البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أكتوبر 2019

قبل عدّة سنوات، وصلتني رسالة من صديق يسألني عن رأيي في فرصة استثمار يفكّر فيها صديق مشترك. بعد بحث سريع على الإنترنت ومشاهدةٍ لعدّة فيديوهات، بيّنت للسائل أنها على الأرجح مخطط هرميّ. كان هذا اختصارًا منّي لعبارة «تجنّبها مهما كلّفك الأمر». وصل الأمر إلى صديقنا المشترك وجاءني ردّه على غير ما توقّعت: «هل كل المخطّطات الهرمية سيئة؟» بعض المخططات الهرمية أصعب معرفةً من غيرها، ولكن حتى التي تسهل معرفتها لها ضحاياها الغافلون. نصيحة صالحة: اركض ركضًا، لا مشيًا، هربًا من أي شيء فيه ملامح المخطط الهرمي. من حسن الحظ، البيتكوين ليس واحدًا من هذه المخططات. قد يكون الأمر بيّنًا، ولكن كثيرًا من الناس لا يعرفون ما المخطط الهرمي، ولا ما علاماته المحذّرة، ولا أسباب إخفاقه.

تعريف المخطط الهرمي هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

ليست كلّ برامج التسويق عديدة المستويات مخططات هرمية، ولكن كل المخططات الهرمية برامج تسويق عديدة المستويات، بطريقة أو بأخرى. في المخططات الهرمية، تبيع شركةٌ ما منتجًا لها يكون الطلب النهائي عليه أقلّ بكثير من المعروض المتاح. توظّف الشركة مشتركين ليشتروا من بضاعتها ويوظفوا مشتركين آخرين. هؤلاء المشتركون كلهم موظفو مبيعات، ويكون أجرهم منوطًا معظمه بالتوظيف، لا ببيع المنتج نفسه. عادةً، يكون بيع المنتج مدمَجًا في عملية التوظيف نفسها.

في مشاريع البيع العادية، تخاطر الشركة بمخزونها وتدفع أجورًا حسب البيع للمستهلكين النهائيين. في المخطط الهرمي، ترمي الشركة الخطر على موظفي المبيعات، ويدفَع الأجر على توظيف موظفين جدد وبيع المنتج لمشتركين جدد. ينهار الأمر برمّته عادة لانعدام الطلب الحقيقي الكافي على المنتج. كل من في أعلى السلسلة يجني مالًا على حساب الذين في آخر الخط. هذا هو المخطط الهرمي. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين ليس شركةً. ليس فيه موظفون، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. مهما اعتمد الناس البيتكوين، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون عملة منه.

الفروق واضحة وضوح الشمس، ولكن تعقيد البيتكوين وقلّة فهم الناس لحقيقة المال، تجعلها ملتبسة. لن يصبح البيتكوين عملة احتياطي عالمي إلا إذا اعتمده مئات الملايين (إن لم يكن مليارات) من الناس. يبدو أن كل الذين يدخلون في جحر البيتكوين يصلون إلى الطرف الآخر وهم يشرحون الأمر لأهلهم وأصدقائهم، ويصفونه على أنه نوع متفوّق من المال. يبدو الأمر كأنه مخطط هرمي، صح؟ غلط. عندما بدأت شركة دِل تبيع حواسيبها على موقعها عام 1996، وكان الناس يتناصحون بشرائها، أكان ذلك مخططًا هرميًّا؟ عندما أطلقت آبل أول آيفون عام 2007 وتداعى الناس إلى ترك بلاكبيري وشراء هذا الخليفة المتفوّق، أكان ذلك مخطّطًا هرميًّا؟

التحوّلات التقنية تحدث سريعًا. بعد عقدٍ وعقدين، أصبحت الهواتف الذكية والحواسيب في كل مكان. الأمر كله قائم على جودة المنتج وبنية الدوافع. إذا كان عند واحد من الناس سهم في آبل أو دل، أيغيّر هذا حقيقة أن المنتج نفسه يقدّم قيمة حقيقية؟ هل كان في إخبار الناس بالابتكار التقني الجديد فائدة؟ إن القيمة المقترحة للابتكار تغلب كل شيء. لا يهم كيف تعرف الأمر، كل ما يهمّ هو المنفعة التي يقدّمها الابتكار. فإذا كان نافعًا، استخدمه الناس، وإلّا فلا. هذا هو السوق.

منفعة وابتكار البيتكوين

منفعة البيتكوين هو أنّه مال. والبيتكوين له سوق لأنه يحلّ مشكلة جوهرية في المال الحديث. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا، بل هو مستقلّ جوهريًّا عن أي ابتكار يمكن أن تقدمه أي شركة مفردة. البيتكوين ليس دل وليس آبل. وليس سهمًا في شركة تقنية. لا شركة خلف البيتكوين. البيتكوين ليس شركة تبيع منتجًا، وليس فيه سيل من الدخل لدفع الأرباح الثابتة المستقبلية. البيتكوين ليس لكسب المال، بل هو مال، أو على الأقل أصبح مالًا عند الذين اختاروا حفظ قسم من ثروتهم فيه. وليس هو مخطّطًا للاغتناء السريع، إنما هو لحفظ القيمة التي اكتسبتها من قبل. البيتكوين أصل محمول، ولكنه على خلاف السندات المحمولة، ليس فيه تدفق دخل.

ابتكار البيتكوين هو أنّه نوع متفوّق من المال، ولكنه خالٍ من الوعود المستقبلية سوى أن يكون في حوزة صاحب أداة الحمل الرقمية. المنفعة الوحيدة للبيتكوين هي إمساكه بوصفه عملة والتعامل به في المستقبل، سواء بصرفه بالعملات القديمة، أو بشراء السلع والخدمات وبيعها به. البيتكوين نافع بكونه نوعًا من المال، وسيحافظ على قيمته ما دام الناس يطلبونه في المستقبل. ولكن هذا يصدق على أي نوع من المال (ليس البيتكوين وحده). المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد، السلع المالية لها خصائص تجعلها أقدَر أو أعجَز عن تسهيل المقايضة. ولكن الخصائص المالية ليست مطلقة، القوة النسبية للخصائص المالية هي القاعدة الأساسية للطلب. عندما يقوّم السوق البيتكوين، يقوّمه بالنسبة إلى بقية الوسائط المالية (الدولار، اليورو، الين، الذهب، إلخ).

إن معروض البيتكوين، وقيده الصارم، هو المنفعة الأساسية للبيتكوين وأساس طلبه، وهو الذي ينفي عنه صفة المخطط الهرمي. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين. هذه هي النقطة المحورية في لعبة البيتكوين. الكل يعرفها، والكل يذكرها. بل والكل يستطيع التحقق منها في أي لحظة من الزمان. لتعرف كيف ولمَ للبيتكوين معروض ثابت صدقًا، انظر «البيتكوين لا البلوكتشين» و«البيتكوين له غطاء». أمّا الآن، فلنتكلّم على افتراض أن معروض البيتكوين محدّد بواحد وعشرين مليونًا. بالمقابل، لا يعرف أحد معروض الدولارات. يقدّر الاحتياطي الفدرالي المعروض الحالي من الدولارات، ولكن أحدًا لا يعرف مقدار الدولارات التي ستوجد في المستقبل. لا قيد على معروض الدولار إلا الاحتياطي الفدرالي، وكلنا نعلم علم اليقين أن عدد الدولارات سيزداد في المستقبل، وأن هذا الخط ينتهي إلى اللانهاية. في النهاية، طلب البيتكوين الأساسي راجعٌ إلى أن سياسته المالية أ) مهندَسة خيرَ هندسة وب) مفروضة فرضًا مصدَّقًا. بمقارنة البيتكوين مع منافسه، لا شك أنه وسيط مالي متفوّق تفوّقًا ضخمًا.

العرض أ –  معروض الدولار التاريخي
العرض ب – جدول معروض البيتكوين

تتغيّر القاعدة المالية لأنظمة العملات الحكومية تغيّرًا لا يمكن توقّعه، أما القاعدة المالية في البيتكوين فمحكومة بجدول معرَّف تعريفًا واضحًا. فكّر في القاعدة المالية على أنها أساس النظام الاقتصادي العالمي. إن التغيرات غير المتوقعة في معروض الدولارات ليست مجرد تغيير للمرمى. بل الأمر أشبه ببناء ملعب على مرتبة مائية من طراز الثمانينيات، ثم تحريك المرمى فيه. كل اللعب تفسد، لا المرامي فقط. أما البيتكوين، فهو حجر أساس بمعروضه الثابت، ويتقوّى هذا الأساس مع الوقت. إن مصداقية جدول المعروض تُفرَض مرّة جديدة مع كل كتلة جديدة. فإذا ظهر أن جدول معروض البيتكوين مفروض فرضًا مصدَّقًا، اعتمد مزيد من الناس البيتكوين نوعًا من المال، وزاد الذين قد اعتمدوه من قبل استعمالهم له مخزنًا للقيمة. معروض ثابت + اعتماد متزايد = قيمة متزايدة. مع تزايد البيتكوين والقيمة، تزداد لامركزية البيتكوين. ومع تزايد اللامركزية مع الوقت، يصعب التغيير، وهو ما يزيد مصداقية الأساس: المعروض الثابت.

أنت المحتال

في المخطط الهرمي، البيّاعون هم المحتالون. يبيع هؤلاء الناس الوعدَ بالمكاسب المالية المستقبلية، بتكتيكات مبيعات عالية الضغط، وبتوظيف أعضاء جدد في المخطط، لأن هذه هي آلية الأجر الأولية. في البيتكوين، المشترون هم المحتالون، كما بيّن مايكل غولدستين في مقالته الخالدة «الجميع محتالون». فإذا كنت مشتريًا، فأنت محتال. في معظم الحالات اليوم، عندما يشتري أحد البيتكوين، فهو يدفع شكلًا من المال محفوظًا بالاحتياطي الجزئي (مع الوعد بالبخس المستقبلي) ليحصل على أصل محمول له عرض ثابت وسياسة مالية متفوّقة جدًّا. أما البيّع الثاني، وهو الذي يأخذ الدولارات، فخاسر مغبون. ليس قصدي أن كل من يبيع البيتكوين يبيعه من دون سبب مقنع. فهو مال في النهاية، ومنفعته هي التجارة، بالتعريف، للمشتركين في السوق طيف واسع من الحاجات الدافعة إلى التسييل، والقيمة الحقيقية تنتقل في كل مرة تنتقل فيها بيتكوين، سواء مقابل دولارات أو مقابل خدمات وسلع. ولكن، بالمتوسط على المدى البعيد، الأمر تفاوت في المعلومات بآثاره الكاملة. إن السياسة المالية للبيتكوين مهندَسة أفضل هندسة، ومفروضة فرضًا متينًا، ولكن القليل يفهمها، لذا فهي أوسع تفاوت في المعلومات في عالمنا اليوم.

المبادئ المالية الأولى

إن الوسيط المالي ذا أقل معدّل تغيير هو الأقدر على توصيل الإشارات الاقتصادية، والمعروض الثابت (الذي يجعل معدل التغيير صفرًا) هو أمثل سياسة مالية في التاريخ. تخالف الثقافة السائدة، وهي المدرَّسة في الأكاديميات الحديثة المشهورة، هذا الرأي، ولكن العملة ذات المعروض الثابت متفوّقة على عملة تزيد معروضها مع الوقت (بمعدّلات لا يمكن التنبؤ بها). في أي اقتصاد، يحدد عرض السلع والخدمات وطلبها بالنسبة إلى عرض المال وطلبه، أسعار الأشياء. السعر هو الذي ينظّم النشاط الاقتصادي في النهاية، والمال هو أساس آلية التسعير في أي اقتصاد. العملة ذات المعروض الثابت تزيل الضجيج الذي تأتي به التغييرات على معروض المال في نظام التسعير، فتخلق إشارات سوقية أوثَق. إن نوع المال ذا أقل معدل تغيير يعكس التغيرات في العرض والطلب لكل السلع الأخرى، لأن السلعة المالية تسهّل متاجرة السلع المستخدمة للاستهلاك أو الإنتاج. جوهريًّا، يستخدم المال لتوصيل القيمة النسبية للشيء أمام بقية السلع والخدمات، والتغييرات في معروض المال تفسد نقل المعلومات هذه لأنها تُدخل متغيّرًا خارجيًّا إلى المعادلة.

على سبيل المثال، الآيفون يساوي ألف دولار تقريبًا، أما برميل النفط فيساوي خمسين دولارًا تقريبًا. المعلومات التي ينقلها إلينا الوسيط المالي هنا هي أن الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط. يعبّر المال عن ثمن الفرصة أيضًا (التنازلات الاقتصادية) بنظام التسعير فيه، وكلما كان مقدار المال أثبت (أي كلما قل معدل التغيير)، أصبح تعبيره عن المعلومات والتنازلات الاقتصادية أوثَق. إذا ازداد معروض المال 10%، وتغيّرت الأسعار وفق ذلك، يصبح الآيفون مساويًا 1,100 دولار، وبرميل النفط يساوي 55 دولارًا. ما زال الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط، وهذه هي المعلومات المهمة التي يعتمد عليها المشتركون في السوق. في العالم الحقيقي، المشكلة هي أن الأسعار لا تتغيّر تغيّرًا متساويًا عند تغيّر معروض المال. بل، تتشوّش إشارات التسعير. في عالم فيه معروض مالي ثابت، التغيرات في السعر تعكس التغيرات في العرض والطلب في أسوق الخدمات والسلع عرضًا أدقّ، ولا تعكس الأثر غير المتساوي لتغيير معروض المال. تنشئ التغيرات في معروض المال ضجيجًا خارجيًّا على النشاط الاقتصادي الذي تقوم عليه. ينظّم الثمن التنازلات الاقتصادية، وموثوقية نظام التسعير قائمة على استقرار نوع المال المستخدم لتوصيل المعلومات.

بهذا الأمر تتمايز السلع المالية (على الأقل الناشئة في السوق الحرة)، ولذلك نقول إن المال أداة تواصل فعّالة. إن بنية السوق المالي مختلف عن كل السلع الأخرى. السلع الاستهلاكية تستهلَك، والسلع الإنتاجية في النهاية تستهلَك في إنتاج مزيد من السلع الاستهلاكية. أما منفعة المال فهي المتاجرة، وهو يستخدم لتنظيم التجارة بسلع الإنتاج والاستهلاك، ولا يستهلَك في نفسه. لأن منفعة المال هي المتاجرة، فالندرة أهم من المقدار الاسمي للمال في الاقتصاد. إذا زاد طلب المال وازداد سعره، لا يستجيب المعروض بسبب قيوده الطبيعية. لا يصدق هذا الأمر على أي سلعة أو خدمة أخرى. إن قيد معروض المال هو الذي يجعله قادرًا على توصيل القيَم النسبية بين السلع والخدمات. يمكن أن تستبدَل سلع الاستهلاك بسلع الإنتاج والعكس، أما المال فيسهّل كل المتاجرة بين كل السلع. قد تتذبذت قيمة المال أمام السلع والخدمات ولكن الندرة النسبية للمعروض المالي تتيح للثمن أن يوصَّل بلغة المال نفسه.

قبل البيتكوين، لم يكن لدينا نوع من المال نادر ندرة مطلقة. البيتكوين له معروض ثابت، سقفه واحد وعشرون مليونًا. الندرة المطلقة تنشئ ثابتًا لم يكن موجودًا من قبل. تخيّل معروض سلعة ما ثابتًا تمامًا، ومعروض كل السلع الأخرى متقلّبًا. يتغير الطلب على كل السلع، ويبقى ثابت واحد: معروض البيتكوين. في هذا العالم، كل شيء سيقاس بهذا الثابت. إن القوة الشرائية للمال تعبّر عن معلومات أكمَل بآلية تسعيرها منها إذا كان المعروض متغيّرًا. بإنشاء هذا الثابت، يمكن قياس كل شيء آخر به. والمعلومات المرغوبة ليست القيمة المطلقة لأي سلعة. القيمة في أصلها ذاتيّة. لكن المعلومات المهمة التي تعبّر عنها آلية التسعير هي القيمة النسبية (او الثمن النسبي) لكثير من السلع بعضها أمام بعض. تتغيّر مستويات الأسعار دائمًا بسبب تغيّر العرض والطلب الدائم، ولكن استقرار آلية التسعير نفسها تتيح تنسيقًا اقتصاديًّا بالتعبير عن ثمن الفرصة (كيف نعرف، أو نتعلّم، أن البيتكوين يساوي 20 ضعفًا من برميل النفط).

إفساد نظام التسعير

في نظامنا الحالي، يتغيّر معروض المال من دون سابق معرفة، ويزداد مع الوقت. هذا الأمر أساسي في نظام المصرفية المركزية المالي، وهو ناتج من النظرية الاقتصادية التي تقول إن الإدارة الفاعلة لمعروض المال تحفّز الطلب الجماعي ومن ثم تزيد العمالة. ولكن الذي تفعله هذه الإدارة فعليًّا هو التلاعب بمعدلات الفائدة نزولًا بزيادة معروض المال. تخفيض معدلات الفائدة يزيد الرغبة والدافع إلى الاستدانة، ولكن، مع تسوية كل العوامل الأخرى، تخفيض معدلات الفائدة يقلل الرغبة بالإقراض. فعليًّا، بتضخيم معروض المال، يتلاعب المصرف المركزي ظاهريًّا بمسألة الائتمان، وينشئ تفاوتًا بين دافع الاستدانة ودافع الإقراض. العاقبة المتفشّية هي إفساد آلية التسعير التي تنظم النشاط الاقتصادي. بالتلاعب بمعروض المال ومعروض الائتمان، تفسد المصارف المركزية كل الأسعار في السوق. تنتشر الإشارات الفاسدة (والمعلومات الخاطئة) بين كل المشتركين في السوق.

تفسد كل بنية العرض والطلب في السوق لأن ملايين من الناس يستجيبون لإشارات السعر المغيَّرة، ويتغيّر توضّع الموارد في الاقتصاد بناءً على هذه الإشارات. عندما يزداد معروض المال، يدخل النظام مزيد من المال (والائتمان) من قنوات كثيرة وفي أوقات لا نعلمها. لا يعرف معظم المشتركين في السوق كمية التغيير ومعدّله. بل يستجيب هؤلاء إلى إشارات الأسعار، وهكذا تنتشر المعلومات. قد يكون السعر ثمن سلعة في البقالية أو أجرًا صاحب العمل مستعد لدفعه لوظيفة معينة. ينشئ التغيير في معروض المال إفسادًا للأسعار لا يستطيع معه المشتركون في السوق فهم التغيير في السعر أهو آتٍ من بنى العرض والطلب أو هو آتٍ من إدخال مزيد من المال في النظام. ومهما يكن من أمر، يستجيب الجميع لهذه الإشارات المفسَدة.

وهاك مثالًا أقرب إلى الواقع: اشترى الفدرالي 1.7 تريليون دولار من السندات المغطّاة بالرهون (وهي نحو 17% من كل الرهون) بعد الأزمة المالية، وكان هذا جزءًا من برنامج التيسير الكمي، الذي في النهاية زاد معروض القاعدة المالية 3.6 تريليون دولار. يتذكر معظم الناس أنه قد كان قبل الأزمة المالية فقاعة إسكان. بشراء الرهون مباشرة وتضخيم المعروض المالي، تلاعب الفدرالي بمعدلات الفائدة وخفضها. يعتمد الإسكان اعتمادًا كبيرًا على معروض الائتمان وعلى ثمن الفائدة. بتخفيض معدلات الفائدة وزيادة المال المتاح للإقراض، ازدادت أسعار البيوت بالتلاعب. نتيجة ذلك، وصلت إشارات الأسعار الفاسدة للمشترين والباعة. يستجيب البنّاؤون لهذا ببناء مزيد من البيوت (زيادة المعروض)،أما المشترون فيعتقدون أنهم قادرون على اقتراض كميات أكبر بمعدلات الفائدة المنخفضة لشراء منازل. يكرَّس مزيد من الموارد في الاقتصاد لمسألة الإسكان بسبب مستويات السعر العالية. ولكن كل زيادة في الطلب لا يمكن أن تبقى إلا إذا بقي ثمن الائتمان يخفَّض مرّة بعد أخرى نتيجةً للمعروض المالي المتزايد.

على الرغم من معرفة الجميع بفقاعة الإسكان عام 2007، التي لم يكن ممكنًا بقاؤها، فإن مؤشر أسعار المنازل اليوم أعلى 15% ممّا كان في تلك الأيام. هذا هو العرض الكامل للتلاعب بمستويات الأسعار، وهو يحدث لأنه نتيجة مقصودة من سياسة المصرف المركزي المالية. يزيد الفدرالية المعروض المالي، ويخفض معدلات الفائدة، ويضخّم أسعار الأصول فيصبح مقدار الدين في نظام الائتمان ممكن الاستدامة. إن توسيع الائتمان هو هدف الفدرالي من تحفيز النمو، والائتمان الصافي الجديد لا يمكن إنشاؤه إلا إذا كان معدلات الدين الموجودة مقبولة، لذلك يجب على الفدرالي تضخيم أسعار الأصول لتحقيق أهدافه. تدعم أسعار الأصول مستويات الدين الموجودة. عندما يكتشف الجميع أن إشارات الأسعار لا يمكن الاعتماد عليها ولا استدامتها، تحدث صدمة في السوق. هذا ما حدث عام 2007، والراجح أن يحدث مرة أخرى لأن إشارات السوق ستشوَّش مرّة أخرى. ولكن المخطط ليس شرّيرًا، والفدرالي ليس فاعلًا شرّيرًا عن قصد. يريد الفدرالي في النهاية زيادة «العمالة الكاملة» بسياساته، ولكن ما يفعله حقًّا هو التلاعب بإشارات السعر النسبية، وهو ما ينشئ تفاوتًا في بنى العرض والطلب التي يقوم عليها الاقتصاد، فتصبح البطالة مفاجئة ومزمنة.

تكلّم حايك عن هذه المسألة في خطابه الذي خطبه عند فوزه بجائزة نوبل عام 1974 «ادّعاء المعرفة». بسبب هذه الأسعار المتلاعب بها، يكرَّس لقطّاع من الاقتصاد موارد كان يمكن الحفاظ عليها طبيعيًّا، عندما يغيّر المصرف المركزي طريقة سياسته المالية، تستجيب الأسعار ويُصلَح السوق. لأن مستويات الأسعار يتلاعب بها دائمًا، تصبح صدمة المعروض أمرًا لا بد منه ويكتشف كل الناس وجود التفاوتات. في حالة مثال الإسكان، يفوق العرض (بالسلع والعمل) الطلب المستدام بهذه الأسعار الحالية. بعبارة أعمّ، التفاوتات في كل مكان. يتّضح يومًا بعد يوم أن العرض والطلب ليسا متّزنين فتزداد البطالة سريعًا. لا يستطيع السوق أن يصل إلى حالة توازن لأن كل الأسواق بقيت في حالة تلاعب فترة ممتدّة من الزمان.

هذا ما حدث في الأزمة المالية وعقبها. كان السوق يغلي بعد أن تلاعب الفدرالي بمعروض المال والائتمان عقودًا من الزمن. كما بيّن العجز الكبير، يُلقى ذنب الأزمة المالية عادة على أزمة الرهون العراقية، لا على الغوريلا الضخمة في الغرفة، وهي السياسة المالية للمصرف المركزي التي قلما نوقشت. بعد الأزمة، استجاب الفدرالي بانتهاج السياسة نفسها التي كان ينتهجها في العقود السابقة، ولكن على مستويات أعظم، فزاد معروض المال زيادة عظيمة، وزاد إفساد إشارات السعر. عندما يتلاعب بمعروض المال، لا تستجيب كل الأسعار بالمعدل نفسه. يدخل المال السوق من قنوات كثيرة ويؤثر توسيع الائتمان على قطاع من السوق أكثر من بقية القطاعات. كل الأسعار يتلاعَب بها، ولكن ليس التلاعب متساويًا. الأمر في جوهره إفساد للأسعار النسبية، يفسد آلية العرض والطلب في السوق. السعر يعبّر عن معلومات. إنه الطريقة التي يعبّر بها المشتركون في السوق عن تقويمهم النسبي للأشياء. وهو الطريقة التي يستجيب بها كل المشتركين في السوق لهذه التفضيلات على جهة العرض: ما المهارات التي يتدرّب الناس عليها، ما الأعمال التي يختارونها، ما فرص العمل التي يلاحقونها؟ قد لا يكون الفدرالي قاصدًا للشر بتغيير المعروض المالي، ولكن في النهاية، النتيجة التي لا بد منها هي إفساد آلية التسعير في الاقتصاد.

القدرة على توقّع المعروض المالي

البيتكوين حصان أبيض. أو على الأقل، في إمكانه أن يكون حصانًا أبيض. بإنشاء معروض ثابت، في إمكان البيتكوين أن يصبح أعظم آلية تسعير عرفها العالم في تاريخه. عندما يبلغ البيتكوين سقفه، وهو 21 مليون عملة، ستنتهي التغييرات على المعروض المالي وتُزال تمامًا من معادلة إشارات السعر. ينبغي أن يكون هذا بديهيًّا: إن إنشاء مزيد من المال لا يزيد النشاط الاقتصادي الحقيقي. لا يهم أكان التغيير في المعروض صغيرًا أم كان كبيرًا وغير متوقَّع. طباعة المال لا تزيد النشاط الاقتصادي، كل ما تفعله هو إفساد العرض والطلب. منفعة المال هي المتاجرة. سواء أكانت متاجرة في الحاضر أو في المستقبل. المال لا يستهلك، بل يستخدم لتنسيق النشاط الاقتصادي الذي يتيح تجميع رؤوس الأموال. سواء أكان رأس مال فيزيائيًّا ضروريًّا لإنتاج السلع، أو رأس مال إنسانيًّا يطوّر الفنون والعلوم والرياضيات وغيرها. إن رأس المال هو مدّخر المجتمع الحق وهو أساس عمل الاقتصاد.

يفكّر معظم الناس في التوفير من الناحية المالية لأن المال وحدة حساب، ولكن التوفير الحقيقي هو رأس المال المتراكم الذي يغني حياة الأفراد والأسر والمجتمعات. في عالم فيه معروض مالي ثابت، ستصبح المدّخرات المالية ثابتة. سينتقل المال من فرد إلى فرد، ومن أسرة إلى أسرة، ومن عمل إلى عمل. لكن، بالإجمال، لن يزداد المعروض المالي ولن ينقص. سيتنظّم النشاط الاقتصادي بفضل المال وستكون آلية تسعيره دقيقة. ستصل التفضيلات الجماعية لكل الأسواق من دون الإفساد الذي يحدث نتيجة تغيير المعروض المالي. ستُصلَح التفاوتات بين العرض والطلب طبيعيًّا ولن تدوم فترات متطاولة من الزمان، ونتيجة لذلك ستكون التفاوتات أصغر ولن تكون جزءًا من نظام الاقتصاد الكلي. لا يعني هذا أن الأسعار ستكون دائمًا تامّة أو أن المتغيّرات الأخرى كالصرف الحكومي أو الضرائب لن تفسد النشاط الاقتصادي. ولكن المعروض الثابت سينهي الآلية الأساسية التي تفسد إشارات التسعير وبنى السوق.

معروض البيتكوين الثابت هو أساس نظام تسعير أوثَق، ولكن هذا المعروض يصدر بمعدّل معلوم. في المستقبل، عندما يبلغ معروض البيتكوين سقفه، سيكون معدّل التغيّر صفرًا. ولكن، إلى ذلك الوقت، سيتبع البيتكوين جدول معروض ثابت ومعلوم، وهو أمر مستقل وله نفس الأهمية في معادلة التسعير. يصدر البيتكوين بعملية التعدين التي تساعد على حماية الشبكة، وتتعدّل الشبكة لتضمن أن إصدار العملات الجديدة يكون كل 10 دقائق. إذ أُضيفت موارد تعدين جديدة إلى الشبكة، ستتعدّل لتمنع إصدار البيتكوين بمعدّل أسرع. وإذا ازداد التعدين ارتفعت مستويات أمان الشبكة، من دون أن يرتفع معدل الإصدار أو المقدار الكلي للبيتكوين. يتيح هذا للنظام الاقتصادي كله أن يخطط للمستقبل. ويتيح للمعدّنين أن يبنوا بنية تحتية أمانية لتوقع الأجور المستقبلية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لكل المشتركين في السوق أن يعرفوا معدل تغير العملة في أي نقطة من الزمان.

تضمن الشبكة أن البيتكوين يصدر صدورًا مستقرًّا مع الزمن، ونتيجة ذلك يكون صدورًا متوزّعًا أيضًا، ولا تتيح تسريع الإصدار على أساس غير متوقع. والأهم أن ذلك يزيد مصداقية بنية الإصدار الكلية. كل عشرة دقائق (بالمتوسط)، يصدر عدد من البيتكوينات الجديدة. تقريبًا، كل عشر سنوات ينقسم هذا العدد إلى نصفه حتى لا يبقى مزيد من البيتكوينات الجديدة. على الطريق إلى الواحد والعشرين مليونًا، يبني فرض المعروض الثابت كل 10 دقائق مصداقية الوضع المستقبلي للمعروض مع الوقت. سيفهم كل المشتركين في السوق أن المعروض الثابت سيفرض لا بسبب نقطة سحرية في الزمان يتوقف عندها الإصدار، بل لأن الشبكة تفرض سياستها المالية كل 10 دقائق. بإنشاء جدول معروض يمكن التنبؤ به، يتناقص معدل التغيير تناقصًا معلومًا، ويستطيع كل المشتركين في السوق أن يروا أن النظام يعمل كما أُريد له أن يعمل.

السياسة المالية بالإجماع أم المصرف المركزي؟

إن العملية التي تفرض مصداقية النظام المالي للبيتكوين تحدث على التوازي مع اختلال الأنظمة المالية القديمة. تزيد المصارف المركزية في كل البلدان المعروض المالي في اقتصاداتها بمعدلات غير معلومة. كما ناقشنا من قبل، زاد الاحتياطي الفدرالي المعروض المالي بمقدار 3.6 تريليون دولار بعد الأزمة المالية، من 2008 إلى 2014. ومع أن الفدرالي أعلن خططه قبل تنفيذها، ولكن أحدًا لم يعلم المقدار الإجمالي للتيسير الكمي. كان الجميع يتوقّع توقّعًا. حتى الفدرالي لم يكن يعرف. وبعد زيادة المعروض الملية أضعافًا مضاعفة، بدأ الفدرالي بإزالة 50 تريليون دولار من الاقتصاد كل شهر، إذ بدأت هذه العملية في أكتوبر عام 2017. مرّة أخرى، لم يعلم أحد كم سيُزال من النظام بالإجمال، أو كم ستدوم العملية. بالإجمالي، أُزيل من الاقتصاد 700 مليار دولار على مرّ سنتين تقريبًا. والآن، في أكتوبر 2019، غيّر الفدرالي مرة أخرى مساره، وبدأ إضافة مزيد من الأموال إلى النظام. حديثًا، أعلن الفدرالي عن خطط لإضافة 60 مليار دولار كل شهر إلى النظام المالي (سيحدث هذا 6 أشهر إلى الأمام). ولكن مرة أخرى، لا يعرف أحد حقًّا كم سيدوم هذا أو إذا كانت المقادير ستتغير. واقعيًّا، حتى الفدرالي لا يعلم لأن هذا العلم مستحيل.

كلنا نعلم عمليًّا أنه من هنا سيزداد المعروض المالي (زيادة كبيرة). ولكن، اعلم أن معظم المشتركين في السوق لا فكرة عندهم أن هذا حدث أو يحدث. كل ما يعرفه المشتركون في السوق هو الذي يصل لهم بالأسعار وفرص العمل. الذين يفهمون تصرّفات الفدرالي قد يكونون في مكان أفضل لأنهم قادرون على توقع نتائج توجهاته، ولكن الأنظمة الاقتصادية معقدة. كلّنا نستجيب إلى آليات التسعير حولنا، وليس أحد منّا قريبًا من المعرفة الكاملة، هذا هو ادّعاء المعرفة. إن المعرفة الجمعية لملايين البشر مضمّنة في السعر الذي هو تابع لتفضيلات الأفراد الذين يشكّلون الاقتصاد، تفضيلاتهم التي لا تزال في تغيّر.

الأفراد محدودون جوهريًّا بالمعارف التي يملكونها. وهذا لا شكّ يصدُق على المصارف المركزية. في نموذج المصرفية المركزية المالي، يحدد اثنا عشر فردًا (أو قريبًا من هذا الرقم) كيف ومتى تُنشأ مليارات، إن لم يكن تريليونات، من الدولارات، مع أن معارفهم محدودة في جوهرها. مهما كان هؤلاء ذوي نية حسنة، ومهما كانت معارفهم عظيمة، النتيجة الصافية هي إفساد الآلية الأساسية التي تجمع معرفة السوق كله (آلية التسعير). كل من يعتمد على الدولار وحدةً للحساب وآليّة للتعبير عن التنازلات الاقتصادية، يتغيّر أساس اعتماده على نحو غير متوقّع، وغير معلوم لمعظم الذين في السوق. إشارات التسعير المفسَدة تصل تدريجيًّا إلى الأفراد عبر ملايين الأسواق فتؤثر في قرارات مئات الملايين، والآلية المركزية التي تحدد السياسة المالية هي سبب هذا الإفساد.

وحتى إذا اعتقد المرء أن الإدارة الفاعلة للمعروض المالي لها فائدة صافية، فالبيتكوين موجود اليوم إلى جانب النظام الاقتصادي القديم: النظام اللامركزي أمام النظام المركزي. السياسة المالية بالإجماع أمام سياسة المصرف المركزي. فأمّا المعروض المالي في النظام القديم فيتغيّر تغيّرات لا يمكن توقعها، وأما شبكة البيتكوين فتعمل محكَمَة بمعروض معلوم وتغيّر معلوم. لم يعد الأمر نقاشًا فلسفيًّا أو اقتصاديًّا، النظامان المتنافسان الآن قائمان، وسيقول السوق بينهما الكلمة الفصل. قد يكون البيتكوين معقّدًا ومفهوم الملا نفسه صعب الفهم، ولكن العيوب في النظام الحالي مستقلة عن البيتكوين. السبعة عشر تريليونًا من الدين الرابح ربحًا سلبيًّا ستكون دليلًا كافيًا على أنها نتيجة من السياسة المالية للمصرف المركزي. في النهاية، العملات التي يقوم عليها النظام القائم ستكون صمام التنفيس لأن المصارف المركزية ستجبَر على زيادة المعروض المالي لتحافظ على نظام الائتمان الذي لا سبيل إلى إنقاذه إلا هذا.

مع تحكّم المصارف المركزية بالنظام القديم، لا يستطيع المرء الركون إلى شيءٍ إلا أن المعروض المالي سيتغيّر تغيّرًا لا يمكن توقعه. في البيتكوين، يستطيع كل إنسان التحقق من المعروض ومعدّل التغيّر. بإعمال عقدة بيتكوين كاملة، يستطيع أي أحد التحقق من عدد البيتكوينات الصالحة في السوق ومقدار البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة. يستطيع أي أحد وكل أحد أن يتحقق من المعلومات من دون أن يثق بأحد. هكذا يعمل البيتكوين. كل عقدة تتحقق من المعلومات وتحققها باستقلال. سياسة البيتكوين المالية مفروضة على أساس لامركزي، تفرضها كل العقد في الشبكة. يستطيع كل صاحب عقدة أن يحسب متى ستحل الكتل المستقبلية ومتى سيتغير معدّل الإصدار. إن إمكان التحقق والتحقيق للمعروض المالي، مهما كان المقدار الاسمي، يعزز مصداقية النظام المالي. يحدث هذا التعزيز كل 10 دقائق، 6 مرات في الساعة، 144 مرة في اليوم، 1,320 مرة في الشهر، 52,560 مرة في العام، مع كل كتلة جديدة في البيتكوين. يتعزز النظام المالي لأن المشتركين في السوق يتحققون من تطبيق السياسة المالية مرة بعد أخرى، كل عشر دقائق.

المعروض ومعدّل الإصدار، والذي يمكن التأكد من صحته على حاسوب قديم (المعروض: 17,988,755، مكافأة الكتلة = 12.5 بيتكوين، أو 1,250,000,000 ساتوشي)

ليس للمعروض الثابت كبير معنًى من دون مصداقية فرضه. يستطيع أي أحد نسخ بناء البيتكوين وكوده. ولكن الذي لا يمكن نسخه هو صدقية خصائصه المالية. إن آلية الإجماع التي تحكم البيتكوين هي أساس هذه الصدقية وهي التي تميّز البيتكوين عن المنافسة. حتى إذا بقي الإنسان غير مقتنعًا أن عملة لها معروض ثابت تعبّر عن المعلومات تعبيرًا أفضل بآلية تسعيرها، فإن قناعة أي فرد غير مهمة. البيتكوين يأتمن سياسته المالية عند آلية إجماع. نعم، المعروض الكلي للبيتكوين مسقوف بواحد وعشرين مليونًا، ولكنه في النهاية محكوم بإجماع الذين يمسكون بالبيتكوين.

إذا قرر السوق، الذي لا ريب في أن عنده من العلم ما ليس عند أي فرد، مجتمعًا، أن الأفضل تغيير جدول المعروض، وإزالة المعروض الثابت، فالأمر ممكن نظريًّا. ولكن السوق يجب أن يصل إلى إجماع ساحق ليفرض هذا التغيير، وعمليًّا، لن تستطيع شبكة لامركزية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين الوصول إلى إجمال ساحق لبخس العملة التي تستعملها. معروض البيتكوين مرن بما يكفي ليتغيّر، ولكن هذا ممتنع من دون إجماع السوق. البيتكوين في النهاية يظهر الفرق بين السياسة المالية بالإجماع والسياسة المالية بحكم المصرف المركزي. المعرفة المحتواة في إجماع السوق، لا ريب أنها متفوقة على معرفة عدد صغير من الأفراد، لذلك يتفوق البيتكوين على النظام القديم في كل خطوة.

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

فلا، البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين لا تديره شركة مريبة، ولا يستعمل أساليب مبيعات عالية الضغط. ولا يبيع البيتكوين سلعة سيئة لها معروض كبير، ولا يأجر الناس لتوظيفهم أعضاء جددًا في النظام. البيتكوين مال، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. لا يهم كم من الناس يعتمد البيتكوين، فعندما يزيد الاعتماد، تتوزع الكعكة نفسها على مزيد ومزيد من الناس، وبالمتوسط، سيملك الناس حصّة أصغر وأصغر من الشبكة. تزداد قيمة البيتكوين تبعًا للاعتماد، والاعتماد يزيد لأن الخصائص المالية للبيتكوين متفوقة على كل المنافسين. للبيتكوين معروض ثابت، وجدول معروضه معلوم، وسياسته المالية محكومة ومفروضة بالإجماع. آلية تسعير البيتكوين لا تلاعب فيها، ولا يمكن إفسادها لأن المعروض ثابت. كل شيء يتغير حول البيتكوين، إلا معروضه الثابت، فلا يتغير. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سيصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة.

هذا هو وعد البيتكوين، ولن ينتشر إلا إذا كان نافعًا للذين يستخدمونه. اليوم، وفي المستقبل، ستسمر هذه المنفعة التي هي القدرة على حفظ الثروة في وسيط مالي لا يمكن بخسه. عندما يدّعي الناس أن البيتكوين قد يكون «أكبر من الإنترنت»، فالتطبيق ليس خطّيًّا، بل هو عائد إلى أن نوع المال السيادي الذي لا يمكن التلاعب به، قادر على أن يكون واحدًا من أعظم أدوات الحرية التي اختُرعت في التاريخ. إن نجاح البيتكوين ليس معطًى، ولكنه إذا نجح في الوفاء بوعده، فسيساعد في تنسيق أفعَل وأسلَم بين الناس حول العالم. في النهاية، البيتكوين أداة تواصل. هذه هي وظيفة المال. يقدّم البيتكوين ببساطة نظامًا بديلًا، يعمل على أساس لامركزي لا يحكمه أحد. امتناع الحكم هذا، وامتناع التوجيه الواعي، هو الذي يتيح للبيتكوين أن يجمع المعرفة ويعبّر عنها بطريقة أفضَل من أي وسيط مالي سابق. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، ومع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

«كثير من الأشياء العظيمة التي حققها الإنسان، لم يكن نتيجة فكر موجه، ولا نتيجة جهود منسّقة مدروسة لمجموعة أفراد، بل نتيجة لعب الفرد لدورٍ لن يستطيع الإحاطة بفهمه أبدًا. هذه الأشياء أعظم من أي فرد لأنها تنتج من مزيج من المعرفة أوسع من أن يملكه أي فرد».

حايك، الثورة المضادة للعلم

Tagged : / / / / / /

البيتكوين له غطاء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2019

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين مدعوم بشيء. إنه مدعوم بما يدعم أي نوع من المال: مصداقية خصائصه المالية. المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. على مرّ التاريخ، برزت عدة وسائل لتأخذ صفة المال، وفي كل مرة، لم يكن هذا الأمر بمحض مصادفة. السلَع التي تصبح أموالًا لها خصائص فريدة تميزها عن بقية سلع السوق. يقدّم معيار البيتكوين شرحًا أكمَل للقضية، ولكن السلع المالية لها خصائص تجعلها مفيدة من حيث هي وسيط مقايضة، من هذه الخصائص: الندرة، والمتانة، وقبول الانقسام والاستبدال والحمل، وأشياء أخرى. مع كل مال ناشئ جديد، تتطور خصائص وسيطٍ مالي، وتُبطل الخصائص المالية التي كانت في الأموال السابقة، وفي كل مرة تتموّل فيها سلعة، يبطل تموّل سلعة أخرى. والذي يحدث أن نقاط القوة النسبية للوسيط المالي الجديد تغلب نقاط قوة الوسيط القديم، وليس البيتكوين مختلفًا عن ذلك. يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية التي قامت على الخصائص المالية للذهب.

يتفوق البيتكوين على أسلافه التماثلية من حيث الخصائص المالية. البيتكوين نادرٌ ندرة مطلقة، وهو أسهَل انقسامًا وأسهل نقلًا من منافسيه القائمين اليوم. وهو بعد ذلك أكثر لا مركزية، لذلك أمنَع على الرقابة والفساد. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وكل واحدة منها تنقسم إلى 8 فواصل عشرية (جزء من مئة مليون جزءًا). يمكن نقل القيمة بالبيتكوين إلى أي أحد في أي مكان في العالم من دون ترخيص من أحد، ولا تعتمد التسوية النهائية على أي طرف ثالث. بالإجمال، خصائص البيتكوين المالية متفوقة تفوّقًا هائلًا على أي نوع من المال يستعمل اليوم. وهذه الخصائص ليست موجودة بالصدفة، ولا هي موجودة عن فراغ. إن الخصائص المالية الناشئة في البيتكوين محمية ومفروضة بمزيج من التعمية، وشبكة من العقد اللامركزية تفرض مجموعة مشتركة من قوانين الإجماع، وشبكة تعدين متينة تضمن سلامة دفتر حوالات البيتكوين ومناعته على التغيير. العملة نفسها هي حجر الأساس الذي يربط أجزاء النظام، فيخلق دوافع اقتصادية تسمح لأجزاء نظام الأمن أن تعمل معًا. ولكن مع هذا، ليست خصائص البيتكوين المالية مطلقة، بل هي مقوّمة بالسوق بالنسبة إلى الخصائص الموجودة في الأنظمة المالية الأخرى.

كوين بيس برو: معدّل سعر البيتكوين بالدولار على مدى الأشهر الست الماضية (بيانات 27 سبتمبر 2019). 

اعلَم أنه في كل مرة يُباع دولار ببيتكوين، يبقى العدد نفسه من الدولارات والبيتكوينات في العالم. كل الذي يتغير هو التفضيل النسبي لحمل عملة من العملتين مقابل الأخرى. إن تزايد قيمة البيتكوين دليل على أن المشتركين في السوق يفضلون حمل البيتكوين على حمل الدولارات. وإن تزايد سعر البيتكوين (بالدولار) يعني أن مزيدًا من الدولارات لازم لشراء الكمية نفسها من البيتكوين. بالإجمال، إنه تقدير السوق للقوة النسبية للخصائص المالية. السعر ناتج. الخصائص المالية هي الأساس. مع تقدير الأفراد للخصائص المالية للبيتكوين، يصبح السؤال الطبيعي: أي العملتين له خصائص مالية أصدَق؟ البيتكوين أو الدولار؟ طيّب، ما الذي يدعم الدولار (أو اليورو أو الين أو غيرهما) في الأصل؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يجد الباحث دومًا أن الدولار مدعوم بالحكومة أو الجيش (رجال معهم أسلحة) أو الضرائب. ولكن الدولار ليس مدعومًا بأي واحدة من هؤلاء. لا بالحكومة، ولا بالجيش، ولا بالضرائب. تضرب الحكومة ضرائبها على الأشياء القيّمة، لا تصبح الأشياء قيّمة لأن عليها ضريبة. كذلك، تحمي الجيوش ما هو قيّم، لا تصبح الأشياء التي تحميها الجيوش قيّمة. والحكومة لا تستطيع فرض قيمة العملة، كل ما تستطيع تحديده هو معروضها.

فنزويلا، والأرجنتين، وتركيا، كلها بلدان لها حكومات وجيوش وقدرة على فرض الضرائب، ومع هذا تراجعت عملاتها تراجعًا ملحوظًا في السنين الخمس الماضية. ولئن لم يكن إثبات النقيض كافيًا، فإن كل حكومة من هذه الحكومات دليل ينقض القول بأن العملة تشتق قيمتها من الحكومة. كل مرحلة من مراحل التضخم المفرط يجب أن تكون دليلًا كافيًا على العيوب الجوهرية في الأنظمة المالية الحكومية، ولكنها ليست كذلك لسوء الحظ. يظنّ معظم النالس أن التضخم المفرط دليل على سوء الإدارة المالية، لا أنه النتيجة النهائية المنطقية لكل الأنظمة الحكومية. هذا الرأي التبسيطي يتجاهل المبادئ الأولى، ويتجاهل الآليات التي تضمن البخص المالي في أنظمة العملات الحكومية. ومع أن الدولار أقوى بنيويًّا لأنه عملة الاحتياطي العالمية، فإن قواعد الأموال الحكومية من حيث الأداء واحدة، والدولار ليس إلا الأقوى بين الضعفاء. ما إن فهمنا الآليات التي تدعم الدولار (وكل العملات الحكومية) فهمًا أفضل، قدّم ذلك لنا قاعدة لتقدير الآليات التي تدعم البيتكوين.

لماذا للدولار قيمة؟

لم تنشأ قيمة الدولار في السوق الحرة. بل نشأت على أنها تمثيل جزئي للذهب (والفضة في أول الأمر) وكان الدولار حلًّا لما قصّر فيه الذهب من سهولة التحويل والإرسال، لذا فإن مولد الدولار كان معتمدًا على الخصائص المالية للمعادن الأساسية، لا على خصائص جوهرية في الدولار نفسه. وكان أيضًا نظامًا قائمًا على الثقة: خُذ الدولار وثق أنه يمكن استبداله بمقدار ثابت من الذهب في المستقبل. إن عيب الذهب وإخفاقه الكامل هو نظام الدولار، ومن دون الذهب، لم يكن ليكون أي وجود للدولار في هيئته الحالية. مراجعة سريعة لتاريخ الدولار والذهب:

1900أقرّ قانون معيار الذهب عام 1900 أن الذهب هو المعدن الوحيد الذي يمكن استبداله بالدولار، وأن ثمن كل أونصة ذهب 20.67 دولارًا.
1913تأسس الاحتياطي الفدرالي بموجب قانون الاحتياطي الفدرالي عام 1913.
1933حظر الرئيس روزفلت ادّخار الذهب وكنزه بالقانون التنفيذي 6102، وأجبر المواطنين على تحويل الذهب إلى دولارات بمعدل 20.67 دولارًا للأونصة، وإلّا فهم معرّضون لعقوبة هي غرامة بقيمة 10 آلاف دولار، أو حبس من خمس سنوات إلى عشر، أو السابقان معًا.
1934وقع الرئيس روزفلت قانون الاحتياطي الذهبي، فبخس الدولار 40% من قيمته وصار سعر الأونصة 35 دولارًا.
1944رسّم اتفاق بريتون وودز قدرة الحكومة الأجنبية والمصارف المركزية على تحويل الذهب إلى الدولار (والعكس) بمعدّل 35 دولارًا للأونصة، وتأسست معدلات صرف ثابتة بين الدولارات وبقية العملات.
1971أنهى الرئيس نكسون رسميًّا قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فأنهى نظام بريتون وودز فعليًّا. أصبحت قيمة الدولار 38 دولارًا لأونصة الذهب.
1973غيّرت الحكومة الأمريكية سعر الدولار إلى 42 للأونصة.
1976فصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب كله عام 1976.

على مر القرن العشرين، انتقل الدولار إلى عملة مدعومة بالاحتياطي إلى عملة مدعومة بالدين. لم يزل معظم الناس يتدبّرون سبب امتلاك الدولار للقيمة بعد الذهب، ولم يزل التفسير الأشيَع هو أنها هلوسة جمعية (أن الدولار له قيمة لأننا كلنا نؤمن بذلك)، أو أنه تابع للحكومة والجيش والضرائب. ليس لواحد من هذين التفسيرين أي أساس في المبادئ الأولى، وما من سبب حقيقي يجعل للدولار قيمة. بل يحافظ الدولار على قيمته اليوم بسبب الدين والندرة النسبية للدولارات أمام الديون المقومة بالدولار. في عالم الدولار، كل شيء تابع لنظام الائتمان. الناتج الإجمالي المحلي الاسمي معتمد على حجم نظام الائتمان ونموه، والضرائب تحسب على أساسه. إن الآليتين اللتين تموّلان الحكومة (الضرائب واستهلاك العجز) كلاهما قائمتان على نظام الائتمان، وإن نظام الائتمان هو الذي يسمح للدولار أن يعمل بهيئته الحالية.

الدين القومي الأمريكي مقابل الدخل (تريليون)

إن حجم نظام الائتمان يبلغ أضعاف حجم الناتج الإجمالي المحلي الاسمي. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه. ولكن نمو نظام الائتمان سبق نمو الناتج الإجمالي المحلي على مر العقود الثلاثة السابقة. يرقّم المخطط أدناه معدل تغير نظام الائتمان مقابل معدل تغير الناتج الإجمالي المحلي الاسمي وصكوك الضرائب الفدرالية (منذ 1987 إلى اليوم). في نظام الاحتياطي الفدرالي، يقود توسيع الائتمان الناتج الإجمالي المحلي الذي يحدد في النهاية المستوى الاسمي للضرائب الفدرالية.

اليوم، في نظام الائتمان الأمريكي 73 تريليون دولارًا من الدين حسب الاحتياطي الفدرالي (تقرير z.1)، ولكن ليس في نظام المصارف إلا 1.6 تريليون دولار. هكذا يدير الاحتياطي الفدرالي الاستقرار النسبي للدولار. ينشئ الدين طلبًا مستقبليًّا على الدولار. في نظام الفدرالي، كل دولار مرفوع بنسبة 40:1 تقريبًا. إذا اقترضت دولارات اليوم، فإنك محتاج إلى جني دولارات في المستقبل لدفع الدين، وحاليًّا، كل دولار في النظام المصرفي مقرَض 40 مرة. إن العلاقة بين حجم نظام الائتمان ومقدار الدولارات يعطي الدولار ندرة واستقرارًا نسبيًّا. بالإجمال، كل الناس محتاجون إلا دولارات لدفع الدين المقوم بالدولار.

النظام كله مدين بدولارات أكثر من الموجودة، وهو ما ينشئ بيئة تجعل الطلب الحالي على الدولارات عاليًا جدًّا. إذا لم يدفع المستهلكون ديونهم، سيُحجَر على منازلهم، أو تُنقَل ملكية سياراتهم. إذا لم تدفع شركة ديونها، سيستحوذ الدائنون على أصولها بعملية الإفلاس، ويمكن أن تُمحى الحصص تماما. إذا لم تدفع حكومة ديونها، ستُغلَق وظائفها الأساسية لفقدان التمويل. في معظم الأحوال، نتيجة عدم حيازة الدولارات المستقبلية اللازمة لدفع الدين تعني أنّك ستنتهي على الحديدة. ينشئ الدين دافعًا اقتصاديًّا لطلب الدولارات. ما دامت الدولارات نادرة أمام الدين القائم، سيبقى الدولار مستقرًّا. هكذا يعمل اقتصاد الفدرالي، ادفع لخلق الائتمان، تكن قد أوجدت طلبًا مستقبليًّا للعملة المقومة. بمعنًى ما، يشبه الأمر بيع المخدرات. اجعل إنسانًا يدمن على مخدِّرتك، وستضمن أنه سيعود ليطلب المزيد. في هذه الحالة، المخدّر هو الدين، وهو يجبر كل الناس على البقاء في دولاب جرذان الدولار.

إن مشكلة اقتصاد الفدرالي (والدولار) هو أنه يعتمد على عمل نظام ائتمان مرفوع جدًّا. وللحفاظ على ذلك، يجب على الفدرالي أن يزيد عدد الدولارات القاعدية. هذا هو التيسير الكمي ولذلك وُجد. للحفاظ على كمية الدين في النظام، يجب على الفدرالي أن يزيد معروض الدولارات الحقيقية، وإلا سينهار نظام الائتمان. إن زيادة مقدار الدولارات القاعدية له أثر متوسط هو نزع رفع نظام الائتمان، ولكن أثره على المدى الطويل هو زيادة الائتمان. ومن آثاره أيضًا بخس قيمة الدولار مع الوقت. كل هذا مقصود. الائتمان هو الذي يدعم الدولار لأن الائتمان هو ادعاء ملكية أصول حقيقية، هي معايش الناس. جئ بدولاراتك في المستقبل، أو اخسر بيتك، هذا دافع قوي لتعمل للحصول على الدولار.

إن العلاقة بين الدولار والائتمان بالدولار يحافظ على لعبة الفدرالي، ويؤمن الصيارفة المركزيون أن هذا سيبقى إلى الأبد. أنشئ مزيدًا من الدولارات، أنشئ مزيدًا من الدين. دين كثير؟ أنشئ مزيدًا من الدولارات، وهكذا دواليك. في النهاية، في نظام الفدرالي، العملة هي صمام التحرير. لأن الدين بلغ 73 تريليون دولارًا، وليس لدينا إلا 1.6 تريليون دولار في النظام المصرفي، سيُضاف إلى النظام دولارات جديدة لتدعم الدين. إن ندرة الدولار أمام الطلب هي التي تعطي الدولار قيمته. لا أكثر، ولا أقل. لا دعامة للدولار سوى هذه. ولئن كانت آلية نظام الائتمان تنشئ ندرة نسبية للدولار، فإنها في الوقت نفسه تضمن أن الدولار ستقل ندرته قليلًا قليلًا.

دين كثير أنشئ مزيدًا من المال مزيد من الدين دين كثير

والأمر ذاته موجود في كل أصل مالي، الندرة هي الخصيصة المالية التي تدعم الدولار، ولكن الدولار ليس نادرًا إلا أمام الديون المقومة به. واليوم، أمام الدولار منافس حقيقي، هو البيتكوين. إن نظام الدولار وفقدانه للخصائص المالية الجوهرية يقدم نقيضًا صريحًا للخصائص المالية الناشئة والجوهرية في البيتكوين. ندرة الدولار نسبية، أما ندرة البيتكوين فمطلقة. نظام الدولار قائم على الثقة، أما البيتكوين فلا. معروض الدولار محكوم بمصرف مركزي، أما معروض البيتكوين فمحكوم بإجماع المشاركين في السوق. سيبقى معروض الدولار مرتبطًا بحجم نظام الائتمان، أما معروض البيتكوين فمستقل تمامًا عن مسألة الائتمان. وتكلفة إنشاء مزيد من الدولارات صفرية، أما تكلفة إنشاء مزيد من البيتكوين فحقيقية ومتزايدة أبدًا. في النهاية، خصائص البيتكوين المالية ناشئة ومناعتها متزايدة، أما الدولار فقبوله للتلاعب جوهري ومتزايد.

المال والندرة الرقمية

إن أصعب حاجز عقلي تجاوزًا عند تقدير البيتكوين من حيث هو مال، هو عادة أن البيتكوين أصل رقمي. البيتكوين ليس ملموسًا، وليس بديهيًّا بادئ الرأي. كيف يمكن أن يكون شيء رقمي تمامًا مالًا؟ ومع أن الدولار معظمه رقمي، فإنه مع ذلك ملموس أكثر من البيتكوين في أذهان معظم الناس. نشأ الدولار الرقمي من سلفه الورقي، ولم يزل في السوق دولارات ورقية، أما البيتكوين فهو رقمي أصلًا. في الدولار، عندنا تمثيل فيزيائي يمثل الأنماط الذهنية للعالم الملموس، أما في البيتكوين، فليس عندنا شيء من ذلك. ومع أن للبيتكوين خصائص مالية أصدق بكثير من خصائص الدولار، فإن الدولار في أذهاننا هو المال (عند معظمنا)، ونتيجة ذلك، فتمثيله الرقمي مفهوم أكثر، لأنه توسع من العالم الفيزيائي إلى العالم الرقمي. إن أساس الدولار من حيث هو مال ثابت بالزمن، ولئن كانت طبيعته الرقمية تبدو ملموسة أكثر، فالبيتكوين يمثّل ندرة مطلقة. أما معروض الدولار فلا حد عليه.

تذكر أن الدولار ليس له أي خصيصة مالية جوهرية. قام الدولار على الخصائص المالية للذهب ليعتلي مكانة الاحتياطي العالمي، ولكنه في نفسه، ليس له خصائص فريدة تجعله شكلًا مستقرًّا من المال، إلا ندرته النسبية في نظام المال المرتبط بالدين. عند النظر في البيتكوين، سؤال المبدأ الأول هو إذا كان أي شيء رقمي قادرًا على مشاركة الخصائص الجوهرية التي جعلت الذهب مخزنًا للقيمة (ومالًا). هل نشأ الذهب وأصبح مالًا لأنه فيزيائي أم لأن له خصائص مالية مترفعة عن الفيزيائية؟ من كل الأشياء الفيزيائية في العالم، لم اختير الذهب؟ نشأ الذهب وأصبح مالًا لا لأنه فيزيائي، بل لأن خصائصه الإجمالية فريدة. أهم شيء هو أنه نادر، ويمكن استبداله، ومتين. ومع أن للذهب خصائص كثيرة جعلته متفوّقًا على أي مال سبقه، فإن عيبه القاتل كان صعوبة نقله وعرضته للمركزية، وهو ما أنشأ الدولار في النهاية ليصبح نظيره التحويلي.

«تخيّل معدنًا ذهبيًّا له ندرة الذهب، ولكن له هذه الخصائص: رمادي ممل اللون – ليس ناقلًا جيّدًا للكهرباء – ليس قويًّا، ولكنه ليس مرنًا ولا سهل الإفساد – ليس مفيدًا لأي هدف عملي أو تزييني – ولكن له خصيصة سحرية خاصة واحدة: – يمكن نقله بقناة اتصالات»

ساتوشي ناكاموتو (27 أغسطس 2010)

يملك البيتكوين الخصائص المالية التي جعلت الذهب وسيطًا ماليًّا، ولكنه في الوقت نفسه يصلح من عيوب الذهب. فالذهب نادر نسبيًّا، أما البيتكوين فنادر مطلقًا، وكلاهما متين جدًّا. الذهب قابل للاستبدال (أن يبدَل بعضه ببعض)، ولكنه صعب التحقق، أما البيتكوين فقابل للاستبدال وسهل التحقق. الذهب صعب النقل ومركزي جدًّا. البيتكوين سهل النقل ولامركزي جدًّا. في البيتكوين كل خصائص الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي مجموعة في عملة واحدة، ولكن من دون العيوب الأساسية في أي منهما. عند النظر في الأوسطة المالية، المبادئ الأولى أساسية. أهمل النتيجة أو النهاية، وابدأ بسؤال نفسك: إذا كان البيتكوين فعلًا نادرًا ومحدودًا، وتجاهل أنه رقمي، أيكون مقياسًا صالحًا للقيمة ومخزنًا نهائيًّا للقيمة؟ هل الندرة خصيصة قوية بما يكفي لجعل البيتكوين مالًا، ولو كانت هذه الندرة رقمية؟

لئن كان المال مفهومًا غير ملموس، فإنه ما دام للتجارة والتخصص منافع، سيبقى للمال فائدة وطلب. المال وسيلة نستعملها لتكون الحكَم في تحديد القيمة النسبية بين السلع الاستهلاكية والرأسمالية الكثيرة. إنه سلعة تنظم كل النشاط الاقتصادي. إن كمية المال المطلقة أقل أهمية من خصائصه كالندرة وقبول القياس. الندرة هي أهم خصيصة مالية. إذا كان معروض وحدة القياس متغيّرًا باستمرار تغيّرًا غير متوقع، فسيصعب قياس قيَم السلَع بها، لذلك فالندرة في نفسها خصيصة قيّمة جدًّا. قد تتقلب قيمة وحد القياس أمام السلع والخدمات، ولكن استقرار معروض المال يجعل الضجيج أصغريًّا أمام إشارة السعر النسبي للسلع الأخرى.

ومع أن البيتكوين رقمي، فهو مصمم لينشئ ندرة مطلقة، وهو ما يجعله مرشّحًا ليكون شكلًا فاعلًا من المال (ومقياسًا للقيمة). لن يكون في الوجود إلا 21 مليونًا، و21 مليونًا رقم صغير جدًّا بالمقاييس النسبية والمطلقة. أنشأ الفدرالي 100 مليار دولار في الأسبوع السابق، بضغطة زر. يكافئ هذا تقريبًا 5 آلاف دولار مقابل كل بيتكوين في الوجود، في أسبوع واحد (وعلى يد مصرف مركزي واحد). لتقديم سياق أوسع، أنشأ الاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان، وبنك أوروبا المركزي، كلهم معًا 10 تريليونات دولارات منذ الأزمة المالية، وهو ما يكافئ 500 ألف دولار لكل بيتكوين. ومع أن الدولار واليورو والين والبيتكوين كلها رقمية، فإن البيتكوين هو الوحيد النادر ندرة ملموسة والوحيد الذي فيه خصائص مالية جوهرية.

ولكن، لا يكفي أن ندعي أن البيتكوين نادر ندرة مطلقة، ولا ينبغي أن يقبل أحد هذه الحقيقة ببساطة. ينبغي لكل واحد أن يفهم كيفية هذه الندرة وسببها. لماذا لا يمكن إنشاء أكثر من 21 مليون بيتكوين ولماذا لا يمكن نسخه؟ لماذا البيتكوين آمن ولمَ لا يمكن التلاعب به؟ في البيتكوين عناصر كثيرة تجتمع لتجعل معروضه ثابتًا على نحو موثوق، ولكن في شبكة البيتكوين ثلاثة دعائم ملتحمة تفرضها الدوافع الاقتصادية للعملة نفسها:

  • إجماع الشبكة والعقد الكاملة: فرض مجموعة مشتركة من القوانين الحاكمة
  • التعدين وبرهان العمل: تحقيق تاريخ التحويل، وتثبيت أمن البيتكوين في العالم الفيزيائي
  • المفاتيح الخاصة: تحمي وحدة القيمة، وتضمن الملكية بغض النظر عن التحقق

ما الذي يحمي البيتكوين – إجماع الشبكة والعقد الكاملة

21 مليونًا، ليس مجرد رقم يضمنه برنامج. بل معروض الواحد والعشرين مليونًا هذا تحكمه آلية إجماع، وكل المشتركين في السوق مدفوعون بدوافع اقتصادية لفرض قواعد شبكة البيتكوين. ومع أن إجماع شبكة البيتكوين قد يحكم نظريًّا بزيادة المعروض فوق 21 مليونًا، فإن على الأغلبية الساحقة لمستخدمي البيتكوين أن يوافقوا جميعًا على بخس عملتهم ليفعلوا ذلك. عمليًّا، إنها شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقة تعزز وتدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

في البيتكوين، العقدة الكاملة هي حاسوب أو خادم يحافظ على نسخة كاملة من سلسلة كتل البيتكوين. تجمع العقد الكاملة كل واحدة على حدة نسخة من سلسلة الكتل بناءً على مجموعة مشتركة من قوانين إجماع الشبكة. نعم، لا يُشغّل كل مالك للبيتكوين عقدة كاملة، ولكن كل واحد قادر على ذلك، وكل عقدة تحقق كل الحوالات وكل الكتل. بتشغيل عقدة كاملة، يستطيع كل إنسان أن يصل إلى شبكة البيتكوين وأن يبث حوالات (أو كتلًا) من دون رخصة من أحد. وليس على العقدة أن تثق بعقدة أخرى. بل كل عقدة تحقق التاريخ الكامل لحوالات البيتكوين بناءً على مجموعة مشتركة من القواعد، تسمح للشبكة أن تجمع على نسخة مستمرة وصحيحة من التاريخ من دون أن يثق أحد بأحد.

هذه هي الآلية التي يزيل بها البيتكوين الثقة بأي طرف ثالث مركزي ويعزز صدقية معروضه الثابت. تحافظ كل العقد على تاريخ من كل الحوالات، وهو ما يتيح لكل عقدة أن تحدد إذا كانت الحوالات المستقبلية صالحة. بالإجمال، يقدم البيتكوين آمَن شبكة حوسبة في العالم لأن كل إنسان يمكن أن يصل إليها من دون أن يثق أحد بأحد. الشبكة لامركزية وليس فيها نقاط صدع مفردة. كل عقدة مراقب وموازِن لبقية الشبكة، من دون مصدر مركزي للحقيقة، الشبكة منيعة على الهجوم والإفساد. قد تخفق عقدة ما، أو تفسد، ولكن الشبكة ستستمر كأن شيئًا لم يحدث. كلما زادت العقد، زادت لامركزية البيتكوين، وهو ما يزيد الحشو، فيجعل الشبكة أصعب وأصعب على الإفساد أو الرقابة.

كل عقدة كاملة تفرض قواعد إجماع الشبكة، ومن هذه القواعد معروض العملة الثابت. في كل كتلة بيتكوين عدد محدد من البيتكوينات الجديدة، وكل حوالة يجب أن تعود إلى كتلة صحيحة سابقة لتكون صحيحة. كل 210 آلاف كتلة، ينقسم هذا العدد إلى النصف، هكذا حتى يبلغ عدد البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة الصفر، عام 2140 تقريبًا، وهذا جدول إصدار معروض البيتكوين المقارب. لأن كل عقدة تحقق كل حوالة وكل كتلة، تفرض الشبكة كلها معًا ثبات المعروض على قيمة 21 مليونًا. إذا بثّت أي عقدة حوالة أو كتلة فاسدة، سترفضها بقية الشبكة وستسقَط هذه الكتلة من الإجماع. تستطيع كل عقدة أن تحاول إنشاء زيادة من البيتكوين، ولكن كل عقدة لها مصلحة في ضمان ثبات معروض البيتكوين على قيمته المثبتة، وإلا ستبخَس العملة عشوائيًّا على حساب بقية الشبكة.

يستطيع كل واحد في الشبكة أو خارجها أن ينسخ برنامج البيتكوين لينشئ نسخة جديدة من البيتكوين، وكل وحدة تنشئها نسخة من هذه النسخ ستراها العقد في شبكة البيتكوين عملة فاسدة. كل النسخ التالية والوحدات التالية لن تكون صالحة، ولن يقبل أي أحد بهذه العملة على أنها بيتكوين. كل عقدة بيتكوين تتحقق بنفسها من كل بيتكوين، وكل نسخة من البيتكوين ستكون فاسدة، لأنه لن تكون متأصلة في كتلة بيتكوين صالحة سابقة. سيكون الأمر كمن يريد معاملة أموال لعبة مونوبولي معاملة الدولارات. قد تتمنى ما أردت أن تكون مالًا، ولكن لن يقبلها أحد على أنه بيتكوين، ولن تشارك شبكة البيتكوين خصائصها الناشئة. إن تشغيل عقدة بيتكوين كاملة يسمح لكل أحد أن يفحص صلاح كل عملة من عملات البيتكوين، وستُعرَف كل نسخة مزيفة بهذه الطريقة. إن إجماع العقد هو الذي يحدد الحالة الصحيحة للشبكة في نظام مغلَق، كل شيء يحدث خلف جدران هذا النظام لم يحدث أصلًا.

ما الذي يحمي البيتكوين – التعدين وبرهان العمل

في آلية الإجماع هذه، تشغل بعض العقد (التي تسمى عقد التعدين) خوارمية برهان العمل لإضافة كتل جديدة إلى سلسلة الكتل. هذه الخوارزمية تحقق التاريخ الكامل للحوالات وتسوّي الحوالات الجديدة. التعدين وبرهان العمل يثبتان أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. لحل الكتل، يجب على المعدنين أن يحسبوا تريليونات الحسابات التعموية، وهو ما يتطلب استهلاك موارد طاقة كبيرة. فإذا حُلّت عقدة، تُرسل إلى بقية الشبكة للتحقيق. كل العقد (ومنها بقية المعدنين) تحقق إذا كانت الكتلة صالحة بناءً على مجموعة مشتركة من قواعد إجماع الشبكة، نوقشت من قبل. إذا كانت أي جوالة في في الكتلة فاسدة، فالكتلة كلها فاسدة. كذلك، إذا لم تبنَ الكتلة المرسَلة على آخر كتلة صالحة، فهي فاسدة أيضًا.

ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 90 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). تحلّ الكتل تقريبًا كل عشرة دقائق، وهو ما يعني 144 كتلة في اليوم. عبر الشبكة، تكلف كل كتلة نحو 75 ألف دولار، وتبلغ مكافأة كل عقدة 100 ألف دولار (12.5 بيتكوين جديد مضروبة بسعر البيتكوين، 8 آلاف دولار، من دون حساب رسوم التحويلات). كلما زادت تكلفة حل كتلة، زادت تكلفة الهجوم على الشبكة. إن تكلفة حل الكتلة تمثل الموارد الملموسة اللازمة لكتابة التاريخ على دفتر تحويلات البيتكوين. مع نمو الشبكة، يزداد تشظّيها، وتزداد القيمة الاقتصادية المدفوعة إلى المعدنين بالإجمال. من وجهة نظر نظرية الألعاب، كلما زاد التنافس وزادت الفرص، صعب التآمر على الإفساد، وكل عقد الشبكة تحقق عمل المعدنين، وهو ما يجعلها الرقيب والموازِن.

وتذكّر ذلك الرقم الثابت الذي يصدر في كل كتلة صالحة (قبل أن يبلَغ سقف الواحد والعشرين مليونًا). إن البيتكوين المصدَر في كل كتلة إذا جُمعت إليه رسوم التحويل يمثّل التعويض الذي يناله المعدنون لقيامهم ببرهان العمل. يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين لحماية الشبكة. لبناء الكتل وعملية الاقتراح، يكتب المعدنون هذا العدد الثابت من البيتكوين الصادر في كل كتلة تعويضًا عن استهلاك موارد من العالم الحقيقي الملموس لحماية الشبكة. إذا كتب معدّن مقدارًا من البيتكوين لا يوافق جدول العرض الثابت، سترفض بقية الشبكة الكتلة لأنها فاسدة. لحماية الشبكة، يجب أن يحقق المعدنون ويفرضوا قانون المعروض الثابت ليحصلوا على التعويض. للمعدّنين قدم في اللعبة هي التكاليف المتزايدة على رؤوس أموالهم (واستهلاكهم للطاقة)، والعمل الفاسد لا يُكافَأ.

ودونك مثالًا تقنيًّا: المكافأة الصالحة المدفوعة إلى المعدنين تنصَّف كل 210 آلاف كتلة، والتنصيف القادم سيكون في الكتلة 630,000 (أو تقريبًا في مايو 2020). في ذلك الوقت ستنقص المكافأة من 12.5 إلى 6.25 بيتكوين في كل كتلة. من بعد ذلك، كل معدّن يكتب مكافأة خاطئة (أي مقدار سوى 6.25)، سترفض الشبكة كتلته لأنها فاسدة. التنصيف مهم لا لأن معروض البيتكوين الجديد ينقص فحسب، بل لأنه يظهر أن الدافع الاقتصادي للشبكة يستمر في التنسيق وفرض المعروض الثابت للعملة على أساس لامركزي تمامًا. إذا حاول أي معدّن الغشّ، ستعاقبه بقية الشبكة العقوبة القصوى. لا شيء سوى الدوافع الاقتصادية في الشبكة ينسق هذا السلوك، وحدوثه على أساس لا مركزي من دون تنسيق أي هيئة مركزية تفرض أمان الشبكة.

تعدين البيتكوين لامركزي لأن كل المعدنين يتنافسون، ولا مصلحة للمعدنين في التجمع. ومن جهة أخرى، تحقق العقد عمل المعدنين، في اللحظة نفسها ومن دون تكلفة، وهو ما يجعلها رقيبًا وموازنًا قويًّا جدًّا مستقلًّا عن عملية التعدين. الكُتل صعبة الحل ولكنها سهلة التحقق، وبالإجمال، هذا هو ما يفرق البيتكوين عن أي نظام مالي ينافسه، سواء أكان الذهب أو الدولار. والتعويض الذي يُدفع للمعدنين لحماية الشبكة وفرض معروضها الثابت لا يكون إلا بالبيتكوين. إن الدوافع الاقتصادية للعملة (التعويض) قوية جدًّا، والعقوبة شديدة جدّا وسهلة التطبيق، لذا فدوافع المعدنين على أشدّها للتنسيق وتنفيذ عمل صحيح. بتقديم تكاليف ملموسة لعملية التعدين، وبإعمال جدول إطلاق المعروض وتضمينها في عملية التحقيق (التي تقوم بها كل العقد)، وبفصل عملية التعدين عن ملكية الشبكة، تفرض الشبكة كلّها المعروض الثابت فرضًا موثوقًا دائمًا، على أساس لا ثقة فيه، وفي الوقت نفسه تستطيع بلوغ الإجماع على أساس لامركزي.

ما الذي يحمي البيتكوين – المفاتيح الخاصة والحقوق المتساوية

في الوقت الذي يبني فيه المعدنون الكتل ويحلونها ويقترحونها، وتحقق العُقَد العمل الذي يجريه المعدنون، تتحكم المفاتيح الخاصة بالوصول إلى وحدة القيمة نفسها. تتحكم المفاتيح الخاصة بحقوق 21 مليون بيتكوين (تقنيًّا 18 مليونًا فقط لأن البقية لم تعدّن إلى اليوم). في البيتكوين، لا هوية، لا يعرف البيتكوين شيئًا عن العالم الخارجي. تحقق شبكة البيتكوين التوقيعات والمفاتيح. هذا هو الأمر كله. لا يستطيع إلا صاحب المفتاح الخاص أن ينشئ حوالة بيتكوين صالحة بإنشاء توقيع صالح. تُوضع الحوالات الصالحة في كُتَل، يحلّها المعدّنون وتتحقق منه كل عقدة، ولكن لا يستطيع إنشاء الحوالات الصالحة إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

عندما يُبَثّ تحويل بيتكوين، يُرسل مقدار من البيتكوين إلى أحد عناوين البيتكوين العامة. هذه العناوين العامة مشتقة من المفاتيح العامة، والمفاتيح العامة مشتقة من المفاتيح الخاصة. يمكن حساب المفاتيح العامة والعناوين العامة باستعمال مفتاح خاص، ولكن المفتاح الخاص لا يمكن حسابه باستعمال مفتاح عام أو عنوان عام. إنه تابع بجهة واحدة تحميه خوارزميات تعمية قوية. يمكن مشاركة المفاتيح العامة والعناوين العامة من دون إظهار أي شيء عن المفاتيح الخاصة. عندما يُرسل مقدار من البيتكوين إلى عنوان عام، يُقفَل في خزانة، ولكي تفتَح هذه الخزانة، يجب إنشاء توقيع رقمي من خلال المفتاح الخاص الموافق (لكل مفتاح أو عنوان عام مفتاح خاص فريد). يننتج صاحب المفتاح الخاصة توقيعًا خاصًّا، من دون كشف السر نفسه. تستطيع بقية الشبكة التحقق من أن صاحب المفتاح الخاص هو الذي أنشأ التوقيع، من دون معرفة تفاصيل المفتاح الخاص نفسه. أزواج المفاتيح الخاصة والعامة هي أساس البيتكوين. وفي النهاية، المفاتيح الخاصة هي التي تعطي حق الوصول إلى القيمة الاقتصادية في الشبكة.

لا فرق في هذا بين صاحب عُشر بيتكوين، وصاحب عشرة آلاف بيتكوين. كل صاحب مفتاح محمي ومحقق بالآلية نفسها والقوانين نفسها. لكل واحد في الشبكة حقوق متساوية. بغض النظر عن القيمة الاقتصادية، كل بيتكوين (وكل عنوان بيتكوين) يُعامل المعاملة نفسها في الشبكة. إذا أُنتج توقيع صالح، فالحوالة صالحة وستُضاف إلى سلسلة الكتل (إذا دُفعت رسوم التحويل). إذا أُنتج توقيع فاسد، سترفضه الشبكة. لا يهم قوة المشارك أو ضعفه. لا سياسة في البيتكوين. كلما يحققه البيتكوين هو المفاتيح والتواقيع. قد يستطيع الثري أن يدفع رسومًا أعلى لتكون حوالته أسرع، ولكن كل الحوالات تحقَّق على قوانين الإجماع ذاتها. يقدّم المعدّنون بعض التحويلات على بهض على أساس القيمة والربح، بغض النظر عن أي شيء آخر. إذا كانت حوالتان بنفس القيمة والربح، يُقَدّم الأسبق منهما بالزمن. ولكن المهم أن عملية التعدين، التي تسوّي الحوالات، مستقلة عن الملكية. البيتكوين ليس ديمقراطية، الملكية محكومة بالمفاتيح وكل حوالة بيتكوين يُنظَر فيها على أساس قوانين الشبكة نفسها. أهي صالحة أم لا. يجب أن ترجع كل بيتكوين إلى كتلة موافقة لمبدأ المعروض الثابت (21 مليونًا)، لكي تكون صالحة.

هذا هو الذي يجعل حيازة المفاتيح روحًا مهمّة في البيتكوين. البيتكوين نادر جدًّا، والمفاتيح الخاصة هي حرّاس نقل أي بيتكوين. يقول المثل: ليست مفاتيحك، ليست بيتكويناتك. إذا تحكم طرف ثالث بمفاتيحك، كالبنك مثلًا، فهو قادر على التحكم بوصولك إلى شبكة البيتكوين، وسهلٌ عليه تقييد وصولك أو سرقة أموالك في هذه الحالة. يختار كثير من الناس الثقة بكيان كالبنك، ولكن نموذج الأمان في البيتكوين فريد، لم يكتف بأن يكون لكل مستخدم التحكم بمفاتيحه الخاصة، بل ولكل مستخدم أن يصل إلى الشبكة من دون رخصة وأن يحول ما شاء إلى من شاء حيث شاء في العالم. لا يمكن هذا إلا إذا كان المستخدم مالكًا لمفتاحه الخاص. بالإجمال، يزيد المستخدمون الممسكون بمفاتيحهم الخاصة لامركزية القيمة الاقتصادية للشبكة، وهو ما يزيد أمان الشبكة كلها. كلما زاد توزّع الوصول إلى الشبكة، زادت صعوبة إفسادها أو ضمّها في النظام الحالي. من جهة أخرى، بإمساك المفتاح الخاص، يكاد يستحيل على أحد غيرك تقييد وصولك إلى المال أو سرقته. كل بيتكوين في السوق محمية بمفتاح خاص. نعم، يفرض المعدنون وأصحاب العقد عدم وجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولكن البيتكوينات الصالحة الموجودة كلها محمية لأصحابها بمفتاح خاص.

البيتكوين ضد.

الخلاصة، معروض البيتكوين محكوم بآلية إجماع شبكي، ويُعمل المعدّنون آلية برهان العمل التي تثبّت أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. ولعملهم هذا، يُدفَع للمعدّنين بالبيتكوين ليحلّوا الكُتل، وهو ما يحقق التاريخ ويسوّي الحوالات الحديثة. إذا حاول معدّن أن يعوّض نفسه بمقدار لا يوافق معروض البيتكوين الثابت، سترفض بقية الشبكة عمل المعدّن. معروض العملة داخل في نموذج أمانها، ولا بد من استهلاك موارد طاقية من العالم الحقيقي ليُعطى المعدّنون مكافأتهم. وفوق هذا، تحقق كل عقدة العمل الذي أجراه المعدنون، لئلّا يغشّ أحد من دون عقوبة. آلية إجماع البيتكوين وعملية تحقيقه تحكم نقل الملكية في الشبكة، ولكن الملكية نفسها تحميها وتتحكم بها المفاتيح الخاصة التي يمسكها مستخدمو الشبكة.

حوكمة البيتكوين

دع كل الأفكار السابقة في ذهنك عن تعريف المال، وتخيّل نظام عملة ندرته مفروضة ومعروضه ثابت. يستطيع كل إنسان في العالم أن يتصل بالشبكة من دون رخصة، ويستطيع كل إنسان أن يرسل حوالات إلى أي أحد في أي مكان من العالم، ويستطيع كل إنسان أن يتحقق من معروض العملة ومن حقوق الملكية في الشبكة. تخيّل اقتصادًا عالميًّا، يستطيع فيه مليارات الناس المتوزعين في أنحاء العالم، نقل القيمة في شبكة لامركزية، ويستطيع كل واحد منهم أن يصل إلى الإجماع نفسه على الملكيات في الشبكة، من دون أي جهة مركزية. كم ستكون قيمة هذه الشبكة؟ البيتكوين قيّم لأنه منته، ومنته لأنه قيم. إن الدوافع الاقتصادية ونموذج الحكم في الشبكة يفرض كل واحد منهما صاحبه، والأثر المجموع هو نظام مالي لامركزي ولا ثقة فيه، له معروض ثابت عالمي يستطيع الوصول إليه أي أحد.

ولأن للبيتكوين خصائص مالية جوهرية وناشئة، فهو مستقل عن كل الأموال الرقمية الأخرى. يبقى معروض البيتكوين ثابتًا ونادرًا ندرة مطلقة، أما المصارف المركزية فستُجبَر على توسيع قاعدتها المالية للحفاظ على النظام القديم. ستزداد جاذبية البيتكوين شيئً فشيئًا، مع اكتشاف المشتركين في السوق أن أدوار التيسير الكمي المستقبلية ليست مجرد أداة في يد المصرف المركزي بل هي وظيفة لا بد منها للحفاظ على الخيار الأدنى. قبل البيتكوين، كان الجميع مجبرًا على الدخول في هذا النظام. اليوم مع البيتكوين، أصبح لدينا بديل حقيقي. في كل مرة يعود الفدرالي بمزيد من التيسير الكمي للحفاظ على نظام الائتمان، سيكتشف مزيد من الأفراد أن خصائص البيتكوين متفوّقة تفوّقًا كبيرًا على النظام القديم، سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين. هل أ أفضل من ب؟ هذا هو الاختبار. في التنافس العالمي على المال، للبيتكوين خصائص مالية جوهرية مفقودة في نظام الأموال الحكومية. في النهاية، البيتكوين مدعوم بشيء، وهو الشيء الذي يدعم أي مال: مصدقية خصائصه المالية.

Tagged : / / /