أعلى إلى أسفل. اليوم، البيتكوين واحد من أكثر من ألف عملة رقمية تبدو جميعها متطابقة في ظاهرها. والقيمة السوقية له وهي 150 مليار دولار ليست إلا نقطة في بحر النظام المالي العالمي الذي يدعم 250 تريليون دولار من الدين. الذهب وحده له قوة شرائية تبلغ 8 تريليونات دولار (50 ضعفًا من قوة البيتكوين). ما احتمال صعود اهتياجٍ إنترنتي ابن 11 عامًا من رماد الأزمة المالية عام 2008 من لا شيء إلى أن يصبح العملة العالمية السائدة؟ تبدو الفكرة مضحكة، أو على الأقل، يبدو احتمالها منخفضًا جدًّا فلا تستحق النظر. ولكن، عندما تبدأ من الأسفل إلى الأعلى وتطوّر اقتناعًا بمبادئ مؤسسة، يضمحلّ ضجيج الألف عملة رقمية في الخلفية. إذا جُمعت هذه المبادئ المؤسسة القليلة أنشأت بساطة ووضوحًا في أمرٍ كان يبدو أشدّ تعقيدًا من أن يفهمه المرء. إذا كان على الإنسان أن يجيل النظر في ألف احتمال ليصل إلى الحل الصحيح، فهذا الأمر ليس عمليًّا ولا ممكنًا. ولكن إذا استطعت إلغاء 999 احتمالًا بدءًا من مبدأ واحد أو عدّة مبادئ، يصبح الوصول إلى جواب متّسق أمرًا ممكنًا.

هذه هي خريطة إلغاء الضجيج والتركيز على المهم. قد يستنتج الأفراد استنتاجات مختلفة بشأن كل سؤال من هذه الأسئلة، ولكن هذا هو الطريق الذي يجب اعتباره عند محاولة فهم انتصار البيتكوين على كل العملات الأخرى وإذا كان سينتصر أصلًا. المال ضرورة أساسية، ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. يعتمد الناس البيتكوين لأن له خصائص فريدة من حيث هو نوع من المال تجعله متفوّقًا على كل العملات الأخرى. ولأن المال حلٌّ لمسألة بين ذاتيّة، تميل الأنظمة المالية إلى التجمّع في وسيط مفرَد. أو بالأحرى، تنشأ الأنظمة الماليّة طبيعيًّا من وسيط مالي واحد بسبب وظيفة المال. إن الخصائص الجوهرية في البيتكوين تجعل السوق يتجمّع فيه وسيلةً لإيصال القيمة وقياسها لأنه يمثّل تحسينًا على هيئة دالّة خطويّة عن أي وسيط مالي آخر. فإذا اقتنع المرء بالرأي التأسيسي القائل إن المال ضرورة وإن الأنظمة المالية تتجمّع، فالسؤال يتركّز على: هل البيتكوين مستمثَل لملء هذه الوظيفة الماليّة أكثر من أي منافس له؟

المال ضرورة

لم تكن الحضارة كما نعرفها لتوجد لولا المال. لولا المال، لما كان لدينا طائرات، ولا سيارات، ولا آيفونات، ولتعطّلت القدرة على تلبية أبسط الحاجات الأساسية. لن يستطيع ملايين الناس التعايش السلمي في مدينة واحدة أو دولة واحدة أو بلد واحد من دون المال. المال هو السلعة الاقتصادية التي تسمح للطعام أن يظهر في رفوف البقالية، والبنزين أن يظهر في محطة الوقود، والكهرباء أن تصل إلى البيوت، والماء العذب أن يكون متوفّرًا، إلخ… المال هو الذي يدير العالم، والعالم لم يكن ليدور على الطريقة التي اعتدناها لولا المال. إن المال وظيفة لا نقدرها قدرها، وظيفة نسيء فهمها لأننا بالعموم لا نفكر بها تفكيرًا واعيًا. في العالم المتطوّر، يعتبر المال أمرًا بدهيًّا. وكذلك الضرورات التي تأتي بها منفعة التعاون التي يتيحها المال.

تأمّل مثلًا بقّاليّة محلية ومجال الاختيار الذي يتجمّع في بقالية واحدة. إن عدد الإسهامات الفردية والمهارات اللازمة لتحقيق هذا تخبل العقل. من تنسيق البقالية نفسها، إلى التجكيع الفردي، إلى مقدمي التكنولوجيا، إلى الشبكات اللوجستية، إلى شبكات النقل، إلى أنظمة الدفع، ثم إلى كل سلعة من السلع الغذائية. ومن هذا، تأمّل في كل مُدخَل تراه في كل سلعة على الرفّ. البقالية نفسها على جانب التلبية، أما إنتاج كل مدخل فيها فله سلسلة إمداداته المختلفة. وهذا الأمر معجزة حضارية حديثة. كذلك تفكيك مدخلات شبكة اتصالات حديثة، أو شبكة طاقة أو مياه، أو شبكة إدارة مهدورات، هو أمر معقد. كل شبكة وكل مشارك في شبكة يعتمد على غيره. منتجو الغذاء يعتمدون على الأفراد الذين يلبّون طلب الطاقة، وخدمات الاتصال، والإمدادات، والماء النظيف، وغير ذلك، والعكس بالعكس. عمليًّا كل الشبكات متصلة، وكل هذا لم يكن ممكنًا لولا منفعة التعاون التي يتيحها المال. يستطيع كل أحد أن يسهم بمهاراته بناءً على اهتماماته وتفضيلاته الشخصية: ويحصل على المال لقاء القيمة التي قدّمها اليوم، ثم يستعمل هذا المال ليحصل على قيمة أخرى يقدّمها آخرون في المستقبل.

والأمر لا يحصل بمجرد الصدفة. بعض المفكرين قليلي الصرامة يقولون إن المال هلوسة جمعية أو إنه يشتق قيمته من الحكومة. في الواقع، المل أداة اخترعها الإنسان لتحقيق سوق مخصوص جدًّا في تسهيل التجارة. يساعد المال على تسهيل هذا النشاط لأنه وسيط بين سلسلة من المقايضات الحالية والمستقبلية. من دون أي توجيه أو مراقبة واعية، يقيّم المشاركون في السوق السلع المختلفة ويتجمّع تفكيرهم على الأداة التي عندها أفضل الخصائص لتسهيل الغرض الصريح جدًّا الذي هو تحويل القيمة الحالية إلى قيمة مستقبلية. ولئن كانت تفضيلات الاستهلاك تختلف من فرد إلى فرد وتتغير دائمًا، فإن الحاجة إلى المبادلة والمقايضة عمليًّا حاجة عامّة دائمة، والوظيفة لها شكل واحد فريد. لكل فرد، يتيح المال تحويل القيمة التي تنتَج في الحاضر إلى استهلاك في المستقبل. القيمة التي ننسبها إلى بيت أو سيارة أو طعام أو غير ذلك، تتغيّر طبيعيًّا مع الوقت وتختلف منطقيًّا من فرد إلى آخر. لكن الحاجة إلى الاستهلاك والحاجة إلى التعبير عن التفضيلات لا تتغير وهي موجودة عند كل الأفراد على أساس بين ذاتي.

المال موجود للتعبير عن هذه التفضيلات، وللتعبير عن القيمة في النهاية. ولكن بإدراك أن القيمة كلها ذاتية (وليست جوهرية موضوعية)، يصبح المال نقطة انطلاق لتأسيس تعبير عن القيمة، وأهمّ من ذلك لتأسيس تعبير عن القيمة النسبية. يمثّل المال إدراكًا جمعيًّا لمنفعة وجود لغة عامّة للتعبير عن التفضيلات الشخصية، هذه المنفعة تعمّ كل الأفراد. تجمّع هذه اللغة وتقيس تفضيلات كل الأفراد في السوق، في أي وقت من الزمان، ولم يكن ليكون التعبير عن القيمة ممكنًا، أو على الأقل فعّالًا، لولا وجود ثابت مشترك يوافق عليه كل الناس. فكّر في المال على أنه ثابت تُقاس عليه كل السلع الأخرى. لولا وجود هذا الثابت، لراوح كل امرئ في مكانه، غير قادر على الموافقة على قيمة أي شيء. بالمقارنة إلى ثابت واحد، يمكن التعبير عن القيمة النسبية لسلعتين. إن في الوجود مليارات السلع والخدمات التي ينتجها مليارات الأفراد، لكل واحد منهم تفضيلات فريدة. من خلال التجمّع في نوع مفرَد من المال لتجميع التفضيلات والتعبير عنها، ينشأ في النهاية نظام تسعير. بقياس قيمة كل السلع والتعبير عنها بوسيط مشترك (هو المال)، يمكن فهم قيمة  السلعة (أو المورد) أمام سلعة أخرى.

لولا استعمال عملة مشتركة، ما كان ليوجد مفهوم السعر. ولولا مفهوم السعر، ما كان ليمكن الحساب الاقتصاد على أي مجال. إن القدرة على الحساب الاقتصادي تتيح للأفراد اتخاذ أفعال مستقلة، بالاعتماد على المعلومات المعبّر عنها بنظام التسعير، لتلبية حاجاتهم بفهم حاجات الآخرين. في الحقيقة، إن نظام السعر هو الذي يتيح لبنى العرض والطلب أن تتشكل، وهي ضرورة لأنها توفّر وسيلة للتعبير عن المعلومات، التي من دونها لا يمكن تلبية الحاجات الأساسية. تخيّل إذا لم يكن لشيء تستهلكه سعر معروف. كيف ستعرف ما الذي تحتاجه لتستطيع الحصول على السلع التي تفضلها؟ ثم اعلم أن مفهومك عن القيمة التي تنتجها ووجود الخدمات والسلع نفسه التي ينتجها الآخرون ما كان ليتحقق لولا وجود طريقة للتعبير عن السعر. يصبح الأمر دائريًّا، ولكن المال هو السلعة التي تتيح تشكيل البنى المؤسسة للاقتصاد من خلال نظام السعر. ولئن يكن الناس يذمّون المال دومًا بوصفه أصل الشرور، فإنه قد يكون أعظم ابتكار ابتكره الإنسان بالمصادفة، وهو ابتكار لم يكن لينشأ من سلطة واعية.

الأنظمة المالية تتجمّع في وسيط مالي واحد

إن تفكير وادي السليكون في المرحلة الأخيرة أقنع كثيرًا من الناس بإمكانية وجود مئات، بل وآلاف من العملات في المستقبل. ستقوم الآلات بكل الحساب. سيتولّى الأمر الذكاء الصنعي والحوسبة الكمومية. إذا أردنا «السلامة» الثقافية قلنا إن 95% من العملات الرقمية ستسقط، ولكن هناك مشاريع «مثيرة للاهتمام». «يصعب جدًّا معرفة أيّ المشاريع سينجج». «الأمر أشبه باستثمار مغامرة رأس المال، سيخفق معظمها ولكن التي ستنجح ستنجح نجاحًا كبيرًا». على الأقل، هذا ما يريد أهل وادي السليكون أن تعتقده لأنه يوازي تجارب تاريخية سابقة في الاستثمار في الشركات. في الحقيقة، هذا الرأي رأي تحوّط فاقد للمبادئ الأولى. وهو كذلك تطبيق معادلة مألوفة على صنف مستقل مختلف تمامًا.

ولئن كان يبدو منطقيًّا من إطار ذهني أن يُربَط بتاريخ الشركات الصاعدة في التكنولوجيا، فإن المقارنة ممتنعة أصلًا. البيتكوين مال، ليس شركة. ليس منطقيًّا افتراض أن التنافس بين وسيطين ماليين (أو أكثر) سيكون بأي شكل من الأشكال موازيًا، أو مشابهًا لتنافس شركتين. الشركات تتنافس في بناء رأس المال، ولتفعل ذلك، تحتاج إلى المال لتنظّم النشاط الاقتصادي. فكيف تحصل على المال؟ باستعمال المال لتنظيم إنتاج السلع والخدمات وببيع المخرجات للحصول على مزيد من المال (ربح). فعليًّا، الشركات تتنافس في حوض المال نفسه لتراكم رأس المال. المال هو الأداة التي تجعل العجلة دائرية. ببساطة لا يمكن تنظيم كل المهارات الفردية اللازمة لإنتاج السلع والخدمات التي يوفّرها تعقيد سلاسل الإمداد الحديثة من دون المال. ولا يمكن ذلك أيضًا إذا لم تكن جماعة كبيرة من الناس تقبل نوعًا مشتركًا من المال.

في سلاسل إمداد الإنتاج، يخدم المال وظيفة من نوع آخر مختلف عن كل سلعة أو خدمة. إنه الفرق بين تلبية التفضيلات (إنتاج السلع والخدمات) وتنسيق التفضيلات وتنظيمها (المال). إن تلبية التفضيلات مستقلة عن تنسيق التفضيلات، وتنسيق التفضيلات قائم على نظام السعر، الذي لا يمكن أن يتشكّل إلا بتجمّع جماعيّ في وسيط مالي واحد. في غياب نظام التسعير، لا يمكن أن يوجد تقسيم للعمل، على الأقل ليس بالحد اللازم لعمل سلاسل الإمداد المعقدة. إنه المبدأ الأساسي الذي يفوّته معظم الناس عند التفكير في عالم فيه عملات كثيرة. كل نظام تسعير قائم على عملة واحدة. إن مفهوم السعر لا يوجد لولا إنتاج جماعة كبيرة من الأفراد لمجموعة متنوعة من السلع والخدمات وتعبيرها عن قيمة هذه السلع والخدمات بوسيط مشترك. التجمّع هذا شرط سابق لوجود منفعة المال والسعر. نتيجة ذلك، قد يكون القول بأن الأنظمة الاقتصادية تنشأ من وسيط مالي واحد، لا تتجمع في وسيط مالي واحد، أدقّ. يوافق الأفراد على وسيط مالي واحد والمخرَج هو نظام اقتصادي.

قيمة كل السلع والخدمات هي الاستهلاك، أما قيمة المال فهي التجارة. التجارة هي السلعة التي يشتريها كل فرد عندما يريد تحويل القيمة التي معه (وهي المخرج الذاتي للوقت والجهد ورأس المال الجسمي) إلى سلعة مالية. تفضيلات الاستهلاك الفردية فريدة، ولكن المال يخدم وظيفة مفردة لكل المشتركين في السوق: هي عبور القيمة من الحاضر إلى المستقبل (سواء أكان عبور يوم أو سنة أو أكثر). في كل مقايضة لقيمة حاضرية، يوجد استمرار زمني حتى تجري مقايضة مستقبلية. عندما تجري المقايضة، يجب أن يقرر كل فرد أي سلعة مالية هي التي تحفظ القيمة المنشأة من الحاضر إلى المستقبل أفضل حفظ. السلعة أ أم السلعة ب؟ ولئن كان الفرد يستطيع أن يختار امتلاك عملة واحدة أو عملات متعددة، فإن واحدة من العملات لا بد أنها ستكون أفضل من غيرها أداءً، بالتعريف. واحدة ستحفظ القوة الشرائية حفظًا أفضل للمستقبل. كل الناس يفهمون هذا الأمر بداهةً ويتخذون قرارهم بناءً على الخصائص الجوهرية في أحد الوسُط بالنسبة إلى بقيتها. عندما نقرر أي سلعة مالية نستعمل، يتأثر تفضيل الفرد بتفضيل الآخرين، ولكن كل فرد يأخذ قراره باستقلال بالنظر إلى نقاط القوة النسبية للسلع المالية المتعددة. وليس مصادفة أن السوق يُجمع على وسيط مالي واحد لأن كل فرد يحاول حل المشكلة نفسها، وهي مشكلة المقايضة المستقبلية، وهي معتمدة على تفضيلات الآخرين.

الهدف النهائي هو بلوغ الإجماع لكي يستطيع كل فرد أن يعبّر ويتاجر مع أوسع وأهم مجموعة من أقران التجارة. ويكون التقدير جمعيًّا موضوعيًّا للسلع الملموسة بناءً على الحاجة البين ذاتية. الفكرة كلها هي إيجاد سلعة يوافق الجميع أنها أ) ثابتة نسبية، ب) مقيسة، ج) فعّالة في المقايضة. إن وجود ثابت ينشئ نظامًا في المكان الذي لم يسبق فيه وجود نظام، ولكن هذا الثابت يجب أيضًا أن يكون فاعلًا أداةً للقياس ووسيلة للمقايضة. إنه تجميع لكل هذه الخصائص، التي تعدَّد عادةً: الندرة، والمتانة، وإمكانية الاستبدال والتقسيم والنقل، وهي خصائص فريدة مختصة بالمال. إن السلع التي تجمع كل هذه الخصائص قليلة جدًّا، وكل سلعة فريدة، ولها خصائص جوهرية تجعلها أفضل أو أسوأ في تحقيق وظائف معينة في الاقتصاد. أ مختلفة دائمًا عن ب، وجمع الخصائص المالية الكاملة نادر جدًّا لذلك يكون الفرق بين السلع المالية فرقًا ظاهرًا دائمًا.

عمليًّا، يوافق الجميع على سلعة مالية واحدة يعبّرون بها عن القيمة لأن مصالحهم الفردية والجمعية تدفعهم ليوافقوا. إنها المشكلة نفسها: كيف نعبّر عن القيمة لبقية المشاركين في السوق؟ الأمر كلّه يعود بنتائج عكسية لولا وجود إجماع على الوسيط المالي. ولكن خصائص السلعة المالية هي التي تتيح التجمّع والإجماع. هذا العالم المتخيَّل الذي فيه آلاف العملات أعمى عن هذه المبادئ التأسيسية الأولى. إن اتفاق جماعة كبيرة من الناس على وسيط مشترك مدخَل ضروري لتحقيق المعلومات المرغوبة فعلًا. وقيمة الوسيط المشترك لا تزداد إلا إذا تجمّع عليه مزيد ومزيد من الأفراد لتسهيل المقايضات. السبب الأساسي هو أنه مع تجمّع مزيد من الناس على هذا الوسيط، تتراكم فيه معلومات أكثر ويقدّم منفعة أكبر.

كل فرد هو قرين تجارة محتمل. مع اعتماد الأفراد للوسيط المشترك نظامًا للقيمة، يكتسب كل المشاركين السابقين في الشبكة المالية قرناء تجارة جديدين، وكذلك الأفراد الذين ينضمّون إلى الشبكة. إنا منفعة متبادلة، وفي النهاية يتوسّع مجال الاختيار. ولكن الذي يحدث مع توسّع الشبكة المالية هو أن مزيدًا من السلع تتسعّر بهذا الوسيط المالي المشترك. يزيد عدد الأسعار، وبذلك يزيد عدد الأسعار النسبية. يتجمع مزيد من المعلومات في هذا الوسيط المشترك، وهو ما يمكن أن يعتمد عليه كل الأفراد في الشبكة (والشبكة من حيث هي كلّ أيضًا) لتنسيق الموارد تنسيقًا أفضل وتحسين الاستجابة لتغيّرات التفضيلات. تزداد قيمة الثابت وتزداد أهليته للثقة عندما يعبّر عن معلومات أكثر عن سلع ينتجها عدد أكبر من الأفراد. تزداد ثباتية الثابت كلما زاد تنوع المعلومات التي يعبّر عنها.

مع زيادة اعتماد شبكة مالية زيادة درجة أسية (عشرة أضعاف)، يزداد عدد الاتصالات الشبكية الممكنة درجتين أسيتين (مئة ضعف). مع أن هذا يساعد على إظهار الفائدة المتبادلة للاعتماد، فإنه أيضًا يظهر نتيجة تحويل القيمة إلى شبكة مالية أصغر. الشبكة التي حجمُها عُشر، يكون فيها عدد الاتصالات الممكنة 1%. ليست التوزّعات في كل شبكة متساوية، ولكن الشبكة المالية الأكبر تعني ثابتًا أكفأ للتعبير عن القيمة – وكثافة أكبر، ومعلومات أهم ومجال اختيار أوسع. حجم الشبكة المالية والنمو المتوقع فيه هما العنصران الأساسيان في اختبارات الاختيار البين ذاتية، عندما يحدد كل فرد أي وسيط يستعمله. مع أن عدد الناس الذين يمكن أن يحافظ الفرد على علاقات اجتماعية معهم محدود، فإن هذه المحدودية لا تنطبق على الشبكات المالية. المال هو الذي يتيح للبشر أن يكسروا قيود عدد دنبار. تتيح الشبكة المالية لملايين (إن لم يكن مئات الملايين) من الناس الذين لا يعرف بعضهم بعضًا أن يُسهموا ويقدّموا قيمة في طرفيات الشبكة، فتقلل عدد الاتصالات المباشرة الضرورية.

الشبكات المالية في النهاية تُراكم قيمة كل الشبكات الأخرى لأن كل آثار الشبكات الأخرى لا توجد من دون شبكة مالية. الشبكات المعقدة لا يمكن أن تتشكل من دون عملة مشتركة لتنسيق المدخلات الاقتصادية اللازمة لبدء حلقات التلقيم الراجح الإيجابي للسعر. العملة المشتركة هي أساس أي شبكة مالية، وهو ما يسمح لشبكات القيمة الأخرى أن تتشكل. تقدّم العملة المشتركة لغة مشتركة للتعبير عن القيمة، وهو ما يقود في النهاية إلى التجارة والتخصص، وينشئ قدرة على توسيع استعمال الموارد أوسع من «المراقبة الواعية». عند التأمل في آثار الشبكة لشبكة اجتماعية أو شبكة إمدادية أو شبكة اتصالات أو شبكة كهرباء، اجمع هذه الشبكات كلها تتحصل لديك قيمة الشبكة المالية. الشبكة المالية لا تكتفي بتقديم أساس لكل شبكات القيمة الأخرى، بل إن عملة هذه الشبكة هي التي تُدفع للوصول إلى كل الشبكات المشتقة من الشبكة المالية. إن وجود عملة مشتركة هو المحرّك وهو الوقود.

نعم، الدولار واليورو والين والجنيه والفرنك واليوان والروبل والليرة والبيزو، وغيرها. كلها تتعايش اليوم، ولكن هذا ليس نتيجة طبيعية لاقتصاد عالمي مفتوح. بل كل عملة حكومية موجودة اليوم نشأت لتكون تمثيلًا جزئيًّا للذهب، الذي كان العالم قد اجتمع عليه من قبل واتخذه نظامًا ماليًّا. لن تستمر عملة من هذه العملات لولا قوى التدخل الحكومي، ولا ستنشأ عملة من هذه العملات لولا وجود سلفها (وعيوبه) الذهب، وهو الوسيط المالي السابق. أصحاب النظرية النقدية الحديثة وأصحاب الذهب، كلهم لن يعترفوا بذلك، ولكن الحقيقة الفاجعة هي أن أنظمة المال الحكومي الجديدة ليست إلا مظهرًا لإخفاق الذهب في الوساطة المالية. إنه ميّت يمشي. أُلغي نظام الذهب رسميًّا عام 1971، ومنذ ذلك مثّلت أنظمة المال الحكومي ابتعادًا سريعًا عن القوى المالية في السوق الحرة. لم تستطع أنظمة المال الحكومي الجديدة أن تستمر ما استمرّته إلا لأن حلّ المشكلة التي سبّبتها هي نفسها لم يكن موجودًا. البيتكوين هو هذا الحل، ومنذ ابتكاره، تجمّع الأفراد عليه ليتخذوه نظامًا ماليًّا جديدًا، وهي نزعة ستسمر مع استمرار توزّع المعرفة.

كل الطرق تلتقي في البيتكوين

الثابت الأكبر – الندرة المحدودة

يتجمّع السوق في البيتكوين مع الوقت وتزيد قيمته لأنه يقدّم ثابتًا أرقى من أي نوع آخر من المال. البيتكوين له سياسة نقدية مثلى، وهذه السياسة مفروضة فرضًا ذا مصداقية على أساس لامركزي. لن يوجد في الشبكة إلا 21 مليون بيتكوين، وعنصر الثقة مُزال من المعادلة تمامًا. معروض البيتكوين الثابت مفروض بآليّة إجماع الشبكة على أساس لامركزي. لا يثق أحد بأحد، بل يفرض كل واحد القوانين باستقلال. بجمع هذين العنصرين، يصبح البيتكوين أندر نوع من المال عرفه الإنسان. الندرة المطلقة خصيصة لم توجد في أي نوع آخر من المال ولن توجد، والطلب على البيتكوين محثوثٌ في صلبه بهذه الندرة. ولكن الندرة معادلة لها طرفان. المعروض الثابت هو الأمر الأول، ولكن الطلب عنصر مهمّ ومُغفَل من الندرة. الطلب هو الذي يجعل الندرة ثابتًا في المقايضة. تزيد ندرة البيتكوين مع ازدياد الطلب أمام معروض نهائي ثابت. إن ندرة المعروض الثابت تنشئ الطلب ولكن الطلب المتزايد ينشئ ندرة أكبر. يبدو القول دائريًّا، لأنه دائري. إذا كان في العالم 21 مليون بيتكوين ولم يعرف قيمتها إلا رجل واحد، فما من ندرة ولا فائدة في البيتكوين. ولكن إذا قدّرها 100 مليون إنسان، تبدأ حينها ندرة الواحد والعشرين مليونًا. فإذا نمت الشبكة إلى مليار إنسان، أصبحت الواحد والعشرون مليونًا نادرة جدًّا، وتزيد فعالية البيتكوين من حيث هو ثابت.

مع ثبات العرض، يقتضي تزايد الطلب طبيعيًّا زيادة توزّع البيتكوين. ليس في السوق إلا مقدار محدود، وينتهي الأمر بالفطيرة وهي تقطَّع إلى حصص أصغر وأصغر يملكها مزيد ومزيد من الناس. مع تزايد عدد الأفراد الذين يقدّرون البيتكوين، لا تزيد فعالية الشبكة وحدها، بل ويزيد أمانها. تزيد فعاليتها لأن الناس يعبّرون بلغة القيمة نفسها بثابت يمكن الاعتماد عليه. ومع تزايد عدد الأفراد المشاركين في آلية إجماع الشبكة، تزيد مناعة الشبكة على الفساد ومن ثم يزيد أمانها. اعلَم أنّه ليس في البلوكتشين شيء يضمن ثبات المعروض، وأن جدول معروض البيتكوين ليس ذا صدقية لأن البرنامج قضى بذلك. بل، هو ذو صدقية لأنه محكوم على أساس لامركزي، يحكمه عدد متزايد من المشاركين في الشبكة. الواحد والعشرون مليونًا يصبح رقمًا أثبت وأقوى كلما زاد عدد الأفراد في الإجماع، ويصبح في النهاية ثابتًا أكفأ مع تناقص حصّة كل فرد من الشبكة. مع تزايد الاعتماد، يزداد الأمان والفعالية. انظر في توزّع اعتماد البيتكوين وكثافته في العالم (الخريطة الحرارية أدناه لعُقَد البيتكوين). كلما ازداد امتداد كل سوق وكثافته، تزداد قوّة ثابت البيتكوين.

كلما دخل مزيد من الأفراد، يتقوّى رقم الواحد والعشرين مليونًا، وفي عقل هؤلاء الداخلين، تصبح الندرة المطلقة هي ما يفرّق البيتكوين عن بقيّة أنواع المال – سواءٌ العملات القديمة أو العملات الرقمية المنافسة. كل العملات الأخرى تتمركز مع الوقت (الدولار واليورو والين والذهب مثلًا)، أو هي مركزية جدًّا من الأول (مثل كل العملات الرقمية)، فلا تستطيع منافسة معروض ثابت هو 21 مليونًا. التمركز في النهاية ينشئ حاجة إلى الاعتماد على الثقة، والثقة في النهاية تجعل معروض العملة في خطر، وهو ما يضرب الطلب ويهمّش فعاليتها في المقايضات. وإن كان كل العملات تعتمد على الثقة، فالثابت الذي يقدّمه البيتكوين لا ثقة فيه. الواحد والعشرون مليونًا رقم ثابت بفضل لامركزية الشبكة، وهذه اللامركزية تزداد مع الوقت. أفضل ما يمكن أن يفعله أفضل نوع آخر من المال هو أن يطابق البيتكوين، ولكن عمليًّا لا يمكن هذا لأن الأفراد يتجمّعون على وسيط واحد، والبيتكوين يضرب كل عملة أخرى في مقتل. كل العملات الأخرى في النهاي تتنافس أمام الثابت المثالي، الذي لا يتغير ولا يعتمد على الثقة.

كل أنواع المال تتنافس على كل مقايضة. إذا كان الاستخدام الأساسي (أو الوحيد) لأصلٍ ما، هو مقايضته لسلَع وخدمات أخرى، وإذا لم يكن مرتبطًا بمجرى دخل أصلٍ إنتاجي (كالأسهم والسندات)، فهذا الأصل منافِسٌ في سوق المال. نتيجة ذلك، كل أصل هكذا ينافس البيتكوين على الاستخدام نفسه، وما من عملة تقدّم ثابتًا أكفأ لأن البيتكوين موجود أصلًا ومنتهٍ. لأن الأفراد يتجمّعون على وسيط واحد، ستصبح الندرة في البيتكوين دائمًا مفروضة من جهة العرض ومن جهة الطلب، أما القوة المضادّة فهي في الحقيقة كل العملات الأخرى بسبب الطبيعة الانعكاسية للتنافس المالي. الفرق بين سلعتين ماليتين لا يكون هامشيًّا، ولا هو نتيجة قرارات فردية لاستعمال وسيط بدلًا من آخر. المال مسألة بين-ذاتيّة، واختيار الدخول في وسيط مالي هو خروج صريح من كل الوسط الأخرى، وهو ما يزيد قيمة الشبكة (وفعاليتها) على حساب الشبكة الأخرى. مع تزايد ندرة البيتكوين وكفاءته ثابتًا، تقلّ ندرة بقيّة العملات ويزيد تغيّرها. التنافس المالي صفري المجموع، وهو تابع دينامي للطلب والعرض معًا، ينشئ فرقًا جوهريًّا بين الوسيطين الماليين يزداد مع الوقت ابتعادًا ووضوحًا.

ولكن تذكّر أن الندرة من أجل الندرة ليست هدف أي مال. لكن المالُ الذي يقدّم أعظم ثابت يسهّل المقايضات أفضل تسهيل. السلعة المالية ذات أكبر ندرة نسبية تحافظ على القيمة بين الحاضر والمستقبل أفضل حفاظ. السعر النسبي والقيمة النسبية لكل السلع الأخرى هي معلومات مرغوبة من وظيفة التنسيق التي في المال، وفي كل متاجرة، كلّ فرد مدفوع إلى زيادة القيمة الحاضرة إلى المستقبل. تقدّم الندرة المحددة في البيتكوين أكبر ضمانٍ أن القيمة المتاجَرة في الحاضر ستحفظ إلى المستقبل، ومع تعرّف مزيد ومزيد من الأفراد على أن البيتكوين سلعة مالية لها أكبر ندرة مطلقة، سيصبح استقرار السعر خصيصة ناشئة (انظر البيتكوين ليس شديد التقلب).

أفضل أداة قياس – المقسومية

لئن كانت الندرة حجر أساس، فليس معناه أن كل السلع النادرة تصلح مالًا. لكي تصلح السلعة أداةً للتعبير عن القيمة، لا بد أن تكون ثابتًا نسبيًّا، سهلَ القياس وفاعلًا في المتاجرة. قد تكون المسطرة أداة قياس فعّالة، ولكن المساطر ليست نادرة، ولا يسهل نحت مساطر في وحدات أصغر وأكبر لتسهيل المتاجرة. بالمقابل، ندرة السلعة المالية وقابليتها للقياس تتيح قياس كل السلع الأخرى، إن القدرة على تقسيم الوحدة المالية ونقلها تقدّم منفعة عملية في المتاجرة. يقدّم البيتكوين إلى جانب المعروض الثابت القدرة على تقسيم كل وحدة كاملة 8 خانات فاصليّة (0.00000001 أو جزء من 100 مليون في كل بيتكوين)، ونقل أي مقدار منها مهما كبر أو صغر. كما أن الندرة وحدها ليست قيّمة في سياق المال، فكذلك أمر المقسومية. لكن جمعهما معًا يصبح قيّمًا في سياق المال، لا سيما إذا كانت كل واحدة مقسومة شرويّة – أي عندما يمكن تبديل أي واحدة مفردة بمثلها، وتكون كل أجزائها متماثلة لا فرق بينها. هاتان الصفتان معًا هما اللتان يجعلان البيتكوين لا ثابتًا تامًّا فحسب، بل وأداة قياس فعّالة للقيمة من أجل تسهيل المتاجرات.

في الكود، تتمثّل كل واحدة بيتكوين بمئة مليون وحدة صُغرى، تسمّى هذه الوحدة الصغرى ساتوشي. تقنيًّا، كل بيتكوين هو 100 مليون ساتوشي. فإذا كان البيتكوين اليوم سعره 9 آلاف دولار، فالساتوشي يساوي جزءًا من عشرين جزءًا من السنت. فعليًّا، يستطيع أي أحد أن يرسل أو يستقبل أي مقدار من القيمة في البيتكوين. البيتكوين، مثل بقية الأموال، نافع لهدف واحد، هو تخزين القيمة بين سلسلة من المتاجرات. تلقّ اليوم مقدارًا من البيتكوين مقابل قيمة تقدّمها، ثم وفّره، ثم اصرف البيتكوين في المستقبل لتحصل على قيمة أنتجها غيرك. هذه المنفعة نفسها تتحصل مهما كان المقدار. النتيجة العملية للمقسومية هي أن البيتكوين قادر على قياس أي قيمة وهو ما يتيح له قبول أي اعتماد. ينتج الأفراد طيفًا واسعًا من القيمة، وقابلية القسمة تتيح لهم استعمال البيتكوين آلية للتوفير سواءٌ أكان توفير 50 دولار أو 50 ألف دولار. لكي تكون السلعة المالية أداة تعبير فاعلة، لا بد أن تكون قادرة على قياس طيف القيمة التي ينتجها كل الأفراد، والبيتكوين قادر على ذلك تمامًا. إن القدرة على تقسيم ونقل أي مقدار من البيتكوين يجعله متاحًا لكل الأفراد وكل السلع المنتجة، مهما كانت قيمة الفعلية لها.

في اختبار أ\ب، في التنافس المالي، إذا كانت أ > ب، فأي مقدار من أ أفضل في كونِه مالًا من أي مقدار من ب. مع الوقت، ستزداد القوة الشرائية لـأ بالنسبة إلى ب سواء أكانت بقيمة 50 دولارًا أو 50 ألف دولار. لا تحيّرك قائمة العملات الرقمية في كوينبيس التي تبدو أنها «صفقة أفضل» لأن سعرها «رخيص»، أما البيتكوين فيبدو «غاليًا». تذكّر دائمًا أن البيتكوين يمكن تقسيمه إلى وحدات أكبر أو أصغر لتخزين قيمة أكبر أو أصغر. واحد البيتكوين واحدة اعتباطية تمامًا، مثل واحدة أي عملة. اختبار السوق هو اختبار أفضلية أ على ب من حيث هو مال. وهو قرار بين ذاتي، وفي الوقت الذي يعبّر فيه السوق عن الشبكة التي يعتقد أنها تؤدي دور المال أفضَل وأفعَل، تكون قيمة الشبكة هي المُخرَج، لا المُدخَل. المُدخَل هو تقييم كل فرد لخصائص السلعة المالية نفسها بالقياس إلى غيرها. إذا كان البيتكوين أ في تقييمك، فما من سعرٍ هو «غالٍ جدًّا». قد يكون ثمن البيتكوين فوق قيمته أو تحتها في أي وقت من الزمن، ولكن كل فرد يعتمد البيتكوين يزيد قيمة الشبكة (تذكّر حوار أقران التجارة واتصالات الشبكة). إمكانية الانقسام بسهولة إلى أجزاء صغيرة جدًّا تتيح دخول عدد غير محدود عمليًّا من الأفراد ليحولوا قيمتهم ويعبّروا عنها عبر الشبكة. إذا كان أ أكبر من ب، وإذا كان أ يقبل اعتمادًا غير محدود، فسينتهي الأمر بإبطال الحاجة لـب.

مع تقييم الأفراد -كُلٌّ على حدة- لاختبار أ\ب، يعتمد مزيد من الناس البيتكوين، وينقسم البيتكوين إلى وحدات أصغر وأصغر. هذا نتيجة لتزايد الطلب إلى جانب ثبات العرض، وقيمة الشبكة فعليًّا تزداد طردًا مع هذه العملية. تتزايد قيمة شبكة البيتكوين مع تقدير مزيد من الناس لها. فعليًّا: 0.1 بيتكوين = 1000 دولار، أكبر من 1.0 بيتكوين = 1000 دولار، وإن كانتا متساويتين بالقياس إلى الدولار. وتزداد إمكانات التجارة كلما زادت قيمة البيتكوين الإجمالية، ولكن القيمة مخرَج لاختيار مزيد ومزيد من الناس اعتماد البيتكوين وسيطًا ماليًّا. كل فرد يمتلك وحدات اسمية أصغر وأصغر من العملة، ولكن القوة الشرائية لكل وحدة متساوية تزداد مع الوقت. في كل متاجرة، يعبّر كل فرد عن قيمته في الشبكة ويفعل هذا على حساب الشبكة المالية المنافسة. بهذه العملية، يتحدد سعر جديد خاص بالقيمة التي ينشئها ويقيسها كل فرد، ونتيجة ذلك، يتراكم مزيد من المعلومات في البيتكوين نتيجة تنوّع مجموعة أقران التجارة.

قد لا تُذكَر الأسعار بوحدات البيتكوين، ولكن نظام التسعير يتشكّل مع كل مرة يحوّل فيها فردٌ قيمته إلى البيتكوين. حتى لو كانت الدولارات وُسُطًا غير مباشرة، فإن القيمة المنتَجة في مكان ما في العالم، الخاصّة بفرد معيّن، يعبَّر عنها بوحدات البيتكوين، ومع اختيار مزيد ومزيد من الناس هذا التعبير على أساس فردي، تتحول القيمة إلى وحدات أصغر وأصغر من البيتكوين (بالمتوسط). النتيجة هي استعمال تقويم أصغر وأصغر في البيتكوين لنقل مقدارٍ مساوٍ من القيمة، وكلما ازداد عدد الذين يقيسون البيتكوين، زادت قدرة البيتكوين على قياس القيمة النسبية للأشياء. وإذا كان البيتكوين قادرًا على التعبير عن أي قيمة وقابلًا لاعتماد عدد غير محدود من الأفراد، فهو عمليًّا يبطل الحاجة إلى أي شبكة نقل قيمة أخرى على المدى الطويل لأن نوع المال الذي يكون معدّل التغيّر فيه أقلّ يعبّر في النهاية عن معلومات أتمّ. الندرة المحدودة بالإضافة إلى المقسومية تصنعان وسيط تجارة قويًّا جدًّا. البيتكوين له أقل معدّل تغيّر نهائي بفضل محدوديته المطلقة، ويمكن تقسيمه ليبلغ أقل من بنس، وهو ما يتيح له أن يقيس القيمة بدقّة أكبر من أي عملة أخرى.

أعظم أداة مقايضة – المنقولية

من هنا، اللكمة الأخيرة هي أن البيتكوين يمكن نقله نقلًا لا رجعة فيه في قناة اتصال من دون الحاجة إلى أي طرف ثالث أو وسيط موثوق. هذا مختلف اختلافًا جوهريًّا عن الدفعات الرقمية في أنظمة الأموال الحكومية، لأنها معتمدة على وسطاء موثوقين. بالإجمال، البيتكوين ثابت أفضل من أي نوع آخر من المال وهو ذو قابلية كبيرة للقسمة والقياس، وفي الوقت نفسه متاحٌ للنقل عبر الإنترنت. حاول أن تجد سلعة أخرى تجمع هذه الخصائل: المحدودية المطلقة (أعظم ثابت) + المقسومية والشروية (القياس) + القدرة على الإرسال عبر قناة اتصال (سهولة النقل). هذا هو ما تنافسه كل سلعة مالية أخرى تريد أن يتجمع السوق عليها. عمليًّا، الطريقة الوحيدة لتقدير قوة هذه الآلية النادرة هي باختبارها مباشرة. يستطيع كل فرد أن يصل إلى شبكة البيتكوين من دون ترخيص بتشغيل عقدة كاملة. إن القدرة على تشغيل حاسوب في أي مكان في العالم ونقل سلعة محدودة إلى فرد آخر، من دون ترخيص ولا اعتماد على طرف ثالث، قدرة ممكِّنة. مئات ملايين الناس يستطيعون فعل هذا معًا من دون الحاجة إلى الثقة بأي مشارك آخر في الشبكة، هذا الأمر يكاد يستحيل فهمه.

لطالما وُصف البيتكوين بالذهب الرقمي، ولكن في الحقيقة ليس هذا إنصافًا. يجمع البيتكوين نقاط قوة الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي ويطرح منهما كل عيب فيهما. الذهب نادر ولكن صعب القسمة والنقل، والدولار سهل النقل ولكنه ليس نادرًا. البيتكوين نادر ندرة مطلقة، وسهل القسمة وسهل النقل. بصورتها الحالية، الذهب وأنظمة المال الحكومي كلها معتمد على الثقة، أما البيتكوين فلا حاجة للثقة فيه. البيتكوين مستمثَل لتحقيق نقاط قوة الاثنين، وطرح نقاط ضعفهما، وهو السبب الحقيقي لتجمّع السوق على البيتكوين ليحقق وظيفة المال.

البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى

إذا استنتج أي فرد هذه المقولات الرئيسة الثلاث: أ) المال ضرورة أساسية، ب) المال ليس هلوسة جمعية، ج) الأنظمة الاقتصادية تتجمّع على وسيط واحد، فهذا الفرد سيبحث بحثًا أوعى عن أفضل أنواع المال. إنه المال الذي يحفظ القيمة إلى المستقبل، ويتيح للأفراد تحويل وقتهم ومهاراتهم إلى مجال من الاختيار أعظَم من أن يتخيله أسلافهم. الحرية هي ما يقدّمه المال العُمدة: الحرية لاتباع المصالح الفردية (التخصص) والقدرة على تحويل مخرج هذه القيمة إلى قيمة أنتجَها آخرون (التجارة). سواء أسأل الأفراد أنفسهم هذا السؤال بوعي أو بلا وعي، فهم مجبَرون طبيعيًّا على إجابته بأفعالهم. وسيجيبون الجواب نفسه الذي يجيبه الذين يسألون هذا السؤال لأنفسهم. يصل الوعي واللاوعي إلى النتيجة نفسها لأن الحقائق الأساسية لا تتغير، ولأن وظيفة المال واحدة: التوسّط في سلسلة متاجرات بين الحاضر والمستقبل وتقديم لغة للتعبير عن القيمة الذاتية بين مجموعة واسعة من الأفراد الذين يستفيدون من التجارة والتخصص. المال ضرورة. هناك خصائص تجعل بعض السلع أفضَل أو أسوأ في المتاجرة، والمتاجرة في جوهرها مسألة بين ذاتية.

امتلاك البيتكوين هو ثمن الدخول إلى ما يمكن أن يكون أكبر وأشدّ الاقتصاد تنوّعًا في الوجود والتاريخ. البيتكوين نظام عالمي يتصل به من أراد من دون ترخيص من أحد. ولأن البيتكوين يصبح اللغة المشتركة للقيمة عند كل المشاركين، كل من هو جزء من الشبكة يستطيع التعبير عن القيمة والمتاجرة بها مع بقية المشاركين. كلما زاد عدد أقران التجارة، زادت القيمة التي تقدمها كل وحدة للأفراد المالكين للعملة. ولئن كانت العوائق الحكومية دائمًا ستوجد لإعاقة التجارة، فإن الوصول إلى العملة المشتركة نفسها يزيل أصل هذا العائق في التعبير عن القيمة، والمعروض الثابت للبيتكوين يتيح لآلية التسعير فيه أن يراكم ويعبّر عن معلومات أتمّ بأقلّ مقدار من الضجيج بالنسبة إلى أنواع المال الأخرى. ومع تزايد عدد الأفراد المريدين لتخزين القيمة في البيتكوين، تزداد قوة وصدقية المعروض الثابت وتزداد موثوقية وأهمية آلية تسعيره. المعتمدون الجديدون للشبكة المالية يقدّمون قيمةً ويدركون قيمةً بفضل اعتمادهم، وهو سبب أنك متى دخلتَ إلى البيتكوين فلستَ متأخرًا، ومهما كان ثمن البيتكوين فليس غاليًا.

لا يهم مقدار تعقيد البيتكوين. في النهاية، يصبح البيتكوين اختبار أ\ب. إن الحاجة إلى المال حقيقية والأفراد يتجمّعون على شكل المال الذي يحقق وظيفة المتاجرة أفضل تحقيق. ما من عملة في العالم تستطيع أن تكون أندَر من البيتكوين، والندرة قوّة جاذبة تجرّ الاعتماد والتعبير عن القيمة. اليوم، معظم المليارديريين لا يفهمون البيتكوين. البيتكوين فرصة متساوية آخذة للعقل. ولكن حتى الذين لا يفهمون البيتكوين سيعتمدون عليه في النهاية. هناك أسئلة جوهرية كثيرة. البيتكوين متقلّب، بطيء ظاهريًّا، صعب التوسيع، ليس شائعًا للدفع، يستعمل كثيرًا من الطاقة، وغير ذلك. الاستقرار خصيصة ناشئة تتبع الاعتماد، وكل العيوب الأخرى محلولة مع دخول مزيد من القيمة تأتي بها الندرة المطلقة وإمكانية القياس والقسمة ونقل القيمة. هذا هو ابتكار البيتكوين. العملة أ لها معروض ثابت. العملة ب ليس لها معروض ثابت. ستبقى العملة أ تجمّع قيمة أمام العملة ب. وستستمر قوة العملة أ الشرائية في الازدياد مقابل الخدمات والسلع، فيما تتناقص القوة الشرائية للعملة ب. فأيّ عملة أريد؟ أ أم ب؟ اختر الخيار الصحيح لأن ثمن الفرصة هو وقتك وقيمتك. كل ما بقي يسرح ببساطة اختيار الأفراد للعملة أ، ولكن في الواقع، كل الأمر عائد إلى الحس المشترك وغرائز البقاء. البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى لأن الأنظمة المالية تتجمع على عملة مفردة، والبيتكوين هو العملة صاحبة أفضل الخصائص المالية.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹صالحًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك حايك

Tagged : / / /

البيتكوين ليس للمجرمين

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: نوفمبر 2019

إذا سمعت يومًا في حياتك (أو إذا كنت تصدّق) أنّ البيتكوين أداة يستعملها المجرمون، فقف وخذ عيّنة سريعة من أصحابك وأسرتك، من الذين تشكّ في امتلاكهم للبيتكوين، ثم اسأل نفسك إذا كانوا مجرمين معروفين. نعم لقد ذاعت حالات كثيرة استخدم فيها المجرمون البيتكوين، ولأن المشكّكين لا يعرفون سببًا آخر لاستعماله، أصبح استعماله لأهداف غير قانونية هو الافتراض الأوّلي. هذا الافتراض مبنيّ عمومًا على الرأي القائل إن البيتكوين أدنى من الدولار، سواءٌ بسبب الاعتقاد بأنه متقلّب جدًّا أو بطيء جدًّا، أو لأنه ليس واسع القبول في المعاملات اليومية; بهذا الإطار العقلي المعيب، يصبح التفسير المنطقي أنه من الناحية العملية، لن يستعمل أحد البيتكوين إلّا بهدف تسهيل نشاط غير قانوني، بأن يتّخذه وسيلة للترّب من سلطة القانون. قد يدّعي أحد النوّاب أو أمناء الخزانة هذا الادعاء، ولكن من حسن الحظ، فالبيتكوين ليس للمجرمين، بل هو لكل الناس.

«إن الغايات الواضحة للبيتكوين سواءٌ أكانت نقل خدمات وسلع غير قانونية، أو كانت قمارًا مضاربيًّا، تجعلني سائمًا من استعماله».

رسالة إلى المشرّعين من السيناتور جو مانشن (فبراير 2014)

إذا كان استعمال البيتكوين الأساسي استعمالًا غير شرعي، فقد يتبع منطقيًّا أن المستخدمين معظمهم مجرمون. ولمّا كان هذا الافتراض خاطئًا، كانت الحجج التالية التي نسمعها كثيرًا عن وجوب حظر البيتكوين لمنع هذه النشاطات حججًا غير تامّة، تخرّ الماء. إن القاعدة التي تقوم عليها هذه الفكرة هي الاعتقاد الخاطئ بأن البيتكوين أدنى من الدولار، وهو في الواقع أعلى من أي نوع من المال وُجد من قبل، بفضل معروضه الثابت (انظر البيتكوين له غطاء أو البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا). يشكّل معروض البيتكوين الثابت أساس الطلب للبيتكوين، سواءٌ أكان متعلّقًا بنشاط إجرامي أو لم يكن. وبغض النظر عن عدد التعاملات اليومية التي يسهلها البيتكوين، فإنه يستعمل كل يوم وسيلةً للتوفير، عصيّة على الرقابة والتضخم. ولا شك أن البيتكوين يستعمله أصحاب المخدّرات والمجرمون في الإنترنت المظلم. ولكن القول بأن استخدامه الأساسي هو هذا أو بأنه يجب أن يحظر من أجل هذا، قول غير منطقي. إنه من التعارض المنطقي أن تشكّل رأيًا تقول فيه إن البيتكوين فعّال بما يكفي ليكون عملة للمجرمين، ثم تنفي في الوقت نفسه مقتضى هذا، وهو أن البيتكوين فعّال لكل الناس.

ولكن قبل أن نقلب سرديّة المخدّرات هذه رأسًا على عقب، فلنعترف أوّلًا أن المجرمين يعتمدون على أي عدد من نقاط الوصول التي تشيع فيها التجارة، لا البيتكوين فقط. الطرقات، والإنترنت، وخدمة البريد، والمطارات، والنظام البنكي، وغير ذلك كثير. نعم، كلها يستعملها المجرمون ولطالما سهّلت الجرائم. ولكن، يستعمل المجرمون كل هذه الأشياء في حياتهم العادية أيضًا، لا لتسهيل الجرائم. هنا يسقط كل منطق وجوب حظر البيتكوين لأنه يمكن الأنشطة الإجرامية. الجرائم جرائم. لا وجود لشيء في الأدوات التي يستعملونها لتسهيل جرائمهم يجعلها إجرامية في نفسها. استعمال البريد لإرسال رسالة إلى أمك ليس جريمة. ولكن استعماله لإرسال مخدّرات احتيال بريدي. كذلك، استعمال الدولار لشراء ورود لأمك، لا شيء فيه. ولكن شراء المخدّرات بالدولار (أو بالبيتكوين)، جريمة. على الرغم من استعمال المجرمين، لم نسمع أحدًا ينادي بحظر الطرقات أو الإنترنت أو البريد أو غير ذلك. ولم نر كذلك أي مدافعين عن المصلحة العامّة ينادون بحظر الدولار، الذي يبدو أنه عملة تمويل المجرمين المفضّلة في كل مكان. نعم، خوف النشاط الإجرامي قد استُعمل للاعتداء على حقوق المواطنين الملتزمين بالقانون في كل مكان، ولكن الاعتقاد بوجوب حظر البيتكوين لأن بعض تجّار المخدرات استعملوه ليس مختلفًا عن النداء إلى حظر الدولار للسبب نفسه.

تفويت الفكرة

يصبح هذا الرأي أقلّ قوّة بكثير عندما نفهم أن البيتكوين ليس فعليًّا للمجرمين، ولكن لنفهم هذا، علينا أن نفهم أوّلًا أن البيتكوين للمجرمين. إنها مفارقة. الفكرة كلها تُقلب رأسًا على عقب عندما ننظر إليها من المنظور الصحيح. الحقيقة أن المجرمين يمكن أن يستعملوا (وقد استعملوا) البيتكوين لتسهيل التجارة، ليست إلّا دليلًا على أن البيتكوين يمكن استعماله لتسهيل أي تجارة. إن وجود استعمال للبيتكوين عمل فيه موقع سِلْك رود Silk Road، وسهّل معاملات فيها مخدّرات وسلَع ممنوعة أخرى مع استعمال البيتكوين للبيع، لا يغيّر شيئًا من الحقيقة الأوسع: أن البيتكوين يعمل. ولكن الباحثين في البيتكوين يغضّون النظر عن هذا، ويحاولون إثبات العكس، أن نسبة حوالات البيتكوين المستعملة لأغراض غير شرعية نسبة صغيرة. من ذلك هذا العنوان من السنة الفائتة:

«دراسة جديدة تجد أن نسبة معاملات البيتكوين غير الشرعية على المنصّات أقل من 1%».

كوين سنتر، يناير 2018

قد يكون الكلام صحيحًا، ولكن هذه السرديّات المضادّة تحارب على الجبهات الخاطئة. إذا كانت تجربة موقع سِلك رود أظهرت أي شيء، فإنما أظهرت أن الأفراد يقبلون البيتكوين وسيلةً للدفع مقابل سلعهم وخدماتهم. ليس مهمًّا أن معظم السلع في الموقع كانت ممنوعة. لقد كان هذا الموقع، الذي يقدّر أنه سهّل مليونًا ونيّفًا من المعاملات، من التجلّيات الأولى لاستعمال البيتكوين في الواقع. فنعَم، البيتكوين يُستعمَل الآن وقد استُعمل من قبل لتجارة المخدّرات، لكنه استخدام واحد له لم يثبت إلا فائدته العامّة، لا أكثر. وبالحديث عن شراء المخدّرات، لم يزل الدولار مفضّلًا على البيتكوين بين التجّار وإن كانوا بالعموم يعرفون البيتكوين ويستطيعون قبوله. سواءٌ في الردّ على سِلك رود أو غيره، كل من يستنتج أن «البيتكوين يعمل للمخدّرات» يخفق في رؤية الغابة من وراء الأشجار. النتيجة الأوضَح والمحطّمة للافتراضات، هي أن البيتكوين يعمل. نقطة.

إذا كان البيتكوين يعمل مع تجّار المخدرات لتسهيل التجارة، فلم لا يعمل ليسهّل أي نوع آخر من التجارة؟ لا يتطلب الأمر كثيرًا من الخيال لإمضاء هذا المنطق. إذا قبل الرجل أ البيتكوين لبيع السلعة ب، فهل يجوز أن أي رجل قد يقبل البيتكوين مقابل أي عملة بصرف النظر عن هوية الرجل وعن طبيعة السلعة؟ في حالة سِلك رود، لعلّ أن تجار المخدرات لم يفهموا سبب عمل البيتكوين، ولكنه عمل بكفاءة كافية ليقبلوا الدفع به. يبدو أنهم فهموا أن للبيتكوين طلبًا سوقيًّا كافيًا يجعله مقبولًا من حيث هو وسيط للمقايضة. ولأنه وفّر آلية إلكترونية لتسهيل المعاملات، فتح البيتكوين سوقًا وآلية سوق لم يكونا ليفتحا من دونه. أحببته أم كرهته، لم يكن الأمر إلا توظيفًا سوقيًّا للتقانة.

على الرغم من وجود البيتكوين، لم يترك تجّار المخدرات الدولار، بل ظلّ عملتهم المفضّلة. ولا توقّفوا عن غسل المال في النظام البنكي. لم يستعمل تجّار المخدّرات في سلك رود البيتكوين ليتجنّبوا حفظ النظام فقط، ولا اختفت تجارة المخدرات بالدولار فجأة عند ظهور البيتكوين، بل استعمل هؤلاء التجّار البيتكوين لأنه فعّال ولأنه يفي بحاجة سوق. إذا لم يكن البيتكوين فعّالًا ولم يكن متوقّعًا أن يحفظ عتبة معينة من القيمة على أفق زمني معين، لم يكن ليستعمل وسيلة للدفع في سلك رود. فتجّار المخدرات لا يريدون أن يخسروا أموالهم في النهاية. ولكن الأهم من ذلك، عندما يشجب أي أحد البيتكوين بالقول إن المجرمين يستعملونه لأغراض ممنوعة، سواء أكان أمين الخزانة أم كان نائبًا في الكونغرس، يجب أن نسأل: لمَ صلُح البيتكوين وسيلةً لتسهيل التجارة في المقام الأول؟

الاختبار الحاسم

إن التركيز على المجرمين يشتّت عن السؤال الأهم والنتيجة الأهم. إذا كان البيتكوين يصلُح للمجرمين، فإنه يصلح لكل الناس، وإذا كان البيتكوين عملة صالحة، فيجب أن يصلح لكل الناس، المجرمين وغير المجرمين. ولكن هذا ليس ترويجًا للأنشطة الإجرامية باستعمال البيتكوين وسيلة تمويل، بل هو معرفة لخصائص البيتكوين التي تجعله فعّالًا في المقام الأول. النشاط الإجرامي اختبار حاسم. إذا لم يصلح البيتكوين لتجّار المخدّرات، فهو لا يصلح لأحد. ولكن إذا صلُح لهم، فهو صالح للكل. إذا أمكَنت رقابة (أو منع) حوالات البيتكوين المتعلّقة بأي نشاط أو أي فرد، فممكنة كذلك رقابة (أو منع) أي نشاط وأي فرد. وإذا كان للرقابة هدف أوّلي من حيث الأنشطة والأفراد، فهو الأنشطة الجنائية. لقد بدأت المحاولات فعلًا.

«لقد عاقب مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لقسم الخزاة الأمريكية 3 أفراد صينيين مع عناوين محافظهم الرقمية، إذ اتهمهم بانتهاك قوانين غسل الأموال وتهريب المخدرات […] وقد ذكرت الوكالة عددًا من عناوين البيتكوين […] تدّعي أنها تنتمي لهؤلاء المواطنين الصينيين».

كوين دسك، أغسطس 2019

اعلم أنه في هذا السياق، كونُ البيتكوين «يعمل» أو «يصلُح» إشارة إلى طبقة البروتوكول في الشبكة. سواءٌ أرادت شركة ما أو فرد ما أن تقبل أو ترفض حوالة من عنوان عاقبه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وسواءٌ أجمّدت مؤسسة مالية حسابًا فيها مرتبطًا بهذه الأصول أو لا، كل هذا ليس له كبير أثر على حيوية البيتكوين على المدى الطويلة. المهم هو هل تقبل الشبكة تحقيق حوالة من هذا العنوان أو تقبل كتلة تحوي حوالة كهذه. بعبارة أخرى: المهم هو هل يرفض المعدّنون والعقد هذه الحوالة وإن كانت صالحة حسب قوانين إجماع الشبكة. البيتكوين صالح من حيث هو عملة بفضل لامركزيته. لكن اللامركزية ليست هدفًا في ذاتها. الهدف هو المناعة على الرقابة. وحماية المجرمين ليست هدفًا. حماية المستوى الجذري لعمل العملة هدف.

المناعة على الرقابة لا تتجزّأ، إمّا أن تكون وإمّا ألّا تكون

المناعة على الرقابة هي خصيصة الشبكة الأهم لأنها تضمن أن قوانين الشبكة لا تتغير اعتباطيًّا ولا تطبّق على ناس وناس، ومن دونها لن يعمل النظام كله. أهم هذه القوانين هي الندرة المحدودة للعملة نفسها. المناعة على الرقابة تحفظ الندرة، والندرة تحفظ المناعة على الرقابة. إن مناعة البيتكوين على الرقابة تزداد مع توسّع الشبكة لأنها لامركزيتها تزيد مع الوقت. مع تزايد قبول البيتكوين، يتملّك كل فرد (بالمتوسّط) حصّة أصغر وأصغر من معروض الشبكة المحدود، وهذه الندرة هي التي تجرّ الاعتماد. ومع تزايد لامركزية الشبكة، تزداد صعوبة رقابتها على أي فرد أو شركة. ولكن، في أي وقت من الأوقات، معرفة هل الشبكة منيعة بما يكفي على الرقابة غير ممكنة. لكن المناعة على الرقابة تنقاس باختبار الوقت وبكل محاولة مخفقة للرقابة.

من وجهة نظر عملية، خطر الرقابة آتٍ من جهتين: إجبار الشبكة على تغيير قوانين إجماعها، أو رفض حوالات صالحة. بالتصميم، يستطيع كل أحد أن يصل إلى شبكة البيتكوين من دون ترخيص بتشغيل عقدة كاملة. كل عقدة تستطيع بثّ حوالات إلى بقية الشبكة، وكل عقدة تتحقق من كل تاريخ سلسلة الكتل مع كل كتلة جديدة، إذ تحاكمها إلى مجموعة مشتركة من القوانين. بهذه العملية، تستطيع العُقَد الموزعة في العالم الوصول إلى إجماع عام عن حالة ملكيّة البيتكوين عبر الشبكة، على أساس لامركزي من دون الثقة بأي مشارك آخر. قوانين الإجماع في البيتكوين هي اللغة المشتركة التي تنظّم عمل كل الأقران في الشبكة، لا تقرر جهة واحدة القوانين، بل يدخل الناس بإرادتهم. لو كان ممكنًا أن تفرض أي سلطة مركزية تغييرًا على الشبكة أو أن تؤثر على النشاط فيها بطريقة ترفض فيها حوالات صالحة، لكان هذا دليلًا على أن الشبكة ليست لامركزية بما يكفي لمنع الرقابة.

ولكن ماذا عن المجرمين وما علاقة هذا بهم؟ لو كان ممكنًا حظر أي نشاط إجرامي في الشبكة، سواء بمنع الوصول إليها أو برفض الحوالات المؤكّدة، لكان هذا دليلًا على أن الشبكة ليست لامركزية بما يكفي لضمان المناعة على الرقابة. شبكة البيتكوين لا تعرف الإجرام ولا تعريفه. إنها شبكة حيادية أخلاقيًّا وسياسيًّا. كل ما تفهمه الشبكة (عند تحقيق الحوالات) هو قوانين الإجماع فيها، إنه نظام دوري مغلق. حوالة البيتكوين تكون صالحة إذا وافقت قوانين إجماع الشبكة، وإن لم تكن، فكل الرهانات خاسرة. إذا أمكن حظر النشاط الإجرامي، فهذا دليل على إمكان حظر أي نشاط. ولكن الأمر لا ينتهي هنا. إذا أمكنت رقابة أي نشاط في الشبكة، فمعناه أن الشبكة كلها قابلة للرقابة. إذا ظهر إمكان منع أو حظر أي حوالة، فهذا دليل على أن قوانين إجماع الشبكة هي أيضًا في خطر.

البيتكوين لا يمكن أن يكون منيعًا على الرقابة قليلًا، كما أنّك لا يمكن أن تكوني حاملًا قليلًا.

المناعة على الرقابة لا تتجزّأ، إمّا أن تكون وإمّا ألّا تكون. وإذا لم تكن، فكل شيء في خطر، حتّى المعروض الثابت وهو واحد وعشرون مليونًا. إن هذا العدد وضمان ندرته يؤسس لكل دافع اقتصادي آخر يتيح للشبكة أن تعمل وتُراكم القيمة، حتى الآلية التي تصل بها الشبكة إلى الإجماع. إن قبول أن شبكة البيتكوين ستكون دائمًا متاحة إلى حدٍّ ما للأنشطة الممنوعة ليس قولًا لبرتاريًّا. بل هو إقرار بأن عمل البيتكوين وقوّته من حيث هو نظام عملة، يستلزمان أن يكون متاحًا للجميع. إذا استطاع أي أحد منع أي أحد من استعمال الشبكة، سواء أكان فردًا أم منظمة أم دولة، فالبيتكوين إذن في خطر الإخفاق. الرقابة في البيتكوين في طبقة البروتوكول ليست مكافئة لحظر بايبال لفرد أو شركة، ولا هي مكافئة لإغلاق بنك أمريكا حسابًا أو رفض فيزا لحوالة. البيتكوين مُصدر عملة وطبقة تسوية. أي نوع من الرقابة يهدم النظام بالكامل، لذلك فأكثر الأنشطة عرضة للرقابة اختبار حاسم لبقية الشبكة. إذا لم يمكن حظر أشدّ الأنشطة خطرًا، فهذا دليل على أن البيتكوين يعمل في كل الأحوال.

البيتكوين للجميع

في النهاية، يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية، حتى إذا لم يكن فهم هذا الأمر تامًّا أو شائعًا اليوم. وتوسيعًا للفكرة المذكورة في «البيتكوين لا يمكن حظره»، كلّ من ينادي بحظر البيتكوين لأنه يمكّن النشاط الإجرامي، يقرّ في الوقت نفسه ولا بدّ بأن البيتكوين صالح من حيث هو عملة. نتيجة ذلك، إذا صلح البيتكوين في تسهيل التجارة المتعلّقة بالأنشطة الممنوعة، على الرغم من كل السلطة التشريعية، فمن باب أولى هو صالح لتسهيل أي نوع من التجارة، وهذا يشمل التجارة بين المواطنين الملتزمين بالقانون. عمليًّا، العمل في هذا الواقع وإدراك أن البيتكوين مورد نادر ندرة مطلقة، يدلّ على استحالة حدّه في الإنترنت المظلم، وهو ليس محدودًا به.

المنافسة على البيتكوين عالميّة. مع الوقت، سيجمع منتجو القيمة الأكبر الحصّة الأكبر من البيتكوين. إن الظنّ أنّ أصحاب الأنشطة الممنوعة سيجمعون حصّة في اقتصاد البيتكوين المستقبلي أكبر من حصتهم في اقتصاد الدولار اليوم ظن غير عقلاني. والمنادي بحظر البيتكوين مثله مثل الذي يخاف من ظلّه. فالحظر ليس عمليًّا (لا يمكن فرضه)، والنشاط الذي تريد هذه السياسة منعه يمكّن منه الدولار اليوم على نطاقات أوسع بكثير. الأمر يشبه أن ترمي الطفل مع ماء الحمام. نحن نقبل الجيّد والسيّئ، وندرك أن طبيعة البيتكوين الجوهرية تنفي عنّا أي خيار. التنازلات موجودة دائمًا، وفي هذه الحالة، استعمال البيتكوين لأغراض ممنوعة هو تنازل نقبله بسعادة مقابل الاستقرار المالي الذي تقدّمه لنا عملة عالمية لا يمكن التلاعب بها. كما في كل تقنية حديثة، ستجتمع القيمة عند الذين يستعملون البيتكوين أفضل وأعلى استعمال، وهو أمر لا يمكن أن يحدّده أحد غير السوق. الفائدة الحاصلة ليست خالية من التنازلات، وكما أن الإنترنت ليس لتجار المخدرات والإرهابيين، فكذلك البيتكوين ليس للمجرمين. البيتكوين للجميع.

«إنّ حماية البراءة أهمّ من عقاب الذنب، لأن الذنوب والجنايات كثيرة جدًّا في هذا العالم فلا يمكن عقابها جميعًا. ولكن إذا جيء بالبريء نفسه إلى المحكمة، ليُحكم عليه ربّما بالموت، سيقول المواطن حينئذ: ‹فعلي الصالح أو الشرير غير مهم، لأن البراءة نفسها لا تحميني›، فإذا ترسخت هذه الفكرة في ذهن المواطن، كان ذلك نهاية الأمان كلّه».

جون أدامز

«احكُم بحكمة، وأقلّ ما يمكن»

سام هيوستن

الفكرة الأخيرة (أسرق هنا من صفحة من كتاب مارتي بنت @martybent): سينظر التاريخ وراءه إلى روس أولبريخت، المؤسس المزعوم لموقع سِلك رود، وسيرى أنّه أفضل من جميع المصارفة المركزيين في كل مكان. لا لأجل المخدرات لكن لأجل البيتكوين.

Tagged : / / /

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أكتوبر 2019

قبل عدّة سنوات، وصلتني رسالة من صديق يسألني عن رأيي في فرصة استثمار يفكّر فيها صديق مشترك. بعد بحث سريع على الإنترنت ومشاهدةٍ لعدّة فيديوهات، بيّنت للسائل أنها على الأرجح مخطط هرميّ. كان هذا اختصارًا منّي لعبارة «تجنّبها مهما كلّفك الأمر». وصل الأمر إلى صديقنا المشترك وجاءني ردّه على غير ما توقّعت: «هل كل المخطّطات الهرمية سيئة؟» بعض المخططات الهرمية أصعب معرفةً من غيرها، ولكن حتى التي تسهل معرفتها لها ضحاياها الغافلون. نصيحة صالحة: اركض ركضًا، لا مشيًا، هربًا من أي شيء فيه ملامح المخطط الهرمي. من حسن الحظ، البيتكوين ليس واحدًا من هذه المخططات. قد يكون الأمر بيّنًا، ولكن كثيرًا من الناس لا يعرفون ما المخطط الهرمي، ولا ما علاماته المحذّرة، ولا أسباب إخفاقه.

تعريف المخطط الهرمي هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

ليست كلّ برامج التسويق عديدة المستويات مخططات هرمية، ولكن كل المخططات الهرمية برامج تسويق عديدة المستويات، بطريقة أو بأخرى. في المخططات الهرمية، تبيع شركةٌ ما منتجًا لها يكون الطلب النهائي عليه أقلّ بكثير من المعروض المتاح. توظّف الشركة مشتركين ليشتروا من بضاعتها ويوظفوا مشتركين آخرين. هؤلاء المشتركون كلهم موظفو مبيعات، ويكون أجرهم منوطًا معظمه بالتوظيف، لا ببيع المنتج نفسه. عادةً، يكون بيع المنتج مدمَجًا في عملية التوظيف نفسها.

في مشاريع البيع العادية، تخاطر الشركة بمخزونها وتدفع أجورًا حسب البيع للمستهلكين النهائيين. في المخطط الهرمي، ترمي الشركة الخطر على موظفي المبيعات، ويدفَع الأجر على توظيف موظفين جدد وبيع المنتج لمشتركين جدد. ينهار الأمر برمّته عادة لانعدام الطلب الحقيقي الكافي على المنتج. كل من في أعلى السلسلة يجني مالًا على حساب الذين في آخر الخط. هذا هو المخطط الهرمي. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين ليس شركةً. ليس فيه موظفون، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. مهما اعتمد الناس البيتكوين، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون عملة منه.

الفروق واضحة وضوح الشمس، ولكن تعقيد البيتكوين وقلّة فهم الناس لحقيقة المال، تجعلها ملتبسة. لن يصبح البيتكوين عملة احتياطي عالمي إلا إذا اعتمده مئات الملايين (إن لم يكن مليارات) من الناس. يبدو أن كل الذين يدخلون في جحر البيتكوين يصلون إلى الطرف الآخر وهم يشرحون الأمر لأهلهم وأصدقائهم، ويصفونه على أنه نوع متفوّق من المال. يبدو الأمر كأنه مخطط هرمي، صح؟ غلط. عندما بدأت شركة دِل تبيع حواسيبها على موقعها عام 1996، وكان الناس يتناصحون بشرائها، أكان ذلك مخططًا هرميًّا؟ عندما أطلقت آبل أول آيفون عام 2007 وتداعى الناس إلى ترك بلاكبيري وشراء هذا الخليفة المتفوّق، أكان ذلك مخطّطًا هرميًّا؟

التحوّلات التقنية تحدث سريعًا. بعد عقدٍ وعقدين، أصبحت الهواتف الذكية والحواسيب في كل مكان. الأمر كله قائم على جودة المنتج وبنية الدوافع. إذا كان عند واحد من الناس سهم في آبل أو دل، أيغيّر هذا حقيقة أن المنتج نفسه يقدّم قيمة حقيقية؟ هل كان في إخبار الناس بالابتكار التقني الجديد فائدة؟ إن القيمة المقترحة للابتكار تغلب كل شيء. لا يهم كيف تعرف الأمر، كل ما يهمّ هو المنفعة التي يقدّمها الابتكار. فإذا كان نافعًا، استخدمه الناس، وإلّا فلا. هذا هو السوق.

منفعة وابتكار البيتكوين

منفعة البيتكوين هو أنّه مال. والبيتكوين له سوق لأنه يحلّ مشكلة جوهرية في المال الحديث. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا، بل هو مستقلّ جوهريًّا عن أي ابتكار يمكن أن تقدمه أي شركة مفردة. البيتكوين ليس دل وليس آبل. وليس سهمًا في شركة تقنية. لا شركة خلف البيتكوين. البيتكوين ليس شركة تبيع منتجًا، وليس فيه سيل من الدخل لدفع الأرباح الثابتة المستقبلية. البيتكوين ليس لكسب المال، بل هو مال، أو على الأقل أصبح مالًا عند الذين اختاروا حفظ قسم من ثروتهم فيه. وليس هو مخطّطًا للاغتناء السريع، إنما هو لحفظ القيمة التي اكتسبتها من قبل. البيتكوين أصل محمول، ولكنه على خلاف السندات المحمولة، ليس فيه تدفق دخل.

ابتكار البيتكوين هو أنّه نوع متفوّق من المال، ولكنه خالٍ من الوعود المستقبلية سوى أن يكون في حوزة صاحب أداة الحمل الرقمية. المنفعة الوحيدة للبيتكوين هي إمساكه بوصفه عملة والتعامل به في المستقبل، سواء بصرفه بالعملات القديمة، أو بشراء السلع والخدمات وبيعها به. البيتكوين نافع بكونه نوعًا من المال، وسيحافظ على قيمته ما دام الناس يطلبونه في المستقبل. ولكن هذا يصدق على أي نوع من المال (ليس البيتكوين وحده). المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد، السلع المالية لها خصائص تجعلها أقدَر أو أعجَز عن تسهيل المقايضة. ولكن الخصائص المالية ليست مطلقة، القوة النسبية للخصائص المالية هي القاعدة الأساسية للطلب. عندما يقوّم السوق البيتكوين، يقوّمه بالنسبة إلى بقية الوسائط المالية (الدولار، اليورو، الين، الذهب، إلخ).

إن معروض البيتكوين، وقيده الصارم، هو المنفعة الأساسية للبيتكوين وأساس طلبه، وهو الذي ينفي عنه صفة المخطط الهرمي. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين. هذه هي النقطة المحورية في لعبة البيتكوين. الكل يعرفها، والكل يذكرها. بل والكل يستطيع التحقق منها في أي لحظة من الزمان. لتعرف كيف ولمَ للبيتكوين معروض ثابت صدقًا، انظر «البيتكوين لا البلوكتشين» و«البيتكوين له غطاء». أمّا الآن، فلنتكلّم على افتراض أن معروض البيتكوين محدّد بواحد وعشرين مليونًا. بالمقابل، لا يعرف أحد معروض الدولارات. يقدّر الاحتياطي الفدرالي المعروض الحالي من الدولارات، ولكن أحدًا لا يعرف مقدار الدولارات التي ستوجد في المستقبل. لا قيد على معروض الدولار إلا الاحتياطي الفدرالي، وكلنا نعلم علم اليقين أن عدد الدولارات سيزداد في المستقبل، وأن هذا الخط ينتهي إلى اللانهاية. في النهاية، طلب البيتكوين الأساسي راجعٌ إلى أن سياسته المالية أ) مهندَسة خيرَ هندسة وب) مفروضة فرضًا مصدَّقًا. بمقارنة البيتكوين مع منافسه، لا شك أنه وسيط مالي متفوّق تفوّقًا ضخمًا.

العرض أ –  معروض الدولار التاريخي
العرض ب – جدول معروض البيتكوين

تتغيّر القاعدة المالية لأنظمة العملات الحكومية تغيّرًا لا يمكن توقّعه، أما القاعدة المالية في البيتكوين فمحكومة بجدول معرَّف تعريفًا واضحًا. فكّر في القاعدة المالية على أنها أساس النظام الاقتصادي العالمي. إن التغيرات غير المتوقعة في معروض الدولارات ليست مجرد تغيير للمرمى. بل الأمر أشبه ببناء ملعب على مرتبة مائية من طراز الثمانينيات، ثم تحريك المرمى فيه. كل اللعب تفسد، لا المرامي فقط. أما البيتكوين، فهو حجر أساس بمعروضه الثابت، ويتقوّى هذا الأساس مع الوقت. إن مصداقية جدول المعروض تُفرَض مرّة جديدة مع كل كتلة جديدة. فإذا ظهر أن جدول معروض البيتكوين مفروض فرضًا مصدَّقًا، اعتمد مزيد من الناس البيتكوين نوعًا من المال، وزاد الذين قد اعتمدوه من قبل استعمالهم له مخزنًا للقيمة. معروض ثابت + اعتماد متزايد = قيمة متزايدة. مع تزايد البيتكوين والقيمة، تزداد لامركزية البيتكوين. ومع تزايد اللامركزية مع الوقت، يصعب التغيير، وهو ما يزيد مصداقية الأساس: المعروض الثابت.

أنت المحتال

في المخطط الهرمي، البيّاعون هم المحتالون. يبيع هؤلاء الناس الوعدَ بالمكاسب المالية المستقبلية، بتكتيكات مبيعات عالية الضغط، وبتوظيف أعضاء جدد في المخطط، لأن هذه هي آلية الأجر الأولية. في البيتكوين، المشترون هم المحتالون، كما بيّن مايكل غولدستين في مقالته الخالدة «الجميع محتالون». فإذا كنت مشتريًا، فأنت محتال. في معظم الحالات اليوم، عندما يشتري أحد البيتكوين، فهو يدفع شكلًا من المال محفوظًا بالاحتياطي الجزئي (مع الوعد بالبخس المستقبلي) ليحصل على أصل محمول له عرض ثابت وسياسة مالية متفوّقة جدًّا. أما البيّع الثاني، وهو الذي يأخذ الدولارات، فخاسر مغبون. ليس قصدي أن كل من يبيع البيتكوين يبيعه من دون سبب مقنع. فهو مال في النهاية، ومنفعته هي التجارة، بالتعريف، للمشتركين في السوق طيف واسع من الحاجات الدافعة إلى التسييل، والقيمة الحقيقية تنتقل في كل مرة تنتقل فيها بيتكوين، سواء مقابل دولارات أو مقابل خدمات وسلع. ولكن، بالمتوسط على المدى البعيد، الأمر تفاوت في المعلومات بآثاره الكاملة. إن السياسة المالية للبيتكوين مهندَسة أفضل هندسة، ومفروضة فرضًا متينًا، ولكن القليل يفهمها، لذا فهي أوسع تفاوت في المعلومات في عالمنا اليوم.

المبادئ المالية الأولى

إن الوسيط المالي ذا أقل معدّل تغيير هو الأقدر على توصيل الإشارات الاقتصادية، والمعروض الثابت (الذي يجعل معدل التغيير صفرًا) هو أمثل سياسة مالية في التاريخ. تخالف الثقافة السائدة، وهي المدرَّسة في الأكاديميات الحديثة المشهورة، هذا الرأي، ولكن العملة ذات المعروض الثابت متفوّقة على عملة تزيد معروضها مع الوقت (بمعدّلات لا يمكن التنبؤ بها). في أي اقتصاد، يحدد عرض السلع والخدمات وطلبها بالنسبة إلى عرض المال وطلبه، أسعار الأشياء. السعر هو الذي ينظّم النشاط الاقتصادي في النهاية، والمال هو أساس آلية التسعير في أي اقتصاد. العملة ذات المعروض الثابت تزيل الضجيج الذي تأتي به التغييرات على معروض المال في نظام التسعير، فتخلق إشارات سوقية أوثَق. إن نوع المال ذا أقل معدل تغيير يعكس التغيرات في العرض والطلب لكل السلع الأخرى، لأن السلعة المالية تسهّل متاجرة السلع المستخدمة للاستهلاك أو الإنتاج. جوهريًّا، يستخدم المال لتوصيل القيمة النسبية للشيء أمام بقية السلع والخدمات، والتغييرات في معروض المال تفسد نقل المعلومات هذه لأنها تُدخل متغيّرًا خارجيًّا إلى المعادلة.

على سبيل المثال، الآيفون يساوي ألف دولار تقريبًا، أما برميل النفط فيساوي خمسين دولارًا تقريبًا. المعلومات التي ينقلها إلينا الوسيط المالي هنا هي أن الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط. يعبّر المال عن ثمن الفرصة أيضًا (التنازلات الاقتصادية) بنظام التسعير فيه، وكلما كان مقدار المال أثبت (أي كلما قل معدل التغيير)، أصبح تعبيره عن المعلومات والتنازلات الاقتصادية أوثَق. إذا ازداد معروض المال 10%، وتغيّرت الأسعار وفق ذلك، يصبح الآيفون مساويًا 1,100 دولار، وبرميل النفط يساوي 55 دولارًا. ما زال الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط، وهذه هي المعلومات المهمة التي يعتمد عليها المشتركون في السوق. في العالم الحقيقي، المشكلة هي أن الأسعار لا تتغيّر تغيّرًا متساويًا عند تغيّر معروض المال. بل، تتشوّش إشارات التسعير. في عالم فيه معروض مالي ثابت، التغيرات في السعر تعكس التغيرات في العرض والطلب في أسوق الخدمات والسلع عرضًا أدقّ، ولا تعكس الأثر غير المتساوي لتغيير معروض المال. تنشئ التغيرات في معروض المال ضجيجًا خارجيًّا على النشاط الاقتصادي الذي تقوم عليه. ينظّم الثمن التنازلات الاقتصادية، وموثوقية نظام التسعير قائمة على استقرار نوع المال المستخدم لتوصيل المعلومات.

بهذا الأمر تتمايز السلع المالية (على الأقل الناشئة في السوق الحرة)، ولذلك نقول إن المال أداة تواصل فعّالة. إن بنية السوق المالي مختلف عن كل السلع الأخرى. السلع الاستهلاكية تستهلَك، والسلع الإنتاجية في النهاية تستهلَك في إنتاج مزيد من السلع الاستهلاكية. أما منفعة المال فهي المتاجرة، وهو يستخدم لتنظيم التجارة بسلع الإنتاج والاستهلاك، ولا يستهلَك في نفسه. لأن منفعة المال هي المتاجرة، فالندرة أهم من المقدار الاسمي للمال في الاقتصاد. إذا زاد طلب المال وازداد سعره، لا يستجيب المعروض بسبب قيوده الطبيعية. لا يصدق هذا الأمر على أي سلعة أو خدمة أخرى. إن قيد معروض المال هو الذي يجعله قادرًا على توصيل القيَم النسبية بين السلع والخدمات. يمكن أن تستبدَل سلع الاستهلاك بسلع الإنتاج والعكس، أما المال فيسهّل كل المتاجرة بين كل السلع. قد تتذبذت قيمة المال أمام السلع والخدمات ولكن الندرة النسبية للمعروض المالي تتيح للثمن أن يوصَّل بلغة المال نفسه.

قبل البيتكوين، لم يكن لدينا نوع من المال نادر ندرة مطلقة. البيتكوين له معروض ثابت، سقفه واحد وعشرون مليونًا. الندرة المطلقة تنشئ ثابتًا لم يكن موجودًا من قبل. تخيّل معروض سلعة ما ثابتًا تمامًا، ومعروض كل السلع الأخرى متقلّبًا. يتغير الطلب على كل السلع، ويبقى ثابت واحد: معروض البيتكوين. في هذا العالم، كل شيء سيقاس بهذا الثابت. إن القوة الشرائية للمال تعبّر عن معلومات أكمَل بآلية تسعيرها منها إذا كان المعروض متغيّرًا. بإنشاء هذا الثابت، يمكن قياس كل شيء آخر به. والمعلومات المرغوبة ليست القيمة المطلقة لأي سلعة. القيمة في أصلها ذاتيّة. لكن المعلومات المهمة التي تعبّر عنها آلية التسعير هي القيمة النسبية (او الثمن النسبي) لكثير من السلع بعضها أمام بعض. تتغيّر مستويات الأسعار دائمًا بسبب تغيّر العرض والطلب الدائم، ولكن استقرار آلية التسعير نفسها تتيح تنسيقًا اقتصاديًّا بالتعبير عن ثمن الفرصة (كيف نعرف، أو نتعلّم، أن البيتكوين يساوي 20 ضعفًا من برميل النفط).

إفساد نظام التسعير

في نظامنا الحالي، يتغيّر معروض المال من دون سابق معرفة، ويزداد مع الوقت. هذا الأمر أساسي في نظام المصرفية المركزية المالي، وهو ناتج من النظرية الاقتصادية التي تقول إن الإدارة الفاعلة لمعروض المال تحفّز الطلب الجماعي ومن ثم تزيد العمالة. ولكن الذي تفعله هذه الإدارة فعليًّا هو التلاعب بمعدلات الفائدة نزولًا بزيادة معروض المال. تخفيض معدلات الفائدة يزيد الرغبة والدافع إلى الاستدانة، ولكن، مع تسوية كل العوامل الأخرى، تخفيض معدلات الفائدة يقلل الرغبة بالإقراض. فعليًّا، بتضخيم معروض المال، يتلاعب المصرف المركزي ظاهريًّا بمسألة الائتمان، وينشئ تفاوتًا بين دافع الاستدانة ودافع الإقراض. العاقبة المتفشّية هي إفساد آلية التسعير التي تنظم النشاط الاقتصادي. بالتلاعب بمعروض المال ومعروض الائتمان، تفسد المصارف المركزية كل الأسعار في السوق. تنتشر الإشارات الفاسدة (والمعلومات الخاطئة) بين كل المشتركين في السوق.

تفسد كل بنية العرض والطلب في السوق لأن ملايين من الناس يستجيبون لإشارات السعر المغيَّرة، ويتغيّر توضّع الموارد في الاقتصاد بناءً على هذه الإشارات. عندما يزداد معروض المال، يدخل النظام مزيد من المال (والائتمان) من قنوات كثيرة وفي أوقات لا نعلمها. لا يعرف معظم المشتركين في السوق كمية التغيير ومعدّله. بل يستجيب هؤلاء إلى إشارات الأسعار، وهكذا تنتشر المعلومات. قد يكون السعر ثمن سلعة في البقالية أو أجرًا صاحب العمل مستعد لدفعه لوظيفة معينة. ينشئ التغيير في معروض المال إفسادًا للأسعار لا يستطيع معه المشتركون في السوق فهم التغيير في السعر أهو آتٍ من بنى العرض والطلب أو هو آتٍ من إدخال مزيد من المال في النظام. ومهما يكن من أمر، يستجيب الجميع لهذه الإشارات المفسَدة.

وهاك مثالًا أقرب إلى الواقع: اشترى الفدرالي 1.7 تريليون دولار من السندات المغطّاة بالرهون (وهي نحو 17% من كل الرهون) بعد الأزمة المالية، وكان هذا جزءًا من برنامج التيسير الكمي، الذي في النهاية زاد معروض القاعدة المالية 3.6 تريليون دولار. يتذكر معظم الناس أنه قد كان قبل الأزمة المالية فقاعة إسكان. بشراء الرهون مباشرة وتضخيم المعروض المالي، تلاعب الفدرالي بمعدلات الفائدة وخفضها. يعتمد الإسكان اعتمادًا كبيرًا على معروض الائتمان وعلى ثمن الفائدة. بتخفيض معدلات الفائدة وزيادة المال المتاح للإقراض، ازدادت أسعار البيوت بالتلاعب. نتيجة ذلك، وصلت إشارات الأسعار الفاسدة للمشترين والباعة. يستجيب البنّاؤون لهذا ببناء مزيد من البيوت (زيادة المعروض)،أما المشترون فيعتقدون أنهم قادرون على اقتراض كميات أكبر بمعدلات الفائدة المنخفضة لشراء منازل. يكرَّس مزيد من الموارد في الاقتصاد لمسألة الإسكان بسبب مستويات السعر العالية. ولكن كل زيادة في الطلب لا يمكن أن تبقى إلا إذا بقي ثمن الائتمان يخفَّض مرّة بعد أخرى نتيجةً للمعروض المالي المتزايد.

على الرغم من معرفة الجميع بفقاعة الإسكان عام 2007، التي لم يكن ممكنًا بقاؤها، فإن مؤشر أسعار المنازل اليوم أعلى 15% ممّا كان في تلك الأيام. هذا هو العرض الكامل للتلاعب بمستويات الأسعار، وهو يحدث لأنه نتيجة مقصودة من سياسة المصرف المركزي المالية. يزيد الفدرالية المعروض المالي، ويخفض معدلات الفائدة، ويضخّم أسعار الأصول فيصبح مقدار الدين في نظام الائتمان ممكن الاستدامة. إن توسيع الائتمان هو هدف الفدرالي من تحفيز النمو، والائتمان الصافي الجديد لا يمكن إنشاؤه إلا إذا كان معدلات الدين الموجودة مقبولة، لذلك يجب على الفدرالي تضخيم أسعار الأصول لتحقيق أهدافه. تدعم أسعار الأصول مستويات الدين الموجودة. عندما يكتشف الجميع أن إشارات الأسعار لا يمكن الاعتماد عليها ولا استدامتها، تحدث صدمة في السوق. هذا ما حدث عام 2007، والراجح أن يحدث مرة أخرى لأن إشارات السوق ستشوَّش مرّة أخرى. ولكن المخطط ليس شرّيرًا، والفدرالي ليس فاعلًا شرّيرًا عن قصد. يريد الفدرالي في النهاية زيادة «العمالة الكاملة» بسياساته، ولكن ما يفعله حقًّا هو التلاعب بإشارات السعر النسبية، وهو ما ينشئ تفاوتًا في بنى العرض والطلب التي يقوم عليها الاقتصاد، فتصبح البطالة مفاجئة ومزمنة.

تكلّم حايك عن هذه المسألة في خطابه الذي خطبه عند فوزه بجائزة نوبل عام 1974 «ادّعاء المعرفة». بسبب هذه الأسعار المتلاعب بها، يكرَّس لقطّاع من الاقتصاد موارد كان يمكن الحفاظ عليها طبيعيًّا، عندما يغيّر المصرف المركزي طريقة سياسته المالية، تستجيب الأسعار ويُصلَح السوق. لأن مستويات الأسعار يتلاعب بها دائمًا، تصبح صدمة المعروض أمرًا لا بد منه ويكتشف كل الناس وجود التفاوتات. في حالة مثال الإسكان، يفوق العرض (بالسلع والعمل) الطلب المستدام بهذه الأسعار الحالية. بعبارة أعمّ، التفاوتات في كل مكان. يتّضح يومًا بعد يوم أن العرض والطلب ليسا متّزنين فتزداد البطالة سريعًا. لا يستطيع السوق أن يصل إلى حالة توازن لأن كل الأسواق بقيت في حالة تلاعب فترة ممتدّة من الزمان.

هذا ما حدث في الأزمة المالية وعقبها. كان السوق يغلي بعد أن تلاعب الفدرالي بمعروض المال والائتمان عقودًا من الزمن. كما بيّن العجز الكبير، يُلقى ذنب الأزمة المالية عادة على أزمة الرهون العراقية، لا على الغوريلا الضخمة في الغرفة، وهي السياسة المالية للمصرف المركزي التي قلما نوقشت. بعد الأزمة، استجاب الفدرالي بانتهاج السياسة نفسها التي كان ينتهجها في العقود السابقة، ولكن على مستويات أعظم، فزاد معروض المال زيادة عظيمة، وزاد إفساد إشارات السعر. عندما يتلاعب بمعروض المال، لا تستجيب كل الأسعار بالمعدل نفسه. يدخل المال السوق من قنوات كثيرة ويؤثر توسيع الائتمان على قطاع من السوق أكثر من بقية القطاعات. كل الأسعار يتلاعَب بها، ولكن ليس التلاعب متساويًا. الأمر في جوهره إفساد للأسعار النسبية، يفسد آلية العرض والطلب في السوق. السعر يعبّر عن معلومات. إنه الطريقة التي يعبّر بها المشتركون في السوق عن تقويمهم النسبي للأشياء. وهو الطريقة التي يستجيب بها كل المشتركين في السوق لهذه التفضيلات على جهة العرض: ما المهارات التي يتدرّب الناس عليها، ما الأعمال التي يختارونها، ما فرص العمل التي يلاحقونها؟ قد لا يكون الفدرالي قاصدًا للشر بتغيير المعروض المالي، ولكن في النهاية، النتيجة التي لا بد منها هي إفساد آلية التسعير في الاقتصاد.

القدرة على توقّع المعروض المالي

البيتكوين حصان أبيض. أو على الأقل، في إمكانه أن يكون حصانًا أبيض. بإنشاء معروض ثابت، في إمكان البيتكوين أن يصبح أعظم آلية تسعير عرفها العالم في تاريخه. عندما يبلغ البيتكوين سقفه، وهو 21 مليون عملة، ستنتهي التغييرات على المعروض المالي وتُزال تمامًا من معادلة إشارات السعر. ينبغي أن يكون هذا بديهيًّا: إن إنشاء مزيد من المال لا يزيد النشاط الاقتصادي الحقيقي. لا يهم أكان التغيير في المعروض صغيرًا أم كان كبيرًا وغير متوقَّع. طباعة المال لا تزيد النشاط الاقتصادي، كل ما تفعله هو إفساد العرض والطلب. منفعة المال هي المتاجرة. سواء أكانت متاجرة في الحاضر أو في المستقبل. المال لا يستهلك، بل يستخدم لتنسيق النشاط الاقتصادي الذي يتيح تجميع رؤوس الأموال. سواء أكان رأس مال فيزيائيًّا ضروريًّا لإنتاج السلع، أو رأس مال إنسانيًّا يطوّر الفنون والعلوم والرياضيات وغيرها. إن رأس المال هو مدّخر المجتمع الحق وهو أساس عمل الاقتصاد.

يفكّر معظم الناس في التوفير من الناحية المالية لأن المال وحدة حساب، ولكن التوفير الحقيقي هو رأس المال المتراكم الذي يغني حياة الأفراد والأسر والمجتمعات. في عالم فيه معروض مالي ثابت، ستصبح المدّخرات المالية ثابتة. سينتقل المال من فرد إلى فرد، ومن أسرة إلى أسرة، ومن عمل إلى عمل. لكن، بالإجمال، لن يزداد المعروض المالي ولن ينقص. سيتنظّم النشاط الاقتصادي بفضل المال وستكون آلية تسعيره دقيقة. ستصل التفضيلات الجماعية لكل الأسواق من دون الإفساد الذي يحدث نتيجة تغيير المعروض المالي. ستُصلَح التفاوتات بين العرض والطلب طبيعيًّا ولن تدوم فترات متطاولة من الزمان، ونتيجة لذلك ستكون التفاوتات أصغر ولن تكون جزءًا من نظام الاقتصاد الكلي. لا يعني هذا أن الأسعار ستكون دائمًا تامّة أو أن المتغيّرات الأخرى كالصرف الحكومي أو الضرائب لن تفسد النشاط الاقتصادي. ولكن المعروض الثابت سينهي الآلية الأساسية التي تفسد إشارات التسعير وبنى السوق.

معروض البيتكوين الثابت هو أساس نظام تسعير أوثَق، ولكن هذا المعروض يصدر بمعدّل معلوم. في المستقبل، عندما يبلغ معروض البيتكوين سقفه، سيكون معدّل التغيّر صفرًا. ولكن، إلى ذلك الوقت، سيتبع البيتكوين جدول معروض ثابت ومعلوم، وهو أمر مستقل وله نفس الأهمية في معادلة التسعير. يصدر البيتكوين بعملية التعدين التي تساعد على حماية الشبكة، وتتعدّل الشبكة لتضمن أن إصدار العملات الجديدة يكون كل 10 دقائق. إذ أُضيفت موارد تعدين جديدة إلى الشبكة، ستتعدّل لتمنع إصدار البيتكوين بمعدّل أسرع. وإذا ازداد التعدين ارتفعت مستويات أمان الشبكة، من دون أن يرتفع معدل الإصدار أو المقدار الكلي للبيتكوين. يتيح هذا للنظام الاقتصادي كله أن يخطط للمستقبل. ويتيح للمعدّنين أن يبنوا بنية تحتية أمانية لتوقع الأجور المستقبلية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لكل المشتركين في السوق أن يعرفوا معدل تغير العملة في أي نقطة من الزمان.

تضمن الشبكة أن البيتكوين يصدر صدورًا مستقرًّا مع الزمن، ونتيجة ذلك يكون صدورًا متوزّعًا أيضًا، ولا تتيح تسريع الإصدار على أساس غير متوقع. والأهم أن ذلك يزيد مصداقية بنية الإصدار الكلية. كل عشرة دقائق (بالمتوسط)، يصدر عدد من البيتكوينات الجديدة. تقريبًا، كل عشر سنوات ينقسم هذا العدد إلى نصفه حتى لا يبقى مزيد من البيتكوينات الجديدة. على الطريق إلى الواحد والعشرين مليونًا، يبني فرض المعروض الثابت كل 10 دقائق مصداقية الوضع المستقبلي للمعروض مع الوقت. سيفهم كل المشتركين في السوق أن المعروض الثابت سيفرض لا بسبب نقطة سحرية في الزمان يتوقف عندها الإصدار، بل لأن الشبكة تفرض سياستها المالية كل 10 دقائق. بإنشاء جدول معروض يمكن التنبؤ به، يتناقص معدل التغيير تناقصًا معلومًا، ويستطيع كل المشتركين في السوق أن يروا أن النظام يعمل كما أُريد له أن يعمل.

السياسة المالية بالإجماع أم المصرف المركزي؟

إن العملية التي تفرض مصداقية النظام المالي للبيتكوين تحدث على التوازي مع اختلال الأنظمة المالية القديمة. تزيد المصارف المركزية في كل البلدان المعروض المالي في اقتصاداتها بمعدلات غير معلومة. كما ناقشنا من قبل، زاد الاحتياطي الفدرالي المعروض المالي بمقدار 3.6 تريليون دولار بعد الأزمة المالية، من 2008 إلى 2014. ومع أن الفدرالي أعلن خططه قبل تنفيذها، ولكن أحدًا لم يعلم المقدار الإجمالي للتيسير الكمي. كان الجميع يتوقّع توقّعًا. حتى الفدرالي لم يكن يعرف. وبعد زيادة المعروض الملية أضعافًا مضاعفة، بدأ الفدرالي بإزالة 50 تريليون دولار من الاقتصاد كل شهر، إذ بدأت هذه العملية في أكتوبر عام 2017. مرّة أخرى، لم يعلم أحد كم سيُزال من النظام بالإجمال، أو كم ستدوم العملية. بالإجمالي، أُزيل من الاقتصاد 700 مليار دولار على مرّ سنتين تقريبًا. والآن، في أكتوبر 2019، غيّر الفدرالي مرة أخرى مساره، وبدأ إضافة مزيد من الأموال إلى النظام. حديثًا، أعلن الفدرالي عن خطط لإضافة 60 مليار دولار كل شهر إلى النظام المالي (سيحدث هذا 6 أشهر إلى الأمام). ولكن مرة أخرى، لا يعرف أحد حقًّا كم سيدوم هذا أو إذا كانت المقادير ستتغير. واقعيًّا، حتى الفدرالي لا يعلم لأن هذا العلم مستحيل.

كلنا نعلم عمليًّا أنه من هنا سيزداد المعروض المالي (زيادة كبيرة). ولكن، اعلم أن معظم المشتركين في السوق لا فكرة عندهم أن هذا حدث أو يحدث. كل ما يعرفه المشتركون في السوق هو الذي يصل لهم بالأسعار وفرص العمل. الذين يفهمون تصرّفات الفدرالي قد يكونون في مكان أفضل لأنهم قادرون على توقع نتائج توجهاته، ولكن الأنظمة الاقتصادية معقدة. كلّنا نستجيب إلى آليات التسعير حولنا، وليس أحد منّا قريبًا من المعرفة الكاملة، هذا هو ادّعاء المعرفة. إن المعرفة الجمعية لملايين البشر مضمّنة في السعر الذي هو تابع لتفضيلات الأفراد الذين يشكّلون الاقتصاد، تفضيلاتهم التي لا تزال في تغيّر.

الأفراد محدودون جوهريًّا بالمعارف التي يملكونها. وهذا لا شكّ يصدُق على المصارف المركزية. في نموذج المصرفية المركزية المالي، يحدد اثنا عشر فردًا (أو قريبًا من هذا الرقم) كيف ومتى تُنشأ مليارات، إن لم يكن تريليونات، من الدولارات، مع أن معارفهم محدودة في جوهرها. مهما كان هؤلاء ذوي نية حسنة، ومهما كانت معارفهم عظيمة، النتيجة الصافية هي إفساد الآلية الأساسية التي تجمع معرفة السوق كله (آلية التسعير). كل من يعتمد على الدولار وحدةً للحساب وآليّة للتعبير عن التنازلات الاقتصادية، يتغيّر أساس اعتماده على نحو غير متوقّع، وغير معلوم لمعظم الذين في السوق. إشارات التسعير المفسَدة تصل تدريجيًّا إلى الأفراد عبر ملايين الأسواق فتؤثر في قرارات مئات الملايين، والآلية المركزية التي تحدد السياسة المالية هي سبب هذا الإفساد.

وحتى إذا اعتقد المرء أن الإدارة الفاعلة للمعروض المالي لها فائدة صافية، فالبيتكوين موجود اليوم إلى جانب النظام الاقتصادي القديم: النظام اللامركزي أمام النظام المركزي. السياسة المالية بالإجماع أمام سياسة المصرف المركزي. فأمّا المعروض المالي في النظام القديم فيتغيّر تغيّرات لا يمكن توقعها، وأما شبكة البيتكوين فتعمل محكَمَة بمعروض معلوم وتغيّر معلوم. لم يعد الأمر نقاشًا فلسفيًّا أو اقتصاديًّا، النظامان المتنافسان الآن قائمان، وسيقول السوق بينهما الكلمة الفصل. قد يكون البيتكوين معقّدًا ومفهوم الملا نفسه صعب الفهم، ولكن العيوب في النظام الحالي مستقلة عن البيتكوين. السبعة عشر تريليونًا من الدين الرابح ربحًا سلبيًّا ستكون دليلًا كافيًا على أنها نتيجة من السياسة المالية للمصرف المركزي. في النهاية، العملات التي يقوم عليها النظام القائم ستكون صمام التنفيس لأن المصارف المركزية ستجبَر على زيادة المعروض المالي لتحافظ على نظام الائتمان الذي لا سبيل إلى إنقاذه إلا هذا.

مع تحكّم المصارف المركزية بالنظام القديم، لا يستطيع المرء الركون إلى شيءٍ إلا أن المعروض المالي سيتغيّر تغيّرًا لا يمكن توقعه. في البيتكوين، يستطيع كل إنسان التحقق من المعروض ومعدّل التغيّر. بإعمال عقدة بيتكوين كاملة، يستطيع أي أحد التحقق من عدد البيتكوينات الصالحة في السوق ومقدار البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة. يستطيع أي أحد وكل أحد أن يتحقق من المعلومات من دون أن يثق بأحد. هكذا يعمل البيتكوين. كل عقدة تتحقق من المعلومات وتحققها باستقلال. سياسة البيتكوين المالية مفروضة على أساس لامركزي، تفرضها كل العقد في الشبكة. يستطيع كل صاحب عقدة أن يحسب متى ستحل الكتل المستقبلية ومتى سيتغير معدّل الإصدار. إن إمكان التحقق والتحقيق للمعروض المالي، مهما كان المقدار الاسمي، يعزز مصداقية النظام المالي. يحدث هذا التعزيز كل 10 دقائق، 6 مرات في الساعة، 144 مرة في اليوم، 1,320 مرة في الشهر، 52,560 مرة في العام، مع كل كتلة جديدة في البيتكوين. يتعزز النظام المالي لأن المشتركين في السوق يتحققون من تطبيق السياسة المالية مرة بعد أخرى، كل عشر دقائق.

المعروض ومعدّل الإصدار، والذي يمكن التأكد من صحته على حاسوب قديم (المعروض: 17,988,755، مكافأة الكتلة = 12.5 بيتكوين، أو 1,250,000,000 ساتوشي)

ليس للمعروض الثابت كبير معنًى من دون مصداقية فرضه. يستطيع أي أحد نسخ بناء البيتكوين وكوده. ولكن الذي لا يمكن نسخه هو صدقية خصائصه المالية. إن آلية الإجماع التي تحكم البيتكوين هي أساس هذه الصدقية وهي التي تميّز البيتكوين عن المنافسة. حتى إذا بقي الإنسان غير مقتنعًا أن عملة لها معروض ثابت تعبّر عن المعلومات تعبيرًا أفضل بآلية تسعيرها، فإن قناعة أي فرد غير مهمة. البيتكوين يأتمن سياسته المالية عند آلية إجماع. نعم، المعروض الكلي للبيتكوين مسقوف بواحد وعشرين مليونًا، ولكنه في النهاية محكوم بإجماع الذين يمسكون بالبيتكوين.

إذا قرر السوق، الذي لا ريب في أن عنده من العلم ما ليس عند أي فرد، مجتمعًا، أن الأفضل تغيير جدول المعروض، وإزالة المعروض الثابت، فالأمر ممكن نظريًّا. ولكن السوق يجب أن يصل إلى إجماع ساحق ليفرض هذا التغيير، وعمليًّا، لن تستطيع شبكة لامركزية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين الوصول إلى إجمال ساحق لبخس العملة التي تستعملها. معروض البيتكوين مرن بما يكفي ليتغيّر، ولكن هذا ممتنع من دون إجماع السوق. البيتكوين في النهاية يظهر الفرق بين السياسة المالية بالإجماع والسياسة المالية بحكم المصرف المركزي. المعرفة المحتواة في إجماع السوق، لا ريب أنها متفوقة على معرفة عدد صغير من الأفراد، لذلك يتفوق البيتكوين على النظام القديم في كل خطوة.

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

فلا، البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين لا تديره شركة مريبة، ولا يستعمل أساليب مبيعات عالية الضغط. ولا يبيع البيتكوين سلعة سيئة لها معروض كبير، ولا يأجر الناس لتوظيفهم أعضاء جددًا في النظام. البيتكوين مال، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. لا يهم كم من الناس يعتمد البيتكوين، فعندما يزيد الاعتماد، تتوزع الكعكة نفسها على مزيد ومزيد من الناس، وبالمتوسط، سيملك الناس حصّة أصغر وأصغر من الشبكة. تزداد قيمة البيتكوين تبعًا للاعتماد، والاعتماد يزيد لأن الخصائص المالية للبيتكوين متفوقة على كل المنافسين. للبيتكوين معروض ثابت، وجدول معروضه معلوم، وسياسته المالية محكومة ومفروضة بالإجماع. آلية تسعير البيتكوين لا تلاعب فيها، ولا يمكن إفسادها لأن المعروض ثابت. كل شيء يتغير حول البيتكوين، إلا معروضه الثابت، فلا يتغير. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سيصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة.

هذا هو وعد البيتكوين، ولن ينتشر إلا إذا كان نافعًا للذين يستخدمونه. اليوم، وفي المستقبل، ستسمر هذه المنفعة التي هي القدرة على حفظ الثروة في وسيط مالي لا يمكن بخسه. عندما يدّعي الناس أن البيتكوين قد يكون «أكبر من الإنترنت»، فالتطبيق ليس خطّيًّا، بل هو عائد إلى أن نوع المال السيادي الذي لا يمكن التلاعب به، قادر على أن يكون واحدًا من أعظم أدوات الحرية التي اختُرعت في التاريخ. إن نجاح البيتكوين ليس معطًى، ولكنه إذا نجح في الوفاء بوعده، فسيساعد في تنسيق أفعَل وأسلَم بين الناس حول العالم. في النهاية، البيتكوين أداة تواصل. هذه هي وظيفة المال. يقدّم البيتكوين ببساطة نظامًا بديلًا، يعمل على أساس لامركزي لا يحكمه أحد. امتناع الحكم هذا، وامتناع التوجيه الواعي، هو الذي يتيح للبيتكوين أن يجمع المعرفة ويعبّر عنها بطريقة أفضَل من أي وسيط مالي سابق. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، ومع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

«كثير من الأشياء العظيمة التي حققها الإنسان، لم يكن نتيجة فكر موجه، ولا نتيجة جهود منسّقة مدروسة لمجموعة أفراد، بل نتيجة لعب الفرد لدورٍ لن يستطيع الإحاطة بفهمه أبدًا. هذه الأشياء أعظم من أي فرد لأنها تنتج من مزيج من المعرفة أوسع من أن يملكه أي فرد».

حايك، الثورة المضادة للعلم

Tagged : / / / / / /

البيتكوين له غطاء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2019

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين مدعوم بشيء. إنه مدعوم بما يدعم أي نوع من المال: مصداقية خصائصه المالية. المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. على مرّ التاريخ، برزت عدة وسائل لتأخذ صفة المال، وفي كل مرة، لم يكن هذا الأمر بمحض مصادفة. السلَع التي تصبح أموالًا لها خصائص فريدة تميزها عن بقية سلع السوق. يقدّم معيار البيتكوين شرحًا أكمَل للقضية، ولكن السلع المالية لها خصائص تجعلها مفيدة من حيث هي وسيط مقايضة، من هذه الخصائص: الندرة، والمتانة، وقبول الانقسام والاستبدال والحمل، وأشياء أخرى. مع كل مال ناشئ جديد، تتطور خصائص وسيطٍ مالي، وتُبطل الخصائص المالية التي كانت في الأموال السابقة، وفي كل مرة تتموّل فيها سلعة، يبطل تموّل سلعة أخرى. والذي يحدث أن نقاط القوة النسبية للوسيط المالي الجديد تغلب نقاط قوة الوسيط القديم، وليس البيتكوين مختلفًا عن ذلك. يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية التي قامت على الخصائص المالية للذهب.

يتفوق البيتكوين على أسلافه التماثلية من حيث الخصائص المالية. البيتكوين نادرٌ ندرة مطلقة، وهو أسهَل انقسامًا وأسهل نقلًا من منافسيه القائمين اليوم. وهو بعد ذلك أكثر لا مركزية، لذلك أمنَع على الرقابة والفساد. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وكل واحدة منها تنقسم إلى 8 فواصل عشرية (جزء من مئة مليون جزءًا). يمكن نقل القيمة بالبيتكوين إلى أي أحد في أي مكان في العالم من دون ترخيص من أحد، ولا تعتمد التسوية النهائية على أي طرف ثالث. بالإجمال، خصائص البيتكوين المالية متفوقة تفوّقًا هائلًا على أي نوع من المال يستعمل اليوم. وهذه الخصائص ليست موجودة بالصدفة، ولا هي موجودة عن فراغ. إن الخصائص المالية الناشئة في البيتكوين محمية ومفروضة بمزيج من التعمية، وشبكة من العقد اللامركزية تفرض مجموعة مشتركة من قوانين الإجماع، وشبكة تعدين متينة تضمن سلامة دفتر حوالات البيتكوين ومناعته على التغيير. العملة نفسها هي حجر الأساس الذي يربط أجزاء النظام، فيخلق دوافع اقتصادية تسمح لأجزاء نظام الأمن أن تعمل معًا. ولكن مع هذا، ليست خصائص البيتكوين المالية مطلقة، بل هي مقوّمة بالسوق بالنسبة إلى الخصائص الموجودة في الأنظمة المالية الأخرى.

كوين بيس برو: معدّل سعر البيتكوين بالدولار على مدى الأشهر الست الماضية (بيانات 27 سبتمبر 2019). 

اعلَم أنه في كل مرة يُباع دولار ببيتكوين، يبقى العدد نفسه من الدولارات والبيتكوينات في العالم. كل الذي يتغير هو التفضيل النسبي لحمل عملة من العملتين مقابل الأخرى. إن تزايد قيمة البيتكوين دليل على أن المشتركين في السوق يفضلون حمل البيتكوين على حمل الدولارات. وإن تزايد سعر البيتكوين (بالدولار) يعني أن مزيدًا من الدولارات لازم لشراء الكمية نفسها من البيتكوين. بالإجمال، إنه تقدير السوق للقوة النسبية للخصائص المالية. السعر ناتج. الخصائص المالية هي الأساس. مع تقدير الأفراد للخصائص المالية للبيتكوين، يصبح السؤال الطبيعي: أي العملتين له خصائص مالية أصدَق؟ البيتكوين أو الدولار؟ طيّب، ما الذي يدعم الدولار (أو اليورو أو الين أو غيرهما) في الأصل؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يجد الباحث دومًا أن الدولار مدعوم بالحكومة أو الجيش (رجال معهم أسلحة) أو الضرائب. ولكن الدولار ليس مدعومًا بأي واحدة من هؤلاء. لا بالحكومة، ولا بالجيش، ولا بالضرائب. تضرب الحكومة ضرائبها على الأشياء القيّمة، لا تصبح الأشياء قيّمة لأن عليها ضريبة. كذلك، تحمي الجيوش ما هو قيّم، لا تصبح الأشياء التي تحميها الجيوش قيّمة. والحكومة لا تستطيع فرض قيمة العملة، كل ما تستطيع تحديده هو معروضها.

فنزويلا، والأرجنتين، وتركيا، كلها بلدان لها حكومات وجيوش وقدرة على فرض الضرائب، ومع هذا تراجعت عملاتها تراجعًا ملحوظًا في السنين الخمس الماضية. ولئن لم يكن إثبات النقيض كافيًا، فإن كل حكومة من هذه الحكومات دليل ينقض القول بأن العملة تشتق قيمتها من الحكومة. كل مرحلة من مراحل التضخم المفرط يجب أن تكون دليلًا كافيًا على العيوب الجوهرية في الأنظمة المالية الحكومية، ولكنها ليست كذلك لسوء الحظ. يظنّ معظم النالس أن التضخم المفرط دليل على سوء الإدارة المالية، لا أنه النتيجة النهائية المنطقية لكل الأنظمة الحكومية. هذا الرأي التبسيطي يتجاهل المبادئ الأولى، ويتجاهل الآليات التي تضمن البخص المالي في أنظمة العملات الحكومية. ومع أن الدولار أقوى بنيويًّا لأنه عملة الاحتياطي العالمية، فإن قواعد الأموال الحكومية من حيث الأداء واحدة، والدولار ليس إلا الأقوى بين الضعفاء. ما إن فهمنا الآليات التي تدعم الدولار (وكل العملات الحكومية) فهمًا أفضل، قدّم ذلك لنا قاعدة لتقدير الآليات التي تدعم البيتكوين.

لماذا للدولار قيمة؟

لم تنشأ قيمة الدولار في السوق الحرة. بل نشأت على أنها تمثيل جزئي للذهب (والفضة في أول الأمر) وكان الدولار حلًّا لما قصّر فيه الذهب من سهولة التحويل والإرسال، لذا فإن مولد الدولار كان معتمدًا على الخصائص المالية للمعادن الأساسية، لا على خصائص جوهرية في الدولار نفسه. وكان أيضًا نظامًا قائمًا على الثقة: خُذ الدولار وثق أنه يمكن استبداله بمقدار ثابت من الذهب في المستقبل. إن عيب الذهب وإخفاقه الكامل هو نظام الدولار، ومن دون الذهب، لم يكن ليكون أي وجود للدولار في هيئته الحالية. مراجعة سريعة لتاريخ الدولار والذهب:

1900أقرّ قانون معيار الذهب عام 1900 أن الذهب هو المعدن الوحيد الذي يمكن استبداله بالدولار، وأن ثمن كل أونصة ذهب 20.67 دولارًا.
1913تأسس الاحتياطي الفدرالي بموجب قانون الاحتياطي الفدرالي عام 1913.
1933حظر الرئيس روزفلت ادّخار الذهب وكنزه بالقانون التنفيذي 6102، وأجبر المواطنين على تحويل الذهب إلى دولارات بمعدل 20.67 دولارًا للأونصة، وإلّا فهم معرّضون لعقوبة هي غرامة بقيمة 10 آلاف دولار، أو حبس من خمس سنوات إلى عشر، أو السابقان معًا.
1934وقع الرئيس روزفلت قانون الاحتياطي الذهبي، فبخس الدولار 40% من قيمته وصار سعر الأونصة 35 دولارًا.
1944رسّم اتفاق بريتون وودز قدرة الحكومة الأجنبية والمصارف المركزية على تحويل الذهب إلى الدولار (والعكس) بمعدّل 35 دولارًا للأونصة، وتأسست معدلات صرف ثابتة بين الدولارات وبقية العملات.
1971أنهى الرئيس نكسون رسميًّا قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فأنهى نظام بريتون وودز فعليًّا. أصبحت قيمة الدولار 38 دولارًا لأونصة الذهب.
1973غيّرت الحكومة الأمريكية سعر الدولار إلى 42 للأونصة.
1976فصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب كله عام 1976.

على مر القرن العشرين، انتقل الدولار إلى عملة مدعومة بالاحتياطي إلى عملة مدعومة بالدين. لم يزل معظم الناس يتدبّرون سبب امتلاك الدولار للقيمة بعد الذهب، ولم يزل التفسير الأشيَع هو أنها هلوسة جمعية (أن الدولار له قيمة لأننا كلنا نؤمن بذلك)، أو أنه تابع للحكومة والجيش والضرائب. ليس لواحد من هذين التفسيرين أي أساس في المبادئ الأولى، وما من سبب حقيقي يجعل للدولار قيمة. بل يحافظ الدولار على قيمته اليوم بسبب الدين والندرة النسبية للدولارات أمام الديون المقومة بالدولار. في عالم الدولار، كل شيء تابع لنظام الائتمان. الناتج الإجمالي المحلي الاسمي معتمد على حجم نظام الائتمان ونموه، والضرائب تحسب على أساسه. إن الآليتين اللتين تموّلان الحكومة (الضرائب واستهلاك العجز) كلاهما قائمتان على نظام الائتمان، وإن نظام الائتمان هو الذي يسمح للدولار أن يعمل بهيئته الحالية.

الدين القومي الأمريكي مقابل الدخل (تريليون)

إن حجم نظام الائتمان يبلغ أضعاف حجم الناتج الإجمالي المحلي الاسمي. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه. ولكن نمو نظام الائتمان سبق نمو الناتج الإجمالي المحلي على مر العقود الثلاثة السابقة. يرقّم المخطط أدناه معدل تغير نظام الائتمان مقابل معدل تغير الناتج الإجمالي المحلي الاسمي وصكوك الضرائب الفدرالية (منذ 1987 إلى اليوم). في نظام الاحتياطي الفدرالي، يقود توسيع الائتمان الناتج الإجمالي المحلي الذي يحدد في النهاية المستوى الاسمي للضرائب الفدرالية.

اليوم، في نظام الائتمان الأمريكي 73 تريليون دولارًا من الدين حسب الاحتياطي الفدرالي (تقرير z.1)، ولكن ليس في نظام المصارف إلا 1.6 تريليون دولار. هكذا يدير الاحتياطي الفدرالي الاستقرار النسبي للدولار. ينشئ الدين طلبًا مستقبليًّا على الدولار. في نظام الفدرالي، كل دولار مرفوع بنسبة 40:1 تقريبًا. إذا اقترضت دولارات اليوم، فإنك محتاج إلى جني دولارات في المستقبل لدفع الدين، وحاليًّا، كل دولار في النظام المصرفي مقرَض 40 مرة. إن العلاقة بين حجم نظام الائتمان ومقدار الدولارات يعطي الدولار ندرة واستقرارًا نسبيًّا. بالإجمال، كل الناس محتاجون إلا دولارات لدفع الدين المقوم بالدولار.

النظام كله مدين بدولارات أكثر من الموجودة، وهو ما ينشئ بيئة تجعل الطلب الحالي على الدولارات عاليًا جدًّا. إذا لم يدفع المستهلكون ديونهم، سيُحجَر على منازلهم، أو تُنقَل ملكية سياراتهم. إذا لم تدفع شركة ديونها، سيستحوذ الدائنون على أصولها بعملية الإفلاس، ويمكن أن تُمحى الحصص تماما. إذا لم تدفع حكومة ديونها، ستُغلَق وظائفها الأساسية لفقدان التمويل. في معظم الأحوال، نتيجة عدم حيازة الدولارات المستقبلية اللازمة لدفع الدين تعني أنّك ستنتهي على الحديدة. ينشئ الدين دافعًا اقتصاديًّا لطلب الدولارات. ما دامت الدولارات نادرة أمام الدين القائم، سيبقى الدولار مستقرًّا. هكذا يعمل اقتصاد الفدرالي، ادفع لخلق الائتمان، تكن قد أوجدت طلبًا مستقبليًّا للعملة المقومة. بمعنًى ما، يشبه الأمر بيع المخدرات. اجعل إنسانًا يدمن على مخدِّرتك، وستضمن أنه سيعود ليطلب المزيد. في هذه الحالة، المخدّر هو الدين، وهو يجبر كل الناس على البقاء في دولاب جرذان الدولار.

إن مشكلة اقتصاد الفدرالي (والدولار) هو أنه يعتمد على عمل نظام ائتمان مرفوع جدًّا. وللحفاظ على ذلك، يجب على الفدرالي أن يزيد عدد الدولارات القاعدية. هذا هو التيسير الكمي ولذلك وُجد. للحفاظ على كمية الدين في النظام، يجب على الفدرالي أن يزيد معروض الدولارات الحقيقية، وإلا سينهار نظام الائتمان. إن زيادة مقدار الدولارات القاعدية له أثر متوسط هو نزع رفع نظام الائتمان، ولكن أثره على المدى الطويل هو زيادة الائتمان. ومن آثاره أيضًا بخس قيمة الدولار مع الوقت. كل هذا مقصود. الائتمان هو الذي يدعم الدولار لأن الائتمان هو ادعاء ملكية أصول حقيقية، هي معايش الناس. جئ بدولاراتك في المستقبل، أو اخسر بيتك، هذا دافع قوي لتعمل للحصول على الدولار.

إن العلاقة بين الدولار والائتمان بالدولار يحافظ على لعبة الفدرالي، ويؤمن الصيارفة المركزيون أن هذا سيبقى إلى الأبد. أنشئ مزيدًا من الدولارات، أنشئ مزيدًا من الدين. دين كثير؟ أنشئ مزيدًا من الدولارات، وهكذا دواليك. في النهاية، في نظام الفدرالي، العملة هي صمام التحرير. لأن الدين بلغ 73 تريليون دولارًا، وليس لدينا إلا 1.6 تريليون دولار في النظام المصرفي، سيُضاف إلى النظام دولارات جديدة لتدعم الدين. إن ندرة الدولار أمام الطلب هي التي تعطي الدولار قيمته. لا أكثر، ولا أقل. لا دعامة للدولار سوى هذه. ولئن كانت آلية نظام الائتمان تنشئ ندرة نسبية للدولار، فإنها في الوقت نفسه تضمن أن الدولار ستقل ندرته قليلًا قليلًا.

دين كثير أنشئ مزيدًا من المال مزيد من الدين دين كثير

والأمر ذاته موجود في كل أصل مالي، الندرة هي الخصيصة المالية التي تدعم الدولار، ولكن الدولار ليس نادرًا إلا أمام الديون المقومة به. واليوم، أمام الدولار منافس حقيقي، هو البيتكوين. إن نظام الدولار وفقدانه للخصائص المالية الجوهرية يقدم نقيضًا صريحًا للخصائص المالية الناشئة والجوهرية في البيتكوين. ندرة الدولار نسبية، أما ندرة البيتكوين فمطلقة. نظام الدولار قائم على الثقة، أما البيتكوين فلا. معروض الدولار محكوم بمصرف مركزي، أما معروض البيتكوين فمحكوم بإجماع المشاركين في السوق. سيبقى معروض الدولار مرتبطًا بحجم نظام الائتمان، أما معروض البيتكوين فمستقل تمامًا عن مسألة الائتمان. وتكلفة إنشاء مزيد من الدولارات صفرية، أما تكلفة إنشاء مزيد من البيتكوين فحقيقية ومتزايدة أبدًا. في النهاية، خصائص البيتكوين المالية ناشئة ومناعتها متزايدة، أما الدولار فقبوله للتلاعب جوهري ومتزايد.

المال والندرة الرقمية

إن أصعب حاجز عقلي تجاوزًا عند تقدير البيتكوين من حيث هو مال، هو عادة أن البيتكوين أصل رقمي. البيتكوين ليس ملموسًا، وليس بديهيًّا بادئ الرأي. كيف يمكن أن يكون شيء رقمي تمامًا مالًا؟ ومع أن الدولار معظمه رقمي، فإنه مع ذلك ملموس أكثر من البيتكوين في أذهان معظم الناس. نشأ الدولار الرقمي من سلفه الورقي، ولم يزل في السوق دولارات ورقية، أما البيتكوين فهو رقمي أصلًا. في الدولار، عندنا تمثيل فيزيائي يمثل الأنماط الذهنية للعالم الملموس، أما في البيتكوين، فليس عندنا شيء من ذلك. ومع أن للبيتكوين خصائص مالية أصدق بكثير من خصائص الدولار، فإن الدولار في أذهاننا هو المال (عند معظمنا)، ونتيجة ذلك، فتمثيله الرقمي مفهوم أكثر، لأنه توسع من العالم الفيزيائي إلى العالم الرقمي. إن أساس الدولار من حيث هو مال ثابت بالزمن، ولئن كانت طبيعته الرقمية تبدو ملموسة أكثر، فالبيتكوين يمثّل ندرة مطلقة. أما معروض الدولار فلا حد عليه.

تذكر أن الدولار ليس له أي خصيصة مالية جوهرية. قام الدولار على الخصائص المالية للذهب ليعتلي مكانة الاحتياطي العالمي، ولكنه في نفسه، ليس له خصائص فريدة تجعله شكلًا مستقرًّا من المال، إلا ندرته النسبية في نظام المال المرتبط بالدين. عند النظر في البيتكوين، سؤال المبدأ الأول هو إذا كان أي شيء رقمي قادرًا على مشاركة الخصائص الجوهرية التي جعلت الذهب مخزنًا للقيمة (ومالًا). هل نشأ الذهب وأصبح مالًا لأنه فيزيائي أم لأن له خصائص مالية مترفعة عن الفيزيائية؟ من كل الأشياء الفيزيائية في العالم، لم اختير الذهب؟ نشأ الذهب وأصبح مالًا لا لأنه فيزيائي، بل لأن خصائصه الإجمالية فريدة. أهم شيء هو أنه نادر، ويمكن استبداله، ومتين. ومع أن للذهب خصائص كثيرة جعلته متفوّقًا على أي مال سبقه، فإن عيبه القاتل كان صعوبة نقله وعرضته للمركزية، وهو ما أنشأ الدولار في النهاية ليصبح نظيره التحويلي.

«تخيّل معدنًا ذهبيًّا له ندرة الذهب، ولكن له هذه الخصائص: رمادي ممل اللون – ليس ناقلًا جيّدًا للكهرباء – ليس قويًّا، ولكنه ليس مرنًا ولا سهل الإفساد – ليس مفيدًا لأي هدف عملي أو تزييني – ولكن له خصيصة سحرية خاصة واحدة: – يمكن نقله بقناة اتصالات»

ساتوشي ناكاموتو (27 أغسطس 2010)

يملك البيتكوين الخصائص المالية التي جعلت الذهب وسيطًا ماليًّا، ولكنه في الوقت نفسه يصلح من عيوب الذهب. فالذهب نادر نسبيًّا، أما البيتكوين فنادر مطلقًا، وكلاهما متين جدًّا. الذهب قابل للاستبدال (أن يبدَل بعضه ببعض)، ولكنه صعب التحقق، أما البيتكوين فقابل للاستبدال وسهل التحقق. الذهب صعب النقل ومركزي جدًّا. البيتكوين سهل النقل ولامركزي جدًّا. في البيتكوين كل خصائص الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي مجموعة في عملة واحدة، ولكن من دون العيوب الأساسية في أي منهما. عند النظر في الأوسطة المالية، المبادئ الأولى أساسية. أهمل النتيجة أو النهاية، وابدأ بسؤال نفسك: إذا كان البيتكوين فعلًا نادرًا ومحدودًا، وتجاهل أنه رقمي، أيكون مقياسًا صالحًا للقيمة ومخزنًا نهائيًّا للقيمة؟ هل الندرة خصيصة قوية بما يكفي لجعل البيتكوين مالًا، ولو كانت هذه الندرة رقمية؟

لئن كان المال مفهومًا غير ملموس، فإنه ما دام للتجارة والتخصص منافع، سيبقى للمال فائدة وطلب. المال وسيلة نستعملها لتكون الحكَم في تحديد القيمة النسبية بين السلع الاستهلاكية والرأسمالية الكثيرة. إنه سلعة تنظم كل النشاط الاقتصادي. إن كمية المال المطلقة أقل أهمية من خصائصه كالندرة وقبول القياس. الندرة هي أهم خصيصة مالية. إذا كان معروض وحدة القياس متغيّرًا باستمرار تغيّرًا غير متوقع، فسيصعب قياس قيَم السلَع بها، لذلك فالندرة في نفسها خصيصة قيّمة جدًّا. قد تتقلب قيمة وحد القياس أمام السلع والخدمات، ولكن استقرار معروض المال يجعل الضجيج أصغريًّا أمام إشارة السعر النسبي للسلع الأخرى.

ومع أن البيتكوين رقمي، فهو مصمم لينشئ ندرة مطلقة، وهو ما يجعله مرشّحًا ليكون شكلًا فاعلًا من المال (ومقياسًا للقيمة). لن يكون في الوجود إلا 21 مليونًا، و21 مليونًا رقم صغير جدًّا بالمقاييس النسبية والمطلقة. أنشأ الفدرالي 100 مليار دولار في الأسبوع السابق، بضغطة زر. يكافئ هذا تقريبًا 5 آلاف دولار مقابل كل بيتكوين في الوجود، في أسبوع واحد (وعلى يد مصرف مركزي واحد). لتقديم سياق أوسع، أنشأ الاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان، وبنك أوروبا المركزي، كلهم معًا 10 تريليونات دولارات منذ الأزمة المالية، وهو ما يكافئ 500 ألف دولار لكل بيتكوين. ومع أن الدولار واليورو والين والبيتكوين كلها رقمية، فإن البيتكوين هو الوحيد النادر ندرة ملموسة والوحيد الذي فيه خصائص مالية جوهرية.

ولكن، لا يكفي أن ندعي أن البيتكوين نادر ندرة مطلقة، ولا ينبغي أن يقبل أحد هذه الحقيقة ببساطة. ينبغي لكل واحد أن يفهم كيفية هذه الندرة وسببها. لماذا لا يمكن إنشاء أكثر من 21 مليون بيتكوين ولماذا لا يمكن نسخه؟ لماذا البيتكوين آمن ولمَ لا يمكن التلاعب به؟ في البيتكوين عناصر كثيرة تجتمع لتجعل معروضه ثابتًا على نحو موثوق، ولكن في شبكة البيتكوين ثلاثة دعائم ملتحمة تفرضها الدوافع الاقتصادية للعملة نفسها:

  • إجماع الشبكة والعقد الكاملة: فرض مجموعة مشتركة من القوانين الحاكمة
  • التعدين وبرهان العمل: تحقيق تاريخ التحويل، وتثبيت أمن البيتكوين في العالم الفيزيائي
  • المفاتيح الخاصة: تحمي وحدة القيمة، وتضمن الملكية بغض النظر عن التحقق

ما الذي يحمي البيتكوين – إجماع الشبكة والعقد الكاملة

21 مليونًا، ليس مجرد رقم يضمنه برنامج. بل معروض الواحد والعشرين مليونًا هذا تحكمه آلية إجماع، وكل المشتركين في السوق مدفوعون بدوافع اقتصادية لفرض قواعد شبكة البيتكوين. ومع أن إجماع شبكة البيتكوين قد يحكم نظريًّا بزيادة المعروض فوق 21 مليونًا، فإن على الأغلبية الساحقة لمستخدمي البيتكوين أن يوافقوا جميعًا على بخس عملتهم ليفعلوا ذلك. عمليًّا، إنها شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقة تعزز وتدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

في البيتكوين، العقدة الكاملة هي حاسوب أو خادم يحافظ على نسخة كاملة من سلسلة كتل البيتكوين. تجمع العقد الكاملة كل واحدة على حدة نسخة من سلسلة الكتل بناءً على مجموعة مشتركة من قوانين إجماع الشبكة. نعم، لا يُشغّل كل مالك للبيتكوين عقدة كاملة، ولكن كل واحد قادر على ذلك، وكل عقدة تحقق كل الحوالات وكل الكتل. بتشغيل عقدة كاملة، يستطيع كل إنسان أن يصل إلى شبكة البيتكوين وأن يبث حوالات (أو كتلًا) من دون رخصة من أحد. وليس على العقدة أن تثق بعقدة أخرى. بل كل عقدة تحقق التاريخ الكامل لحوالات البيتكوين بناءً على مجموعة مشتركة من القواعد، تسمح للشبكة أن تجمع على نسخة مستمرة وصحيحة من التاريخ من دون أن يثق أحد بأحد.

هذه هي الآلية التي يزيل بها البيتكوين الثقة بأي طرف ثالث مركزي ويعزز صدقية معروضه الثابت. تحافظ كل العقد على تاريخ من كل الحوالات، وهو ما يتيح لكل عقدة أن تحدد إذا كانت الحوالات المستقبلية صالحة. بالإجمال، يقدم البيتكوين آمَن شبكة حوسبة في العالم لأن كل إنسان يمكن أن يصل إليها من دون أن يثق أحد بأحد. الشبكة لامركزية وليس فيها نقاط صدع مفردة. كل عقدة مراقب وموازِن لبقية الشبكة، من دون مصدر مركزي للحقيقة، الشبكة منيعة على الهجوم والإفساد. قد تخفق عقدة ما، أو تفسد، ولكن الشبكة ستستمر كأن شيئًا لم يحدث. كلما زادت العقد، زادت لامركزية البيتكوين، وهو ما يزيد الحشو، فيجعل الشبكة أصعب وأصعب على الإفساد أو الرقابة.

كل عقدة كاملة تفرض قواعد إجماع الشبكة، ومن هذه القواعد معروض العملة الثابت. في كل كتلة بيتكوين عدد محدد من البيتكوينات الجديدة، وكل حوالة يجب أن تعود إلى كتلة صحيحة سابقة لتكون صحيحة. كل 210 آلاف كتلة، ينقسم هذا العدد إلى النصف، هكذا حتى يبلغ عدد البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة الصفر، عام 2140 تقريبًا، وهذا جدول إصدار معروض البيتكوين المقارب. لأن كل عقدة تحقق كل حوالة وكل كتلة، تفرض الشبكة كلها معًا ثبات المعروض على قيمة 21 مليونًا. إذا بثّت أي عقدة حوالة أو كتلة فاسدة، سترفضها بقية الشبكة وستسقَط هذه الكتلة من الإجماع. تستطيع كل عقدة أن تحاول إنشاء زيادة من البيتكوين، ولكن كل عقدة لها مصلحة في ضمان ثبات معروض البيتكوين على قيمته المثبتة، وإلا ستبخَس العملة عشوائيًّا على حساب بقية الشبكة.

يستطيع كل واحد في الشبكة أو خارجها أن ينسخ برنامج البيتكوين لينشئ نسخة جديدة من البيتكوين، وكل وحدة تنشئها نسخة من هذه النسخ ستراها العقد في شبكة البيتكوين عملة فاسدة. كل النسخ التالية والوحدات التالية لن تكون صالحة، ولن يقبل أي أحد بهذه العملة على أنها بيتكوين. كل عقدة بيتكوين تتحقق بنفسها من كل بيتكوين، وكل نسخة من البيتكوين ستكون فاسدة، لأنه لن تكون متأصلة في كتلة بيتكوين صالحة سابقة. سيكون الأمر كمن يريد معاملة أموال لعبة مونوبولي معاملة الدولارات. قد تتمنى ما أردت أن تكون مالًا، ولكن لن يقبلها أحد على أنه بيتكوين، ولن تشارك شبكة البيتكوين خصائصها الناشئة. إن تشغيل عقدة بيتكوين كاملة يسمح لكل أحد أن يفحص صلاح كل عملة من عملات البيتكوين، وستُعرَف كل نسخة مزيفة بهذه الطريقة. إن إجماع العقد هو الذي يحدد الحالة الصحيحة للشبكة في نظام مغلَق، كل شيء يحدث خلف جدران هذا النظام لم يحدث أصلًا.

ما الذي يحمي البيتكوين – التعدين وبرهان العمل

في آلية الإجماع هذه، تشغل بعض العقد (التي تسمى عقد التعدين) خوارمية برهان العمل لإضافة كتل جديدة إلى سلسلة الكتل. هذه الخوارزمية تحقق التاريخ الكامل للحوالات وتسوّي الحوالات الجديدة. التعدين وبرهان العمل يثبتان أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. لحل الكتل، يجب على المعدنين أن يحسبوا تريليونات الحسابات التعموية، وهو ما يتطلب استهلاك موارد طاقة كبيرة. فإذا حُلّت عقدة، تُرسل إلى بقية الشبكة للتحقيق. كل العقد (ومنها بقية المعدنين) تحقق إذا كانت الكتلة صالحة بناءً على مجموعة مشتركة من قواعد إجماع الشبكة، نوقشت من قبل. إذا كانت أي جوالة في في الكتلة فاسدة، فالكتلة كلها فاسدة. كذلك، إذا لم تبنَ الكتلة المرسَلة على آخر كتلة صالحة، فهي فاسدة أيضًا.

ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 90 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). تحلّ الكتل تقريبًا كل عشرة دقائق، وهو ما يعني 144 كتلة في اليوم. عبر الشبكة، تكلف كل كتلة نحو 75 ألف دولار، وتبلغ مكافأة كل عقدة 100 ألف دولار (12.5 بيتكوين جديد مضروبة بسعر البيتكوين، 8 آلاف دولار، من دون حساب رسوم التحويلات). كلما زادت تكلفة حل كتلة، زادت تكلفة الهجوم على الشبكة. إن تكلفة حل الكتلة تمثل الموارد الملموسة اللازمة لكتابة التاريخ على دفتر تحويلات البيتكوين. مع نمو الشبكة، يزداد تشظّيها، وتزداد القيمة الاقتصادية المدفوعة إلى المعدنين بالإجمال. من وجهة نظر نظرية الألعاب، كلما زاد التنافس وزادت الفرص، صعب التآمر على الإفساد، وكل عقد الشبكة تحقق عمل المعدنين، وهو ما يجعلها الرقيب والموازِن.

وتذكّر ذلك الرقم الثابت الذي يصدر في كل كتلة صالحة (قبل أن يبلَغ سقف الواحد والعشرين مليونًا). إن البيتكوين المصدَر في كل كتلة إذا جُمعت إليه رسوم التحويل يمثّل التعويض الذي يناله المعدنون لقيامهم ببرهان العمل. يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين لحماية الشبكة. لبناء الكتل وعملية الاقتراح، يكتب المعدنون هذا العدد الثابت من البيتكوين الصادر في كل كتلة تعويضًا عن استهلاك موارد من العالم الحقيقي الملموس لحماية الشبكة. إذا كتب معدّن مقدارًا من البيتكوين لا يوافق جدول العرض الثابت، سترفض بقية الشبكة الكتلة لأنها فاسدة. لحماية الشبكة، يجب أن يحقق المعدنون ويفرضوا قانون المعروض الثابت ليحصلوا على التعويض. للمعدّنين قدم في اللعبة هي التكاليف المتزايدة على رؤوس أموالهم (واستهلاكهم للطاقة)، والعمل الفاسد لا يُكافَأ.

ودونك مثالًا تقنيًّا: المكافأة الصالحة المدفوعة إلى المعدنين تنصَّف كل 210 آلاف كتلة، والتنصيف القادم سيكون في الكتلة 630,000 (أو تقريبًا في مايو 2020). في ذلك الوقت ستنقص المكافأة من 12.5 إلى 6.25 بيتكوين في كل كتلة. من بعد ذلك، كل معدّن يكتب مكافأة خاطئة (أي مقدار سوى 6.25)، سترفض الشبكة كتلته لأنها فاسدة. التنصيف مهم لا لأن معروض البيتكوين الجديد ينقص فحسب، بل لأنه يظهر أن الدافع الاقتصادي للشبكة يستمر في التنسيق وفرض المعروض الثابت للعملة على أساس لامركزي تمامًا. إذا حاول أي معدّن الغشّ، ستعاقبه بقية الشبكة العقوبة القصوى. لا شيء سوى الدوافع الاقتصادية في الشبكة ينسق هذا السلوك، وحدوثه على أساس لا مركزي من دون تنسيق أي هيئة مركزية تفرض أمان الشبكة.

تعدين البيتكوين لامركزي لأن كل المعدنين يتنافسون، ولا مصلحة للمعدنين في التجمع. ومن جهة أخرى، تحقق العقد عمل المعدنين، في اللحظة نفسها ومن دون تكلفة، وهو ما يجعلها رقيبًا وموازنًا قويًّا جدًّا مستقلًّا عن عملية التعدين. الكُتل صعبة الحل ولكنها سهلة التحقق، وبالإجمال، هذا هو ما يفرق البيتكوين عن أي نظام مالي ينافسه، سواء أكان الذهب أو الدولار. والتعويض الذي يُدفع للمعدنين لحماية الشبكة وفرض معروضها الثابت لا يكون إلا بالبيتكوين. إن الدوافع الاقتصادية للعملة (التعويض) قوية جدًّا، والعقوبة شديدة جدّا وسهلة التطبيق، لذا فدوافع المعدنين على أشدّها للتنسيق وتنفيذ عمل صحيح. بتقديم تكاليف ملموسة لعملية التعدين، وبإعمال جدول إطلاق المعروض وتضمينها في عملية التحقيق (التي تقوم بها كل العقد)، وبفصل عملية التعدين عن ملكية الشبكة، تفرض الشبكة كلّها المعروض الثابت فرضًا موثوقًا دائمًا، على أساس لا ثقة فيه، وفي الوقت نفسه تستطيع بلوغ الإجماع على أساس لامركزي.

ما الذي يحمي البيتكوين – المفاتيح الخاصة والحقوق المتساوية

في الوقت الذي يبني فيه المعدنون الكتل ويحلونها ويقترحونها، وتحقق العُقَد العمل الذي يجريه المعدنون، تتحكم المفاتيح الخاصة بالوصول إلى وحدة القيمة نفسها. تتحكم المفاتيح الخاصة بحقوق 21 مليون بيتكوين (تقنيًّا 18 مليونًا فقط لأن البقية لم تعدّن إلى اليوم). في البيتكوين، لا هوية، لا يعرف البيتكوين شيئًا عن العالم الخارجي. تحقق شبكة البيتكوين التوقيعات والمفاتيح. هذا هو الأمر كله. لا يستطيع إلا صاحب المفتاح الخاص أن ينشئ حوالة بيتكوين صالحة بإنشاء توقيع صالح. تُوضع الحوالات الصالحة في كُتَل، يحلّها المعدّنون وتتحقق منه كل عقدة، ولكن لا يستطيع إنشاء الحوالات الصالحة إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

عندما يُبَثّ تحويل بيتكوين، يُرسل مقدار من البيتكوين إلى أحد عناوين البيتكوين العامة. هذه العناوين العامة مشتقة من المفاتيح العامة، والمفاتيح العامة مشتقة من المفاتيح الخاصة. يمكن حساب المفاتيح العامة والعناوين العامة باستعمال مفتاح خاص، ولكن المفتاح الخاص لا يمكن حسابه باستعمال مفتاح عام أو عنوان عام. إنه تابع بجهة واحدة تحميه خوارزميات تعمية قوية. يمكن مشاركة المفاتيح العامة والعناوين العامة من دون إظهار أي شيء عن المفاتيح الخاصة. عندما يُرسل مقدار من البيتكوين إلى عنوان عام، يُقفَل في خزانة، ولكي تفتَح هذه الخزانة، يجب إنشاء توقيع رقمي من خلال المفتاح الخاص الموافق (لكل مفتاح أو عنوان عام مفتاح خاص فريد). يننتج صاحب المفتاح الخاصة توقيعًا خاصًّا، من دون كشف السر نفسه. تستطيع بقية الشبكة التحقق من أن صاحب المفتاح الخاص هو الذي أنشأ التوقيع، من دون معرفة تفاصيل المفتاح الخاص نفسه. أزواج المفاتيح الخاصة والعامة هي أساس البيتكوين. وفي النهاية، المفاتيح الخاصة هي التي تعطي حق الوصول إلى القيمة الاقتصادية في الشبكة.

لا فرق في هذا بين صاحب عُشر بيتكوين، وصاحب عشرة آلاف بيتكوين. كل صاحب مفتاح محمي ومحقق بالآلية نفسها والقوانين نفسها. لكل واحد في الشبكة حقوق متساوية. بغض النظر عن القيمة الاقتصادية، كل بيتكوين (وكل عنوان بيتكوين) يُعامل المعاملة نفسها في الشبكة. إذا أُنتج توقيع صالح، فالحوالة صالحة وستُضاف إلى سلسلة الكتل (إذا دُفعت رسوم التحويل). إذا أُنتج توقيع فاسد، سترفضه الشبكة. لا يهم قوة المشارك أو ضعفه. لا سياسة في البيتكوين. كلما يحققه البيتكوين هو المفاتيح والتواقيع. قد يستطيع الثري أن يدفع رسومًا أعلى لتكون حوالته أسرع، ولكن كل الحوالات تحقَّق على قوانين الإجماع ذاتها. يقدّم المعدّنون بعض التحويلات على بهض على أساس القيمة والربح، بغض النظر عن أي شيء آخر. إذا كانت حوالتان بنفس القيمة والربح، يُقَدّم الأسبق منهما بالزمن. ولكن المهم أن عملية التعدين، التي تسوّي الحوالات، مستقلة عن الملكية. البيتكوين ليس ديمقراطية، الملكية محكومة بالمفاتيح وكل حوالة بيتكوين يُنظَر فيها على أساس قوانين الشبكة نفسها. أهي صالحة أم لا. يجب أن ترجع كل بيتكوين إلى كتلة موافقة لمبدأ المعروض الثابت (21 مليونًا)، لكي تكون صالحة.

هذا هو الذي يجعل حيازة المفاتيح روحًا مهمّة في البيتكوين. البيتكوين نادر جدًّا، والمفاتيح الخاصة هي حرّاس نقل أي بيتكوين. يقول المثل: ليست مفاتيحك، ليست بيتكويناتك. إذا تحكم طرف ثالث بمفاتيحك، كالبنك مثلًا، فهو قادر على التحكم بوصولك إلى شبكة البيتكوين، وسهلٌ عليه تقييد وصولك أو سرقة أموالك في هذه الحالة. يختار كثير من الناس الثقة بكيان كالبنك، ولكن نموذج الأمان في البيتكوين فريد، لم يكتف بأن يكون لكل مستخدم التحكم بمفاتيحه الخاصة، بل ولكل مستخدم أن يصل إلى الشبكة من دون رخصة وأن يحول ما شاء إلى من شاء حيث شاء في العالم. لا يمكن هذا إلا إذا كان المستخدم مالكًا لمفتاحه الخاص. بالإجمال، يزيد المستخدمون الممسكون بمفاتيحهم الخاصة لامركزية القيمة الاقتصادية للشبكة، وهو ما يزيد أمان الشبكة كلها. كلما زاد توزّع الوصول إلى الشبكة، زادت صعوبة إفسادها أو ضمّها في النظام الحالي. من جهة أخرى، بإمساك المفتاح الخاص، يكاد يستحيل على أحد غيرك تقييد وصولك إلى المال أو سرقته. كل بيتكوين في السوق محمية بمفتاح خاص. نعم، يفرض المعدنون وأصحاب العقد عدم وجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولكن البيتكوينات الصالحة الموجودة كلها محمية لأصحابها بمفتاح خاص.

البيتكوين ضد.

الخلاصة، معروض البيتكوين محكوم بآلية إجماع شبكي، ويُعمل المعدّنون آلية برهان العمل التي تثبّت أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. ولعملهم هذا، يُدفَع للمعدّنين بالبيتكوين ليحلّوا الكُتل، وهو ما يحقق التاريخ ويسوّي الحوالات الحديثة. إذا حاول معدّن أن يعوّض نفسه بمقدار لا يوافق معروض البيتكوين الثابت، سترفض بقية الشبكة عمل المعدّن. معروض العملة داخل في نموذج أمانها، ولا بد من استهلاك موارد طاقية من العالم الحقيقي ليُعطى المعدّنون مكافأتهم. وفوق هذا، تحقق كل عقدة العمل الذي أجراه المعدنون، لئلّا يغشّ أحد من دون عقوبة. آلية إجماع البيتكوين وعملية تحقيقه تحكم نقل الملكية في الشبكة، ولكن الملكية نفسها تحميها وتتحكم بها المفاتيح الخاصة التي يمسكها مستخدمو الشبكة.

حوكمة البيتكوين

دع كل الأفكار السابقة في ذهنك عن تعريف المال، وتخيّل نظام عملة ندرته مفروضة ومعروضه ثابت. يستطيع كل إنسان في العالم أن يتصل بالشبكة من دون رخصة، ويستطيع كل إنسان أن يرسل حوالات إلى أي أحد في أي مكان من العالم، ويستطيع كل إنسان أن يتحقق من معروض العملة ومن حقوق الملكية في الشبكة. تخيّل اقتصادًا عالميًّا، يستطيع فيه مليارات الناس المتوزعين في أنحاء العالم، نقل القيمة في شبكة لامركزية، ويستطيع كل واحد منهم أن يصل إلى الإجماع نفسه على الملكيات في الشبكة، من دون أي جهة مركزية. كم ستكون قيمة هذه الشبكة؟ البيتكوين قيّم لأنه منته، ومنته لأنه قيم. إن الدوافع الاقتصادية ونموذج الحكم في الشبكة يفرض كل واحد منهما صاحبه، والأثر المجموع هو نظام مالي لامركزي ولا ثقة فيه، له معروض ثابت عالمي يستطيع الوصول إليه أي أحد.

ولأن للبيتكوين خصائص مالية جوهرية وناشئة، فهو مستقل عن كل الأموال الرقمية الأخرى. يبقى معروض البيتكوين ثابتًا ونادرًا ندرة مطلقة، أما المصارف المركزية فستُجبَر على توسيع قاعدتها المالية للحفاظ على النظام القديم. ستزداد جاذبية البيتكوين شيئً فشيئًا، مع اكتشاف المشتركين في السوق أن أدوار التيسير الكمي المستقبلية ليست مجرد أداة في يد المصرف المركزي بل هي وظيفة لا بد منها للحفاظ على الخيار الأدنى. قبل البيتكوين، كان الجميع مجبرًا على الدخول في هذا النظام. اليوم مع البيتكوين، أصبح لدينا بديل حقيقي. في كل مرة يعود الفدرالي بمزيد من التيسير الكمي للحفاظ على نظام الائتمان، سيكتشف مزيد من الأفراد أن خصائص البيتكوين متفوّقة تفوّقًا كبيرًا على النظام القديم، سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين. هل أ أفضل من ب؟ هذا هو الاختبار. في التنافس العالمي على المال، للبيتكوين خصائص مالية جوهرية مفقودة في نظام الأموال الحكومية. في النهاية، البيتكوين مدعوم بشيء، وهو الشيء الذي يدعم أي مال: مصدقية خصائصه المالية.

Tagged : / / /
اشترك في نشرة البيتكوين بالعربي

تابع اخبار البيتكوين والمقالات والمحتوى الجديد