من داخل ثورة البيتكوين في كوبا

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة:  مجتبى شنان | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2021

كما أظهرت المظاهرات السياسية للعالم أن الكوبيين قد سئموا من الديكتاتورية، فإن البيتكوين يقدم خيارًا للاحتجاج السلمي والانسحاب من نظام محطم.

لوسيا (Lucia) عاملة طبية تبلغ من العمر 30 عامًا ومستخدمة بيتكوين تعيش في ماتانساس، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي 150 ألف نسمة وتقع على بعد نحو 50 ميلاً شرق هافانا على الساحل الشمالي لكوبا.  سميت تيمنا بتمرد السكان الأصليين ضد المستعمرين الإسبان، وكلمة «ماتانساس» تترجم حرفياً إلى «الذبح».  تحولت المستوطنة فيما بعد إلى بؤرة للعبودية ومزارع السكر من القرن التاسع عشر. اليوم، مثل جميع المدن الكوبية، هي نقطة انفجار الأزمة المالية والإنسانية.

يعاني الشعب الكوبي معاناةً اقتصادية هي الأشد، منذ أوائل التسعينيات، عندما انهار الاتحاد السوفيتي وفقد النظام شريان الحياة الرئيس. في ذلك الوقت، قال الدكتاتور فيدل كاسترو (Fidel Castro) للمواطنين إنهم بحاجة إلى الاتحاد معًا من أجل اجتياز «فترة خاصة».  تميزت تلك الفترة بنقص الغذاء، وانقطاع للتيار الكهربائي، وفرار الآلاف إلى فلوريدا على قوارب محفوفة بالمخاطر، وانخفاض مذهل في قيمة البيزو المرتبط بالروبل السوفيتي.  بين عامي 1991 و 1994 تقلص الاقتصاد الكوبي بنسبة 35٪ وتدهورت نوعية الحياة تدهورًا كبيرًا.

بلغت التوترات ذروتها في صيف عام 1994، عندما اندلعت مظاهرات مناهضة للحكومة عرفت باسم انتفاضة ماليكونازو (Maleconazo) في هافانا.  بدون الدعم السوفيتي، أخفق نظام الحصص الحكومي في دعم المواطنين، وأصبحت السلع المهمة فجأة متاحة فقط للشراء بالدولار، وأصبحت تكلفة الحصول عليها تزداد بالنسبة للكوبيين الذين يتقاضون أجورهم ومعاشاتهم التقاعدية بالبيزو.  في خطوة يائسة، انتهك النظام فلسفته الجماعية التأسيسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المسبوقة على السكان. رداً على ذلك، تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين عند واجهة ماليكون البحرية، مطالبين بإسقاط الحكومة.

لم يكن الإنترنت وقتها موجودًا، لذلك كان النظام قادرًا على قمع الحركة من خلال وحشية الشرطة مع ضمان أن معظم الكوبيين بالكاد يعرفون أن شيئًا قد حدث. وأشار التلفزيون والراديو الحكوميان بإيجاز إلى تجمع صغير للجانحين ومثيري الشغب.  لكن في الواقع، كان تجمع ماليكونازو عرضًا مذهلاً للمعارضة، وهو التجمع الأكبر للمعارضة في الجزيرة منذ اندلاع الثورة.

إن سقوط النظام المالي يهدد بسقوط النظام السياسي.

أولا – التطهير المالي

اليوم، تتحدث لوسيا وآخرون من كوبا عن حقبة خاصة جديدة.  نتجت من إصلاح العملة والإحباط الاجتماعي الناجم عن عقود من القمع والبيروقراطية، فقد عاد النقص وانقطاع التيار الكهربائي والتضخم الشديد والاحتجاجات.

الاختلاف الكبير اليوم هو أن الجميع يعرف ما يحدث بسبب انتشار الهواتف المحمولة وسهولة الوصول إلى الإنترنت. في الشهر الماضي، في 11 تموز (يوليو)، اندلعت أكبر سلسلة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ ثورة 1959، ليس فقط في هافانا ولكن في المدن في جميع أنحاء كوبا.

من تجربة شخصية مع النظام الطبي، أخبرتني لوسيا أن شبكة الدعم البشري في كوبا تنهار. وأن الوباء اجتاح المستشفيات في ماتانساس وأن الجثث قد تكدست في الشوارع.  وقالت بأن الجو حار بشكل لا يصدق والمواطنين في كوبا يقضون ساعات طويلة في اليوم بدون كهرباء.  الغذاء – وخاصة اللحم البقري والأسماك والدجاج والبيض- نادر بل ومن المستحيل العثور عليه. أدت اللوائح الأمريكية الجديدة، التي أقرها الرئيس ترامب مباشرة قبل تركه لمنصبه، إلى عزل الكوبيين مالياً عن عائلاتهم في الولايات المتحدة.

قالت لوسيا: «من الصعب الحصول على الطعام، ومن الصعب الحصول على الأدوية، ومن الصعب الحصول على لوازم الحمام، وشبكة الكهرباء معطلة، والوباء في ذروته، وآلاف من كبار السن يموتون، ونظام الرعاية الصحية ينهار، وليس لدينا أكسجين أو مراوح»، تقول مواصلة حديثها: «كان هذا أمرا لا يطاق، هذا ما أخرج الناس إلى الشوارع».

أخبرتني لوسيا بأن أصل إخفاقات الدولة والاحتجاجات غير المسبوقة هو أزمة المال.

في يناير، أجرى الحزب الشيوعي الكوبي ما سمّاه «التطهير النقدي». منذ عام 1994، أصدرت الحكومة نوعين من العملات: البيزو الكوبي (CUP) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 24: 1 – والبيزو الكوبي التحويلي (CUC) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 1: 1.

كانت رواتب ومعاشات القطاع العام تُدفع دائمًا بالبيزو، ولكن لسنوات، كان المواطنون بحاجة إلى الحصول على البيزو التحويلي (CUC) لشراء المواد الأساسية مثل الأدوية وأي طعام يتجاوز الأساسيات والملابس ومستلزمات التنظيف والإلكترونيات. صمم النظام هذا التطهير لامتصاص القيمة من السكان، حيث يبيع الببزو القابل للتحويل مقابل 25 بيزو في مصارف الدولة والتي تسمى بالكاديكا (cadeca) بينما يشتريها فقط مقابل 24 بيزو. كان النظام يعلم أنه يتعين عليه الاستمرار في طباعة وتضخيم البيزو من أجل التوظيف في الاقتصاد المخطط مركزياً، حتى مع انهيار قطاعي الزراعي والصناعي. لقد أعطاه نظام العملة المزدوجة شريان حياة، أدى هذا الأمر الي الدفع بالقوة الشرائية للنخب والمتصلين بالنظام.

وصفت لوسيا مخرجات نظام العملة المزدوج بأنه يخلق حقيقة حيث يمكنها شراء فنجان من القهوة أو ركوب حافلة أو حتى وجبة صغيرة بسعر رخيص للغاية بالبيزو، لكن زوجًا من الأحذية أو خطة الهاتف، بسعر البيزو التحويلي، قد تكلف راتب شهر كامل. وضع هذا عمال الدولة – ومنهم المدرسون وضباط الشرطة والعاملين في المجال الطبي مثلها – في وضع اقتصادي شديد الحرمان مقارنة بأي شخص يتعامل مع صناعة السياحة، مثل النوادل أو سائقي سيارات الأجرة.

في مفارقة مأساوية، كان العمال غير المهرة في كثير من الأحيان أفضل حالًا ماليًا من المتعلمين تعليماً عالياً، وكثير منهم تركوا وظائفهم لتنظيف الطاولات أو اصطحاب الأشخاص من المطار للوصول إلى اقتصاد البيزو التحويلي. أدى نظام العملة المزدوجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عدم المساواة، وخلق فئات واضحة من الذين يملكون والذين لا يملكون. بالنسبة للعديد من الأشخاص مثل لوسيا، هذا الأمر بالتحديد -أكثر من أي شيء آخر- أوضح بأن الثورة كانت مجرد خدعة.

فر أكثر من 1.5 مليون كوبي من ديارهم منذ أن استولى فيدل كاسترو وقواته على هافانا عام 1959، وانتهى الأمر بالعديد منهم في الولايات المتحدة.  في الستينيات، أثار كاسترو ورفاقه هروب البشر ورأس المال من خلال فرض اقتصاد شيوعي مخطط في كوبا، وتأميم الشركات، ومصادرة الأراضي وتقليص دور القطاع الخاص عمليًا إلى الصفر.

لا يزال العديد من الأمريكيين الكوبيين لديهم عائلات في الجزيرة ويجد هؤلاء طرقًا لإرسال الدولارات إلى عائلاتهم في كوبا.  وتشير التقديرات إلى أنه يتم تحويل ما يصل إلى 3 مليارات دولار إلى كوبا كل عام. من أجل تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي، كان على المرء أن يدفع رسومًا بنسبة 10٪، كحد أدنى، لصالح الدولة. تم تصميم النظام لامتصاص العملات الأجنبية الصعبة وتزويد الكوبيين بـ«دولارات مزيفة» أو حتى بيزو أسوأ.

تنازل فيدل كاسترو عن السيطرة لأخيه راؤول (Raúl) في عام 2006، ومنذ ذلك الحين، قام النظام بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الفاترة للبقاء على قيد الحياة. كما كتب أنتوني دي بالما (Anthony DePalma) في كتابه للتاريخ الحديث، «الكوبيون»، فإن الحكومة الشيوعية كانت تتلاعب بالرأسمالية «كما يلعب النمر مع فريسته: يستغلّها قليلاً لوهلة من الزمن، ثم يخرج الحياة منها في اليوم التالي. حث المسؤولون الاشتراكيون الرأسماليين الكوبيين المحتملين على المضي قدمًا وفتح أعمالهم الصغيرة، ثم وضعوا طبقات من اللوائح المرهقة للحد من ربحهم وإعاقة نجاحهم.  لم يكن هدفهم الحقيقي انتشال الملايين من براثن الفقر. ولكن منع أي شخص من جني الملايين».

ابتداءً من عام 2011، تحدث راؤول علنًا عن الحاجة إلى التوحيد النقدي، لكنه حكم لمدة سبع سنوات أخرى دون اتخاذ أي إجراء. يمكن تلخيص الكارثة الاقتصادية الكوبية التي ترأسها في إحصائية واحدة: اعتبارًا من عام 2015، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكوبا هو نفسه تقريبًا كما كان في عام 1985، على الرغم من وجود إمكانات اقتصادية أعلى بكثير مع زيادة السكان بنسبة 13 ٪.

في عام 2018، تولى البيروقراطي الشيوعي المتمرس ميغيل دياز كانيل (Díaz-Canel) الرئاسة الكوبية، منهيا ما يقرب من 60 عامًا من استبداد عائلة كاسترو. مثل راؤول، أشرف دياز كانيل على التغييرات التي حدثت في الاقتصاد المخطط – مثل التسريح الجماعي للعاملين في الدولة والسماح للشركات الصغيرة بالعمل بشكل خاص – لكنه استمر في تقليد عبارات فيدل الحماسية في خطاباته: “Patrio o muerte!  ¡Socialismo o muerte!  ¡Venceremos! “(«الوطن أو الموت! الاشتراكية أو الموت!  سوف ننتصر!»)

كما كتب دي بالما: «مات فيدل وتشي. قبر راؤول يحمل اسمه بالفعل، والرئيس الجديد مجهول في جميع أنحاء العالم مثل زعيم أي بلد صغير. لا تعني أساطير الثورة سوى القليل جدًا للشباب الكوبي، الذين يرون – بوشومهم، وهواتفهم الذكية، وفلسفتهم العدمية الغليظة – بأن الرجال القدامى القادمين من جبال سييرا بعيدون تمامًا عن واقعهم.  المساعدات الخارجية التي اعتمدت عليها كوبا لفترة طويلة – أولاً من الاتحاد السوفيتي السابق، ثم من فنزويلا، بالإضافة إلى الدول المتعاطفة معها حول العالم – قد جفت، وعلى حد قول رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher)، فقد نفدت كوبا من أموال مواطنيها. في أسفل كل وصفة طبية، يطبع الآن السطر التالي: الرعاية الصحية في كوبا مجانية، ولكنها تكلف أموالا».

توافق لوسيا، وتقول إن الثورة قد نفد زخمها. الرئيس الجديد دياز كانيل ليس فيدل، ولا يمكنه إخماد الاحتجاجات بجاذبية شخصية أو بشرطة سرية تعمل في عالم بلا إنترنت. لقد أُجبر على الفعل، و «التطهير النقدي» هو أحد تلك الأفعال.

اعتبارًا من 1 يناير 2021، تم إلغاء البيزو التحويلي رسميًا.  مُنح الكوبيون ستة أشهر لاستبدال عملة البيزو التحويلي مقابل البيزو بسعر الصرف الرسمي. يشكل هذا الأمر سرقة زمنية ضخمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الكوبيين عملوا بجد للحصول على البيزو التحويلي، والآن يتم تصفيتهم عملاتهم المرتبطة بالدولار في مقابل كميات ضئيلة من عملة آخذة في الانخفاض بسرعة. حتى قبل شهر يناير، كان يتم تداول البيزو بخصم 15٪ على الدولار.

خلال الأشهر الثمانية الماضية، تسبب الإصلاح النقدي في انخفاض هائل في قيمة البيزو. فقد الكوبيون ما يقرب من ثلثي قوتهم الشرائية منذ نهاية عام 2020، حيث انتقل سعر الدولار الواحد من السعر الرسمي البالغ 24 بيزو إلى سعر يصل إلى 70 بيزو في السوق السوداء.

بلغ متوسط ​​الراتب الكوبي السنوي الرسمي في عام 2018 نحو 9300 بيزو، أو حوالي 372 دولارًا.  أخبرتني لوسيا أن رطلًا واحدًا من الأرز كلفها العام الماضي 6 أو 7 بيزو، لكن اليوم، أصبح أكثر من 50 بيزو. كان سعر كيلوغرامين من الدجاج 60 بيزو، لكنهما الآن يكلفان أكثر من 500. غالبًا ما يقول الاقتصاديون إن التضخم ليس مشكلة طالما أن الأجور ترتفع في نفس الوقت، لكن الأجور بالكاد تتزحزح، بل قد انخفضت بالمقارنة مع الدولار.

مددت الحكومة النافذة للكوبيين لاسترداد البيزو التحويلي لبضعة أشهر أخرى، ولكن تبخر استخدامها، حيث تم استبدال العملة بشكل أساسي بـ MLC، والتي تعني moneda libremente convertible قابلة للتحويل أو «عملة قابلة للتحويل بحرية».

قُدّم هذا النظام في عام 2019 كنظام نقدي مستقبلي للجزيرة، يعمل ال MLC مثل بطاقة هدايا قابلة لإعادة الاستخدام.  توجد بطاقة MLC بلاستيكية يمكن للمرء الحصول عليها من البنك، وتطبيقان مختلفان يمكن تنزيلهما على الهاتف المحمول.  لا توجد عملات ورقية أو عملات معدنية من MLC أو طرق لكسب الفائدة. عمليا توضح هذه البطاقات المواطنين الذين يقدمون معلومات حساباتهم إلى جهات الاتصال في الخارج، الذين يرسلون العملات الصعبة، والتي يصادرها النظام ويستبدلها بائتمان ال MLC للكوبيين لإنفاقها في المتاجر التي تديرها الحكومة.

في تطور هزلي قاسٍ، لا يمكن للكوبيين – الذين لم يزل كثير منهم يتقاضون رواتبهم أو يتقاعدون من البيزو – شراء MLC بالبيزو. الطريقة الوحيدة «لتعبئة» حساب MLC الخاص بك رسميًا هي بالعملة الصعبة الأجنبية. يجب أن يكون لديك عائلة أو جهات اتصال في الخارج ترسل الأموال إلى حسابك. في البداية، يمكن أن يتم ذلك بالدولار، ولكن بعد أن اتخذت إدارة ترامب إجراءات صارمة ضد التحويلات المالية إلى كوبا في أعقاب فضيحة مرض فيها الدبلوماسيون الأمريكيون بعد تعرضهم على ما يبدو لأسلحة صوتية، فقد انتهى هذا الخيار، لذا فإن MLC أصبحت الآن بشكل أساسي تولد من الجنيهات واليورو والدولار الكندي.

بهذه العملة السهلة التحويل، تمكّن النظام الكوبي فعليًّا من طباعة البيزو للحصول على العملة الصعبة. لقد سحب للبساط من تحت أقدام الكوبيين، ليكون سببًا رئيسًا للاحتجاجات التاريخية اليوم.

قالت لوسيا إن الخط الرسمي للحكومة هو أن نظام الـ MLC ضروري للدولة لجذب العملة الصعبة حتى تتمكن الدولة من شراء الأشياء في السوق الدولية، للحفاظ على استمرار النظام وإطعام الناس – وهو اعتراف مذهل بفشل الثورة.

ثانيًا اكتشاف الحرية بالبيتكوين

قابلتُ لوسيا على تليغرام (Telegram)، من خلال صديق مشترك يدير مجموعة دردشة البيتكوين في أمريكا اللاتينية. منذ ثمانية عشر شهرًا بدأت في شراء البيتكوين براتبها الحكومي. إنها تستخدم مجموعات التليغرام للعثور على أشخاص يرغبون في بيع البيتكوين مقابل MLC أو البيزو.  تقوم بالمعاملات بشكل شخصي – في مقهى، على سبيل المثال – حيث ترسل MLC من حساب الهاتف المحمول الخاص بها إلى البائع، أو تقوم بتسليم أوراق نقدية من البيزو مختومة بوجوه شخصيات ثورية مثل تشي جيفارا (Che Guevara) مقابل تحويل عملة البيتكوين إلى محفظة غرين (Green wallet) التابعة لشركة (Blockstream) على هاتفها.

منذ أن بدأت لوسيا «تكديس الساتوشيّات» (أي الادخار بالبيتكوين)، نمت ثمار عملها نموًّا كبيرًا وزادت قوتها الشرائية زيادة كبيرة. منذ ربيع عام 2020، ارتفع سعر البيتكوين من أقل من 5000 دولار إلى أكثر من 40 ألف دولار. لو احتفظت لوسيا بمدخراتها بالبيزو، لفقدت كل شيء تقريبًا.  لقد غيرت عملة البيتكوين حياتها وأنقذتها.

أخبرتني لوسيا أنها ليست عبقرية في التكنولوجيا.  في البداية، لم تكن تعتقد أن البيتكوين ستكون مناسبة لها (قالت «لا أحب الرياضيات») ولكن في أوائل عام 2020، بدأت في مشاهدة قناة روسيا اليوم (RT) لبضع ساعات كل ثلاثاء وخميس وسبت.  نظرًا لأنها دعاية روسية موثوقة، يبث النظام الكوبي قناة RT (المعروفة سابقًا باسم “روسيا اليوم”) على التلفزيون الحكومي.  ومع ذلك، يُطلق على أحد العروض على RT اسم «تقرير كايزر» (من إنتاج ماكس كايزر (Max Keizer) وستايسي هيربرت (Stacy Herbert)) وكان ينصح باستخدام البيتكوين.  يُسمح على الأرجح ببث البرنامج لأن لهجته انتقادية جدًا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، كان هذا العرض مثل حصان طروادة نوعا ما، حيث وصل إلى عدد كبير من الكوبيين والفنزويليين من خلال برامج الدولة وأدخلهم في اقتصاد البيتكوين الجديد.  ومن المفارقات بالنسبة إلى لوسيا، أن دعاية الدولة الاشتراكية هي التي أوضحت لها كيفية الحصول على الحرية الشخصية، وليس مئات الملايين من الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة على الترويج للديمقراطية في كوبا منذ التسعينيات.

مفتونة بما سمعته في «تقرير كايزر» حول شكل جديد من النقود الرقمية، بدأت لوسيا في البحث عن البيتكوين. وانضمت في النهاية إلى مجموعة تليغرام – باللغة الإنجليزية أولاً ثم بالإسبانية – مليئة بأمريكيين لاتينيين آخرين يتابعون العرض.  أعطتها هذه المجتمعات تعليماً كاملاً حول كيفية استخدام البيتكوين.

قالت لوسيا: «لقد علموني كيف يمكنني أن أكون بنك نفسي».

من خلال إحدى المحادثات ذات يوم، اكتشفت لوسيا أن إحدى صديقاتها كانت تستخدم البيتكوين أيضًا، وبدأتا تتحدثان عنه بشكل منتظم. انضمت لوسيا أيضًا إلى العديد من مجموعات البيتكوين التي تركز على كوبا على منصة التليغرام، وواصلت توسيع معرفتها. اشترت من البيتكوين بقيمة 10 دولارات أمريكية ثم أرسلتها إلى صديق في الخارج، وقد اندهش الاثنان معًا من عدم اضطرارهما لاستخدام أيٍّ من البنوك أو تقديم أي هوية أو استخدام النظام الرسمي بأي شكل من الأشكال.  حتى العملة نفسها، كما أدركوا، لم تنتجها دولة أو شركة، بل مجتمع في الإنترنت. لم يعرفوا حتى من الذي أنشأ البيتكوين، ولا يبدو أن الأمر مهم بالنسبة لهم.

قالت لي: «هذا أمر خارق». ثم أتبعت: «ما هي الأوراق التي كان عليّ تعبئتها؟  لا شيء على الاطلاق».

أخبرتني لوسيا أن العديد من الأشخاص يتلقون عملة البيتكوين من الخارج ثم يحولونها إلى MLC أو البيزو لشراء الطعام أو الإمدادات. في حالتها، تستخدمه للاستثمار من أجل مستقبلها.  تسميها «احتياطيها الشخصية» وأفضل خيار لتوفير المال.

قالت لوسيا إن الحظر الأمريكي لا يزال مؤلمًا جدًا للكوبيين.

قالت: «سينكر الكثير من الناس هذه الحقيقة، لكن لم يعد بإمكاننا شراء بطاقات ال MLC بالدولار. ليس لدينا وسيلة للوصول إلى التطبيقات المالية الأمريكية. تواجه عائلاتنا في الولايات المتحدة صعوبة بالغة في إرسال الدولارات إلينا».

قالت: «البيتكوين يساعد في تخفيف الألم».

ترى لوسيا في البيتكوين بديلًا من نظام الدولار.

قالت لي: «إذا كنّا أحرارًا من الدولار، فنحن أحرار».

أظهر العديد من الكوبيين الذين تحدثت إليهم من أجل هذه القصة روحًا وطنية مماثلة، على الرغم من خيانة الثورة.

قالت لوسيا، «إن الحظر يضع حكومتنا في مواجهة الجدار»، مجادلة بأن البيتكوين يمكن أن تمنح الاستقلال ليس فقط لأشخاص مثلها على المستوى الفردي، ولكن للمجتمع الكوبي ككل.

تقول لوسيا إنها دخلت حياتها البيتكوينية الجديدة بفعل الفضول.

«الفضول هو ما يحرك الناس. هذا ما دفعني لأن أصبح عاملة طبية». تواصل قائلة: «إنه يحيي كل البشر».

يدفعها هذا الفضول الآن إلى التعرف على البيتكوين ونشره للآخرين.

قالت: «لدى الناس الكثير من الأسئلة. من الذي يصنعه؟ كيف يعمل؟ من أين تحصل عليه؟ من الجيد الاستفادة من هذه اللحظات التي يمكن التعليم فيها».

أخبرتني أنها تقوم الآن شخصيًا بتعليم الآخرين في ماتانساس وفي دوائرها الاجتماعية الأوسع حول كيفية استخدام البيتكوين.

لكن التعلم صعب. وقالت إنه بسبب اليأس، سقط الكثير من الكوبيين في المخططات الهرمية والتسويق الشبكي. وقالت إن الدولة تخلط بين البيتكوين وتلك المخططات، لذلك يخشى الناس عمومًا من التورط. قالت إنه من الصعب التعرف على البيتكوين.  إنه لا يشبه أي شيء رآه الناس من قبل. من الصعب تصديق قدراته.  إن استخدامه بشكل صحيح يستغرق وقتًا وبحثًا.

قالت: «الاعتماد يحدث، لكن الأمر سيستغرق وقتًا».

اختتمت لوسيا حديثنا بإخباري بمدى أهمية استخدام المرأة الكوبية للبيتكوين، قائلة إنه «من الضروري أن تتعلم النساء تأكيد حريتهن المالية». وقالت إنه على الرغم من أن المجتمع الكوبي قد يكون متقدمًا نسبيًا في مجال حقوق المرأة، إلا أنه لا تزال هناك ثقافة أوسع من التحيز الجنسي وكراهية النساء. وقالت إنه حتى في هذا السياق، فإن معظم الرجال لا يفهمون حتى الاستقلال المالي، «لذا تخيلوا مدى صعوبة ذلك على النساء».

«يتيح لك البيتكوين التحكم في أموالك، وإنفاقك، وبالتالي، في حياتك». كما قالت، ثم أتبعت: «كامرأة، أصبح مستقبلي أخيرا بين يدي».

ثالثًا – تاريخ من البؤس الاقتصادي في كوبا

مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كانت كوبا واحدة من أغنى البلدان في أمريكا اللاتينية. كما كتب الباحث في العملات بواز سوبرادو (Boaz Sobrado)، «كان لكوبا قواسم مشتركة مع الولايات الأمريكية مثل لويزيانا وفلوريدا أكثر من الدول ذات الأصول الإسبانية مثل المكسيك وجمهورية الدومينيكان. تجاوز نصيب الفرد من الدخل الكوبي الدخل في المكسيك بنسبة 70٪ وفي جمهورية الدومينيكان بنسبة 300٪.  وكان دخل الفرد فيها أكبر من دخل الفرد في إسبانيا والبرتغال.»

وأشار سوبرادو إلى فندق هافانا هيلتون باعتباره «رمزًا لثراء كوبا في منتصف القرن». كان أطول وأكبر فندق في أمريكا اللاتينية، ويضم 630 غرفة ضيوف و42 جناحًا وكازينو وستة مطاعم وبارات وأروقة ومسبحًا في الهواء الطلق ونظام مرآب فسيح تحت الأرض. للوهلة الأولى، بدت كوبا مكانًا بعيد الاحتمال لثورة اشتراكية. لكن وراء بريق هافانا القديمة كان هناك مجتمع محطم بشدة.

حكم الدكتاتور فولغينسيو باتيستا (Fulgencio Batista) الجزيرة بقبضة من حديد، وبدعم قوي من الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص. كان الدخل السنوي لكوبا يبلغ 353 دولارًا للفرد في عام 1958، لكن معظم العمال الريفيين كانوا يكسبون أقل من 100 دولار، ولديهم خدمات عامة قليلة جدًا وبنية تحتية ضعيفة جدًا. سيطرت الحكومات والشركات الأجنبية على الاقتصاد، حيث امتلكت حوالي 75٪ من الأراضي الصالحة للزراعة، و 90٪ من الخدمات الأساسية و 40٪ من إنتاج السكر.

خلال الخمسينيات، قاد فيدل كاسترو حركة اشتراكية تحدت نظام باتيستا.  بحلول نهاية العقد، كانت تكتيكاته في حرب العصابات، الموجهة من المناطق الجبلية والريفية، قد استنزفت قدراً هائلاً من الأموال والطاقة من العاصمة. في عام 1958، فرضت الحكومة الأمريكية حظرًا على الأسلحة لكوبا، حيث بدأ باتيستا يفقد كل الدعم الأجنبي. في الأول من يناير 1959، استولت قوات كاسترو على هافانا.

وعد «القائد» بثورة شعبية، لكن سرعان ما انحدر حكمه إلى الطغيان، مكتملًا بمعسكرات الاعتقال، وآلاف الإعدامات التعسفية، والشرطة السرية، ودولة المراقبة على قدم المساواة مع ألمانيا الشرقية أو كوريا الشمالية. لقد كانت السجون السياسية على وجه الخصوص شديدة القسوة. فظائع النظام، التي تم إخفاؤها ذات مرة، يعاد تسليط الضوء عليها من خلال شهادات الناجين في كتب مثل «ضد كل الأمل» لأرماندو فالاداريس (Armando Valladares).

كتب أنتوني دي بالما: «الكوبيون الذين تجرأوا على التفكير بشكل مختلف خافوا أكثر من أي شيء آخر من جارهم الدائم، لجنة الدفاع عن الثورة (CDR). كان رئيس كل مجلس الإنماء والإعمار المحلي هو الشخص الذي يبلغ لديه مخبرو الحي. لقد تابعوا من لم يحضر موكب عيد العمال، الذين استمعوا إلى مباراة البيسبول بينما كان فيدل يتحدث على الراديو، والذين كان لديهم طبق قمر صناعي مخبأ تحت برميل على السطح، وقاموا بتمرير المعلومات إلى جهاز أمن الدولة المخيف الستاسي (Stasi) – وهي وزارة داخلية مدربة مثل جهاز الاستخبارات السوفيتي KGB.  كان لدى رئيس مجلس الإنماء والإعمار ما يسميه البعض قوة (fusilamiento del dedo)، والتي تعني حرفياً، «القتل بإشارة الأصبع» من خلال الإشارة وإدانة أي شخص يشتبه في قيامه بأنشطة معادية للثورة. مجرد السماح لشخص ما باستخدام هاتفك للاتصال بأحد الأقارب في ميامي قد يؤدي إلى إدانتك وإفساد حياتك. كانت شبكة المراقبة منتشرة لدرجة أن الكوبيين أصبحوا يخشون إبداء أي شكوى. حتى في منازلهم، امتنعوا عن ذكر اسم فيدل، في حال كان هناك من يستمع. وبدلاً من ذلك، قاموا بالإشارة بعلامة لحية وهمية عندما تجرأوا على انتقاد القائد».

بالإضافة إلى كونها قمعية وحشية ومنتشرة، كانت الحكومة الجديدة أيضًا عديمة الخبرة تمامًا عندما يتعلق الأمر بإدارة الاقتصاد فعليًا.  لقد اتبعوا المثال السوفيتي للنظام المالي المخطط، وسرعان ما أصبحوا معتمدين على الاتحاد السوفيتي سوقًا للتصدير.  حلّ الموالون محلّ الاقتصاديين، بغض النظر عن خلفياتهم أو كفاءتهم. يقال أنه عندما اختار كاسترو تشي غيفارا رئيسًا للبنك المركزي الكوبي، كان ذلك لأن غيفارا رفع يده بعد أن سأل كاسترو عما إذا كان هناك أي شخص اقتصادي، معتقدًا أن فيدل كان يسأل عما إذا كان هنالك أي شخص شيوعي.

في أوائل الستينيات، في سلسلة من العمليات الانتقامية ذهابًا وإيابًا، فرضت إدارتا أيزنهاور وكينيدي قيودًا تجارية، وفي نهاية المطاف حصارًا تامًا على كوبا، أما كاسترو وقواته فأمّموا مئات الملايين من الدولارات التي كانت ممتلكات وشركات أمريكية.

كانت الثورة كارثية على مدخرات الكوبيين الشخصية. كرئيس للبنك المركزي، قام غيفارا بتحويل ربط البيزو من الدولار إلى الروبل، مما أدى إلى خفض قيمة البيزو وقتها بنسبة 75٪.  بعد ذلك، تم إلغاء تداول الأوراق النقدية قبل الثورة. إذا رفضت السلطات الجديدة قبول أموالك القديمة، فقد فقدت كل شيء.

فشلت الخطط والمحاولات الأمريكية المختلفة للإطاحة بكاسترو، واستمر النظام. أصبح يعتمد هيكليًا على السوفييت في النفط والقروض والأسلحة والتدريب الفني وسوقًا لبيع صادراته الرئيسية من السكر، الذي اشترته موسكو بسعر مدعوم أعلى من أسعار السوق.

نما الاقتصاد الكوبي خلال العقود القليلة التالية، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى العلاقة مع السوفييت. ولكن حتى خلال أكثر الأوقات ازدهارًا في كوبا الشيوعية، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كانت تغطية نفقات المعيشة لا تزال صعبة، وحاول الآلاف المغادرة. في عام 1980، فر أكثر من 125000 كوبي إلى الولايات المتحدة على متن حوالي 1700 سفينة وطوافة في حدث عُرف باسم رافعة مارييل للقوارب (Mariel boatlift).

عندما تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، خسر نظام كاسترو ما يصل إلى 5 مليارات دولار من الإعانات السنوية، وانهارت صادرات كوبا من السكر بنسبة 80٪. عانى البيزو من انخفاض في قيمة العملة من 5 لكل دولار إلى 150 لكل دولار.  طلب كاسترو من الشعب الكوبي تقديم تضحيات جماعية لتجاوز تلك الفترة الخاصة، على غرار الطريقة التي طلب بها كيم جونغ إيل من الشعب الكوري الشمالي أن يظل قويًا وملتزمًا خلال «المسيرة الشاقة» في أواخر التسعينيات والتي أدت لهلاك الملايين.

خلال الفترة الخاصة، كان العديد من الكوبيين قادرين على شراء – أو العثور على – ما يكفي من الطعام مرة واحدة في اليوم. وعدتهم كتيبات اللوازم (libreta) بأشياء مثل لحم البقر والدجاج، لكن هذه العناصر اختفت. كان فيدل قد وعد بأنه سيكون بإمكان الجميع تناول كوب من الحليب كل يوم، لكن حتى ذلك فقد.

وبحسب دي بالما، فإن الكوبيين «كانوا يسطّحون قشور الجريب فروت ويطرّونها لقليها كما لو كانت شرائح لحم. أصبحت قشور الموز مطحونة ومخلوطة بالتوابل بديلاً شاحبًا آخر للحوم».  كل عائلة تتلقى حوالي تسع بيضات شهريا. ترافق نقص الطعام مع انقطاع للتيار الكهربائي بشكل «روتيني وطويل الأمد لدرجة أن الليالي الخالية من الضوء أصبحت هي القاعدة، حيث احتفل الكوبيون بالفترات القصيرة التي عادت فيها الأضواء كظواهر عابرة أطلقوا عليها بحماس الإضاءة (alumbrones)».

انهارت الصناعة. على سبيل المثال، بحلول نهاية التسعينيات، اختفت جميع أساطيل الصيد. اليوم، يستهلك الكوبيون 25٪ فقط من المأكولات البحرية التي كانوا يتناولونها في أواخر الثمانينيات. في بلد لا يبعد فيه المرء أكثر من 60 ميلاً عن الماء، يمزح الكوبيون عن كونهم «جزيرة بلا سمك».  البلد الذي كان ينتج 80٪ من طعامه الآن يستورد 80٪ منه. كتب سوبرادو (Sobrado) أن الاستهلاك المحلي لكوبا «لم ينتعش أبدًا إلى مستويات ما قبل عام 1990»، وهو ملخص مأساوي لقصة دولة جائعة.

كانت الأوقات قاتمة لدرجة أنه في عام 1993، اضطر كاسترو إلى جعل دولار الأعداء عملة رسمية لجذب العملة الصعبة.  بدأ الكوبيون في إيداع ودائع بالدولار في البنوك بتحويلات من الخارج. كان قانون تيير النقدي (Thier’s law) ساري المفعول بالكامل، حيث طرد المال الجيد السيئ. قدر سوبرادو أن ما يصل إلى نصف جميع المعاملات اليومية تمت بالدولار، وهو معدل مشابه لفنزويلا الحالية. لوقف هذا الاتجاه ومنع الدولرة الكاملة، طرح النظام البيزو التحويلي، الذي قالوا إنه كان مدعومًا بمبلغ مساوٍ من الدولارات في البنك المركزي الكوبي.

بدافع اليأس، سمح كاسترو أيضًا للمطاعم العائلية بالعمل كمؤسسات صغيرة خاصة. كان هذا جزءًا من عملية افتتاح أوسع شملت السماح للشركات الأوروبية بتشغيل فنادق كوبية، والسماح لبعض المواطنين بإدارة مزارع مستقلة، واستعادة عيد الميلاد كعطلة وطنية – وهي خطوة يُنظر إليها على أنها مقايضة للزيارة الأخيرة للبابا يوحنا بولس.  ثانيًا، أدى الجمع بين الإصلاحات الصغيرة وزيادة الاستثمار الأجنبي إلى انتعاش نسبي من الفترة الخاصة.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في دعم الدولة الكوبية ببعض أرباحه النفطية الجديدة، مما وفر شريان حياة جديدًا. ولكن في الوقت الذي تم فيه إنقاذ الحكومة، ظلت المعيشة بالنسبة للمواطن العادي صعبة للغاية. كتب سوبرادو عن تعبير كوبي: (dice que hay pollo) أو «يقولون أن هناك دجاجة»، وهي العبارة التي كان الحشد في الشوارع يصرخ بها عندما يصبح الدجاج متاحًا في المتاجر. قال إن كتيبات اللوازم (libreta) كان لديها قسم خاص بالأسماك، لكن ذلك القسم نفد وتم استبداله بالدجاج -أو كما يقال بالإسبانية السمك هو دجاج البحر Pollo por pescado)) إلا أنه في السنوات القليلة الماضية، نفد الدجاج أيضًا.

في نوفمبر 2004، وفي مواجهة انهيار اقتصادي آخر، سحبت الحكومة الكوبية الدولار الأمريكي من التداول. انتقلت المتاجر والشركات والمصارف التي تديرها الدولة بالكامل إلى نظام البيزو التحويلي. كان لا بد من تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي عند وصولها إلى كوبا، مما سمح للنظام بالاستيلاء على العملة الصعبة وفرض ضرائب عليها واستبدالها بشيء يمكن طباعته بدون دعم. كانت الصورة الكبيرة هي أن الدولارات التي كان يحتفظ بها المواطنون في يوم من الأيام يحتفظ بها الآن البنك المركزي الشيوعي.

في عصر البيزو التحويلي، سمحت العملات المزدوجة للحكومة بتوفير مستوى أساسي للغاية من بعض السلع والخدمات الرخيصة، ولكنها أنشأت نظامًا يحتاج فيه المرء إلى البيزو التحويلي لأي شيء يتجاوز الطبقة الدنيا من العناصر. على سبيل المثال، قد يكون المرء قادرًا على شراء رغيف خبز منخفض الجودة مقابل 1 بيزو من مخبز تديره الدولة – إذا كان هناك أي شيء متبقي – ولكن بالنسبة لـ 1 بيزو تحويلي، يمكنك الحصول على رغيف أفضل بكثير من متجر أرقى.  كان السياح في العقود الأخيرة يستخدمون البيزو التحويلي فقط، وكانوا يتسوقون في المتاجر الفاخرة بأسعار أعلى بكثير، وبالتالي صبوا دائمًا الكثير من العملات الصعبة في خزائن النظام.

سمحت العملات المزدوجة أيضًا بإجراء الخيمياء المحاسبية التي استفادت منها الشركات التي تديرها الدولة. على سبيل المثال، كما أشار سوبرادو، يمكن للنخبة ذات العلاقات الجيدة شراء تذكرة للسفر من كوبا مقابل بضع مئات من البيزو، بدلاً من بضع مئات من البيزو التحويلي أو الدولارات.  وهذا يعني أيضًا أن بعض مؤسسات الدولة يمكن أن تشتري الواردات بسعر «البيزو»، ثم تبيع بسعر الدولار.  كان هناك مبالغة مزمنة في الأصول وتقليل في تقدير المصروفات. لقد تمت هذه الحيل المالية على حساب البيزو والعامل العادي.

لدى العديد من الكوبيين وظيفة أخرى غير وظائفهم الحكومية، وهو ما قد يمنحهم إمكانية الوصول إلى البيزو التحويلي (أو بديلها اليوم، MLC) ويكسبهم ما يكفي للبقاء على قيد الحياة. يمكن للمرء في كثير من الأحيان أن يكسب أكثر من راتب الدولة الشهري أو معاشه التقاعدي في يوم واحد في السوق السوداء.  قال سوبرادو إن البعض يحصل حتى على ما يسميه رواتب سلبية: «الناس أحيانًا يرشون رئيسهم حتى لا يضطروا للحضور.  وبهذه الطريقة يمكنهم العمل من أجل كسب دخلهم طوال اليوم».

كتب دي بالما بأن «كل الكوبيين تقريبًا – سواء كانوا صاحب مشروع صغير أو والد يبحث عن العشاء – أصبحوا مجرمين بطريقة أو بأخرى. استبدل مصطلح (Inventando) وهو الفعل الإسباني للاختراع إلى حد كبير بكلمة ‹سرقة› باللغة الكوبية العامية، وتغيرت قواعد المجتمع المدني إذ تغاضى الناس عن السرقة، ما دام المسروق من الدولة وليس من أحد الجيران أو صديق. في كوبا الجديدة، كان الاختراع وسيلة لتسوية الملعب وتعويض رواتب الدولار في اليوم البائسة التي يتلقاها موظفي الدولة».

من الصعب تخيل التدهور التراكمي للاقتصاد الكوبي، لكن حقيقة أن حصاد 2018 من السكر أنتج مليون طن فقط، وهو نفس حصاد عام 1894، يساعد في رسم الصورة. اضطرّت كوبا، التي كانت في يوم من الأيام أكبر مصدر للسكر في العالم، إلى الاستيراد من فرنسا.

الإصلاحات «التاريخية» للنظام التي أعلن عنها راؤول ودياز-كانيل لم تكن إلا تعديلات صغيرة. لا تنمو ريادة الأعمال نموًّا جيدًا في مناخ لا يوجد فيه سوق جملة، مع وجود قيود صارمة على عدد الموظفين الذين يمكن للمرء تعيينهم، مع غلاء التراخيص والضرائب وندرة القروض.  بحلول عام 2017، على الرغم من العديد من الإصلاحات التي تم الترويج لها، لا يزال الجينز يكلف راتب شهر كامل من دخل الدولة، والحصص المتوفرة منه تنفد بعد أيام قليلة فقط.  سمح نظام الرعاية الصحية المتبجح بانتشار وباء الكوليرا، حيث كان يميل نحو رعاية خاصة للنخب.  ظل التعليم في طور الدعاية الترويجية للنظام.  في عامي 2014 و2015، فتحت إدارة أوباما قيودًا أمريكية، مما عزز المشاريع المحلية بقدوم موجة من السياح الجدد. لكن أوباما أنهى أيضًا سياسة الهجرة (القدم الجافة، القدم الرطبة)، وبعد سنوات قليلة عكس ترامب الانفتاح.

وفقًا لدي بالما، فإن الإصلاحات الاقتصادية الصغيرة التي قدمتها الحكومة للكوبيين على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية لم تكن «حرية لتطوير أنفسهم، ولكن تصريحًا لكسب مستوى من البقاء لم يعد بإمكان الحكومة توفيره. علاوة على القيود التي فرضتها على رؤيتهم الريادية وقدرتهم على جمع الثروة، طلبت الحكومة من الرأسماليين المحتملين شراء تراخيصهم مقابل رسوم باهظة نسبيًا ودفع ضرائب باهظة.  الهدف، كما حددته الحكومة، هو جعل كوبا دولة غنية بدون أغنياء».

رابعًا – أزمة حقوق الإنسان في كوبا

في أثناء بحثي لهذا المقال، تحدثت إلى مدافعة عن حقوق الإنسان لديها خلفية في المحاسبة والمالية، وتعيش في هافانا.  لم ترغب في الكشف عن اسمها («أريد أن أبقى متوارية عن الأنظار»، كما قالت) لكنها تحدثت بصراحة عن مجموعة متنوعة من الموضوعات الحساسة في دردشة الفيديو الخاصة بنا. سوف ندعوها فيريتا (Verita).

قلقها مفهوم. لا تزال كوبا دولة شيوعية ذات حزب واحد. يستمر نظام دياز كانيل في مناخ الخوف الذي بناه آل كاسترو. الأحزاب السياسية الأخرى غير قانونية، والمعارضة تقمع، والحريات المدنية مقيدة بشدة. وبحسب منظمة فريدوم هاوس (Freedom House) التي تراقب حقوق الإنسان، فإن «طابع النظام غير الديمقراطي لم يتغير على الرغم من القيادة الجديدة في عام 2018 وعملية التطبيع الدبلوماسي مع واشنطن، والتي توقفت في السنوات الأخيرة».

كسبت كوبا 13 فقط من أصل 100 نقطة محتملة في تقرير الديمقراطية الصادر عن فريدوم هاوس 2021، مع نقطة واحدة فقط من أصل 40 نقطة حول الحقوق السياسية، و 12 من 60 نقطة حول الحريات المدنية. يحظر الدستور الإعلام المستقل، و«الصحافة المستقلة في البلاد تعمل خارج القانون، وتعتبر منشوراتها «دعاية معادية»، ويتعرض صحفيوها للمضايقة والاحتجاز والاستجواب والتهديد والتشهير في الصحافة الرسمية ومنعهم من السفر إلى الخارج».

الكوبيون ممنوعون من نشر محتوى على خوادم أجنبية، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، وبشكل عام لا يمكنهم مشاركة أي شيء «يتعارض مع المصلحة الاجتماعية والأخلاق والعادات الحميدة ونزاهة الشعب». أصبحت الجامعات والمدارس الخاصة غير قانونية منذ الستينيات، ويتم ترقية المعلمين على أساس الولاء الأيديولوجي وليس الأداء الأكاديمي. وتم حظر النقابات العمالية المستقلة، ولا يمكن للعمال الكوبيين الإضراب أو الاحتجاج أو المساومة الجماعية. كما يقول المثل الثوري الشعبي، (Dentro de la revolución, todo. Contra la revolución, nada) أو «في الثورة: كل شيء. ضد الثورة: لا شيء».

فيريتا هي جزء من مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا. ولدوا إلى حد كبير في التسعينيات في أعقاب الفترة الخاصة، وهم يعيشون تحت هجوم مستمر. في عام 2003، في نفس الوقت تقريبًا الذي اضطر فيه النظام إلى تعديل نظام العملة لإبقاء المجتمع واقفاً على قدميه، أطلق النظام حملة «الربيع الأسود»، واعتقل العشرات من الشعراء والمؤلفين والصحفيين.  حتى يومنا هذا، تقوم أخوات وزوجات وبنات هؤلاء السجناء السياسيين بمسيرة في هافانا كل يوم أحد من أجل حريتهم، ويُعرفون باسم داماس دي بلانكو (Damas de Blanco) أو «سيدات يالأبيض».

تستمر المنافذ المستقلة مثل 14ymedio، التي أسسها المدون وعالم اللغة يواني سانشيز (Yoani Sánchez)، ودياريو دي كوبا (Diario de Cuba) في تقديم التقارير، لكن العمل لا يزال صعبًا. توفي أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا، أوزوالدو بايا (Oswaldo Payá)، في حادث سيارة في عام 2013، وهو حادث يُعتقد على نطاق واسع أنه جريمة قتل حكومية. لا يزال النزول إلى الشارع والاحتجاج ينطوي على مخاطر كبيرة، حيث اختفى المئات من متظاهري الشهر الماضي وكانت هناك أحكام سجن مطولة بحق المتظاهرين.

في عام 2018، تشكلت مجموعة من الإفريقيين الكوبيين من الأكاديميين والفنانين والصحفيين المعروفة باسم حركة سان إيسيدرو (San Isidro Movement)، للاحتجاج على المرسوم رقم 349، وهو قانون شيوعي يتطلب ترخيصًا مسبقًا من الحكومة للنشاط الفني. في نوفمبر 2020، أطلقت المجموعة احتجاجًا لدعم أحد أعضائها، مغني الراب دينيس سوليس (Denis Solis)، الذي أدين بـ «ازدراء السلطة». داهمت شرطة الدولة الاحتجاج، لكن النظام اضطر إلى الوعد بمزيد من الحقوق للفنانين، وزُرعت بذور انتفاضة الشهر الماضي.

كانت المجتمعات الكوبية السوداء في قلب هذه الاحتجاجات.  تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 90٪ من العائلات الكوبية البيضاء لديها أقارب في الخارج كمصدر تدفق للتحويلات المالية، ولكن فقط 30٪ إلى 40٪ من العائلات الكوبية السوداء لديها نفس الخيار. غييرمو «الشبح» فاريناس، وهو معارض أسود معروف، يصف الوضع بأنه «برميل بارود على وشك الانفجار».

في البداية، كانت فيريتا، وهي أيضًا كوبية إفريقية، رسمية للغاية، تقرأ حرفياً من خطاب كانت قد أعدته للجزء الأول من محادثتنا، حيث تحدثنا عن الاقتصاد. وظلت تكرر الخط الحكومي القائل إن «تخفيض قيمة العملة لا يؤثر على التضخم» وأن سعر صرف البيزو مقابل الدولار يظل من 24 إلى 1. في وقت لاحق في محادثتنا، انفتحت، وأخبرتني أنه في الواقع، فإن سعر الصرف لا يقل عن 70 إلى 1. كان من الواضح أن الأخ الأكبر لا يزال على قيد الحياة في ذهنها.

وأوضحت فيريتا أن نظام الـ MLC كان بمثابة استراتيجية حكومية لتخزين العملات الأجنبية الصعبة وتجنب هروب الدولار واليورو.  وقالت إنها كانت أيضًا وسيلة للحكومة لفرض ضرائب على القطاع غير الرسمي الذي كان يسرب كميات هائلة من القيمة خارج كوبا.

على سبيل المثال، قبل بضع سنوات، إذا كنت ترغب في شراء مكيف هواء، فمن المحتمل أن تقوم بتوظيف شخص ما (يُعرف أحيانًا باسم «البغل») في مكان مثل بنما، وسيحضرونه إليك وستدفع لهم بالدولارات، والتي من شأنها أن تترك الاقتصاد الكوبي بشكل دائم، دون أن يحصل النظام على فرصة للحصول على اقتطاع. مع نظام MLC، يخزن النظام الأجهزة مثل مكيفات الهواء، بحيث يسهل على المواطنين شرائها هناك بدلاً من البغل.  بهذه الطريقة، بدلاً من تسريب العملة الصعبة، يقوم النظام بتجميعها فعليًا، حيث يطلب المواطنون من العائلة والأصدقاء والزملاء تعبئة حسابات MLC الخاصة بهم حتى يتمكنوا من شراء مكيف الهواء.

ونتيجة لذلك، قالت فيريتا، إن البيزو في طور فقدان قيمته كعملة رسمية. من بين الوظائف الرئيسية الثلاث للنقود، فقد بشكل أساسي وظائف تخزين القيمة ووحدة الحساب – والتي تسربت الآن إلى MLC أو الدولار – كل ما تبقى للبيزو هو وظيفته كوسيلة للتبادل بين الأفراد عند التفاعل مع الحكومة، أو عند شراء الأشياء في الشارع.

عندما سألتها ما إذا كانت الحكومة لديها خطة لوقف تضخم البيزو، أعطتني نظرة لن أنساها أبدًا: أدارت رأسها وابتسمت قليلاً ونظرت إليّ نظرة عدم التصديق.

«خطة؟» سألت ثم واصلت قائلة: «كلا.  لا توجد خطة».

في تقديرها، سيحتاج الاقتصاد الكوبي إلى النمو بنسبة 5 ٪ سنويًا على مدار الـ 12 عامًا القادمة للتعافي من الصدمة الحالية.  لكنها قالت إنه تقلص بالفعل بنسبة 11٪ في عام 2020 وسينكمش أكثر في عام 2021. وستكون، على حد قولها، «كارثة».

خامسًا – الأثر المستمر للحظر

لمعرفة المزيد عن تأثير الحظر الأمريكي على الكوبيين، تحدثت إلى ريكاردو هيريرو (Ricardo Herrero)، ابن أحد المنفيين الكوبيين والمدير التنفيذي لمجموعة دراسة كوبا (the Cuba Study Group). وأوضح أنه اليوم، بسبب العقوبات الأمريكية، لا يمكن للكوبيين الوصول إلى مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية الشهيرة مثل خدمات الدفع الرقمي مثل بأي بال (PayPal) أو سترايب (Stripe) أو كاش آب (Cash App) أو زيلا (Zelle) أو منصة التداول كوين بايس (Coinbase) أو موقع استضافة المبرمجين غيت هب (GitHub) أو شركة التصميم الإعلاني أدوبي (Adobe) أو موقع تحميل ومشاركة الملفات دروب بوكس (Dropbox) أو برمجيات إيجار التاكسي ليفت (Lyft) أو أوبر (Uber) أو منصة التسوق الرقمي أمازون (Amazon).  ووصف الحظر بأنه «أكثر أنظمة العقوبات صرامة وتوسعا تجاه أي مجتمع على هذا الكوكب».

يعمل هيريرو على المساعدة في دفع حكومة الولايات المتحدة إلى تخفيف بعض هذه القيود. قال إن وظيفته صعبة، لا سيما بسبب قانون توريسيللي وهيلمز-بيرتون (Torricelli and Helms-Burton Acts)، الذي أُقرّ في التسعينيات، فأضفى الطابع الرسمي على القيود المفروضة على التجارة الأمريكية، والأعمال التجارية والسفر إلى كوبا من أجل زعزعة استقرار نظام كاسترو في وقت الضعف وتعزيز المعارضة الديمقراطية.

على عكس سياسة كوبا السابقة بين سنوات كينيدي وكلينتون، في العصر الجديد منذ عام 1996 عندما تم تمرير هيلمز بيرتون، تم تقنين الحظر في القانون ولا يمكن رفعه بأمر تنفيذي.  عندما ركز القانون وقتها على المطالبات الأمريكية بالأعمال التجارية والممتلكات التي يعتبرها القانون مسروقة من قبل نظام كاسترو خلال الثورة، وسع هيلمز بيرتون القيود المفروضة على الشركات الأمريكية ومنع أي شركة في العالم من ممارسة الأعمال التجارية في كوبا. إنه يهدد، على سبيل المثال، بمنع شركة من الدخول أو التعامل مع الولايات المتحدة إذا اختارت القيام بأعمال تجارية مع كوبا.

تنازل رؤساء الولايات المتحدة كلينتون وبوش وأوباما عن جزء من القانون، لذلك تمكنت بعض الكيانات الأجنبية من التعامل مع كوبا، وكانت النتائج متباينة. كما لاحظ سوبرادو بشكل جاف، فإن هافانا هيلتون (Havana Hilton)، الذي أعيدت تسميته إلى هابانا ليبر (Habana Libre) خلال الثورة، تم تسليمه في النهاية إلى سلسلة الفنادق الإسبانية ميليا العالمية (Meliá Hotels). اعتبارًا من العام الماضي، بقي الفندق الشهير فارغًا.

في العام الماضي، صنف الرئيس ترامب كوبا دولة راعية للإرهاب وأدخل 243 إجراءً جديداً لتعزيز الحظر. لم يلغ الرئيس بايدن هذه الإجراءات بعد. قال هيريرو إن قانون هيلمز بيرتون هو الرادع الذي يفسر سبب عدم رؤية محلات القهوة ستاربكس (Starbucks) أو محلات الملابس زارا (Zara) أو مطاعم ماكدونالدز (McDonalds) في كوبا.  ولهذا السبب لا تحصل كوبا على قروض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي (IMF).  هذا هو السبب في أن محطة جوراغوا للطاقة النووية لم تنتهِ قطّ. خلال افتتاح أوباما في عامي 2015 و2016، حاولت بعض شركات الدفع الأمريكية استكشاف إنشاء خدمات دفع بين الولايات المتحدة وكوبا، ولكن بمجرد فوز ترامب في الانتخابات، كان من الواضح أن الانفتاح سيتم التراجع عنه، وتم تعليق الخطط.

وقال هيريرو إن الحظر يعطي «الأكسجين السياسي» للرواية الثورية للحكومة الكوبية.

«إنه البعبع الكبير». كما قال، ثم قال: «من دونه، سيعاني النظام انهيارًا أيديولوجيًّا».

إن الحصار الممزوج بحكومة قمعية غير كفؤة هو مزيج مأساوي بشكل خاص. وقد تجلى ذلك مؤخرًا عندما عجز مواطن بريطاني مصاب بالسكري عن العثور على الأنسولين في هافانا، بسبب النقص الطبي. حاولت زوجته شحنه من لندن، لكن شركة توصيل الطرود (DHL) أعادت الطرد، وكتبت عبارة “عقوبات أمريكية على كوبا” على الملصق. توفي الزوج في المستشفى بعد فترة وجيزة.

قالت زوجته: «مزيج العقوبات الأمريكية على كوبا، وسوء إدارة كوبا للموارد الشحيحة، ووباء كوفيد -19 هو مزيج قاتل».

لا يزال هيريرو يلقي باللوم على معاناة الشعب الكوبي بشكل مباشر على أكتاف النظام، وقال إنهم يلعبون لعبة مزدوجة.  يلقي النظام باللوم على الحصار في جميع أو معظم الأزمات في كوبا، لكنهم «لم يفوتوا أبدًا فرصة لتفويت فرصة رفعه».

النظام يواصل استخدام الحصار ككبش فداء وأداة لجذب التعاطف الدولي لقضيته.

قال هيريرو: «إنهم يرسمون أنفسهم كداوود أمام جالوت الإمبريالي».

في ظل انفتاح أوباما، سارعت الشركات الأمريكية لإبرام الصفقات، لكن النظام سمح لعدد قليل جدًا من الكوبيين بالتوقيع.  أوضح هيريرو أن هذا يرجع جزئيًا إلى عقليتهم السوفيتية: «تم تدريب البيروقراطيين على أن يكونوا أعداء لليانكيز الأمريكين، وأن يعارضوا الرأسمالية».

عندما أتيحت لهم الفرصة لربط كوبا بالعالم، لم يتمكنوا من اغتنامها. على مدى العقد الماضي، تحدث النظام الكوبي عن المشاريع الخاصة واللامركزية في الاقتصاد، لكن في الواقع، كان الكلام جعجعة من غير طِحن.

أوضح أنتوني دي بالما أن النظام يذكر الكوبيين باستمرار «بالخطر الإمبريالي من الشمال، لكنه يطالب أيضًا بأن تُسقط الإمبراطورية حظرها حتى تتمكن كوبا من القيام بمزيد من الأعمال التجارية مع أمريكا وحلفائها.  لقد استخدم النظام التهديد الدائم بالتدخل الأمريكي كغطاء لكل زلة، أو برنامج فاشل، أو نقص في الغذاء، أو انقطاع التيار الكهربائي على مدى العقود الستة الماضية، لكنه يعتمد أيضًا على مليارات الدولارات الأمريكية التي يرسلها المنفيون في التحويلات المالية للسماح لكوبا بالبقاء واقفة على قدميها.  تقدم وسائل الإعلام التي تديرها الدولة الولايات المتحدة على أنها جحيم من إدمان المخدرات والقتل الجماعي والاستهلاك الجامح، بينما تصور كوبا على أنها جنة المساواة التي تديرها حكومة لا يمكنها أن ترتكب أي خطأ.  ومع ذلك، عندما يقارن الكوبيون حياتهم مع ما يسمعونه من أقاربهم في ميامي أو مع ما يرونه على الإنترنت، فإنهم يعرفون أن الأمر ليس كذلك».

إن كل ما يروج له النظام حول اقتصاده تقريبًا هو غطاء أيديولوجي لتغطية الاستغلال.  اعتبارًا من عام 2018، لم يكن أكبر مصدر للإيرادات في كوبا هو صناعة السياحة، بل كان تصدير أكثر من 50000 من العاملين في مجال الرعاية الصحية كل عام إلى أكثر من 60 دولة. تم تصميم النظام التعليمي في كوبا لإنتاج فائض من الأطباء والممرضات والفنيين – «جيش من المعاطف البيضاء» – الذين يتم إرسالهم إلى الخارج في مخطط العلاقات العامة.  قال هيريرو إن البرنامج هو وسيلة «لنسج الثورة» في حل، حيث تعلن الحكومة بفخر أننا سنرسل ألوية حول العالم لإنقاذ المضطهدين الذين تجاهلتهم القوى الإمبريالية.  في الواقع، تصادر الدولة 75٪ من رواتب هؤلاء العمال، وتحصل على أكثر من 11 مليار دولار سنويًا، مما يشكل شكلاً من أشكال العبودية بعقود طويلة الأجل، أكبر صادرات كوبا.

في غضون ذلك، يجد الكوبيون في الخارج صعوبة في إرسال الأموال إلى عائلاتهم.  قال هيريرو إن إحدى الطرق هي إجراء تحويل مصرفي لشخص ما في بنما الي هافانا هو نقلها نقدا بواسطة «حقيبة من القماش الخشن».  هناك طريقة أخرى تتمثل في الاعتماد على نظام من نوع الحوالة.  يمكن للمرء أن يعطي 100 دولار لشخص ما في ميامي، ويتصل بشريكه التجاري في هافانا ويطلب منه تقديم 100 دولار مطروحًا منها الرسوم لعائلة ذلك الفرد. كانت معاملات شركة تحويلات المغتربين عبر ويسترن يونيون (Western Union) من الولايات المتحدة إلى كوبا أيضًا خيارًا حتى نوفمبر الماضي إلى أن أغلقتها إدارة ترامب.  أغلقت الشركة 407 مواقع في جميع أنحاء الجزيرة، وهو ما يبدو مذهلاً، لكن هيريرو قال إن معظم الكوبيين وجدوا بالفعل الخدمة باهظة الثمن.

على سبيل المثال، وصفت هيريرو صفقة ويسترن يونيون من العام الماضي، حيث أرسل شخص ما 1030 دولارًا إلى أحد أفراد الأسرة في كوبا.  كانت الرسوم 77.25 دولارًا أمريكيًا، لذا كان إجمالي المبلغ الذي دفعه المرسل 11107.25 دولارًا أمريكيًا.  المبلغ المستلم في كوبا كان 1000 دولار.  تم تقسيم الرسوم المكونة من خانتين إلى 2.5٪ الإقامة في الولايات المتحدة كرسوم تخليص، و4٪ تذهب إلى ويسترن يونيون، و1٪ تذهب إلى فينيسميكس (Fincimex) وهو «معالج الدفع الحكومي الكوبي المعتمد حاليًا»، و2.5٪ احترقت في «سعر الصرف» للتحويلات، والتي ذهبت إلى جيوب الحكومة.

حتى إذا فتحت الولايات المتحدة خدمة ويسترن يونيون مرة أخرى، فلن يتلقى المستلمون سوى 1000 دولار “بالسعر الرسمي” البالغ 24 بيزو إلى دولار واحد.  لذا سيحصل المستلم على 25000 بيزو، على الرغم من أن القيمة الحقيقية للتحويل هي 70000 بيزو.  سيحافظ النظام على الفرق.

قال هيريرو إن بإمكان الأمريكيين بالفعل تغذية حسابات MLC مباشرة بالدولار حتى الصيف الماضي. لكن العقوبات الجديدة لإدارة ترامب أغلقت هذه القناة. إلى جانب إغلاق الرحلات الجوية وانخفاض السياحة، قال هيريرو إن هذه كانت «ضربة مزدوجة» تسببت في انخفاض كبير في تدفقات الدولار إلى كوبا.  قال، حدث هذاعندما بدأ البيتكوين في الإقلاع.

قال لي: «ما من عملة يمكن أن تساعد في في التغلب على تذبذبات السياسة الأمريكية الكوبية على مدى السنوات الخمس الماضية أفضل من البيتكوين».

وأضاف: «من الصعب أن ينمو أي شيء في كوبا، ولكن إذا كنت تستثمر في عملة البيتكوين على مدى السنوات القليلة الماضية، فإنك تنمو».

سادسًا – البيتكوين وسيلةً للالتفاف على النظام الكوبي

أخبرني هيريرو عن إريك غارسيا كروز (García Cruz Erich)، شخصية بيتكوين كوبية شهيرة. أطلق على كروز لقب «رجل السنت الواحد»، لأنه غالبًا ما يظهر كضيف على التلفزيون الحكومي، ويدير قناته الشهيرة على منصة التواصل الاجتماعي يوتيوب (YouTube) لمراجعة أنواع مختلفة من التكنولوجيا وأنظمة الدفع.  لقد تواصلت مع كروز لمعرفة المزيد.

قال لي كروز: «لقد عشت في هافانا منذ اليوم الذي ولدت فيه».  كان مرتاحًا لاستخدام اسمه في هذه المقابلة، حيث قال إنه بالفعل شخص «مشهور جدًا ومعروف جدًا».

وقال كروز إن الاحتجاجات الأخيرة اندلعت بسبب نقص الغذاء، ونقص الأدوية، والأشخاص الذين يعانون من الجوع، ومحاولة البقاء على قيد الحياة في ظروف وحشية، وأثناء الوباء، والبيروقراطية الحكومية، وارتفاع التضخم.

«الشعب الكوبي متعب». كما قال، ثم أتبع قائلا: «إنهم يريدون حياة أفضل».

قال كروز: «النظام لا يعمل، لذلك يلجأ الناس إلى البيتكوين للهروب».

شركة كروز، بيتريميساس (Bitremesas)، حلٌّ للمشكلة العملاقة التي يواجهها الناس عند محاولة إرسال تحويلات مالية من الولايات المتحدة إلى كوبا.  مرة أخرى، بسبب الحظر، لا تستطيع البنوك الأمريكية تحويل دولارات إلى حسابات كوبية.  لم يعد هناك خدمات تحويل نقدي كترانسفروايز (Transferwise)، ولا باي بال (PayPal)، ولا ريفولت (Revolut)، ولا حتى ويسترن يونيون (Western Union) بعد الآن.

لا تزال طريقة البغل تعمل، وهي تحويل الأموال إلى شخص ما سيذهب جسديًا إلى كوبا ويعطي نقودًا لعائلتك، لكن هذا مكلف ويستغرق وقتًا طويلاً.  قال كروز إنه يمكن للمرء أيضًا إجراء تحويل إلى أحد البنوك في إسبانيا، على سبيل المثال، حيث يمكن إرسال الحوالة مباشرة إلى حساب MLC الخاص بشخص ما.  لكن مرة أخرى، باهظ الثمن ويستغرق وقتًا طويلاً.

قال كروز إن الخيار الأفضل هو استخدام البيتكوين.

«لقد أصبحت وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي». وقال: «عدد الكوبيين الذين يستخدمون البيتكوين آخذ في الازدياد».

يقدر كروز أن 300000 مواطن كوبي على الأقل استخدموا البيتكوين أو العملات الرقمية مرة واحدة على الأقل، وربما يستخدمها 100000 على أساس منتظم.  يمثل هذا 2.5٪ من سكان الجزيرة، وهو ما يتماشى تمامًا مع التقديرات العالمية التي تشير إلى أن 200 مليون شخص من أصل 7.8 مليار شخص في العالم قد استخدموا عملة البيتكوين.

قال كروز إن أي شركة كوبية لا تستخدم الببيتكوين اليوم للتفاعل مع النظام المالي الدولي ستتعلم بالطريقة الصعبة، وستتكيف وتتبنى.

وقال: «ستضطر جميع الشركات التي تتعامع مع جهات خارجية إلى استخدام البيتكوين». «لدينا قول مأثور في كوبا: عليك ركوب الحافلة، لأن الحافلة تغادر المدينة».

إنه يعتقد أن معدل تبني البيتكوين هو بالفعل أكبر بالنسبة للفرد في كوبا مما هو عليه في أوروبا أو كندا، لكنه أخبرني أنه لم يكن دائمًا من المؤمنين بالبيتكوين. في الواقع، حتى مارس 2020، كان يعتقد أنها عملية احتيال. قال إنه كان هناك دائمًا أصدقاء وزملاء يحاولون تعريفه بالعملة الرقمية، لكنهم كانوا يحاولون حمله على القيام بذلك حتى يتمكن بعد ذلك من إرسال عملة البيتكوين إلى مخططات هرمية مثل أربيستار (Arbistar) أو ترست للاستثمار (Trust Investing).

قال: «كنت متشككًا للغاية».

في مارس 2020، قدم كروز مقطع فيديو شائعًا حيث كشف عن احتيال تراست للاستثمار، وأظهر كيف أنها كانت مخططًا هرميًا. كجزء من رد الفعل على الفيديو، شجعه الناس على النظر في خيارات الاستثمار الأخرى. كان أحدهما البيتكوين. تعهد لنفسه بأن يحاول أن يصبح خبيرًا في الموضوع.

في أبريل ويونيو 2020، ذهب في «جحر الأرنب» و «اكتشف الكأس المقدسة».  قال لي، من خلال عدسة البيتكوين، «ترى القيود الفعلية التي يُقَيَّدها الكوبيون والحرية التي توفرها البيتكوين. وترى العالم من منظور مختلف».

قال: «لا يمكننا الوصول إلى حلول الدفع التقليدية.  كنا عالقين.  حسنًا، إذا كان هذا هو الحال فسأنشئ مزود دفع باستخدام البيتكوين، وسنطور نشاطًا تجاريًا حول هذه الفرصة».

في 1 سبتمبر 2020، أطلق كروز بيتريميساس حتى تتمكن العائلات الكوبية من التعامل بسهولة بين الولايات المتحدة وكوبا.  العملية بسيطة: يقوم شخص ما في الولايات المتحدة بإرسال عملة البيتكوين إلى محفظة تديرها بيتريمساس (أخبرني أنها عبارة عن محفظة متعددة التوقيع (multisig) بحاجة الي توقيعين اثنين من أصل ثلاثة، للحصول على أمان إضافي) – ثم تبيع الشركة عملة البيتكوين مقابل MLC أو البيزو، وتقوم بتسليمها للمستلم.

وصف كروز نظام «مناقصة سلبية»، حيث تعلن شركته عن تحويل بيتكوين بقيمة 100 دولار أمريكي حديثًا في شبكة محلية: سيعرض أحد المتداولين 95 دولارًا، وسيقدم 94 دولارًا آخر.  سوف تبيع بيتريمساس لأدنى مزايد وتتخذ الفرق كأرباح. سيقوم التاجر بتسليم الأموال إلى المستلم. وقال إن التحسن الكبير الذي يحدثه هذا مقارنة بالطرق الأخرى لإرسال الأموال إلى كوبا هو أن المتلقي يقترب من سعر الصرف الحقيقي. وقال إن المرور بالنظام الرسمي يؤدي إلى التعثر في سعر 24 بيزو مقابل 1 دولار.

وقال إن الشعب الكوبي «ذكي ومفكر» ويخزن القيمة في عملة البيتكوين لأنهم يثقون بها أكثر من البيزو.

قال: «إذا كان بإمكانك شراء ساتوشي بالبيزو ويمكن أن تنتظر ثلاث سنوات، فإنك تزيد من قوتك الشرائية بطريقة هائلة».

قال كروز: «لا أحب أن أتحدث عن السياسة أو الحكومة أو ما إذا كانت لديهم سياسات صحيحة أو خاطئة». «أحاول فقط تعليم زملائي الكوبيين كيفية التعايش مع البيتكوين والعملات المشفرة».

ينسب كروز الفضل إلى مبتكر البيتكوين ساتوشي ناكاموتو في حياته الجديدة وأعماله الجديدة.

قال كروز إنه ليس لديه معلومات سياسية خاصة، لكنه قال إن الحكومة تبحث في العملة المشفرة كجزء من خطتها الخمسية الحالية، ويمكن أن تتبنى في النهاية استراتيجية البيتكوين. على سبيل المثال، يمكن أن يبدأ قبول البيتكوين في متاجر MLC، أو السماح للمواطنين باستخدام البيتكوين لتعبئة حسابات MLC، أو لبيع العروض السياحية أو حتى الصادرات من البيتكوين.

وقال: «ستكون هذه خطوة ذكية، ووسيلة جيدة لتجميع العملة الصعبة، لكننا نتحدث عن الحكومة الكوبية، لذلك لا أعرف».

لا يزال كروز ينتقد بشدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة، الذي يمنعه من الوصول إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المتاحة بخلاف ذلك للأشخاص الذين يعيشون على بعد بضع مئات من الأميال في ميامي.

وقال: «لكن محاربة الحظر معركة لا يمكنك الفوز بها».

وأضاف «في كوبا، هناك خياران يمكنك مغادرة كوبا والهروب من المصفوفة، أو يمكنك البقاء ولعب اللعبة.  البيتكوين هو رمز الغش للعب اللعبة.  الآن، اخترت البقاء».

سابعًا – بناء اقتصاد البيتكوين في هافانا

يعمل خورخي (Jorge) في شركة بيتكوين في هافانا. اكتشف البيتكوين في مارس 2018، عندما استفاد من الوصول إلى الإنترنت الموسع في كوبا لبدء التداول و«تكديس الساتوشيات» عبر الإنترنت للقيام بمهام مختلفة. على الرغم من ذلك، بالنسبة لمعظم حياة خورخي، كان الاتصال بالعالم الخارجي قريبًا من المستحيل. تم تقييد شبكة الإنترنت بشدة، لم يمكن إيصال المعلومات إلى كوبا إلا بطرق هادئة.

بصفتي متدربًا في مؤسسة حقوق الإنسان، ساعدت في المشاركة في برنامج عام 2007 حيث سنرسل كتبًا وأفلامًا أجنبية إلى نظام «المكتبة السرية» قبل الإنترنت في كوبا. من مكتب في نيويورك، كنت أقوم بنسخ نسخ من الأفلام المترجمة مثل (V For Vendetta) و (Braveheart) على أقراص DVD down the rabbit hole، والتي كانت متخفية في شكل أقراص مضغوطة موسيقية، وإرسالها إلى كوبا مع مواطني أمريكا اللاتينية الذين يتوجهون إلى الجزيرة عبر المكسيك.  كانوا يوصلون محتوى المنشورات المعارضة المحظورة الساميزدات (samizdat) – إلى جانب الإمدادات الطبية وغيرها من التقنيات – إلى معارفنا، الذين يجرون عروضًا خاصة في منازلهم على مشغلات DVD محمولة مع ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين في وقت واحد، ويستضيفون مجموعات مناقشة بعد ذلك.

لسنوات عديدة، كان هذا – إلى جانب التقاط إشارات الراديو من فلوريدا – هو كيفية وصول الكوبيين إلى المعلومات الخارجية.  بعد بضع سنوات، وُلد «paquete»: نظام يستخدم فيه بعض الكوبيين معدات أقمار صناعية غير قانونية لتنزيل محتوى أجنبي وتحميله على محركات أقراص صلبة، والتي يتم نشرها بعد ذلك من خلال المجتمعات حيث يدفع الأشخاص مقابل كل عنصر لنقل ما يريدون إلى أقراص USB الخاصة بمشاهدتها أو قراءتها في المنزل.

في عامي 2014 و2015، بدأت شبكة شبكة الإنترنت (WiFi) في الظهور في جميع أنحاء كوبا في الفنادق ونقاط الوصول العامة. نمت (paquete) بشكل كبير في هذه المرحلة، حيث حصل بعض الأشخاص على أموال مقابل الوقوف وتنزيل المحتوى طوال اليوم. في عامي 2017 و2018، تم إدخال البيانات إلى الهواتف المحمولة. زاد الوصول إلى الإنترنت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لكنه لا يزال بطيئًا ومراقبًا.

قال خورخي: «لا يوجد جدار حماية كبير، لكن تجربتنا ليست سلسة وبراقة مثل الإنترنت المفتوح».

عندما تحدثنا، استخدم شبكة بروكسي للاتصال VPN.

ظهرت قوة الإنترنت في كوبا بشكل كامل الشهر الماضي، عندما ساعد منشور على فيسبوك في 10 يوليو / تموز في بلدة سان أنطونيو دي لوس بانوس الصغيرة في إشعال احتجاجات وطنية في اليوم التالي.

«هل سئمت من انقطاع الكهرباء؟» سأل المنشور. «هل سئمت من الاستماع إلى وقاحة الحكومة التي لا تهتم لأمرك؟  حان وقت الخروج وتقديم المطالب. لا تنتقدوا في المنزل: دعونا نجعلهم يستمعون إلينا».

لم يكن بإمكان خورخي توقع حركة 11 يوليو هذا الصيف، ولكن في كلتا الحالتين، كان سعيدًا بالاتصال بالعالم عبر الإنترنت.  كانت أنواع المال الرقمي الجديدة كالبيتكوين أحد الأشياء الأكثر إثارة للاهتمام التي وجدها على الويب، لكنه لم يكن يعرف كيفية «الاستفادة» من العملة الرقمية الجديدة بما يتجاوز التوفير. هذا تغير عندما وجد موقع شراء بطاقات الهدايا بيتريفل (Bitrefill).

من خلال هذه الخدمة عبر الإنترنت، بدأ في شحن هاتفه باستخدام البيتكوين. على المنصة، يمكن للكوبيين شراء قسائم الهاتف المحمول – إلى جانب أشياء أخرى مثل متجر التطبيقات وكوبونات الألعاب – مباشرةً باستخدام عملة البيتكوين التي يكسبونها أو يشترونها أو يتلقونها من الخارج عبر منصات مثل بيتريميساس. في حالة خورخي، سيخزن عملة البيتكوين الخاصة به على تطبيقات المحافظ مثل Muun أو Blue Wallet على هاتفه.  قال إن هذين التطبيقين هما المفضلان له: كلا التطبيقين مجانيان ومفتوحان المصدر ويمكّنان من استخدام شبكة البرق (Lightning) ومتاحان للكوبيين بتنسيقات اللغة الإسبانية مباشرة من متجر Google Play. من هناك، إنها مجرد خطوة واحدة لشراء الأشياء باستخدام بيتريفل (bitrefill).

من خلال المنصة، وجد بعض الكوبيين فرصًا للتفاهم مع نظام مالي ابتزازي. على سبيل المثال، من أجل جذب العملة الصعبة، ستوفر شركة الاتصالات الحكومية ETECSA أحيانًا ائتمانًا إضافيًا إذا قام أحدهم بتعبئة هاتفه المحمول باليورو أو الجنيه الإسترليني. العروض الترويجية جيدة لدرجة أن بعض الكوبيين يدفعون للوسطاء لتغذية هواتفهم من الخارج. ولكن يمكن للكوبي الجلوس في المنزل، وكسب أو شراء عملة البيتكوين، ثم إعادة شحن هاتف أي شخص من خدمة بيتريفل (Bitrefill)، وتحقيق ربح جيد.

قال خورخي إنه اليوم دخل في سوق غير رسمي لتوصيل الوجبات باستخدام البيتكوين. حيث يقدم طلبًا عبر خدمة الدفع بالند للند، ويظهر الطعام الجاهز على عتبة بابه. يدفع بعملة البيتكوين، وهي نسخة كوبية مشفرة من خدمة توصيل الطعام أوبر إيتس (Uber Eats).  قال إنه بين عمله وواجباته وغيرها من العناصر المختلفة، يشتري تقريبًا كل ما يحتاجه اليوم باستخدام البيتكوين. بالنسبة لخورخي، فإن العيش في اقتصاد البيتكوين ليس حلمًا في المستقبل، إنه في الوقت الحاضر.

قال خورخي إن استخدام البيتكوين بشكل شامل للعيش ليس واسع الانتشار، ويعترف بأنه أحد أوائل المستخدمين. لكنه قال، في كلتا الحالتين، من السهل جدًا عليه استبدال البيتكوين مقابل MLC أو البيزو وشراء ما يحتاج إليه.

عندما سئل عما إذا كانت عملة البيتكوين موضة، أو شيئًا قد يتوقف عن استخدامه في وقت ما، قال «لن أعود. لا يمكنني تخيل حياتي الآن بدون البيتكوين».

وأشار إلى الأصدقاء من الأطباء أو المحامين، الذين تم التهام مدخراتهم بسبب التضخم قبل العثور على البيتكوين، أو غيرهم من رواد الأعمال الذين يبنون حياتهم بأكملها حول البيتكوين في الوقت الحالي، تمامًا مثله.

عندما تحدثت إلى سبرادو (Sobrado)، الباحث في العملات الذي أفادني عمله كثيرا في هذا المقال، أخبرني عن عمل كان يديره في كوبا قبل الوباء. قام ببناء فريق يخدم، على سبيل المثال، سائقي سيارات الأجرة وأصحاب الشقق، ليسهل عليهم قبول المدفوعات الأجنبية.

ستسمح شركة سبرادو للأجانب بالدفع مقابل خدمة الاستقبال في مطار هافانا عبر الإنترنت. يحصل سبرادو على اليورو في حساب أجنبي، ثم يبيع هذا اليورو مقابل البيتكوين، ليرسلها إلى فريقه في كوبا في غضون دقائق، ويبيعها الفريق هناك مقابل البيزو التحويلي أو البيزو. يوزع الفريق بعد ذلك الأموال على السائقين.

قدمت شركة سبرادو خدمة مماثلة للكوبيين الذين يستعملون تطبيقات إيجار المساكن مثل (booking.com) أو (Airbnb)، التي لديها إذن خاص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية للعمل في الجزيرة.

«فلنقل إنك مالك شقّة، من قبل، كان عليك أوّلًا أن تحصل على رخصة مشروع تجاري، ثم أن تعلن عن تأجير بيتك على الإنترنت، ثم يأتي زائرك الأول. كيف يدفع زائرك لشركة Airbnb؟ بشركة تحويل أموال اسمها فا كوبا. من الجهة الكوبية، يعني هذا أن رجلًا ما سيأتي ويسأل عنك، ثم يعطيك ظرفًا فيه المال. هذا الرجل سيتأخر غالبًا، وسيكون المال محسوبًا بسعر المصرف المركزي. كان الأمر فاسدًا. أمّا الآن سندفع لك مباشرة باستعمال البيتكوين».

إن لم تكن عملة البيتكوين موجودة، قال سوبرادو، لم تكن هذه الشركات لتنجح.  كان عليه أن يرفع الأسعار بنسبة 5٪ على الأقل، وعندها ستختفي هوامش الربح.  قال سوبرادو إن أفضل الشهور من حيث إجمالي الإيرادات كانت أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020. وخلال الوباء، قال: “انتهى كل شيء”، لكنه مثال آخر على كيفية استخدام العقول المبدعة للبيتكوين لتحسين الحياة وصنع الأشياء أكثر كفاءة، وكسب المال حتى في حالة بوليسية كئيبة.

في كتابته عن تبني كوبا للإنترنت في عام 2017، قال المؤلف أنطونيو غارسيا مارتينيز (Antonio Garcia Martinez) إن كلمة مهمة يجب معرفتها هي الحلّة: «الكلمة تعني حل المشكلات حرفيًّا، ولكن المعنى الأدق هو مفهوم قرصنة الحياة Life Hacking  المشهور في وادي السليكون»

«هل تحتاج إلى تجاوز العقبات التي لا نهاية لها التي ينطوي عليها الحصول على ترخيص الأعمال التجارية الصغيرة؟  جِد حَلّة»، ويقول: «الكوبيون هم ملوك وملكات مصطلح الحلّة. إنه الشيء الوحيد الذي أبقاهم واقفين على أقدامهم منذ الفترة الخاصة».

ومع ذلك، كتب مارتينيز: «إن القوى المصطفة ضد قوى الحلّ واسع الحيلة تكمن في كلمة أخرى مهمة: أمر معقّد».

«هل تريد التحدث إلى الصحفيين المعارضين الذين يسخرون من الرقابة الكوبية ويتعرضون للمضايقة والسجن بشكل روتيني؟  أمر معقّد. هل ترغب في الحصول على جواز سفر وتأشيرة للسفر إلى الخارج؟ أمر معقد».

يقول خورخي إن البيتكوين تجسّد لمفهوم الحلّة، إنه حل بديل، وطريقة للالتفاف على التعقيد.

كما كتب مارتينيز، فإن الحلّة تتفوق «دائمًا تقريبًا» على التعقيدات، «خاصة عندما يكون هناك أموال حقيقية يمكن جنيها».

على الرغم من أن مارتينيز قد أدلى بهذه الملاحظة في أيام ما قبل بيتكوين في كوبا، إلا أنه لا يمكن أن يكون أكثر صحة اليوم، عندما يتحول المواطنون إلى البيتكوين بدلًا من البيزو بحثًا عن «أموال حقيقية».

أخبرني خورخي أن البيتكوين ليس حلاً سحريًا لجميع مشكلات كوبا، وأشار إلى أن الناس يواجهون أوقاتًا صعبة للغاية لأسباب متنوعة. يتطلع خورخي إلى تبني عملة البيتكوين الوطني في السلفادور، وقال إن الخدمات المستخدمة هناك مثل سترايك (Strike) الذي يربط البيتكوين بالنظام المصرفي المحلي غير متوفرة في كوبا، ومن المحتمل ألا تتوفر في المستقبل بسبب الحظر.

ولكن، كما قال جورجي، يتعلم الناس اليوم المزيد عن البيتكوين، ويتحمسون ويدخرون. بعد سنوات عديدة من سحب البساط من تحت أقدامهم من قبل الحكومة عبر استخدام أنظمة البيزو التحويلي وبطاقات ال MLC، اليوم، يقوم مستخدمو البيتكوين بسحب للبساط من تحت أقدام الحكومة من خلال مبادلة البيزو أو MLC مقابل البيتكوين، وهو شكل متفوق من النقود ارتفع بشكل كبير خلال العقد الماضي.  قال خورخي، ربما سيكون الناس هم من يضحكون أخيرا.

سألت خورخي عن العديد من النقاد الغربيين للبيتكوين، الذين قالوا إنها مخصصة للمجرمين فقط وليس لها أي قيمة اجتماعية.  ضحك في حالة من عدم التصديق. وقال إن حياة الكثير من الناس «تحسنت بشكل كبير» من خلال البيتكوين.

قال: «هذه التكنولوجيا تتخطى الحصار والقيود الحكومية، فهي تسمح لك بنقل القيمة دون الوثوق بأي شخص، وهي تربطك بالعالم، وتسمح لك بتمكين نفسك والقيام بأشياء مستحيلة من دونها». «لقد أوجدت الأمل للذين يريدون التغيير».

ثامنًا – كوبا جديدة قادمة

مثل الكثير من الأنظمة المغلقة الأخرى مثل كوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي، فإن التكنولوجيا والمعلومات الخارجية لها تأثير هائل على كوبا. لا توجد طريقة يمكن لحركة احتجاجية مثل 11 يوليو أن تتوسع على الصعيد الوطني دون أن يتمكن الناس من التنظيم والتواصل رقميًا بعضهم مع بعض.

عندما تحدثت إلى أنطونيو غارسيا مارتينيز مؤخرًا، أخبرني بأن «الإنترنت سوف يقضي على 62 عامًا من الشيوعية الكوبية».

في الجزيرة، قال: «الإنترنت آلة لتدمير إجماع للنخب، التي تعتمد على احتكار المعلومات».

قال: «إذا ظل الإنترنت قيد التشغيل، فإن الحكومة الكوبية ستسقط في النهاية».

ولكن بعد ما يقرب من 20 عامًا من الإصلاحات الاقتصادية، ونصف عقد من السكان المتصلين بالإنترنت، لا يزال الحزب الشيوعي الكوبي متمسكًا بالسلطة. حتى ظهور الإنترنت لم يكن كافياً لزعزعة قبضته. لقد نجحت طبيعته المحافظة العنيدة للأسف، وأبقته على قيد الحياة لعقود عديدة. في حين أن البيتكوين قد تكون طريقة جيدة للنظام لجمع أصعب عملة على وجه الأرض، فإن الديناصورات المسؤولين في السلطة قد لا يعتقدون أن هذا الأمر يستحق المخاطرة.

على الجانب الأمريكي، أمرت إدارة بايدن بـ«مراجعة» التحويلات المالية إلى كوبا، في محاولة لتحديد الطريقة الأفضل التي يمكن بها لأولئك الموجودين في الولايات المتحدة إرسال الأموال إلى عائلاتهم في الجزيرة دون دعم النظام. الجواب، بالطبع، هو البيتكوين، ولكن بالنظر إلى عداء أمينة الخزانة يلين للعملة الجديدة، فمن غير المرجح أن يكونوا مستعدين للاعتراف بذلك والبدء في تفعيله في سياستهم الخارجية.

أثناء التحدث إلى الكوبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية المضطربة، هناك شيء واحد واضح: عدد متزايد من الناس لن ينتظر حكومته لإلغاء بعض الإصلاحات الجديدة، أو أن تخفف إدارة بايدن عقوباتها. إنهم يتحكمون في مصيرهم المالي من خلال البيتكوين.

منذ أكثر من مائة عام، كتب الشاعر الكوبي العظيم خوسيه مارتي (José Marti) إن «الحقوق يجب أن تؤخذ، لا أن تُطلب. تُنتَزَع ولا يُتوسَّل من أجلها».  قد يكون هذا هو شعار حركة البيتكوين الجديدة في كوبا.

ربما تكون الاحتجاجات السياسية الحالية كافية لتظهر للعالم أن الكوبيين سئموا العيش في ظل الديكتاتورية، لكنها ليست كافية لإنهاء النظام. على مدى عقود، توقع الكثيرون سقوط كاسترو الاستبداد، لكن ثبت خطؤهم.

في غضون ذلك، سيستمر الكوبيون في الاحتجاج السلمي عن طريق إلغاء الاشتراك في نظام البيزو وبطاقات ال MLC الاستغلاليين، واستخدام البيتكوين. بعد ستة عقود من البؤس الاقتصادي، هناك أخيرًا مخرج.

سواء أكان ذلك من خلال أفراد مثل لوسيا في ماتانساس، من خلال تكديس الساتوشيات بهدوء كل يوم، أو من طريق إريك أو خورخي في هافانا، الذين يوصلان الابتكار وإدماج الجماهير، أصبحت البيتكوين الآن حركة كوبية تمامًا، وحلّة يبدو من غير المرجح أن توقَف.

Tagged : / / / / / /

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أكتوبر 2019

قبل عدّة سنوات، وصلتني رسالة من صديق يسألني عن رأيي في فرصة استثمار يفكّر فيها صديق مشترك. بعد بحث سريع على الإنترنت ومشاهدةٍ لعدّة فيديوهات، بيّنت للسائل أنها على الأرجح مخطط هرميّ. كان هذا اختصارًا منّي لعبارة «تجنّبها مهما كلّفك الأمر». وصل الأمر إلى صديقنا المشترك وجاءني ردّه على غير ما توقّعت: «هل كل المخطّطات الهرمية سيئة؟» بعض المخططات الهرمية أصعب معرفةً من غيرها، ولكن حتى التي تسهل معرفتها لها ضحاياها الغافلون. نصيحة صالحة: اركض ركضًا، لا مشيًا، هربًا من أي شيء فيه ملامح المخطط الهرمي. من حسن الحظ، البيتكوين ليس واحدًا من هذه المخططات. قد يكون الأمر بيّنًا، ولكن كثيرًا من الناس لا يعرفون ما المخطط الهرمي، ولا ما علاماته المحذّرة، ولا أسباب إخفاقه.

تعريف المخطط الهرمي هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

ليست كلّ برامج التسويق عديدة المستويات مخططات هرمية، ولكن كل المخططات الهرمية برامج تسويق عديدة المستويات، بطريقة أو بأخرى. في المخططات الهرمية، تبيع شركةٌ ما منتجًا لها يكون الطلب النهائي عليه أقلّ بكثير من المعروض المتاح. توظّف الشركة مشتركين ليشتروا من بضاعتها ويوظفوا مشتركين آخرين. هؤلاء المشتركون كلهم موظفو مبيعات، ويكون أجرهم منوطًا معظمه بالتوظيف، لا ببيع المنتج نفسه. عادةً، يكون بيع المنتج مدمَجًا في عملية التوظيف نفسها.

في مشاريع البيع العادية، تخاطر الشركة بمخزونها وتدفع أجورًا حسب البيع للمستهلكين النهائيين. في المخطط الهرمي، ترمي الشركة الخطر على موظفي المبيعات، ويدفَع الأجر على توظيف موظفين جدد وبيع المنتج لمشتركين جدد. ينهار الأمر برمّته عادة لانعدام الطلب الحقيقي الكافي على المنتج. كل من في أعلى السلسلة يجني مالًا على حساب الذين في آخر الخط. هذا هو المخطط الهرمي. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين ليس شركةً. ليس فيه موظفون، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. مهما اعتمد الناس البيتكوين، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون عملة منه.

الفروق واضحة وضوح الشمس، ولكن تعقيد البيتكوين وقلّة فهم الناس لحقيقة المال، تجعلها ملتبسة. لن يصبح البيتكوين عملة احتياطي عالمي إلا إذا اعتمده مئات الملايين (إن لم يكن مليارات) من الناس. يبدو أن كل الذين يدخلون في جحر البيتكوين يصلون إلى الطرف الآخر وهم يشرحون الأمر لأهلهم وأصدقائهم، ويصفونه على أنه نوع متفوّق من المال. يبدو الأمر كأنه مخطط هرمي، صح؟ غلط. عندما بدأت شركة دِل تبيع حواسيبها على موقعها عام 1996، وكان الناس يتناصحون بشرائها، أكان ذلك مخططًا هرميًّا؟ عندما أطلقت آبل أول آيفون عام 2007 وتداعى الناس إلى ترك بلاكبيري وشراء هذا الخليفة المتفوّق، أكان ذلك مخطّطًا هرميًّا؟

التحوّلات التقنية تحدث سريعًا. بعد عقدٍ وعقدين، أصبحت الهواتف الذكية والحواسيب في كل مكان. الأمر كله قائم على جودة المنتج وبنية الدوافع. إذا كان عند واحد من الناس سهم في آبل أو دل، أيغيّر هذا حقيقة أن المنتج نفسه يقدّم قيمة حقيقية؟ هل كان في إخبار الناس بالابتكار التقني الجديد فائدة؟ إن القيمة المقترحة للابتكار تغلب كل شيء. لا يهم كيف تعرف الأمر، كل ما يهمّ هو المنفعة التي يقدّمها الابتكار. فإذا كان نافعًا، استخدمه الناس، وإلّا فلا. هذا هو السوق.

منفعة وابتكار البيتكوين

منفعة البيتكوين هو أنّه مال. والبيتكوين له سوق لأنه يحلّ مشكلة جوهرية في المال الحديث. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا، بل هو مستقلّ جوهريًّا عن أي ابتكار يمكن أن تقدمه أي شركة مفردة. البيتكوين ليس دل وليس آبل. وليس سهمًا في شركة تقنية. لا شركة خلف البيتكوين. البيتكوين ليس شركة تبيع منتجًا، وليس فيه سيل من الدخل لدفع الأرباح الثابتة المستقبلية. البيتكوين ليس لكسب المال، بل هو مال، أو على الأقل أصبح مالًا عند الذين اختاروا حفظ قسم من ثروتهم فيه. وليس هو مخطّطًا للاغتناء السريع، إنما هو لحفظ القيمة التي اكتسبتها من قبل. البيتكوين أصل محمول، ولكنه على خلاف السندات المحمولة، ليس فيه تدفق دخل.

ابتكار البيتكوين هو أنّه نوع متفوّق من المال، ولكنه خالٍ من الوعود المستقبلية سوى أن يكون في حوزة صاحب أداة الحمل الرقمية. المنفعة الوحيدة للبيتكوين هي إمساكه بوصفه عملة والتعامل به في المستقبل، سواء بصرفه بالعملات القديمة، أو بشراء السلع والخدمات وبيعها به. البيتكوين نافع بكونه نوعًا من المال، وسيحافظ على قيمته ما دام الناس يطلبونه في المستقبل. ولكن هذا يصدق على أي نوع من المال (ليس البيتكوين وحده). المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد، السلع المالية لها خصائص تجعلها أقدَر أو أعجَز عن تسهيل المقايضة. ولكن الخصائص المالية ليست مطلقة، القوة النسبية للخصائص المالية هي القاعدة الأساسية للطلب. عندما يقوّم السوق البيتكوين، يقوّمه بالنسبة إلى بقية الوسائط المالية (الدولار، اليورو، الين، الذهب، إلخ).

إن معروض البيتكوين، وقيده الصارم، هو المنفعة الأساسية للبيتكوين وأساس طلبه، وهو الذي ينفي عنه صفة المخطط الهرمي. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين. هذه هي النقطة المحورية في لعبة البيتكوين. الكل يعرفها، والكل يذكرها. بل والكل يستطيع التحقق منها في أي لحظة من الزمان. لتعرف كيف ولمَ للبيتكوين معروض ثابت صدقًا، انظر «البيتكوين لا البلوكتشين» و«البيتكوين له غطاء». أمّا الآن، فلنتكلّم على افتراض أن معروض البيتكوين محدّد بواحد وعشرين مليونًا. بالمقابل، لا يعرف أحد معروض الدولارات. يقدّر الاحتياطي الفدرالي المعروض الحالي من الدولارات، ولكن أحدًا لا يعرف مقدار الدولارات التي ستوجد في المستقبل. لا قيد على معروض الدولار إلا الاحتياطي الفدرالي، وكلنا نعلم علم اليقين أن عدد الدولارات سيزداد في المستقبل، وأن هذا الخط ينتهي إلى اللانهاية. في النهاية، طلب البيتكوين الأساسي راجعٌ إلى أن سياسته المالية أ) مهندَسة خيرَ هندسة وب) مفروضة فرضًا مصدَّقًا. بمقارنة البيتكوين مع منافسه، لا شك أنه وسيط مالي متفوّق تفوّقًا ضخمًا.

العرض أ –  معروض الدولار التاريخي
العرض ب – جدول معروض البيتكوين

تتغيّر القاعدة المالية لأنظمة العملات الحكومية تغيّرًا لا يمكن توقّعه، أما القاعدة المالية في البيتكوين فمحكومة بجدول معرَّف تعريفًا واضحًا. فكّر في القاعدة المالية على أنها أساس النظام الاقتصادي العالمي. إن التغيرات غير المتوقعة في معروض الدولارات ليست مجرد تغيير للمرمى. بل الأمر أشبه ببناء ملعب على مرتبة مائية من طراز الثمانينيات، ثم تحريك المرمى فيه. كل اللعب تفسد، لا المرامي فقط. أما البيتكوين، فهو حجر أساس بمعروضه الثابت، ويتقوّى هذا الأساس مع الوقت. إن مصداقية جدول المعروض تُفرَض مرّة جديدة مع كل كتلة جديدة. فإذا ظهر أن جدول معروض البيتكوين مفروض فرضًا مصدَّقًا، اعتمد مزيد من الناس البيتكوين نوعًا من المال، وزاد الذين قد اعتمدوه من قبل استعمالهم له مخزنًا للقيمة. معروض ثابت + اعتماد متزايد = قيمة متزايدة. مع تزايد البيتكوين والقيمة، تزداد لامركزية البيتكوين. ومع تزايد اللامركزية مع الوقت، يصعب التغيير، وهو ما يزيد مصداقية الأساس: المعروض الثابت.

أنت المحتال

في المخطط الهرمي، البيّاعون هم المحتالون. يبيع هؤلاء الناس الوعدَ بالمكاسب المالية المستقبلية، بتكتيكات مبيعات عالية الضغط، وبتوظيف أعضاء جدد في المخطط، لأن هذه هي آلية الأجر الأولية. في البيتكوين، المشترون هم المحتالون، كما بيّن مايكل غولدستين في مقالته الخالدة «الجميع محتالون». فإذا كنت مشتريًا، فأنت محتال. في معظم الحالات اليوم، عندما يشتري أحد البيتكوين، فهو يدفع شكلًا من المال محفوظًا بالاحتياطي الجزئي (مع الوعد بالبخس المستقبلي) ليحصل على أصل محمول له عرض ثابت وسياسة مالية متفوّقة جدًّا. أما البيّع الثاني، وهو الذي يأخذ الدولارات، فخاسر مغبون. ليس قصدي أن كل من يبيع البيتكوين يبيعه من دون سبب مقنع. فهو مال في النهاية، ومنفعته هي التجارة، بالتعريف، للمشتركين في السوق طيف واسع من الحاجات الدافعة إلى التسييل، والقيمة الحقيقية تنتقل في كل مرة تنتقل فيها بيتكوين، سواء مقابل دولارات أو مقابل خدمات وسلع. ولكن، بالمتوسط على المدى البعيد، الأمر تفاوت في المعلومات بآثاره الكاملة. إن السياسة المالية للبيتكوين مهندَسة أفضل هندسة، ومفروضة فرضًا متينًا، ولكن القليل يفهمها، لذا فهي أوسع تفاوت في المعلومات في عالمنا اليوم.

المبادئ المالية الأولى

إن الوسيط المالي ذا أقل معدّل تغيير هو الأقدر على توصيل الإشارات الاقتصادية، والمعروض الثابت (الذي يجعل معدل التغيير صفرًا) هو أمثل سياسة مالية في التاريخ. تخالف الثقافة السائدة، وهي المدرَّسة في الأكاديميات الحديثة المشهورة، هذا الرأي، ولكن العملة ذات المعروض الثابت متفوّقة على عملة تزيد معروضها مع الوقت (بمعدّلات لا يمكن التنبؤ بها). في أي اقتصاد، يحدد عرض السلع والخدمات وطلبها بالنسبة إلى عرض المال وطلبه، أسعار الأشياء. السعر هو الذي ينظّم النشاط الاقتصادي في النهاية، والمال هو أساس آلية التسعير في أي اقتصاد. العملة ذات المعروض الثابت تزيل الضجيج الذي تأتي به التغييرات على معروض المال في نظام التسعير، فتخلق إشارات سوقية أوثَق. إن نوع المال ذا أقل معدل تغيير يعكس التغيرات في العرض والطلب لكل السلع الأخرى، لأن السلعة المالية تسهّل متاجرة السلع المستخدمة للاستهلاك أو الإنتاج. جوهريًّا، يستخدم المال لتوصيل القيمة النسبية للشيء أمام بقية السلع والخدمات، والتغييرات في معروض المال تفسد نقل المعلومات هذه لأنها تُدخل متغيّرًا خارجيًّا إلى المعادلة.

على سبيل المثال، الآيفون يساوي ألف دولار تقريبًا، أما برميل النفط فيساوي خمسين دولارًا تقريبًا. المعلومات التي ينقلها إلينا الوسيط المالي هنا هي أن الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط. يعبّر المال عن ثمن الفرصة أيضًا (التنازلات الاقتصادية) بنظام التسعير فيه، وكلما كان مقدار المال أثبت (أي كلما قل معدل التغيير)، أصبح تعبيره عن المعلومات والتنازلات الاقتصادية أوثَق. إذا ازداد معروض المال 10%، وتغيّرت الأسعار وفق ذلك، يصبح الآيفون مساويًا 1,100 دولار، وبرميل النفط يساوي 55 دولارًا. ما زال الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط، وهذه هي المعلومات المهمة التي يعتمد عليها المشتركون في السوق. في العالم الحقيقي، المشكلة هي أن الأسعار لا تتغيّر تغيّرًا متساويًا عند تغيّر معروض المال. بل، تتشوّش إشارات التسعير. في عالم فيه معروض مالي ثابت، التغيرات في السعر تعكس التغيرات في العرض والطلب في أسوق الخدمات والسلع عرضًا أدقّ، ولا تعكس الأثر غير المتساوي لتغيير معروض المال. تنشئ التغيرات في معروض المال ضجيجًا خارجيًّا على النشاط الاقتصادي الذي تقوم عليه. ينظّم الثمن التنازلات الاقتصادية، وموثوقية نظام التسعير قائمة على استقرار نوع المال المستخدم لتوصيل المعلومات.

بهذا الأمر تتمايز السلع المالية (على الأقل الناشئة في السوق الحرة)، ولذلك نقول إن المال أداة تواصل فعّالة. إن بنية السوق المالي مختلف عن كل السلع الأخرى. السلع الاستهلاكية تستهلَك، والسلع الإنتاجية في النهاية تستهلَك في إنتاج مزيد من السلع الاستهلاكية. أما منفعة المال فهي المتاجرة، وهو يستخدم لتنظيم التجارة بسلع الإنتاج والاستهلاك، ولا يستهلَك في نفسه. لأن منفعة المال هي المتاجرة، فالندرة أهم من المقدار الاسمي للمال في الاقتصاد. إذا زاد طلب المال وازداد سعره، لا يستجيب المعروض بسبب قيوده الطبيعية. لا يصدق هذا الأمر على أي سلعة أو خدمة أخرى. إن قيد معروض المال هو الذي يجعله قادرًا على توصيل القيَم النسبية بين السلع والخدمات. يمكن أن تستبدَل سلع الاستهلاك بسلع الإنتاج والعكس، أما المال فيسهّل كل المتاجرة بين كل السلع. قد تتذبذت قيمة المال أمام السلع والخدمات ولكن الندرة النسبية للمعروض المالي تتيح للثمن أن يوصَّل بلغة المال نفسه.

قبل البيتكوين، لم يكن لدينا نوع من المال نادر ندرة مطلقة. البيتكوين له معروض ثابت، سقفه واحد وعشرون مليونًا. الندرة المطلقة تنشئ ثابتًا لم يكن موجودًا من قبل. تخيّل معروض سلعة ما ثابتًا تمامًا، ومعروض كل السلع الأخرى متقلّبًا. يتغير الطلب على كل السلع، ويبقى ثابت واحد: معروض البيتكوين. في هذا العالم، كل شيء سيقاس بهذا الثابت. إن القوة الشرائية للمال تعبّر عن معلومات أكمَل بآلية تسعيرها منها إذا كان المعروض متغيّرًا. بإنشاء هذا الثابت، يمكن قياس كل شيء آخر به. والمعلومات المرغوبة ليست القيمة المطلقة لأي سلعة. القيمة في أصلها ذاتيّة. لكن المعلومات المهمة التي تعبّر عنها آلية التسعير هي القيمة النسبية (او الثمن النسبي) لكثير من السلع بعضها أمام بعض. تتغيّر مستويات الأسعار دائمًا بسبب تغيّر العرض والطلب الدائم، ولكن استقرار آلية التسعير نفسها تتيح تنسيقًا اقتصاديًّا بالتعبير عن ثمن الفرصة (كيف نعرف، أو نتعلّم، أن البيتكوين يساوي 20 ضعفًا من برميل النفط).

إفساد نظام التسعير

في نظامنا الحالي، يتغيّر معروض المال من دون سابق معرفة، ويزداد مع الوقت. هذا الأمر أساسي في نظام المصرفية المركزية المالي، وهو ناتج من النظرية الاقتصادية التي تقول إن الإدارة الفاعلة لمعروض المال تحفّز الطلب الجماعي ومن ثم تزيد العمالة. ولكن الذي تفعله هذه الإدارة فعليًّا هو التلاعب بمعدلات الفائدة نزولًا بزيادة معروض المال. تخفيض معدلات الفائدة يزيد الرغبة والدافع إلى الاستدانة، ولكن، مع تسوية كل العوامل الأخرى، تخفيض معدلات الفائدة يقلل الرغبة بالإقراض. فعليًّا، بتضخيم معروض المال، يتلاعب المصرف المركزي ظاهريًّا بمسألة الائتمان، وينشئ تفاوتًا بين دافع الاستدانة ودافع الإقراض. العاقبة المتفشّية هي إفساد آلية التسعير التي تنظم النشاط الاقتصادي. بالتلاعب بمعروض المال ومعروض الائتمان، تفسد المصارف المركزية كل الأسعار في السوق. تنتشر الإشارات الفاسدة (والمعلومات الخاطئة) بين كل المشتركين في السوق.

تفسد كل بنية العرض والطلب في السوق لأن ملايين من الناس يستجيبون لإشارات السعر المغيَّرة، ويتغيّر توضّع الموارد في الاقتصاد بناءً على هذه الإشارات. عندما يزداد معروض المال، يدخل النظام مزيد من المال (والائتمان) من قنوات كثيرة وفي أوقات لا نعلمها. لا يعرف معظم المشتركين في السوق كمية التغيير ومعدّله. بل يستجيب هؤلاء إلى إشارات الأسعار، وهكذا تنتشر المعلومات. قد يكون السعر ثمن سلعة في البقالية أو أجرًا صاحب العمل مستعد لدفعه لوظيفة معينة. ينشئ التغيير في معروض المال إفسادًا للأسعار لا يستطيع معه المشتركون في السوق فهم التغيير في السعر أهو آتٍ من بنى العرض والطلب أو هو آتٍ من إدخال مزيد من المال في النظام. ومهما يكن من أمر، يستجيب الجميع لهذه الإشارات المفسَدة.

وهاك مثالًا أقرب إلى الواقع: اشترى الفدرالي 1.7 تريليون دولار من السندات المغطّاة بالرهون (وهي نحو 17% من كل الرهون) بعد الأزمة المالية، وكان هذا جزءًا من برنامج التيسير الكمي، الذي في النهاية زاد معروض القاعدة المالية 3.6 تريليون دولار. يتذكر معظم الناس أنه قد كان قبل الأزمة المالية فقاعة إسكان. بشراء الرهون مباشرة وتضخيم المعروض المالي، تلاعب الفدرالي بمعدلات الفائدة وخفضها. يعتمد الإسكان اعتمادًا كبيرًا على معروض الائتمان وعلى ثمن الفائدة. بتخفيض معدلات الفائدة وزيادة المال المتاح للإقراض، ازدادت أسعار البيوت بالتلاعب. نتيجة ذلك، وصلت إشارات الأسعار الفاسدة للمشترين والباعة. يستجيب البنّاؤون لهذا ببناء مزيد من البيوت (زيادة المعروض)،أما المشترون فيعتقدون أنهم قادرون على اقتراض كميات أكبر بمعدلات الفائدة المنخفضة لشراء منازل. يكرَّس مزيد من الموارد في الاقتصاد لمسألة الإسكان بسبب مستويات السعر العالية. ولكن كل زيادة في الطلب لا يمكن أن تبقى إلا إذا بقي ثمن الائتمان يخفَّض مرّة بعد أخرى نتيجةً للمعروض المالي المتزايد.

على الرغم من معرفة الجميع بفقاعة الإسكان عام 2007، التي لم يكن ممكنًا بقاؤها، فإن مؤشر أسعار المنازل اليوم أعلى 15% ممّا كان في تلك الأيام. هذا هو العرض الكامل للتلاعب بمستويات الأسعار، وهو يحدث لأنه نتيجة مقصودة من سياسة المصرف المركزي المالية. يزيد الفدرالية المعروض المالي، ويخفض معدلات الفائدة، ويضخّم أسعار الأصول فيصبح مقدار الدين في نظام الائتمان ممكن الاستدامة. إن توسيع الائتمان هو هدف الفدرالي من تحفيز النمو، والائتمان الصافي الجديد لا يمكن إنشاؤه إلا إذا كان معدلات الدين الموجودة مقبولة، لذلك يجب على الفدرالي تضخيم أسعار الأصول لتحقيق أهدافه. تدعم أسعار الأصول مستويات الدين الموجودة. عندما يكتشف الجميع أن إشارات الأسعار لا يمكن الاعتماد عليها ولا استدامتها، تحدث صدمة في السوق. هذا ما حدث عام 2007، والراجح أن يحدث مرة أخرى لأن إشارات السوق ستشوَّش مرّة أخرى. ولكن المخطط ليس شرّيرًا، والفدرالي ليس فاعلًا شرّيرًا عن قصد. يريد الفدرالي في النهاية زيادة «العمالة الكاملة» بسياساته، ولكن ما يفعله حقًّا هو التلاعب بإشارات السعر النسبية، وهو ما ينشئ تفاوتًا في بنى العرض والطلب التي يقوم عليها الاقتصاد، فتصبح البطالة مفاجئة ومزمنة.

تكلّم حايك عن هذه المسألة في خطابه الذي خطبه عند فوزه بجائزة نوبل عام 1974 «ادّعاء المعرفة». بسبب هذه الأسعار المتلاعب بها، يكرَّس لقطّاع من الاقتصاد موارد كان يمكن الحفاظ عليها طبيعيًّا، عندما يغيّر المصرف المركزي طريقة سياسته المالية، تستجيب الأسعار ويُصلَح السوق. لأن مستويات الأسعار يتلاعب بها دائمًا، تصبح صدمة المعروض أمرًا لا بد منه ويكتشف كل الناس وجود التفاوتات. في حالة مثال الإسكان، يفوق العرض (بالسلع والعمل) الطلب المستدام بهذه الأسعار الحالية. بعبارة أعمّ، التفاوتات في كل مكان. يتّضح يومًا بعد يوم أن العرض والطلب ليسا متّزنين فتزداد البطالة سريعًا. لا يستطيع السوق أن يصل إلى حالة توازن لأن كل الأسواق بقيت في حالة تلاعب فترة ممتدّة من الزمان.

هذا ما حدث في الأزمة المالية وعقبها. كان السوق يغلي بعد أن تلاعب الفدرالي بمعروض المال والائتمان عقودًا من الزمن. كما بيّن العجز الكبير، يُلقى ذنب الأزمة المالية عادة على أزمة الرهون العراقية، لا على الغوريلا الضخمة في الغرفة، وهي السياسة المالية للمصرف المركزي التي قلما نوقشت. بعد الأزمة، استجاب الفدرالي بانتهاج السياسة نفسها التي كان ينتهجها في العقود السابقة، ولكن على مستويات أعظم، فزاد معروض المال زيادة عظيمة، وزاد إفساد إشارات السعر. عندما يتلاعب بمعروض المال، لا تستجيب كل الأسعار بالمعدل نفسه. يدخل المال السوق من قنوات كثيرة ويؤثر توسيع الائتمان على قطاع من السوق أكثر من بقية القطاعات. كل الأسعار يتلاعَب بها، ولكن ليس التلاعب متساويًا. الأمر في جوهره إفساد للأسعار النسبية، يفسد آلية العرض والطلب في السوق. السعر يعبّر عن معلومات. إنه الطريقة التي يعبّر بها المشتركون في السوق عن تقويمهم النسبي للأشياء. وهو الطريقة التي يستجيب بها كل المشتركين في السوق لهذه التفضيلات على جهة العرض: ما المهارات التي يتدرّب الناس عليها، ما الأعمال التي يختارونها، ما فرص العمل التي يلاحقونها؟ قد لا يكون الفدرالي قاصدًا للشر بتغيير المعروض المالي، ولكن في النهاية، النتيجة التي لا بد منها هي إفساد آلية التسعير في الاقتصاد.

القدرة على توقّع المعروض المالي

البيتكوين حصان أبيض. أو على الأقل، في إمكانه أن يكون حصانًا أبيض. بإنشاء معروض ثابت، في إمكان البيتكوين أن يصبح أعظم آلية تسعير عرفها العالم في تاريخه. عندما يبلغ البيتكوين سقفه، وهو 21 مليون عملة، ستنتهي التغييرات على المعروض المالي وتُزال تمامًا من معادلة إشارات السعر. ينبغي أن يكون هذا بديهيًّا: إن إنشاء مزيد من المال لا يزيد النشاط الاقتصادي الحقيقي. لا يهم أكان التغيير في المعروض صغيرًا أم كان كبيرًا وغير متوقَّع. طباعة المال لا تزيد النشاط الاقتصادي، كل ما تفعله هو إفساد العرض والطلب. منفعة المال هي المتاجرة. سواء أكانت متاجرة في الحاضر أو في المستقبل. المال لا يستهلك، بل يستخدم لتنسيق النشاط الاقتصادي الذي يتيح تجميع رؤوس الأموال. سواء أكان رأس مال فيزيائيًّا ضروريًّا لإنتاج السلع، أو رأس مال إنسانيًّا يطوّر الفنون والعلوم والرياضيات وغيرها. إن رأس المال هو مدّخر المجتمع الحق وهو أساس عمل الاقتصاد.

يفكّر معظم الناس في التوفير من الناحية المالية لأن المال وحدة حساب، ولكن التوفير الحقيقي هو رأس المال المتراكم الذي يغني حياة الأفراد والأسر والمجتمعات. في عالم فيه معروض مالي ثابت، ستصبح المدّخرات المالية ثابتة. سينتقل المال من فرد إلى فرد، ومن أسرة إلى أسرة، ومن عمل إلى عمل. لكن، بالإجمال، لن يزداد المعروض المالي ولن ينقص. سيتنظّم النشاط الاقتصادي بفضل المال وستكون آلية تسعيره دقيقة. ستصل التفضيلات الجماعية لكل الأسواق من دون الإفساد الذي يحدث نتيجة تغيير المعروض المالي. ستُصلَح التفاوتات بين العرض والطلب طبيعيًّا ولن تدوم فترات متطاولة من الزمان، ونتيجة لذلك ستكون التفاوتات أصغر ولن تكون جزءًا من نظام الاقتصاد الكلي. لا يعني هذا أن الأسعار ستكون دائمًا تامّة أو أن المتغيّرات الأخرى كالصرف الحكومي أو الضرائب لن تفسد النشاط الاقتصادي. ولكن المعروض الثابت سينهي الآلية الأساسية التي تفسد إشارات التسعير وبنى السوق.

معروض البيتكوين الثابت هو أساس نظام تسعير أوثَق، ولكن هذا المعروض يصدر بمعدّل معلوم. في المستقبل، عندما يبلغ معروض البيتكوين سقفه، سيكون معدّل التغيّر صفرًا. ولكن، إلى ذلك الوقت، سيتبع البيتكوين جدول معروض ثابت ومعلوم، وهو أمر مستقل وله نفس الأهمية في معادلة التسعير. يصدر البيتكوين بعملية التعدين التي تساعد على حماية الشبكة، وتتعدّل الشبكة لتضمن أن إصدار العملات الجديدة يكون كل 10 دقائق. إذ أُضيفت موارد تعدين جديدة إلى الشبكة، ستتعدّل لتمنع إصدار البيتكوين بمعدّل أسرع. وإذا ازداد التعدين ارتفعت مستويات أمان الشبكة، من دون أن يرتفع معدل الإصدار أو المقدار الكلي للبيتكوين. يتيح هذا للنظام الاقتصادي كله أن يخطط للمستقبل. ويتيح للمعدّنين أن يبنوا بنية تحتية أمانية لتوقع الأجور المستقبلية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لكل المشتركين في السوق أن يعرفوا معدل تغير العملة في أي نقطة من الزمان.

تضمن الشبكة أن البيتكوين يصدر صدورًا مستقرًّا مع الزمن، ونتيجة ذلك يكون صدورًا متوزّعًا أيضًا، ولا تتيح تسريع الإصدار على أساس غير متوقع. والأهم أن ذلك يزيد مصداقية بنية الإصدار الكلية. كل عشرة دقائق (بالمتوسط)، يصدر عدد من البيتكوينات الجديدة. تقريبًا، كل عشر سنوات ينقسم هذا العدد إلى نصفه حتى لا يبقى مزيد من البيتكوينات الجديدة. على الطريق إلى الواحد والعشرين مليونًا، يبني فرض المعروض الثابت كل 10 دقائق مصداقية الوضع المستقبلي للمعروض مع الوقت. سيفهم كل المشتركين في السوق أن المعروض الثابت سيفرض لا بسبب نقطة سحرية في الزمان يتوقف عندها الإصدار، بل لأن الشبكة تفرض سياستها المالية كل 10 دقائق. بإنشاء جدول معروض يمكن التنبؤ به، يتناقص معدل التغيير تناقصًا معلومًا، ويستطيع كل المشتركين في السوق أن يروا أن النظام يعمل كما أُريد له أن يعمل.

السياسة المالية بالإجماع أم المصرف المركزي؟

إن العملية التي تفرض مصداقية النظام المالي للبيتكوين تحدث على التوازي مع اختلال الأنظمة المالية القديمة. تزيد المصارف المركزية في كل البلدان المعروض المالي في اقتصاداتها بمعدلات غير معلومة. كما ناقشنا من قبل، زاد الاحتياطي الفدرالي المعروض المالي بمقدار 3.6 تريليون دولار بعد الأزمة المالية، من 2008 إلى 2014. ومع أن الفدرالي أعلن خططه قبل تنفيذها، ولكن أحدًا لم يعلم المقدار الإجمالي للتيسير الكمي. كان الجميع يتوقّع توقّعًا. حتى الفدرالي لم يكن يعرف. وبعد زيادة المعروض الملية أضعافًا مضاعفة، بدأ الفدرالي بإزالة 50 تريليون دولار من الاقتصاد كل شهر، إذ بدأت هذه العملية في أكتوبر عام 2017. مرّة أخرى، لم يعلم أحد كم سيُزال من النظام بالإجمال، أو كم ستدوم العملية. بالإجمالي، أُزيل من الاقتصاد 700 مليار دولار على مرّ سنتين تقريبًا. والآن، في أكتوبر 2019، غيّر الفدرالي مرة أخرى مساره، وبدأ إضافة مزيد من الأموال إلى النظام. حديثًا، أعلن الفدرالي عن خطط لإضافة 60 مليار دولار كل شهر إلى النظام المالي (سيحدث هذا 6 أشهر إلى الأمام). ولكن مرة أخرى، لا يعرف أحد حقًّا كم سيدوم هذا أو إذا كانت المقادير ستتغير. واقعيًّا، حتى الفدرالي لا يعلم لأن هذا العلم مستحيل.

كلنا نعلم عمليًّا أنه من هنا سيزداد المعروض المالي (زيادة كبيرة). ولكن، اعلم أن معظم المشتركين في السوق لا فكرة عندهم أن هذا حدث أو يحدث. كل ما يعرفه المشتركون في السوق هو الذي يصل لهم بالأسعار وفرص العمل. الذين يفهمون تصرّفات الفدرالي قد يكونون في مكان أفضل لأنهم قادرون على توقع نتائج توجهاته، ولكن الأنظمة الاقتصادية معقدة. كلّنا نستجيب إلى آليات التسعير حولنا، وليس أحد منّا قريبًا من المعرفة الكاملة، هذا هو ادّعاء المعرفة. إن المعرفة الجمعية لملايين البشر مضمّنة في السعر الذي هو تابع لتفضيلات الأفراد الذين يشكّلون الاقتصاد، تفضيلاتهم التي لا تزال في تغيّر.

الأفراد محدودون جوهريًّا بالمعارف التي يملكونها. وهذا لا شكّ يصدُق على المصارف المركزية. في نموذج المصرفية المركزية المالي، يحدد اثنا عشر فردًا (أو قريبًا من هذا الرقم) كيف ومتى تُنشأ مليارات، إن لم يكن تريليونات، من الدولارات، مع أن معارفهم محدودة في جوهرها. مهما كان هؤلاء ذوي نية حسنة، ومهما كانت معارفهم عظيمة، النتيجة الصافية هي إفساد الآلية الأساسية التي تجمع معرفة السوق كله (آلية التسعير). كل من يعتمد على الدولار وحدةً للحساب وآليّة للتعبير عن التنازلات الاقتصادية، يتغيّر أساس اعتماده على نحو غير متوقّع، وغير معلوم لمعظم الذين في السوق. إشارات التسعير المفسَدة تصل تدريجيًّا إلى الأفراد عبر ملايين الأسواق فتؤثر في قرارات مئات الملايين، والآلية المركزية التي تحدد السياسة المالية هي سبب هذا الإفساد.

وحتى إذا اعتقد المرء أن الإدارة الفاعلة للمعروض المالي لها فائدة صافية، فالبيتكوين موجود اليوم إلى جانب النظام الاقتصادي القديم: النظام اللامركزي أمام النظام المركزي. السياسة المالية بالإجماع أمام سياسة المصرف المركزي. فأمّا المعروض المالي في النظام القديم فيتغيّر تغيّرات لا يمكن توقعها، وأما شبكة البيتكوين فتعمل محكَمَة بمعروض معلوم وتغيّر معلوم. لم يعد الأمر نقاشًا فلسفيًّا أو اقتصاديًّا، النظامان المتنافسان الآن قائمان، وسيقول السوق بينهما الكلمة الفصل. قد يكون البيتكوين معقّدًا ومفهوم الملا نفسه صعب الفهم، ولكن العيوب في النظام الحالي مستقلة عن البيتكوين. السبعة عشر تريليونًا من الدين الرابح ربحًا سلبيًّا ستكون دليلًا كافيًا على أنها نتيجة من السياسة المالية للمصرف المركزي. في النهاية، العملات التي يقوم عليها النظام القائم ستكون صمام التنفيس لأن المصارف المركزية ستجبَر على زيادة المعروض المالي لتحافظ على نظام الائتمان الذي لا سبيل إلى إنقاذه إلا هذا.

مع تحكّم المصارف المركزية بالنظام القديم، لا يستطيع المرء الركون إلى شيءٍ إلا أن المعروض المالي سيتغيّر تغيّرًا لا يمكن توقعه. في البيتكوين، يستطيع كل إنسان التحقق من المعروض ومعدّل التغيّر. بإعمال عقدة بيتكوين كاملة، يستطيع أي أحد التحقق من عدد البيتكوينات الصالحة في السوق ومقدار البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة. يستطيع أي أحد وكل أحد أن يتحقق من المعلومات من دون أن يثق بأحد. هكذا يعمل البيتكوين. كل عقدة تتحقق من المعلومات وتحققها باستقلال. سياسة البيتكوين المالية مفروضة على أساس لامركزي، تفرضها كل العقد في الشبكة. يستطيع كل صاحب عقدة أن يحسب متى ستحل الكتل المستقبلية ومتى سيتغير معدّل الإصدار. إن إمكان التحقق والتحقيق للمعروض المالي، مهما كان المقدار الاسمي، يعزز مصداقية النظام المالي. يحدث هذا التعزيز كل 10 دقائق، 6 مرات في الساعة، 144 مرة في اليوم، 1,320 مرة في الشهر، 52,560 مرة في العام، مع كل كتلة جديدة في البيتكوين. يتعزز النظام المالي لأن المشتركين في السوق يتحققون من تطبيق السياسة المالية مرة بعد أخرى، كل عشر دقائق.

المعروض ومعدّل الإصدار، والذي يمكن التأكد من صحته على حاسوب قديم (المعروض: 17,988,755، مكافأة الكتلة = 12.5 بيتكوين، أو 1,250,000,000 ساتوشي)

ليس للمعروض الثابت كبير معنًى من دون مصداقية فرضه. يستطيع أي أحد نسخ بناء البيتكوين وكوده. ولكن الذي لا يمكن نسخه هو صدقية خصائصه المالية. إن آلية الإجماع التي تحكم البيتكوين هي أساس هذه الصدقية وهي التي تميّز البيتكوين عن المنافسة. حتى إذا بقي الإنسان غير مقتنعًا أن عملة لها معروض ثابت تعبّر عن المعلومات تعبيرًا أفضل بآلية تسعيرها، فإن قناعة أي فرد غير مهمة. البيتكوين يأتمن سياسته المالية عند آلية إجماع. نعم، المعروض الكلي للبيتكوين مسقوف بواحد وعشرين مليونًا، ولكنه في النهاية محكوم بإجماع الذين يمسكون بالبيتكوين.

إذا قرر السوق، الذي لا ريب في أن عنده من العلم ما ليس عند أي فرد، مجتمعًا، أن الأفضل تغيير جدول المعروض، وإزالة المعروض الثابت، فالأمر ممكن نظريًّا. ولكن السوق يجب أن يصل إلى إجماع ساحق ليفرض هذا التغيير، وعمليًّا، لن تستطيع شبكة لامركزية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين الوصول إلى إجمال ساحق لبخس العملة التي تستعملها. معروض البيتكوين مرن بما يكفي ليتغيّر، ولكن هذا ممتنع من دون إجماع السوق. البيتكوين في النهاية يظهر الفرق بين السياسة المالية بالإجماع والسياسة المالية بحكم المصرف المركزي. المعرفة المحتواة في إجماع السوق، لا ريب أنها متفوقة على معرفة عدد صغير من الأفراد، لذلك يتفوق البيتكوين على النظام القديم في كل خطوة.

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

فلا، البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين لا تديره شركة مريبة، ولا يستعمل أساليب مبيعات عالية الضغط. ولا يبيع البيتكوين سلعة سيئة لها معروض كبير، ولا يأجر الناس لتوظيفهم أعضاء جددًا في النظام. البيتكوين مال، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. لا يهم كم من الناس يعتمد البيتكوين، فعندما يزيد الاعتماد، تتوزع الكعكة نفسها على مزيد ومزيد من الناس، وبالمتوسط، سيملك الناس حصّة أصغر وأصغر من الشبكة. تزداد قيمة البيتكوين تبعًا للاعتماد، والاعتماد يزيد لأن الخصائص المالية للبيتكوين متفوقة على كل المنافسين. للبيتكوين معروض ثابت، وجدول معروضه معلوم، وسياسته المالية محكومة ومفروضة بالإجماع. آلية تسعير البيتكوين لا تلاعب فيها، ولا يمكن إفسادها لأن المعروض ثابت. كل شيء يتغير حول البيتكوين، إلا معروضه الثابت، فلا يتغير. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سيصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة.

هذا هو وعد البيتكوين، ولن ينتشر إلا إذا كان نافعًا للذين يستخدمونه. اليوم، وفي المستقبل، ستسمر هذه المنفعة التي هي القدرة على حفظ الثروة في وسيط مالي لا يمكن بخسه. عندما يدّعي الناس أن البيتكوين قد يكون «أكبر من الإنترنت»، فالتطبيق ليس خطّيًّا، بل هو عائد إلى أن نوع المال السيادي الذي لا يمكن التلاعب به، قادر على أن يكون واحدًا من أعظم أدوات الحرية التي اختُرعت في التاريخ. إن نجاح البيتكوين ليس معطًى، ولكنه إذا نجح في الوفاء بوعده، فسيساعد في تنسيق أفعَل وأسلَم بين الناس حول العالم. في النهاية، البيتكوين أداة تواصل. هذه هي وظيفة المال. يقدّم البيتكوين ببساطة نظامًا بديلًا، يعمل على أساس لامركزي لا يحكمه أحد. امتناع الحكم هذا، وامتناع التوجيه الواعي، هو الذي يتيح للبيتكوين أن يجمع المعرفة ويعبّر عنها بطريقة أفضَل من أي وسيط مالي سابق. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، ومع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

«كثير من الأشياء العظيمة التي حققها الإنسان، لم يكن نتيجة فكر موجه، ولا نتيجة جهود منسّقة مدروسة لمجموعة أفراد، بل نتيجة لعب الفرد لدورٍ لن يستطيع الإحاطة بفهمه أبدًا. هذه الأشياء أعظم من أي فرد لأنها تنتج من مزيج من المعرفة أوسع من أن يملكه أي فرد».

حايك، الثورة المضادة للعلم

Tagged : / / / / / /

البيتكوين له غطاء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2019

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين مدعوم بشيء. إنه مدعوم بما يدعم أي نوع من المال: مصداقية خصائصه المالية. المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. على مرّ التاريخ، برزت عدة وسائل لتأخذ صفة المال، وفي كل مرة، لم يكن هذا الأمر بمحض مصادفة. السلَع التي تصبح أموالًا لها خصائص فريدة تميزها عن بقية سلع السوق. يقدّم معيار البيتكوين شرحًا أكمَل للقضية، ولكن السلع المالية لها خصائص تجعلها مفيدة من حيث هي وسيط مقايضة، من هذه الخصائص: الندرة، والمتانة، وقبول الانقسام والاستبدال والحمل، وأشياء أخرى. مع كل مال ناشئ جديد، تتطور خصائص وسيطٍ مالي، وتُبطل الخصائص المالية التي كانت في الأموال السابقة، وفي كل مرة تتموّل فيها سلعة، يبطل تموّل سلعة أخرى. والذي يحدث أن نقاط القوة النسبية للوسيط المالي الجديد تغلب نقاط قوة الوسيط القديم، وليس البيتكوين مختلفًا عن ذلك. يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية التي قامت على الخصائص المالية للذهب.

يتفوق البيتكوين على أسلافه التماثلية من حيث الخصائص المالية. البيتكوين نادرٌ ندرة مطلقة، وهو أسهَل انقسامًا وأسهل نقلًا من منافسيه القائمين اليوم. وهو بعد ذلك أكثر لا مركزية، لذلك أمنَع على الرقابة والفساد. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وكل واحدة منها تنقسم إلى 8 فواصل عشرية (جزء من مئة مليون جزءًا). يمكن نقل القيمة بالبيتكوين إلى أي أحد في أي مكان في العالم من دون ترخيص من أحد، ولا تعتمد التسوية النهائية على أي طرف ثالث. بالإجمال، خصائص البيتكوين المالية متفوقة تفوّقًا هائلًا على أي نوع من المال يستعمل اليوم. وهذه الخصائص ليست موجودة بالصدفة، ولا هي موجودة عن فراغ. إن الخصائص المالية الناشئة في البيتكوين محمية ومفروضة بمزيج من التعمية، وشبكة من العقد اللامركزية تفرض مجموعة مشتركة من قوانين الإجماع، وشبكة تعدين متينة تضمن سلامة دفتر حوالات البيتكوين ومناعته على التغيير. العملة نفسها هي حجر الأساس الذي يربط أجزاء النظام، فيخلق دوافع اقتصادية تسمح لأجزاء نظام الأمن أن تعمل معًا. ولكن مع هذا، ليست خصائص البيتكوين المالية مطلقة، بل هي مقوّمة بالسوق بالنسبة إلى الخصائص الموجودة في الأنظمة المالية الأخرى.

كوين بيس برو: معدّل سعر البيتكوين بالدولار على مدى الأشهر الست الماضية (بيانات 27 سبتمبر 2019). 

اعلَم أنه في كل مرة يُباع دولار ببيتكوين، يبقى العدد نفسه من الدولارات والبيتكوينات في العالم. كل الذي يتغير هو التفضيل النسبي لحمل عملة من العملتين مقابل الأخرى. إن تزايد قيمة البيتكوين دليل على أن المشتركين في السوق يفضلون حمل البيتكوين على حمل الدولارات. وإن تزايد سعر البيتكوين (بالدولار) يعني أن مزيدًا من الدولارات لازم لشراء الكمية نفسها من البيتكوين. بالإجمال، إنه تقدير السوق للقوة النسبية للخصائص المالية. السعر ناتج. الخصائص المالية هي الأساس. مع تقدير الأفراد للخصائص المالية للبيتكوين، يصبح السؤال الطبيعي: أي العملتين له خصائص مالية أصدَق؟ البيتكوين أو الدولار؟ طيّب، ما الذي يدعم الدولار (أو اليورو أو الين أو غيرهما) في الأصل؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يجد الباحث دومًا أن الدولار مدعوم بالحكومة أو الجيش (رجال معهم أسلحة) أو الضرائب. ولكن الدولار ليس مدعومًا بأي واحدة من هؤلاء. لا بالحكومة، ولا بالجيش، ولا بالضرائب. تضرب الحكومة ضرائبها على الأشياء القيّمة، لا تصبح الأشياء قيّمة لأن عليها ضريبة. كذلك، تحمي الجيوش ما هو قيّم، لا تصبح الأشياء التي تحميها الجيوش قيّمة. والحكومة لا تستطيع فرض قيمة العملة، كل ما تستطيع تحديده هو معروضها.

فنزويلا، والأرجنتين، وتركيا، كلها بلدان لها حكومات وجيوش وقدرة على فرض الضرائب، ومع هذا تراجعت عملاتها تراجعًا ملحوظًا في السنين الخمس الماضية. ولئن لم يكن إثبات النقيض كافيًا، فإن كل حكومة من هذه الحكومات دليل ينقض القول بأن العملة تشتق قيمتها من الحكومة. كل مرحلة من مراحل التضخم المفرط يجب أن تكون دليلًا كافيًا على العيوب الجوهرية في الأنظمة المالية الحكومية، ولكنها ليست كذلك لسوء الحظ. يظنّ معظم النالس أن التضخم المفرط دليل على سوء الإدارة المالية، لا أنه النتيجة النهائية المنطقية لكل الأنظمة الحكومية. هذا الرأي التبسيطي يتجاهل المبادئ الأولى، ويتجاهل الآليات التي تضمن البخص المالي في أنظمة العملات الحكومية. ومع أن الدولار أقوى بنيويًّا لأنه عملة الاحتياطي العالمية، فإن قواعد الأموال الحكومية من حيث الأداء واحدة، والدولار ليس إلا الأقوى بين الضعفاء. ما إن فهمنا الآليات التي تدعم الدولار (وكل العملات الحكومية) فهمًا أفضل، قدّم ذلك لنا قاعدة لتقدير الآليات التي تدعم البيتكوين.

لماذا للدولار قيمة؟

لم تنشأ قيمة الدولار في السوق الحرة. بل نشأت على أنها تمثيل جزئي للذهب (والفضة في أول الأمر) وكان الدولار حلًّا لما قصّر فيه الذهب من سهولة التحويل والإرسال، لذا فإن مولد الدولار كان معتمدًا على الخصائص المالية للمعادن الأساسية، لا على خصائص جوهرية في الدولار نفسه. وكان أيضًا نظامًا قائمًا على الثقة: خُذ الدولار وثق أنه يمكن استبداله بمقدار ثابت من الذهب في المستقبل. إن عيب الذهب وإخفاقه الكامل هو نظام الدولار، ومن دون الذهب، لم يكن ليكون أي وجود للدولار في هيئته الحالية. مراجعة سريعة لتاريخ الدولار والذهب:

1900أقرّ قانون معيار الذهب عام 1900 أن الذهب هو المعدن الوحيد الذي يمكن استبداله بالدولار، وأن ثمن كل أونصة ذهب 20.67 دولارًا.
1913تأسس الاحتياطي الفدرالي بموجب قانون الاحتياطي الفدرالي عام 1913.
1933حظر الرئيس روزفلت ادّخار الذهب وكنزه بالقانون التنفيذي 6102، وأجبر المواطنين على تحويل الذهب إلى دولارات بمعدل 20.67 دولارًا للأونصة، وإلّا فهم معرّضون لعقوبة هي غرامة بقيمة 10 آلاف دولار، أو حبس من خمس سنوات إلى عشر، أو السابقان معًا.
1934وقع الرئيس روزفلت قانون الاحتياطي الذهبي، فبخس الدولار 40% من قيمته وصار سعر الأونصة 35 دولارًا.
1944رسّم اتفاق بريتون وودز قدرة الحكومة الأجنبية والمصارف المركزية على تحويل الذهب إلى الدولار (والعكس) بمعدّل 35 دولارًا للأونصة، وتأسست معدلات صرف ثابتة بين الدولارات وبقية العملات.
1971أنهى الرئيس نكسون رسميًّا قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فأنهى نظام بريتون وودز فعليًّا. أصبحت قيمة الدولار 38 دولارًا لأونصة الذهب.
1973غيّرت الحكومة الأمريكية سعر الدولار إلى 42 للأونصة.
1976فصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب كله عام 1976.

على مر القرن العشرين، انتقل الدولار إلى عملة مدعومة بالاحتياطي إلى عملة مدعومة بالدين. لم يزل معظم الناس يتدبّرون سبب امتلاك الدولار للقيمة بعد الذهب، ولم يزل التفسير الأشيَع هو أنها هلوسة جمعية (أن الدولار له قيمة لأننا كلنا نؤمن بذلك)، أو أنه تابع للحكومة والجيش والضرائب. ليس لواحد من هذين التفسيرين أي أساس في المبادئ الأولى، وما من سبب حقيقي يجعل للدولار قيمة. بل يحافظ الدولار على قيمته اليوم بسبب الدين والندرة النسبية للدولارات أمام الديون المقومة بالدولار. في عالم الدولار، كل شيء تابع لنظام الائتمان. الناتج الإجمالي المحلي الاسمي معتمد على حجم نظام الائتمان ونموه، والضرائب تحسب على أساسه. إن الآليتين اللتين تموّلان الحكومة (الضرائب واستهلاك العجز) كلاهما قائمتان على نظام الائتمان، وإن نظام الائتمان هو الذي يسمح للدولار أن يعمل بهيئته الحالية.

الدين القومي الأمريكي مقابل الدخل (تريليون)

إن حجم نظام الائتمان يبلغ أضعاف حجم الناتج الإجمالي المحلي الاسمي. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه. ولكن نمو نظام الائتمان سبق نمو الناتج الإجمالي المحلي على مر العقود الثلاثة السابقة. يرقّم المخطط أدناه معدل تغير نظام الائتمان مقابل معدل تغير الناتج الإجمالي المحلي الاسمي وصكوك الضرائب الفدرالية (منذ 1987 إلى اليوم). في نظام الاحتياطي الفدرالي، يقود توسيع الائتمان الناتج الإجمالي المحلي الذي يحدد في النهاية المستوى الاسمي للضرائب الفدرالية.

اليوم، في نظام الائتمان الأمريكي 73 تريليون دولارًا من الدين حسب الاحتياطي الفدرالي (تقرير z.1)، ولكن ليس في نظام المصارف إلا 1.6 تريليون دولار. هكذا يدير الاحتياطي الفدرالي الاستقرار النسبي للدولار. ينشئ الدين طلبًا مستقبليًّا على الدولار. في نظام الفدرالي، كل دولار مرفوع بنسبة 40:1 تقريبًا. إذا اقترضت دولارات اليوم، فإنك محتاج إلى جني دولارات في المستقبل لدفع الدين، وحاليًّا، كل دولار في النظام المصرفي مقرَض 40 مرة. إن العلاقة بين حجم نظام الائتمان ومقدار الدولارات يعطي الدولار ندرة واستقرارًا نسبيًّا. بالإجمال، كل الناس محتاجون إلا دولارات لدفع الدين المقوم بالدولار.

النظام كله مدين بدولارات أكثر من الموجودة، وهو ما ينشئ بيئة تجعل الطلب الحالي على الدولارات عاليًا جدًّا. إذا لم يدفع المستهلكون ديونهم، سيُحجَر على منازلهم، أو تُنقَل ملكية سياراتهم. إذا لم تدفع شركة ديونها، سيستحوذ الدائنون على أصولها بعملية الإفلاس، ويمكن أن تُمحى الحصص تماما. إذا لم تدفع حكومة ديونها، ستُغلَق وظائفها الأساسية لفقدان التمويل. في معظم الأحوال، نتيجة عدم حيازة الدولارات المستقبلية اللازمة لدفع الدين تعني أنّك ستنتهي على الحديدة. ينشئ الدين دافعًا اقتصاديًّا لطلب الدولارات. ما دامت الدولارات نادرة أمام الدين القائم، سيبقى الدولار مستقرًّا. هكذا يعمل اقتصاد الفدرالي، ادفع لخلق الائتمان، تكن قد أوجدت طلبًا مستقبليًّا للعملة المقومة. بمعنًى ما، يشبه الأمر بيع المخدرات. اجعل إنسانًا يدمن على مخدِّرتك، وستضمن أنه سيعود ليطلب المزيد. في هذه الحالة، المخدّر هو الدين، وهو يجبر كل الناس على البقاء في دولاب جرذان الدولار.

إن مشكلة اقتصاد الفدرالي (والدولار) هو أنه يعتمد على عمل نظام ائتمان مرفوع جدًّا. وللحفاظ على ذلك، يجب على الفدرالي أن يزيد عدد الدولارات القاعدية. هذا هو التيسير الكمي ولذلك وُجد. للحفاظ على كمية الدين في النظام، يجب على الفدرالي أن يزيد معروض الدولارات الحقيقية، وإلا سينهار نظام الائتمان. إن زيادة مقدار الدولارات القاعدية له أثر متوسط هو نزع رفع نظام الائتمان، ولكن أثره على المدى الطويل هو زيادة الائتمان. ومن آثاره أيضًا بخس قيمة الدولار مع الوقت. كل هذا مقصود. الائتمان هو الذي يدعم الدولار لأن الائتمان هو ادعاء ملكية أصول حقيقية، هي معايش الناس. جئ بدولاراتك في المستقبل، أو اخسر بيتك، هذا دافع قوي لتعمل للحصول على الدولار.

إن العلاقة بين الدولار والائتمان بالدولار يحافظ على لعبة الفدرالي، ويؤمن الصيارفة المركزيون أن هذا سيبقى إلى الأبد. أنشئ مزيدًا من الدولارات، أنشئ مزيدًا من الدين. دين كثير؟ أنشئ مزيدًا من الدولارات، وهكذا دواليك. في النهاية، في نظام الفدرالي، العملة هي صمام التحرير. لأن الدين بلغ 73 تريليون دولارًا، وليس لدينا إلا 1.6 تريليون دولار في النظام المصرفي، سيُضاف إلى النظام دولارات جديدة لتدعم الدين. إن ندرة الدولار أمام الطلب هي التي تعطي الدولار قيمته. لا أكثر، ولا أقل. لا دعامة للدولار سوى هذه. ولئن كانت آلية نظام الائتمان تنشئ ندرة نسبية للدولار، فإنها في الوقت نفسه تضمن أن الدولار ستقل ندرته قليلًا قليلًا.

دين كثير أنشئ مزيدًا من المال مزيد من الدين دين كثير

والأمر ذاته موجود في كل أصل مالي، الندرة هي الخصيصة المالية التي تدعم الدولار، ولكن الدولار ليس نادرًا إلا أمام الديون المقومة به. واليوم، أمام الدولار منافس حقيقي، هو البيتكوين. إن نظام الدولار وفقدانه للخصائص المالية الجوهرية يقدم نقيضًا صريحًا للخصائص المالية الناشئة والجوهرية في البيتكوين. ندرة الدولار نسبية، أما ندرة البيتكوين فمطلقة. نظام الدولار قائم على الثقة، أما البيتكوين فلا. معروض الدولار محكوم بمصرف مركزي، أما معروض البيتكوين فمحكوم بإجماع المشاركين في السوق. سيبقى معروض الدولار مرتبطًا بحجم نظام الائتمان، أما معروض البيتكوين فمستقل تمامًا عن مسألة الائتمان. وتكلفة إنشاء مزيد من الدولارات صفرية، أما تكلفة إنشاء مزيد من البيتكوين فحقيقية ومتزايدة أبدًا. في النهاية، خصائص البيتكوين المالية ناشئة ومناعتها متزايدة، أما الدولار فقبوله للتلاعب جوهري ومتزايد.

المال والندرة الرقمية

إن أصعب حاجز عقلي تجاوزًا عند تقدير البيتكوين من حيث هو مال، هو عادة أن البيتكوين أصل رقمي. البيتكوين ليس ملموسًا، وليس بديهيًّا بادئ الرأي. كيف يمكن أن يكون شيء رقمي تمامًا مالًا؟ ومع أن الدولار معظمه رقمي، فإنه مع ذلك ملموس أكثر من البيتكوين في أذهان معظم الناس. نشأ الدولار الرقمي من سلفه الورقي، ولم يزل في السوق دولارات ورقية، أما البيتكوين فهو رقمي أصلًا. في الدولار، عندنا تمثيل فيزيائي يمثل الأنماط الذهنية للعالم الملموس، أما في البيتكوين، فليس عندنا شيء من ذلك. ومع أن للبيتكوين خصائص مالية أصدق بكثير من خصائص الدولار، فإن الدولار في أذهاننا هو المال (عند معظمنا)، ونتيجة ذلك، فتمثيله الرقمي مفهوم أكثر، لأنه توسع من العالم الفيزيائي إلى العالم الرقمي. إن أساس الدولار من حيث هو مال ثابت بالزمن، ولئن كانت طبيعته الرقمية تبدو ملموسة أكثر، فالبيتكوين يمثّل ندرة مطلقة. أما معروض الدولار فلا حد عليه.

تذكر أن الدولار ليس له أي خصيصة مالية جوهرية. قام الدولار على الخصائص المالية للذهب ليعتلي مكانة الاحتياطي العالمي، ولكنه في نفسه، ليس له خصائص فريدة تجعله شكلًا مستقرًّا من المال، إلا ندرته النسبية في نظام المال المرتبط بالدين. عند النظر في البيتكوين، سؤال المبدأ الأول هو إذا كان أي شيء رقمي قادرًا على مشاركة الخصائص الجوهرية التي جعلت الذهب مخزنًا للقيمة (ومالًا). هل نشأ الذهب وأصبح مالًا لأنه فيزيائي أم لأن له خصائص مالية مترفعة عن الفيزيائية؟ من كل الأشياء الفيزيائية في العالم، لم اختير الذهب؟ نشأ الذهب وأصبح مالًا لا لأنه فيزيائي، بل لأن خصائصه الإجمالية فريدة. أهم شيء هو أنه نادر، ويمكن استبداله، ومتين. ومع أن للذهب خصائص كثيرة جعلته متفوّقًا على أي مال سبقه، فإن عيبه القاتل كان صعوبة نقله وعرضته للمركزية، وهو ما أنشأ الدولار في النهاية ليصبح نظيره التحويلي.

«تخيّل معدنًا ذهبيًّا له ندرة الذهب، ولكن له هذه الخصائص: رمادي ممل اللون – ليس ناقلًا جيّدًا للكهرباء – ليس قويًّا، ولكنه ليس مرنًا ولا سهل الإفساد – ليس مفيدًا لأي هدف عملي أو تزييني – ولكن له خصيصة سحرية خاصة واحدة: – يمكن نقله بقناة اتصالات»

ساتوشي ناكاموتو (27 أغسطس 2010)

يملك البيتكوين الخصائص المالية التي جعلت الذهب وسيطًا ماليًّا، ولكنه في الوقت نفسه يصلح من عيوب الذهب. فالذهب نادر نسبيًّا، أما البيتكوين فنادر مطلقًا، وكلاهما متين جدًّا. الذهب قابل للاستبدال (أن يبدَل بعضه ببعض)، ولكنه صعب التحقق، أما البيتكوين فقابل للاستبدال وسهل التحقق. الذهب صعب النقل ومركزي جدًّا. البيتكوين سهل النقل ولامركزي جدًّا. في البيتكوين كل خصائص الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي مجموعة في عملة واحدة، ولكن من دون العيوب الأساسية في أي منهما. عند النظر في الأوسطة المالية، المبادئ الأولى أساسية. أهمل النتيجة أو النهاية، وابدأ بسؤال نفسك: إذا كان البيتكوين فعلًا نادرًا ومحدودًا، وتجاهل أنه رقمي، أيكون مقياسًا صالحًا للقيمة ومخزنًا نهائيًّا للقيمة؟ هل الندرة خصيصة قوية بما يكفي لجعل البيتكوين مالًا، ولو كانت هذه الندرة رقمية؟

لئن كان المال مفهومًا غير ملموس، فإنه ما دام للتجارة والتخصص منافع، سيبقى للمال فائدة وطلب. المال وسيلة نستعملها لتكون الحكَم في تحديد القيمة النسبية بين السلع الاستهلاكية والرأسمالية الكثيرة. إنه سلعة تنظم كل النشاط الاقتصادي. إن كمية المال المطلقة أقل أهمية من خصائصه كالندرة وقبول القياس. الندرة هي أهم خصيصة مالية. إذا كان معروض وحدة القياس متغيّرًا باستمرار تغيّرًا غير متوقع، فسيصعب قياس قيَم السلَع بها، لذلك فالندرة في نفسها خصيصة قيّمة جدًّا. قد تتقلب قيمة وحد القياس أمام السلع والخدمات، ولكن استقرار معروض المال يجعل الضجيج أصغريًّا أمام إشارة السعر النسبي للسلع الأخرى.

ومع أن البيتكوين رقمي، فهو مصمم لينشئ ندرة مطلقة، وهو ما يجعله مرشّحًا ليكون شكلًا فاعلًا من المال (ومقياسًا للقيمة). لن يكون في الوجود إلا 21 مليونًا، و21 مليونًا رقم صغير جدًّا بالمقاييس النسبية والمطلقة. أنشأ الفدرالي 100 مليار دولار في الأسبوع السابق، بضغطة زر. يكافئ هذا تقريبًا 5 آلاف دولار مقابل كل بيتكوين في الوجود، في أسبوع واحد (وعلى يد مصرف مركزي واحد). لتقديم سياق أوسع، أنشأ الاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان، وبنك أوروبا المركزي، كلهم معًا 10 تريليونات دولارات منذ الأزمة المالية، وهو ما يكافئ 500 ألف دولار لكل بيتكوين. ومع أن الدولار واليورو والين والبيتكوين كلها رقمية، فإن البيتكوين هو الوحيد النادر ندرة ملموسة والوحيد الذي فيه خصائص مالية جوهرية.

ولكن، لا يكفي أن ندعي أن البيتكوين نادر ندرة مطلقة، ولا ينبغي أن يقبل أحد هذه الحقيقة ببساطة. ينبغي لكل واحد أن يفهم كيفية هذه الندرة وسببها. لماذا لا يمكن إنشاء أكثر من 21 مليون بيتكوين ولماذا لا يمكن نسخه؟ لماذا البيتكوين آمن ولمَ لا يمكن التلاعب به؟ في البيتكوين عناصر كثيرة تجتمع لتجعل معروضه ثابتًا على نحو موثوق، ولكن في شبكة البيتكوين ثلاثة دعائم ملتحمة تفرضها الدوافع الاقتصادية للعملة نفسها:

  • إجماع الشبكة والعقد الكاملة: فرض مجموعة مشتركة من القوانين الحاكمة
  • التعدين وبرهان العمل: تحقيق تاريخ التحويل، وتثبيت أمن البيتكوين في العالم الفيزيائي
  • المفاتيح الخاصة: تحمي وحدة القيمة، وتضمن الملكية بغض النظر عن التحقق

ما الذي يحمي البيتكوين – إجماع الشبكة والعقد الكاملة

21 مليونًا، ليس مجرد رقم يضمنه برنامج. بل معروض الواحد والعشرين مليونًا هذا تحكمه آلية إجماع، وكل المشتركين في السوق مدفوعون بدوافع اقتصادية لفرض قواعد شبكة البيتكوين. ومع أن إجماع شبكة البيتكوين قد يحكم نظريًّا بزيادة المعروض فوق 21 مليونًا، فإن على الأغلبية الساحقة لمستخدمي البيتكوين أن يوافقوا جميعًا على بخس عملتهم ليفعلوا ذلك. عمليًّا، إنها شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقة تعزز وتدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

في البيتكوين، العقدة الكاملة هي حاسوب أو خادم يحافظ على نسخة كاملة من سلسلة كتل البيتكوين. تجمع العقد الكاملة كل واحدة على حدة نسخة من سلسلة الكتل بناءً على مجموعة مشتركة من قوانين إجماع الشبكة. نعم، لا يُشغّل كل مالك للبيتكوين عقدة كاملة، ولكن كل واحد قادر على ذلك، وكل عقدة تحقق كل الحوالات وكل الكتل. بتشغيل عقدة كاملة، يستطيع كل إنسان أن يصل إلى شبكة البيتكوين وأن يبث حوالات (أو كتلًا) من دون رخصة من أحد. وليس على العقدة أن تثق بعقدة أخرى. بل كل عقدة تحقق التاريخ الكامل لحوالات البيتكوين بناءً على مجموعة مشتركة من القواعد، تسمح للشبكة أن تجمع على نسخة مستمرة وصحيحة من التاريخ من دون أن يثق أحد بأحد.

هذه هي الآلية التي يزيل بها البيتكوين الثقة بأي طرف ثالث مركزي ويعزز صدقية معروضه الثابت. تحافظ كل العقد على تاريخ من كل الحوالات، وهو ما يتيح لكل عقدة أن تحدد إذا كانت الحوالات المستقبلية صالحة. بالإجمال، يقدم البيتكوين آمَن شبكة حوسبة في العالم لأن كل إنسان يمكن أن يصل إليها من دون أن يثق أحد بأحد. الشبكة لامركزية وليس فيها نقاط صدع مفردة. كل عقدة مراقب وموازِن لبقية الشبكة، من دون مصدر مركزي للحقيقة، الشبكة منيعة على الهجوم والإفساد. قد تخفق عقدة ما، أو تفسد، ولكن الشبكة ستستمر كأن شيئًا لم يحدث. كلما زادت العقد، زادت لامركزية البيتكوين، وهو ما يزيد الحشو، فيجعل الشبكة أصعب وأصعب على الإفساد أو الرقابة.

كل عقدة كاملة تفرض قواعد إجماع الشبكة، ومن هذه القواعد معروض العملة الثابت. في كل كتلة بيتكوين عدد محدد من البيتكوينات الجديدة، وكل حوالة يجب أن تعود إلى كتلة صحيحة سابقة لتكون صحيحة. كل 210 آلاف كتلة، ينقسم هذا العدد إلى النصف، هكذا حتى يبلغ عدد البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة الصفر، عام 2140 تقريبًا، وهذا جدول إصدار معروض البيتكوين المقارب. لأن كل عقدة تحقق كل حوالة وكل كتلة، تفرض الشبكة كلها معًا ثبات المعروض على قيمة 21 مليونًا. إذا بثّت أي عقدة حوالة أو كتلة فاسدة، سترفضها بقية الشبكة وستسقَط هذه الكتلة من الإجماع. تستطيع كل عقدة أن تحاول إنشاء زيادة من البيتكوين، ولكن كل عقدة لها مصلحة في ضمان ثبات معروض البيتكوين على قيمته المثبتة، وإلا ستبخَس العملة عشوائيًّا على حساب بقية الشبكة.

يستطيع كل واحد في الشبكة أو خارجها أن ينسخ برنامج البيتكوين لينشئ نسخة جديدة من البيتكوين، وكل وحدة تنشئها نسخة من هذه النسخ ستراها العقد في شبكة البيتكوين عملة فاسدة. كل النسخ التالية والوحدات التالية لن تكون صالحة، ولن يقبل أي أحد بهذه العملة على أنها بيتكوين. كل عقدة بيتكوين تتحقق بنفسها من كل بيتكوين، وكل نسخة من البيتكوين ستكون فاسدة، لأنه لن تكون متأصلة في كتلة بيتكوين صالحة سابقة. سيكون الأمر كمن يريد معاملة أموال لعبة مونوبولي معاملة الدولارات. قد تتمنى ما أردت أن تكون مالًا، ولكن لن يقبلها أحد على أنه بيتكوين، ولن تشارك شبكة البيتكوين خصائصها الناشئة. إن تشغيل عقدة بيتكوين كاملة يسمح لكل أحد أن يفحص صلاح كل عملة من عملات البيتكوين، وستُعرَف كل نسخة مزيفة بهذه الطريقة. إن إجماع العقد هو الذي يحدد الحالة الصحيحة للشبكة في نظام مغلَق، كل شيء يحدث خلف جدران هذا النظام لم يحدث أصلًا.

ما الذي يحمي البيتكوين – التعدين وبرهان العمل

في آلية الإجماع هذه، تشغل بعض العقد (التي تسمى عقد التعدين) خوارمية برهان العمل لإضافة كتل جديدة إلى سلسلة الكتل. هذه الخوارزمية تحقق التاريخ الكامل للحوالات وتسوّي الحوالات الجديدة. التعدين وبرهان العمل يثبتان أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. لحل الكتل، يجب على المعدنين أن يحسبوا تريليونات الحسابات التعموية، وهو ما يتطلب استهلاك موارد طاقة كبيرة. فإذا حُلّت عقدة، تُرسل إلى بقية الشبكة للتحقيق. كل العقد (ومنها بقية المعدنين) تحقق إذا كانت الكتلة صالحة بناءً على مجموعة مشتركة من قواعد إجماع الشبكة، نوقشت من قبل. إذا كانت أي جوالة في في الكتلة فاسدة، فالكتلة كلها فاسدة. كذلك، إذا لم تبنَ الكتلة المرسَلة على آخر كتلة صالحة، فهي فاسدة أيضًا.

ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 90 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). تحلّ الكتل تقريبًا كل عشرة دقائق، وهو ما يعني 144 كتلة في اليوم. عبر الشبكة، تكلف كل كتلة نحو 75 ألف دولار، وتبلغ مكافأة كل عقدة 100 ألف دولار (12.5 بيتكوين جديد مضروبة بسعر البيتكوين، 8 آلاف دولار، من دون حساب رسوم التحويلات). كلما زادت تكلفة حل كتلة، زادت تكلفة الهجوم على الشبكة. إن تكلفة حل الكتلة تمثل الموارد الملموسة اللازمة لكتابة التاريخ على دفتر تحويلات البيتكوين. مع نمو الشبكة، يزداد تشظّيها، وتزداد القيمة الاقتصادية المدفوعة إلى المعدنين بالإجمال. من وجهة نظر نظرية الألعاب، كلما زاد التنافس وزادت الفرص، صعب التآمر على الإفساد، وكل عقد الشبكة تحقق عمل المعدنين، وهو ما يجعلها الرقيب والموازِن.

وتذكّر ذلك الرقم الثابت الذي يصدر في كل كتلة صالحة (قبل أن يبلَغ سقف الواحد والعشرين مليونًا). إن البيتكوين المصدَر في كل كتلة إذا جُمعت إليه رسوم التحويل يمثّل التعويض الذي يناله المعدنون لقيامهم ببرهان العمل. يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين لحماية الشبكة. لبناء الكتل وعملية الاقتراح، يكتب المعدنون هذا العدد الثابت من البيتكوين الصادر في كل كتلة تعويضًا عن استهلاك موارد من العالم الحقيقي الملموس لحماية الشبكة. إذا كتب معدّن مقدارًا من البيتكوين لا يوافق جدول العرض الثابت، سترفض بقية الشبكة الكتلة لأنها فاسدة. لحماية الشبكة، يجب أن يحقق المعدنون ويفرضوا قانون المعروض الثابت ليحصلوا على التعويض. للمعدّنين قدم في اللعبة هي التكاليف المتزايدة على رؤوس أموالهم (واستهلاكهم للطاقة)، والعمل الفاسد لا يُكافَأ.

ودونك مثالًا تقنيًّا: المكافأة الصالحة المدفوعة إلى المعدنين تنصَّف كل 210 آلاف كتلة، والتنصيف القادم سيكون في الكتلة 630,000 (أو تقريبًا في مايو 2020). في ذلك الوقت ستنقص المكافأة من 12.5 إلى 6.25 بيتكوين في كل كتلة. من بعد ذلك، كل معدّن يكتب مكافأة خاطئة (أي مقدار سوى 6.25)، سترفض الشبكة كتلته لأنها فاسدة. التنصيف مهم لا لأن معروض البيتكوين الجديد ينقص فحسب، بل لأنه يظهر أن الدافع الاقتصادي للشبكة يستمر في التنسيق وفرض المعروض الثابت للعملة على أساس لامركزي تمامًا. إذا حاول أي معدّن الغشّ، ستعاقبه بقية الشبكة العقوبة القصوى. لا شيء سوى الدوافع الاقتصادية في الشبكة ينسق هذا السلوك، وحدوثه على أساس لا مركزي من دون تنسيق أي هيئة مركزية تفرض أمان الشبكة.

تعدين البيتكوين لامركزي لأن كل المعدنين يتنافسون، ولا مصلحة للمعدنين في التجمع. ومن جهة أخرى، تحقق العقد عمل المعدنين، في اللحظة نفسها ومن دون تكلفة، وهو ما يجعلها رقيبًا وموازنًا قويًّا جدًّا مستقلًّا عن عملية التعدين. الكُتل صعبة الحل ولكنها سهلة التحقق، وبالإجمال، هذا هو ما يفرق البيتكوين عن أي نظام مالي ينافسه، سواء أكان الذهب أو الدولار. والتعويض الذي يُدفع للمعدنين لحماية الشبكة وفرض معروضها الثابت لا يكون إلا بالبيتكوين. إن الدوافع الاقتصادية للعملة (التعويض) قوية جدًّا، والعقوبة شديدة جدّا وسهلة التطبيق، لذا فدوافع المعدنين على أشدّها للتنسيق وتنفيذ عمل صحيح. بتقديم تكاليف ملموسة لعملية التعدين، وبإعمال جدول إطلاق المعروض وتضمينها في عملية التحقيق (التي تقوم بها كل العقد)، وبفصل عملية التعدين عن ملكية الشبكة، تفرض الشبكة كلّها المعروض الثابت فرضًا موثوقًا دائمًا، على أساس لا ثقة فيه، وفي الوقت نفسه تستطيع بلوغ الإجماع على أساس لامركزي.

ما الذي يحمي البيتكوين – المفاتيح الخاصة والحقوق المتساوية

في الوقت الذي يبني فيه المعدنون الكتل ويحلونها ويقترحونها، وتحقق العُقَد العمل الذي يجريه المعدنون، تتحكم المفاتيح الخاصة بالوصول إلى وحدة القيمة نفسها. تتحكم المفاتيح الخاصة بحقوق 21 مليون بيتكوين (تقنيًّا 18 مليونًا فقط لأن البقية لم تعدّن إلى اليوم). في البيتكوين، لا هوية، لا يعرف البيتكوين شيئًا عن العالم الخارجي. تحقق شبكة البيتكوين التوقيعات والمفاتيح. هذا هو الأمر كله. لا يستطيع إلا صاحب المفتاح الخاص أن ينشئ حوالة بيتكوين صالحة بإنشاء توقيع صالح. تُوضع الحوالات الصالحة في كُتَل، يحلّها المعدّنون وتتحقق منه كل عقدة، ولكن لا يستطيع إنشاء الحوالات الصالحة إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

عندما يُبَثّ تحويل بيتكوين، يُرسل مقدار من البيتكوين إلى أحد عناوين البيتكوين العامة. هذه العناوين العامة مشتقة من المفاتيح العامة، والمفاتيح العامة مشتقة من المفاتيح الخاصة. يمكن حساب المفاتيح العامة والعناوين العامة باستعمال مفتاح خاص، ولكن المفتاح الخاص لا يمكن حسابه باستعمال مفتاح عام أو عنوان عام. إنه تابع بجهة واحدة تحميه خوارزميات تعمية قوية. يمكن مشاركة المفاتيح العامة والعناوين العامة من دون إظهار أي شيء عن المفاتيح الخاصة. عندما يُرسل مقدار من البيتكوين إلى عنوان عام، يُقفَل في خزانة، ولكي تفتَح هذه الخزانة، يجب إنشاء توقيع رقمي من خلال المفتاح الخاص الموافق (لكل مفتاح أو عنوان عام مفتاح خاص فريد). يننتج صاحب المفتاح الخاصة توقيعًا خاصًّا، من دون كشف السر نفسه. تستطيع بقية الشبكة التحقق من أن صاحب المفتاح الخاص هو الذي أنشأ التوقيع، من دون معرفة تفاصيل المفتاح الخاص نفسه. أزواج المفاتيح الخاصة والعامة هي أساس البيتكوين. وفي النهاية، المفاتيح الخاصة هي التي تعطي حق الوصول إلى القيمة الاقتصادية في الشبكة.

لا فرق في هذا بين صاحب عُشر بيتكوين، وصاحب عشرة آلاف بيتكوين. كل صاحب مفتاح محمي ومحقق بالآلية نفسها والقوانين نفسها. لكل واحد في الشبكة حقوق متساوية. بغض النظر عن القيمة الاقتصادية، كل بيتكوين (وكل عنوان بيتكوين) يُعامل المعاملة نفسها في الشبكة. إذا أُنتج توقيع صالح، فالحوالة صالحة وستُضاف إلى سلسلة الكتل (إذا دُفعت رسوم التحويل). إذا أُنتج توقيع فاسد، سترفضه الشبكة. لا يهم قوة المشارك أو ضعفه. لا سياسة في البيتكوين. كلما يحققه البيتكوين هو المفاتيح والتواقيع. قد يستطيع الثري أن يدفع رسومًا أعلى لتكون حوالته أسرع، ولكن كل الحوالات تحقَّق على قوانين الإجماع ذاتها. يقدّم المعدّنون بعض التحويلات على بهض على أساس القيمة والربح، بغض النظر عن أي شيء آخر. إذا كانت حوالتان بنفس القيمة والربح، يُقَدّم الأسبق منهما بالزمن. ولكن المهم أن عملية التعدين، التي تسوّي الحوالات، مستقلة عن الملكية. البيتكوين ليس ديمقراطية، الملكية محكومة بالمفاتيح وكل حوالة بيتكوين يُنظَر فيها على أساس قوانين الشبكة نفسها. أهي صالحة أم لا. يجب أن ترجع كل بيتكوين إلى كتلة موافقة لمبدأ المعروض الثابت (21 مليونًا)، لكي تكون صالحة.

هذا هو الذي يجعل حيازة المفاتيح روحًا مهمّة في البيتكوين. البيتكوين نادر جدًّا، والمفاتيح الخاصة هي حرّاس نقل أي بيتكوين. يقول المثل: ليست مفاتيحك، ليست بيتكويناتك. إذا تحكم طرف ثالث بمفاتيحك، كالبنك مثلًا، فهو قادر على التحكم بوصولك إلى شبكة البيتكوين، وسهلٌ عليه تقييد وصولك أو سرقة أموالك في هذه الحالة. يختار كثير من الناس الثقة بكيان كالبنك، ولكن نموذج الأمان في البيتكوين فريد، لم يكتف بأن يكون لكل مستخدم التحكم بمفاتيحه الخاصة، بل ولكل مستخدم أن يصل إلى الشبكة من دون رخصة وأن يحول ما شاء إلى من شاء حيث شاء في العالم. لا يمكن هذا إلا إذا كان المستخدم مالكًا لمفتاحه الخاص. بالإجمال، يزيد المستخدمون الممسكون بمفاتيحهم الخاصة لامركزية القيمة الاقتصادية للشبكة، وهو ما يزيد أمان الشبكة كلها. كلما زاد توزّع الوصول إلى الشبكة، زادت صعوبة إفسادها أو ضمّها في النظام الحالي. من جهة أخرى، بإمساك المفتاح الخاص، يكاد يستحيل على أحد غيرك تقييد وصولك إلى المال أو سرقته. كل بيتكوين في السوق محمية بمفتاح خاص. نعم، يفرض المعدنون وأصحاب العقد عدم وجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولكن البيتكوينات الصالحة الموجودة كلها محمية لأصحابها بمفتاح خاص.

البيتكوين ضد.

الخلاصة، معروض البيتكوين محكوم بآلية إجماع شبكي، ويُعمل المعدّنون آلية برهان العمل التي تثبّت أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. ولعملهم هذا، يُدفَع للمعدّنين بالبيتكوين ليحلّوا الكُتل، وهو ما يحقق التاريخ ويسوّي الحوالات الحديثة. إذا حاول معدّن أن يعوّض نفسه بمقدار لا يوافق معروض البيتكوين الثابت، سترفض بقية الشبكة عمل المعدّن. معروض العملة داخل في نموذج أمانها، ولا بد من استهلاك موارد طاقية من العالم الحقيقي ليُعطى المعدّنون مكافأتهم. وفوق هذا، تحقق كل عقدة العمل الذي أجراه المعدنون، لئلّا يغشّ أحد من دون عقوبة. آلية إجماع البيتكوين وعملية تحقيقه تحكم نقل الملكية في الشبكة، ولكن الملكية نفسها تحميها وتتحكم بها المفاتيح الخاصة التي يمسكها مستخدمو الشبكة.

حوكمة البيتكوين

دع كل الأفكار السابقة في ذهنك عن تعريف المال، وتخيّل نظام عملة ندرته مفروضة ومعروضه ثابت. يستطيع كل إنسان في العالم أن يتصل بالشبكة من دون رخصة، ويستطيع كل إنسان أن يرسل حوالات إلى أي أحد في أي مكان من العالم، ويستطيع كل إنسان أن يتحقق من معروض العملة ومن حقوق الملكية في الشبكة. تخيّل اقتصادًا عالميًّا، يستطيع فيه مليارات الناس المتوزعين في أنحاء العالم، نقل القيمة في شبكة لامركزية، ويستطيع كل واحد منهم أن يصل إلى الإجماع نفسه على الملكيات في الشبكة، من دون أي جهة مركزية. كم ستكون قيمة هذه الشبكة؟ البيتكوين قيّم لأنه منته، ومنته لأنه قيم. إن الدوافع الاقتصادية ونموذج الحكم في الشبكة يفرض كل واحد منهما صاحبه، والأثر المجموع هو نظام مالي لامركزي ولا ثقة فيه، له معروض ثابت عالمي يستطيع الوصول إليه أي أحد.

ولأن للبيتكوين خصائص مالية جوهرية وناشئة، فهو مستقل عن كل الأموال الرقمية الأخرى. يبقى معروض البيتكوين ثابتًا ونادرًا ندرة مطلقة، أما المصارف المركزية فستُجبَر على توسيع قاعدتها المالية للحفاظ على النظام القديم. ستزداد جاذبية البيتكوين شيئً فشيئًا، مع اكتشاف المشتركين في السوق أن أدوار التيسير الكمي المستقبلية ليست مجرد أداة في يد المصرف المركزي بل هي وظيفة لا بد منها للحفاظ على الخيار الأدنى. قبل البيتكوين، كان الجميع مجبرًا على الدخول في هذا النظام. اليوم مع البيتكوين، أصبح لدينا بديل حقيقي. في كل مرة يعود الفدرالي بمزيد من التيسير الكمي للحفاظ على نظام الائتمان، سيكتشف مزيد من الأفراد أن خصائص البيتكوين متفوّقة تفوّقًا كبيرًا على النظام القديم، سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين. هل أ أفضل من ب؟ هذا هو الاختبار. في التنافس العالمي على المال، للبيتكوين خصائص مالية جوهرية مفقودة في نظام الأموال الحكومية. في النهاية، البيتكوين مدعوم بشيء، وهو الشيء الذي يدعم أي مال: مصدقية خصائصه المالية.

Tagged : / / /

يصلح البيتكوين هذا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

كان الأسبوع الماضي هو الأسبوع الذي يجتمع فيه المصرفيون المركزيون العالميون، واقتصاديو المنظومة القائمة، وسي إن بي سي وغيرهم كل عام في وادي جاكسون في وايومنغ، ليناقشوا المشكلات المنظومية التي تتفشّى في اقتصادنا. لا يبدو أنهم وجدوا إجابة، لكنهم يبحثون دائمًا عنها، إنها معضلة وادي جاكسون السرمدية. يكون لهذا الاجتماع كل سنة صخب وتطبيل، ولم تكن هذه السنة مختلفة. ولعلّ أن لورنس سمرز، أمين الخزانة الأمريكية السابق والرئيس السابق لجامعة هارفارد قد سلّط الضوء على المسرحية كلها. في سلسلة تغريدات من 28 جزءًا، شكك سمرز في عدد من الافتراضات الأساسية التي افترضها المذهب الاقتصادي السائد، الذي هو جزء منه. في لعبة ماركو بولو، سَمَرز يقترب من الهدف ولكنه لم يزل عل الجانب الخاطئ من المسبح. قد يكون أبرَزَ أعراض المشكلة، ولكنه كأصحابه من الاقتصاديين السائدين، لم يسأل السؤال البيّن. هل يمكن أن تكون الأدوات السياسية للمصرف المركزي هي السبب الجذري للمشكلة؟ لا الحلّ الذي لا ينقضي تملّصه كما يقولون؟

السؤال الأساسي الذي يطرحه سمرز: هل يمكن أن تكون المصرفية المركزية كما نعرفها اليوم الأداة الأساسية للاستقرار الاقتصادي الكلي في العالم الصناعي في العقد التالي؟ يشكّ سمرز في إمكان هذا، ولكن ماذا لو طرحنا سؤالًا أفضل: هل المصرفية المركزية هي السبب الأول للاضطراب الاقتصادي الكلي؟ منذ الأزمة المالية، لم يزل التيسير الكمي الأداة الأساسية التي تستعملها المصارف المركزية في محاولة منها لحفظ استقرار الاقتصاد ولتصنيع التضخم. نصّ المسرحيّة: نزيد معروض المال، نقلّل معدّلات الربح، وإنعاش قيم الأصول الموجودة ليمكن الإبقاء على مستويات الدين الموجودة وإنشاء مزيد من الدين.

ولكن، على رغم معدلات الربح المنخفضة انخفاضًا قياسيًّا، بدأ الاقتصاد العالمي مرة أخرى في التدهور، وبدأ كثير من الناس يشكك في فعالية التيسير الكمي. كما لاحظ سمرز، لقد أصبحت المسلّمات التي كانت تُدرَّس محلّ شكٍّ اليوم. خلافًا للمعتقد الشائع، ما يفعله التسهيل الكمي هو إنشاء الاضطراب الذي يسعى إلى اجتنابه. عندما نفهم العملية الأساسية للتسهيل الكمي، يتّضخ أنه لا جدوى له. كما كتب نسيم طالب في مقدمة النسخة القديمة من معيار البيتكوين، خبراء الاقتصاد الكلي ليسوا خبراء، بل هم لا يعرفون شيئًا عنه.

«إن خطر دخول الاقتصاد في حالة هبوط كبيرة يظهر أنه تقلّص في الشهر الماضي»

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، يونيو 2008

لقد أظهر التاريخ دائمًا أن الخبراء محدودة خبرتهم بمجالهم، ومع هذا لم تزل المصارف المركزية تسعى في التيسير الكمي، لأن الاقتصاد الكلي والمصرفية المركزية ثقافة سائدة، كما شرح طالب. يبدأ موقف السياسة السائدة بافتراض أن المصرفية المركزية هي جوهر وظيفة الاقتصاد، ثم يتركز النقاش عن أيّ الأوتار ينبغي شدّها لتحقيق أفضل إدارة للاقتصاد بالتخطيط المركزي. الإدارة الفاعلة للمعروض المالي بالتيسير الكمي أمرٌ مفروع منه، والسؤال سؤال كم ومتى، وليس سؤال هل.

ولكن، يبقى رأي اقتصادي معارض يقول إن وظيفة المصرف المركزي والإدارة الفاعلة لمعروض المال في نفسها مضرّة للاقتصاد. هذا الرأي المخالف لا يمكن أن يتعايش مع مصرف مركزي لأنه مناقض لوظيفته الأساسية، لذلك نجد هذه الثقافة سائدة ونجد أن الطريق المخالف لم يمر به أحد. في النهاية، كانت أيام النقاش الاقتصادي في القرن العشرين وقد انتهت إلى مذهبنا الحالي السائد. والنتيجة: نظام اقتصادي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على بخس العملة وإنشاء الائتمانات، وعلى التيسير الكمي لتحقيقهما.

اليوم، مع وجود البيتكوين، لم يعد الأمر موضوع نقاش ثقافي. بل أصبح اليوم عندنا نظامان اقتصاديان يقدّم كل واحد منهما النقيض الأكبر لصاحبه: يحاول الأول إنشاء الاستقرار بالإدارة الفاعلة للمعروض المالي، أما الثاني فيقبل بالتقلّب المؤقت بهدف الحفاظ على معروض ثابت. في العقد الأخير، بدأ النظام الصاعد يستحوذ على مناطق من النظام القائم، وهو ما أظهره اعتماد البيتكوين وازدياد قيمته بالنسبة إلى بقية العملات. الدخول في البيتكوين هو خروج من التسهيل الكمي، ولئن كان طريق البيتكوين طالعًا نازلًا، فإن مساره الكلي على المدى الطويل سيستمر في الصعود لأن المصارف المركزية ستسمر في سياستها نفسها التي يمنعها البيتكوين.

أخفقت المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وجرّت عليه من غير قصد منها الاضطراب من خلال التلاعب بالمعروض المالي. بالتصرّف بالمعروض المالي، يشوَّش على كل آليات التسعير العالمية. كما وصف حايك في استعمال المعرفة في المجتمع، إن آلية التسعير هي أعظمة نظام توزيع للمعرفة في العالم. عندما تفسد آلية التسعير، توزَّع في النظام الاقتصادي إشارات كاذبة، والنتيجة تفاوتٌ بين العرض والطلب، يزيد الاضطراب والهشاشة. اليوم، هذا الاضطراب يعود أوّلًا إلى وظيفة التسهيل الكمي، فهي تنشئه وهي تحافظ عليه. لقد بيّنت الأزمة المالية أن حجم نظام الدين لا هو مستقر ولا هو يمكن الحفاظ عليه، فأنعش الفدرالي أسعار الأصول ووسّع نظام الائتمان أكثر، بدلًا من أن يترك النظام يتفكك وحده، ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الموجودة. عمليًّا، منهج المصرفية المركزية لحل مشكلة كثرة الدين كان إنشاء دين أكثر بعدُ، وهو الذي كان السبب الأصلي للاضطراب. لحسن الحظ، يصلح البيتكوين هذا.

ما هو التيسير الكمي؟

بأبسط العبارات: التيسير الكمي هو مصطلح تقني يصف الآلية التي ينشئ بها الاحتياطي الفدرالي دولارات جديدة. ليس الأمر تقنيًّا مطابقًا لـ«طباعة المال»، ولكنه بالنتيجة نفسه. ينشئ الاحتياطي الفدرالي دولارات رقمية جديدة في دفتر (من دون أي غطاء)، ويستعملها ليشتري أصولًا مالية، منها سندات الخزانة الأمريكية (دين حكومي)، أو السندات المغطاة بالرهون. بعد الأزمة المالية، أضاف الاحتياطي الفدرالي 3.6 تريليون دولار جديد إلى النظام المصرفي بالتيسير الكمي، ليضاعف حجم ميزانيته. والنتيجة الصافية: مزيد من الدولارات في النظام المصرفي على هيئة احتياطيات مصرفية، وهذه الاحتياطات يمكن استعمالها إما للإقراض وإما لشراء مزيد من الأصول. بعبارة بسيطة: وُجد مزيد من الدولارات، وهو ما سبب انحدار قيمة كل دولار واحد.

التيسير الكمي هو السبب الأساسي الذي يجعل دولارك يشتري غدًا أقل مما يشتري اليوم، ولكن آثار التيسير الكمي تنتقل تدريجيًّا في الاقتصاد بتوسيع نظام الائتمان. بعبارة أخرى، التيسير الكمي مصمم ليسمح للمصارف أن توسع ائتمانها، إذ يستطيع نظام الائتمان أن يزيد أضعافًا مقابل كل دولار يخلقه التيسير الكمي. الائتمان التزايدي (فكر في الإقراضات التلقائية، والرهون، وقروض الطلبة، إلخ)، يستعمَل لشراء سلَع في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يجعل أسعار السلع ترتفع وقيمة الدولار تنخفض نسبيًّا.

هل ينفع التيسير الكمي؟

الإجابة القصيرة: لا. ولئن كان كثير من الناس يظنون أنه ضروري، فكل ما يفعله هو تأجيل المشكلة وضمان الحاجة المستقبلية إلى مزيد منه. السبب الجذري للأزمة هو أن النظام المالي أصبح مرفوعًا رفعًا مفرطًا. في وقت الأزمة المالية، كان كل دولار في النظام المصرفي مرفوعًا ومُقرَضًا بنسبة 150:1 (انظر تقارير الاحتياطي الفدرالي Z.1، وH.8). كان في النظام دين كثير ودولارات قليلة، ولم تكن درجة الرفع هذه ممكنة إلا لأنها نتيجة غير مباشرة لحفاظ الاحتياطي الفدرالي على الاختلالات الاقتصادية. مع كل دورة ركود في العمل في العقود التي سبقت الأزمة، زاد الاحتياطي الفدرالي معروض الدولارات ليخفّض معدل الربح ويوسّع النظام الائتماني. لم يسمح الفدرالي للنظام أن يصلح نفسه كما يصلح أي سوق طبيعي نفسه، بل كان ردّه المستمرّ هو إنعاش قيَم الأصول بزيادة معروض المال ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الحالية وإنشاء مزيد من الائتمان.

بهذه الطريقة، أنشأ الفدرالي من غير قصد منه الاضطراب الذي رأيناه في النظام المالي عام 2008 لأنه خلق بيئة سمحت بتراكم درجة لا يمكن الحفاظ عليها من الرفع المالي في النظام، على مدى العقود التي سبقت الأزمة. ولئن كان الاحتياطي الفدرالي يطبق سياسات مشابهة عقودًا قبل الأزمة، فقد خلقت الأزمة بيئة قدحت استجابة أحدّ منه. عمليًّا، احتاج الفدرالي قاربًا أكبر وفي ردّه على الاضطراب في السوق، زاد معروض الدولارات في السوق بمقدار 3.6 تريليون دولار ليتجنب انهيارًا ماليًّا وشيكًا. كانت هذه المرة مختلفة، نعم، سرقت أزمة الرهون العقارية عناوين الصحف، ولكن المشكلة الأساسية كانت الأثر التراكمي للاختلالات التي حافظ عليها الفدرالي في نظام الائتمان وتراكمت دورات عديدة، بالإضافة إلى درجة الرفع الإجمالية في النظام.

في اقتصاد الفدرالي، أصبح نظام الائتمان هو آلية التسعير الهامشية. ولأن الفدرالي ملزَم بالقانون بالحفاظ على استقرار الأسعار، كان لا بد أن يحافظ على حجم نظام الائتمان ضمنيًّا ليحافظ على مستويات الأسعار العامة. في أثناء الأزمة المالية، بدأ نظام الائتمان يتقلّص وانخفضت مستويات أسعار الأصول سريعًا انخفاضًا عشوائيًّا. لعكس هذا الأثر، لم يجد الفدرالي بدًّا من زيادة المعروض المالي (التيسير الكمي) في محاولة منه للحفاظ على حجم نظام الائتمان. حتى بعد احتدام الأزمة، قرر الفدرالي أنه لا بد من إضافة تريليونات أخرى من الدولارات للاستمرار في دعم النظام المنهار، مع اعترافهم بحدود أدوات سياستهم المالية. هذه هي أزمة الفدرالي، فحتّى لو كان يعرف الحلّ، فموقفه الأصلي هو الخطأ على ناحية زيادة التيسير الكمي، لا التقليل منه.

«أريد تمامًا أن أقبل الحجّة التي تقول إن السياسة المالية ليست هي الأداة الرئيسة، وأنها ليست الخطأ الرئيس في اقتصادنا، ولكن واجبنا أن نفعل ما نستطيع، وأن نخفف الأزمة، وأن نساعد حيث نستطيع، وإن لم نستطع حل مشكلات مالية أو بنيوية أو غير ذلك».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، أغسطس 2011

«لا أعتقد أن الأمر هو أن السياسة المالية عاجزة تمامًا. أعتقد أننا يمكن أن نرى آثارها في الأسواق المالية، التي من جهتها تؤثر في الثروة والثقة ومحددات أخرى للصرف والإنتاج. فكلما كان الانتقال أضعف، فهو حجّة لزيادة الإنعاش لا لتقليله».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، سبتمبر 2011

فلمّا أجاب الفدرالي بالتيسير الكمي، سبب توسّع نظام الائتمان الغارق أصلًا بدين كبير توسّعًا عظيمًا. اليوم، يحمل نظام الائتمان في الولايات المتحدة دينًا يبلغ نحو 73 تريليون دولار (في النظام كله)، وهو ما يمثل زيادة بعشرين تريليونًا (+40%) عن مستويات ما قبل الأزمة (تقرير Z.1 الفدرالي الصفحة 7). كلّ هذا الدين متراكم على 1.7 تريليون دولار فقط من الدولارات الحقيقية الموجودة في النظام المصرفي (تقرير H.8 الفدرالي). تيجة ذلك، يبقى الدين كثيرًا والدولار قليلًا. لأن التيسير الكمي يسبب خلق تريليونات من الدولارات في الدين، فهو أقرب إلى الهيروئين منه إلى مضاد الالتهاب، فكلما طُبّق على النظام المالي، زاد اعتماد النظام المالي عليه وأصبحت إزالته أسوأ.

يصلح البيتكوين هذا

قبل عام 2009، كان كل الناس مجبرين على الدخول في هذا النظام، ولم يكن في الوجود مخرج حقيقي. هذا هو الخيار الذي يقدمه البيتكوين في النهاية، وهو إنما وُجد ليكون آلية رد على التيسير الكمي العالمي. ما من شرح بسيط لسبب وجود البيتكوين. لقد قدّم البيتكوين بديلًا متفوّقًا من دون تطبيق التيسير الكمي، وفي الوقت نفسه يوسّع البخس المالي العالمي الذي حدث نتيجة للأزمة الهوّة بينه وبين النظام القائم. هذا التباين يجعل مجرد وجود البيتكوين أشدّ بداهة. البيتكوين حرفيًّا موجودٌ لأن بعض الأفراد عالي الثقافة عرفوا المشكلة وعملوا على حلّها. ولكن، البيتكوين عمليًّا موجود لأنه يقدم حلًّا أفضل في جوهره لمشكلة المال.

بسبب الرفع الذي لم يزل جوهريًّا في النظام المالي القائم، لا نقول إن التيسير الكمي في المستقبل احتمال، بل هو يقين حتم. سؤال التيسير الكمي من الاحتياطي الفدرالي والمصارف المركزية في أرجاء العالم، هو سؤال «أين»، لا سؤال «هل». لم يكن نظام الائتمان مستقرًّا ولا مستدامًا عام 2008. نتيجة التيسير الكمي، توسّع نظام الائتمان ليدعم اليوم 20 تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها. في كل مرة يعلن الاحتياطي الفدرالي أو أي مصرف مركزي، دورة جديدة من التيسير الكمي، فتلك إشارة السوق التي تدعو الناس إلى شراء البيتكوين. إنه الخيار بين حمل نوع من العملة تبخسه المصارف المركزية بخسًا مستمرًّا ونظاميًّا، ونوع من العملة له معروض ثابت لا يمكن تغييره. البيتكوين هو الرقيب، وهو الموازنة، وهو طريق الخروج النهائي من المشكلة التي يقدمها التيسير الكمي.

في خطاب لفردريك حايك عنوانه ادعاء المعرفة قاله عند فوزه بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1974، يبيّن حايك المبادئ الأولى التي تجعل المعرفة المتباينة لكل المشاركين في السوق أعظم ممّا يستطيع أي عقل مفرد حيازته. بهذا الاستدلال، يفسّر حايك عيب النظرية الاقتصادية الكلية السائدة والسياسة المالية السائدة التي تقود المصارف المركزية. ويفسّر كيف أن أدوات سياسة المصارف المركزية، وتحديدًا التيسير الكمي، ضرّها أكبر من نفعها. أنصح قراءة الخطاب الكامل لأنه يقدّم سردية معارضة للثقافة السائدة في صناعة السياسة الاقتصادية اليوم. نظامنا الحالي يثق بأفراد معدودين لتوزيع تريليونات الدولارات. وليس الأمر أن هؤلاء الأفراد قليلو المعرفة، بل أن أي مجموعة صغير من الأفراد معارفها أقل بكثير من مئات ملايين الأفراد الذين يشكلون الاقتصاد.

ادّعاء المعرفة حايك (خطاب جائزة نوبل، 1974)

بمحاولة إدارة اقتصاد كامل بالتلاعب بمعروض المال، لا تحلّ معرفة القلّة محل معرفة الجميع، بل تفسد القاعدة المعرفية الجمعية كلها. في هذا الحال، لا يمكن أن تعمل الآليات التي تحكم العرض والطلب عملًا فاعلًا، وهو ما يؤدي إلى اختلال لا يمكن الحفاظ عليه إلا ما دام التلاعب بالسوق ممكنًا. في النهاية، يكون الأثر السلبي على الاقتصاد أعظم بكثير ممّا كان ليكون لولا تدخل المصرف المركزي. إن الأزمة المالية هي أولى الأزمات، ولم يتركنا رد التيسير الكمي إلا في وضع أقل استقرارًا اليوم. الأثر في الدرجة الأولى: بخس العملة، والأثر النهائي: تدهور البنية الاقتصادية التي يقوم عليها النظام كلها. البيتكوين مصمم لحل هذا الأمر ولكن ينبغي ألا نظن أن هذا الانتقال سيكون سهلًا أو بلا ألم، لأنه انتقال من نظام مثقَل بعقود من الاختلالات المتراكمة.

ينشئ البيتكوين نظامًا يتيح نشاطًا اقتصاديًّا غير مشوّش، ويحقق ذلك بمعروض مالي ثابت، تحكمه آلية إجماع سوقي. إن آلية الإجماع هذه هي الطريقة التي يتخلّى بها البيتكوين عن «الوعي بالسلطة» عند الصيارفة المركزيين، ويعتمد بدلًا منه على المعرفة المتوزعة على كل المشتركين في السوق. وهو نظام طوعي تمامًا. إذا كنت تحب نظامك المالي الحالي، فاهنأ به (الآن على الأقل). ولكن، تميل الأنظمة المالية إلى وسيط واحد، لذا، إذا حدث انتقال جماعي إلى البيتكوين بوصفه أصدق مخزن للقيمة على المدى الطويل، فسيصبح الأمر أقرب إلى الإجبار في المستقبل. مع تزايد دخول الناس في البيتكوين، تتبيّن مشكلات النظام الحالي أكثر، وهو ما يسرّع الحاجة إلى التيسير الكمي. كلما زاد الميل إلى حفظ الثروة في البيتكوين، قلّ طلب حفظ الثروة في الأصول التي هي دعامات نظامنا الائتماني الحالي. في الحقيقة، سيؤثر الانتقال المتزايد إلى البيتكوين أثرًا مباشرًا في النبض الائتماني في النظام كله، وهو ما سيزيد حاجة النظام المالي القديم إلى الاعتماد على التيسير الكمي لحفظ نفسه.

قد يكون البيتكوين هو الطريق الملتوي الماكر حول نظام الفدرالي الاقتصادي، ولكنه سيكون على حساب النظام القديم. والنتيجة المؤقتة للانتقال إلى البيتكوين هي التقلّب الاقتصادي الكلي. قد يلام البيتكوين خطأً على عِلَل النظام القديم، ولكن الحقيقة هي أن الإقلاع عن إدمان التيسير الكمي عملية صعبة وضرورية. قد لا يعجب أصحاب وادي جاكسون هذا الكلام، ولكن نتائج إيجابية ستنتظرنا على الضفة الأخرى. وإلى جانب هذا، فالأمر في يد السوق الحرة اليوم.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹جيّدًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك فون حايك
Tagged : / / /

انكشف السرّ

لقد خرجت القطة من الحقيبة ، وأصبح البيتكوين مشكلة الجميع الآن.

المقال الأصلي | المؤلف: Nic Carter | ترجمة: مجتبى شنان | تحرير: ترجمان البيتكوين | تاريخ الكتابة: ديسمبر 2019

«إيفي: تذكر تذكر، الخامس من نوفمبر، خيانة البارود والمؤامرة، لا أعرف سببًا يجعلنا ننسى خيانة البارود… ولكن ماذا عن الرجل؟ أعرف أن اسمه كان غاي فوكس وأعلم أنه في عام 1605 حاول تفجير البرلمان. ولكن من كان فعلًا؟ كيف كان شكله؟ لقد قيل لنا أن نتذكّر الفكرة، لا الرجل، لأن الرجل قد يُخفق.

قد يُعتَقل، قد يُقتَل، قد يُنسى، ولكن بعد 400 عام، لم يزل في مقدور الفكرة أن تغيّر العالم. لقد شاهدتُ رأيَ العين قوة الأفكار، وشاهدت أناسًا يقتلون باسمها، ويموتون مدافعين عنها، ولكن، لا يمكنك تقبيل الفكرة، ولا لمسها ولا الإمساك بها. الأفكار لا تنزف، ولا تتألّم، ولا تحبّ…»

–  إيفي هاموند، من فلم V for Vendetta

مزيّة باهظة

البيتكوين هو أولاً وقبل كل شيء ظاهرة نقدية. إن المتسلقين الاجتماعيين والأنبياء الكاذبين الذين أعلنوا أنها ثورة مدفوعات إما أنهم عادوا الي صوابهم وإما أن السوق نبذهم أو الأمواج جرفتهم بعيدا. معظم الذين فهموا الأمر بهذه الطريقة ينتقلون الآن إلى أشياء جديدة. لم يكن العالم بحاجة إلى باي بال أخرى.  وإنما يحتاج العالم إلى مؤسسة نقدية جديدة.

عندما تحول البيتكوين من مجرد إثبات لمفهوم، إلى لعبة، ثم إلى مزحة، ثم إلى مكتنزات، ثم إلى حركة، أدرك عدد قليل من صانعي السياسة أنها تشكل تهديدًا للنظام القائم.  ليس بسبب شكله الحالي، ولكن بسبب ما يمثله: إهانة دنيئة للنظام النقدي الذي تمت معايرته بعناية. كل ذلك بطريقة ساخرة وغير مبالية – تحدٍّ من عصابة من المهووسين والمعدمين يتحدون بكل وقاحة احتكار عائدات الدولة من صك العملة.  السخرية هي أكثر ما يخشاه الطغاة، وصعود عملة البيتكوين جعل نظامنا النقدي الحالي يبدو سخيفًا بشكل واضح.

«الناقد: لا شيء يدعم البيتكوين

البيتكويني: ماذا يدعم الدولار؟

الناقد: لا شيء جوهريًا – قدرتنا على إجبار الدول الأجنبية على قبول عملتنا كمعيار للتجارة الدولية، وقدرتنا على إجبار المواطنين على دفع الضرائب بالدولار، وأصولنا العسكرية المطلوبة لفرض كلا الشرطين.

البيتكويني: كم أنت مقنع!»

الكراهية العميقة التي تشعرها النخَب تجاه البيتكوين؟ مبرّرة تمامًا. وإلا كيف سيكون رد فعلك تجاه مغرور يهدف إلى اغتصاب امتيازك النقدي المقدس؟

هذه هي قوة البيتكوين التي تجبر كبار كهنة الإمبريالية الأمريكية على الكشف عن القواعد غير المكتوبة حول الدور الذي يلعبه الدولار في إبراز القوة في الخارج.  في مايو من هذا العام، تحدث النائب الأمريكي براد شيرمان (العضو الديمقراطي – كاليفورنيا) ضد العملة المشفرة في مجلس النواب.  لقد كشف بيانه عن عقيدة ما بعد معيار الذهب لبريتون-وودز، التي لا يستخدم فيها الدولار كأداة نقدية فحسب، بل كأداة استراتيجية أيضًا.

«يأتي قدر كبير من قوتنا الدولية من حقيقة أن الدولار هو الوحدة القياسية للتمويل الدولي […] والغرض المعلن من مؤيدي العملة المشفرة هو أخذ هذه القوة بعيدًا عنا […].  سواء كان ذلك لتعطيل سياستنا الخارجية، أو قدرتنا على جمع الضرائب، أو تطبيق القانون التقليدي لدينا […].  الغرض من العملة المشفرة […] هو فقط المساعدة في إضعاف الولايات المتحدة وسيادة القانون.»

النائب شيرمان بصيرٌ عمليًّا، لأنه يفهم بالضبط إلى أين يتجه العالم.

خطؤه ليس في التشخيص بل في العلاج.  يعتقد خطأً أنه يمكن هزيمة عملة البيتكوين.  لكن البيتكوين فكرة وليست منتجًا.  تم إنتاج فكرة سلعة افتراضية عديمة الوزن في عام 2009 (على الرغم من أن الفكرة سبقت عملة البيتكوين لفترة طويلة)، وقد أدى ذلك إلى تآكل الاحتكار النقدي للدولة منذ ذلك الحين.

لم يكن ممكنًا أن يُنشَأ البيتكوين في وقت أفضل؛ للمرء أن يتساءل عن مدى نجاح البيتكوين إذا تم إنشاؤه في الثمانينيات أو التسعينيات عندما كان الاقتصاد الأمريكي أعدَل، وكان النظام النقدي نظاما لا يمكن التشكيك فيه، وكانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى المهيمنة العالمية. ولكن بخلفية اليوم، يصر البيتكوين على نفسه.  بأن هناك حاجة ملحة له.  في أيام الرفاه في الأربعينيات من رواية باكس أمريكانا، كانت عملة البيتكوين أقل أهمية بكثير. ومع ذلك، وفي شفق شمس الإمبراطورية الأمريكية الغائبة، أصبحت له أهمية أكثر من أي وقت مضى.

يعيد نظامنا المالي توزيع الثروات على نحو كارثي

تنبع ثروة النخب السياسية في المقام الأول من امتياز الوصول إلى حنفية النقد. هذا لم يعد سرا.  إن عائد صك العملة كالمن المنزل من السماء، يأتي أولاً قطرة ثم كالطوفان كما الآن. إن العالم يتصارع مع عدم المساواة، وعشرات الثورات الشعبوية النشطة في العالم اليوم هي دليل واضح على ذلك.  ومع ذلك فإن الأحزاب الاشتراكية الناهضة أخطأت في تشخيص الوضع.  إن العدو ليس شكلاً غامضًا من أشكال الرأسمالية، بل هو شكل من أشكال الاشتراكية نفسها – أسعار منخفضة تغذي عملية إنقاذ دائمة لأصحاب الأصول المالية. ليس من قبيل المصادفة أن أسعار الأصول قد ارتفعت بثبات في العقد الماضي، حيث شرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في اصدار النقود بدون ادنى قيد لفترة طويلة.

يتساءل كثيرون: على خلفية الإصدار النقدي المتواصل، أين ذهب التضخم؟  لقد ذهب بالطبع إلى الأصول المالية.  لكن هذا يفيد القلة فقط.  هل تعلم أن الارتفاع الذي استمر عقدًا من الزمان في مؤشر S & P500 لأسهم أكبر 500 شركة أمريكية. قد تميز بمشاركة منخفضة تاريخيًا من مستثمري التجزئة؟  لقد أدت المكاسب الهائلة في أسعار الأصول إلى تهميش المحلات الصغيرة التي تملكها عائلات. تراكمت الأرباح لصالح المؤسسات الاستثمارية والقائمين على الشركات الذين أعادوا رأس المال لأنفسهم من خلال عمليات إعادة الشراء.

في التسعينيات من القرن الماضي، أقنع حاملو ماجستير إدارة الأعمال من جامعة وارتن المستثمرين، بأن الوضع المثالي لحوكمة الشركات، كان بتقديم منح كبيرة من الأسهم والمنح لمديري الشركات لخلق توافق في الحافز.  حسنًا، تم تقديم المنح، وقام المديرون بمكافأة المساهمين عن طريق إنفاق أرباح الشركة على إعادة شراء الأسهم، وبالتالي الحصول على أرباح السهم وإطلاق خيارات الدفع المؤجل للمديرين.  لقد صادف أنهم قد نسوا توليد قيمة مؤسسية على طول الطريق. هذا الاقتصاد الحقيقي المزعج … كان ذلك أمرا ثانويًا.

لماذا السياسيون أثرياء جدا؟  لماذا يصبحون أثرياء بعد تركهم مناصبهم؟  لماذا يذهب المشرعون للعمل في الصناعة التي يشرعونها؟  لماذا وزير الخزانة مصرفي سابق في بنك جولدمان ومدير صندوق حماية؟

تأثير كانتليون في صورة

لماذا المستأجرون محرومون تاريخيًا، في حين أن ملاك الأراضي يتمتعون بامتيازات تاريخية؟  لماذا فاقت تكلفة التعليم العالي والرعاية الصحية التضخم من حيث الحجم؟  لماذا يعتبر مؤشر أسعار المستهلك مزحة حزينة ومثيرة للشفقة؟  هل تمثل السلع الاستهلاكية معظم نفقاتك، أم الإيجار والرعاية الصحية والتعليم؟

ما الذي يؤثر عليك أكثر؟  تكلفة جهاز تلفزيون، أو قيم الممتلكات؟

حتى لو لم تكن تعرف ما هو تأثير كانتيلون، فقد شعرت به بوضوح في العقد الماضي.  إن اليأس الذي يشعر به الكثيرون في مجتمع اليوم هو نتيجة لهذا الاختلال النقدي.  إدخال كميات خيالية من الأموال في الاقتصاد، ولكن بتوزيع غير متكافئ. من الذي استفاد من المعدلات الفائدة المنخفضة بشكل تاريخي؟ الأشخاص العاديون الذين يتعاملون مع قروض بطاقات الائتمان المجحفة، أم أصحاب الأصول المالية الذين كانوا قادرين على توظيف رأس المال الرخيص للعمل؟  وكلا، فالتمويل الرخيص لم يساعد الطبقة الوسطى والدنيا في الحصول على موطئ قدم في العقارات … لأن قيم العقارات تضخمت بشكل رهيب في المقام الأول! العقارات، التي يراها الأثرياء مخزنًا ذا قيمة لهم، هي بالضبط المكان الذي استقر فيه الكثير من دولارات بنك الاحتياطي الفيدرالي الجديدة.  فكر في مراكز المدن المجوفة في فانكوفر ونيويورك ولندن – المليئة بالمنازل الفارغة المستخدمة كمستودعات رأس المال للمليونيرية الغائبين.

إذا كان هناك رسم بياني واحد يوضح تأثير عقد من التحفيز النقدي الحر على الاقتصاد، فهذا هو:

سرعة المال

السرعة النقدية في الولايات المتحدة في أدنى مستوياتها منذ أن بدأت السجلات الحديثة.  إذا كنت تفكر في معادلة التبادل (MV = PQ)، فإن الانخفاض في (V) السرعة يكفي لتعويض زيادة المعروض النقدي (M) للحفاظ على استقرار الأسعار (P).  وهذا ما حدث تمامًا: ظلت القوة الشرائية للدولار مستقرة نسبيًا حتى مع توسع العرض بشكل كبير. «أين هو التضخم؟»، هو السؤال المتكرر، ولكن يجب أن يكون السؤال بدلاً من ذلك «أين ذهب المعروض النقدي الجديد؟»، الواضح أنه استقرت، خاملًا وغير منتج، في الأصول المالية المملوكة في الغالب من قبل فاحشي الثراء، مما جعلها تصل إلى أعلى مستوياتها في القرن من حيث التقييم النسبي.

لهذا السبب يسمى هذا النوع الضار من رأسمالية الزومبي باسم اشتراكية الأغنياء.  إذا تمكنت من وضع نفسك قريبًا بما يكفي من حنفية المال والترتيب للمشاركة في غنائم إعادة التوزيع النقدي، فيمكنك الربح بشكل كبير.  إذا كان لديك إمكانية الوصول إلى الأصول المالية ويمكن أن تستفيد من التكلفة المنخفضة لرأس المال (سواء كنت مستثمرًا أو مدير شركة مع حرية التصرف في عمليات إعادة الشراء)، فيمكنك جعل المعدلات المنخفضة والتسهيل الكمي تعمل لصالحك. إذا لم تستطع، فقد تم تجميدك تمامًا خارج النظام، وأنت بالفعل محروم، حيث تعمل الأصول الرأسمالية الأغلى على تشتيت الطبقة غير الريعية وغير المستفيدة من موارد النظام.

البيتكوين نظام يرفض الهوية رفضًا صريحًا

غالبًا ما يسأل النقاد عن «من» هو الذي يخدمه البيتكوين. ربما هذا السؤال غير محدد.  لا يخدم البيتكوين «من» ولا مجموعة فرعية من الـ«من». إنه يخدم فقط، غير مبالي بهوية مستخدميه. لا يتطلب البيتكوين – حسب التصميم – بيانات هوية للعمل.  قد يكون الطرف المقابل على قائمة عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أو قد يكون ضفدعا عاقلاً، أو بضعة أسطر من الأوامر البرمجية.  ليس لدى البيتكوين أي وسيلة للمعرفة، ولا يهتم. الشرط الوحيد لإرسال دفعة هو تقديم توقيع صالح يفي بالمعايير الكافية لتحريك العملات.

من ناحية أخرى، تقدس علاقات الدفع والائتمان التقليدية الهوية.  تهتم شركة بطاقتي الائتمانية جدًا بمعرفة أنني أنا من يستخدم البطاقة.  إذا أخبرتهم أن شخصًا غريبًا قد هرب ببطاقتي، فإنهم يعتبرون جميع النفقات بعد السرقة غير صالحة تمامًا.  تكون المكالمة مع قسم الاحتيال على النحو التالي: 

  • «هل يمكنك أن تؤكد شراء 10.51 دولارًا في 24 2/24 في مطعم تشيبوتل» نعم، كان هذا أنا.  طبق غواك إضافي.
  • «هل يمكنك تؤكد الشراء بقيمة 463.39 دولارًا في 2/29 في متجر لولوليمون المعدات الرياضة؟» لا، أنا لا أشتري عادةً معدات رياضية

بيانات الهوية لا تنفصم عن شبكات الدفع التقليدية. هذا لوجود طبقات عديدة بين عملية الدفع والتسوية النهائية. يوجد مجال عمل كبير ومربح بشكل لا يصدق لتقييم مصداقية المتعاملين وتسهيل معاملات التسوية المؤجلة بينهم. وذلك لأن المصداقية والثقة المتبادلة تزيدان الكفاءة بشكل هائل. يمكنك إقراض جارك آلة جز العشب دون مطالبتك بتقديم سند لتغطية قيمتها لأنك تثق به.  تعمل شبكات بطاقات الائتمان على توسيع نطاق هذا الأمر فقط: فهم ضامنون للثقة، ويحددون من الناحية الكمية مدى جدارتي بالثقة، ويمررون هذه التأكيدات إلى التجار الذين أتعامل معهم.

إذا أخطئو التقييم، واتضح أنني من النوع الذي يحمل فاتورة بطاقة ائتمان بقيمة 10000 دولار دون نية للدفع على الإطلاق، فإنهم يتحملون التكلفة!  لقد كان هذا هو خطأهم.  كان ينبغي عليهم القيام بعمل أفضل في تقييم مصداقيتي.

الاتفاق الذي توافق عليه ضمنيًا عند استخدام البيتكوين هو بينك وبين البروتوكول، وليس بينك وبين جميع مستخدمي البيتكوين الآخرين. الثقة الوحيدة المطلوبة هي ثقة المستخدمين في سلامة افتراضات التشفير والاقتصاد ، وحتى الآن، هي سليمة.

لقد أصبح شائعا إدانة مستخدمي عملات البيتكوين بأنهم مجرد حمقى لا يتفاهمون وغير عقلانيين، وفي الإشارة إلى وجود خطأ ما في البيتكوين نتيجة لذلك أيضًا.  لكن البيتكوين لا يبالي بهذا.  إنه بروتوكول للتشفير ونقل القيمة من خلال وسيط اتصالات.  حتى عملات البيتكوين لا تدرك شيئا عن سعرها، ناهيك عن الاتجاهات السياسية اليوم.  إنها تعرف القليل جدًا جدًا عن نفسها.

كما هو مذكور أعلاه، فإن البيتكوين جذاب ومفيد على وجه التحديد لأنه ينفي أيًّا من بيانات الهوية من الشروط المطلوبة للإنفاق. الشيء الوحيد الذي يجب توفيره هو معرفة مفتاح خاص يتوافق مع مفتاح عام. عندما تتلقى البيتكوين، لا تحتاج إلى أن تكون على معرفة هوية المرسل، لأن تسوية المعاملات في البيتكوين تُقيَم بإحتمالية عكسها.  فيمكنك تحديد مدى الإحتمالية الذي يناسبك ومعاملتك – على سبيل المثال، يمكنك طلب تأمين معاملتك بقيمة 500٫000 دولار من العمل قبل اعتبارها بالنهائية.  ويتوافق ذلك مع فترة انتظار 4 إلى 5 كتل على سلسلة الكتل، بالمعدلات الحالية، تُدفن معاملتك خلفها

هذا ما يسمح لي بقبول الأموال من الأشخاص الذين لا أثق بهم، ولهذا يزدهر البيتكوين في هذا الحيز الجديد من التعاملات.  فكر في مبرمج متسلل ينتظر فدية من ضحيته. هؤلاء الأشخاص لا يثق بعضهم ببعض. في الواقع فإن الضحية قد تضرر من الهجوم الرقمي لبرنامج الفدية.  لكن المتسلل لا يزال يثق في أن مبلغ الفدية البالغ 500 دولار الذي تم إرساله إليه بالبيتكوين هو دفعة صالحة، ومن غير المحتمل أن يتم عكسها.  قد لا يعجبك هذا. ولكن البيتكوين يزدهر على هامش المجتمع. ويتسع استخدامه بشكل متزايد، في حين أصبحت الخدمات المصرفية مسيسة وتستخدم كأداة سياسية، وقد ثبت أن نظام التسوية الذي تقوده الولايات المتحدة لتحقيق أهداف استراتيجية، مع تزايد جشع متطلبات الهوية لشبكات المدفوعات.

التعامل مع الأشخاص الذين ليس لديك سبب للثقة بهم، هو بالضبط سبب وجود البيتكوين. سمح لنا الإنترنت بالتعامل مع أشخاص على الجانب الآخر من العالم، لكن التجارة عبر الإنترنت محفوفة بالاحتيال. السبب في أن بطاقات الائتمان باهظة الثمن هو أن تكاليف معالجة الاحتيال وعمليات رد المبالغ المدفوعة تُوزع على المستخدمين.

إذا لم تقبل أن يستخدم البيتكوين أشرار، فاتركه الآن

بالطبع، إن التخلي عن ثقة الطرف المقابل (والمخاطر) يأتي مع بعض العيوب المحتملة. على رأسها أنه لا يمكنك طرد أي شخص من شبكتك.  هذا أمر غير مريح للغاية للأشخاص الذين يعتقدون أن المال يجب أن يكون أداة سياسية، ليتم استغلاله لنزع القوة من الخصوم السياسيين اليوم.

هناك مفارقة خاصة في مطالبة أعضاء الشبكة التي أدخلت نفسك فيها بالالتزام بقواعد سلوك أخلاقية معينة. كما هو مذكور أعلاه، فإن البيتكوين، من حيث هو مال ثابت القيمة وسريع التسوية بشكل عام، موجود لتسهيل التجارة بين الأفراد الذين ليس لديهم رابطة ثقة موجودة مسبقًا.  ما الذي استخدمه التجار عبر القارات في القرن السابع عشر؟ من المؤكد أنهم لم يستخدموا سندات دين أو حلي الصدف التقليدية أو مقتنيات أو علاقات ائتمانية. لقد كانوا يعلمون أنهم قد لن يرى بعضهم بعضًا مرة أخرى، لذلك استخدموا أصعب العملات المتاحة لديهم – الذهب والفضة.  المعادن النقدية تتحدث عن نفسها.  فهي ليست مسؤولية أحد.

وبنفس الطريقة، يعد البيتكوين وسيلة لنقل الثروة بين الأفراد الذين لديهم مصلحة في التسوية النهائية.  إنها ليست وسيلة لتأسيس علاقة ائتمانية (على الرغم من أن شبكة البرق خطوة مبكرة في هذا الاتجاه).  البيتكوين غير أخلاقي عن عمد، وليس له متطلبات للدخول ولا يطلب من المستخدم شيئًا سوى التوقيع الصحيح.  يسهل التجارة بين الأشخاص الذين يختلفون صراحة فيما بينهم. وبالتالي فإن محاولة فرض شرعة أخلاقية على البيتكوين تتعارض مع طبيعته. إذا اتفق كل من استخدم البيتكوين، فلن يحتاج أي شخص إلى البيتكوين – يمكنهم جميعًا تبادل سندات دين مدعومة بثقتهم المتبادلة في بعضهم البعض.  ولكن لأن العالم فوضوي، والناس مختلفين، فإن الأموال الصعبة لها ما يبررها.  وفي عالمنا الفوضوي أصبحت مطلبا عمليا.

لذلك، إذا كنت من النوع الذي يرفض وسيط معاملات مفيد فقط لأن هناك شخصًا لا يعجبك يستخدمه أيضًا، فهو لم يكن مناسبًا لك في المقام الأول.  تعتبر عملة البيتكوين متمردة على وجه التحديد لأن العالم يحتاج إلى نظام للدفع والادخار لا يمكن التدخل فيه بدعاوي أخلاقية أو سياسية.  إن نبذ قيود المعاملات هذه هو انتهاك للإطار الأخلاقي المصمم بعناية الذي سيطر على الغرب.  إذا لم يكن الخروج عن الصف مناسبًا لك، فالتزم بخدمة الدفع الإلكتروني باي بال بدلاً من ذلك.

البيتكوين طائفة موت تنتظر القيامة

كما وصف ديفيد جيرارد، وهو كبير كارهي للبيتكوين، بأناقة، أن البيتكوين هو في الواقع طائفة موت ننتظر نهاية العالم، نهاية العالم، لأن مستخدمي البيتكوين يدركون عدم جدوى النظام النقدي الحالي، ويقدرون بأنه من المحتمل أن ينتهي الأمر بمأساة. أما بخصوص الموت، لأن الدول لن تتنازل عن امتيازها النقدي بسهولة.  البيتكوين متوشح بإيحاءات أخروية.  طائفة، لأنه يجب أن تكون مضطربًا إلى حد ما لتستكشف أمراً بهذا السواد.

الحرية ليست مجانية

لذا فالتظهر بعض التعاطف مع مستخدمي البيتكوين. فلقد انتبهوا للحزن والصراع الذي ينتظرنا، كما لو أنهم كاساندرا من الروايات الأغريقية، ينبهون الحكومات والمواطنين على حد سواء من الآثار المدمرة للعملة السيادية الحقيقية (سيادية، بمعنى كونها حرة، وليس في كونها المملوكة للدولة). لكنهم غير قادرين، في معظم الأحيان، على إقناع زملائهم المواطنين بأن آليات الدولة المالية قد لا تكون سليمة. يكتفي معظم الناس بالتنازل عن كل الحرية والاستقلالية للعقد الاجتماعي، ما دام القدر يغلي ببطء.

ولكن البيتكوين متاح للجميع

السبب عينه الذي يجعل الكثيرين يحتقرون البيتكوين هو أن أشياء مثل – الهوية والجدارة الائتمانية والثقة ، لا وجود لها في هذا النظام، وهو ما يجعله أرضًا خصبة للمجرمين – وهذا هو سبب كونه شاملًا للغاية.  على عكس باي بال أو فينمو أو معالجات الدفع التقليدية، لا يمكنك حظر وجهات نظر سياسية تتبنى أفكارًا معارضة أو عاملًا في الجنس أو شخصًا يبيع الحشيش بشكل قانوني. لدينا أكبر خيمة خدمية ممكنة.  لا تنشغل بالخطاب على الإنترنت ، فالبيتكوين غير مبالٍ مطلقًا بالآراء السياسية لمستخدميه. حتى مطوروها الأساسيون، من كبار كهنة البروتوكول، بالكاد يستطيعون تغييره: (تنفيذ ترقية روتينية إلى حد ما، كالشاهد المنفصل، SegWit, استغرق منهم سنوات من التملق والتوسل).  إن حمل البيتكوين على فعل أي شيء بخلاف إنتاج الكتل، وقبول الإنفاق الصحيح، وحل التفرعات، والمضي قدمًا بلا هوادة أمر شبه مستحيل.

لم نعرف بعد إذا كان البيتكوين سيتحدى الدولة، أو إذا كان هذا التحدي متروكًا لخليفة له. أما أن المزية المالية للدولة قد أُزيلت تمامًا، فهذا أمر ظاهر.

لقد مات الأمتياز المالي الدولة قليلاً في ذلك اليوم في كانون الثاني (يناير) 2009 عندما كان المستشار على حافة الهاوية، وهو يتقلص منذ ذلك الحين.

Tagged : / / / /

رويدًا، ثم فجأة

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: يوليو 2019

مقدمة

هذه أول حلقة من سلسلة أسبوعية قررت أن أكتبها عن موضوع البيتكوين، مستلهمًا صديقيّ مارتي بنت وسيف الدين عموص. التعليم جانب أساسي في البيتكوين، وأرجو أنني بنشر أفكاري أستطيع أن أساعد الناس ليسرعوا في طريق فهمهم لهذا الموضوع المعقد. سمّيت هذه السلسلة رويدًا، ثمّ فجأة. كما وصف همنغواي طريقه للإفلاس، كذلك وصْفُ تضخم العملات الحكومية، وكذلك وَصْف فهم الناس للبيتكوين (رويدًا، ثم فجأة). ستلتزم الكتابات بالبيتكوين ولكنها ستشمل أيضًا الاحتياطي الفدرالي والاقتصاد المالي لأن هذه المواضيع متداخلة بعمق. وبمقتضى محاولتي للاختصار، ستعبّر هذه السلسلة عن خلاصة أفكاري وآرائي، لا عن كل تفصيل قادني إليها، إنّ نيّتي هي تبصير القارئ بعملية الفكر وتقديم خريطة للآخرين إذا أرادوا أن يتعلموا أكثر. هدفي هو الوصول إلى جمهور أوسع (أوسع من جمهور الذين شكّلوا رحلتي أنا) ومساعدة الناس في محيطي على اكتساب فهم لسبب تركيزنا على البيتكوين. إن الآراء المذكورة في هذه السلسلة آرائي أنا، وليست آراء أنتشيند كابيتال أو زملائي. أتمنى أن تستمتع، وأرجو أن تعود إليّ بملاحظاتك.

البيتكوين مال

أو، بالأحرى، البيتكوين أصبح مالًا (عندي). كانت عملية بطيئة انفتحت فيها سدود كثيرة في ذهني ولكنها بدأت بالسؤال: ما هو المال؟ كان هذا مبدأ حفرة الأرنب الحقيقية. الحقيقية، لا التخمينية، إنني أتطلع إلى بطاقة دخول لحفرة الأرنب التي تعرف فيها أن البلوكتشين تقنية ستغير العالم. على مستوى الجذر، تحاول هذه الحفرة أن تجيب سؤال: «ما الذي جعل الدولار الذي في جيبي مالًا؟» لم يستبدل مئات ملايين الناس قيمتهم التي اجتهدوا لكسبها في العالم الحقيقي، بقطع ورقية (أو تمثيل رقمي لها)؟ إنه سؤال صعب أن تسأله، وأصعب أن تجاوبه، وهو شيء أدركت أن كل أحد يفهمه بطريقة خاصة، وبتوقيت خاص، ومهتديًا بتجارب حياته الخاصة. لا بد أن تكون مهتمًّا بهذا السؤال حتى تبدأ فهم البيتكوين.

ما هو المال؟ هذا السؤال هو بداية الرحلة في جحر الاستكشاف

كانت أول خطوة في طريقي هي فهم لماذا كان الذهب مالًا. شمل هذا فهم الخصائص الفريدة التي تجعل الشيء نوعًا أفضل أو أسوأ من المال، ومال الذي يفرق المال بوصفه سلعة اقتصادية فريدة عن بقية أنواع السلع الاقتصادية. كان كتاب معيار البيتكوين تأسيسيًّا وساعدني في استكشاف الأسئلة، لم يكن إنجيلًا بل كان قاعدة للتفكير في المشكلة. عندما طبقت هذه القاعدة على تجارب حياتي وعلى فهمي للنظام المالي الحالي وعيوبه، صارت أمرًا بدهيًّا. وهو أمر قد يكون بدهيًّا (أن البيتكوين مال بالبداهة) للذين قضوا سنين يفكروا فيه من حيث مبادئه المالية، ولكنه حقٌّ أيضًا أن البيتكوين ليس أمرًا بدهيًّا. إنه ليس بدهيًّا مطلقًا، إلى أن يصبح بدهيًّا، ثم مع الوقت يصبح أبده البداهة.

وفي طريقي، وجدت مقارنة البيتكوين بنظامين ماليين ملموسين، هما الذهب والدولار، أمرًا مفيدًا. هل في البيتكوين خصائص الدولار أو الذهب؟ هل البيتكوين أفضل من الدولار أو الذهب؟ لأن الذي يجعل الأشياء مالًا ليس هو الحكم المطلق، بل هو الاختيار بين حفظ القيمة في وسيلة معينة وحفظها في غيرها، وفي كل خيار تنازل عن شيء ما. من دون فهم عيوب النظام المالي القائم (سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين أو البوليفار أو البيزو)، لم يكن في مقدوري استنتاج أن البيتكوين مالٌ هكذا من الفراغ.

عندما كنت أعمل في بنك دوتش في أيام الأزمة المالية، لم يكن عندي أساس لفهم ما كان يحدث. بعد عشرة سنين، وبعد العمل على إعادة ترتيب العالم ليصبح صندوقًا وقائيًّا كبيرًا، بدأت أطوّر فهمًا أوضح لما حدث فعلًا في 2008 و2009. وفي بحثي عن الأزمة المالية الكبرى، والاحتياطي الفدرالي، وخصوصًا أثر التيسير الكمي (انظر هنا)، وصلت إلى استنتاجي الرئيسي، وهو أن المشكلة الأساسية كانت أن النظام المالي رُفع تقريبًا بنسبة 150 إلى 1 (دين كثير ودولارات قليلة)، وأن درجة الرفع المجنونة لم تكن ممكنة من دون سياسة الاحتياطي الفدرالي التي منعت باستمرار إزالة الرفع عن النظام على مدى العقود الثلاثة السابقة للأزمة. ثم، اتضح لي أن الحل (التيسير الكمي) لم يسبب إلا انتشار نظام الدين الذي لا يمكن الحفاظ عليه، في السنين العشرة القادمة، وهو ما يجعل التيسير الكمي في المستقبل أمرًا لا مناص منه. وأصبحت مقتنعًا، أنه سواءٌ أبقي البيتكوين أم ذهب، فإن النظام المالي القائم يعمل في وقت مستعار، وأنه بطريقة أو بأخرى، سيكون شيء ما غيره هو الطريق الذي لا بد منه.

“لقد بات واضحاً أن الحل (التيسير الكمي) لم يتسبب إلا في توسع نظام ائتماني غير مستدام على مدى السنوات العشر اللاحقة، الأمر الذي جعل التيسير الكمي في المستقبل أمراً حتميا”.

ثم، اكتشفت أن للبيتكوين معروضًا ثابتًا. إن فهم المعروض الثابت وكيفيته وما الذي جعله ممكنًا، هو أساس فهم البيتكوين مالًا. إن هذا الفهم يتطلب استثمارًا شخصيًّا كبيرًا في فهم كيف حُبكت الدوافع الاقتصادية مع بنيان البيتكوين التقني، وأنه يستحيل تزوير البيتكوين أو نسخه (أو، بالأحرى، أنّ دوافع التعاون قوية جدًّا وتكلفة الفرصة البديلة عالية جدًّا). إنه طريق طويل، ولكنه يقود في النهاية إلى فهم أن شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقية (أو نظام الاعتقاد) يعزز ويدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

فالأمر ليس أن كودًا برمجيًّا حكَم أنه لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، بل هو فهم أن هذه السياسة المالية قوية وصادقة، وكيف استطاعت شبكة البيتكوين تحقيق الندرة التي يمكن التثبّت منها. لا يمكن أن يحدث هذا بين ليلة وضحاها لفرد واحد. ولا يمكن أن تشرحه لأحد في حفلة كوكتيل. إنه حقيقة تتعزز وتتقوى مع الوقت بالعيش في بنية الدوافع ورؤيتها تعمل مرة بعد أخرى، كل عشرة دقائق (بالمتوسط). فإذا بعد ذلك قورن هذا بكيفية عمل نظام البيتكوين أو حتى بأسس الذهب، عُلم أن البيتكوين مالٌ بالبداهة.

“البيتكوين موجود كحل لمشكلة المال التي هي التيسير الكمي العالمي”

والخلاصة، إذا أردت أن تفهم البيتكوين مالًا، فابدأ بالذهب والدولار والاحتياطي الفدرالي والتيسير الكمي، واعلم لم ثُبّت معروض البيتكوين. المال ليس مجرد هلوسة جمعية أو نظام اعتقاد، بل إن فيه نغمة وتعقّلًا. البيتكوين حلٌّ لمشكلة المال التي هي التيسير الكمي العالمي، وإذا كنت تعتقد أن تدهور العملات في تركيا أو الأرجنتين أو فنزويلا لن يحدث للدولار الأمريكي أو الدول المتقدمة، فما أنا وأنت إلا نقطتان مختلفتان على الخط نفسه. ستدرك خطأك مع الوقت. يمثل البيتكوين بنية مختلفة أساسًا، وطريقًا أمتَن إلى الأمام، ولكن عليك أن تفهم أين كنا، وكيف أصبحنا هنا، لتعرف ما الذي يجري.

كتب حايك عن آلية الأسعار وأعظم توزيع للمعرفة في العالم في (استعمال المعرفة في المجتمع). عندما يتلاعب بمعروض المال، يُفسد ذلك آليات التسعير العالمية التي تقدّم حالئذ معلومات فاسدة في النظام الاقتصادي. فإذا استمر هذا التلاعب 30-40 سنة، تنشأ اختلالات كثيرة في النشاط الاقتصادي الأساس، وهو المكان الذي نحن فيه اليوم. في النهاية، إخفاق الذهب هو الدولار، وإخفاق الدولار هو الفساد الاقتصادي الذي أدى إليه، الذي يزيد طينه بلّة التيسير الكمي. أما وعد البيتكوين فهو حلّ المشكلتين معًا. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سبصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، وممع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

يسخر اقتصاديو المنظومة القائمة من تقلب البيتكوين، كأن في الإمكان أن يتحول البيتكوين من أمر معدوم إلى شكل مستقر للمال بين ليلة وضحاها، إنه قول سخيف تمامًا.

فيجاي بوياباتي على SLP
Tagged : /

محاربة الاستعمار المالي بالبيتكوين

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: NoorSudan Hodl | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: يونيو 2021

لم تزل فرنسا تستعمل الاستعمار المالي لاستغلال خمسة عشر بلدًا إفريقيًّا، هل يشكّل البيتكوين المخرج؟

في خريف عام 1993، كانت عائلة الشاب فودي ديوب تدخر من أجل مستقبله. كان فودي شابًّا ذكيًّا يبلغ من العمر 18 عامًا يعيش في السنغال، أمامه طريق مشرق كلاعب كرة سلة ومهندس. ساعده والده المعلّم في المدرسة في العثور على الإلهام في أجهزة الكمبيوتر والتواصل مع العالم من حوله. وساعدته مواهبه الرياضية على الحصول على مِنَح دراسية في أوروبا والولايات المتحدة.

لكن عندما استيقظ صباح 12 يناير 1994، تغير كل شيء. بين ليلة وضحاها، فقدت عائلة فودي نصف مدخراتها. لم يكن السبب سرقةً أو سطوًا على البنوك أو إفلاس شركة ولكن بخسًا لقيمة العملة، فرضَتْه قوة أجنبية مقرها على بعد 5000 كيلومتر من السنغال.

في الليلة السابقة، التقى المسؤولون الفرنسيون مع المسؤولين الأفارقة في داكار لمناقشة مصير “فرنك مجتمع إفريقيا الفرنسي”، المعروف على نطاق واسع باسم الفرنك الإفريقي أو “سيفا” باختصار. طول حياة فودي، كان فرنك سيفا مربوطًا بالفرنك الفرنسي بمعدل 1 إلى 50، ولكن عندما انتهى الاجتماع في وقت متأخر من الليل، أُعلن في منتصف الليل أن القيمة الجديدة هي بمعدل 1 إلى 100.

المهزلة الوقحة هي أن المصير الاقتصادي لملايين السنغاليين كان خارج أيديهم تمامًا. وكان التخلص من الأسياد الاقتصاديين مستحيلًا تمامًا مهما زادت الاحتجاجات. لعقود طويلة، جاء رؤساء ومستعمرون وذهبوا، لكن الترتيب المالي الأساسي لم يتغير أبدًا. لم يكن النظام نظام عملة ورقية عاديًّا، بل كان أمكر وأشدّ غدرًا. كان نظام استعمار مالي.

آليّات نظام الفرنك الإفريقي

في الكتاب المنير للبصيرة، “آخر عملة استعمارية لإفريقيا: قصة الفرنك الإفريقي“، يروي الباحثان الاقتصاديان فاني بيجود وندونغو سامباسيلا التاريخ المأساوي، بل الصادم أحيانًا، للفرنك الإفريقي.

استعمرت فرنسا، مثل القوات الأوروبية الأخرى، العديد من الدول حول العالم في أوجها الإمبراطوري، بوحشية في كثير من الأحيان. بعد احتلال ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بدأ تفكك “الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية”. حارب الفرنسيون للحفاظ على مستعمراتهم، فخلّفوا جرّاء ذلك خسائر بشرية هائلة. على الرغم من سلسلة حروب عالمية مكلفة، فقدت الإمبراطورية الفرنسية الهند الصينية، ثم سوريا ولبنان، وفي النهاية، الأراضي الفرنسية في شمال إفريقيا، ومنها المستعمرة الاستيطانية الغنية بالنفط والغاز: الجزائر. لكن فرنسا كانت مصممة على ألا تفقد أراضيها في غرب إفريقيا ووسطها. فقد وفرت هذه القوى البشرية العسكرية خلال الحربين العالميتين وقدمت ثروة من الموارد الطبيعية كاليورانيوم والكاكاو والأخشاب والبوكسيت اغتنت بها العاصمة الفرنسية.

مع اقتراب عام 1960، أصبح إنهاء الاستعمار أمرًا لا مفر منه. توحدت أوروبا في فك ارتباطها بإفريقيا بعد سنين طويلة من النهب. لكن السلطات الفرنسية أدركت أن بإمكانها أكل الكعكة والاحتفاظ بها معًا، إذا هي تنازلت عن السيطرة السياسية وأبقت على السيطرة النقدية.

لا يزال هذا الميراث قائماً حتى اليوم في 15 دولة تستعمل اللغة الفرنسية وتستخدم عملة تسيطر عليها باريس: السنغال، مالي، ساحل العاج، غينيا بيساو، توغو، بنين، بوركينا فاسو، النيجر، الكاميرون، تشاد، الجمهورية الإفريقية الوسطى، الجابون، غينيا الاستوائية، وجمهورية الكونغو، وجزر القمر. في عام 2021، لا يزال الفرنسيون يمارسون السيطرة النقدية على أكثر من 2.5 مليون كيلومتر مربع من الأراضي الإفريقية، وهي مساحة تكافئ 80٪ من مساحة الهند.

بدأت فرنسا إنهاء الاستعمار رسميًا في عام 1956 عن طريق قانون “لا لوا كادر ديفير” (قانون الإصلاح)، وهو تشريع يمنح المستعمرات مزيدًا من الاستقلالية والحرية لإنشاء المؤسسات الديمقراطية وحقوق الاقتراع العام. وفي عام 1958، تم تعديل الدستور الفرنسي لتأسيس “لا كوميونيتي” (المجتمع): مجموعة مستقلة من أقاليم ما وراء البحار ذات الإدارة الديمقراطية. قام الرئيس شارل ديغول بجولة في المستعمرات في غرب ووسط إفريقيا لتخييرها بين حل الحكم الذاتي دون الاستقلال، من خلال “المجتمع” وبين الاستقلال التام الفوري. وأوضح أن الخيار الأول سيأتي بمنافع واستقرار، والخيار الثاني سيجرّ مخاطر وفوضى.

في عام 1960، كان عدد سكان فرنسا -وهو ٤٠ مليون نسمة- أكبر من عدد سكان دول مجتمع إفريقيا الفرنسي الخمس عشرة -وهو ٣٠ مليون نسمة-. أما اليوم، فيعيش 67 مليون نسمة في فرنسا و183 مليونًا في دول المجتمع. وحسب توقعات الأمم المتحدة، بحلول العام 2100، سيكون لدى فرنسا 74 مليون نسمة، ولدى دول المجتمع أكثر من 800 مليون. فإذا نظرنا إلى أن فرنسا لم تزل على رأس المصير المالي لهذه البلدان، رأينا أن الوضع شبيه بالفصل العنصري الاقتصادي.

كان الفرنك الإفريقي في أول أمره عام 1945، يساوي 1.7 فرنك فرنسي. في عام 1948، تم تعزيزه إلى 2 فرنك فرنسي. ولكن مع الوقت رُبط الفرنك الإفريقي باليورو في نهاية التسعينيات، فأصبح يساوي 0.01 فرنك فرنسي. وهو بَخْس إجمالي لقيمة العملة بنسبة 99.5٪. في كل مرة خفضت فيها فرنسا قيمة الفرنك الإفريقي، زادت قوتها الشرائية مقابل مستعمراتها السابقة، وزادت تكلفة استيراد السلع الحيوية عليهم. في عام 1992، استطاع الشعب الفرنسي التصويت على تبني اليورو من خلال استفتاء وطني. أما دول مجتمع إفريقيا الفرنسي فحُرمت من أي حق تصويت، واستُبعدت من المفاوضات التي رُبطت فيها أموالهم بعملة جديدة.

تطورت آلية المجتمع الفرنسي منذ إنشائه، لكن وظائفه الأساسية وطرائق استغلاله لم تتغير. يصف بيغود وسيلا هذه الوظائف والطرائق بـ “نظرية التبعية”، إذ “تُستنْزَف موارد الدول النامية المحيطية باستمرار لصالح الدول الغنية… ولا تستثمر الدول الغنية في الدول فقيرة الدخل لجعلها أكثر ثراءً … [هذا] الاستغلال تطور بمرور الوقت من أنظمة العبودية الوحشية إلى وسائل أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا للحفاظ على العبودية السياسية والاقتصادية “.

تخدم ثلاثة بنوك مركزية اليوم دول المجتمع الفرنسي الخمس عشرة: البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وبنك دول إفريقيا الوسطى (BEAC)، والبنك المركزي لجزر القمر (BCC). تحتفظ البنوك المركزية باحتياطات النقد الأجنبي (أي المدخرات الوطنية) للدول الفردية في منطقتها، التي يجب أن تُبقي على نسبة مذهلة تبلغ 50٪ لدى الخزانة الفرنسية. هذا الرقم، رغم ارتفاعه، هو نتيجة مفاوضات تاريخية. في الأصل، كان على المستعمرات السابقة الاحتفاظ بنسبة 100٪ من احتياطاتها في فرنسا، ثم في سبعينيات القرن الماضي، اكتسبت حق السيطرة على بعضها والتنازل عن 65٪ “فقط” لباريس. ليس لدول مجتمع إفريقيا الفرنسي أي سلطة على احتياطاتها المخزنة في الخارج. في الواقع، لا تعرف هذه الدول أصلًا كيف تنفَق أموالها. وفي الوقت نفسه، تعرف باريس بالتفصيل كيف تُنفَق أموال كل دولة من دول المجتمع الفرنسي حيث تدير “حسابات تشغيل” لكل بلد عن طريق البنوك المركزية الثلاثة.

على سبيل المثال عندما تبيع شركة من ساحل العاج قهوة قيمتها مليون دولار لمشتر صيني، يُبدَّل اليوان من المشتري باليورو في سوق العملات الفرنسية. ثم تستودع الخزانة الفرنسية اليورو وتضيف المبلغ بالفرنك الإفريقي إلى حساب الدين لساحل العاج في BCEAO، ثم تحول بعد ذلك إلى حساب صانع القهوة محليًا. كل الخطوات تمر عبر باريس. وفقًا لـ بيغود وسيلا، لا تزال فرنسا تصنع جميع العملات الورقية والعملات المعدنية المستخدمة في دول المجتمع الفرنسي، وتتقاضى 45 مليون يورو سنويًا مقابل الخدمة وهي أصلًا تمتلك 90 ٪ من احتياطي الذهب لهذه الدول، حوالي 36.5 طنًا.

يمنح نظام المجتمع الفرنسي خمس ميزات رئيسية للحكومة الفرنسية: مزيدًا من الاحتياطات تحت تصرفها، وأسواقًا كبيرة للصادرات الغالية و الواردات الرخيصة، وقدرةً على شراء المعادن الاستراتيجية بعملتها المحلية دون استنزاف احتياطاتها، وقروضًا ملائمة عندما تكون دول المجتمع الفرنسي في حالة ائتمان، ومعدلات فائدة مناسبة عندما تكون الدول مدينة (لفترات من التاريخ، تجاوز معدل التضخم الفرنسي معدل فائدة القرض، أي إن فرنسا كانت تجبر دول مجتمع إفريقيا الفرنسي على دفع رسوم لتخزين احتياطاتها في الخارج)، وأخيراً، القرض المزدوج، الذي تقترض بموجبه دولة من دول المجتمع الفرنسي أموالاً من فرنسا، وفي سعيها لاستعمال رأس المال، ليس أمامها خيار إلا أن تتعاقد مع شركات فرنسية بسبب ظروف الاقتصاد الكلي السيئة. فيعود أصل القرض إلى فرنسا على الفور ولكن الدولة الإفريقية تبقى مُثقلة بأصل الدين والفائدة.

هذا يؤدي إلى ظاهرة شبيهة بـ”إعادة تدوير البترودولار” (التي تحصل فيها المملكة العربية السعودية على دولارات من مبيعاتها النفطية، لتستثمرها مرة أخرى في سندات الخزانة الأمريكية)، حيث كان مصدرو دول المجتمع الفرنسي يبيعون المواد الخام لفرنسا تاريخيًا، ويجمع البنك المركزي الإقليمي جزءًا من العائدات ليستثمرها مرة أخرى في ديون البلد الأمّ من خلال ديون الحكومات الفرنسية أو الأوروبية اليوم. ثم عندنا الصرافة الانتقائية للفرنك الإفريقي. يمكن للشركات بسهولة بيع الفرنك الإفريقي مقابل اليورو اليوم (والفرنك الفرنسي سابقًا)، ولكن لا يمكن للمواطنين الذين يحملون الفرنك الإفريقي خارج منطقة البنك المركزي تصريفه رسميًا في أي مكان. فالفرنك تقريبًا عديم الفائدة مثله مثل الطوابع البريدية. فإذا أرادت مواطنة من ساحل العاج مغادرة بلدها، وجب عليها أوّلًا تصريف أموالها باليورو، لتختلس الخزانة الفرنسية والبنك المركزي الأوروبي منها أجر الصكّ من خلال سعر الصرف.

القمع النقدي هو أن فرنسا تجبر دول المجتمع الفرنسي على الاحتفاظ بكمية ضخمة من الاحتياطيات في الخزائن الباريسية، وهو ما يمنع الأفارقة من تأسيس ائتمان محلي. فتضطر البنوك المركزية المحلية الإفريقية إلى إقراض القليل جدًا بمعدلات عالية جدًا، بدلاً من إقراض المزيد بمعدلات منخفضة. فتجبر دول المجتمع الفرنسي على شراء الديون الفرنسية أو الأوروبية باحتياطاتها الاستراتيجية.

وأدهَش الأشياء هو مزيّة حق الرفض الأول على الواردات والصادرات. إذا كنت منتج قطن في مالي، فيجب عليك أولًا عرض بضائعك على فرنسا، قبل أن تذهب إلى الأسواق الدولية. أو إذا كنت في بنين وتريد بناء مشروع بنية تحتية جديد، فيجب أن تفكر في المناقصات الفرنسية قبل غيرها. كان هذا يعني تاريخيًّا أن فرنسا كانت قادرة على الوصول إلى سلع أرخص من السوق من مستعمراتها السابقة، وبيع سلعها وخدماتها بأسعار أعلى من السوق.

يسمي بيغود وسيلا هذه الظاهرة استمرار “الميثاق الاستعماري”، الذي قام على أربعة مبادئ أساسية: “منع المستعمرات من التصنيع، وإجبارها على تزويد البلد الأم (فرنسا) بالمواد الخام لكي تحولها إلى منتجات ثم تبيعها مرة أخرى للمستعمرات نفسها، حق البلد الأم (فرنسا) باحتكار الصادرات والواردات الاستعمارية وحقها أيضًا باحتكار شحن منتجات المستعمرات إلى الخارج، وأخيرًا، تفضيل البلد الأم لمنتجات المستعمرات”.

والنتيجة، حالةٌ “تتوفر فيها احتياطات القطع الأجنبي مع البنوك المركزية، وتدفَع عليها فوائد سلبية، فتحتفظ البنوك التجارية بسيولة زائدة، ويحصَّص الوصول إلى ائتمان المنازل والشركات، وتُلزَم فيها الدول بازدياد على الالتزام بديون بعملات أجنبية عليها نسب فائدة عالية لا يمكن دفعها، وهو ما يزيد هروب رؤوس الأموال أكثر.

اليوم، أصبح نظام المجتمع الفرنسي “إفريقيًا”، أي إن العملات الورقية المحلية تُظهر الثقافة الإفريقية ونباتات إفريقيا وحيواناتها، وتقع البنوك المركزية في داكار وياوندي وموروني ولكن هذه تغييرات سطحية. لا تزال الأوراق النقدية تُصنع في باريس، ولا تزال السلطات الفرنسية تدير حسابات التشغيل، ولا يزال المسؤولون الفرنسيون أعضاءً في مجالس الإدارة للبنوك المركزية المحلية ويملكون حق النقض (الفيتو). إنه وضع ملفت، يتخذ قرارات مواطن الغابون فيه موظّف فرنسي نيابة عنه. تمامًا كما لو كان لدى البنك المركزي الأوروبي أو الاحتياطي الفيدرالي مسؤولون من اليابان أو روسيا يقررون نيابة عن الأوروبيين والأمريكيين.

تاريخيا عمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتنسيق مع فرنسا لفرض نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي وقلّما انتقد طبيعته الاستغلالية. في الواقع، قضى نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية، الذي قاد فيه الأمريكيون البنك الدولي والأوروبيون صندوق النقد الدولي، بأن منصب المدير العام لصندوق النقد الدولي محجوز غالبًا لمسؤول فرنسي، وتشغله اليوم الفرنسية كريستين لاغارد. مع مرور السنين، ساعد صندوق النقد الدولي فرنسا في الضغط على دول مجتمع إفريقيا الفرنسي لمتابعة سياساتها. كان المثال البارز في أوائل التسعينيات، عندما رفض ساحل العاج تخفيض قيمة عملته، لكن أصر الفرنسيون على هذا ذلك. يقول بيغورد وسيلا: “في نهاية عام 1991، رفض صندوق النقد الدولي إقراض المال لساحل العاج، وعرض على البلد خيارين. فإما أن تسدد الدولة الديون المتعاقد عليها مع الصندوق وإما ان تقبل بتخفيض قيمة العملة “. وخضعت ساحل العاج ودول الاتحاد المالي الإفريقي الأخرى ووافقت على تخفيض قيمة العملة بعد ثلاث سنوات.

دعمُ المسؤولون الفرنسيون gلطغاة في دول المجتمع الفرنسي على مدى العقود الستة الماضية مناقضةٌ للقيم المدنية التي بنيت عليها فرنسا: “الحرية، والمساواة، والإخاء”. على سبيل المثال، قضى ثلاثة طغاة -هم عمر بونغو في الغابون، وبول بيا في الكاميرون، وغناسينغبي إياديما في توغو- 120 عامًا في السلطة مجتمعين. كانت شعوبهم تريد طردهم من مناصبهم لو لم يقدم الفرنسيون المال والأسلحة والغطاء الدبلوماسي لهم. ذكر بيغورد وسيلا أن باريس في 1960 و1991، “نفذت ما يقرب من 40 تدخلاً عسكريًا في 16 دولة للدفاع عن مصالحها”. هذا الرقم هو بالتأكيد أعلى اليوم.

بمرور الوقت، سمح نظام المجتمع الفرنسي لفرنسا باستغلال موارد وعمالة دول المجتمع الفرنسي ومنع تراكم رأس المال وتطوير الاقتصاد ونمو الصادرات. هذا سبب كارثه على التنمية البشرية.

اليوم يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم في ساحل العاج (بالدولار) حوالي 1700 دولار، مقارنة بـ 2500 دولار في أواخر السبعينيات. في السنغال، لم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم المرتفعات التي بلغها في الستينيات حتى عام 2017. كما لاحظ بيغورد وسيلا، “سجلت 10 ولايات في منطقة الفرنك أعلى مستوياتها من متوسط ​​الدخل قبل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في الأربعين سنة الماضية، تدهور متوسط ​​القوة الشرائية في كل مكان تقريبًا. في الغابون، تم تسجيل أعلى متوسط ​​دخل في عام 1976، أقل بقليل من 20000 دولار. بعد أربعين عامًا، تقلص الى النصف. انضمت غينيا بيساو إلى [نظام المجتمع الفرنسي] في عام 1997، وهو العام الذي سجلت فيه ذروة متوسط ​​دخلها. بعد 19 عامًا، انخفض بنسبة 20٪ “.

تعتبر الأمم المتحدة أن دول المجتمع الفرنسي العشر من الدول “الأقل نمواً”، إلى جانب دول مثل هايتي واليمن وأفغانستان. في تصنيفات دولية مختلفة، صُنّفت النيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وغينيا بيساو من أفقر البلدان في العالم. تحتفظ فرنسا بنسخة متطرفة مما سماه ألين فارينجتون “منجم سلب رؤوس الأموال“.

لخص السياسي السنغالي أمادو لامين غيي نظام المجتمع الفرنسي بأنه نظام على المواطنين فيه “واجبات فقط وليس لهم حقوق”، وأن “مهمة الأراضي المستعمَرة هي الإنتاج الكثير، وإنتاج ما يتجاوز احتياجاتهم الخاصة، والإنتاج على حسابهم. من أجل رفع المستوى المعيشي لفرنسا وتأمين الإمدادات لها”. بالطبع، تقاوم فرنسا هذا الوصف وترفضه. كما قال وزير الاقتصاد الفرنسي ميشيل سابين في أبريل 2017، “فرنسا موجودة هناك كصديق”.

قد يسأل القارئ: هل تقاوم الدول الإفريقية هذا الاستغلال؟ الجواب هو نعم، لكنهم يدفعون ثمناً باهظاً. أدرك القادة القوميون الأوائل من حقبة الاستقلال الإفريقي القيمة الحاسمة للحرية الاقتصادية.

صرّح كوامي نكروما في عام 1963: “ليس الاستقلال سوى مقدمة لنضال جديد وأكثر تعقيدًا من أجل الحق في إدارة شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية [..] دون عائق من سحق وإهانة السيطرة والتدخل الاستعماري الجديد”. الحركة التي جعلت من غانا أول دولة مستقلة في إفريقيا جنوب الصحراء. لكن على مدار تاريخ منطقة المجتمع الفرنسي كان تصرف القادة الوطنيين الذين واجهوا السلطات الفرنسية سيّئًا.

في عام 1958 حاولت غينيا المطالبة باستقلالها النقدي. في خطاب شهير، قال القومي المشاغب سيكو توري لشارل ديغول الزائر: “نفضل الفقر في الحرية على البذخ في العبودية”، وبعد فترة قليله غادر نظام المجتمع الفرنسي. وفقًا للواشنطن بوست، “ردًّا على الانسحاب، وتحذيرًا للمناطق الأخرى الناطقة بالفرنسية، انسحب الفرنسيون من غينيا خلال فترة شهرين، وأخذوا معهم كل ما في وسعهم. فكّوا مصابيح الكهرباء، وأزالوا مخططات خطوط أنابيب الصرف الصحي في العاصمة كوناكري، وأحرقوا الأدوية لئلا يتركوها للغينيين “.

 ثم أطلق الفرنسيون عملية برسيل  الانتقامية لزعزعة الاستقرار، حيث قامت المخابرات الفرنسية وفقًا لبيغورد وسيلا بتزوير كميات ضخمة من الأوراق النقدية الغينية الجديدة ثم سكبها سكبًا جماعيًّا في البلاد.  وهو ما سبب “انهيار الاقتصاد الغيني”. تحطمت آمال البلاد الديمقراطية ومواردها المالية، وتمكن توري من ترسيخ سلطته في الفوضى وبدء حكمه الوحشي الذي طال 26 عامًا.

في يونيو 1962 ، أعلن زعيم الاستقلال المالي موديبو كيتا أن مالي ستغادر المجتمع الفرنسي لسك عملتها الخاصة. وأوضح كيتا بالتفصيل أسباب هذه الخطوة، مثل التبعية الاقتصادية المفرطة (80٪ من واردات مالي تأتي من فرنسا)، وتركيز سلطات اتخاذ القرار في باريس، وتوقف التنويع الاقتصادي والنمو.

وقال عن الوضع الحالي “صحيح أن رياح إنهاء الاستعمار قد مرت على الصرح القديم ولكنها لم تهزه كثيرا”. رداً على ذلك، جعلت الحكومة الفرنسية الفرنك المالي غير قابل للصرف. فجرّ ذلك أزمة اقتصادية عميقة، وأطيح بكيتا في انقلاب عسكري في عام 1968. فاختارت مالي العودة للمجتمع الفرنسي لكن الفرنسيين فرضوا تخفيضين لقيمة الفرنك المالي شرطًا للرجوع، ولم يسمحوا بالعودة مرة أخرى. حتى 1984.

في عام 1969، طلب الرئيس حماني ديوري النيجري ترتيبًا أكثر “مرونة”، لتتمتع بلاده باستقلال نقدي أكبر، لكن الفرنسيين رفضوا. وهددوه بوقف دفع ثمن اليورانيوم الذي كانوا يحصدونه من مناجم الصحراء، الذي يمنح فرنسا الاستقلال في مجال الطاقة من خلال الطاقة النووية. بعد ست سنوات، أطاح الجنرال سين كونتشي بحكومة ديوري، قبل ثلاثة أيام من الاجتماع المخطط لإعادة التفاوض لسعر اليورانيوم النيجيري. أراد ديوري رفع الثمن، لكن السادة المستعمرين اختلفوا معه. كان الجيش الفرنسي متمركزًا في مكان قريب أثناء الانقلاب، لكنه، كما ذكر بيغود وسيلا، لم يحرك ساكنًا.

في عام 1985، سُئل القائد العسكري الثوري توماس سانكارا من بوركينا فاسو في مقابلة، “هل الفرنك الإفريقي سلاح للهيمنة على إفريقيا؟ هل تخطط بوركينا فاسو لمواصلة تحمل هذا العبء؟ لماذا يحتاج الفلاح الإفريقي في قريته إلى عملة قابلة للصرف؟ ” أجاب سنكارا: “لا يهم الفلاح الإفريقي إذا كانت عملته قابلة للصرف أو لا، فقد انغمس ضد إرادته في نظام اقتصادي لا حول له ولا قوة ضده “.

اغتيل سانكارا بعد ذلك بعامين على يد صديقه المقرب والثاني في القيادة، بليز كومباوري. لم تعقد محاكمة للتحقيق عن الجريمة. بل استولى كومباوري على السلطة والحكم حتى عام 2014، وكان خادمًا مخلصًا ووحشيًا لنظام المجتمع الفرنسي.

نضال فريدة نامبوريما في سبيل الحرية المالية التوغولية

في كانون الأول (ديسمبر) 1962، قرر أول زعيم توغولي بعد الاستعمار سيلفانوس أوليمبيو إنشاء بنك توغو المركزي والفرنك التوغولي. لكن في صباح يوم 13 يناير / كانون الثاني 1963، قبل أيام من اقترابه من هذا الانتقال، قُتل برصاص جنود توغوليين كانوا قد تدربوا في فرنسا. كان نياسيجبي إياديما أحد الجنود الذين ارتكبوا الجريمة. استولى لاحقًا على السلطة وأصبح دكتاتور توغو بدعم فرنسي كامل، وحكم لأكثر من خمسة عقود وروج للفرنك الإفريقي حتى وفاته في 2005. ابنه يحكم حتى يومنا هذا. لم يحكَم في قضية جريمة قتل أوليمبيو.

لطالما شاركت عائلة فريدة نابوريما في النضال من أجل حقوق الإنسان في توغو. كان والدها زعيما نشطا للمعارضة وقبض عليه وأصبح سجينًا سياسيًّا. كان معارضًا للفرنسيين خلال الحقبة الاستعمارية. اليوم، فريدة شخصية بارزة في الحركة الديمقراطية في البلاد.

كانت فريدة تبلغ من العمر 15 عامًا عندما علمت أن تاريخ دكتاتورية توغو متشابك مع الفرنك الإفريقي. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت قد بدأت في مساءلة والدها، وطرحت عليه أسئلة حول تاريخ بلدها. فاستفسرت من أبيها “لماذا اغتيل رئيسنا الأول بعد سنوات قليلة من استقلالنا؟”.

فأجابها والدها: “لأنه قاوم الفرنك الإفريقي”

في عام 1962، بدأ أولمبيو التحرك نحو الاستقلال المالي والانقسام عن فرنسا. صوت البرلمان لصالح هذا التحول، وإنشاء فرنك توغولي والاحتفاظ بالاحتياطات في البنك المركزي الخاص بهم. صُدمت فريدة عندما علمت أن أوليمبيو اغتيل قبل يومين فقط من موعد مغادرة توغو للمجتمع الفرنسي. على حد تعبيرها: “اعتُبر قراره بالسعي إلى الحرية النقدية إهانة للهيمنة في إفريقيا الفرنكوفونية. كانوا خائفين من أن يتبعهم الآخرون “.

 في يومنا هذه تقول فريدة إن نظام المجتمع الفرنسي هو السبب الرئيس للسعي إلى الحرية، بالنسبة إلى كثير من النشطاء في توغو، “هذا ما يحرّك الكثيرين في المعارضة”.

الأسباب واضحة. قالت فريدة إن فرنسا تحتفظ بأكثر من نصف احتياطيات توغو في بنوكها، حيث لا يتمتع شعب توغو بأي رقابة على كيفية إنفاق هذه الاحتياطيات. في كثير من الأحيان، يتم استخدام هذه الاحتياطيات، التي يكسبها التوغوليون، لشراء الديون الفرنسية لتمويل أنشطة الشعب الفرنسي. غالبًا ما يتم إقراض هذه الأموال للسيادة الاستعمارية بعائد حقيقي سلبي. يدفع التوغوليون لباريس مقابل الاحتفاظ بأموالهم من أجلهم، وفي ذات الوقت يمولون المستويات المعيشية للشعب الفرنسي.

في عام 1994، أثر على التوغوليين بشدة بخس العملة الذي سرق مدخرات عائلة فودي ديوب في السنغال، لأنه سبب زيادة هائلة للدين الوطني، وخفض التمويل العام للبنية التحتية المحلية ومحاربة الفقر.

قالت فريدة: “تذكر، إن حكومتنا مجبرة على منح الأولوية للاحتفاظ باحتياطاتنا في البنك الفرنسي على الإنفاق في بلادنا، لذلك عندما تأتي أزمة، علينا أن نحط من قدر أنفسنا، لضمان وجود مبلغ مناسب من النقد في أيدي الباريسيين. “

هذا يخلق مناخًا من التبعية حيث يضطر التوغوليون إلى شحن المواد الخام إلى الخارج وإحضار السلع التامة الصنع دون حفر طريقها المستقل.

قالت فريدة إنه منذ حوالي 10 سنوات، اكتسبت الحركة المناهضة للمجتمع الفرنسي مزيدًا من الدعم. بفضل الهواتف الجوالة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمكن الناس من الاتحاد والتنظيم بطريقة لامركزية. قالت إنها اعتادت أن يكون سكان ساحل العاج والتوغو يكافحون بشكل منفصل، لكن الآن هناك جهد إقليمي بين النشطاء.

لسنوات طويله ظهرت فكرة العملة “البيئية” لجميع دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، من ضمنها القوات الاقتصادية الإقليمية نيجيريا وغانا. قالت فريدة إن الفرنسيين حاولوا اختطاف هذه الخطة، وجعلوها وسيلة لتوسيع إمبراطوريتهم المالية. في عام 2013، شكل الرئيس آنذاك فرانسوا هولاند لجنة أنشأت وثيقة للمستقبل الفرنسي في إفريقيا. وذُكر في هذه اللجنة أنه من الضروري إشراك البلدان الناطقة بالإنجليزية مثل غانا.

تحاول إدارة إيمانويل ماكرون الآن إعادة تسمية الفرنك الإفريقي إلى الإيكو (BCEAO)، في عملية مستمرة لصبغ النظام الاستعماري المالي الفرنسية بصبغة إفريقية. تراجعت نيجيريا وغانا عن مشروع Eco، لأنهم أدركوا أن الفرنسيين سيستمرون في السيطرة. لم يحدث شيء رسمي حتى الآن، ولكن البلدان التي يديرها حاليًا البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO) تسير على الطريق الصحيح للتحول إلى هذه العملة الاقتصادية بحلول عام 2027. سيظل لدى الفرنسيين قدرة اتخاذ القرار، ولا توجد أي خطط رسمية لتقويم المصرفية المركزية في دول المجتمع الفرنسي أو في جزر القمر.

قالت فريدة: “إنها قمة النفاق من قبل القادة الفرنسيين مثل ماكرون أن يذهبوا إلى مؤتمرات دافوس ويقولوا إنهم أنهوا الاستعمار، وهم في الحقيقة يحاولون توسيعه”.

وقالت إنه في الأصل تم إنشاء الفرنك الإفريقي على أساس خطة العملة المستخدمة من قبل المحتلين النازيين لفرنسا. خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأت ألمانيا عملة وطنية للمستعمرات الفرنسية حتى تتمكن بسهولة من التحكم في الواردات والصادرات باستخدام رافعة مالية واحدة فقط. عندما انتهت الحرب واستعاد الفرنسيون حريتهم قرروا استخدام نفس النموذج تمامًا لمستعمراتهم. لذلك، قالت فريدة، إن أساس الفرنك الإفريقي هو حقًا أساس نازي.

إنه نظام عبقري شرير، تمكن به الفرنسيون مع مرور الوقت من طباعة النقود لشراء سلع حيوية من مستعمراتهم السابقة، لكن يتعين على تلك البلدان الإفريقية العمل لكسب الاحتياطيات المالية.

قالت فريدة: “هذا ليس عدلاً، إنه ليس استقلالاً”. “إنه استغلال تام.”

تدّعي فرنسا أن النظام جيّد لأنه يوفّر استقرارًا وتضخّمًا قليلًا وقابلية للتحويل للشعب التوغولي. لكن قابلية التحويل هذه لا تسهّل إلا هروب رأس المال، لأنها تسهّل على الشركات الخروج من المجتمع الفرنسي وحفظ أرباحهم باليورو، وفي الوقت نفسه توقع توغو في نظام قائم على أجر الصك. فحالما يحوّل الفرنك الإفريقي –ولا بد أن يحول، إذ لا يمكن استعماله خارج المنطقة الاقتصادية للمواطن- يأخذ الفرنسيون والأوروبيون حصتهم.

قالت فريدة إن التضخم في توغو منخفض فعلًا عنه في الدول المستقلة لكن الكثير من أرباحها تستعمل لمحاربة التضخم بدلاً من دعم البنية التحتية ونمو الصناعة في الداخل. وأشارت إلى نمو غانا التي تتمتع بسياسة نقدية مستقلة وتضخم كان أعلى بمرور الوقت من دول المجتمع الفرنسي مقارنة بتوغو. دولة غانا متفوقة بأي مقياس من حيث الرعاية الصحية، نمو الطبقة الوسطى والبطالة. في الواقع عندما تكبر الصورة قالت فريدة إنه لا توجد دولة واحدة من دول المجتمع الفرنسي من بين أغنى 10 دول في إفريقيا. أما أفقر 10 دول فنصفها من هذا المجتمع.

تقول فريدة إن الاستعمار الفرنسي يتجاوز المال إلى التعليم والثقافة. وقالت على سبيل المثال، يقدم البنك الدولي 130 مليون دولار سنويًا لدعم البلدان الناطقة باللغة الفرنسية لدفع ثمن كتب المدارس العامة. تقول فريدة إن 90٪ من هذه الكتب مطبوعة في فرنسا. تذهب الأموال مباشرة من البنك الدولي إلى باريس وليس إلى توغو أو إلى أي دولة إفريقية أخرى. قالت فريدة إن الكتب هي أدوات لغسيل المخ. إنهم يركزون على مجد الثقافة الفرنسية، ويقوضون إنجازات الدول الأخرى، سواء كانت أمريكية أو آسيوية أو إفريقية.

في المدرسة الثانوية، سألت فريدة والدها: “هل يستخدم الناس أي لغة أخرى غير الفرنسية في أوروبا؟” فضحك والدها. لقد تعلموا فقط التاريخ الفرنسي والمخترعين الفرنسيين والفلاسفة الفرنسيين. نشأت وهي تفكر أن الأذكياء الوحيدين هم فرنسيون. لم تقرأ قط كتابًا أمريكيًا أو بريطانيًا قبل سفرها إلى الخارج لأول مرة.

بشكل عام، قالت فريدة إن إفريقيا الفرنسية تستهلك 80٪ من الكتب التي تطبعها فرنسا. يريد الرئيس ماكرون التوسع في هذه الهيمنة ، ووعد بإنفاق مئات الملايين من اليورو لتعزيز الفرنسية في إفريقيا ، معلناً أنها يمكن أن تكون “اللغة الأولى” للقارة ووصفها “بلغة الحرية”. بالاتجاهات الحالية، عند حلول عام 2050، يمكن أن يعيش 85 ٪ من جميع المتحدثين باللغة الفرنسية في إفريقيا. اللغة هي أحد دعائم بقاء الفرنك الإفريقي.

السياسة شيء آخر. جزء مهم من نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي هو الدعم الفرنسي للديكتاتورية. باستثناء السنغال، لم تشهد أي دولة من دول الاتحاد المالي الإفريقي على الإطلاق عملية ديمقراطية حقيقية. قالت فريدة إن كل طاغية ناجح في إفريقيا الفرنكوفونية يتمتع بدعم كامل من الدولة الفرنسية. كلما حدث انقلاب على الديمقراطية، فإن الفرنسيين يدعمون الانقلابيين ما داموا يؤيدون مجتمع إفريقيا الفرنسي. لكن في اللحظة التي يكون فيها لأي شخص ميول معادية للفرنسيين، ترى عقوبات أو تهديدات أو حتى اغتيالات.

تشير فريدة إلى مثال تشاد ومالي اليوم. كلا البلدين تحت تهديد الإرهاب والتمرد. في تشاد، دعمت فرنسا الدكتاتور العسكري الراحل إدريس ديبي لمدة ثلاثة عقود حتى وفاته في أبريل. وفقًا للدستور التشادي، يكون رئيس البرلمان التالي في الترتيب ليكون رئيس الدولة، ولكن نصب الجيش ابن ديبي، وهو جنرال في الجيش. أشادت الحكومة الفرنسية بهذا الانتقال غير القانوني، حتى أن الرئيس ماكرون زار تشاد قبل شهرين للاحتفال بهذا الانتقال الوهمي. وفي خطاب تكريم، وصف ديبي بـ”الصديق” و “الجندي الشجاع” وقال: “لن تسمح فرنسا لأي شخص أن يشكك أو يهدد استقرار تشاد وسلامته اليوم أو غدًا”. الابن، بالطبع، سيروج للفرنك الإفريقي.

من ناحية أخرى، قالت فريدة إن مالي تعرضت لانقلاب بعد شهر من الانقلاب في تشاد. المجلس العسكري والسكان ليسوا ودودين مع باريس ويبدو أنهم يسعون لروسيا كشريك جديد لإعاقة الإرهاب.  وصفت الحكومة الفرنسية الانقلاب بأنه “غير مقبول”، وهددت بسحب القوات من مالي “لتركهم وحدهم مع الإرهابيين” حسب رواية فريدة. تعاقب فرنسا مالي لارتكابها نفس الشيء الذي فعلته تشاد. هناك استبداد وفساد من الجانبين. الاختلاف الوحيد هو أن مالي أرادت الابتعاد عن السيطرة النقدية الفرنسية، بينما لا تزال تشاد تتعاون.

قالت فريدة: “عندما تكون دكتاتورًا، إذا كنت تعمل لصالح فرنسا، فإنهم يواصلون البحث عن الأعذار لمساعدتك للبقاء في السلطة”. لقد فعلوا نفس الشيء في بلدها توغو في عام 2005، مما أدى إلى تولي ولي العهد للسلطة من بعد أبيه الدكتاتور، ومن ثم إلى صحوتها السياسية.

فودي ديوب في مهمة لجلب البيتكوين إلى السنغال

لم ‏يستطع فودي ديوب أن ‏ينظر إلى وطنه السنغال من الخارج إلى أن جاءت فرصة سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في البداية كان انخفاض قيمة العملة مقابل الفرنك في العام ١٩٩٤ مهددًا لمستقبله الأكاديمي. أتيحت له الفرصة أن يدرس ويلعب كرة السلة في جامعة كنساس، ولكن مدخرات أسرته كانت مدمرّة بالكامل. لحسن حظه كان أمام أسرته خيار آخر، فقد كان لوالده حقوق طبع في مواد تعليمية كان قد أعدّها من قبل، كان بإمكان والده أن يستدين بعض المال مقابلها لسد حاجة ابنه المال وليمكنه من الدراسة.

في يوم ما بعد عدة سنوات مضت وبعد تخرجه من الجامعة وبينما كان فودي يعيش في أمريكا وكان وقتها يهم بإعداد فيديو جديد مع أخيه وجد ڤيديو على اليوتيوب للدكتور شيخ أنتا ديوب العالم والمؤرخ السنغالي وكان يتحدث فيه عن المال واللغة وكيف أن الإثنين قد يكونان أدوات للتحكم بعقول البشر وطريقة حياتهم.

كان فودي قد سمع باسم ديوب من قبل – أكبر جامعة في السنغال مسماة باسمه – ولكنه لم يستمع إلى حديثه ونقده لنظام فرنك المجموعة الإفريقية الفرنسية لقد أثر فيه هذا الطرح بشدة لدرجة أنه وصفها بأنها كانت لحظة كاللحظة في فلم “The matrix” الذي كان أحد أفلامه المفضلة عندما أختار (نيو) أن يأخذ الحبة الحمراء من (مورفيوس) ويخرج من كبسولته إلى العالم الحقيقي. أخيراً أصبح قادرًا على رؤية الأشياء تمامًا على حقيقتها.

” لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي بدأت أفكر فيها بنفسي” يقول فودي، “المرة الأولى التي لاحظت فيها أن عملة بلدي نفسها هي آلية للتسلط؟

 يعتقد فودا أن الأمر أكبر من مجرّد تحكم في العملة. فالفرنسيون لديهم كل البيانات، لأنهم هم الذين يطبعون ويتحكمون بالمال من خلال حساباتهم التشغيلية.

” لقد كانوا يعرفون تماماً ما الذي يحدث في كل البلدان. يعرفون تماماً من الفاسد. يعلمون تماماً من الذي كان يشتري العقارات في فرنسا. يعلمون ما المتوفر بالداخل بل لديهم الحق في قبول أو رفض أولويات الاستيراد التفضيلي. لقد كانت لديهم هيمنة كاملة” يقول فودي

سيتذكر في وقت لاحق خفض قيمة العملة في عام ١٩٩٤. وقتها كان عمره ١٨ عاماً فقط ولم يكن يستوعب تماماً ما حدث سوى أن وضع أسرته المادي أصبح أسوأ من قبل.

“كأنهم وضعوا كيسًا حول رأسك لكيلا ترى الحقيقة”

لكن بالعودة إلى الوراء نجد أن جزءًا كبيرًا من النقاش العام كان هذا الأمر. لقد فهم الناس ما يدور عندما حاولوا أن يحولوا عملتهم إلى الفرنك الفرنسي ووجدوا أنهم يحصلون فقط على نصف قيمة المبلغ رغم أنهم كانوا يؤدون نفس كمية العمل، التفسير من الجانب الفرنسي يقول فودي، هو جعل الصادر أرخص من قبل لكي يشجعوا الدول الإفريقية على الإنتاج. ولكن فودي يرى ذلك بشكل مختلف وكأن الجلاد الفرنسي يلهب ظهر الشعب ليشتري بضاعته بسعر أرخص.

ما زال أمام فودي “حبّتان حمراوان” الأولى منهما حدثت في عام ٢٠٠٧، عندما كان يعمل في لاس ڤيغاس في مجال التكنولوجيا. كان قد شاهد ڤيديو لستيڤ جوب الذي كان لتوّه قد أعلن عن آيفون للعالم. كان ذلك أمراً مذهلاً بالنسبة لفودي. ذلك الهاتف المحمول كان يشتغل بمجرد اللمس وجعل الكمبيوتر نفسه موجودًا في جيبك. لقد أدرك لحظتها أن ذلك سيغير العالم. أما ما فكر فيه لاحقًا هو: هل يمكن إدماج نظام الدفع في تطبيقات الآيفون ليمكن ذلك الأشخاص الذين ليس لديهم حسابات بنكية أو بطاقات ائتمانية من استخدامه كطريقة لتحويل الأموال؟

أما الحبة الحمراء الأخيرة فكانت عندما كان فودا يتعلم عن البيتكوين في عام ٢٠١٠. كان وقتها يعيش في لوس انجلوس عندما قرأ الورقة البيضاء التي كتبها ساتوشي ناكاموتو بعنون (بيتكوين نظام نقدي إلكتروني من نظير إلى نظير) حينها فكر فودي للمرة الأولى أن بيده سلاحًا ليدافع عن نفسه ضد القمع المالي والكولونيالية. مال يتحكم فيه الشعب وليس الحكومة. (هذا تماماً ما أحتاج إليه) فكر فودا بينه وبين نفسه.

قبل عدة سنوات قرأ فودي كتاباً بعنوان (خارج عن السيطرة) للكاتب كيڤن كيلي. في أحد أجزائه يتحدث الكتاب عن العملات الإلكترونية. لقد استوعب فودي أن جميع أشكال المال ستتحول إلى العالم الرقمي كجزء من تغير عالمي باتجاه الثورة الرقمية. لكنه لم يكن يدرك بعد كيف ستعيد هذه العملات تشكيل العالم إلا بعد أن عرف البيتكوين.

(ما هو المال؟ ومن أين يأتي؟ البيتكوين جعلني أطرح على نفسي هذه الأسئلة وأبحث لها عن إجابة. ولكن حتى ظهور البيتكوين لم أسائل مثل هذه الأسئلة قطّ)

“ربما يوما -فكر فودي – يوما ما لن يكون بإمكان فرنسا أن تتحكم في مال الشعب السنغالي أو تطبعه”

في السنين اللاحقة كان فودي وزميله في السكن في مدينة لاس فيغاس مستيقظين حتى وقت متأخر يفكران في هذه الفرضية وكيف أن البيتكوين سيجعل عمليات الدفع والتوفير بل العديد من الأنشطة الاقتصادية ممكنة. كان قد تعلم وقتها عن نظام الفيزا كارد وكيف أنه يظهر بياناتك الشخصية في كل مرة تستخدمه وكيف يمكن لطرف ثالث الاستفادة من هذه المعلومات.

يعتقد فودي أن الزواج بين البيتكوين والهواتف الذكية سيكون أمراً مذهلاً وسيكون أداة فعالة لتمكين الفرد. في كل مرة كان يعود فيها فودي إلى السنغال كان يحمل معه عدة هواتف ذكية محمولة ويعطيها لأصدقائه كهدايا لأنه كان يرى أهمية اتصالهم بالعالم الخارجي.

في السنوات التالية كان فودي قد عمل في عدة شركات تنشط في مجال رقمنة جوانب الحياة المختلفة. في العالم ٢٠١٧ ترك لاس فيغاس خلفه وتوجه نحو سان فرانسيسكو وانضم إلى معسكر لبرمجة الكمبيوتر كمهندس كمبيوتر. في البداية كان مهتماً بكل العملات الرقمية ككل لكنه فيما بعد تخلى عن شغفه بإيثيريوم مباشرة بعد عودته من سمنار في سان فرانسيسكو مع مؤسس شركة River أليكس ليشمان Alex Leishman. كان وقتها قد قابل العديد من مبرمجي شبكة البيتكوين والمستخدمين المبكرين لشبكة البرق.

‏ ‏في عام ٢٠١٩ فاز فودي بهاكاثون النقل عندما صنع إيصالاً على شبكة البرق قادراً على فتح سيارة تسلا. كان ذلك دافعاً كبيرا له وعزز ثقته بنفسه وإيمانه بأنه يستطيع تغيير العالم للأفضل. بعدها اتخذ قراره بالعودة إلى السنغال لنشر المعلومات وتعريف الناس بالبيتكوين. في طريق عودته تم منحه منحة ‏لحضور مؤتمر lightening في برلين، الذي أقامته المديرة التنفيذية لمؤسسة Lightning Labs إليزابيث ستارك. هنالك قابل فودي ريتشارد مايرز من GoTenna والمبرمج Will Clark الذي كان ينشط في مجال محاربة الرقابة التعسفية على الانترنت من خلال تقنية الشبكات المتداخلة (mesh networks). كان تفكير فودي أن شبكة الاتصالات في السنغال تتحكم بها شركة أورانج الفرنسية وفكر أنه ربما ما يكون للبيتكوين وشبكة lightening دور في كسر هذه الهيمنة في حال قررت هذه الشركة قطع الانترنت. 

تتحكم فرنسا بمنافذ اتصال السنغال بالإنترنت وتستطيع إغلاقها في حالة انتفاض الشعب ضد قائد البلاد الذي ستقف فرنسا إلى جانبه ما دام ملتزما بنظام المجتمع الفرنسي. ولكن ما زال هنالك ضوء في آخر النفق المظلم كما يقول فودي من خلال جهات أخرى بإمكانها توفير الإنترنت. بإمكانهم على سبيل المثال استخدام شبكات دول أخرى وحتى الاتصال عبر الأقمار الصناعية. قام فودي بصنع صندوق بإمكانه التقاط مختلف هذه الإشارات وكان بإمكانه إدخال الهواتف المحمولة بداخله مما يجعل مستخدميها متصلين بالإنترنت. ليشجع الآخرين للعمل بالمثل كان بإمكانه أن يدفع لهم من خلال البيتكوين. لتوجيه البيانات وصيانة الصندوق كان يدفع لهم من خلال شبكة lightening وهذا ما ينشط فيه فودي حتى يومنا هذا!

“إنه أمر في غاية الخطورة” يكمل فودي

“بإمكانهم إلقاؤك في السجن أو تغريمك لكن بوجود الحافز المالي يتقبل الناس مثل هذه المخاطر “

في المرة المقبلة عندما تقطع شركة أورانج الاتصال بالإنترنت لكي تحمي الحكومة سيكون لدى الناس وسيلة جديدة للتواصل وسيكون من المستحيل على النظام السياسي إيقافهم. 

“شبكة البرق هي كل شيء “يؤكد فودي

“نحتاج وسيلة دفع فورية، لا يمكننا استخدام الشبكة الأم بسبب الرسوم لأنها مكلفة! نحتاج أن نستخدم شبكة البرق، ليس هنالك خيار آخر، وهي فعالة”.

هذا أمر يتخذ أهمية خاصة في مجال الحوالات، وهي بحسب البنك الدولي مصدر أساسي من مصادر الناتج المحلي الإجمالي لدول منطقة مجتمع إفريقيا الفرنسي.  على سبيل المثال هنالك ١٤,٥٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي للكاميرونيين تأتي من الحوالات. في السنغال هذا الرقم حوالي ١٠،٧٪؜ وفي غينيا بيساو حوالي ٩،٨٪؜ وفي توغو ٨،٤٪؜ وفي مالي ٦٪؜ وبافتراض أن معدل التحويلات إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء حوالي ٢٠٠ دولار فالرقم سيكون حوالي ٨٪؜ أما إذا افترضنا أنه ٥٠٠ دولار فالنسبة ترتفع إلى ٩٪؜ وبافتراض أننا استخدمنا خدمة حوالات مبنية على شبكة البيتكوين (مثل خدمة strike) فذلك سيقلل من رسوم التحويل إلى أقل من ١٪؜ في أي نقطة بين ١٪؜ و٠،٥٪؜ يمكن إنقاذ معدل الانتاج المحلي لدول المجتمع الفرنسي من خلال تبني معيار البيتكوين. إذا نظرنا عن بعد نجد أن هنالك حوالي ٧٠٠ بليون دولار ترسل كتحويلات عالمياً. بين ٣٠-٤٠ بليون دولار يمكن انقاذها وهو نفس الرقم الذي تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية على ملف المعونات الخارجية.

فودي يتفهم تماماً لماذا ينظر الغرب إلى البيتكوين بتشكك. ” عندما يكون بإمكانك استخدام تطبيقات مثل Venmo وCash app ربما ليس بإمكانك أن ترى أهمية البيتكوين فأنت لديك كل وسائل الرفاهية التي يتيحها النظام المالي الحديث الذي تستعمله ولكن عندما تذهب إلى السنغال حيث أكثر من ٧٠٪؜ من السكان لم يدخلوا أي بنك في حياتهم وأمك لم تسمع من قبل بالبطاقة الائتمانية فكيف لهم أن يشاركوا في نظام مالي عالمي؟ “

يؤكد فودي أن الزواج بين الهواتف الذكية والبيتكوين سيحرر الناس ويغير المجتمع للأفضل. ثم يشير إلى  كتاب  “The Mobile Wave,”الذي قام بتأليفه مايكل سايلور المدير التنفيذي لشركة مايكروستراتيجي عن ثورة الهواتف المحمولة بأنه أمر مشابه و ملحوظ  جداً! عندما استخدم فودي جهاز الآيفون لأول مرة عرف مباشرةً أن هذا بانتظاره! وكأن الكون كله كان يمهد لهذه اللحظة. في خلال سنوات قليلة كان فودي شاهداً على وصول الآيفون، الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها تدشين ساتوشي لشبكة البيتكوين ثم حصوله هو نفسه على الجنسية الأمريكية.

وبما أن فودي أمضى نصف عمره في إفريقيا والنصف الثاني في الولايات المتحدة الأميركية يعتقد أن بإمكانه أن يرى الطريق نحو المستقبل.

“عندما أعود إلى الوطن أرى كيف أن الناس ما زالوا مقيدين، ولكننا سنقفز إلى البيتكوين دون المرور بالبنوك، كما قفزنا من قبل إلى الهواتف المحمولة دون المرور بالهواتف الأرضية”

وهنالك أيضاً تأثير آخر استطاع فودي مشاهدته هو أن الناس في السنغال عندما يكتشفون البيتكوين فإنهم سرعان ما يبدؤون الادخار فيه.

” اليوم في وطني أجد نفسي أفكر في طريقة لأساعد الناس على الادخار ” يقول ” ليس بإمكان أحد ادخار أي شيءٍ هنا ” هم فقط ينفقون كل ما يحصلون عليه من الفرنكات الإفريقية.

يقول فودي أنه ” ممتن للأبد ” للبيتكوين الذي منحه إياه ليشمان لأنه وجد نفسه يتبرع بها بكميات صغيرة للسنغاليين. أولئك الذين حضروا في الاجتماعات وشاركوا بأسئلة جيدة. كان بإمكانهم أن يروا كيف زادت قيمة البيتكوين مع مرور الزمن.

تابع فودي التطورات الأخيرة في السلفادور بغاية السعادة. عندما وقف ليتحدث بمؤتمر ميامي في بداية هذا الشهر وبينما كان يستمع إلى جاك مولر يعلن أن السلفادور قامت باعتماد البيتكوين كعملة قانونية اغرورقت عيناه بدموع الفرح. لم يكن يتصور أن يحدث كل هذا بهذه السرعة.

“ما بدأ كمخزن للقيمة يتطور الآن إلى وسيلة للتبادل” يقول فودي إن السلفادور لديها كثير من التشابهات مع دول المجتمع الفرنسي، فهي دولة فقيرة ومرتبطة بنقد أجنبي ومعتمدة على الواردات وتعاني من ضعف الصادرات. سياستها المالية يتم التحكم بها من خارج البلاد. ٧٠ ٪؜ من سكانها ليست لديهم حسابات بنكية و٢٢٪؜ من الناتج الإجمالي المحلي يأتي من الحوالات المالية.

” إذا كان خيارًا جيّدًا لهم، فقد ينفعنا نحن أيضًا”

لكن ما زال هنالك عوائق كبيرة. أولها هو أن اللغة السائدة هي الفرنسية وليس هنالك الكثير من المحتوى باللغة الفرنسية في GitHub أو في المواد التعليمية التي تشرح شبكة البرق أو شبكة البيتكوين الأساسية. لذلك يعمل فودي الآن على ترجمة المحتوى إلى اللغة الفرنسية بحيث يجد المبرمجين مواد جاهزة عندما يريدون المشاركة”.

هل ‏يمكن أن تتكرر تجربة شاطئ البيتكوين التي حدثت في السلفادور مرة أخرى في السنغال؟ “نعم،” يقول فودي، “ولذلك السبب قررت العودة إلى الوطن ولنفس السبب ننظم اجتماعات دورية لشرح شبكة البرق ونستقطب من خلالها التبرعات بينما في نفس الوقت نبني نموذجا لإذاعة (أوروبا الحرة) مبنياً على شبكة البيتكوين.”

“بإمكانهم أن يضعوني بالسجن ولكن من خلال اللقاءات سنستمر لقد فعلت هذا الأمر بطريقة تجعله لا يعتمد على وجودي”

يعتقد فودي أن تبني البيتكوين في السنغال سيكون أمرًا صعبًا بسبب التأثير الفرنسي

يواصل ” هم لن يغادروا بدون معركة”

وكما يقول دونقو سامبا سيلا ” تواجه فرنسا اليوم تدهورًا اقتصاديًّا نسبيًّا في منطقة لطالما اعتبرتها من ممتلكاتها الخاصة، حتى مع صعود قوى أخرى مثل الصين فرنسا ليس لديها خطة للتخلي عن هيمنتها الكاملة، ستقاتل حتى النهاية”

ولكن ربما تكون الثورة سلمية تدريجية طويلة المدى للتخلص من الاستعمار، لا ثورة عنيفة.

“لا نريد إلغاءً مباشرًا للنظام القائم بل بناء نظام موازٍ ينضم الناس إليه طواعية بصورة تدريجية ” يواصل فودي ” لا إكراه فيه”.

أما الذين يعتقدون أن علينا أن نطالب الحكومة بحماية ممتلكاتنا الشخصية؟

“هم لا يعلمون أن ديمقراطيات مثل فرنسا لديها مثل هذا الجانب المظلم ” يقول فودي ” هم لن يعطوننا حريتنا ولكن علينا أن نتبع خطوات (السايبربنك)* وننتزع حريتنا بأنفسنا باستخدام البرمجيات المفتوحة المصدر مثل البيتكوين.

عندما سُئل عن فرصة البيتكوين في استبدال البنوك المركزية يقول فودي أن الفكرة قد تبدو ” مجنونة قليلاً” بالنسبة للأمريكيين ولكن بالنسبة للسنغاليين والتوغوليين البنوك المركزية مجرد طفيليات على المجتمع وعلينا مكافحتها.

يعتبر فودي البيتكوين مغيّرًا شاملًا للحياة.

” لأول مرة يكون بالإمكان أن يوجد مال يمكن تعدينه بشكل لا مركزي تمامًا وهذا ما نمتلكه الآن. إنه الحل المتاح لمن هم في أشد الحاجة. لأول مره لدينا أداة قوية لندافع عن أنفسنا ضد هذا القمع ” يواصل، ” قد لا يكون الحل المثالي ولكن علينا أن نستخدمه الآن لندافع عن الناس ولا ننتظر أحدًا ليقوم بهذا نيابة عنا”

فصل المال عن الدولة

في عام ١٩٨٠ ‏كتب الاقتصاد الكاميروني جوزيف تشوندانغ Joseph Tchundjang ‏ما معناه أن العجز   المالي هو الأساس التي تقوم عليه جميع صور العجز. ‏الكلمات الأخيرة في هذا الكتاب ما زال صداها يتردد حتى اليوم: “مصير إفريقيا إمّا أن يصوغه المال وإمّا ألّا يصاغ أصلًا.

‏قضية المال والعملة بشكل عام مدفونة تحت السطح عندما يتعلق الأمر بحركة حقوق الإنسان حول العالم ‏وقلما يتم نقاشها في المؤتمرات وفي أوساط الناشطين.

‏ولكن اسأل أي مناضل ديمقراطي في نظام قمعي، ‏وسوف يخبرك بأشياء مدهشة ومأساوية في هذا الموضوع. ‏تدهور العملة في إريتريا وشمال كوريا، ‏التضخم في زيمبابوي وفنزويلا، تجسس الدولة في الصين وهونغ كونغ‏، تجنيد عمليات الدفع في بيلاروس ونيجيريا والحظر الاقتصادي على إيران وفلسطين. ‏والآن‏: ‏استعمار اقتصادي في توجو والسنغال. بدون الحرية المالية تفشل الحركات والمنظمات التطوعية ‏في أن تحافظ على وجودها. ‏إذا تم تجميد حساباتها، أو خفض قيمة مدخراتها، تصبح قوتها محدودة ويستمر الطغيان.  ‏القهر المالي ما يزال خفيا، ونادرا ما يتحدث عنه في الأوساط السياسية. والحقيقة أن اليوم ١٨٢ مليون إنسان في الدول الناطقة بالفرنسية ‏وبرغم أن بلدانهم نالت استقلالها اسمياً لكن ما زالت اقتصاداتها وأموالها تحت حكم استعماري وما زالت القوى الأجنبية تسيء معاملتهم وتطيل أمد هذه العلاقة الاستعمارية لاستخلاص أكبر قدر ممكن من القيمة التي تنتجها هذه المجتمعات ومن خصائصها الجغرافية.

في السنوات الأخيرة ‏زاد عدد السكان في المنطقة الفرنكوفونية ازديادًا كبيرًا. وتعالت هتافات (اخرجي فرنسا) لتصبح شعارًا ثورياً. ‏ولكن أكبر نقاد النظام، ومنهم بيغود وسيلا، لا يقدمون حلولاً تذكر. ‏هم يرفضون الحالة الراهنة والقيود التي يفرضها صندوق ‏النقد الدولي، ليقترحوا حلولًا إقليمية يديرها قادة محليون، أو نظامًا تصنع فيه كل دولة من المجتمع الفرنسي عملتها.

ولكن مجرد نجاح دول مثل توغو والسنغال في انتزاع استقلالها المالي من فرنسا، لا يعني بالضرورة أن هذه الدول سوف تنجح في مساعيها، أو أن قادتها لن يستغلوا سلطاتهم للتلاعب بالعملة.

ما زالت هذه البلدان تواجه خطر سوء الإدارة المحلية، أو الاحتلال المالي الجديد من جهة قوى أجنبية مثل روسيا أو الصين. يبدو جليا أن الشعوب في حاجة إلى نوع من المال يستطيع كسر هذ العجلة، مالٌ يستطيعون التحكم به ولا تستطيع الحكومات التلاعب به مهما كان نوعها. ‏وتماما كما حدث تاريخيا الفصل بين الكنيسة والدولة الذي قاده بدوره إلى مستقبل أكثر ازدهارا وحرية للمجتمعات الإنسانية، الفصل بين المال والسلطة‏ قادم في الطريق.

‏ترى هل يستطيع سكان هذه الدول الناطقة بالفرنسية عبر فترة من الزمن ‏ومع زيادة أعداد المستخدمين للإنترنت فيها استخدام البيتكوين إلى درجة تجعل الحكومة مضطرة للتعامل معها كما حدث في دول في أمريكا اللاتينية مثل الإكوادور؟

‏ما زال التاريخ بانتظار أن يكتب، لكن أمرً واحدًا لا شك فيه: سيقاوم النقد الدولي هذا الاتجاه ‏تماما كما فعل مع السلفادور مؤخرا!

قبل أسابيع قليلة كتب الممثل Hill Harper عن نشاطه في مجال البيتكوين في المجتمع الإفريقي الأمريكي قائلا وببساطة ” لا يمكنهم أن يستعمروا البيتكوين”. توافقه فريدة نامبورينا قائلة “هذه المرة الأولى التي يكون فيها مال لامركزي حقًّا ومتاح لكل إنسان في الوجود مهما كان لونه واعتقاده وجنسيته وثروته وتاريخه الاستعماري”. 

تقول فريدة إنها عملة لجميع الناس، وتضيف: “ربما ينبغي أن نسمي البيتكوين عملة إلغاء الاستعمار”.

Tagged : / / / / / /

مسار التضخم النقدي – لودفيج فون ميزس

مقتطف من كتاب الفعل البشري، الجزء الرابعLudwig von Mises

هكذا تسير عملية التضخم النقدي: في البداية، يؤدي تدفق النقد الإضافي إلى ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات؛ يتبعها ارتفاع بقية الأسعار لاحقاً. يؤثر ارتفاع الأسعار على السلع والخدمات المختلفة بدرجات متفاوتة وفي تواريخ مختلفة. قد تستمر هذه المرحلة الأولى من عملية التضخم لسنوات عديدة

وطالما بقيت مستمرة، فإن أسعار العديد من السلع والخدمات لم تتكيف بعد مع العلاقة النقدية المتغيرة. لا يزال هناك من لم يدرك بعد أنهم في مواجهة ثورة أسعار ستؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع هائل في جميع الأسعار، حتى ولو تفاوتت درجة الارتفاع بين السلع والخدمات المختلفة. لا يزال هؤلاء يؤمنون بأن الأسعار ستنخفض يوماً. وفي انتظار هذا اليوم، يحدّون من مشترياتهم ويزيدون من مدخراتهم النقدية. طالما بقي الرأي العام مقتنعاً بهذا الفكر، فلا يزال أمام الحكومة فرصة للتخلي عن سياستها النقدية التضخمية

ولكن تستيقظ جموع الناس في النهاية. يدركون فجأة بأن التضخم سياسة متعمدة وستبقى مستمرة بلا نهاية. يظهر التصدع ويحدث الانهيار. يتلهَّف الجميع لمبادلة أموالهم محاولين الحصول على ممتلكات “حقيقية” بغض النظر عن حاجتهم لتلك الممتلكات وبصرف النظر عن المبلغ المدفوع لقاء الحصول عليها. سرعان ما يتوقف استخدام المال كوسيط للتبادل، ففي خلال أسابيع أو حتى أيام معدودة يغدو المال مجرد قصاصات ورقية، لا يرغب أحد في التخلي عن اي شيء مقابل تلك الأوراق المطبوعة!

Tagged : / / / /

هجوم المضاربة

المقال الأصلي لكاتبه Pierre Rochard | ترجمة: Arabic_hodlSB3 | تاريخ الكتابة: يوليو 2014

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

يتوجّس رافضو البيتكوين1 من أن البيتكوين لن يدخل الثقافة العامة. ويرددون ببهجة أن البيتكوين لن يعبر هوّة الابتكار.

  • إنه معقد جدًّا
  • ليس فيه بنية الحكم الصحيحة 2
  • تأمين حمايته صعب جدًّا
  • إن أنظمة الدفع الموجودة والمستقبلية بالمال الحكومي أفضل من البيتكوين
  • إنه متقلب جدًّا
  • ستحظره الحكومة
  • لن يُستطاع تعميمه

فيكون الرد على هذه الدعاوى من مجتمع البيتكوين على أحد وجهين، أولهما مناقشتها مناقشة لا انتهاء لها3، وثانيها تغلب الضعف والإنهزامية وابتذال4 أقوالًا من قبيل:

  • عملة البيتكوين غير مهمة، المهم تقنية سلسلة الكتل (البلوكتشين)
  • ينبغي أن تستعمل الحكومات والمصارف تقنية البلوكتشين
  • سيبقى البيتكوين نظامًا ضيقاً لأصحاب الفضول، فما هو إلا تجربة
  • سيتعايش البيتكوين والمال الحكومي جنباً إلى جنب في سعادة أبدية
  • البيتكوين في العملات الرقمية، مثل “ماي سبيس” في التواصل الاجتماعي

تستحق كل واحدة من هذه الأغاليط مقالة مخصوصة، على الأقل لتحليل الأنماط النفسية والاجتماعية لأصحابها الببغاوات.

نعم، بعض الانتقادات المذكورة أعلاه صحيحة، إلا أنها خادعة. لن يكون تبني عامة الناس للبيتكوين بدافع الحماس، بل سيُضطَرّون إليه اضطرارًا. اضطرارًا بمعنى «إجبارًا بالواقع الاقتصادي». سيُجبر الناس على الدفع بالبيتكوين، لا من أجل «التقنية» بل لأن أحدًا لن يقبل الدفع بالعملات الحكومية عديمة القيمة. فالمال الجيّد يطرد المال السيّئ، خلافًا للاعتقاد الشائع. بدأ هذا «الطرد» بنزفٍ خفيف في المال الحكومي. لكنه سيتسارع حثيثًا ليصبح نزفًا من الدرجة الرابعة بسبب هجمات المضاربة على الأموال الحكومية الضعيفة. سينتهي الأمر بالدفع إلى البَتْكَنة الفائقة، أو بعبارة اخرى: «نقــودك غير مقبـولة هنا».

قانون ثيير: المال الجيّد يطرد المال السيّئ

“عرف التاريخ عملات قوية جيدة طردت عملات ضعيفة سيئة. على مدى القرون الطويلة، سادت العملات القوية وأخرجت العملات الضعيفة من مجال التنافس العالمي. لم يسد استخدام عملات مثل الدريك الفارسي والتترادراخما الإغريقي والستاتير المقدوني والديناريوس الروماني في العالم القديم من ضعفٍ أو من سوء. ولم تصبح عملات المدائن الإيطالية الفلورين والداكوت والترتر «دولارات العالم القديم» لأنها عملات سيئة، بل كانت من أفضل العملات في التاريخ كله. لم يصبح الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر أو الدولار الأمريكي في القرن العشرين عملات سائدة بسبب الضعف. من صفات العملات العظيمة التي ربحت المنافسة العالمية المالية: الاتساق والاستقرار وعلوّ القيمة”

روبرت ماندل،«استعمالات قانون غريشام وانتهاكاته في تاريخ المال»

البيتكوين هو المال الجيد، بل هو المال الأفضل5. شبكة البيتكوين هي صاحبة السياسة المالية الأفضل6 والهوية الأفضل7. لذا يجب أن نتوقع أن البيتكوين سيطرد العملات الضعيفة السيئة8. فكيف سيصبح البيتكوين العملة السائدة؟ وأي العملات الحكومية ستسبق إلى الاضمحلال؟ هذه أسئلة معاصرة مهمة، لأن المقدمات الضرورية لهذه الأسئلة حقائق مثبتة.9

1. نزف المال الحكومي

نزعة البيتكوين الحالية أن تتزايد قيمته تزايدًا أسّيًّا مع دخول الناس فيها أفواجًا. المال الجيّد يطرد المال السيئ «ببطء». يدفع هذه النزعة دافعان:

  • نقص التفاوت في مصادر العلم – فالناس يتعلمون عن البيتكوين ويدركون أن البيتكوين حتمًا هو المال الأفضل، ومن دوافعه المحتملة:
    • اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط – تَوْثين المُحدَثات المدفوع بثقافتنا الاستهلاكية بعد الحرب أو بالعمليات البيولوجية الداخلية.
    • خوف فوات الفرصة، انظر نظرية الندم والمجموعات الداخلية أو بعبارة أخرى: الجشع وطلب المكانة.
    • اضطراب توتر ما بعد الإنترنت، أو بعبارة أخرى: «المجال الجديد»، و«الاختراع الكبير التالي»، و«إنترنت المال».
  • زيادة السيولة – شراء البيتكوين أسهل اليوم ورسومه أقل مما كانت قبل عام. يستطيع المرء أن يتوقع توقعًا معقولًا أن الأمر سيكون كذلك بعد عام بالقياس إلى اليوم. لماذا؟ لأن بيع البيتكوين عمل ربحي تنافسي. لماذا؟ لأن الناس يريدون البيتكوين، انظر أعلاه.

بسبب سايكولوجية الجماعة، يصل الناس إلى البيتكوين في موجات. هذه الدفعات تسبب اضطرابًا على سعر المقايضة: فالمضاربون لا يعرفون سعة موجة التبني ولا طولها، والهواة المقامرون يغرقون أنفسهم بالإثارة ثم بالخوف. ولكن، ما إن ينتهي المدّ وتخرَج الأيدي الضعيفة، يكون السعر قد ازداد عما كان قبل الموجة الأخيرة. هذا النزف «البطيء» هو نموذج التبني الحالي، ويفترض المعلّقون عمومًا واحدًا من التالي:

  • لم يحدث النزف البطيء أصلًا، وما هو إلا خيال قائم على معلومات مغلوطة.
  • لقد توقف النزف البطيء، والدوافع المذكورة أعلاه لا تؤثر إلا في «مبتذلة اللبرتاريين» والمراهقين الغاضبين.
  • ستنخفض شدة العملية في المستقبل، لأن كل البارعون في الأمور التقنية انضمّوا إلى البيتكوين

أمّا توقعي أنا فهو أن النزف البطيء في تسارع وأنه الخطوة الأولى فحسب. أما الخطوة الثانية فهي هجمات المضاربة التي تتخذ البيتكوين منصة لها. أما المرحلة الثالثة الأخيرة، فهي البتكنة الفائقة.

2. أزمة العملة

“لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البيتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع”

ساتوشي ناكاموتو 1/17/2009

يؤدي النزف البطيء إلى أزمة العملة مع ترسّخ القيمة المتوقعة للبيتكوين في عقول الناس. في أول الأمر يكونون محافظين، فيستثمرون «ما يطيقون خسارته». بعد 12-18 شهرًا، تزيد قيمة رصيدهم الصغير زيادة كبيرة. ولا يرون سببًا يقنعهم بأن النزعة العامة ستنعكس: الأساسات تتحسن والتبني يبقى قليلًا. تزيد ثقتهم. ويشترون مزيدًا من البيتكوين. ويسوّغون هذا: «لا بأس، ما هي إلا [1-5%] من استثماراتي». ثم يرون انهيارًا في السعر عدة مرات، بسبب انفجار الفقاعات أو بسبب البيع من خوف – فيحثّهم هذا على شراء المزيد، «خصم كبير». ويتنامى البيتكوين على جهة الأصول في ورقة ميزانيتهم.

أما في جهة المطلوبات فتكتَب الرهون العقارية وقروض الطلاب والسيارات وبطاقات الائتمان، وغير ذلك. يحذّر الناس من الاستدانة لشراء البيتكوين. لكن الحقيقة أن هذا المال يمكن استعادته: إذا اشتريت عملات بيتكوين بدلًا من الدفع لتقليل رهنك العقاري، فأنت مستثمر بيتكوين مستخدم للرافعة. تقريبًا كل الناس مستثمرو بيتكوين مستخدمون للرافعة، لأن الأمر منطقي من الجهة الاقتصادية. إن ثمن الاستدانة (الفوائد السنوية بين 0% و25%) أقلّ من العائد المتوقع من امتلاك البيتكوين.

أما مقدار الرفع في ورقة الموازنة فيعتمد على النسبة بين الأصول والمطلوبات. ويزيد إغراء الرفع إذا كان صاحب المال يعتقد أن المطلوبات بالمال الحكومي ستنقص قيمتها الحقيقية، إذا كان التضخم أكبر من نسبة الربح التي يدفعونها. عندئذ لا يحتاج الأمر إلى تفكير، يستدين الناس بالعملات الضعيفة المحلية ويقبلون أي ضمان للتغطية، ثم يستثمرون في العملة العالمية القوية، ويدفعون قروضهم من عوائد هذا الاستثمار. في هذه العملية، تنتج المصارف المزيد من العملة الضعيفة، فتضخم المشكلة.

إن أثر شراء الناس والشركات والمؤسسات المالية للبيتكوين باقتراض العملة المحلية هو ازدياد سعر البيتكوين بهذه العملة نسبة إلى بقية العملات. للتبيين، فلنقل إن الطبقة الوسطى في الهند اتجهت إلى البيتكوين. وتحول آلاف المشترين إلى مئات آلاف. ولنقل إنهم اقترضوا روبيات هندية بأي ضمانة يملكونها – من بيوت أو شركات أو حليّ ذهبية أو غيرها. ثم اشتروا بالروبيات بيتكوينات. سيزيد سعر البيتكوين مقابل الروبية الهندية، ويتشكل فرق بينه وبين سعر البيتكوين مقابل العملات الأخرى. قد يكون سعر البيتكوين الواحد في الهند 600$ وفي الولايات المتحدة 500$. عندها يشتري تجّار الولايات المتحدة عملات بيتكوين ويبيعونها للهند ليربحوا 100$. سيبيع الهنود روبياتهم ويشترون بها دولارات. سيضعف هذا الروبية الهندية، ويشكل تضخمًا في الواردات وخسارة للمستثمرين الأجانب. عندها إما أن يرفع المصرف الهندي المركزي نسبة الفوائد ليكسر الدورة، أو أن يفرض ضوابط رأس المال أو أن يستهلك احتياطي النقد الأجنبي في محاولة لرفع سعر الروبية. من هذه الحلول، لا يمكن الحفاظ إلا على رفع نسبة الفوائد، ولكن هذا من شأنه التسبب في ركود اقتصادي.

هذا ويمثل رفع البنك المركزي الهندي لنسبة الفوائد مشكلةٌ ضخمة، لأن العوائد التاريخية للبيتكوين بلغت نحو 500% في السنة. فحتى إذا توقع المستثمرون عُشر هذه العوائد، لا بد أن يرفع المصرف نسبة الفوائد إلى مستويات غير معقولة ليصدّ الهجوم. والنتيجة واضحة: سيهرب كل الناس من الروبية ويتبنون البيتكوين، بسبب الضغط الاقتصادي لا بسبب الفهم التقني. وما هذا المثال إلا مثالًا توضيحيًّا، فقد يحدث الأمر في بلد صغير أولًا، أو قد يحدث في الوقت نفسه في كل أرجاء العالم. لا سبيل لنا إلى معرفة من سيستخدم أصوله وكيف سيفعل ذلك، لكن إذا تصدّع السدّ، فلا سبيل لإيقاف الماء.

أي البلدان أضعف أمام أزمات العملة؟ قدّم أحد المطلعين على الأعمال قائمة مفيدة هنا. قبل أن يمكن استعمال البيتكوين كأداة لهجمات المضاربة، لا بد أن يبلغ درجة معينة من السيولة، عبر منصات تبادل العملات راسخة في كل مركز مالي ومعروض مالي حقيقي لا يقل عن 50 مليار دولار (أي قيمة سوقية). إما أن يزامِن هذا أزمة العملة وإما ان يسببها.

3. البتكنة الفائقة

إن هجوم المضاربة الذي يبدو معزولًا ومقتصرًا على عدة عملات ضعيفة، سيسبب زيادة القوة الشرائية للبيتكوين زيادةً كبيرة، وسينتشر من ثمّ كالنار في الهشيم. فعلى سبيل المثال، قد يرى السويسريون أن سعر البيتكوين تضاعف عشرة أضعاف، ثم مئة ضعف. عند هذا الحد سيشترون عملات بيتكوين لأنهم يريدون أن يضاربوا على قيمتها، لا بسبب مشكلة حقيقية في الفرنك السويسري. تستلزم الانعكاسية هنا أن قلّة الطلب على الفرنك السويسري ستزيد التضخم فوق القيمة المتوقعة ومن ثم ستشكل مشكلة جوهرية في الفرنك السويسري. ستتكون حلقة بين تضخم العملات الحكومية وانكماش البيتكوين، وهو ما سيرمي بالعالم إلى البتكنة الفائقة، التي شرحها دانييل هنا.

خلاصة

سيسود استخدام البيتكوين. لا يفهم نقّاد البيتكوين10 هذا الأمر بسبب انحيازاتهم وقلة معرفتهم المالية. أوّلًا، هم يسكنون في غرفة صدى قوتها من قوة المتشككين بالبيتكوين. إنهم يبحثون بحثًا حثيثًا عن أدلة تؤكد رأيهم بالبيتكوين. ثانيًا، يسيئون فهم كيفية استحواذ العملات القوية كالبيتكوين على العملات الضعيفة كالدولار، وهو ما يحدث بهجمات المضاربة وأزمات العملة التي يسببها المستثمرون، لا بالتقدير الدقيق لصحفيي التقانة و«مستهلكي السائد». وعلى شرف هؤلاء النقّاد المشرفين على الانقراض، أطلقت مؤسسة ناكاموتو تحية للدعاوى العريضة.


1- لا، بجدية، هناك أشخاص على الإنترنت يقضون وقتا غير بسيط في الكتابة عن عملة يعتقدون أنها ستفشل ومع ذلك تستمر في النجاح بما يتجاوز توقعات أي شخص.

2- ويصرح بذلك بشكل عام الأشخاص ممن يتخيلون وجود “جماعة داخلية” ويحلمون بالإنضمام إليها من خلال السياسة بدلاً من العمليات القائمة على الجدارة

3- دخل البيتكوين مرحلة يعتقد فيها كل شخص جديد أن لديه فهم فريد للبيتكوين ويجب على الجميع أن يستمع اليه. هناك سيل لا نهاية له من المبتدئين “المعنيين” حول مشكلة كذا وكذا في البيتكوين. مجتمع البيتكوين يسيء إلى هؤلاء الجدد بأخذهم على محمل الجد بدلا من مجرد إخبارهم “اقرأ أكثر”

5- Bitcoin is the Best Unit of Account by Daniel Krawisz

6- The Bitcoin Central Bank’s Perfect Monetary Policy by Pierre Rochard

7- Bitcoin Has No Image Problem by Daniel Krawisz

8- Hyperbitcoinization by Daniel Krawisz

9- وإذا كنت لا توافق، فإما أنك لم تتعلم بعد أو أنك لم تشترك في المناقشة، عد إلى نقطة البداية

Tagged : / /

لماذا ليس البيتكوين هرم بونزي: نقطة بنقطة

المقال الأصلي على Swan Bitcoin، كاتبة المقال: Lyn Alden | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

من أهم التهَم التي رأيتها موجَّهة إلى البيتكوين، ادّعاء أنه هرم بونزي احتيالي. يدّعي أصحاب هذه التهمة أن شبكة البيتكوين معتمدة دائمًا على دخول ناس جديدين إليها، وأن نهايتها أن ينهار سعرها مع نفاد المشترين الجدد.

لذا، تلقي هذه المقالة نظرة جادة على هذا الادعاء وتقارن البيتكوين بأنظمة أخرى لها خصائص شبيهة بالبونزي، لنرى إذا كانت الدعوى صحيحة.

أما إذا أردتها من قصيرها: فالبيتكوين لا يوافق تعريف سلسلة البونزي لا في النطاق الضيق ولا العريض، ولكن فلنتعمق لنرى حقيقة الأمر

تعريف هرم بونزي

لا بد لنا أولًا من تعريف لنعالج موضوع البيتكوين وهرم البونزي.

دونكم تعريف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية:

«هرم بونزي هو احتيال استثماري تُدفَع فيه أموال المستثمرين الجدد إلى المستثمرين السابقين. يَعِد منظمو أهرام بونزي عادةً أن يستثمروا مالك ويأتوك بأرباح كبيرة بخطر قليل أو معدوم. ولكن في كثير من أهرام بونزي، لا يستثمر المحتالون المال. بل يستعملونه ليدفعوا للمستثمرين السابقين ويحتفظون ببعضه لهم.

تتطلب أهرام بونزي تدفقًا مستمرًّا من المال الجديد لتبقى، إذ يكاد لا يكون فيها أي ربح شرعي. عندما يصعب توظيف مستثمرين جدد، أو عندما تنسحب أعداد كبيرة من المستثمرين، تنهار هذه الأنظمة عادة.»

سميت أهرام بونزي على اسم تشارلز بونزي، الذي خدع المستثمرين في عشرينيات القرن العشرين بمخطط مضاربة للطوابع البريدية.

ثم تستمر الهيئة لتصف علامات تدل على أهرام بونزي:

«تشترك كثير من أهرام بونزي بخصائص مشتركة. ابحث عن هذه العلامات المحذّرة:

أرباح عالية وخطر قليل أو معدوم. في كل استثمار درجة معينة من الخطر، والاستثمارات التي تعيد أرباحًا أكثر يكون خطرها عادة أكبر. احذر حذرًا كبيرًا من أي فرصة استثمارية «مضمونة».

عوائد متسقة للغاية. من شأن الاستثمارات أن تصعد وتهبط مع الوقت. خذ حذرك من أي استثمار يأتي بعوائد إيجابية منتظمة بغض النظر عن أحوال السوق.

استثمارات غير مسجلة. تشمل أهرام بونزي عادة استثمارات غير مسجلة في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أو في دوائر الحكومة. التسجيل مهم لأنه يؤمن للمستثمرين الوصول إلى معلومات عن إدارة الشركة ومنتجاتها وخدماتها وتمويلها.

باعة غير مرخّصين. تفرض قوانين الحكومة الفدرالية والمحلية تسجيل العاملين في الاستثمار أو الترخيص لهم. تحتوي معظم أهرام بونزي أفرادًا غير مرخص لهم وشركات غير مسجلة.

مخططات سرية معقدة. تجنب الاستثمارات إذا كنت لا تفهمها أو لا تستطيع الوصول إلى معلومات كاملة عنها.

مشاكل في الأوراق. قد تدل الأخطاء في بيانات الحساب على أن الأموال لا تستثمَر كما ادُّعي.

صعوبة في تسلّم الأموال. احذر إذا كنت لا تستطيع تسلّم دفعة المال أو واجهت صعوبة في الانسحاب. يحاول أصحاب أهرام بونزي عادة أن يمنعوا المشتركين من الانسحاب بعرض عوائد أعلى مقابل البقاء».

أعتقد أن هذه مجموعة عظيمة من المعلومات لنبدأ التحليل. يمكننا الآن أن نرى كم صفة من الصفات المذكورة يتصف بها البيتكوين.

عملية إطلاق البيتكوين

قبل أن نبدأ مقارنة البيتكوين نقطة بنقطة بالقائمة السابقة، يمكننا أن نبدأ بخلاصة عن عملية إطلاق البيتكوين.

في أغسطس 2008، أسس شخص يسمي نفسه ساتوشي ناكاموتو نطاق Bitcoin.org.

بعد شهرين في أكتوبر 2008، أصدر ساتوشي الورقة البيضاء للبيتكوين. شرحت هذه الوثيقة كيفية عمل التقنية، وحلّ مشكلة الإنفاق المزدوج. وإذا نظرت في الرابط المذكور، رأيتَ أن الورقة مكتوبة على طريقة البحث الأكاديمي، لأنها تمثل فتحًا تقنيًّا قدّم حلًّا لتحديات معروفة في علوم الحاسوب متعلقة بالندرة الرقمية. لم يكن في الورقة أي وعد بالإغناء أو الأرباح.

ثم بعد ثلاثة أشهر في يناير 2009، نشر ساتوشي برنامج البيتكوين المبدئي. في كتلة التكوين الأولى من سلسلة الكتل (بلوكتشين)، التي لم تحو أي عملة يمكن صرفها، قدّم ساتوشي عنوان وتاريخ مقالة في ذا تايمز أوف لندن، وكانت هذه المقالة عن عمليات إنقاذ البنوك، ربما ليثبت عدم وجود تعدين سابق، وليؤسس طابع المشروع. من هنا، استغرق الأمر 6 أيام لإنهاء بعض الأمور وتعدين الكتلة الأولى، التي احتوت أول 50 عملة بيتكوين يمكن صرفها، وأصدر ساتوشي الكود المصدري في التاسع من يناير. في العاشر من يناير، غرّد هال فيني وقال إنه يشغل برنامج البيتكوين أيضًا، وكان ساتوشي منذ البداية يفحص النظام بإرسال بعض البتكوينات إلى هال.

ومما يلفت النظر هنا، أن ساتوشي أظهر كيفية عمل النظام في الورقة البيضاء قبل شهرين من إصدار برنامج البيتكوين مفتوح المصدر، لذا عمليًّا كان يمكن أن يسبقه أحد ويستعمل المعرفة الجديدة ليؤسس نسخة من النظام قبله. نعم لم يكن الأمر مرجّحًا، بفضل انطلاقة ساتوشي الذكية في اكتشاف هذا النظام وفهمه فهمًا عميقًا، لكن تقنيًّا كان الأمر ممكنًا. لقد تبرّع ساتوشي بالفتح التقني قبل أن يطلق أول نسخة من المشروع. بين نشر الورقة البيضاء وإصدار البرنامج، أجاب ساتوشي كل الأسئلة وشرح اختياراته في الورقة البيضاء لعلماء تشفير كثيرين في قائمة بريدية ردًّا على منتقديه، كما لو كان يدافع عن أطروحة أكاديمية، وكان كثير من هؤلاء العلماء قادرين تقنيًّا على سرقة المشروع، لو أنهم كانوا أقل تشكيكًا.

بعد إصدار البرنامج، بقيت مجموعة من المعدّات يعتقد كثيرون أنها لساتوشي، معدّنًا كبيرًا في السنة الأولى. التعدين ضروري لتحقيق التحويلات في الشبكة، ولم يكن للبيتكوين أي سعر بالدولار في ذلك الوقت. قلل ساتوشي تعدينه تدريجيًّا مع الوقت، وأصبح التعدين متوزّعًا أكثر في الشبكة. في الشبكة نحو مليون عملة بيتكوين يعتقَد أنها لساتوشي وأنه عدّنها في الفترة الأولى للشبكة، لم تنقَل هذه الأموال من عنوانها الأصلي قط. كان بإمكان ساتوشي أن ينسحب في أي وقت مع مليارات الدولارات من الأرباح، لكنه لم يفعل هذا حتى الآن، بعد عقد كامل من حياة المشروع. لا يعرَف إذا كان ساتوشي لم يزل حيًّا، لكن لم ينقَل من عملاته إلا مجموعة قليلة لاختبار التحويل في الشبكة.

لم يلبث ساتوشي أن نقل ملكية نطاق الموقع لآخرين، ومنذ ذلك الوقت، أصبح البيتكوين نظامًا يحافظ على نفسه بين مجتمع متجدد من المتطورين الذين لا يصلهم أي خبر من ساتوشي.

البيتكوين مفتوح المصدر، ومتوزعة في أنحاء العالم. سلسلة الكتل عامة وشفافة ويمكن التحقق منها ومراقبتها وتحليلها. يمكن للشركات أن تحلل السلسلة كلها وترى أي عملات نقلت أو بقيت في العناوين المختلفة. يمكن إعمال عقدة بيتكوين كاملة مفتوحة المصدر على أي حاسوب منزلي، ويمكن لها أن تراقب معروض البيتكوين الكامل ومعايير أخرى.

بعد أن عرفنا هذا، فلنقارن البيتكوين بالعلامات المحذّرة لأهرام بونزي.

عوائد الاستثمار: غير موعودة

لم يعد ساتوشي أحدًا بأي عوائد استثمار، لا عوائد استثمار عالية ولا متسقة ولا شيء من هذا. في الواقع، عُرف البيتكوين في العقد الأول من وجوده بوصفه مضاربة عالية التقلّب. في أول سنة ونصف، لم يكن للبيتكوين أي سعر يُرجَع إليه، وبعد ذلك كان سعره متقلب جدا.

لم تزل كتابات ساتوشي موجودة، وهو لم يكد يتكلم أصلًا عن أي ربح مالي. كانت معظم كتاباته عن الجوانب التقنية، عن الحرية، عن مشكلات النظام المصرفي الحديث، وهكذا. كانت كتابات ساتوشي كتابات مبرمج، وأحيانًا كتابات اقتصادي، لم تكن أبدًا كتابات بائع.

وعلينا أن نبحث كثيرًا لنجد أمثلة على مناقشة ساتوشي لإمكانية اكتساب البيتكوين للقيمة. عندما تحدث ساتوشي عن القيمة المحتملة للبيتكوين، تكلّم بطريقة شرح فيها الحقائق فقط، فيما يخص تصنيفها، وهل ستكون تضخمية أم انكماشية، وأقر بوجود اختلاف كبير فيما يمكن أن يؤول إليه المشروع. بعد بحث في اقتباسات ساتوشي عن كلام عن قيمة البيتكوين، هذا ما وجدته:

«إن إنتاج عملات جديدة يعني أن معروض المال يزداد بخطة معلومة، لكن هذا لا يقتضي حتمًا التضخم. إذا كان معروض المال يزداد بنسبة زيادة مستخدمي النظام نفسها، ستبقى الأسعار مستقرة. إذا كان ازدياد معروض المال أقل من الطلب، سيكون انكماش، ويرى السابقون الممسكون لأموالهم ازدياد قيمتها».

«لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع»

«بهذا المعنى، فهي أقرب إلى المعادن النفيسة. لأن معروضها لا يتغير للحفاظ على قيمتها، بل يبقى معروضها ثابتًا وتتغير القيمة. مع تزايد عدد المستخدمين، تزداد قيمة العملة الواحدة. وربما حققت الشبكة حلقة تلقيم إيجابي، فمع ازدياد المستخدمين، تزداد القيمة، وهو ما يجذب مستخدمين جددًا ليستفيدوا من ازدياد القيمة».

«ربما تكتسب العملة قيمة أولية على نحو دائري كما اقترحتَ، إذا استشرف الناس منفعتها الممكنة للمقايضة. (سأحتاج بعضًا منها حتمًا) وقد يقدح شرارتها الجمّاعون أو أي سبب عشوائي. أعتقد أن المؤهلات التقليدية للمال كُتبت على افتراض أن في الوجود أشياء كثيرة نادرة متنافسة، ينتصر في هذه المنافسة حتمًا الشيء الذي له قيمة جوهرية على الأشياء التي لا قيمة جوهرية لها. ولكن إذا لم يكن في الكون أي شيء له قيمة جوهرية يمكن استعماله مالًا، ولم يكن فيه إلا أشياء نادرة ولكن لا قيمة جوهرية لأحدها، أظن عندها أن الناس سيتخذون شيئًا من هذه النادرات مالًا. (أستعمل كلمة الندرة هنا للدلالة على محدودية المعروض المحتمل)»

«يعكس سعر السوق المنطقي لشيء يتوقَّع ارتفاع قيمته، القيمة الحالية للزيادات المتوقعة في المستقبل. في عقلك، قدّر ووازن احتمال استمرار تزايد السعر».

«أنا متأكد أنه بعد 20 سنة إما أن يكون في الشبكة حجم تحويلات هائل وإما أن يكون حجم التحويلات صفرًا».

«ليس في البيتكوين حصص أرباح ولا حصص محتملة في المستقبل، ومن ثم فهي ليست كالأسهم. بل هي أقرب إلى شيء يمكن تجميعه، أو بضاعة.»

اقتباسات من ساتوشي ناكاموتو

إن الوعد بأرباح استثمار عالية ومنتظمة من علامات هرم بونزي، ولكننا رأينا أنه في مشروع ساتوشي الأصلي، لا وجود لهذه الوعود.

مع الوقت، كان من شأن المستثمرين في البيتكوين توقع أسعار عالية جدًّا (وإلى اليوم كانت هذه التوقعات صحيحة)، ولكن المشروع نفسه من بدايته ليس فيه هذه الخصائص.

مفتوح المصدر: نقيض السرّيّة

تعتمد معظم أهرام بونزي على السرّيّة. إذا فهم المستثمرون أنهم يستثمرون هرم بونزي، لا شك أنهم سيسارعون إلى سحب أموالهم مباشرة. تمنع هذه السرية السوق من تسعير الاستثمار تسعيرًا صحيحًا، حتى يتبيّن السرّ.

فعلى سبيل المثال، اعتقد المستثمرون في نموذج بيرني مادوف أنهم يمتلكون أصولًا متنوعة. لكن في الحقيقة، كانت أرباح المستثمرين الأوائل آتية من تدفق المستثمرين الجدد، لا من الاستثمار الحقيقي. كانت الاستثمارات المكتوبة في بياناتهم زائفة، وكان شبه مستحيل على المستثمرين أن يتثبتوا من أنها زائفة.

أما البيتكوين، فيعمل على نقيض ذلك تمامًا. فهو برنامج موزَّع مفتوح المصدر يتطلب إجماع الأغلبية ليتغير، وكل سطر فيه معروف، لا تستطيع أي سلطة مركزية تغييره. ومن أهم مبادئ البيتكوين التثبّت بدلًا من الثقة. يمكن تحميل برنامج العقدة الكاملة على أي حاسوب عادي، ويمكنه حين ذلك مراقبة سلسلة الكتل كلها ومعروض المال كله. لا يعتمد البيتكوين على أي موقع أو غرفة سيرفرات أو شركة.

لهذا، ليس في البيتكوين أي «مشكلات في الأوراق» أو «صعوبة في تسلّم الأموال»، كما ورد في العلامات المحذرة أعلاه. بل كل فكرة البيتكوين هي عدم الاعتماد على أي جهة ثالثة، فهي ثابتة ويمكن التحقق منها مباشرة. لا يمكن نقل البيتكوين إلا باستعمال المفتاح الخاص المرتبط بعنوان معين، وإذا استعملت مفتاحك الخاص لنقل بيتكويناتك، فلن يستطيع أحد أن يمنعك من ذلك.

نعم لا شك أن في البيئة المحيطة مستخدمين سيئين. خسر بعض الناس الذين اعتمدوا على الآخرين لحفظ مفاتيحهم الخاصة (بدلًا من أن يحفظوها بأنفسهم) عملاتهم بسبب سوء الأوصياء، لا بسبب فشل برنامج البيتكوين الأصلي. قد تكون أسواق الجهة الثالثة محتالة وقد تخترَق. يمكن لمخططات التصيّد أو عمليات الاحتيال الأخرى أن تخدع بعض الناس فيظهروا لها مفاتيحهم الخاصة أو معلومات حسابهم. لكن هذا غير مرتبط بالبيتكوين نفسه، والناس عندما يستعملون البيتكوين يجب أن يتأكدوا من فهمهم لكيفية عمل النظام ليتجنبوا الوقوع في عمليات الاحتيال هذه.

لا تعدين مسبق

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشره.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار له حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء ينفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

نموّ بلا قائد

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشرها.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار لها حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء تنفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

الاستثمارات والباعة غير المسجلين

العلامات الوحيدة التي تنطبق على البيتكوين من القائمة السابقة هي أن البيتكوين استثمار غير مقنن من جهة الحكومة. لا يدل هذا في نفسه على أن البيتكوين هرم بونزي، بل يعني وجود علامة من علاماته وأن على المستثمرين أن يأخذوا حذرهم. لا سيما في الأيام الأولى للبيتكوين، كان شراء مال الإنترنت السحري استثمارًا خطيرًا بالنسبة لمعظم المستثمرين.

صُمّم البيتكوين على نحو تكون فيه غير محتاج إلى الإذن، لتعمل خارج النظام المالي الموجود، مع ميل فلسفي إلى الثقافة التشفيرية الللبرتارية والنقد السليم. في معظم حياة البيتكوين، كان منحنى سعره أشدّ صعودًا من أي استثمار تقليدي، لأنه قائم على تقاطع من البرمجة والاقتصاد والثقافة.

قال بعض المسؤولين في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إن البيتكوين وإثيريوم ليستا سندات مالية (ومن ثم فليس فيهما احتيال سندات). صُنّفت عملات رقمية كثيرة أخرى بأنها سندات مالية مثل الريبل واتُّهمت ببيع سندات غير مسجلة. تعامل مصلحة الضرائب البيتكوين وكثيرًا من الأصول الرقمية الأخرى بوصفها بضائع، لأغراض جباية الضرائب.

لذا، نعم في أيام البيتكوين الأولى لا شك أنه كانت استثمارًا غير مسجل، أما اليوم فهو أصل له مكانه في إطار قانون الضرائب والهيئات التقنينية حول العالم. تتغير القوانين مع الوقت، لكن الأصل صار مشهورًا جدًّا. مشهورًا إلى درجة أن شركة فيديليتي للاستثمارات وغيرها تحتفظ به لعملائها من المؤسسات، وأن جي بي مورغان تضع توقعات أسعار له.

يجمع كثير من الناس الذين لم ينظروا بعمق في الصناعة «العملات الرقمية» كلها. لكن من المهم للمستثمرين أصحاب الرؤية أن ينظروا في التفاصيل ويجدوا الاختلافات المهمة. إن شراء «العملات الرقمية» كلها معًا شبيه بشراء «الأسهم» كلها معًا. ليست البيتكوين مثل بقية العملات الرقمية في كثير من خصائصه، وقد كان إطلاقه أشبَه بإطلاق حركة أو بروتوكول لا بإطلاق استثمار، لكنه مع الوقت أصبح استثمارًا.

من هنا، يستطيع الناس أن ينظروا في كل العملات الرقمية التي أتت مع صعود البيتكوين ويصلوا إلى استنتاجاتهم. وفي المجال طيف واسع من المشاريع حسنة النيّة من جهة إلى الاحتيالات الصارخة من جهة أخرى. ومن المهم إدراك أنه حتى إذا كان في أحد هذه المشاريع ابتكار حقيقي، فإن هذا لا يعني أن العملة المرتبطة به سيكون لها قيمة مستمرّة. إذا حلّت إحدى العملات مشكلة طارئة، فقد يتبنّى هذا الحل في طبقة من طبقات بروتوكول أكبر له شبكة أكبر. كذلك فإن أي استثمار في هذه العملات الأخرى يُتخلّى به عن فرصة شراء بيتكوين أكثر مع الوقت.

خلاصة الفقرة: ليست هرم بونزي، وضوحًا

لقد أطلق مشروع البيتكوين بأعدل الطرق الممكنة.

أظهر ساتوشي للعالم أولا كيف يمكن أن يعمل النظام في الورقة البيضاء بالمعنى الأكاديمي، ثم فعلها بنفسه بعد عدة شهور، وقد كان يمكن لأي أحد أن يشاركه التعدين في الأيام الأولى، كما فعل بعض السباقين إلى المشروع. ثم وزّع ساتوشي تطوير المشروع على مطورين آخرين، ولم يسحب أمواله من الشبكة مطلقًا حتى اليوم.

منذ البداية، كان البيتكوين ولم يزل مشروعًا مفتوح المصدر وكامل الشفافية، وحافظ على مسار تطوره الطبيعي. وبعد أن تعرّف السوق هذه المعلومات، سعّرها بما يراه مناسبًا، على المكشوف.

التعريف الأوسع لهرم بونزي

رأينا أن تعريف البونزي الضيّق لا ينطبق على البيتكوين، ولكن استعمل بعض الناس تعريفًا أوسع ليؤكدوا أن البيتكوين هرم بونزي.

البيتكوين مثله مثل أي بضاعة، بمعنى أنه شيء رقمي نادر ليس فيه أي تدفق للأموال، ولكن له منفعة. وهو محدود بواحد وعشرين مليون وحدة يمكن قسمتها، عُدّن منها أكثر من 18.5 مليون، حسب خطة مبرمجة مسبقًا. في كل أربع سنين، ينتصف عدد عملات البيتكوين التي تولّد في كل كتلة، ليقارب عدد البيتكوينات في الوجود 21 مليون واحدة.

ومثل أي بضاعة أخرى، لا يوفر البيتكوين أي تدفق مالي أو حصص أرباح، ولا تساوي قيمته إلا ما يريد الناس الدفع مقابل الحصول عليه. وتحديدًا، البيتكوين سلعة نقدية، ومنفعته الوحيدة تخزين القيمة ونقلها. وهذا يجعل الذهب أقرب شيء يمكن مقارنته به.

البيتكوين وسوق الذهب

يؤكد بعض الناس أن البيتكوين هرم بونزي لأنه تعتمد على انضمام المستثمرين الجدد إلى المجال بشرائهم من المستثمرين السابقين.

نعم، هذا الاعتماد صحيح إلى حدٍّ ما، لأن أثر الشبكة في البيتكوين لم يزل متزايدًا، بتزايد عدد المستخدمين وحجم الأموال، وهو ما يزيد قيمة البيتكوين ومنفعته.

لن يستمر نجاح البيتكوين في المدى الطويل إلا إذا بلغت قيمته السوقية مستوى عاليًا جدًّا وحافظ عليه، لأن أمن الشبكة (معدّل الهاش) مرتبط ارتباطًا جوهريًّا بسعر العملة. إذا ظلّ الطلب على البيتكوين لسبب ما ثابتًا ثم انخفض، ولم يبلغ مستوًى عاليًا بما فيه الكفاية، سيبقى البيتكوين أصلًا متخصصا وسيتدهور قيمته وأمنه وأثر شبكته. إذا حدث هذا، فإنه سينشئ دورة خبيثة فيجذب مطورين أقل لبناء الطبقات الثانوية والعتاد الصلب والبرمجي المحيط بالشبكة، وقد يؤدي إلى ركود القيمة والسعر والأمان.

ولكن هذا لا يجعل البيتكوين هرم بونزي، لأننا إذا طبقنا نفس المنطق، سنجد أن الذهب نفسه هرم بونزي عمره 5 آلاف عام. إن الأغلبية العظمى من استعمالات الذهب ليست استعمالات صناعية، بل لتخزين الثروة وإظهارها. لا يقدم الذهب أي تدفق مالي، ولا يساوي إلا ما يريد الآخرون أن يدفعوا فيه. إذا تغيرت أذواق الناس في الحليّ، وإذا لم يعد الناس يرون في الذهب أفضل مخزن للثروة، سينكمش أثر الشبكة للذهب.

لدينا معلومات من أكثر من ستين عامًا عن معروض إنتاج الذهب السنوي الذي يقدَّر أنه متوفر بأشكال متعددة حول العالم. وهذا أقرب إلى أن يساوي طلب الصناعة وحدها لمدة 500 عام، دون حساب طلب الحلي وحفظ القيمة. لذا، فإن توازن معروض الذهب وطلبه للحفاظ على سعر عال يتطلب استمرار نظر الناس إليه بوصفه طريقة جذابة لحفظ الثروة وإظهارها، وهو أمر ذاتي نوعا ما. بناءً على البيانات المتوفرة عن طلب الذهب للاستعمالات الصناعية، فإن فائض معروض الذهب كبير جدًّا ولولا نظرة الناس إلى الذهب لكان سعره أقل كثيرا.

ولكن أثر شبكة الذهب المالية لم يزل صلبًا مدّة طويلة من الزمن بسبب جمعه لخصائص فريدة تجعل الناس يرونه أفضل طريقة لحفظ الثروة والحليّ على المدى الطويل عبر الأجيال، هذه الخصائص هي: ندرته وجماله وطواعيته وإمكانية استبداله وتقسيمه واستحالة إتلافه كيميائيًّا تقريبًا. مع تغيّر النقود الحكومية في العالم، وتزايد رقم الفئة الواحدة منها، فإن معروض الذهب يبقى نادرًا نسبيًّا، ولا ينمو إلا 1.5% كل عام. حسب تقديرات الصناعة، فإن لكل فرد في العالم أونصة ذهب واحدة من الذهب المستخرَج.

كذلك البيتكوين، يعتمد على أثر الشبكة، أي إنه يحتاج للحفاظ على قيمته إلى أن ينظر إليه عدد كاف من الناس بوصفه مقتنًى جيدًا. لكن أثر الشبكة ليس هرم بونزي في ذاته. يمكن للمستثمرين أصحاب الرؤية أن يحللوا بيانات أثر شبكة البيتكوين ويحددوا لأنفسهم خطر وفائدة شرائه.

البيتكوين ونظام المصرفية الحكومية

إذا استعملنا أوسع تعريف من تعريفات هرم بونزي، فإن نظام المصرفية العالمي هرم بونزي.

أولًا، العملات الحكومية بضاعة زائفة، بمعنى من المعاني. الدولار، من حيث هو دولار، ليس إلا شيئًا مصنوعًا من ورق، أو شيئًا ممثلًا في دفتر بنك رقمي. كذلك اليورو والين وبقية العملات. لا تقدّم هذه العملات تدفقًا ماليًّا في نفسها، لكن المؤسسات التي تحتفظ بدولاراتك قد تدفع لك دخلًا (أو أحيانًا، تكلّفك أن تدفع لها). عندما نعمل أو نبيع شيئًا لنحصل على الدولارات، فإننا لا نفعل ذلك إلا لاعتقادنا بأن أثر الشبكة الكبير للدولار (وهو ما يشمل أثر الشبكة الحكومي القانوني) سيضمن أننا نستطيع أن نأخذ هذه الأوراق وندفعها لأحد آخر لنحصل على خدمات.

ثانيًا، عندما ننظم هذه الأوراق وتمثيلاتها الرقمية في نظام مصرفية احتياطية جزئية، فإننا نضيف طبقة معقدة أخرى. إذا أراد نحو 20% من الناس أن يسحبوا أموالهم من البنك في الوقت نفسه، سينهار النظام المصرفي. أو، إذا أردنا أن نكون واقعيين، سترفض المصارف تسليم المال، لأنها لا تملكه. حصل هذا لبعض المصارف الأمريكية في أوائل عام 2020، أيام الإقفال، وهو يحصل كثيرًا حول العالم. وفي الحقيقة هذا واحد من علامات أهرام بونزي التي وردت في بيان هيئة الأوراق المالية والبورصات: صعوبة تسلّم الأموال.

في لعبة الكراسي الموسيقية المعروفة (تسمّى في سورية كرسي كراسي)، توجد مجموعة من الكراسي، وعندما تبدأ الموسيقا يبدأ الأطفال طوافهم حول الكراسي (التي عددها أقل من عددهم بواحد). عندما تتوقف الموسيقا، يتسابق الأطفال ليجلسوا على الكراسي الموجودة. يخسر طفل واحد في الدورة، لبطئه أو قلّة حظّه، ويخرج من اللعبة. في الدورة التالية، يزال أحد الكراسي، وتستمر الموسيقا مع من تبقى من الأطفال. بعد دورات كثيرة، يبقى طفلان وكرسي واحد، يربح واحد منهما بنهاية الدورة.

إن النظام المصرفي لعبة كرسي كراسي دائمة. الأطفال أكثر من الكراسي، ولن يستطيع كل واحد منهم أن يأخذ كرسيًّا. عندما تتوقف الموسيقا، سيتبيّن للأطفال هذا. ولكن، ما دامت الموسيقا مستمرة (مع دعم الحكومة للنظام بالأموال المطبوعة)، تستمر اللعبة.

تجمع البنوك أموال المودعين، وتستعملها للإقراض وشراء السندات. لا يتاح للسحب إلا مقدار ضئيل من الأموال. أصول البنوك تتشكل من القروض والسندات واحتياطات الكاش. أما مسؤولياتها فهي أموال يستحقها المودعون، ومسؤوليات أخرى مثل السندات المصدرة للدائنين.

في الولايات المتحدة، تحتفظ البنوك جميعها بنحو خُمس إيداعات زبائنها نقدًا.

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

يظهر المخطط أن النسبة بلغت أقل من 5% قبل الأزمة المالية العالمية (وهو سبب سوء الأزمة، وأنها كانت نقطة تحول في دورة الدين طويلة المدى)، ولكن بسبب التيسير الكمي، والتشريعات الجديدة، وتنظيمات داخلية جديدة، عادت البنوك لتملك 20% من موازنة إيداعاتها بالكاش.

كذلك المقدار الكلي للنقد الفيزيائي في السوق، الذي تختص بطباعته وزارة الخزانة الأمريكية، لا يساوي إلا نحو 13% من مقدار المودعات في البنوك التجارية، ولا تحتفظ البنوك في خزائنها إلا بجزء ضئيل من هذا. ليس في السوق مقدار النقد الكافي (وهذا من أساس التصميم) لنسبة كبيرة من الناس إذا أرادوا سحب إيداعاتهم من البنوك في وقت واحد. سيواجه الناس «صعوبة في تسلّم الأموال» إذا أراد عدد كاف منهم أن يسحب أمواله في الوقت نفسه.

بهذه الهيكلية، لا يمكن أن ينتهي النظام المصرفي. إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يسدد ديونه، سيتوقف النظام كله عن العمل.

إذا أراد بنك واحد أن يسدد ديونه من دون أن يُستحوذ عليه، فعليه -فرضيًّا- أن يبيع كل قروضه وسنداته لبنوك أخرى، ويحولها إلى كاش، ويدفع الكاش للمودعين. ولكن، إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يفعل هذا في الوقت نفسه، ستنخفض القيم السوقية للأصول المبيعة انخفاضًا حادًّا وسيواجه السوق أزمة سيولة، لعدم كفاية عدد المشترين.

واقعيًّا، إذا أرادت البنوك تسديد حساباتها في الوقت نفسها، وتجمّد السوق بسبب إرباك بائعي القروض للمشترين، سيضطر الاحتياطي المركزي إلى طباعة دولارات جديدة ليشتري الأصول ويعيد السيولة إلى السوق، وهو ما سيزيد عدد الدولارات في السوق زيادة ضخمة. فإن لم يفعل، انهار كل شيء، لعدم كفاية وحدات العملة التي في النظام لفكّ أصول الأنظمة المصرفية.

فالنظام المالي يعمل كأنه دورة دائمة من لعبة الكراسي الموسيقية، مبنيًّا على أصول زائفة تصدرها الحكومة، ودعاوى الحقّ في هذا المال (الأطفال) أكثر بكثير من المال المتوفر نفسه (الكراسي)، وهو ما يتبين عندما يتزاحم الأطفال ليأخذوا مكانهم. لا يزال عدد الأطفال والكراسي في ازدياد، ولكن دائمًا عدد الأطفال أكبر بكثير من عدد الكراسي. فإذا حدث انهيار جزئي في النظام، أُضيف كرسيّان إلى الدورة لتبقى مستمرة.

نحن نقبل هذا الأمر ونراه عاديًّا، لأننا نفترض أنه لن ينتهي. لقد عمل نظام الاحتياطي المصرفي الجزئي حول العالم مئة عام (معتمدًا أولًا على الذهب، ثم مستقلًّا عنه) وإن كان بأحداث تضخمية كثيرة على الطريق لإصلاح بعض الأمور جزئيًّا.

كل وحدة مفردة من العملة الحكومية قلّت قيمتها نحو 99% أو أكثر على مدى العقود السابقة. يقتضي هذا أن المستثمرين إما أن يحصلوا على نسبة ربح أكبر من نسبة التضخم الحقيقية (وهو ما لا يحدث الآن)، وإما أن يشتروا استثمارات، وهو ما يضخّم قيمة الأسهم والعقارات مقارنة بالتدفق النقدي، ويرفع أسعار المنتجات النادرة كالفنون الجميلة.

على مدى القرن الماضي، لم تزل سندات الخزينة ونقد البنك في ازدياد مع التضخم، ولكن من دون ربح حقيقي. لكن هذا الأمر ليس دائمًا. فقد مرت بعض العقود، كأربعينيات القرن العشرين وسبعينياته والعقد الثاني من قرننا هذا، لم يستطع فيها أصحاب سندات الخزينة ونقد البنك أن يجاروا التضخم. يظهر هذا المخطط معدل سندات الخزينة ناقص معدل التضخم الرسمي على مدى تسعة عقود:

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

البيتكوين تقنية دفع وادّخار محدَثة، أكثر استعماله دون رافعة، أي إن معظم الناس يشترون المال، ثم يمسكونه، وقلّما يتاجرون به. في السوق بعض مصارف البيتكوين، ويتاجر بعض الناس فيه، ولكن الدين العام في النظام يبقى منخفضًا جدًّا نسبةً إلى القيمة السوقية، هذا مع إمكانية أن تحتفظ بمدّخراتك معك.

التكاليف الاحتكاكية

من دعاوى اتهام البيتكوين بأنه هرم بونزي دعوى تقول إن للبيتكوين تكاليف احتكاكية، فهي إذن هرم بونزي. إن النظام يحتاج إلى عمل مستمر ليبقى فعّالًا.

مرة أخرى، ليس بين البيتكوين وبين أي نظام تجارة آخر أي فرق في هذا. أي شبكة تعاملات صحيّة لها تكاليف احتكاكية.

في البيتكوين، يستثمر المعدّنون في عتادهم المخصص وكهربائهم وطاقمهم ليدعموا تعدين البيتكوين، أي تحقيق التحويلات واكتساب عملات جديدة وأجور التحويل بالمقابل. خطر الخسارة في التعدين كبير، وأجر النجاح فيه كبير، ولكن المعدنين ضرورة ليعمل النظام. كما في النظام أيضًا من يدعم السيولة بين المشترين والبائعين، أو يحول العملات الحكومية إلى بيتكوين، فيسهّل شراء البيتكوين أو بيعه، وهؤلاء لهم رسومهم كذلك. تقدم بعض المؤسسات حلول ادّخار أيضًا، وتكلّف زبائنها رسومًا قليلة لتدّخر لهم أموالهم.

كذلك معدّنو الذهب يصرفون أموالًا كثيرة على الطاقم والاستكشاف والمعدات والطاقة اللازمة لإخراج الذهب من الأرض. ثم تنقّي هذا الذهب عدة شركات وتصهره في سبائك وعملات، وتحميه وتحتفظ به للمستثمرين، وترسله إلى المشترين، وتتحقق من صفاءه، وتجعله حليًّا، وتصهره مرة أخرى للتنقية والصبّ من جديد، إلخ. تدور ذرات الذهب في السوق بأشكال عديدة، بسبب عمل الناس في صناعة الذهب من ضاربي النقود في سويسرا إلى بائعي الحلي إلى المسترهنين الذي يشترون الذهب. يتجه معظم العمل الطاقي في الذهب إلى الإنشاء لا إلى الحفاظ على النظام، لكن الصناعة نفسها فيها تكاليف احتكاكية مستمرة أيضا.

بل حتى نظام المال الحكومي العالمي له تكاليف احتكاكية. تستخرج المصارف وشركات التقانة المالية أكثر من 100 مليار دولار في العام من رسوم التحويل المتعلقة بالدفعات، ومن احتفاظهم بأصول زبائنهم وإدارتهم له، وتسييلهم للسوق بين المشترين والباعة.

حللت مؤخرًا مدّخرات مجموعة دي بي إس، وهو أكبر بنك في سنغافورة. يجني البنك نحو 900 مليون دولار سنغافوري في كل ربع سنة، أو نحو 3 مليارات دولار سنغافوري كل سنة. إذا ترجمنا هذا إلى الدولار الأمريكي، فهو يساوي مليارين ونصف مليار دولار في السنة الواحدة، من الرسوم وحدها.

وهذا بنك واحد قيمته السوقية 50 مليار دولار. في سنغافورة بنكان آخران لهم حجم قريب من هذا. أما مصرف جي بي مورغان تشيس، أكبر بنك في الولايات المتحدة، فهو يقدَّر بسبعة أضعاف المذكور، وفي الولايات المتحدة غيره عدة بنوك لها حجم قريب. يجني هذا البنك سنويًّا 40 مليار دولار، متوسّطًا بين فيزا وماستركارد. أما مجموع الرسوم التي تأخذها البنوك وشركات التقانة المالية حول العالم فهي أكثر من 100 مليار دولار.

إن تحقيق المعاملات وحفظ القيمة يحتاج إلى عمل، لذا لا بد أن يكون لكل نظام مالي تكاليف احتكاكية. وليس هذا مشكلة إلا إذا كانت الرسوم كبيرة جدا بالنسبة إلى المقادير المرسَلة. وإذا نظرنا في التكاليف الاحتكاكية للبيتكوين وجدناها متواضعة مقارنة بالنظام المالي القائم، وأن طبقات البيتكوين الثانوية تقلل هذه الرسوم أكثر. فعلى سبيل المثال، يهدف تطبيق سترايك إلى أن يصبح أرخص شبكة دفع عالمية، وهو يعمل على شبكة البرق على البيتكوين (لايتنينغ).

يشمل هذا أيضًا البضائع غير المالية. إلى جانب الذهب، يحفظ المستثمرون الأغنياء ثروتهم في أشياء أخرى لا تقدم تدفقًا ماليًّا، منها الفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية الرفيعة الفخمة التي لا يمكن أن يستأجرها أحد. ففي شواطئ فلوريدا وكاليفورنيا مثلا بعض المساحات التي ليس فيها إلا منازل سعر الواحد منها 30 مليون دولارًا، ولكنك لا تجدها إلا خالية متى زرتَها. أحب الذهاب إلى هذه الشواطئ لأنها فارغة عادة.

هذه المقتنيات النادرة تزيد قيمتها مع الوقت، وهو ما يدفع الناس إلى اقتنائها. ولكن لها تكاليف احتكاكية عندما تشتريها أو تبيعها أو تحافظ عليها. ما دامت التكاليف الاحتكاكية أقل من ازدياد القيمة مع الوقت، فإن هذه الاستثمارات صالحة بالمقارنة مع الاحتفاظ بالأموال الحكومية، وليست أهرام بونزي.

خلاصة الفقرة: أثر الشبكة، لا هرم بونزي

أوسع تعريف لشبكة بونزي يشير إلى أي نظام يحتاج إلى عمل مستمر للحفاظ عليه، أو أي نظام له تكاليف احتكاكية.

ولا يوافق البيتكوين هذا التعريف إلا كما يوافقه الذهب ونظام المال الحكومي العالمي، أو الأسواق الأقل سيولة كالفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والعقارات الشاطئية. بعبارة أخرى، إذا كان تعريفك واسعًا إلى درجة أنه يشمل كل مخزن للقيمة لا تدفق نقدي فيه، فإنك تحتاج إلى تعريف أفضل.

كل هذه المقتنيات النادرة لها منفعة معينة إلى جانب ميزة حفظها للثروة. فالذهب والفن يمتّعانك بالجمال البصري. والخمر تمتّعك بحلاوة المذاق. والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية يمتعانك بالجمال البصري واللمسي. والبيتكوين يمكنك من دفع المال محليًّا ودوليًّا بطريقة لا يستطيع فيها أي طرف ثالث التدخل، وهو ما يعطي المستخدم تحرّكيّة مالية لا نظير لها.

هذه المقتنيات النادرة تحافظ على قيمتها أو تزيدها مع الوقت، ولا بأس عند المستثمرين أن يدفعوا التكاليف الاحتكاكية القليلة المتعلقة بها، وهي بديل صالح للإمساك بالنقد الحكومي الذي تقل قيمته مع الزمن.

نعم، يتطلب البيتكوين عملًا مستمرًّا ولا بد أن يبلغ قيمة سوقية معينة حتى يصبح مستدام، ولكني أرى أن هذا في أفضل أحواله مشكلة تقنية، أما المستثمرون فيسعّرون الشيء حسب نظرتهم لاحتمال نجاحه أو إخفاقه. إنه أثر شبكة ينافس كل أثر شبكة موجود في العالم، خصوصًا النظام المصرفي العالمي. والمهزلة أن النظام المصرفي العالمي فيه من خصائص أهرام بونزي أكثر مما في غيره.

فِكَر أخيرة

لا بد لكل تقنية من وقت للتقييم، واختيار بين الرفض والقبول. قد يكون السوق غير منطقي في أول الأمر في صعوده وهبوطه، لكن في النهاية، تُقيَّم الأصول وتقاس.

لقد تنامى سعر البيتكوين باستمرار مع كل دورة تنصيف للمعروض، ومع استمرار نمو أثر شبكته يبقى معروضه محدودًا.

مصدر المخطط: Blockchain.com

في كل استثمار خطر، ولا شك أننا لا نعرف بعد ما هو مصير البيتكوين النهائي.

إذا استمر السوق على رؤيته إياه كوسيلةً للادخار والدفع، متاحةً لمعظم الناس في الكوكب ومدعومة بشبكة إجماع لا مركزية حول العالم، ومسجّلة في دفتر عام، فسيستمر في أخذ حصص السوق الأخرى بوصفه مخزنًا للثروة وشبكة دفع، حتى يبلغ قيمة سوقية ناضجة وتبنّيًا واسعًا وتقلّبًا قليلًا. 

أما المخالفون، فيؤكدون أنه ليس للبيتكوين قيمة جوهرية وأن الجميع سيدرك الحقيقة يومًا ما، وستعود قيمته إلى الصفر. لكن حجة التراجع الأقوى هي أن البيتكوين سيخفق في أخذ حصص سوقية متسقة من النظام المصرفي العالمي لسبب أو لآخر، مع ذكر الأسباب.

كان عام 2020 قصة عن القبول المؤسسي، وتعالت فيه البيتكوين على الحدود بين استثمار المفرَّق والمخصصات المؤسسية. أصبحت ميكروستراتيجي وسكوير أول شركات علنية التداول تخصص بعض احتياطاتها أو جميعها بالبيتكوين بدلًا من النقد. وماس ميوتشوال أول شركة تأمين كبيرة تضع جزءًا من أصولها بالبيتكوين. أظهر بول تيودور جونز وستانلي دركنميلر وبيل ميلر ومستثمرون معروفون آخرون آراءً لمصلحة البيتكوين. وركبت بعض المؤسسات مثل فيديليتي قطار البيتكوين وعينها على خدمات الأمانة والحفظ المؤسسية، لكن 2020 شهدت آخرين كثرًا يركبون القطار، منهم أكبر شركة إدارة أصول في العالم، بلاك روك.

من منافع البيتكوين أنه تسمح بالاحتفاظ الذاتي وسهولة نقل المال وإجراء صفقات من دون إذن أحد. وبالرغم من وجود مشاريع بلوكتشين كثيرة، لم تقدم أي عملة رقمية أخرى درجة أمان مشابهة لتحمي من الهجومات على دفترها (من جهة معدل الهاش ومن جهة توزّع العقد)، ولم يكن لأي منها أثر شبكة كاف ليقبلها السوق قبولًا مستمرًّا بوصفها مخزنًا للقيمة على نحو متسق.

والأهم أن نمو البيتكوين كان طبيعيًّا أكثر من أي عملة أخرى في الصناعة، فقد جاء أولًا وانتشر من دون وجود قيادة أو تسويق مركزي، وهو ما جعله أقرب إلى بروتوكول مؤسس منه إلى مشروع أعمال أو أمن مالي.

Tagged : / /