السيادية الجزء الثاني: البنك الأجنبي للغاية

المقالة الأصلية | المؤلف: Robert Breedlove | ترجمة: The BTC Translator

في الجزء الأول من السيادية، استكشفنا الدمار الخلّاق للدول القومية الذي تجرّه التكنولوجيا والأنظمة الاقتصادية الاجتماعية المنظمة لنفسها في العصر الرقمي. في هذا الجزء الثاني، سننظر نظرة من كثب في الإبداع الحفّاز الكامن خلف هذا الانتقال العالمي إلى السيادية: البيتكوين. إن وصف البيتكوين بـ«البنك الأجنبي الغاية» (والغاية: السابق الذي لا نظير له)، أداة ذهنية مفيدة تساعدنا على تحسين فهمنا للقوى السياسية الكبرى واعتبارات نظرية الألعاب والدوافع الاقتصادية التي تدفع هجرة رؤوس الأموال إلى أعالي البحار الرقمية في القرن الواحد والعشرين.

أعالي البحار الرقمية                             

«الفضاء الرقمي هو القضاء الأجنبي المطلق. اقتصاد لا ضريبة فيه. برمودا في السماء مع اللآلئ»

كتاب سيادة الفرد

كانت المياه الدولية تاريخيًّا أعظم ملاذ آمن من الدول القومية. يستعمل المقامرون والقراصنة والمهرّبون وآخرون من المذنبين هذه الأراضي التي لا حاكم عليها لينخرطوا في أعمالهم التي جرّمتها الدولة. إن عالَم المحيطات واسع الفضاء كبير الخطر والجائزة وفيه تتعاظم المسؤولية الفردية. ولكن لمَ كان القانون البحري مختلفًا عن الأنظمة القانونية التي تعمل بها الدول القومية اليابسية؟ تُظهر معادلة تكلفة وربح بسيطة السبب الأساسي: باعتبار عظم مساحة أعالي البحار وجفائها، نجد أن التكاليف الضرورية لفرض السلطة أعظم بكثير من عوائد جباية الضرائب التي يؤمَل أن تحصَّل إذا ثبّتت الدولة سلطتها على المنطقة. وحتى إذا افترضنا أن النشاط الاقتصادي في أعالي البحار كثيف بما يكفي لإنشاء نظام ضريبي رابح، فإن تكاليف الدفاع عن هذا الاحتكار (أو الاستبداد) من الدول الأخرى الساعية للربح أمر يجب النظر فيه. لهذه الأسباب الاقتصادية، تعدّ المياه الدولية أعظم «غربٍ جافٍ» تستهلك فيه الولايات موارد ضخمة لحماية استبدادها بالمنطقة من الهجمات البحرية.

حتى الولايات المستقرة لا تستطيع إجراء نشاطات تجارية ناجحة في أعالي البحار. لمّا كان تدفق المياه على الأرض من أهم ما يشكل حدود سلطة الدول (تحدد كثير من الأنهار والسواحل أشكال الدول القومية)، كانت القوة الحاكمة في هذه المناطق الحدودية هي السائدة جيوسياسيًّا. إن الوصول إلى الماء يوفر ميزات اقتصادية في نقل الطاقة أو الكتلة (والكتلة هي طاقة مجمدة) عبر الزمكان، إذ تساعد القوى الهيدروليكية للماء الإنسان على التغلب على احتكاكات الجاذبية، ومن ثم يحسن الإنتاجية كثيرًا. يستهلك نقل 10 أطنان على الأرض طاقة أكبر بكثير ممّا يستهلكه نقل المقدار نفسه على الماء. ومن مرونة الماء وقلة الاحتكاك فيه، يسرّع شبكة الطاقة التجارية وفي الوقت نفسه يعيق تأسيس سلطة دائمة. وهذا ما يجعل السلطة على الخط الساحلي مزية سياسية جغرافية كبرى. فلا شك أن وصول الولايات المتحدة غير المقيد إلى المحيطين الهادي والأطلسي كان عنصرًا أساسيًّا في سلطتها في القرن العشرين، اقتصاديًّا وعسكريًّا. وإذا حسبنا جميع الاعتبارات، وجدنا أن القوة المستبدة بالعنف التي تستطيع تطبيق أكبر القوى على البحار، هي التي تصبح الدولة القومية. كتب الاستراتيجي البحري ألفرد ماهان في كتابه الكلاسيكي أثر قوة البحار عبر التاريخ:

إن أمواج الفضاء الرقمي غير خاضعة للتحكم والتسلط، وهو ما يجعلها مكانًا للسيادة الفردية العظمى.

إن إحاطة الأرض بخلاء البحار الوسيع مزيّة دفاعية طبيعية. والتكاليف اللازمة لسلطة الجباية لمراقبة المنطقة المحيطية وتفتيشها وجباية ضرائبها صاعقة. يجب أن تركّز أنظمة الجباية جهودها على المناطق اليابسية ذات الكثافة الاقتصادية العالية لتجني ربحًا. ومما يثير الاهتمام أن الآليات الاقتصادية لأعالي البحار تساعدنا على فهم مزيّات التجارة في العالم الرقمي.

تخيل أن كل النشاط التجاري ترك أرضه اليابسية وأُجري في سفن متبعثرة في مياه العالم المفتوحة. تخيل الآن أن كل واحدة من هذه السفن التجارية لها جهاز إخفاء، يجعلها خفيّة على العين والرادار وأي جهاز مراقبة آخر. ثم تخيل أن معلومات هويات كل الأنفس المبحرة في أعالي البحار هذه، وكل الأموال التي تحوزها، وكل المحادثات بينهم، مخفيّة على نحو مشابه، في عتمة معرفية. فإذا تخيلت هذا، فتخيل أخيرًا أن هذا السوق البحري انتفخ حتى أحاط بالكون المنظور كله. ما أصعب وأغلى تنظيم اقتصاد خفي ومتسع هكذا؟ ولئن كانت هذه الخيالات بعيدة عن الواقع، فإن كل التجارة والهويات ورؤوس الأموال المودعة في الفضاء الرقمي لها المزيات نفسها من حيث الدفاع والخفاء وامتناع التتبع. ورغم عدم شيوع تقانة التشفير بعد، فإن تقدمها مستمر متسارع، يُحوّل هذا المجاز الخيالي إلى واقع رقمي للسياديين المثقفين حول العالم.

يثبت النظر في ترتيب الدول القومية في القرن العشرين أن تصوّر سلطة عبر البحار أمر صعب. هكذا، فإن البناء التخيلي الذي يقارن الفضاء الرقمي بأعالي البحار مفيد في التبصّر بالتحديات التي تواجهها كل المحاولات أحادية الطرف للسيطرة على الناس في القرن الواحد والعشرين. الآن، صار في مقدور الناس أن يلوذوا بالملجأ الأوحد لرأس المال، البيتكوين، الذي لولاه لكانوا ضحايا الاستبداد الاقتصادي. إن قوة الدولة القومية مبنية على قدرتها على مصادرة الثروة، وهي نقطة هجوم تحيّدها التقانة الرقمية تحييدًا كبيرًا. أحيانًا أفضل طريقة لمواجهة الهجوم هي مواجهته بفضاءٍ خالٍ، والفضاء الرقمي يمكّن الخلاء هذا لتحقيق اتساع مضاهٍ للاتساع الكوني. مع التقانة الرقمية، يمكن نقل المعلومات ورؤوس الأموال بسرعة الضوء، وإخفاؤها خلف جدار الطاقة المعمّاة، وتخزينها «في كل مكان ولا في مكان» بطرائق شتّى لا تنتهي، ولا يحدّها إلا خيال المطوّر. باختصار: الدفاعات الرقمية، وهي دفاعات لا تخترق، تتحدى القوة. مع مجيء البيتكوين، أصبحت المعلومات والمال والذاكرة مُدْمَجة كلها إدماجًا لا ينفك: حدثٌ معتمد على المسار يغيّر تدفّق تنظيم الذات الاجتماعي الاقتصادي.

إذا نُزعت الجسمية من المال، أدّى هذا إلى مقتضيات مذهلة. كل محاولة أحادية الطرف لنقل القيمة الاقتصادية، بالتضخم أو الضرائب غير المتفق عليها أو المصادرة المباشرة، تزيد الطلب على رأس المال المضاد للسرقة. وفي أبعد طرف من طيف المناعة على المصادرة، يشعّ نور البيتكوين الثابت. فإذا أفاق الناس على الفوائد الطبيعية لتحصين مدخراتهم في الضفة الأخرى من فجوة أعالي البحار الرقمية التي لا تُعبَر، بدأت حلقة تلقيم راجع بين تزايد محاولة الحكومة لعبور هذه الفجوة، وبين إرادة الهروب من قبضة الحكومة، فإذا اشتدّت قبضة المحاولات لضبط رؤوس الأموال، مُوّجت موجات أعظم من هروب رؤوس الأموال. في يأسٍ هازمٍ للذات، كلما اشتدت قبضة الحكومات، انسلّ من بين أصابعها المال المُطلَق المنقولية إلى الأثير الرقمي. تحكم نظرية الألعاب الفعل البشري دائمًا، من دون نظر إلى المراسيم والتشريعات.

نتيجةٌ مباشرة لإحكام قبضة الحكومة هي نموّ القيمة السوقية للبيتكوين وأمن شبكته، إلى جانب تقلّص مكافئ في خطر تملّك البيتكوين (المال الصعب سلعة فبلين). ومن الأمثلة الحديثة لهذا الأمر، حظرُ المصرف المركزي في نيجيريا البيتكوين، الذي لم يزد اعتماد البيتكوين بين النيجيريين إلا تسارعًا. في النهاية، ستصبح هذه الآلية دوامة عالمية قائمة على نظرية المعلومات، تجذب كل رؤوس الأموال إلى البنك الأجنبي الغاية: البيتكوين. مع انهيار عوائد الحكومات، ستنتهي الوظائف التي كانت تقدمها تقليديًّا، كالتصويت وحفظ حقوق الملكية والخدمات العامة والدفاع وغير ذلك، وهو ما يؤسس فراغًا في السوق يتيح لرواد الأعمال أن يشبعوا هذه الرغبات التي لم يعد يشبعها أحد. سينشأ محيط أزرق من فرص السوق الجديدة مع تفسخ احتكارات الدولة القومية. يلغي المال اللامركزي احتكارات معظم الأسواق، لأنه يقلل سطح الهجوم اللازم للتشريع الفعال والإكراه، فيجعل فائدة الإجبار أقل مع الوقت (إلا أن يكون فدية مباشرة أو ابتزازًا، لكن هذه أشياء ليست واسعة النطاق). بهذا المعنى، شراء البيتكوين هو قَصْرٌ كبير للدولتية. لقد اختارت بعض أعظم العقول في زماننا هذا مكانها في هذه التجرة التاريخية من الآن:

حسبُك هذا.

الحياة سلسلة من التجارات التي فيها خسائر وأرباح. الأفراد الذين يتحضرون ويتكيفون مع هذه التغيرات السياسية الكبرى سيكتسبون قوة في العالم السيادي. ومن أركان نجاح السياديين في أعالي البحار الرقمية: الوصول إلى المال، والخصوصية، والحفظ.

المصرفية الأجنبية الرقمية

«فإذا فُتح الملاذ الضريبي الأعظم من كل الملاذات الضريبية، أصبحت كل الأموال أموالًا أجنبية تحت تصرّف مالكها وحده»

كتاب سيادة الفرد

في القرن العشرين، كانت المصرفية الأجنبية وسيلة مفضلة لحماية الثروة. إن حماية الأموال من المصادرة أمر مطلوب سواءٌ من الناهب أو المنهوب، فكلاهما يريد أن يحصّن أمواله من أيادي السارقين. المصارف الأجنبية ملاذات ضريبية، ومؤسسات اجتماعية وُجدت منذ قررت الحكومات أن تموّل نفسها بالضرائب غير المتفق عليها والتضخم. ولكن الملاذات الضريبية لم تكن دومًا مصارف. فقد كان في روما القديمة مثلًا ميناء مبني على جزيرة ديلوس أُريد به تقويض الأقضية المنافسة وجذب النشاط الاقتصادي إلى مواني الجزيرة. كان ميناء ديلوس الخالي من الضريبة واحدًا من أولى الملاذات الضريبية. خسرت جزيرة رودس الإغريقية المجاورة سريعًا نشاطها التجاري لهذا الميناء، وتراجعت قوتها التجارية في العالم القديم. وهنا درسٌ مهم جدًّا: إذا سُلّح المستهلكون بالاختيار بين مقدّمي خدمات متنافسين، كان مصير السوق في أيديهم. وضوحًا، يختار المستهلكون دائمًا أن يدفعوا ثمنًا أقل من أجل الخدمات نفسها. وبالمبدأ نفسه، تندفع رؤوس الأموال إلى آمَن المخازن المتاحة في كل عصر من العصور. وفي العصر الحديث هذا، أصبحت البنوك حصونًا لحفظ رؤوس الأموال.

ولعلّ أن الحساب المصرفي السويسري أشهَر الملاذات الضريبية في العصر الحديث. في مطالع القرن التاسع عشر، جعلت سويسرا نفسها دولة محايدة. وفي القرن التالي، أصبحت بنوكها ملاذات ضريبية أجنبية للنخَب الأوروبية. بعد الحرب العالمية الأولى في أوائل القرن العشرين، بدأ ازدهار هذه الصناعة السويسرية الصغيرة. ولمّا كان الدمار الذي عانته أوروبا كبيرًا في الحرب، لجأت الحكومات إلى رفع الضرائب لإعادة الإعمار. وبفضل حيادها السياسي، لم تتضرّر سويسرا تضرّرًا كبيرًا من الحرب، ومن ثم استطاعت أن تبقي ضرائبها منخفضة بالمقارنة مع جيرانها المتحاربين. هذا الاختلاف في فلسفة الحكم جذب تدفقات عظيمة من رؤوس الأموال إلى سويسرا. استغلّت المصرفية السويسرية حياد دولتها الحاضنة ومزاياها التضاريسية بحكم إحاطة سلاسل الجبال بها في وسط أوروبا، وانتشر بذلك صيت خدمتها العالية المستوى بين الزبائن الأوروبيين. طبعًا، يرغب الناس أن «يمسكوا بمفاتيح» رفاههم المالي، وقد قدمت المصارف السويسرية تاريخيًّا لمستهلكيها ضمانات متفوقة للوصول والخصوصية والأمان. أما البيتكوين، فتتفوق بمستويات كثيرة في كل هذه الأبعاد الثلاثة.

البيتكوين حفّاز السيادية.

يوفر البيتكوين خدمة عامة تسهل التدفق التجاري للملكية الخاصة، وهو من هذه الناحية يقدّم وصولًا ماليًّا عالميًّا. يمكن تخزين المفتاح الخاص — وهو حامل المعلومات الذي يتيح لصاحبه استعمال البيتكوين — في ذواكر تماثلية أو رقمية أو حتى بيولوجية. يمكن استعمال المفاتيح الخاصة لبدء تحويلات بيتكوين من أي مكان في العالم فيه وصول للاتصالات الرقمية، في أي وقت من اليوم. محافظة المرء على مفتاحه الخاص هي الكأس المقدسة لسيادته الذاتية. ومع أن تاريخ التحويلات في البيتكوين شفاف ومتاح للجميع، فإن الروابط بين المفاتيح وأصحابها لا يمكن معرفتها إلا من خلال المراقبة، ولم تزل تطويرات البيتكوين الناشئة مثل تابروت تعزّز خصوصية البيتكوين. فإذا استعملت إجراءات الأمان الصحيحة، صحّ القول أن البيتكوين ثروة خفية. من حيث الأمن، شبكة البيتكوين واحدة من أقوى شبكات الحوسبة وآمَنها في التاريخ. وبفضل رقميّة البيتكوين المحضة، يمكن تخزينه في طيف واسع من نماذج الحيازة عالية الأمان المنيعة تمامًا على المصادرة. البيتكوين هو المال الوحيد في التاريخ المنيع مناعة مطلقة على المصادرة بالتضخم. فإذا جمعنا هذه الميزات، الوصول والأمن وضمانات الحماية، جاز لنا القول إنه الملاذ الضريبي الذي لا جدال فيه، الذي اختاره سياديو القرن الواحد والعشرين.

بفضل كونه «البنك الأجنبي الغاية» في القرن الواحد والعشرين، يمحو البيتكوين الدولتية ويغذّي ثقافة عالمية ناشئة متجذّرة في السيادية.

البيتكوين أسلَم ملاذ ضريبي من التضخم أحادي الجانب، والضرائب والمصادرة في التاريخ البشري. تُرجع الشبكة المالية الرقمية الرأسماليّة «مفاتيح القلعة» لأصحابها المستحقين لها، وهم الأفراد الذين ضحوا لينتجوا ثمار أعمالهم التي يمثلها المال في السوق (الذين حافظوا على مفاتيحهم الخاصة، فالبيتكوين في المصارف والأسواق ليس بيتكوينا). في هذا النموذج الجديد، كل المال المخزن في البيتكوين مكافئٌ لـ«المال الأجنبي» تحت تصرف مالكه. يدرك المشاركون في السوق سريعًا أهمية السيادة المالية، والبيتكوين يتسارع خروجه من الأسواق إلى حيازة أصحابه السياديين:

مع تزايد قيمة البيتكوين، يدرك المشاركون في السوق أهمية الحيازة الذاتية للبيتكوين.

إن القوة والحرية والسيادة التي يكتسبها الأفراد عندما يجرون تعاملاتهم المالية في البيتكوين هي نقطة شيلن (النقطة المحورية) التي لا يمكن إنكارها في أعظم لعبة عدائية بين جميع اللعب: الفعل الإنساني. والبيتكوين ليس مجرد مغيّر للعبة، إنما هو لعبة جديدة لها قوانين جديدة لا تُختَرق. يَعِد أسلوب التنظيم الاجتماعي الاقتصادي المشتق من البيتكوين بتحسين الثروات حول العالم ويحفّز في الوقت نفسه التخلي عن استعمال العنف، إلى الأبد.

نهاية السَّلْب الجماعي

«لطالما سعت السلطة في أسهل طريق للثروة، وهو مهاجمة الذين يملكونها»

ويليام بلايفير

التقدم الحضاري في قوسِه الأوسع قوّة سيادة طاردة: لأن السلطة تتجه إلى المحيط عندما تزيدنا المتاجرة في السوق إنتاجيّة بالإبداع، وفضيلةً بالتلاقح الثقافي. وعندما تصبح السيادة عامّة، لا يعود للمراسيم والعنف معنًى أمام الفعالية الاقتصادية. فإذا انحسرت عوائد السياسة والعنف (وهو الامتداد الطبيعي للسياسة)، أصبحت الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية أمرَن وأكثر لا مركزية، لأن التعاون في هذين الظرفين أربَح من السلب. مثالٌ متطرف على هذا الحال: مجتمع الصيّادين الجمّاعين، حيث لم يكن العنف يُكسب صاحبه إلا نُهوب ضحية واحدة أو قرية صغيرة، وكان تناسق المعلومات (الذي يبيّنه التطور المتقارب للأدوات والحراب القديمة) عاليًا، أي إن النزاع المسلح كان خطرًا بقدر ما هو مفيد (إذا انتصرت فيه). كانت سيّئة هذه البنية الاجتماعية الاقتصادية القديمة، رغم أنها لامركزية، هي تحقق المثل القائل «القوة هي الحق» أي إن السيادة الفردية لطالما كان يستلبها أي أحد معه «عصًا أكبر». جعل البيتكوين التنظيم الاجتماعي الاقتصادي اللامركزي السلمي ممكنًا، لأنه أول حق ملكية خاصة لا يحتاج إلى التهديد بالعنف لحمايته. هذا النقد العالمي الرقمي اللاحكومي يغيّر منطق العنف إلى الأبد، فهو ابتكار عميق للحضارة، لا نظير له ربما منذ ابتكار ساعة الوقت.

البيتكوين حق ملكية خاصة ميتافيزيقي يغير منطق العنف إلى الأبد.

القوة هي تسريع الطاقة عبر الزمكان. إن القدرة على إسقاط القوة والدفاع ضدها جانب مهم في التعاملات البشرية. يظهر كل عصر حضاري حقائقه التقنية الفريدة التي تعكس حجم انتقال الطاقة وفعاليته بمختَرَعات العقل البشري: ومنها الأدوات والأموال والتنظيمات الاجتماعية الاقتصادية. ومن أمثلة هذه العملية، تأمّل كيف تطور السلاح البشري من الرماح إلى البندقيات ثم إلى القنابل النووية، وكل سلاح من هذه الأسلحة قادر على نقل قوة أكبر من سابقه. عادةً تحفّز الحروب الابتكارات في هذا المجال، ومن عادة الحروب أن تظهر ضرورات البقاء على الذين تؤثر فيهم. الحاجة، كما يقولون «أم الاختراع». النزاع المسلح قوة تحفّز الإبداع، وهي مرتبطة ارتباطًا عميقًا بما يميّز الفعل الإنساني، وهو نقل الطاقة عبر الزمكان بهدف تحقيق أهداف قيّمة. الحرب هي النزاع الداخلي للإرادات الإنسانية المتضادّة، والجحيم الذي أحاق بحدود الحضارات وأغرقها عبر التاريخ. لهذه الأسباب الفيزيائية، كانت الوسائل التي ينقل بها الإنسان الطاقة هي الإكراه أو العنف، وكلاهما قوة على الآخرين، وكلاهما مشتبك بالأنظمة الاجتماعية الاقتصادية.

إن حساب العنف سبب من الأسباب التي تجعل عمليات السوق الحرة تفضّل طبيعيًّا التقنيات المالية الصعبة على السرقة. ولأن تهديد العنف قائمٌ دائمًا، يفضل الناس أن يُمسكوا أصولًا نسبة قيمتها إلى تكاليف حمايتها أعظمية. أصولًا محميّة يمكن الدفاع عنها ويصعب إنتاج مثلها، منيعةً على مساعي السلب. إن القدرة على الحماية كانت ميزة أساسية في اختيار السوق الحرة للذهب مالًا. والقدرة على الحماية فرعٌ عن المحموليّة، وهي خصيصة من خصائص المال، فالأصول التي تكون نسبة قيمتها إلى وزنها عالية أسهَل نقلًا وأرخَص حمايةً. يكمّل البيتكوين خصيصة المحمولية المالية وفرعها الأمني، لأنه مال رقمي محض: يمكن نقله بسرعة الضوء وحمايته في أي وسيلة تستطيع حمل المعلومات. كان حلّ مشكلة محمولية الذهب واحدًا من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى إنشاء العملات المدعومة بالذهب، وهو ما أعطى الحكومات نقطة هجوم استطاعوا بها احتكار معروض المال. بعد أن كان الذهب ركن السوق، أُلغي معياره، ومهّد ذلك الطريق لتطبيق العملات الحكومية الأمريّة (أي المنتجة حسب أمر الحكومة): وهي آلية احتكارية تستعملها الدول القومية للسلب الجماعي لمجتمعات كاملة، من خلال التضخم والضرائب التي لم يتفق عليها.

يستمثل البيتكوين وظيفة المال.

تدهورت المصارف المركزية، التي أُريد بها أصلًا دعم القوات المسلحة وتنظيمها، وأصبحت أنظمة تمارس قوّة الاغتصاب على المواطنين بلا ضمير. إن التلاعب بمعروض المال هو الحيلة الأساسية التي استعملتها الحكومات لتغتصب السيادة من مواطنيها الأفراد في العصور التماثلية. من قطع النقود المعدنية إلى التيسير الكمي، لم يخدم التدخل في المال إلا هدفًا واحدًا: سرقة المواطنين. أعني بالتضخم هنا تحديدًا، زيادة معروض المال عشوائيًّا تحت سيطرة احتكار قانوني، ولا أعني توسيع المعروض المنتظم، كالذي يجري عند تعدين الذهب أو البيتكوين، أو إصدار الائتمان المصرفي في السوق الحرة، كل هذه أشياء مستقلة لأنها عمليات في السوق الحرة خاضعة لتكاليف الإنتاج ومعرّضة للخسارة الاقتصادية. التضخم ظاهرة غير منتظمة لا تكون في السوق الحرة.

لقطات حقيقية من عملية «ضخ النقد» في الاقتصاد.

التضخم ضريبة، ولكن قياسها الدقيق مُشكِل. يسبب التضخم حَتًّا مستمرًّا للقوة الشرائية عبر الزمن، فتحتاج إلى مال أكثر لشراء المقدار نفسه من الأشياء، وهو ما يؤدي إلى زيادة عدد ساعات العمل اللازمة لشراء المقادير نفسها من السلع الأساسية للبقاء. تقيس حكومة الولايات المتحدة التضخم خطأً (أو ربما خداعًا) من خلال مؤشر أسعار المستهلك. هذا المؤشر قائم على حساب يغيّر أساسه عدة مرات لتحقيق نسب معينة، ويستثنى منه التصنيفات «المتقلبة» كالطعام والطاقة. التقلب هنا يعني تغير الأسعار، فاستثناؤه من مؤشر يراد به قياس تغير الأسعار يهدم الأمر كله. في الحقيقة، لا يمكن قياس التضخم بمقياس واحد. التضخم ذاتي في جوهره، مثل الحسابات التي تفسدها خسارة القوة الشرائية على المشتركين في السوق. بعبارة أخرى، التضخم نسبي إلى الأهداف الفريدة التي يستهدفها كل فاعل في السوق، وهو ما يجعل كل المقاييس العامة للتضخم غير دقيقة. أدقّ مقاييس ضريبة التضخم هو نمو المعروض المالي العام، وهي نسبة مساوية تقريبًا لنسبة بخس العملات الورقية في يد أصحابها على أي مدى زماني.

أرض الأحرار، إلا في موضوع المال.

يستحيل حساب التضخم بمبلغ معين بالدولار لأنه خسارة ذاتية في الطاقة الشرائية للفاعل الاقتصادي، كلٌّ حسب السلع التي كان يستهدف شراءها. بعبارة أخرى، كل مشارك في السوق يحدد مُعاملًا فريدًا للتضخم عندما يشتري ويبيع ويُمسك بالأصول. ولكن لا تغرّك هذه الذاتية، فمن وجهة نظر موضوعية، التضخم ضريبة، وإن كان شكلًا أمكَر وأقلّ مباشرة من الضرائب. بعبارة أوضح: ليس التضخم إلا ضريبة. وبصرف النظر عمّا تزعمه الدعاية الكينزية، فإن التضخم لا يجرّ أي منفعة اقتصادية لأحدٍ سوى المضخِّمين، أي حراميّة المصرف المركزي الذين يتربّحون من هذا الاحتكار المشرَّع لتزوير المال. يمكن حساب الضرائب المباشرة بطرائق أوضَح (بالدولار) لأنها مفوترة ومدفوعة بالدولار. ومع أن معظم دَفَعة الضرائب في الولايات المتحدة مدرَّبون ككلاب بافلوف ليُرسلوا استماراتهم ويدفعوا جزيتهم كل أبريل لتجنّب فظاعات دائرة الإيرادات الداخلية، فإنه واجبٌ أن ندرك أن الضرائب التي لا تحدد نسبُها بالتراضي هي بالتعريف، سَلب. هذا المَكْس بغير التراضي، وأخوه المشؤوم التضخم، فعلان إجراميّان لا أخلاقيّان لا تفريق بينهما وبين السرقة. واسمح لي أن أفصّل هذه الفكرة مرّة أخرى، ولو أنني كررتها كثيرًا: فرض الضرائب بغير تراضٍ، والتضخم، سرقة تقوم بها المصارف المركزية حول العالم ضد المواطنين.

### صورة ###

الابتزاز: استخدام العنف والتهديد للحصول على غرض ما، خصوصاً المال

يواجه الفاعلون في السوق دوافع اقتصادية ضخمة للخروج من هذا الاغتصاب النظامي الموجود في كل مكان. المصرفية المركزية نظامٌ مؤسس لـسرقة الوقت: بقيّة من آخر بقايا العبودية في عالمٍ تقدّم أخلاقيًّا على صُعدٍ شتّى بفضل مكتسبات الإنتاجية الكبيرة التي أكسبته إياها العبقرية الريادية، وإن كان يواجه رياح اغتصاب الأموال. يمكن أن نقول إن الأخلاق رفاهية، وأن التضخم يُضعف نشرها وتوسيعها، كما أنه يهمّش الابتكارات الأخرى. من حسن حظ أهل العصر الرقمي، صار الخروج من هذه اللعبة الفاسدة ممكنًا الآن. كل إنسان يقدّر وقته أو وقت الذين في حياته، يستطيع اليوم أن يختار مالًا تضاهي ندرته ندرة الوقت. هذا التغير البسيط في المنظور يشكّل ضغطًا هدروليكيًّا من الحوافز الواعدة بهَدم العملات الحكومية ومخططاتها الهرمية في كل مكان. فإذا أردنا النظر فيما يصدّ المشاركين في السوق عن حفظ ثرواتهم بالعملات الحكومية، وما يدفعهم إلى نقل رؤوس أموالهم إلى بنك البيتكوين الأجنبي، فلننظر في هذه الأرقام:

العملات الحكومية قائمة على آليّات اقتصاديّة تدعّ الفاعلين في السوق دعًّا إلى شراء البيتكوين. وبالمثال يتّضح المقال: إذا كان المواطن الأمريكي المتوسط يدفع 10,489 دولارًا ضرائب مباشرة للحكومة الأمريكية كل عام، وبصرف النظر عن أثر التضخم الخبيث الصعب الحساب (الذي يعتمد على مزيج الموازنة والأداء والأهداف وغير ذلك)، فإن خيار حفظ المدخرات في البيتكوين قرار ثمنه 1.2 مليون دولار، على افتراض ربح سنوي بقيمة 5% على رأس المال لمدة 40 عامًا، ثم ينتفخ ليصبح قرارًا بـ 4.4 مليون دولار على افتراض أن نسبة المدخرات الضائعة 10%. إذن، بالنسبة للمواطن الأمريكي المتوسط، سؤال اعتماد البيتكوين مكافئٌ لسؤال: «هل تقبل أن تغيّر حساب توفيرك مقابل 1.2 مليون دولار مدخرات للتقاعد؟» وتذكر بعد ذلك، أن هذه الحسبة لا تشمل إلا المَكْس المباشر. وباعتبار أن الحكومة الأمريكية طبعت تقريبًا 4.1 تريليون دولار عام 2020 وحده — وهو العام الذي بلغت فيه إيرادات الضرائب 3.9 تريليون دولار فقط — وباستعمال طريقة حسابنا المذكورة أعلاه، نجد أن الضريبة الفعلية (الجامعة للتضخم والمكس) تساوي تقريبًا ضعفي الضريبة المباشرة المفروضة على المواطنين (ولو أن التضخم يضر الفقراء أكثر والمعتمدين على دخل محدود، كالمتقاعدين والمساجين). وباستقراء توسيع المعروض المالي في الولايات المتحدة من عام 2020، نجد أن مضاعفة الأرقام المذكورة تعكس الأثر الحقيقي للاغتصاب الجماعي الذي يجرّه التضخم وفرض الضرائب بغير تراض، وتعكس أيضًا عِظَم الدوافع للخروج من هذا النظام.

وضوحًا، إذا زادت معدلات التضخم والضرائب، زادت الدوافع إلى اعتماد البيتكوين لاتّقاء شرّ الدولة القومية وأكلها لرؤوس الأموال، الذي يبلغ أكثر من 700 مليون دولار، على افتراض 100 ألف دولار في حساب توفير سنوي وأن نسبة الضريبة الفعلية 20%. إن جشع الحكومات والاختيار المتاح للمواطنين الأغنياء رقميًّا، سيُؤدّيان حتمًا إلى هذه النتيجة، وستنحدر إيرادات الدولة جدًّا، وانحدار الإيرادات علامة تنذر بانهيار أي مشروع. فإذا تبيّنت هذه الحسبة للفاعلين في السوق، هُرعوا إلى البيتكوين، وسجّل التاريخ انفجار القيمة السوقية للبيتكوين وانهيار نماذج إيرادات الدولة القومية. وهنا يصبح السؤال: كيف سينظم بنو الإنسان أنفسهم صبيحة انهيار الدولة القومية؟ إن الذين يتدبرون هذا السؤال ونتائجه الاحتمالية، ويتحضرون له، سيجدون ملجأً في أعالي البحار الرقمية، حيثُ قانون الواحد والعشرين مليونًا هو «قانون الأرض».

إبحارُ السياديين

«لقد اعتادت سلطات الجباية معاملة دافعو الضرائب كما يعامل الفلّاح بقره إذ يحسبها في الحقل ليحلبها. في العصر الرقمي، تنمو لهذه الأبقار أجنحة»

كتاب سيادة الفرد

السلطة كلمة قوية: تعني أن إرادة بعض الناس مسلَّطة على غيرهم. تعتمد السلطات على دفَعة الضرائب الباقين تحت أسرها الإقليمي، أو على الأقل، الذين يريدون أن يخضعوا إلى مراسيم السلب حتى وهم خارج السلطة القانونية لحكومتهم (انظر نظام الضرائب العالمي لحكومة الولايات المتحدة مثلًا). تقوم الدول القومية على حدود محكمة معرّفة بوضوح تمارس فيها سلطاتها ونشاط جباية الضرائب. فإذا تعاظمت الضرائب والتضخم، زادت مثبّطات دافعي الضرائب عن البقاء داخل الحدود (أو على الأقل، عن الائتمار بالمراسيم). فإذا خرجت تجارة كبيرة أو رأس مال كبير من ولاية، انهارت إيراداتها الضريبية، وانحدرت ثروة الاقتصاد المضروب وثمار إنتاجيته. ولمّا كان الحفاظ على الاستقرار من مصلحة سلطات الجباية الطفيلية، كان عليها أن تلتزم الحذر فلا تقتل مضيفيها — ومضيفوها هم الاقتصادات الإنتاجية التي تحافظ عليها. على مر التاريخ، غُلب المواطنون في هذا النزاع بين سلطات الجباية ودفعة الضرائب، بسبب اعتماد المواطنين على حقوق الملكية الخاصة والمؤسسات وحكم القانون اللازم للتعاملات التجارية الفعالة. تقليديًّا، كان في إمكان صاحب القوة أن يتلاعب بأركان التعاون الاقتصادي الاجتماعي، وهو اختصاص الدول القومية. إن تحوّلية تمثيلات الإنسان لرؤوس الأموال (الأصول)، والناس (الهويات)، والعلاقات بينهم (الملك) أعطت أنجَح أصحاب الإكراه والعنف حكمًا مجانيًّا يستطيعون به ليّ قوانين المجال الاقتصادي ليلائم أجنداتهم السياسية. أمّا البيتكوين، وهو نوع خاص من الملكية الفردية، لا تغير له، ولا اعتماد على الهوية، فيتيح انفصال السياديين عن نظام المصرفية المركزية المغتصب للأموال.

«إن مصدر كلمة Authority (‹السلطة›) هو Author (‹كاتب أو مؤلف›). تكتب السلطات دورك في قصتها. أما الفرد السيد فهو بطل رواية نفسه»

مايك هِل

تواجه السلطة المؤسسية للعصور التماثلية اليوم التفكك بقعل طوفان الأسيد الرقمي الهائج. ستفكك الشبكات المنظمة لنفسها كالإنترنت والبيتكوين قيود الدول القومية على التجارة بإعطائها الإنسان وسيلة لنقل المعلومات ورؤوس الأموال عبر الزمكان بغير استئذان وإن اختلفت الولاية، كما كسرت طابعة غوتنبرغ خناق الكنيسة المركزي على تدفق المعرفة. أما سلطات الجباية، التي تعتمد اعتمادًا مطلقًا على قدرتها على حدّ الخيارات المالية لمواطنيها، فستُجبَر الآن على تقديم خدمات أكثر وأكثر لتحصل على أي إيراد. إن قدرة الأفراد على «التصويت بأرجلهم» بالخروج من مجامع العملات الحكومية تؤدي إلى عالم فيه تأكيد أكبر على الاختيار الحر، وفيه، من ثمّ، حكومات ونماذج حكم أصغر وأقلّ إكراهًا. تُعيد السيادية المسؤولية إلى النطاق المحلي، وهو ما سيؤدي إلى توسع الحق الإنساني الأوحد: الاختيار.

ترى الحكمة المتعارفة في القرن العشرين أن المال منتج تحتكره الدولة القومية. هذا الفكر التقليدي يتدهور كلما زادت الفروق بين ظروف الماضي والحاضر. يُكتَب التاريخ عندما يتراكم التفاوت بين السائد والممكن، فتثور براكين الثورة ضد المتعارف. إن احتكار الدولة القومية للمال حتمًا لا يلائم مجتمعًا رقميًّا يستطيع تنظيم نفسه على مستوًى رفيع من الفعالية، وهو ما تؤكده الظروف. تتشكل التنظيمات الاجتماعية الاقتصادية في خطوط حقلية من الثقة والأمان ناشئة عن الحقائق التقنية في عصرها، كما تصطفّ برادة الحديد قرب المغنطيس. يغير التشفير والمال الذي لا ثقة فيه أدوار الثقة والأمان في التعاملات الإنسانية. فالمؤسسات التماثلية أدوات باهظة للتثبّت التقريبي، أما الأدوات الرقمية فأدوات رخيصة للتثبّت المطلق. ستضمن القوى الاقتصادية القائمة على مبدأ «لا تثق، بل تثبّت» البيتكويني، موت المؤسسات التماثلية المثقَلة بالثقة، وازدهار التنظيمات الرقمية القائمة على التثبت في القرن الواحد والعشرين. المال هو أصل كل التنظيم الاقتصادي الاجتماعي، والسيادية انفصال يتنزّه عن فساد التاريخ الإنساني.

المال أداة اختيار مطلق في السوق. بالمعنى الفيزيائي، المال تمثيلٌ للاستطاعة، وهي في هذه الحالة القدرة على طلب عمل الآخرين مع الوقت. كل أنظمة السلطة الاجتماعية الاقتصادية في العالم مشتقة من أداة نقل الطاقة الباطنة عبر الزمكان هذه. بعبارة أخرى: المال مسيطرٌ على معظم الطاقات الإنسانية الخلاقة. بعد احتكار الذهب وإصدار المال القائم على الدين مكانه، أصبحت المصرفية المركزية هي الخيار المشترك للفاعلين في السوق. وُلدت السيادية من البيتكوين، لتكون قيامةً للخيار الفردي في عالم تسيطر عليه الدول القومية. بتسليح مواطني القرن الواحد والعشرين بالقوة لتحقيق الأكثر بالأقل، وللاختفاء في الأثير الرقمي متى احتاجوا، وللاستقلال عن مجامع الأمر والسيطرة القائمة على العملات الحكومية، يَعِد العصر الرقمي بأنه سيتميّز بطبقة اجتماعية جديدة من النخب العقلية: السياديون المثقفون. ومع إبحار مزيد ومزيد من السياديين إلى أعالي البحار الرقمية، ستزداد مجتمعاتهم هنالك غنًى وسلامًا وأخلاقًا وجاذبيّة للآخرين، مُطلِقةً دورةً فاضلة من التقدم الحضاري.

الاختيار هو الحق الإنساني الوحيد، والبيتكوين يوسّع طيف الاختيار أمام الفاعلين في السوق توسيعًا جذريًّا. إن الذين يدركون هذا الواقع الجديد، ويختارون أن يسلكوا المسلك الصحيح أوّلًا، هم الذين يرثون الأرض.

السيادية تحول سياسي ضخم يظهر أنه لا يمكن إيقافه: فكل فاعل في السوق إمّا أن يتحضر له ويعتنقه، وإما أن يُجبَر على ذلك عندما ينهار مجمع العملات الحكومية العالمي، وإنه لمنهار. كل محاولة للسيطرة على السياديين ستكون مثل محاولة السيطرة على سرب من الزرازير، والزرازير طيور تنظم أنفسها وتتفرّق وتتجمّع في طيرانها لتتجنب كل عائق في الطريق. أو ربما يجوز أن نشبه السيادية بالبحار التي لا تزال هائجة: قوّات لا تألو ولا تقف، تحكمها قوانين الطبيعة، قائمة على مبادئ الفيزياء بعيدًا عن سلطة السياسة — طاقات ستنحت شكل الواقع الاجتماعي الاقتصادي وإن كره أي كيان مركزي. عندما يحكم الاختيار الرقمي، تُملَّك اللامركزية. إن المفتاح الذي لا غنى عنه لتنظيم ذكاء الطبقة الاجتماعية الصاعدة المسماة السيادية هو بنك البيتكوين الأجنبي المعصوم.

تبدأ السيادية بالبيتكوين، ولا ندري أين تنتهي. قد ترشدنا لمعرفة هذا دراسةُ التحولات التاريخية المشابهة. في الجزء الثالث، سنستكشف تاريخ التحولات السياسية الكبرى لنميّز متحوّلات مشتركة نستخدمها لنستشرف مستقبل السيادية.

Tagged : /

السيادية الجزء الأول: الدمار الرقمي الخلّاق

المقالة الأصلية | المؤلف: Robert Breedlove | ترجمة: The BTC Translator

الدمار الرقمي الخلّاق

إن تطور التقانة أسرع من قدرتنا على فهم مقتضياتها

كِنْ غولدشتاين

الدولتيّة (أو الدولجية) أسلوب تنظيمٍ اجتماعي اقتصادي نشأ في العصر الصناعي، يشمل كل تطبيقات الدولة للرأسمالية والشيوعية والفاشيّة، وكل الأنظمة الدولتية الأخرى، ولكنه لا يدل على هذه الأدلوجات دلالة صافية. صعدت تطبيقات الدولتية في القرن العشرين، عندما كان أسلوب التنظيم الممكن الوحيد هو الحُكم من عَلُ (top-down) حكم الدولة القومية المركزية المسيطرة. وكما سقطت الإقطاعية أمام الصحافة المطبوعة، سقطت الدولتية أمام واحدة من أهم الوقائع التقانية في عصرها. لقد افترس الترقيم في قرننا هذا كل مشروع تقاني مرجوح الفعالية: من الإعلام والمواعدة، إلى الإعلان والسفر. فإذا سحبنا الكلام على الحكم، وجدنا أنّ الأدوات الرقمية تنسَخ الدوَل القوميّة بتمكين الأفراد تمكينات جديدة وعميقة.

كل الدول مشكّلة بالتقانة. إن الوجود الإنساني في دأبٍ مستمرٍّ إلى أنواعٍ أحفَظ للطاقة من تنظيم النفس، لإبقاء الإنتاجية محرَّرة بتقسيم العمل، وتقليل النفقات اللازمة للأمان قدر المستطاع. هذا هو هدف المجتمع. بتقسيم العمل تقسيمًا أعمق وأعمق، ينمو كنز المعرفة الإنساني العالمي أغنى وأغنى، ليعلّم البشر إنشاء أدوات وأنظمة أفضل. مع تحقيق الإنسان أساليب أوسعَ في لامركزيتها لحماية الأملاك والأشخاص، نشأت دول جديدة: لقد مرّ العالم بتقدّم طويل من طغيان مصر القديمة إلى الديمقراطيات التمثيلية في الحضارة الغربية. وفي تعاقب هذه «التغيرات الطورية» الاقتصادية الاجتماعية، تتحرّر مقادير كُبّارة من الطاقة الإبداعية وتتمثّل في الإنتاجية والأرباح وتجمّع رؤوس الأموال. إن تنظيم المجتمعات على نحوٍ مستمثَلٍ للاختيار الفردي هو أفضل أساليب التنظيم الاقتصادي والاجتماعي حفظًا للطاقة. غلبت الرأسماليةُ الشيوعيّة (ودمّرت الاتحاد السوفييتي بطريقها)، لهذا السبب: لأن الأدوار المختارة طوعًا (الأسواق الحرة)، لا تستلزم تكاليف أمان وحفظ كالتي تستلزمها أنظمة الأدوار الإكراهية (الأسواق غير الحرة).

إن انتصار الرأسمالية على الشيوعية هو «التدمير الإبداعي» الذي ذكره شومبيتر، الذي يُبطل فيه الإبداع الأدوات والأنظمة الأقدم والأقل طاقة، ويحرر طاقةً يمكن استهلاكها في مساعي أخرى. تنشأ صبيحةَ هذه العمليّة المدمّرة والخلّاقة، عوائد اقتصادية ضخمة. تأمّل مَثَلًا، أنه قد احتيج لبناء هرم الجيزة الأعظم 84 ضِعْفًا لعدد الساعات البشرية التي احتيجت لبناء برج خليفة ناطح السحاب في دبي، ومع ذلك فإنّ البرج يبلغ 830 مترًا، أي 7 أضعاف طول الهرم العتيق، بفضل التخصص المعرفي الموجود في عصرنا الحديث. وكان بناء برج خليفة شهادةً مذهلةً للرأسمالية الحديثة (وإن كانت مهمّشة)، إذ بني على نحو أفعَل بأضعاف من هرم الجيزة الأعظم (498 ضعفًا من الطول في ساعة العمل الواحدة).

تغْلِبُ الأنظمةُ الاقتصادية التي تحفظ الإنتاجية بحماية تقاسم العمل.

الرأسماليّة، من حيث هي نظام اجتماعي اقتصادي، أذكى في توزيعها للطاقة من الشيوعية. يبلغ الرفاه المنظَّم ذروته عندما تُقَدَّم السيادة الفردية. أحسنت الرأسمالية في هذا الأمر، ولكن تدخل الدولة في المجالات المالية والقانونية كبحها. أما السيادية، وهي فلسفة أعمقُ تجذّرًا في مبادئ السوق الحرة، فتعدُ بأنها ستكون موزّعًا لا ندّ له للطاقة، في سعي لإشباعٍ أكبر للرغبات الإنسانية. 

الطاقة هي الحقيقة

إذا أردت أن تجد أسرار الكون، ففكّر بمصطلحات التردد والاهتزاز والطاقة

نيكولا تسلا

إن تسخير الطاقة لتصبح منتجة لنفسها هو هدف كل الحياة. في الأنظمة المقيّدة بشدّة، أفضل تحويل للطاقة هو تحويلها إلى عمل ميكانيكي. في الأنظمة الفيزيائية، هذه القيود هي الجزيء، في الأنظمة الاقتصادية، هي الملكيّة. وكلّما قويت القيود، زادت فعالية الطاقة. تحدد اعتبارات فعالية الطاقة الأدوات والأنظمة التي يخلقها الإنسان لنفسه. إن من شأن المنافسة السوقية الحرة أن تختار الأنظمة المتينة ثرموديناميكيًّا، أي الأنظمة التي تستمثل استعمال الطاقة النادرة مطلقًا. تترجَم القيود الأقوى إلى سعة استطاعة أعلى: أي إلى زيادة القدرة على حفظ الطاقة مع مرور الوقت من دون تبديد. في كونٍ تنافس فيه الحياة كل يوم على حصتها من الطاقة المحدودة، التبذير مدمّر. ولمّا كانت الطاقة هي أدقّ تصوير للواقع، كانت الطاقة هي الحقيقة. فتحويل الطاقة إذن، هو حفظ للحقيقة، وهو مفتاح النجاح في الظروف التنافسية للكائنات الحية والمنظمات.

التجارة والمال ركنان من أركان التنظيم الاجتماعي الاقتصادي. يتقايض الناس طاقاتهم لينتجوا ثمرات عملهم. المال هو الوسيط الذي يتقايض به الناس الطاقة. وأفضل المال هو المال الذي تضاهئ ندرته ندرة الطاقة اللازمة لإنتاج ثمرة العمل التي تجعله مستحقًّا. فإذا أصبح هذا المال (الأفضل) نظام تشغيل الطبقة الأساسية للتعاون الإنساني، جرّ مقتضيات عميقة على الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية التي تقوم عليه. إنّ مالًا كهذا لا بدّ أن يكون أصمَّ عن المكايد السياسية والفعائل الإجرامية، كما أن الواقع الثرموديناميكي للندرة الطاقية المطلقة الذي يحميه أصمّ عنها. فإذا أوقف الإنسان تخصيص طاقة لـ«إدارة» المعروض المالي (أو بالأحرى، التنازع على السلطة لإدارته)، تحرّرت طاقاته لإنشاء بنى سياسية اقتصادية أمتن على أساس مال لا يتغير ولا يتزعزع.

الحرب استمرارٌ للسياسة لكن بوسائل أخرى

كلوسوِتْز

يؤسس المال السليم ثرموديناميكيًّا «منطقة محايدة» لا يهم فيها إلا كَم يشارك المرء في إنتاجية المجتمع. لن يعود للرتبة العسكرية، ولا الانتماء السياسي، ولا القرب من آلة الطباعة، دورٌ في تحديد مكان المرء في هرم الثروة العالمي. فإذا وُهب المجتمع مصدرًا للحقيقة التي لا شك فيها، التي يستطيع أن ينظم نفسه حولها، ستُزال دوافع كثير من العنف في العالم وتشحّ موارده. عندما لا تُلوى القوانين، ولا يمكن مصادرة المال بسهولة بالإجراءات السياسية، يصبح السعي في التعاون السلمي هو الخطة الأكثر إنتاجية. يُوهن المال الثابت السياسة واستمرارها الذي ذكره كلوسوتز: الحرب.

صعود السيادية

كل حقوق الإنسان يمكن اختصارها بحق واحد: الاختيار.

ولعلّك عرفت الآن، أن هذا المال المثالي السليم ثرموديناميكيًّا والمحايد سياسيًّا، هو البيتكوين. البيتكوين، ابن الاثني عشر عامًا المشاغب على واحدة من أقدم وأهم الأدوات في العالم، هي الذهب، كان تحرّكًا تكتونيًّا في التنظيم الإنساني. الذهب، ومنذ 5 آلاف عام، هو نظام التشغيل المالي للطبقة الأساسية التي قامت عليها كل الأنظمة الحديثة للحكم الإنساني: وهي أنظمة السيادة القديمة التي أفسدتها المصرفية المركزية. كسر البتكوين الخناق المفروض على المال حين شاغَبه في الطبقة الأساسية، وفرض بذلك تجديد كل الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية المشتقة من المال، وهو ما يشمل حكم القانون، وحقوق الملكية الخاصة، وعدة أشكال مؤسسية. لا يعرف أحد كيف سيتمثّل هذا الانتقال السياسي الأعظم، ولكنه سيكون صعودًا جوهريًّا، من تحتُ (bottom-up)، لأن السيطرة من علُ (top-down) على نظام السيادة هذا، المختلف اختلافًا نموذجيًّا، أمرٌ غير موجود أصلا. ولأقولها بوضوح: البيتكوين هو الابتكار المالي الخطير الذي أتاح نوعًا جديدًا من التنظيم الاجتماعي من دون الحاجة إلى الدولة القومية، وهو شكل «مُنَقًّى» من الرأسمالية، حُرٌّ من تدخل الدولة القومية، مستحقٌّ لكلمة جديدة خاصّة دالّة عليه. فلنسمّ هذا النمط من التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الذي أتاحه المال المشفر الرقمي السيادية.

ينشر البيتكوين الطاقة في ثورة في التنظيم الاجتماعي الاقتصادي تُعرَف بالسيادية.

ولنسكتشف مقتضيات السيادية، فلنبدأ بمبدأ الاقتصاد الاجتماعي الأول الذي لا ينتفي: لا بد للإنسان أن يفعل. كل فعل محتاجٌ إلى طاقة، ودالٌّ على هدف، لأن كل القرارات الواعية فيها محاولة تحقيق هدفٍ ما. إن أهداف الإنسان دومًا تدور على تخفيف القلق (الذي يسميه اقتصاديّو المذهب النمساوي «إشباع الرغبة» أو «تقليل الارتباك»). الإنسان هو النوع المسيطر على الأرض لأنه يستعمل التقانات والأساليب التنظيمية ليمرّر الطاقة عبر الزمكان بذكاءٍ أعلى، وساعيًا إلى أهدافٍ أعمق، من أي حيوان آخر. إن أهدافنا العليا تتطلب تمريرًا للطاقة على مستويات زمكانية أكبر، بإتقان أكبر، ودقّة أعظم. وإذا استعملنا التقنيات والأنظمة الاجتماعية الاقتصادية استعمالًا صالحًا، ساعدتْنا على تخفيف قلقنا أكثر. تضخّم الأدوات قوة جهودنا العملية، فتزيد نسبة المنتجات إلى الطاقة المستهلكة. تجعلنا أنظمة التنظيم الاجتماعي الاقتصادي — كالرأسمالية والاشتراكية، والسيادية الآن — ننخرط في عمل منَسَّق ليزيد منتجاتنا الجمعية بتركيز الانتباه الفردي على مراحل الإنتاج دقيقة التي تزداد دقّة (إذ تزداد الإنتاجية بتقسيم العمل). بهذا المعنى، فالأدوات تنظيمات، والتنظيمات أدوات، وكلاهما مفيد لتعزيز الهدف الجامع للحياة البشرية، وهو الفعل الهادف إلى تخفيف القلق. تغلِب الأدوات والتنظيمات الأصلَح لحفظ الطاقة مع الوقت.

الأدوات والتنظيمات كلاهما أدوات لتمرير الطاقة بذكاء أكبر عبر الزمكان. إن السد الكهربائي المائي (أو الكهرمائي) والدولة القومية مشتركان في هذا: كلاهما خزّانات وموزّعات طاقية مصممة بذكاء، فالسد يمرر الطاقة الهيدروليكية للماء والدولة القومية تمرر الطاقة التحويلية والسياسية والإنتاجية للشعوب. كلاهما، على الأقل مؤقتًا، يكرّس الطاقة ويمرر الهجوم الإنتروبي للطبيعة (البيئية والإنسانية). لكن في النهاية، كلاهما يعطينا طريقة لإلغاء النزعات المركزية في الطبيعة التي يسعيان إلى احتوائها، فالماء دومًا يتدفق إلى المنخفضات والناس دومًا ينظمون أنفسهم بالطرائق الأفضل لمصالحهم الاقتصادية.

إن أدوات توزيع القوة بعيدًا عن السيطرة المؤسسية من الأعلى، هي تنظيمات رقمية مفتوحة المصدر، كالتنظيمات التي تشكل طبقات بروتوكول الإنترنت العديدة. ويكيليكس، والربيع العربي، واحتجاجات جورج فلويد، هي بعض الأمثلة التي تبيّن أن الإنترنت تهديد كبير على بنى القوة المركزية. ليست هذه الحركات المجتمعية إلا هزّات سابقة لانهيار الدولة القومية القادم. لمّا كان البيتكوين هو المال الرقمي غير الحكومي الوحيد، كانَ هو طبقة القيمة في الإنترنت، وأول منافس لنظام السيادة الذي قدمه الذهب تاريخيًّا.

البيتكوين هو الطبقة المالية لمجموعة بروتوكول الإنترنت، ونظام السيادة المنافس للذهب. حقوق الصورة لـ: @anilsaidso

والبيتكوين هو أول تنظيم رقمي ذاتي الحكم، لأنه امتداد لبيئة الإنترنت التي تنظم نفسها. هذه الأشكال التنظيمية هي أحدث الطرائق لمواءمة إرادة الفرد والجماعة. إن منظمة رقمية ذاتية الحكم كالبيتكوين، تحكم نفسها وتستطيع مفارقة المختلفين سياسيًّا الذين يهددون التماسك التنظيمي (انظر انقسام بيتكوين كاش).  يتغلب البيتكوين على التنظيم الإكراهي التماثلي مغلق المصدر للدول القومية، لأنه نظام أقدر على التلاؤم، وأسيَل، ولأنه نظام طوعي لتوزيع الطاقة الاجتماعية الاقتصادية في الزمكان.

البيتكوين

البيتكوين نظام سيادة لا نزاع فيه يصالح بين المقايضات الفردية التي تجري في الجماعة الاجتماعية الاقتصادية. يتحاشى البيتكوين الحاجة إلى الدول القومية، وهو في لاأدرية كاملة بشأن أنظمة القانون والنظام الإنسانية التي احتضنته في سنينه الأولى. يسخّر البيتكوين الطاقة الإنسانية ليوسع شبكته، إذا يزيد قوة الطبيعة الإنسانية والدوافع الإنسانية متخذًا منهما عنصرين لا نزاع فيهما لإعمال الشبكة. والبيتكوين نظام مستصغَر الخسارة، لتخزين ثمار العمل وإرسالها، يولّد عرضه الثابت طلبَه بنفسه (محقّقًا قانون ساي) مع تزايد الثروات التي نهبها التضخم. وهذا هو سبب انتهاء الجميع إلى جدول رواتب البيتكوين. الآن تنشأ طبقة جديدة من المواطنين العالميين: سكّان يتعالى أثرهم وصوتهم ومالهم تمامًا على الجغرافيا وسلطاتها المحلية المتنوعة. إن صعود السيادية يُنهي أمر الإكراه أخيرًا من الحضارة.

حكم السوق الحرة

ستُخرب المعالجة الدقيقة الدولة القومية وتدمرها

سيادة الفرد

تنجح السيادية بتقليص العوائد الاقتصادية التي ارتبطت سابقًا بالعنف والإكراه. سيطالب المواطنون بقانون تعاقدي وتأمينات على أملاكهم تضاهي التأمين الذي يقدمه البيتكوين، وإلا فلن يدفعوا شيئًا من مالهم. كما أن استدعاء سائق غريب ليوصلك وحدك في سيارته كان أمرًا مجنونا قبل 25 سنة، كذلك ستستمر التقانة الرقمية في تغييرها لطبيعة الثقة والتعامل البشري. ولكن، إذا أصبح المال رقميًّا، فالمقتضيات أكبر بكثير. ومن الآن بدأ الناس يستكشفون قدرات التوقيعات المتعددة للبيتكوين وسيلةً لتسهيل الحكم في العقود الخاصة بعيدًا عن محاكم الدولة. وفي الإمكان أن ينمو هذا الأمر فيصبح بديلًا لا مركزيًّا لنظام العدالة التقليدي. لأن المال لا يمكن بعد الآن مراقبته أو سرقته، فإن البنى الاجتماعية الاقتصادية القائمة فوق نظام تشغيل الطبقة الأساسية هذا ستزيد التشفير وتسعى إلى مقاومة مكافئة للرقابة.

ولكن، ككل الولادات، هذا الانتقال إلى الحالة اللامركزية للحضارة معدومة المثيل، لا بد أن يكون مشتتًا. عندما تتراجع العوائد الاقتصادية لتنظيم العنف على مستوى كبير، تتقلص نماذج العمل القائمة على الحماية من العنف (الحكومات والدول القومية) بالضرورة، وتصبح محلّية أكثر. هذه الأرجحة العكسية لبندول الاقتصاد الأكبر تعني أن العنف سيصبح على نطاق أصغر، وعشوائيًّا أكثر: كما كان الأمر في عصر الصيّادين الجمّاعين (الذي كان عصرًا لامركزيًّا حقًّا). السيادية، مثلها مثل الحميات القديمة، واليوغا، والتأمل، والطب الأيوردفي، والإنثوجينات، والبيتكوين نفسه (وهو مال المذهب الاقتصادي النمساوي)، ليست إلا مثالًا آخر على تجدد الأساليب القديمة في الزمن الرقمي.

الحميات القديمة، واليوغا، والتأمل، والطب الأيوردفي، والإنثوجينات، وحتى المذهب الاقتصادي النمساوي (البيتكوين)، كلها أساليب قديمة شهدت صحوة في العصر الرقمي.

كما غلبت الرأسمالية الشيوعية، ستغلب السيادية الدولتية بكل أشكالها. بتمكين الحرية الفردية بطرائق جديدة جذريًّا، ستولّد المجتمعات التي تعتنق المبادئ التنظيمية المتسقة مع السيادية (كالخصخصة الصناعية الواسعة، ونزع الطبقة البيروقراطية، والضرائب بالتراضي، والبتكوين، وغير ذلك) ثروة أكثر من اقتصادات الأمر والسيطرة التي تعتنقها الدول القومية الصارمة، وهذا سيجذب مزيدًا من المواطنين. كلما زاد عدد القضاءات المتنافسة، قلّ قبول الإسراف البيروقراطي. فإذا أفاق الناس على هذه الحقيقة، اضمحلّ الإدمان الحديث للسياسة ليصبح طَلَلًا من زمن بائد.

خلافًا لمفاهيم العصر الحديث الخاطئة, الاقتصاد يقود السياسة; السياسة لا تقود الاقتصاد. لا يستطيع قلم المشرّع أن ينتج ثروة، لا يستطيع إلا أن يوزع ثروة. مع انتفاخ البيروقراطيات السياسية إلى أن أصبحت غير محتمَلة من جهة اقتصاداتها المنتجة التي تقوم عليها، سيؤدي اليأس إلى انفجار توسّع الحكومة، فيجبر الفاعلين في السوق على حماية ثروتهم بأي طريقة يستطيعون. وفي القرن الواحد والعشرين، لن تجد رؤوس الأموال خزانةً أمنَع من الخزانة الرقمية. مع هروب رؤوس الأموال إلى المجال الرقمي للتخلص من الضرائب المتزايدة والتضخم، تهبط عوائد الحكومة بسرعة، فتتشتت ثم تفشل. نتيجة هذا، يرجح أن ينمو العنف المنظم أثناء هذا الانتقال. في الحقيقة، الدولة القومية هي «عنف منظم»، فهي جهاز الإكراه والإجبار الذي أُريد به عزل مكاسب الإنتاجية التي تولدت بالتقسيم السلمي للعمل. تحمي أنظمة القانون والشرطة الفاعلين في السوق من التهديدات الداخلية على منبع التجارة الحرة، أما الجيش فيحيّد التهديدات الخارجية. كانت الدولة القومية أفضل طريقة للقرن العشرين لاستعمال العنف من أجل حماية السلام.

الأنفاق العسكري في عام 2019 – أعلى 10 دول والتغيير من 2018

لكن الواقع التكنولوجي للقرن الواحد والعشرين يغيّر حساب العنف تغييرًا كبيرًا. ولمّا امتنَعت مصادرة المال الرقمي بالضرائب أو التضخم، أصبحت خدمات الحماية التي تقدمها الدول القومية عاكسة لتكاليف إنتاجها الحقيقية مع الوقت. بعبارة أخرى: في العصر الرقمي، ستُجبَر الدول القومية على التنافس واكتساب ولاء مواطنيها، كأي شركة أخرى في السوق الحرة، ومن ثم فلن تستطيع اكتساب مال لقاء خدماتها (التي ستقل حاجتنا إليها) إلا ما يوافق سعر السوق. قد تجد الأنظمة القانونية والسياسية التي كانت مطلوبة لضمان العقود والملكية الخاصة والسلام المجتمعي في العصر الصناعي، قد تجد نفسها سريعًا لا وجوب لها ولا ضرورة، في عالم يمكن تقديم هذه الخدمات فيه بطرائق أفعَل توفّرها شبكات رقمية منظمة لنفسها. فإذا جمعنا إلى هذا انهيار قدرات الحكومة على المَكْس (فرض الضرائب) وجدنا أن الخدمات التي تقدمها الدولة ستسقط أمام البرمجة.

داروينية رقمية

ستصبح الفعالية أهم من مراسيم السلطة في تنظيم المؤسسات الاجتماعية

سيادة الفرد

مع تداعي الدولة القومية، ستسقط حواجز دخول السوق والمشاركة فيه والخروج منه، ومن ثم يتعاظم التنافس السوقي الحر وتوليد الثروة. في الأسواق الممكّنة رقميًّا والعالية التنافس، تسود توزيعات قانون الطاقة وتتضاعف آثار (الغالب يأخذ كل شيء): فيسبوك، آبل، أمازون، نتفلكس، مايكروسوفت، والآن بيتكوين، كلها أمثلة على هذا النموذج الدارويني الرقمي. سيصبح الاختيار والتجريب هما المتحوّلان اللذان يعرّفان التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الجديد. سُتحاوَل أساليب جديدة لحماية الحياة والحرية والملكية، وستُخفق، ثم سيُستفاد منها. إن التهديد دائم الوجود، بهروب رؤوس الأموال إلى الفضاء الرقمي الذي لا وصول إليه، سيجبر المؤسسات التي تريد أن تبقى على التعامل بصدق مع المواطنين. فإذا أصبحت الحكومات برامج، أصبحت رشيقة، ابتكارية، متبعثرة. يحرق التشفير الدولة القومية بالأسيد الرقمي: ويفكك أقوى بنى قوتها ويحول بنى دوافعها من الداخل. لن يبقى إلا أكثر الوظائف الحكومية إنتاجية ومسؤولية. مع انحسار قيود المحلية، لن يُكسَب المال والاهتمام إلا مقابل أقوَم الخدمات وأفضلها. من مميزات السيادية: أن تحل الجدارة (أو الميريتوقراطية) محلّ البيروقراطية.

يجعل الترقيم النتائج أهم من المراسيم، أي إن الجدارة ستعتلي هرم القيم المجتمعية. إن عالمًا تُرفَع فيه القيود الزمكانية لا شكّ أنه سيكون «عصر التفوّق». فعلى سبيل المثال، لم يعد كافيًا أن تصبح فرقة تقليد أفضل فرقة في المدينة: فبفضل اليوتوب، ستحتاج اليوم إلى أن تصبح أفضل فرقة تقليد في العالم، في الزمن كله، وأن تنافس على اهتمام الجمهور المستهدف. بل إن على فرق التقليد أن تنافس حتى الفرق الأصلية التي تقلّدها، في زمننا الذي غيّره التواصل الرقمي. عندما تصبح عروض المبيعات على الوسائل الرقمية لا في العالم الواقعي، لن ينشر المسؤولون التنفيذيون إلا مندوبي المبيعات الأمهَر بغض النظر عن مكان سكنهم. إن تقليل الحواجز البيروقراطية يزيد دعم الجدارة، ويخفف القوة السياسية في العمل.

فإذا قلّت مكاسب استعمال العنف، أصبحت الفعالية أهم من الحجم من حيث تمرير الطاقة في الزمكان. عندما تغلب الفعاليةُ العملات الحكومية هكذا، تتفسّخ المؤسسات لتتنظم من جديد، وتتراكم حينها معظم المكاسب الاقتصادية مع «النخبة العقلية» التي تنبّأت وتحضرت لهذه التحولات السياسية الكبرى على الأرض. إن الذين يكرسون جهودهم ليتأقلموا مع روح العصر عديمة الحدود، السائلة، المنظمة لنفسها (بنقل مدخراتهم مبكّرًا إلى البيتكوين وتنويع خيارات جنسيتهم)، سيخلعون «الرأسماليين الجشعين» الذين ولدهم العصر الصناعي، ليتوّجوا أنفسهم «سياديين مثقّفين» ولدهم العصر الرقمي.

توسع التقنية الرقمية أفق الإمكان الإنساني، فتُظهر أن تحقيق ما تخيله السياديون بكل أنواعهم متعددة الوجوه، أمر ممكن. إن بث الفيديو، والتواصل المشفر، والمال الذي لا يُوقَف، كلها أشياء تجعل الإنسان «يلوي الزمكان» حسب إرادته. ولكن، مع هذه الإمكانات المتقدمة تكاليف ومخاطر. سيُجبر فقدان شبكات الحماية الاجتماعية وبرامج الرفاه الحكومي الأخرى، الأفراد على أن يصبحوا مسؤولين عن أنفسهم أكثر مما كانوا أيام العصرين الزراعي والصناعي (اللذين سأسميهما من الآن: العصرين التماثليين). السياديون الناجحون هم الذي يجسدون حكمة فولتير الخالدة:

مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة

لا شَكّ أن السياديين الذين استحقّوا اسم السيادية سيُمتحَنون، لأن الدول القومية ستدافع وتحاول أن تحافظ على سلطاتها التقليدية على الناس. ستخسر الدول القومية سلطتها على «الأفراد السياديين» الذين حرروا أنفسهم، والذين سيتسلحون بالإمكانات العظيمة التي ولدتها رؤوس الأموال والأسواق والشبكات الرقمية. قد يصبح الابتزاز الموجه، سلاح الحكومات الفاشلة المفضَّل، من شدة يأسها. لن ينجو من هذه الإجراءات العسكرية إلا السياديون الذين يتخذون أفضل إجراءات الأمن. مع إشراق حقيقة المستقبل الرقمي الذي يهدد وجود الدول القومية، يرجح أن هذه الأخيرة لن تألو جهدًا في صراع القوة التالي، كما شرحها كتاب سيادة الفرد

كما حارب الملوك والسادة والبابوات والحكام حرصًا على مزيّاتهم التي اعتادوها في المراحل الأولى من العصر الحديث، كذلك ستستعمل حكومات اليوم العنف، العنف الخفي العشوائي، محاولةً منها لإبقاء الأمور على حالها. سيضعف تحدي التكنولوجيا الدولة، ويجعلها تعامل أفرادها الذين يتزايد استقلالهم، مواطنيها السابقين، بالجشع نفسه والأساليب التي كانت من قبل تظهرها في التعامل مع الحكومات الأخرى

مهما قاومت الدول، ستنهار أمام البرمجيات في الآخر. إن محاربة تدفق البيانات الحرّ أخيَب من محاربة مد البحر.

انفجار السدود

في العصر الرقمي، ستضمحلّ تهديدات العنف الجسمي التي كانت مبدأ السياسة ومنتهاها منذ الزمن الغابر

سيادة الفرد

الدول القومية، كالسدود، لا تستطيع مقاطعة التدفّق الذي لا ينقطع لنزعات الطبيعة إلى تنظيم نفسها إلى الأبد. مع انهيار قدرة الحكومات على فرض الضرائب، ستتوسع الاقتصادات البديلة، وتجعل الدول القومية الأصغر قادرة على تنافس أكبر، وهو ما سيجعلها جذّابة للسياديين. إن إرهاصات هذا التحول ظاهرة من الآن، مع إعلان مدن مثل ميامي برامج لجذب رائدي الأعمال الذين يفكرون بالمستقبل لتعطيهم الإقامة.

بفضل مجموعة من التطورات التقنية، ستقلّ فوائد الحجم الكبير في القتال. يقلل الترقيم من حيث هو ترقيم، الحجم الذي يجب على المنظمات أن تحصل عليه لتستطيع استعمال العنف. يمكن طباعة الأسلحة بالطابعات ثلاثية الأبعاد، يمكن إطلاق طائرات مسيرة رخيصة مضادة للطائرات، يستطيع القراصنة تعطيل جيوش كاملة، ويمكن تحريك رؤوس الأموال من دون أثر. إن عدم تناظر التكلفة والنتيجة يؤدي إلى أنظمة قوة متناسقة. عندما تنهار تكلفة الدفاع، تصبح خطط الهجوم أقل إثمارًا.

فإذا استرجع العالم لامركزيته، سيرتدّ إلى تناسق العنف، الذي شهده آخر مرة في أيام الصيّادين والجمّاعين. ولكن هذا الارتداد (خلافًا لما قد يُظَنّ) سيولّد مزيدًا من السلام، بعد النظر في كل الحجج، لأن الطاقة اللازمة للفعل أحيانًا أهم من الفعل نفسه. كما أن مخافة هرَب رؤوس الأموال تجبر المؤسسات على الصدق في تعاملاتها، كذلك مخافة العنف المحلي ستشجع التواصل السلمي بين السياديين على نطاق واسع. ستتراكم المزايا القتالية مع المؤسسات المتكيفة المنوّعة، التي تستطيع أن «تضرب أكبر من وزنها» مسلّحةً بأسلحة متقدمة. إن الوصول المتساوي إلى الأسلحة، التي يمكن تحميلها من الفضاء الرقمي وشراؤها من الأسواق التي لا قيد لها، يعني أن السياديين سيتعاملون بأدب بينهم. مع أن تحقيق تناسق القوة مغرٍ على المستوى الحضاري، فإنه يقتضي إعادة تشكيل البنى المؤسسية، وهو حدث سيظهر اضظرابًا عظيمًا: كما تستعيد الطبيعة التوازن بتفجير سد.

لا تثبت البنى التي لا تتكيف أمام اختبار الزمن. ستغلب السيادية كل أساليب التنظيم الاجتماعي الاقتصادي، لأنها أشدّ هذه الأساليب تكيّفًا.

إن تناسق العنف وانخفاض دوافعه، يعني تناقص جرائم القتل الجماعية، وجرائم القتل المدرسي، والحروب الحكومية. ولكن مع هذا، سيواجه السياديون تهديدات كالابتزاز وطلب الفدية، وهي أسلحة قد تحملها الدول القومية على جميع الناس سواءً، في صراعها لتحافظ على قيمتها وهي تتفكك في طوفان الأسيد الرقمي. سيتزايد الطلب على الحماية من الحكومات المتساقطة. ستكون إجراءات الأمان والحماية ذات أهمية كبرى للأثرياء. ويرجح أن تشتهر تفاصيل الحماية الخاصة بين السياديين. ستُلغى الهويات التي تعطيها الدول للناس، وتتخذ مكانها أسماء مستعارة. وعندما تثوّر التكنولوجيا الرقمية الإنسان من كل ناحية، تصبح قوانيننا الحالية متقادمة، ومؤسساتنا مقلوبة، وستتغير أخلاقنا وتتبدل تصوراتنا إلى الأبد. ستهزّ السيادية حسّ الاستقرار (الوهمي) الاجتماعي الاقتصادي الذي يوفره احتكار العنف، وتُنذر بانهيار كامل لنموذج الدولة القومية التنظيمية المثقَل بالسياسة والتسييس. ورد في الفرد السيد:

ستجبر قوى السوق، لا الأغلبيات السياسية، المجتمعات على إعادة تشكيل نفسها على نحو لا يقبله الرأي العام ولا يرحب به. فإذا فعلوا هذا، سيظهر تضليل الرأي القائل بأن التاريخ هو ما يتمناه الناس.

إن من الحجج الشائعة ضد صعود السيادية التي مكنتها البيتكوين: أن «الدول القومية لن تسمح بذلك». مسار التفكير هذا معيب في جوهره، لأنه يجعل الدول القومية تنظيمات مفردة مستقلة لا تنقسم. في الحقيقة، الدول القومية هي (إلى حد ما) مجرّات متداخلة من الأفراد الذين تجمعهم مصالح اقتصادية أو شبكات تجارية أو تشابهات اجتماعية ثقافية أو أحلاف سياسية جغرافية. الدول القومية ليست تجمعات اجتماعية اقتصادية مفردة، خلافًا لما تفترضه أذهان كارهي البتكوين خطأً. إن السلطة التي تمسك هذه المنظمات مشتقة (مباشرة أو غير مباشرة) من حصتهم في نظام السيادة التماثلي الوحيد في العالم: الذهب. مع قصور مستوى الخدمة الذي تقدمه هذه الدول القومية مقابل ثمنه، ستزداد دوافع المواطنين الأفراد لترك هذا الاحتكار المالي المفروض بالعنف، وهو ما يشكل في النهاية «حمى الخروج» إلى البيتكوين. سيواجه هذه الضغوطات قضاة الدولة ومشرعوها وشرطتها، ولن يتجاهل هذه الضغوطات الاقتصادية لترك نظام النقد الحكومي إلا أغبى الناس أو أصحاب الوطنجية. وإذا بدأ ناخبو الدولة المتنفّذون يجمعون البيتكوين، يصبحون منحازين إلى نجاحه، وتتفكك بنى السلطة الموجودة في جوهر كل دولة قومية. البتكوين دوامة لا انتهاء لها من الدوافع المنيعة على الخطط الإكراهية، وإعصار اقتصادي لن تجد أي دولة قومية عنه مصرفًا. السيادة الذاتية مطلب عالمي لا يتوقف في السوق الحرة، وفي البتكوين، ينطق الناس بالحقيقة دائمًا للسلطة.

ستعرّي السيادية بنى السلطة للدولة القومية أمام الحقيقة.

وقد يبدو هذا الانتقال مخيفًا وربما فوضويًّا، لكن منتهى السيادية هو انفجار الثروة وازدهار إنساني شامل مع تفكك الدولة القومية. ستكون المنظمات الرقمية المنظمة لنفسها أعظم شهادة على التدمير الخلّاق عرفه التاريخ. سيطلق انهيار سد الدولة القومية — وهي مجمغ الكذب والسرقة والتجنيد — الإبداع الإنساني إلى درجة لا يمكن تصورها. إذا ثبت هذا، سيرى التاريخ الإنترنت مجرد إبداع سابق ضروري للبيتكوين، أما الفتح التقني الحقيقي الذي مكّن التحول الحضاري إلى السيادية، فهو البيتكوين نفسه.

ستغلب السيادية الدولتية في القرن الواحد والعشرين. إن هذا التحول السياسي الأكبر في طريقه من الآن، وآثاره تتظاهر كل يوم. في الجزء الثاني، سنرى أن البيتكوين هو حفّاز السياديّة. البيتكوين هو الإبداع الحقيقي في عالم يتحول بسرعة إلى مياه لا يستطَاع حكمها في أعالي البحار الرقمية، لأنه البنك الحر المطلق للسياديين في القرن الواحد والعشرين.

Tagged : /