من داخل ثورة البيتكوين في كوبا

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة:  مجتبى شنان | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2021

كما أظهرت المظاهرات السياسية للعالم أن الكوبيين قد سئموا من الديكتاتورية، فإن البيتكوين يقدم خيارًا للاحتجاج السلمي والانسحاب من نظام محطم.

لوسيا (Lucia) عاملة طبية تبلغ من العمر 30 عامًا ومستخدمة بيتكوين تعيش في ماتانساس، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي 150 ألف نسمة وتقع على بعد نحو 50 ميلاً شرق هافانا على الساحل الشمالي لكوبا.  سميت تيمنا بتمرد السكان الأصليين ضد المستعمرين الإسبان، وكلمة «ماتانساس» تترجم حرفياً إلى «الذبح».  تحولت المستوطنة فيما بعد إلى بؤرة للعبودية ومزارع السكر من القرن التاسع عشر. اليوم، مثل جميع المدن الكوبية، هي نقطة انفجار الأزمة المالية والإنسانية.

يعاني الشعب الكوبي معاناةً اقتصادية هي الأشد، منذ أوائل التسعينيات، عندما انهار الاتحاد السوفيتي وفقد النظام شريان الحياة الرئيس. في ذلك الوقت، قال الدكتاتور فيدل كاسترو (Fidel Castro) للمواطنين إنهم بحاجة إلى الاتحاد معًا من أجل اجتياز «فترة خاصة».  تميزت تلك الفترة بنقص الغذاء، وانقطاع للتيار الكهربائي، وفرار الآلاف إلى فلوريدا على قوارب محفوفة بالمخاطر، وانخفاض مذهل في قيمة البيزو المرتبط بالروبل السوفيتي.  بين عامي 1991 و 1994 تقلص الاقتصاد الكوبي بنسبة 35٪ وتدهورت نوعية الحياة تدهورًا كبيرًا.

بلغت التوترات ذروتها في صيف عام 1994، عندما اندلعت مظاهرات مناهضة للحكومة عرفت باسم انتفاضة ماليكونازو (Maleconazo) في هافانا.  بدون الدعم السوفيتي، أخفق نظام الحصص الحكومي في دعم المواطنين، وأصبحت السلع المهمة فجأة متاحة فقط للشراء بالدولار، وأصبحت تكلفة الحصول عليها تزداد بالنسبة للكوبيين الذين يتقاضون أجورهم ومعاشاتهم التقاعدية بالبيزو.  في خطوة يائسة، انتهك النظام فلسفته الجماعية التأسيسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المسبوقة على السكان. رداً على ذلك، تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين عند واجهة ماليكون البحرية، مطالبين بإسقاط الحكومة.

لم يكن الإنترنت وقتها موجودًا، لذلك كان النظام قادرًا على قمع الحركة من خلال وحشية الشرطة مع ضمان أن معظم الكوبيين بالكاد يعرفون أن شيئًا قد حدث. وأشار التلفزيون والراديو الحكوميان بإيجاز إلى تجمع صغير للجانحين ومثيري الشغب.  لكن في الواقع، كان تجمع ماليكونازو عرضًا مذهلاً للمعارضة، وهو التجمع الأكبر للمعارضة في الجزيرة منذ اندلاع الثورة.

إن سقوط النظام المالي يهدد بسقوط النظام السياسي.

أولا – التطهير المالي

اليوم، تتحدث لوسيا وآخرون من كوبا عن حقبة خاصة جديدة.  نتجت من إصلاح العملة والإحباط الاجتماعي الناجم عن عقود من القمع والبيروقراطية، فقد عاد النقص وانقطاع التيار الكهربائي والتضخم الشديد والاحتجاجات.

الاختلاف الكبير اليوم هو أن الجميع يعرف ما يحدث بسبب انتشار الهواتف المحمولة وسهولة الوصول إلى الإنترنت. في الشهر الماضي، في 11 تموز (يوليو)، اندلعت أكبر سلسلة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ ثورة 1959، ليس فقط في هافانا ولكن في المدن في جميع أنحاء كوبا.

من تجربة شخصية مع النظام الطبي، أخبرتني لوسيا أن شبكة الدعم البشري في كوبا تنهار. وأن الوباء اجتاح المستشفيات في ماتانساس وأن الجثث قد تكدست في الشوارع.  وقالت بأن الجو حار بشكل لا يصدق والمواطنين في كوبا يقضون ساعات طويلة في اليوم بدون كهرباء.  الغذاء – وخاصة اللحم البقري والأسماك والدجاج والبيض- نادر بل ومن المستحيل العثور عليه. أدت اللوائح الأمريكية الجديدة، التي أقرها الرئيس ترامب مباشرة قبل تركه لمنصبه، إلى عزل الكوبيين مالياً عن عائلاتهم في الولايات المتحدة.

قالت لوسيا: «من الصعب الحصول على الطعام، ومن الصعب الحصول على الأدوية، ومن الصعب الحصول على لوازم الحمام، وشبكة الكهرباء معطلة، والوباء في ذروته، وآلاف من كبار السن يموتون، ونظام الرعاية الصحية ينهار، وليس لدينا أكسجين أو مراوح»، تقول مواصلة حديثها: «كان هذا أمرا لا يطاق، هذا ما أخرج الناس إلى الشوارع».

أخبرتني لوسيا بأن أصل إخفاقات الدولة والاحتجاجات غير المسبوقة هو أزمة المال.

في يناير، أجرى الحزب الشيوعي الكوبي ما سمّاه «التطهير النقدي». منذ عام 1994، أصدرت الحكومة نوعين من العملات: البيزو الكوبي (CUP) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 24: 1 – والبيزو الكوبي التحويلي (CUC) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 1: 1.

كانت رواتب ومعاشات القطاع العام تُدفع دائمًا بالبيزو، ولكن لسنوات، كان المواطنون بحاجة إلى الحصول على البيزو التحويلي (CUC) لشراء المواد الأساسية مثل الأدوية وأي طعام يتجاوز الأساسيات والملابس ومستلزمات التنظيف والإلكترونيات. صمم النظام هذا التطهير لامتصاص القيمة من السكان، حيث يبيع الببزو القابل للتحويل مقابل 25 بيزو في مصارف الدولة والتي تسمى بالكاديكا (cadeca) بينما يشتريها فقط مقابل 24 بيزو. كان النظام يعلم أنه يتعين عليه الاستمرار في طباعة وتضخيم البيزو من أجل التوظيف في الاقتصاد المخطط مركزياً، حتى مع انهيار قطاعي الزراعي والصناعي. لقد أعطاه نظام العملة المزدوجة شريان حياة، أدى هذا الأمر الي الدفع بالقوة الشرائية للنخب والمتصلين بالنظام.

وصفت لوسيا مخرجات نظام العملة المزدوج بأنه يخلق حقيقة حيث يمكنها شراء فنجان من القهوة أو ركوب حافلة أو حتى وجبة صغيرة بسعر رخيص للغاية بالبيزو، لكن زوجًا من الأحذية أو خطة الهاتف، بسعر البيزو التحويلي، قد تكلف راتب شهر كامل. وضع هذا عمال الدولة – ومنهم المدرسون وضباط الشرطة والعاملين في المجال الطبي مثلها – في وضع اقتصادي شديد الحرمان مقارنة بأي شخص يتعامل مع صناعة السياحة، مثل النوادل أو سائقي سيارات الأجرة.

في مفارقة مأساوية، كان العمال غير المهرة في كثير من الأحيان أفضل حالًا ماليًا من المتعلمين تعليماً عالياً، وكثير منهم تركوا وظائفهم لتنظيف الطاولات أو اصطحاب الأشخاص من المطار للوصول إلى اقتصاد البيزو التحويلي. أدى نظام العملة المزدوجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عدم المساواة، وخلق فئات واضحة من الذين يملكون والذين لا يملكون. بالنسبة للعديد من الأشخاص مثل لوسيا، هذا الأمر بالتحديد -أكثر من أي شيء آخر- أوضح بأن الثورة كانت مجرد خدعة.

فر أكثر من 1.5 مليون كوبي من ديارهم منذ أن استولى فيدل كاسترو وقواته على هافانا عام 1959، وانتهى الأمر بالعديد منهم في الولايات المتحدة.  في الستينيات، أثار كاسترو ورفاقه هروب البشر ورأس المال من خلال فرض اقتصاد شيوعي مخطط في كوبا، وتأميم الشركات، ومصادرة الأراضي وتقليص دور القطاع الخاص عمليًا إلى الصفر.

لا يزال العديد من الأمريكيين الكوبيين لديهم عائلات في الجزيرة ويجد هؤلاء طرقًا لإرسال الدولارات إلى عائلاتهم في كوبا.  وتشير التقديرات إلى أنه يتم تحويل ما يصل إلى 3 مليارات دولار إلى كوبا كل عام. من أجل تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي، كان على المرء أن يدفع رسومًا بنسبة 10٪، كحد أدنى، لصالح الدولة. تم تصميم النظام لامتصاص العملات الأجنبية الصعبة وتزويد الكوبيين بـ«دولارات مزيفة» أو حتى بيزو أسوأ.

تنازل فيدل كاسترو عن السيطرة لأخيه راؤول (Raúl) في عام 2006، ومنذ ذلك الحين، قام النظام بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الفاترة للبقاء على قيد الحياة. كما كتب أنتوني دي بالما (Anthony DePalma) في كتابه للتاريخ الحديث، «الكوبيون»، فإن الحكومة الشيوعية كانت تتلاعب بالرأسمالية «كما يلعب النمر مع فريسته: يستغلّها قليلاً لوهلة من الزمن، ثم يخرج الحياة منها في اليوم التالي. حث المسؤولون الاشتراكيون الرأسماليين الكوبيين المحتملين على المضي قدمًا وفتح أعمالهم الصغيرة، ثم وضعوا طبقات من اللوائح المرهقة للحد من ربحهم وإعاقة نجاحهم.  لم يكن هدفهم الحقيقي انتشال الملايين من براثن الفقر. ولكن منع أي شخص من جني الملايين».

ابتداءً من عام 2011، تحدث راؤول علنًا عن الحاجة إلى التوحيد النقدي، لكنه حكم لمدة سبع سنوات أخرى دون اتخاذ أي إجراء. يمكن تلخيص الكارثة الاقتصادية الكوبية التي ترأسها في إحصائية واحدة: اعتبارًا من عام 2015، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكوبا هو نفسه تقريبًا كما كان في عام 1985، على الرغم من وجود إمكانات اقتصادية أعلى بكثير مع زيادة السكان بنسبة 13 ٪.

في عام 2018، تولى البيروقراطي الشيوعي المتمرس ميغيل دياز كانيل (Díaz-Canel) الرئاسة الكوبية، منهيا ما يقرب من 60 عامًا من استبداد عائلة كاسترو. مثل راؤول، أشرف دياز كانيل على التغييرات التي حدثت في الاقتصاد المخطط – مثل التسريح الجماعي للعاملين في الدولة والسماح للشركات الصغيرة بالعمل بشكل خاص – لكنه استمر في تقليد عبارات فيدل الحماسية في خطاباته: “Patrio o muerte!  ¡Socialismo o muerte!  ¡Venceremos! “(«الوطن أو الموت! الاشتراكية أو الموت!  سوف ننتصر!»)

كما كتب دي بالما: «مات فيدل وتشي. قبر راؤول يحمل اسمه بالفعل، والرئيس الجديد مجهول في جميع أنحاء العالم مثل زعيم أي بلد صغير. لا تعني أساطير الثورة سوى القليل جدًا للشباب الكوبي، الذين يرون – بوشومهم، وهواتفهم الذكية، وفلسفتهم العدمية الغليظة – بأن الرجال القدامى القادمين من جبال سييرا بعيدون تمامًا عن واقعهم.  المساعدات الخارجية التي اعتمدت عليها كوبا لفترة طويلة – أولاً من الاتحاد السوفيتي السابق، ثم من فنزويلا، بالإضافة إلى الدول المتعاطفة معها حول العالم – قد جفت، وعلى حد قول رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher)، فقد نفدت كوبا من أموال مواطنيها. في أسفل كل وصفة طبية، يطبع الآن السطر التالي: الرعاية الصحية في كوبا مجانية، ولكنها تكلف أموالا».

توافق لوسيا، وتقول إن الثورة قد نفد زخمها. الرئيس الجديد دياز كانيل ليس فيدل، ولا يمكنه إخماد الاحتجاجات بجاذبية شخصية أو بشرطة سرية تعمل في عالم بلا إنترنت. لقد أُجبر على الفعل، و «التطهير النقدي» هو أحد تلك الأفعال.

اعتبارًا من 1 يناير 2021، تم إلغاء البيزو التحويلي رسميًا.  مُنح الكوبيون ستة أشهر لاستبدال عملة البيزو التحويلي مقابل البيزو بسعر الصرف الرسمي. يشكل هذا الأمر سرقة زمنية ضخمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الكوبيين عملوا بجد للحصول على البيزو التحويلي، والآن يتم تصفيتهم عملاتهم المرتبطة بالدولار في مقابل كميات ضئيلة من عملة آخذة في الانخفاض بسرعة. حتى قبل شهر يناير، كان يتم تداول البيزو بخصم 15٪ على الدولار.

خلال الأشهر الثمانية الماضية، تسبب الإصلاح النقدي في انخفاض هائل في قيمة البيزو. فقد الكوبيون ما يقرب من ثلثي قوتهم الشرائية منذ نهاية عام 2020، حيث انتقل سعر الدولار الواحد من السعر الرسمي البالغ 24 بيزو إلى سعر يصل إلى 70 بيزو في السوق السوداء.

بلغ متوسط ​​الراتب الكوبي السنوي الرسمي في عام 2018 نحو 9300 بيزو، أو حوالي 372 دولارًا.  أخبرتني لوسيا أن رطلًا واحدًا من الأرز كلفها العام الماضي 6 أو 7 بيزو، لكن اليوم، أصبح أكثر من 50 بيزو. كان سعر كيلوغرامين من الدجاج 60 بيزو، لكنهما الآن يكلفان أكثر من 500. غالبًا ما يقول الاقتصاديون إن التضخم ليس مشكلة طالما أن الأجور ترتفع في نفس الوقت، لكن الأجور بالكاد تتزحزح، بل قد انخفضت بالمقارنة مع الدولار.

مددت الحكومة النافذة للكوبيين لاسترداد البيزو التحويلي لبضعة أشهر أخرى، ولكن تبخر استخدامها، حيث تم استبدال العملة بشكل أساسي بـ MLC، والتي تعني moneda libremente convertible قابلة للتحويل أو «عملة قابلة للتحويل بحرية».

قُدّم هذا النظام في عام 2019 كنظام نقدي مستقبلي للجزيرة، يعمل ال MLC مثل بطاقة هدايا قابلة لإعادة الاستخدام.  توجد بطاقة MLC بلاستيكية يمكن للمرء الحصول عليها من البنك، وتطبيقان مختلفان يمكن تنزيلهما على الهاتف المحمول.  لا توجد عملات ورقية أو عملات معدنية من MLC أو طرق لكسب الفائدة. عمليا توضح هذه البطاقات المواطنين الذين يقدمون معلومات حساباتهم إلى جهات الاتصال في الخارج، الذين يرسلون العملات الصعبة، والتي يصادرها النظام ويستبدلها بائتمان ال MLC للكوبيين لإنفاقها في المتاجر التي تديرها الحكومة.

في تطور هزلي قاسٍ، لا يمكن للكوبيين – الذين لم يزل كثير منهم يتقاضون رواتبهم أو يتقاعدون من البيزو – شراء MLC بالبيزو. الطريقة الوحيدة «لتعبئة» حساب MLC الخاص بك رسميًا هي بالعملة الصعبة الأجنبية. يجب أن يكون لديك عائلة أو جهات اتصال في الخارج ترسل الأموال إلى حسابك. في البداية، يمكن أن يتم ذلك بالدولار، ولكن بعد أن اتخذت إدارة ترامب إجراءات صارمة ضد التحويلات المالية إلى كوبا في أعقاب فضيحة مرض فيها الدبلوماسيون الأمريكيون بعد تعرضهم على ما يبدو لأسلحة صوتية، فقد انتهى هذا الخيار، لذا فإن MLC أصبحت الآن بشكل أساسي تولد من الجنيهات واليورو والدولار الكندي.

بهذه العملة السهلة التحويل، تمكّن النظام الكوبي فعليًّا من طباعة البيزو للحصول على العملة الصعبة. لقد سحب للبساط من تحت أقدام الكوبيين، ليكون سببًا رئيسًا للاحتجاجات التاريخية اليوم.

قالت لوسيا إن الخط الرسمي للحكومة هو أن نظام الـ MLC ضروري للدولة لجذب العملة الصعبة حتى تتمكن الدولة من شراء الأشياء في السوق الدولية، للحفاظ على استمرار النظام وإطعام الناس – وهو اعتراف مذهل بفشل الثورة.

ثانيًا اكتشاف الحرية بالبيتكوين

قابلتُ لوسيا على تليغرام (Telegram)، من خلال صديق مشترك يدير مجموعة دردشة البيتكوين في أمريكا اللاتينية. منذ ثمانية عشر شهرًا بدأت في شراء البيتكوين براتبها الحكومي. إنها تستخدم مجموعات التليغرام للعثور على أشخاص يرغبون في بيع البيتكوين مقابل MLC أو البيزو.  تقوم بالمعاملات بشكل شخصي – في مقهى، على سبيل المثال – حيث ترسل MLC من حساب الهاتف المحمول الخاص بها إلى البائع، أو تقوم بتسليم أوراق نقدية من البيزو مختومة بوجوه شخصيات ثورية مثل تشي جيفارا (Che Guevara) مقابل تحويل عملة البيتكوين إلى محفظة غرين (Green wallet) التابعة لشركة (Blockstream) على هاتفها.

منذ أن بدأت لوسيا «تكديس الساتوشيّات» (أي الادخار بالبيتكوين)، نمت ثمار عملها نموًّا كبيرًا وزادت قوتها الشرائية زيادة كبيرة. منذ ربيع عام 2020، ارتفع سعر البيتكوين من أقل من 5000 دولار إلى أكثر من 40 ألف دولار. لو احتفظت لوسيا بمدخراتها بالبيزو، لفقدت كل شيء تقريبًا.  لقد غيرت عملة البيتكوين حياتها وأنقذتها.

أخبرتني لوسيا أنها ليست عبقرية في التكنولوجيا.  في البداية، لم تكن تعتقد أن البيتكوين ستكون مناسبة لها (قالت «لا أحب الرياضيات») ولكن في أوائل عام 2020، بدأت في مشاهدة قناة روسيا اليوم (RT) لبضع ساعات كل ثلاثاء وخميس وسبت.  نظرًا لأنها دعاية روسية موثوقة، يبث النظام الكوبي قناة RT (المعروفة سابقًا باسم “روسيا اليوم”) على التلفزيون الحكومي.  ومع ذلك، يُطلق على أحد العروض على RT اسم «تقرير كايزر» (من إنتاج ماكس كايزر (Max Keizer) وستايسي هيربرت (Stacy Herbert)) وكان ينصح باستخدام البيتكوين.  يُسمح على الأرجح ببث البرنامج لأن لهجته انتقادية جدًا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، كان هذا العرض مثل حصان طروادة نوعا ما، حيث وصل إلى عدد كبير من الكوبيين والفنزويليين من خلال برامج الدولة وأدخلهم في اقتصاد البيتكوين الجديد.  ومن المفارقات بالنسبة إلى لوسيا، أن دعاية الدولة الاشتراكية هي التي أوضحت لها كيفية الحصول على الحرية الشخصية، وليس مئات الملايين من الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة على الترويج للديمقراطية في كوبا منذ التسعينيات.

مفتونة بما سمعته في «تقرير كايزر» حول شكل جديد من النقود الرقمية، بدأت لوسيا في البحث عن البيتكوين. وانضمت في النهاية إلى مجموعة تليغرام – باللغة الإنجليزية أولاً ثم بالإسبانية – مليئة بأمريكيين لاتينيين آخرين يتابعون العرض.  أعطتها هذه المجتمعات تعليماً كاملاً حول كيفية استخدام البيتكوين.

قالت لوسيا: «لقد علموني كيف يمكنني أن أكون بنك نفسي».

من خلال إحدى المحادثات ذات يوم، اكتشفت لوسيا أن إحدى صديقاتها كانت تستخدم البيتكوين أيضًا، وبدأتا تتحدثان عنه بشكل منتظم. انضمت لوسيا أيضًا إلى العديد من مجموعات البيتكوين التي تركز على كوبا على منصة التليغرام، وواصلت توسيع معرفتها. اشترت من البيتكوين بقيمة 10 دولارات أمريكية ثم أرسلتها إلى صديق في الخارج، وقد اندهش الاثنان معًا من عدم اضطرارهما لاستخدام أيٍّ من البنوك أو تقديم أي هوية أو استخدام النظام الرسمي بأي شكل من الأشكال.  حتى العملة نفسها، كما أدركوا، لم تنتجها دولة أو شركة، بل مجتمع في الإنترنت. لم يعرفوا حتى من الذي أنشأ البيتكوين، ولا يبدو أن الأمر مهم بالنسبة لهم.

قالت لي: «هذا أمر خارق». ثم أتبعت: «ما هي الأوراق التي كان عليّ تعبئتها؟  لا شيء على الاطلاق».

أخبرتني لوسيا أن العديد من الأشخاص يتلقون عملة البيتكوين من الخارج ثم يحولونها إلى MLC أو البيزو لشراء الطعام أو الإمدادات. في حالتها، تستخدمه للاستثمار من أجل مستقبلها.  تسميها «احتياطيها الشخصية» وأفضل خيار لتوفير المال.

قالت لوسيا إن الحظر الأمريكي لا يزال مؤلمًا جدًا للكوبيين.

قالت: «سينكر الكثير من الناس هذه الحقيقة، لكن لم يعد بإمكاننا شراء بطاقات ال MLC بالدولار. ليس لدينا وسيلة للوصول إلى التطبيقات المالية الأمريكية. تواجه عائلاتنا في الولايات المتحدة صعوبة بالغة في إرسال الدولارات إلينا».

قالت: «البيتكوين يساعد في تخفيف الألم».

ترى لوسيا في البيتكوين بديلًا من نظام الدولار.

قالت لي: «إذا كنّا أحرارًا من الدولار، فنحن أحرار».

أظهر العديد من الكوبيين الذين تحدثت إليهم من أجل هذه القصة روحًا وطنية مماثلة، على الرغم من خيانة الثورة.

قالت لوسيا، «إن الحظر يضع حكومتنا في مواجهة الجدار»، مجادلة بأن البيتكوين يمكن أن تمنح الاستقلال ليس فقط لأشخاص مثلها على المستوى الفردي، ولكن للمجتمع الكوبي ككل.

تقول لوسيا إنها دخلت حياتها البيتكوينية الجديدة بفعل الفضول.

«الفضول هو ما يحرك الناس. هذا ما دفعني لأن أصبح عاملة طبية». تواصل قائلة: «إنه يحيي كل البشر».

يدفعها هذا الفضول الآن إلى التعرف على البيتكوين ونشره للآخرين.

قالت: «لدى الناس الكثير من الأسئلة. من الذي يصنعه؟ كيف يعمل؟ من أين تحصل عليه؟ من الجيد الاستفادة من هذه اللحظات التي يمكن التعليم فيها».

أخبرتني أنها تقوم الآن شخصيًا بتعليم الآخرين في ماتانساس وفي دوائرها الاجتماعية الأوسع حول كيفية استخدام البيتكوين.

لكن التعلم صعب. وقالت إنه بسبب اليأس، سقط الكثير من الكوبيين في المخططات الهرمية والتسويق الشبكي. وقالت إن الدولة تخلط بين البيتكوين وتلك المخططات، لذلك يخشى الناس عمومًا من التورط. قالت إنه من الصعب التعرف على البيتكوين.  إنه لا يشبه أي شيء رآه الناس من قبل. من الصعب تصديق قدراته.  إن استخدامه بشكل صحيح يستغرق وقتًا وبحثًا.

قالت: «الاعتماد يحدث، لكن الأمر سيستغرق وقتًا».

اختتمت لوسيا حديثنا بإخباري بمدى أهمية استخدام المرأة الكوبية للبيتكوين، قائلة إنه «من الضروري أن تتعلم النساء تأكيد حريتهن المالية». وقالت إنه على الرغم من أن المجتمع الكوبي قد يكون متقدمًا نسبيًا في مجال حقوق المرأة، إلا أنه لا تزال هناك ثقافة أوسع من التحيز الجنسي وكراهية النساء. وقالت إنه حتى في هذا السياق، فإن معظم الرجال لا يفهمون حتى الاستقلال المالي، «لذا تخيلوا مدى صعوبة ذلك على النساء».

«يتيح لك البيتكوين التحكم في أموالك، وإنفاقك، وبالتالي، في حياتك». كما قالت، ثم أتبعت: «كامرأة، أصبح مستقبلي أخيرا بين يدي».

ثالثًا – تاريخ من البؤس الاقتصادي في كوبا

مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كانت كوبا واحدة من أغنى البلدان في أمريكا اللاتينية. كما كتب الباحث في العملات بواز سوبرادو (Boaz Sobrado)، «كان لكوبا قواسم مشتركة مع الولايات الأمريكية مثل لويزيانا وفلوريدا أكثر من الدول ذات الأصول الإسبانية مثل المكسيك وجمهورية الدومينيكان. تجاوز نصيب الفرد من الدخل الكوبي الدخل في المكسيك بنسبة 70٪ وفي جمهورية الدومينيكان بنسبة 300٪.  وكان دخل الفرد فيها أكبر من دخل الفرد في إسبانيا والبرتغال.»

وأشار سوبرادو إلى فندق هافانا هيلتون باعتباره «رمزًا لثراء كوبا في منتصف القرن». كان أطول وأكبر فندق في أمريكا اللاتينية، ويضم 630 غرفة ضيوف و42 جناحًا وكازينو وستة مطاعم وبارات وأروقة ومسبحًا في الهواء الطلق ونظام مرآب فسيح تحت الأرض. للوهلة الأولى، بدت كوبا مكانًا بعيد الاحتمال لثورة اشتراكية. لكن وراء بريق هافانا القديمة كان هناك مجتمع محطم بشدة.

حكم الدكتاتور فولغينسيو باتيستا (Fulgencio Batista) الجزيرة بقبضة من حديد، وبدعم قوي من الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص. كان الدخل السنوي لكوبا يبلغ 353 دولارًا للفرد في عام 1958، لكن معظم العمال الريفيين كانوا يكسبون أقل من 100 دولار، ولديهم خدمات عامة قليلة جدًا وبنية تحتية ضعيفة جدًا. سيطرت الحكومات والشركات الأجنبية على الاقتصاد، حيث امتلكت حوالي 75٪ من الأراضي الصالحة للزراعة، و 90٪ من الخدمات الأساسية و 40٪ من إنتاج السكر.

خلال الخمسينيات، قاد فيدل كاسترو حركة اشتراكية تحدت نظام باتيستا.  بحلول نهاية العقد، كانت تكتيكاته في حرب العصابات، الموجهة من المناطق الجبلية والريفية، قد استنزفت قدراً هائلاً من الأموال والطاقة من العاصمة. في عام 1958، فرضت الحكومة الأمريكية حظرًا على الأسلحة لكوبا، حيث بدأ باتيستا يفقد كل الدعم الأجنبي. في الأول من يناير 1959، استولت قوات كاسترو على هافانا.

وعد «القائد» بثورة شعبية، لكن سرعان ما انحدر حكمه إلى الطغيان، مكتملًا بمعسكرات الاعتقال، وآلاف الإعدامات التعسفية، والشرطة السرية، ودولة المراقبة على قدم المساواة مع ألمانيا الشرقية أو كوريا الشمالية. لقد كانت السجون السياسية على وجه الخصوص شديدة القسوة. فظائع النظام، التي تم إخفاؤها ذات مرة، يعاد تسليط الضوء عليها من خلال شهادات الناجين في كتب مثل «ضد كل الأمل» لأرماندو فالاداريس (Armando Valladares).

كتب أنتوني دي بالما: «الكوبيون الذين تجرأوا على التفكير بشكل مختلف خافوا أكثر من أي شيء آخر من جارهم الدائم، لجنة الدفاع عن الثورة (CDR). كان رئيس كل مجلس الإنماء والإعمار المحلي هو الشخص الذي يبلغ لديه مخبرو الحي. لقد تابعوا من لم يحضر موكب عيد العمال، الذين استمعوا إلى مباراة البيسبول بينما كان فيدل يتحدث على الراديو، والذين كان لديهم طبق قمر صناعي مخبأ تحت برميل على السطح، وقاموا بتمرير المعلومات إلى جهاز أمن الدولة المخيف الستاسي (Stasi) – وهي وزارة داخلية مدربة مثل جهاز الاستخبارات السوفيتي KGB.  كان لدى رئيس مجلس الإنماء والإعمار ما يسميه البعض قوة (fusilamiento del dedo)، والتي تعني حرفياً، «القتل بإشارة الأصبع» من خلال الإشارة وإدانة أي شخص يشتبه في قيامه بأنشطة معادية للثورة. مجرد السماح لشخص ما باستخدام هاتفك للاتصال بأحد الأقارب في ميامي قد يؤدي إلى إدانتك وإفساد حياتك. كانت شبكة المراقبة منتشرة لدرجة أن الكوبيين أصبحوا يخشون إبداء أي شكوى. حتى في منازلهم، امتنعوا عن ذكر اسم فيدل، في حال كان هناك من يستمع. وبدلاً من ذلك، قاموا بالإشارة بعلامة لحية وهمية عندما تجرأوا على انتقاد القائد».

بالإضافة إلى كونها قمعية وحشية ومنتشرة، كانت الحكومة الجديدة أيضًا عديمة الخبرة تمامًا عندما يتعلق الأمر بإدارة الاقتصاد فعليًا.  لقد اتبعوا المثال السوفيتي للنظام المالي المخطط، وسرعان ما أصبحوا معتمدين على الاتحاد السوفيتي سوقًا للتصدير.  حلّ الموالون محلّ الاقتصاديين، بغض النظر عن خلفياتهم أو كفاءتهم. يقال أنه عندما اختار كاسترو تشي غيفارا رئيسًا للبنك المركزي الكوبي، كان ذلك لأن غيفارا رفع يده بعد أن سأل كاسترو عما إذا كان هناك أي شخص اقتصادي، معتقدًا أن فيدل كان يسأل عما إذا كان هنالك أي شخص شيوعي.

في أوائل الستينيات، في سلسلة من العمليات الانتقامية ذهابًا وإيابًا، فرضت إدارتا أيزنهاور وكينيدي قيودًا تجارية، وفي نهاية المطاف حصارًا تامًا على كوبا، أما كاسترو وقواته فأمّموا مئات الملايين من الدولارات التي كانت ممتلكات وشركات أمريكية.

كانت الثورة كارثية على مدخرات الكوبيين الشخصية. كرئيس للبنك المركزي، قام غيفارا بتحويل ربط البيزو من الدولار إلى الروبل، مما أدى إلى خفض قيمة البيزو وقتها بنسبة 75٪.  بعد ذلك، تم إلغاء تداول الأوراق النقدية قبل الثورة. إذا رفضت السلطات الجديدة قبول أموالك القديمة، فقد فقدت كل شيء.

فشلت الخطط والمحاولات الأمريكية المختلفة للإطاحة بكاسترو، واستمر النظام. أصبح يعتمد هيكليًا على السوفييت في النفط والقروض والأسلحة والتدريب الفني وسوقًا لبيع صادراته الرئيسية من السكر، الذي اشترته موسكو بسعر مدعوم أعلى من أسعار السوق.

نما الاقتصاد الكوبي خلال العقود القليلة التالية، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى العلاقة مع السوفييت. ولكن حتى خلال أكثر الأوقات ازدهارًا في كوبا الشيوعية، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كانت تغطية نفقات المعيشة لا تزال صعبة، وحاول الآلاف المغادرة. في عام 1980، فر أكثر من 125000 كوبي إلى الولايات المتحدة على متن حوالي 1700 سفينة وطوافة في حدث عُرف باسم رافعة مارييل للقوارب (Mariel boatlift).

عندما تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، خسر نظام كاسترو ما يصل إلى 5 مليارات دولار من الإعانات السنوية، وانهارت صادرات كوبا من السكر بنسبة 80٪. عانى البيزو من انخفاض في قيمة العملة من 5 لكل دولار إلى 150 لكل دولار.  طلب كاسترو من الشعب الكوبي تقديم تضحيات جماعية لتجاوز تلك الفترة الخاصة، على غرار الطريقة التي طلب بها كيم جونغ إيل من الشعب الكوري الشمالي أن يظل قويًا وملتزمًا خلال «المسيرة الشاقة» في أواخر التسعينيات والتي أدت لهلاك الملايين.

خلال الفترة الخاصة، كان العديد من الكوبيين قادرين على شراء – أو العثور على – ما يكفي من الطعام مرة واحدة في اليوم. وعدتهم كتيبات اللوازم (libreta) بأشياء مثل لحم البقر والدجاج، لكن هذه العناصر اختفت. كان فيدل قد وعد بأنه سيكون بإمكان الجميع تناول كوب من الحليب كل يوم، لكن حتى ذلك فقد.

وبحسب دي بالما، فإن الكوبيين «كانوا يسطّحون قشور الجريب فروت ويطرّونها لقليها كما لو كانت شرائح لحم. أصبحت قشور الموز مطحونة ومخلوطة بالتوابل بديلاً شاحبًا آخر للحوم».  كل عائلة تتلقى حوالي تسع بيضات شهريا. ترافق نقص الطعام مع انقطاع للتيار الكهربائي بشكل «روتيني وطويل الأمد لدرجة أن الليالي الخالية من الضوء أصبحت هي القاعدة، حيث احتفل الكوبيون بالفترات القصيرة التي عادت فيها الأضواء كظواهر عابرة أطلقوا عليها بحماس الإضاءة (alumbrones)».

انهارت الصناعة. على سبيل المثال، بحلول نهاية التسعينيات، اختفت جميع أساطيل الصيد. اليوم، يستهلك الكوبيون 25٪ فقط من المأكولات البحرية التي كانوا يتناولونها في أواخر الثمانينيات. في بلد لا يبعد فيه المرء أكثر من 60 ميلاً عن الماء، يمزح الكوبيون عن كونهم «جزيرة بلا سمك».  البلد الذي كان ينتج 80٪ من طعامه الآن يستورد 80٪ منه. كتب سوبرادو (Sobrado) أن الاستهلاك المحلي لكوبا «لم ينتعش أبدًا إلى مستويات ما قبل عام 1990»، وهو ملخص مأساوي لقصة دولة جائعة.

كانت الأوقات قاتمة لدرجة أنه في عام 1993، اضطر كاسترو إلى جعل دولار الأعداء عملة رسمية لجذب العملة الصعبة.  بدأ الكوبيون في إيداع ودائع بالدولار في البنوك بتحويلات من الخارج. كان قانون تيير النقدي (Thier’s law) ساري المفعول بالكامل، حيث طرد المال الجيد السيئ. قدر سوبرادو أن ما يصل إلى نصف جميع المعاملات اليومية تمت بالدولار، وهو معدل مشابه لفنزويلا الحالية. لوقف هذا الاتجاه ومنع الدولرة الكاملة، طرح النظام البيزو التحويلي، الذي قالوا إنه كان مدعومًا بمبلغ مساوٍ من الدولارات في البنك المركزي الكوبي.

بدافع اليأس، سمح كاسترو أيضًا للمطاعم العائلية بالعمل كمؤسسات صغيرة خاصة. كان هذا جزءًا من عملية افتتاح أوسع شملت السماح للشركات الأوروبية بتشغيل فنادق كوبية، والسماح لبعض المواطنين بإدارة مزارع مستقلة، واستعادة عيد الميلاد كعطلة وطنية – وهي خطوة يُنظر إليها على أنها مقايضة للزيارة الأخيرة للبابا يوحنا بولس.  ثانيًا، أدى الجمع بين الإصلاحات الصغيرة وزيادة الاستثمار الأجنبي إلى انتعاش نسبي من الفترة الخاصة.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في دعم الدولة الكوبية ببعض أرباحه النفطية الجديدة، مما وفر شريان حياة جديدًا. ولكن في الوقت الذي تم فيه إنقاذ الحكومة، ظلت المعيشة بالنسبة للمواطن العادي صعبة للغاية. كتب سوبرادو عن تعبير كوبي: (dice que hay pollo) أو «يقولون أن هناك دجاجة»، وهي العبارة التي كان الحشد في الشوارع يصرخ بها عندما يصبح الدجاج متاحًا في المتاجر. قال إن كتيبات اللوازم (libreta) كان لديها قسم خاص بالأسماك، لكن ذلك القسم نفد وتم استبداله بالدجاج -أو كما يقال بالإسبانية السمك هو دجاج البحر Pollo por pescado)) إلا أنه في السنوات القليلة الماضية، نفد الدجاج أيضًا.

في نوفمبر 2004، وفي مواجهة انهيار اقتصادي آخر، سحبت الحكومة الكوبية الدولار الأمريكي من التداول. انتقلت المتاجر والشركات والمصارف التي تديرها الدولة بالكامل إلى نظام البيزو التحويلي. كان لا بد من تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي عند وصولها إلى كوبا، مما سمح للنظام بالاستيلاء على العملة الصعبة وفرض ضرائب عليها واستبدالها بشيء يمكن طباعته بدون دعم. كانت الصورة الكبيرة هي أن الدولارات التي كان يحتفظ بها المواطنون في يوم من الأيام يحتفظ بها الآن البنك المركزي الشيوعي.

في عصر البيزو التحويلي، سمحت العملات المزدوجة للحكومة بتوفير مستوى أساسي للغاية من بعض السلع والخدمات الرخيصة، ولكنها أنشأت نظامًا يحتاج فيه المرء إلى البيزو التحويلي لأي شيء يتجاوز الطبقة الدنيا من العناصر. على سبيل المثال، قد يكون المرء قادرًا على شراء رغيف خبز منخفض الجودة مقابل 1 بيزو من مخبز تديره الدولة – إذا كان هناك أي شيء متبقي – ولكن بالنسبة لـ 1 بيزو تحويلي، يمكنك الحصول على رغيف أفضل بكثير من متجر أرقى.  كان السياح في العقود الأخيرة يستخدمون البيزو التحويلي فقط، وكانوا يتسوقون في المتاجر الفاخرة بأسعار أعلى بكثير، وبالتالي صبوا دائمًا الكثير من العملات الصعبة في خزائن النظام.

سمحت العملات المزدوجة أيضًا بإجراء الخيمياء المحاسبية التي استفادت منها الشركات التي تديرها الدولة. على سبيل المثال، كما أشار سوبرادو، يمكن للنخبة ذات العلاقات الجيدة شراء تذكرة للسفر من كوبا مقابل بضع مئات من البيزو، بدلاً من بضع مئات من البيزو التحويلي أو الدولارات.  وهذا يعني أيضًا أن بعض مؤسسات الدولة يمكن أن تشتري الواردات بسعر «البيزو»، ثم تبيع بسعر الدولار.  كان هناك مبالغة مزمنة في الأصول وتقليل في تقدير المصروفات. لقد تمت هذه الحيل المالية على حساب البيزو والعامل العادي.

لدى العديد من الكوبيين وظيفة أخرى غير وظائفهم الحكومية، وهو ما قد يمنحهم إمكانية الوصول إلى البيزو التحويلي (أو بديلها اليوم، MLC) ويكسبهم ما يكفي للبقاء على قيد الحياة. يمكن للمرء في كثير من الأحيان أن يكسب أكثر من راتب الدولة الشهري أو معاشه التقاعدي في يوم واحد في السوق السوداء.  قال سوبرادو إن البعض يحصل حتى على ما يسميه رواتب سلبية: «الناس أحيانًا يرشون رئيسهم حتى لا يضطروا للحضور.  وبهذه الطريقة يمكنهم العمل من أجل كسب دخلهم طوال اليوم».

كتب دي بالما بأن «كل الكوبيين تقريبًا – سواء كانوا صاحب مشروع صغير أو والد يبحث عن العشاء – أصبحوا مجرمين بطريقة أو بأخرى. استبدل مصطلح (Inventando) وهو الفعل الإسباني للاختراع إلى حد كبير بكلمة ‹سرقة› باللغة الكوبية العامية، وتغيرت قواعد المجتمع المدني إذ تغاضى الناس عن السرقة، ما دام المسروق من الدولة وليس من أحد الجيران أو صديق. في كوبا الجديدة، كان الاختراع وسيلة لتسوية الملعب وتعويض رواتب الدولار في اليوم البائسة التي يتلقاها موظفي الدولة».

من الصعب تخيل التدهور التراكمي للاقتصاد الكوبي، لكن حقيقة أن حصاد 2018 من السكر أنتج مليون طن فقط، وهو نفس حصاد عام 1894، يساعد في رسم الصورة. اضطرّت كوبا، التي كانت في يوم من الأيام أكبر مصدر للسكر في العالم، إلى الاستيراد من فرنسا.

الإصلاحات «التاريخية» للنظام التي أعلن عنها راؤول ودياز-كانيل لم تكن إلا تعديلات صغيرة. لا تنمو ريادة الأعمال نموًّا جيدًا في مناخ لا يوجد فيه سوق جملة، مع وجود قيود صارمة على عدد الموظفين الذين يمكن للمرء تعيينهم، مع غلاء التراخيص والضرائب وندرة القروض.  بحلول عام 2017، على الرغم من العديد من الإصلاحات التي تم الترويج لها، لا يزال الجينز يكلف راتب شهر كامل من دخل الدولة، والحصص المتوفرة منه تنفد بعد أيام قليلة فقط.  سمح نظام الرعاية الصحية المتبجح بانتشار وباء الكوليرا، حيث كان يميل نحو رعاية خاصة للنخب.  ظل التعليم في طور الدعاية الترويجية للنظام.  في عامي 2014 و2015، فتحت إدارة أوباما قيودًا أمريكية، مما عزز المشاريع المحلية بقدوم موجة من السياح الجدد. لكن أوباما أنهى أيضًا سياسة الهجرة (القدم الجافة، القدم الرطبة)، وبعد سنوات قليلة عكس ترامب الانفتاح.

وفقًا لدي بالما، فإن الإصلاحات الاقتصادية الصغيرة التي قدمتها الحكومة للكوبيين على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية لم تكن «حرية لتطوير أنفسهم، ولكن تصريحًا لكسب مستوى من البقاء لم يعد بإمكان الحكومة توفيره. علاوة على القيود التي فرضتها على رؤيتهم الريادية وقدرتهم على جمع الثروة، طلبت الحكومة من الرأسماليين المحتملين شراء تراخيصهم مقابل رسوم باهظة نسبيًا ودفع ضرائب باهظة.  الهدف، كما حددته الحكومة، هو جعل كوبا دولة غنية بدون أغنياء».

رابعًا – أزمة حقوق الإنسان في كوبا

في أثناء بحثي لهذا المقال، تحدثت إلى مدافعة عن حقوق الإنسان لديها خلفية في المحاسبة والمالية، وتعيش في هافانا.  لم ترغب في الكشف عن اسمها («أريد أن أبقى متوارية عن الأنظار»، كما قالت) لكنها تحدثت بصراحة عن مجموعة متنوعة من الموضوعات الحساسة في دردشة الفيديو الخاصة بنا. سوف ندعوها فيريتا (Verita).

قلقها مفهوم. لا تزال كوبا دولة شيوعية ذات حزب واحد. يستمر نظام دياز كانيل في مناخ الخوف الذي بناه آل كاسترو. الأحزاب السياسية الأخرى غير قانونية، والمعارضة تقمع، والحريات المدنية مقيدة بشدة. وبحسب منظمة فريدوم هاوس (Freedom House) التي تراقب حقوق الإنسان، فإن «طابع النظام غير الديمقراطي لم يتغير على الرغم من القيادة الجديدة في عام 2018 وعملية التطبيع الدبلوماسي مع واشنطن، والتي توقفت في السنوات الأخيرة».

كسبت كوبا 13 فقط من أصل 100 نقطة محتملة في تقرير الديمقراطية الصادر عن فريدوم هاوس 2021، مع نقطة واحدة فقط من أصل 40 نقطة حول الحقوق السياسية، و 12 من 60 نقطة حول الحريات المدنية. يحظر الدستور الإعلام المستقل، و«الصحافة المستقلة في البلاد تعمل خارج القانون، وتعتبر منشوراتها «دعاية معادية»، ويتعرض صحفيوها للمضايقة والاحتجاز والاستجواب والتهديد والتشهير في الصحافة الرسمية ومنعهم من السفر إلى الخارج».

الكوبيون ممنوعون من نشر محتوى على خوادم أجنبية، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، وبشكل عام لا يمكنهم مشاركة أي شيء «يتعارض مع المصلحة الاجتماعية والأخلاق والعادات الحميدة ونزاهة الشعب». أصبحت الجامعات والمدارس الخاصة غير قانونية منذ الستينيات، ويتم ترقية المعلمين على أساس الولاء الأيديولوجي وليس الأداء الأكاديمي. وتم حظر النقابات العمالية المستقلة، ولا يمكن للعمال الكوبيين الإضراب أو الاحتجاج أو المساومة الجماعية. كما يقول المثل الثوري الشعبي، (Dentro de la revolución, todo. Contra la revolución, nada) أو «في الثورة: كل شيء. ضد الثورة: لا شيء».

فيريتا هي جزء من مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا. ولدوا إلى حد كبير في التسعينيات في أعقاب الفترة الخاصة، وهم يعيشون تحت هجوم مستمر. في عام 2003، في نفس الوقت تقريبًا الذي اضطر فيه النظام إلى تعديل نظام العملة لإبقاء المجتمع واقفاً على قدميه، أطلق النظام حملة «الربيع الأسود»، واعتقل العشرات من الشعراء والمؤلفين والصحفيين.  حتى يومنا هذا، تقوم أخوات وزوجات وبنات هؤلاء السجناء السياسيين بمسيرة في هافانا كل يوم أحد من أجل حريتهم، ويُعرفون باسم داماس دي بلانكو (Damas de Blanco) أو «سيدات يالأبيض».

تستمر المنافذ المستقلة مثل 14ymedio، التي أسسها المدون وعالم اللغة يواني سانشيز (Yoani Sánchez)، ودياريو دي كوبا (Diario de Cuba) في تقديم التقارير، لكن العمل لا يزال صعبًا. توفي أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا، أوزوالدو بايا (Oswaldo Payá)، في حادث سيارة في عام 2013، وهو حادث يُعتقد على نطاق واسع أنه جريمة قتل حكومية. لا يزال النزول إلى الشارع والاحتجاج ينطوي على مخاطر كبيرة، حيث اختفى المئات من متظاهري الشهر الماضي وكانت هناك أحكام سجن مطولة بحق المتظاهرين.

في عام 2018، تشكلت مجموعة من الإفريقيين الكوبيين من الأكاديميين والفنانين والصحفيين المعروفة باسم حركة سان إيسيدرو (San Isidro Movement)، للاحتجاج على المرسوم رقم 349، وهو قانون شيوعي يتطلب ترخيصًا مسبقًا من الحكومة للنشاط الفني. في نوفمبر 2020، أطلقت المجموعة احتجاجًا لدعم أحد أعضائها، مغني الراب دينيس سوليس (Denis Solis)، الذي أدين بـ «ازدراء السلطة». داهمت شرطة الدولة الاحتجاج، لكن النظام اضطر إلى الوعد بمزيد من الحقوق للفنانين، وزُرعت بذور انتفاضة الشهر الماضي.

كانت المجتمعات الكوبية السوداء في قلب هذه الاحتجاجات.  تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 90٪ من العائلات الكوبية البيضاء لديها أقارب في الخارج كمصدر تدفق للتحويلات المالية، ولكن فقط 30٪ إلى 40٪ من العائلات الكوبية السوداء لديها نفس الخيار. غييرمو «الشبح» فاريناس، وهو معارض أسود معروف، يصف الوضع بأنه «برميل بارود على وشك الانفجار».

في البداية، كانت فيريتا، وهي أيضًا كوبية إفريقية، رسمية للغاية، تقرأ حرفياً من خطاب كانت قد أعدته للجزء الأول من محادثتنا، حيث تحدثنا عن الاقتصاد. وظلت تكرر الخط الحكومي القائل إن «تخفيض قيمة العملة لا يؤثر على التضخم» وأن سعر صرف البيزو مقابل الدولار يظل من 24 إلى 1. في وقت لاحق في محادثتنا، انفتحت، وأخبرتني أنه في الواقع، فإن سعر الصرف لا يقل عن 70 إلى 1. كان من الواضح أن الأخ الأكبر لا يزال على قيد الحياة في ذهنها.

وأوضحت فيريتا أن نظام الـ MLC كان بمثابة استراتيجية حكومية لتخزين العملات الأجنبية الصعبة وتجنب هروب الدولار واليورو.  وقالت إنها كانت أيضًا وسيلة للحكومة لفرض ضرائب على القطاع غير الرسمي الذي كان يسرب كميات هائلة من القيمة خارج كوبا.

على سبيل المثال، قبل بضع سنوات، إذا كنت ترغب في شراء مكيف هواء، فمن المحتمل أن تقوم بتوظيف شخص ما (يُعرف أحيانًا باسم «البغل») في مكان مثل بنما، وسيحضرونه إليك وستدفع لهم بالدولارات، والتي من شأنها أن تترك الاقتصاد الكوبي بشكل دائم، دون أن يحصل النظام على فرصة للحصول على اقتطاع. مع نظام MLC، يخزن النظام الأجهزة مثل مكيفات الهواء، بحيث يسهل على المواطنين شرائها هناك بدلاً من البغل.  بهذه الطريقة، بدلاً من تسريب العملة الصعبة، يقوم النظام بتجميعها فعليًا، حيث يطلب المواطنون من العائلة والأصدقاء والزملاء تعبئة حسابات MLC الخاصة بهم حتى يتمكنوا من شراء مكيف الهواء.

ونتيجة لذلك، قالت فيريتا، إن البيزو في طور فقدان قيمته كعملة رسمية. من بين الوظائف الرئيسية الثلاث للنقود، فقد بشكل أساسي وظائف تخزين القيمة ووحدة الحساب – والتي تسربت الآن إلى MLC أو الدولار – كل ما تبقى للبيزو هو وظيفته كوسيلة للتبادل بين الأفراد عند التفاعل مع الحكومة، أو عند شراء الأشياء في الشارع.

عندما سألتها ما إذا كانت الحكومة لديها خطة لوقف تضخم البيزو، أعطتني نظرة لن أنساها أبدًا: أدارت رأسها وابتسمت قليلاً ونظرت إليّ نظرة عدم التصديق.

«خطة؟» سألت ثم واصلت قائلة: «كلا.  لا توجد خطة».

في تقديرها، سيحتاج الاقتصاد الكوبي إلى النمو بنسبة 5 ٪ سنويًا على مدار الـ 12 عامًا القادمة للتعافي من الصدمة الحالية.  لكنها قالت إنه تقلص بالفعل بنسبة 11٪ في عام 2020 وسينكمش أكثر في عام 2021. وستكون، على حد قولها، «كارثة».

خامسًا – الأثر المستمر للحظر

لمعرفة المزيد عن تأثير الحظر الأمريكي على الكوبيين، تحدثت إلى ريكاردو هيريرو (Ricardo Herrero)، ابن أحد المنفيين الكوبيين والمدير التنفيذي لمجموعة دراسة كوبا (the Cuba Study Group). وأوضح أنه اليوم، بسبب العقوبات الأمريكية، لا يمكن للكوبيين الوصول إلى مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية الشهيرة مثل خدمات الدفع الرقمي مثل بأي بال (PayPal) أو سترايب (Stripe) أو كاش آب (Cash App) أو زيلا (Zelle) أو منصة التداول كوين بايس (Coinbase) أو موقع استضافة المبرمجين غيت هب (GitHub) أو شركة التصميم الإعلاني أدوبي (Adobe) أو موقع تحميل ومشاركة الملفات دروب بوكس (Dropbox) أو برمجيات إيجار التاكسي ليفت (Lyft) أو أوبر (Uber) أو منصة التسوق الرقمي أمازون (Amazon).  ووصف الحظر بأنه «أكثر أنظمة العقوبات صرامة وتوسعا تجاه أي مجتمع على هذا الكوكب».

يعمل هيريرو على المساعدة في دفع حكومة الولايات المتحدة إلى تخفيف بعض هذه القيود. قال إن وظيفته صعبة، لا سيما بسبب قانون توريسيللي وهيلمز-بيرتون (Torricelli and Helms-Burton Acts)، الذي أُقرّ في التسعينيات، فأضفى الطابع الرسمي على القيود المفروضة على التجارة الأمريكية، والأعمال التجارية والسفر إلى كوبا من أجل زعزعة استقرار نظام كاسترو في وقت الضعف وتعزيز المعارضة الديمقراطية.

على عكس سياسة كوبا السابقة بين سنوات كينيدي وكلينتون، في العصر الجديد منذ عام 1996 عندما تم تمرير هيلمز بيرتون، تم تقنين الحظر في القانون ولا يمكن رفعه بأمر تنفيذي.  عندما ركز القانون وقتها على المطالبات الأمريكية بالأعمال التجارية والممتلكات التي يعتبرها القانون مسروقة من قبل نظام كاسترو خلال الثورة، وسع هيلمز بيرتون القيود المفروضة على الشركات الأمريكية ومنع أي شركة في العالم من ممارسة الأعمال التجارية في كوبا. إنه يهدد، على سبيل المثال، بمنع شركة من الدخول أو التعامل مع الولايات المتحدة إذا اختارت القيام بأعمال تجارية مع كوبا.

تنازل رؤساء الولايات المتحدة كلينتون وبوش وأوباما عن جزء من القانون، لذلك تمكنت بعض الكيانات الأجنبية من التعامل مع كوبا، وكانت النتائج متباينة. كما لاحظ سوبرادو بشكل جاف، فإن هافانا هيلتون (Havana Hilton)، الذي أعيدت تسميته إلى هابانا ليبر (Habana Libre) خلال الثورة، تم تسليمه في النهاية إلى سلسلة الفنادق الإسبانية ميليا العالمية (Meliá Hotels). اعتبارًا من العام الماضي، بقي الفندق الشهير فارغًا.

في العام الماضي، صنف الرئيس ترامب كوبا دولة راعية للإرهاب وأدخل 243 إجراءً جديداً لتعزيز الحظر. لم يلغ الرئيس بايدن هذه الإجراءات بعد. قال هيريرو إن قانون هيلمز بيرتون هو الرادع الذي يفسر سبب عدم رؤية محلات القهوة ستاربكس (Starbucks) أو محلات الملابس زارا (Zara) أو مطاعم ماكدونالدز (McDonalds) في كوبا.  ولهذا السبب لا تحصل كوبا على قروض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي (IMF).  هذا هو السبب في أن محطة جوراغوا للطاقة النووية لم تنتهِ قطّ. خلال افتتاح أوباما في عامي 2015 و2016، حاولت بعض شركات الدفع الأمريكية استكشاف إنشاء خدمات دفع بين الولايات المتحدة وكوبا، ولكن بمجرد فوز ترامب في الانتخابات، كان من الواضح أن الانفتاح سيتم التراجع عنه، وتم تعليق الخطط.

وقال هيريرو إن الحظر يعطي «الأكسجين السياسي» للرواية الثورية للحكومة الكوبية.

«إنه البعبع الكبير». كما قال، ثم قال: «من دونه، سيعاني النظام انهيارًا أيديولوجيًّا».

إن الحصار الممزوج بحكومة قمعية غير كفؤة هو مزيج مأساوي بشكل خاص. وقد تجلى ذلك مؤخرًا عندما عجز مواطن بريطاني مصاب بالسكري عن العثور على الأنسولين في هافانا، بسبب النقص الطبي. حاولت زوجته شحنه من لندن، لكن شركة توصيل الطرود (DHL) أعادت الطرد، وكتبت عبارة “عقوبات أمريكية على كوبا” على الملصق. توفي الزوج في المستشفى بعد فترة وجيزة.

قالت زوجته: «مزيج العقوبات الأمريكية على كوبا، وسوء إدارة كوبا للموارد الشحيحة، ووباء كوفيد -19 هو مزيج قاتل».

لا يزال هيريرو يلقي باللوم على معاناة الشعب الكوبي بشكل مباشر على أكتاف النظام، وقال إنهم يلعبون لعبة مزدوجة.  يلقي النظام باللوم على الحصار في جميع أو معظم الأزمات في كوبا، لكنهم «لم يفوتوا أبدًا فرصة لتفويت فرصة رفعه».

النظام يواصل استخدام الحصار ككبش فداء وأداة لجذب التعاطف الدولي لقضيته.

قال هيريرو: «إنهم يرسمون أنفسهم كداوود أمام جالوت الإمبريالي».

في ظل انفتاح أوباما، سارعت الشركات الأمريكية لإبرام الصفقات، لكن النظام سمح لعدد قليل جدًا من الكوبيين بالتوقيع.  أوضح هيريرو أن هذا يرجع جزئيًا إلى عقليتهم السوفيتية: «تم تدريب البيروقراطيين على أن يكونوا أعداء لليانكيز الأمريكين، وأن يعارضوا الرأسمالية».

عندما أتيحت لهم الفرصة لربط كوبا بالعالم، لم يتمكنوا من اغتنامها. على مدى العقد الماضي، تحدث النظام الكوبي عن المشاريع الخاصة واللامركزية في الاقتصاد، لكن في الواقع، كان الكلام جعجعة من غير طِحن.

أوضح أنتوني دي بالما أن النظام يذكر الكوبيين باستمرار «بالخطر الإمبريالي من الشمال، لكنه يطالب أيضًا بأن تُسقط الإمبراطورية حظرها حتى تتمكن كوبا من القيام بمزيد من الأعمال التجارية مع أمريكا وحلفائها.  لقد استخدم النظام التهديد الدائم بالتدخل الأمريكي كغطاء لكل زلة، أو برنامج فاشل، أو نقص في الغذاء، أو انقطاع التيار الكهربائي على مدى العقود الستة الماضية، لكنه يعتمد أيضًا على مليارات الدولارات الأمريكية التي يرسلها المنفيون في التحويلات المالية للسماح لكوبا بالبقاء واقفة على قدميها.  تقدم وسائل الإعلام التي تديرها الدولة الولايات المتحدة على أنها جحيم من إدمان المخدرات والقتل الجماعي والاستهلاك الجامح، بينما تصور كوبا على أنها جنة المساواة التي تديرها حكومة لا يمكنها أن ترتكب أي خطأ.  ومع ذلك، عندما يقارن الكوبيون حياتهم مع ما يسمعونه من أقاربهم في ميامي أو مع ما يرونه على الإنترنت، فإنهم يعرفون أن الأمر ليس كذلك».

إن كل ما يروج له النظام حول اقتصاده تقريبًا هو غطاء أيديولوجي لتغطية الاستغلال.  اعتبارًا من عام 2018، لم يكن أكبر مصدر للإيرادات في كوبا هو صناعة السياحة، بل كان تصدير أكثر من 50000 من العاملين في مجال الرعاية الصحية كل عام إلى أكثر من 60 دولة. تم تصميم النظام التعليمي في كوبا لإنتاج فائض من الأطباء والممرضات والفنيين – «جيش من المعاطف البيضاء» – الذين يتم إرسالهم إلى الخارج في مخطط العلاقات العامة.  قال هيريرو إن البرنامج هو وسيلة «لنسج الثورة» في حل، حيث تعلن الحكومة بفخر أننا سنرسل ألوية حول العالم لإنقاذ المضطهدين الذين تجاهلتهم القوى الإمبريالية.  في الواقع، تصادر الدولة 75٪ من رواتب هؤلاء العمال، وتحصل على أكثر من 11 مليار دولار سنويًا، مما يشكل شكلاً من أشكال العبودية بعقود طويلة الأجل، أكبر صادرات كوبا.

في غضون ذلك، يجد الكوبيون في الخارج صعوبة في إرسال الأموال إلى عائلاتهم.  قال هيريرو إن إحدى الطرق هي إجراء تحويل مصرفي لشخص ما في بنما الي هافانا هو نقلها نقدا بواسطة «حقيبة من القماش الخشن».  هناك طريقة أخرى تتمثل في الاعتماد على نظام من نوع الحوالة.  يمكن للمرء أن يعطي 100 دولار لشخص ما في ميامي، ويتصل بشريكه التجاري في هافانا ويطلب منه تقديم 100 دولار مطروحًا منها الرسوم لعائلة ذلك الفرد. كانت معاملات شركة تحويلات المغتربين عبر ويسترن يونيون (Western Union) من الولايات المتحدة إلى كوبا أيضًا خيارًا حتى نوفمبر الماضي إلى أن أغلقتها إدارة ترامب.  أغلقت الشركة 407 مواقع في جميع أنحاء الجزيرة، وهو ما يبدو مذهلاً، لكن هيريرو قال إن معظم الكوبيين وجدوا بالفعل الخدمة باهظة الثمن.

على سبيل المثال، وصفت هيريرو صفقة ويسترن يونيون من العام الماضي، حيث أرسل شخص ما 1030 دولارًا إلى أحد أفراد الأسرة في كوبا.  كانت الرسوم 77.25 دولارًا أمريكيًا، لذا كان إجمالي المبلغ الذي دفعه المرسل 11107.25 دولارًا أمريكيًا.  المبلغ المستلم في كوبا كان 1000 دولار.  تم تقسيم الرسوم المكونة من خانتين إلى 2.5٪ الإقامة في الولايات المتحدة كرسوم تخليص، و4٪ تذهب إلى ويسترن يونيون، و1٪ تذهب إلى فينيسميكس (Fincimex) وهو «معالج الدفع الحكومي الكوبي المعتمد حاليًا»، و2.5٪ احترقت في «سعر الصرف» للتحويلات، والتي ذهبت إلى جيوب الحكومة.

حتى إذا فتحت الولايات المتحدة خدمة ويسترن يونيون مرة أخرى، فلن يتلقى المستلمون سوى 1000 دولار “بالسعر الرسمي” البالغ 24 بيزو إلى دولار واحد.  لذا سيحصل المستلم على 25000 بيزو، على الرغم من أن القيمة الحقيقية للتحويل هي 70000 بيزو.  سيحافظ النظام على الفرق.

قال هيريرو إن بإمكان الأمريكيين بالفعل تغذية حسابات MLC مباشرة بالدولار حتى الصيف الماضي. لكن العقوبات الجديدة لإدارة ترامب أغلقت هذه القناة. إلى جانب إغلاق الرحلات الجوية وانخفاض السياحة، قال هيريرو إن هذه كانت «ضربة مزدوجة» تسببت في انخفاض كبير في تدفقات الدولار إلى كوبا.  قال، حدث هذاعندما بدأ البيتكوين في الإقلاع.

قال لي: «ما من عملة يمكن أن تساعد في في التغلب على تذبذبات السياسة الأمريكية الكوبية على مدى السنوات الخمس الماضية أفضل من البيتكوين».

وأضاف: «من الصعب أن ينمو أي شيء في كوبا، ولكن إذا كنت تستثمر في عملة البيتكوين على مدى السنوات القليلة الماضية، فإنك تنمو».

سادسًا – البيتكوين وسيلةً للالتفاف على النظام الكوبي

أخبرني هيريرو عن إريك غارسيا كروز (García Cruz Erich)، شخصية بيتكوين كوبية شهيرة. أطلق على كروز لقب «رجل السنت الواحد»، لأنه غالبًا ما يظهر كضيف على التلفزيون الحكومي، ويدير قناته الشهيرة على منصة التواصل الاجتماعي يوتيوب (YouTube) لمراجعة أنواع مختلفة من التكنولوجيا وأنظمة الدفع.  لقد تواصلت مع كروز لمعرفة المزيد.

قال لي كروز: «لقد عشت في هافانا منذ اليوم الذي ولدت فيه».  كان مرتاحًا لاستخدام اسمه في هذه المقابلة، حيث قال إنه بالفعل شخص «مشهور جدًا ومعروف جدًا».

وقال كروز إن الاحتجاجات الأخيرة اندلعت بسبب نقص الغذاء، ونقص الأدوية، والأشخاص الذين يعانون من الجوع، ومحاولة البقاء على قيد الحياة في ظروف وحشية، وأثناء الوباء، والبيروقراطية الحكومية، وارتفاع التضخم.

«الشعب الكوبي متعب». كما قال، ثم أتبع قائلا: «إنهم يريدون حياة أفضل».

قال كروز: «النظام لا يعمل، لذلك يلجأ الناس إلى البيتكوين للهروب».

شركة كروز، بيتريميساس (Bitremesas)، حلٌّ للمشكلة العملاقة التي يواجهها الناس عند محاولة إرسال تحويلات مالية من الولايات المتحدة إلى كوبا.  مرة أخرى، بسبب الحظر، لا تستطيع البنوك الأمريكية تحويل دولارات إلى حسابات كوبية.  لم يعد هناك خدمات تحويل نقدي كترانسفروايز (Transferwise)، ولا باي بال (PayPal)، ولا ريفولت (Revolut)، ولا حتى ويسترن يونيون (Western Union) بعد الآن.

لا تزال طريقة البغل تعمل، وهي تحويل الأموال إلى شخص ما سيذهب جسديًا إلى كوبا ويعطي نقودًا لعائلتك، لكن هذا مكلف ويستغرق وقتًا طويلاً.  قال كروز إنه يمكن للمرء أيضًا إجراء تحويل إلى أحد البنوك في إسبانيا، على سبيل المثال، حيث يمكن إرسال الحوالة مباشرة إلى حساب MLC الخاص بشخص ما.  لكن مرة أخرى، باهظ الثمن ويستغرق وقتًا طويلاً.

قال كروز إن الخيار الأفضل هو استخدام البيتكوين.

«لقد أصبحت وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي». وقال: «عدد الكوبيين الذين يستخدمون البيتكوين آخذ في الازدياد».

يقدر كروز أن 300000 مواطن كوبي على الأقل استخدموا البيتكوين أو العملات الرقمية مرة واحدة على الأقل، وربما يستخدمها 100000 على أساس منتظم.  يمثل هذا 2.5٪ من سكان الجزيرة، وهو ما يتماشى تمامًا مع التقديرات العالمية التي تشير إلى أن 200 مليون شخص من أصل 7.8 مليار شخص في العالم قد استخدموا عملة البيتكوين.

قال كروز إن أي شركة كوبية لا تستخدم الببيتكوين اليوم للتفاعل مع النظام المالي الدولي ستتعلم بالطريقة الصعبة، وستتكيف وتتبنى.

وقال: «ستضطر جميع الشركات التي تتعامع مع جهات خارجية إلى استخدام البيتكوين». «لدينا قول مأثور في كوبا: عليك ركوب الحافلة، لأن الحافلة تغادر المدينة».

إنه يعتقد أن معدل تبني البيتكوين هو بالفعل أكبر بالنسبة للفرد في كوبا مما هو عليه في أوروبا أو كندا، لكنه أخبرني أنه لم يكن دائمًا من المؤمنين بالبيتكوين. في الواقع، حتى مارس 2020، كان يعتقد أنها عملية احتيال. قال إنه كان هناك دائمًا أصدقاء وزملاء يحاولون تعريفه بالعملة الرقمية، لكنهم كانوا يحاولون حمله على القيام بذلك حتى يتمكن بعد ذلك من إرسال عملة البيتكوين إلى مخططات هرمية مثل أربيستار (Arbistar) أو ترست للاستثمار (Trust Investing).

قال: «كنت متشككًا للغاية».

في مارس 2020، قدم كروز مقطع فيديو شائعًا حيث كشف عن احتيال تراست للاستثمار، وأظهر كيف أنها كانت مخططًا هرميًا. كجزء من رد الفعل على الفيديو، شجعه الناس على النظر في خيارات الاستثمار الأخرى. كان أحدهما البيتكوين. تعهد لنفسه بأن يحاول أن يصبح خبيرًا في الموضوع.

في أبريل ويونيو 2020، ذهب في «جحر الأرنب» و «اكتشف الكأس المقدسة».  قال لي، من خلال عدسة البيتكوين، «ترى القيود الفعلية التي يُقَيَّدها الكوبيون والحرية التي توفرها البيتكوين. وترى العالم من منظور مختلف».

قال: «لا يمكننا الوصول إلى حلول الدفع التقليدية.  كنا عالقين.  حسنًا، إذا كان هذا هو الحال فسأنشئ مزود دفع باستخدام البيتكوين، وسنطور نشاطًا تجاريًا حول هذه الفرصة».

في 1 سبتمبر 2020، أطلق كروز بيتريميساس حتى تتمكن العائلات الكوبية من التعامل بسهولة بين الولايات المتحدة وكوبا.  العملية بسيطة: يقوم شخص ما في الولايات المتحدة بإرسال عملة البيتكوين إلى محفظة تديرها بيتريمساس (أخبرني أنها عبارة عن محفظة متعددة التوقيع (multisig) بحاجة الي توقيعين اثنين من أصل ثلاثة، للحصول على أمان إضافي) – ثم تبيع الشركة عملة البيتكوين مقابل MLC أو البيزو، وتقوم بتسليمها للمستلم.

وصف كروز نظام «مناقصة سلبية»، حيث تعلن شركته عن تحويل بيتكوين بقيمة 100 دولار أمريكي حديثًا في شبكة محلية: سيعرض أحد المتداولين 95 دولارًا، وسيقدم 94 دولارًا آخر.  سوف تبيع بيتريمساس لأدنى مزايد وتتخذ الفرق كأرباح. سيقوم التاجر بتسليم الأموال إلى المستلم. وقال إن التحسن الكبير الذي يحدثه هذا مقارنة بالطرق الأخرى لإرسال الأموال إلى كوبا هو أن المتلقي يقترب من سعر الصرف الحقيقي. وقال إن المرور بالنظام الرسمي يؤدي إلى التعثر في سعر 24 بيزو مقابل 1 دولار.

وقال إن الشعب الكوبي «ذكي ومفكر» ويخزن القيمة في عملة البيتكوين لأنهم يثقون بها أكثر من البيزو.

قال: «إذا كان بإمكانك شراء ساتوشي بالبيزو ويمكن أن تنتظر ثلاث سنوات، فإنك تزيد من قوتك الشرائية بطريقة هائلة».

قال كروز: «لا أحب أن أتحدث عن السياسة أو الحكومة أو ما إذا كانت لديهم سياسات صحيحة أو خاطئة». «أحاول فقط تعليم زملائي الكوبيين كيفية التعايش مع البيتكوين والعملات المشفرة».

ينسب كروز الفضل إلى مبتكر البيتكوين ساتوشي ناكاموتو في حياته الجديدة وأعماله الجديدة.

قال كروز إنه ليس لديه معلومات سياسية خاصة، لكنه قال إن الحكومة تبحث في العملة المشفرة كجزء من خطتها الخمسية الحالية، ويمكن أن تتبنى في النهاية استراتيجية البيتكوين. على سبيل المثال، يمكن أن يبدأ قبول البيتكوين في متاجر MLC، أو السماح للمواطنين باستخدام البيتكوين لتعبئة حسابات MLC، أو لبيع العروض السياحية أو حتى الصادرات من البيتكوين.

وقال: «ستكون هذه خطوة ذكية، ووسيلة جيدة لتجميع العملة الصعبة، لكننا نتحدث عن الحكومة الكوبية، لذلك لا أعرف».

لا يزال كروز ينتقد بشدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة، الذي يمنعه من الوصول إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المتاحة بخلاف ذلك للأشخاص الذين يعيشون على بعد بضع مئات من الأميال في ميامي.

وقال: «لكن محاربة الحظر معركة لا يمكنك الفوز بها».

وأضاف «في كوبا، هناك خياران يمكنك مغادرة كوبا والهروب من المصفوفة، أو يمكنك البقاء ولعب اللعبة.  البيتكوين هو رمز الغش للعب اللعبة.  الآن، اخترت البقاء».

سابعًا – بناء اقتصاد البيتكوين في هافانا

يعمل خورخي (Jorge) في شركة بيتكوين في هافانا. اكتشف البيتكوين في مارس 2018، عندما استفاد من الوصول إلى الإنترنت الموسع في كوبا لبدء التداول و«تكديس الساتوشيات» عبر الإنترنت للقيام بمهام مختلفة. على الرغم من ذلك، بالنسبة لمعظم حياة خورخي، كان الاتصال بالعالم الخارجي قريبًا من المستحيل. تم تقييد شبكة الإنترنت بشدة، لم يمكن إيصال المعلومات إلى كوبا إلا بطرق هادئة.

بصفتي متدربًا في مؤسسة حقوق الإنسان، ساعدت في المشاركة في برنامج عام 2007 حيث سنرسل كتبًا وأفلامًا أجنبية إلى نظام «المكتبة السرية» قبل الإنترنت في كوبا. من مكتب في نيويورك، كنت أقوم بنسخ نسخ من الأفلام المترجمة مثل (V For Vendetta) و (Braveheart) على أقراص DVD down the rabbit hole، والتي كانت متخفية في شكل أقراص مضغوطة موسيقية، وإرسالها إلى كوبا مع مواطني أمريكا اللاتينية الذين يتوجهون إلى الجزيرة عبر المكسيك.  كانوا يوصلون محتوى المنشورات المعارضة المحظورة الساميزدات (samizdat) – إلى جانب الإمدادات الطبية وغيرها من التقنيات – إلى معارفنا، الذين يجرون عروضًا خاصة في منازلهم على مشغلات DVD محمولة مع ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين في وقت واحد، ويستضيفون مجموعات مناقشة بعد ذلك.

لسنوات عديدة، كان هذا – إلى جانب التقاط إشارات الراديو من فلوريدا – هو كيفية وصول الكوبيين إلى المعلومات الخارجية.  بعد بضع سنوات، وُلد «paquete»: نظام يستخدم فيه بعض الكوبيين معدات أقمار صناعية غير قانونية لتنزيل محتوى أجنبي وتحميله على محركات أقراص صلبة، والتي يتم نشرها بعد ذلك من خلال المجتمعات حيث يدفع الأشخاص مقابل كل عنصر لنقل ما يريدون إلى أقراص USB الخاصة بمشاهدتها أو قراءتها في المنزل.

في عامي 2014 و2015، بدأت شبكة شبكة الإنترنت (WiFi) في الظهور في جميع أنحاء كوبا في الفنادق ونقاط الوصول العامة. نمت (paquete) بشكل كبير في هذه المرحلة، حيث حصل بعض الأشخاص على أموال مقابل الوقوف وتنزيل المحتوى طوال اليوم. في عامي 2017 و2018، تم إدخال البيانات إلى الهواتف المحمولة. زاد الوصول إلى الإنترنت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لكنه لا يزال بطيئًا ومراقبًا.

قال خورخي: «لا يوجد جدار حماية كبير، لكن تجربتنا ليست سلسة وبراقة مثل الإنترنت المفتوح».

عندما تحدثنا، استخدم شبكة بروكسي للاتصال VPN.

ظهرت قوة الإنترنت في كوبا بشكل كامل الشهر الماضي، عندما ساعد منشور على فيسبوك في 10 يوليو / تموز في بلدة سان أنطونيو دي لوس بانوس الصغيرة في إشعال احتجاجات وطنية في اليوم التالي.

«هل سئمت من انقطاع الكهرباء؟» سأل المنشور. «هل سئمت من الاستماع إلى وقاحة الحكومة التي لا تهتم لأمرك؟  حان وقت الخروج وتقديم المطالب. لا تنتقدوا في المنزل: دعونا نجعلهم يستمعون إلينا».

لم يكن بإمكان خورخي توقع حركة 11 يوليو هذا الصيف، ولكن في كلتا الحالتين، كان سعيدًا بالاتصال بالعالم عبر الإنترنت.  كانت أنواع المال الرقمي الجديدة كالبيتكوين أحد الأشياء الأكثر إثارة للاهتمام التي وجدها على الويب، لكنه لم يكن يعرف كيفية «الاستفادة» من العملة الرقمية الجديدة بما يتجاوز التوفير. هذا تغير عندما وجد موقع شراء بطاقات الهدايا بيتريفل (Bitrefill).

من خلال هذه الخدمة عبر الإنترنت، بدأ في شحن هاتفه باستخدام البيتكوين. على المنصة، يمكن للكوبيين شراء قسائم الهاتف المحمول – إلى جانب أشياء أخرى مثل متجر التطبيقات وكوبونات الألعاب – مباشرةً باستخدام عملة البيتكوين التي يكسبونها أو يشترونها أو يتلقونها من الخارج عبر منصات مثل بيتريميساس. في حالة خورخي، سيخزن عملة البيتكوين الخاصة به على تطبيقات المحافظ مثل Muun أو Blue Wallet على هاتفه.  قال إن هذين التطبيقين هما المفضلان له: كلا التطبيقين مجانيان ومفتوحان المصدر ويمكّنان من استخدام شبكة البرق (Lightning) ومتاحان للكوبيين بتنسيقات اللغة الإسبانية مباشرة من متجر Google Play. من هناك، إنها مجرد خطوة واحدة لشراء الأشياء باستخدام بيتريفل (bitrefill).

من خلال المنصة، وجد بعض الكوبيين فرصًا للتفاهم مع نظام مالي ابتزازي. على سبيل المثال، من أجل جذب العملة الصعبة، ستوفر شركة الاتصالات الحكومية ETECSA أحيانًا ائتمانًا إضافيًا إذا قام أحدهم بتعبئة هاتفه المحمول باليورو أو الجنيه الإسترليني. العروض الترويجية جيدة لدرجة أن بعض الكوبيين يدفعون للوسطاء لتغذية هواتفهم من الخارج. ولكن يمكن للكوبي الجلوس في المنزل، وكسب أو شراء عملة البيتكوين، ثم إعادة شحن هاتف أي شخص من خدمة بيتريفل (Bitrefill)، وتحقيق ربح جيد.

قال خورخي إنه اليوم دخل في سوق غير رسمي لتوصيل الوجبات باستخدام البيتكوين. حيث يقدم طلبًا عبر خدمة الدفع بالند للند، ويظهر الطعام الجاهز على عتبة بابه. يدفع بعملة البيتكوين، وهي نسخة كوبية مشفرة من خدمة توصيل الطعام أوبر إيتس (Uber Eats).  قال إنه بين عمله وواجباته وغيرها من العناصر المختلفة، يشتري تقريبًا كل ما يحتاجه اليوم باستخدام البيتكوين. بالنسبة لخورخي، فإن العيش في اقتصاد البيتكوين ليس حلمًا في المستقبل، إنه في الوقت الحاضر.

قال خورخي إن استخدام البيتكوين بشكل شامل للعيش ليس واسع الانتشار، ويعترف بأنه أحد أوائل المستخدمين. لكنه قال، في كلتا الحالتين، من السهل جدًا عليه استبدال البيتكوين مقابل MLC أو البيزو وشراء ما يحتاج إليه.

عندما سئل عما إذا كانت عملة البيتكوين موضة، أو شيئًا قد يتوقف عن استخدامه في وقت ما، قال «لن أعود. لا يمكنني تخيل حياتي الآن بدون البيتكوين».

وأشار إلى الأصدقاء من الأطباء أو المحامين، الذين تم التهام مدخراتهم بسبب التضخم قبل العثور على البيتكوين، أو غيرهم من رواد الأعمال الذين يبنون حياتهم بأكملها حول البيتكوين في الوقت الحالي، تمامًا مثله.

عندما تحدثت إلى سبرادو (Sobrado)، الباحث في العملات الذي أفادني عمله كثيرا في هذا المقال، أخبرني عن عمل كان يديره في كوبا قبل الوباء. قام ببناء فريق يخدم، على سبيل المثال، سائقي سيارات الأجرة وأصحاب الشقق، ليسهل عليهم قبول المدفوعات الأجنبية.

ستسمح شركة سبرادو للأجانب بالدفع مقابل خدمة الاستقبال في مطار هافانا عبر الإنترنت. يحصل سبرادو على اليورو في حساب أجنبي، ثم يبيع هذا اليورو مقابل البيتكوين، ليرسلها إلى فريقه في كوبا في غضون دقائق، ويبيعها الفريق هناك مقابل البيزو التحويلي أو البيزو. يوزع الفريق بعد ذلك الأموال على السائقين.

قدمت شركة سبرادو خدمة مماثلة للكوبيين الذين يستعملون تطبيقات إيجار المساكن مثل (booking.com) أو (Airbnb)، التي لديها إذن خاص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية للعمل في الجزيرة.

«فلنقل إنك مالك شقّة، من قبل، كان عليك أوّلًا أن تحصل على رخصة مشروع تجاري، ثم أن تعلن عن تأجير بيتك على الإنترنت، ثم يأتي زائرك الأول. كيف يدفع زائرك لشركة Airbnb؟ بشركة تحويل أموال اسمها فا كوبا. من الجهة الكوبية، يعني هذا أن رجلًا ما سيأتي ويسأل عنك، ثم يعطيك ظرفًا فيه المال. هذا الرجل سيتأخر غالبًا، وسيكون المال محسوبًا بسعر المصرف المركزي. كان الأمر فاسدًا. أمّا الآن سندفع لك مباشرة باستعمال البيتكوين».

إن لم تكن عملة البيتكوين موجودة، قال سوبرادو، لم تكن هذه الشركات لتنجح.  كان عليه أن يرفع الأسعار بنسبة 5٪ على الأقل، وعندها ستختفي هوامش الربح.  قال سوبرادو إن أفضل الشهور من حيث إجمالي الإيرادات كانت أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020. وخلال الوباء، قال: “انتهى كل شيء”، لكنه مثال آخر على كيفية استخدام العقول المبدعة للبيتكوين لتحسين الحياة وصنع الأشياء أكثر كفاءة، وكسب المال حتى في حالة بوليسية كئيبة.

في كتابته عن تبني كوبا للإنترنت في عام 2017، قال المؤلف أنطونيو غارسيا مارتينيز (Antonio Garcia Martinez) إن كلمة مهمة يجب معرفتها هي الحلّة: «الكلمة تعني حل المشكلات حرفيًّا، ولكن المعنى الأدق هو مفهوم قرصنة الحياة Life Hacking  المشهور في وادي السليكون»

«هل تحتاج إلى تجاوز العقبات التي لا نهاية لها التي ينطوي عليها الحصول على ترخيص الأعمال التجارية الصغيرة؟  جِد حَلّة»، ويقول: «الكوبيون هم ملوك وملكات مصطلح الحلّة. إنه الشيء الوحيد الذي أبقاهم واقفين على أقدامهم منذ الفترة الخاصة».

ومع ذلك، كتب مارتينيز: «إن القوى المصطفة ضد قوى الحلّ واسع الحيلة تكمن في كلمة أخرى مهمة: أمر معقّد».

«هل تريد التحدث إلى الصحفيين المعارضين الذين يسخرون من الرقابة الكوبية ويتعرضون للمضايقة والسجن بشكل روتيني؟  أمر معقّد. هل ترغب في الحصول على جواز سفر وتأشيرة للسفر إلى الخارج؟ أمر معقد».

يقول خورخي إن البيتكوين تجسّد لمفهوم الحلّة، إنه حل بديل، وطريقة للالتفاف على التعقيد.

كما كتب مارتينيز، فإن الحلّة تتفوق «دائمًا تقريبًا» على التعقيدات، «خاصة عندما يكون هناك أموال حقيقية يمكن جنيها».

على الرغم من أن مارتينيز قد أدلى بهذه الملاحظة في أيام ما قبل بيتكوين في كوبا، إلا أنه لا يمكن أن يكون أكثر صحة اليوم، عندما يتحول المواطنون إلى البيتكوين بدلًا من البيزو بحثًا عن «أموال حقيقية».

أخبرني خورخي أن البيتكوين ليس حلاً سحريًا لجميع مشكلات كوبا، وأشار إلى أن الناس يواجهون أوقاتًا صعبة للغاية لأسباب متنوعة. يتطلع خورخي إلى تبني عملة البيتكوين الوطني في السلفادور، وقال إن الخدمات المستخدمة هناك مثل سترايك (Strike) الذي يربط البيتكوين بالنظام المصرفي المحلي غير متوفرة في كوبا، ومن المحتمل ألا تتوفر في المستقبل بسبب الحظر.

ولكن، كما قال جورجي، يتعلم الناس اليوم المزيد عن البيتكوين، ويتحمسون ويدخرون. بعد سنوات عديدة من سحب البساط من تحت أقدامهم من قبل الحكومة عبر استخدام أنظمة البيزو التحويلي وبطاقات ال MLC، اليوم، يقوم مستخدمو البيتكوين بسحب للبساط من تحت أقدام الحكومة من خلال مبادلة البيزو أو MLC مقابل البيتكوين، وهو شكل متفوق من النقود ارتفع بشكل كبير خلال العقد الماضي.  قال خورخي، ربما سيكون الناس هم من يضحكون أخيرا.

سألت خورخي عن العديد من النقاد الغربيين للبيتكوين، الذين قالوا إنها مخصصة للمجرمين فقط وليس لها أي قيمة اجتماعية.  ضحك في حالة من عدم التصديق. وقال إن حياة الكثير من الناس «تحسنت بشكل كبير» من خلال البيتكوين.

قال: «هذه التكنولوجيا تتخطى الحصار والقيود الحكومية، فهي تسمح لك بنقل القيمة دون الوثوق بأي شخص، وهي تربطك بالعالم، وتسمح لك بتمكين نفسك والقيام بأشياء مستحيلة من دونها». «لقد أوجدت الأمل للذين يريدون التغيير».

ثامنًا – كوبا جديدة قادمة

مثل الكثير من الأنظمة المغلقة الأخرى مثل كوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي، فإن التكنولوجيا والمعلومات الخارجية لها تأثير هائل على كوبا. لا توجد طريقة يمكن لحركة احتجاجية مثل 11 يوليو أن تتوسع على الصعيد الوطني دون أن يتمكن الناس من التنظيم والتواصل رقميًا بعضهم مع بعض.

عندما تحدثت إلى أنطونيو غارسيا مارتينيز مؤخرًا، أخبرني بأن «الإنترنت سوف يقضي على 62 عامًا من الشيوعية الكوبية».

في الجزيرة، قال: «الإنترنت آلة لتدمير إجماع للنخب، التي تعتمد على احتكار المعلومات».

قال: «إذا ظل الإنترنت قيد التشغيل، فإن الحكومة الكوبية ستسقط في النهاية».

ولكن بعد ما يقرب من 20 عامًا من الإصلاحات الاقتصادية، ونصف عقد من السكان المتصلين بالإنترنت، لا يزال الحزب الشيوعي الكوبي متمسكًا بالسلطة. حتى ظهور الإنترنت لم يكن كافياً لزعزعة قبضته. لقد نجحت طبيعته المحافظة العنيدة للأسف، وأبقته على قيد الحياة لعقود عديدة. في حين أن البيتكوين قد تكون طريقة جيدة للنظام لجمع أصعب عملة على وجه الأرض، فإن الديناصورات المسؤولين في السلطة قد لا يعتقدون أن هذا الأمر يستحق المخاطرة.

على الجانب الأمريكي، أمرت إدارة بايدن بـ«مراجعة» التحويلات المالية إلى كوبا، في محاولة لتحديد الطريقة الأفضل التي يمكن بها لأولئك الموجودين في الولايات المتحدة إرسال الأموال إلى عائلاتهم في الجزيرة دون دعم النظام. الجواب، بالطبع، هو البيتكوين، ولكن بالنظر إلى عداء أمينة الخزانة يلين للعملة الجديدة، فمن غير المرجح أن يكونوا مستعدين للاعتراف بذلك والبدء في تفعيله في سياستهم الخارجية.

أثناء التحدث إلى الكوبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية المضطربة، هناك شيء واحد واضح: عدد متزايد من الناس لن ينتظر حكومته لإلغاء بعض الإصلاحات الجديدة، أو أن تخفف إدارة بايدن عقوباتها. إنهم يتحكمون في مصيرهم المالي من خلال البيتكوين.

منذ أكثر من مائة عام، كتب الشاعر الكوبي العظيم خوسيه مارتي (José Marti) إن «الحقوق يجب أن تؤخذ، لا أن تُطلب. تُنتَزَع ولا يُتوسَّل من أجلها».  قد يكون هذا هو شعار حركة البيتكوين الجديدة في كوبا.

ربما تكون الاحتجاجات السياسية الحالية كافية لتظهر للعالم أن الكوبيين سئموا العيش في ظل الديكتاتورية، لكنها ليست كافية لإنهاء النظام. على مدى عقود، توقع الكثيرون سقوط كاسترو الاستبداد، لكن ثبت خطؤهم.

في غضون ذلك، سيستمر الكوبيون في الاحتجاج السلمي عن طريق إلغاء الاشتراك في نظام البيزو وبطاقات ال MLC الاستغلاليين، واستخدام البيتكوين. بعد ستة عقود من البؤس الاقتصادي، هناك أخيرًا مخرج.

سواء أكان ذلك من خلال أفراد مثل لوسيا في ماتانساس، من خلال تكديس الساتوشيات بهدوء كل يوم، أو من طريق إريك أو خورخي في هافانا، الذين يوصلان الابتكار وإدماج الجماهير، أصبحت البيتكوين الآن حركة كوبية تمامًا، وحلّة يبدو من غير المرجح أن توقَف.

Tagged : / / / / / /

هل يكون البيتكوين عملة الحرّيّة في فلسطين؟

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: NoorVoltaireEgyptian SatoshiYazeed Al Oyoun | تحرير: ترجمان البيتكوين | تاريخ الكتابة: يوليو 2021

في أحد أيام الأسبوع الماضي تحدثت إلى أحد مستخدمي البيتكوين داخل قطاع غزة.

طلب الرجل عدم الكشف عن هويته واستخدام اسم عقاب، وهي فصيلة من النسور، خوفا من الخطر الذي قد يواجهه إن عُرفت شخصيته.

تحدّثنا على التلغرام، وكان علينا أن نجعل لمكالمتنا وقتًا محدّدًا، لأن عقاب لا تزوره الكهرباء إلا بضع ساعات في اليوم، ساعدني صديق فلسطيني في ترجمة المكالمة مباشرة. كان من الصعب علينا أن نتخيل حال الحياة على الطرف الآخر من الخط.

عقاب من سكان رفح، وهي مدينة في الجزء الجنوبي من غزة التي كانت من أسابيع قليلة تتعرض لقصفٍ شديد من قبل الجيش الإسرائيلي. شعرت كأنني أتحدث مع شخص من كوكب مختلف.

تحدّث عقاب عن طُرق دُمّرت، ومبانٍ مُحيت، وكهرباء تُقطَع، وإمدادات تُحدّد. تبدو غزة وكأنها جبنة سويسرية وفقا لخريطة الضربات الصاروخية الإسرائيلية، وهو ما يعطينا فكرة عن الأضرار الهيكلية التي سببتها هذه الضربات.

حاجز مفتوح دائمًا

قطاع غزة قطعة أرض يبلغ عرضها حوالي 5 أميال وطولها 28 ميلًا، تقع بين الركن الجنوبي الغربي لإسرائيل وسيناء المصرية والبحر الأبيض المتوسط. في الأصل كانت موقعًا لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا بعد النكبة عام 1948، وهي اليوم مدينة ذات أكبر كثافة سكانية على وجه الأرض. تبلغ مساحة غزة أقل من نصف مساحة مدينة أوستن بولاية تكساس، ولكن عدد سكانها أكثر من ضعفي عدد سكان أوستن. إنها هونغ كونغ صحراوية وذات بنية تحتية منهارة.

عانى أهل غزة في العقود الأربعة الماضية –وهم مليونا نسمة، نصفهم تحت سنّ ثمانية عشر- انهيارًا حضاريًّا شبه كامل.

فازت حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، على الرغم من رفضها بالاعتراف بحق الكيان الصهيوني بالوجود، كان التصويت احتجاجا من الشعب الفلسطيني على فساد حركة فتح الشديد وعجزها التي أظهرته على مدى 12 عامًا كانت فيه الحاكمة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية.  لم يعترف العديد من الجهات الدولية الفاعلة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشرعية الانتخابات، لأنهم يعتبرون حماس مؤسسه إرهابية، أمّا فتح فتمسكت بزمام السلطة في الضفة الغربية. في غضون هذه الصراعات، سقط سكان غزة تحت حكمٍ ديكتاتوري لدولة إسلامية بوليسية. وردا على ذلك، قامت الحكومتان الإسرائيلية والمصرية في عام 2007 بإغلاق غزة عن العالم الخارجي.

أحد الناجين من هذه الحروب الأربعة التي خاضتها قوات الدفاع الإسرائيلية وحماس، التي كان آخرها قبل شهرين، شابٌّ ابن خمسة عشر عامًا يسكن في غزة اليوم.

بين 10 مايو و21 مايو من هذا العام، أطلقت حماس أكثر من 4300 صاروخ باتجاه مدنٍ إسرائيلية، ورد الجيش الإسرائيلي بأكثر من 1500 صاروخ باتجاه غزة. كان هذا الصراع الأكثر وحشية منذ عام 2014. قدّرت الأمم المتحدة الأضرار بين 280 و380 مليون دولار، أما ميزانية التعافي فهي بين 345 و485 مليون دولار. لا يزال 800000 من سكان غزة محرومين من مياه الشرب النظيفة ولا يمكنهم الخروج من وسط الأنقاض إلى أي مكان في العالم الى من خلال معابر تفتيش، تُفتَح وتُغلَق أيام الحروب أيضًا.

 في عام 2012، تنبأت ورقة نشرتها الأمم المتحدة أن غزة ستكون غير صالحة للعيش بحلول عام 2020. هذا التنبؤ دقيق بشكل مأساوي. وفقًا لتقرير البنك الدولي في يوليو 2021، حتى قبل موجة التفجيرات الأخيرة، كان معدل البطالة في غزة 48٪، و يرتفع ليبلغ 64٪ لمن تقل أعمارهم عن 30 عامًا. ثُلث سكان غزة –ومنهم 400 ألف طفل- يعيشون في فقر، ويعتمد أكثر من 80٪ من الأسر على المساعدات الغذائية أو نوعٍ من المساعدات الاجتماعية.

وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي لعام 2017، دمرت الحرب بين إسرائيل وحماس في نهاية عام 2008 أكثر من 60٪ من رأس مال غزة  ودمر نزاع 2014 85٪ مما تبقى. في السنوات الخمسة والعشرين بين 1994 و2018، عانت غزة انخفاضًا بنسبة 44٪ من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، حيث انخفض متوسط دخل سكان غزة من 96٪ إلى 30٪ فقط من متوسط ​​دخل نظرائهم في الضفة الغربية. وهذا على الرغم من أن لدى غزه أعلى معدلات المواليد في العالم، إذ يصل إلى أكثر من 3.5 طفل لكل أسرة اليوم، وقد انخفض من نحو 7 أطفال لكل أسرة في عام 1990.

 تراجعت الاستثمارات الخارجية في غزة من إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني من 11٪ عام 1994 إلى 2.7٪ فقط في عام 2018. وفي أعقاب حرب 2008 و2009 بين حماس وإسرائيل، تشير التقديرات إلى إغلاق أكثر من 90٪ من مصانع القطاع. تسببت القيود الشديدة على التجارة مع إسرائيل الى خسائر فاجعة. فلا تولد محطة الكهرباء الوحيدة في غزة إلا جزءًا ضئيلًا من قدرتها الكاملة نظرًا لعدم استطاعتها على استيراد ما يكفي من الوقود وقطع الغيار. و انهار القطاع الزراعي بعد فقدان المزارعين سوقهم الرئيسي للسلع في إسرائيل، واضطرارهم إلى البيع في السوق المحلي داخل غزة بأسعار أقل و في بعض الحالات كان عليهم إتلاف محاصيلهم.

 في عام 2020، في تقرير للأمم المتحدة، نظَر في فرضيّة واقع موازٍ، لم يعانِ فيه الغزّيّون تضييقات إضافية بعد عام 2006، واستمر نمو اقتصادهم بمعدل نمو اقتصاد الضفة الغربية نفسه. في هذا العالم الحُلُم، سيكون نصيب الفرد الواحد من الدخل أعلى بـ 105.5%، أي سيبلغ 1539 دولارًا، أما في الكابوس الذي يعيشه الغزّيّون اليوم، فهو تحت ألف دولار بكثير.

الكارثة الاقتصادية في غزة ليست جديدة وليست مجرد نتيجة السنوات الخمس عشرة الأخيرة من الحرب والاستبداد، بل هي نتيجة سياسات بدأت منذ عقود. في عام 1987، نشرت الباحثة في جامعة هارفارد سارة روي، بحثًا تاريخيًا استخدمت فيه سنوات من العمل الميداني والمقابلات لفهم الخسائر الاقتصادية التي سببها الاحتلال العسكري في قطاع غزة منذ عام 1967. لوصف ما رأته، صاغت مصطلحًا جديدًا «نزع التنمية» وهو «التفكيك المتعمد والمنهجي والتدريجي لاقتصاد محلي لصالح اقتصاد سائد، حيث تشوَّه الإمكانيات الاقتصادية وبالتالي المجتمعية، ويُنكَر حقّ المجتمع كلّه فيها».

ارتفع دخل غزة وناتجها الاقتصادي ارتفاعًا ملحوظًا بين عام 1967 وعام 1987، نتيجة تحويلات العمال في إسرائيل والخارج. لكن، لاحظت روي أن هذا التدفق من رأس المال كان يستخدم إلى حد كبير لشراء سلع استهلاكية من إسرائيل، وبحلول منتصف الثمانينيات أُنفق ثلث الدخل المتاح على الاستهلاك الخاص. وقد أدى ذلك إلى   «زيادة مستويات الاستهلاك داخل قطاع غزة مع القليل جدا من الفوائد الاقتصادية العائدة على القطاع ذاته».

لاحظت روي أن نسبة العمالة الغزّيّة المرتفعة في إسرائيل لم تكن علامةً على أن المجتمع «يتبع أنماطًا نموذجية مرتبطة بالتصنيع (أو التحديث) ينتقل بها العمل تدريجيًّا من الأنشطة الزراعية إلى الأنشطة غير الزراعية، فالحق أن البحث عن عمل في الداخل الإسرائيلي كان بالنسبة للعمال الفلسطينيين نتيجة انعدام خيارات مماثلة في الاقتصاد المحلّي الغزّي». لاحظت روي عام 1987 أن السمات المميزة لاقتصاد غزة هي «تآكل القاعدة الاقتصادية الغزية، ونتج عن ذلك الاعتماد على إسرائيل».

 في عام 1991، شكل وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه أرينز لجنة مكلفة باستكشاف كيفية تحسين اقتصاد غزة، تسمي لجنة سادان. كان الاستنتاج أن: «لتعزيز المصالح الاقتصادية للسُكان [الفلسطينيين]، يجب التركيز على العاملين بأجر وعلى المدى القصير. كانت الأولوية زيادة دخلهم و توظيفهم في الاقتصاد الإسرائيلي. نادرًا ما اختارت السياسة تطوير البنية التحتية وتشجيع إنشاء المصانع والتوظيف المحلي داخل القطاع. لم يتم إعطاء الأولوية لتشجيع المواطنين ورجال الأعمال في قطاع غزة.  فقد أحبطت السلطات هذه المبادرات خاصةً إذا هددت بالمنافسة في السوق الإسرائيلي مع الشركات الإسرائيلية القائمة».

 المحنة المذهلة لسكان غزة هي نتيجة عقودٍ من السياسات الخارجية. أولاً، الاعتماد الإجباري على الاقتصاد الإسرائيلي وتثبيط التنمية الصناعية والسيادة الذاتية في ظل احتلال المستعمر. ثانيا إغلاق شرايين الحياة الاقتصادية، حيث مُنع سكان غزة بمرور الوقت عن العمل في إسرائيل، وعُزلوا عن العالم الخارجي بأكمله. وأخيرا تدمير بنيتها ​​التحتية من خلال حروبٍ عديدة.

 أُرسِل وزير الخارجية بلينكن إلى الضفة الغربية للقاء برئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس قبل أسابيع قليلة، ووعدت إدارة بايدن بتقديم 75 مليون دولار من المساعدات لإعادة بناء غزة. لكن التاريخ الإقليمي يظهر أن هذه الهدايا تستولي عليها النخب، وتخفق في تحسين حياة الشخص العادي. لا يمكن للمعونة وحدها إصلاح المخزون الرأسمالي المحتضر.

بالرغم من ذلك ثبات شعب غزة مبهر للغاية. نقلت رويترز عن أشرف أبو محمد صاحب دكان في غزه قوله «الحياة ستعود لأن هذه ليست الحرب الأولى ولن تكون الحرب الأخيرة. القلب يتألم، حدثت كوارث، مُسحت أسر من السجل المدني، وهذا يحزننا، ولكن هذا قدرنا في هذه الأرض، أن نصبر».

لكن للصبرِ حدود. عندما تحدثت مع عقاب، كان واضحًا أنه لا يريد الانتظار إلى الأبد. أنه يريد الهروب وبناء حياة أفضل لعائلته. ومن خلال البيتكوين، وجد مخرجًا.

 ويقول إن الطلب على البيتكوين في غزة تزايد خلال العامين الماضيين، خاصة ما بين الشباب. قد يكون سكان غزة محاصرين جسديًا ومنفصلين اقتصاديًا عن العالم الخارجي، لكن عقاب يصف البيتكوين بأنه «حاجز‎ تفتيش لا يغلق».

قال عقاب: «لقد أتاحت هذه العملة لبعض الناس الخروج من الفقر، إذ يشترون شيئًا فشيئًا، تدريجيًّا، ولكنها تنفع»، وقد قال حتى إن الغزيّين صاروا حديثًا «يشترون النزلة»، ليزيدوا قوتهم الشرائية مع انخفاض سعر البيتكوين.

 يتلقى البعض البيتكوين على تطبيقات الهاتف الجوال عن طريق تحويلات مباشرة من الأصدقاء أو العائلة في الخارج. يستخدم آخرون مجموعات تلجرام (Telegram) لتنسيق اللقاءات الشخصية لتداول النقود مقابل البيتكوين، أو يستخدمون المتاجر التقليدية لشراء العملات. يقول عقاب إن هذه المتاجر تحتفظ بقوائم أسماء من يبيعون ويشترون وترسل هذه القوائم للسلطات الاستعمارية والمحلية. لم يُعتَقَل أي شخص حتى الآن لاستخدام البيتكوين. أما لتخزين أموالهم في البيتكوين فقد يستخدمون باينانس (Binance) أو بيير(Payeer) حلولًا إيداعية، أو بلو والت (Blue Wallet) المتوفرة باللغة العربية، حلًّا ذاتيّ الحيازة.

 على الرغم من تحذيرات المسؤولين، ينضم يوميا المزيد من سكان غزة إلى شبكة البيتكوين. يقول عقاب: «عندنا قول: إذا قالت الحكومة هذا حرام، فهو حلال».

تحدّثنا عن أشياء كثيرة، منها: لماذا يفضّل عقاب البيتكوين على الشيكل (كلّ شيء في غزّة مراقب، ولكن يمكنك أن تملك ثروة من البيتكوين من دون أن تعرف حتى أسرتك)، كيف يمكن أن توقف قوات الدفاع الإسرائيلية أو حماس الناس من استعمال البيتكوين («نحن أذكياء من هذه الناحية، سنجد دومًا طريقةً للتخلص منهم»)، هل سمع عقاب بأن السلفادور جعلت البيتكوين عملة رسمية؟ (كان انتصارًا كبيرًا، سُرّوا به عندما سمعوا الأخبار)، هل يتبنّى الغزّيّون البيتكوين أسرع من الإسرائيليين (قد يعجز الإسرائيليون عن المخاطرة التي يريدها الغزّيّون)، وما مشكلة النظام المصرفي؟ («كلّنا نعلم أنه يدفع للناس فوائد للقرض، وهي حرام»).

أخبرني عقاب أنه في غزة لا وجود لـفينمو (Venmo) ولا باي بال (PayPal) ولا توجد طريقة سهلة للتعامل مع العالم الخارجي. البنية التحتية المالية تنهار بنفس السوء الذي تنهار فيه البنية التحتية المادية والاجتماعية. ولكن اليوم، يمكنه فعل المستحيل باستخدام البيتكوين: إرسال الأموال واستلامها من عائلته في الخارج، بسرعة وبشكل مباشرة، من دون رسوم تُذكَر.

أما بالنسبة للمدفوعات الدولية، فقد قال عقاب في السابق كان على المحول من الخليج أو الولايات المتحدة إرسال الأموال إلى حساب مصرفي في بلد مثل الصين أو تايلاند لتصل الأموال في النهاية إلى مكتب العملات في غزة.

قال عقاب: «كثير من الوسطاء يأخذون نصيبهم» فيتركون للمتلقي نسبة أقل مما تم إرساله في الأصل. اليوم مكاتب ويسترن يونيون تطالب بإثبات صلة الدم مع المرسل، والاستجوابات ويمكن كذلك مصادرة المال المرسل.

قال عقاب: «في البيتكوين، لست في حاجة إلى اجتياز أي اختبارات أو تحديد أي مربعات. يمكنني استخدامه مباشرة».

اليوم، يمكنه تلقي الأموال أو كسبها مباشرة، عبر الحدود، وأن يكون مصرفه الخاص عن طريق نظام مالي جديد.

قال: «إنه أفضل بكثير»، وخبرني بفخر أنه يشعر أن مستواه أصبح نظيرًا للآخرين في العالم رغم وجوده في غزة.

قال: «مع البيتكوين، نحن نواصل حياتنا». «إن شاء الله يكتشف المزيد من الفلسطينيين هذه التكنولوجيا».

لم يستطع عقاب مغادرة غزة بعد. لكن في الوقت الحالي على الأقل، يمكنه التوفير في الفضاء الإلكتروني، والحفاظ على أمواله في مأمن من السلطات، إنه ابتكار كبير يحتاجه الفلسطينيون كثيرًا.

مع كثرة التغطية للمعاناة السياسية –التي سببها الاحتلال العسكري الإسرائيلي، والتكتيكات الإرهابية الحماسية، وفساد السلطة الفلسطينية، وقلّة اكتراث العالم– لا يُذكَر الوضع المالي والاقتصادي للفلسطينيين عادة، ولكن المال هو أصل كل النزاعات.

ليس للفلسطينيين سلطة على عملتهم، انعدام السيادة الاقتصادية أضرّ بنموّهم وآفاقهم المستقبلية، ولكن كثيرين مثل عقاب يختارون الببيتكوين لينتزعوا حرّيتهم المالية.

تاريخ القمع المالي

بعد مرور أكثر من 30 عامًا لبحثها عن غزة ، قالت سارة روي إن «الأحداث قد حوّلت القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية، وحرمت الشعب من حقوقه السياسية والاقتصادية، وجعلته معتمدًا على المجتمع الدولي في قوته اليومي، حيث يتم التركيز بشكل شبه حصري  على حلول الإغاثة و ليس على التقدم». كتبت أن «الفلسطينيين يرون الحاضر أفضل من المستقبل».

هناك أسباب كثيرة لهذا اليأس والوضع المالي والاقتصادي، إذ أصبح الفلسطينيون يعتمدون بشدة على العالم الخارجي، وهم معزولون عنه في نفس الوقت. لكن موضوع المال نفسه مهمش وأحيانًا يتم تجاهله في الخطابات. على سبيل المثال ، في تقرير شامل بحجم رواية نشره مرصد حقوق الإنسان (Human Rights Watch) في أبريل 2021 عن إسرائيل وفلسطين، لم تُذكر قضايا العملة والمصارف والتحويلات والتجارة. تُجوهل بروتوكول باريس -وهو وثيقة مهمة للغاية وُقّعت عام 1994 ولم تزل تحدد قواعد المال والاقتصاد للفلسطينيين- تمامًا في هذا التقرير.

للتعمق في هذه الموضوع، علينا طرح أسئلة جديدة. لماذا يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي؟ لماذا يستخدم الفلسطينيون الشيكل وليس عملتهم الخاصة؟ لماذا لا يستطيع الفلسطينيون طلب البضائع بسهولة من أمازون أو تلقي الأموال من الخارج؟ لمعرفة المزيد، تحدثت إلى الاقتصادي السياسي الفلسطيني علاء ترتير.

علاء يعيش الآن في سويسرا مع عائلته، وُلد في رام الله وبدأ اهتمامه بالمال في سن المراهقة. عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، بدأ نوبات طويلة في محل بقالة لإعالة أسرته والادخار لتعليمه.  وكان معتمداً على نفسه بالكامل لم يسلم أمره لأحد. وقد دفعه ذلك إلى الاستمرار في العمل لمدة سبع سنوات حتى حصل على شهادة في المالية والمحاسبة.

نشأ وهو يدرس النظام الاقتصادي من حوله. قال إنه كان «يتعامل مع الأرستقراطيين والنخب»، وفهِم كيف استغلت السلطة الفلسطينية موقعها واختطفت المساعدات والعوائد الأخرى لإثراء نفسها، وتواطؤ السلطة مع الحكومة الإسرائيلية لترك المواطن الفلسطيني العادي منبوذًا.

أطلعني علاء على قصة فلسطين الاقتصادية والنقدية الحديثة، والتي عادة ما يتم تجاهلها أو تأخذ المقعد الخلفي وراء القصة السياسية الأشهَر.

قال: «إنه أمر مخفي، مع أن هيمنة الفاعل الإسرائيلي على الفاعل الفلسطيني مترسّخة في كل شيء من استعمال الفلسطيني للشيكل إلى الطريقة التي تجمع بها الحكومة الإسرائيلية أموالنا القادمة من الخارج، إلى فقداننا للبنك المركزي».

وقال إن المال هو القوة الدافعة وراء وجود الفلسطينيين في مكانهم الحالي، حيث أدى الاحتلال والفساد والحرب إلى تراجع التنمية والركود الحضاري وتآكل المخزون الرأسمالي.

بدأنا حديثنا في السنوات التي تلت الاحتلال العسكري الإسرائيلي في عام 1967، عندما بدت سياسات الكيان في البداية وكأنها تساعد الفلسطينيين من منظور اقتصادي. انفتحت التجارة مع الدول العربية الأخرى، وتمكن الفلسطينيون من العمل بشكل أكبر في إسرائيل مقابل أجور أعلى مما يمكن أن يكسبوه في مدنهم.

لكن كان لديهم دوافع أكبر. في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، صممت الحكومة الإسرائيلية نظام احتلال شَجَع الفلسطينيين على العمل في إسرائيل، ومنعهم من تطوير أي قاعدة تصنيعية، وازداد الاعتماد على الواردات الإسرائيلية. في العقدين من عام 1968 إلى عام 1987، انخفضت حصة الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة) من 9٪ إلى 7٪. في عام 1970، كان هناك 59000 عامل زراعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي ما يعادل 5.4٪ من السكان، مقابل 54000 فقط أو 2.3٪ من السكان في عام 1993.

وشرح علاء أنّه في السبعينيات والثمانينيات، أصبح الاعتماد على إسرائيل شبه كلي، حيث تجاوزت منتجاتها 90٪ من واردات الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما جعل الفلسطينيين ثاني أكبر مشتر للبضائع الإسرائيلية بعد الأمريكيين. كما كتب الباحث الاقتصادي الإسرائيلي شير هيفير، «تحول المصدر الرئيسي للدخل للفلسطينيين إلى تحويلات العمال الفلسطينيين … بحلول عام 1974 ، كان ثلث القوة العاملة الفلسطينية يعملون بالفعل في إسرائيل … هجر العديد من المزارعين الفلسطينيين أراضيهم من أجل العمل في إسرائيل، واستغلت السلطات الإسرائيلية ذلك وصادرت الأراضي التي ظلت غير مزروعة لفترة زمنية معينة». ويتضح هذا من خلال «انخفاض الإنتاجية الزراعية الفلسطينية بشكل حاد من 53٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام 1967 إلى 13٪ بحلول أواخر الثمانينيات».

بحلول منتصف الثمانينيات، بدأ تباطؤ النمو الاقتصادي الفلسطيني. أدى انهيار أسعار النفط والتضخم الشديد في إسرائيل إلى انهيار التحويلات المالية الفلسطينية من الخارج. في عام 1987، بعد إحباط سياسي هائل، وبعد توقف جودة حياتهم المتصاعدة، انتفض الفلسطينيون في حركة لامركزية تهدف إلى الاستقلال الذاتي، تُعرف بالانتفاضة.

وفقًا للباحث السياسي طارق دعنا ، كانت الانتفاضة “حربًا اقتصادية” ذات جُزْأين :«في الأول سعى الفلسطينيين إلى إلحاق الضرر بالمصالح الاقتصادية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال تكتيكات العصيان المدني مثل الإضرابات التجارية ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية ووقف دفع الضرائب، و رفض العمل في أسواق والمستوطنات الإسرائيلية … والثاني يتعلق بتبني الفلسطينيين نماذج محلية لاقتصاديات الأسرة وأحياء ضمان البقاء والاكتفاء الذاتي».

قال علاء إن الحكومة الإسرائيلية استفادت في البداية من الاحتلال. الضرائب فاقت النفقات؛ إسرائيل استفادت من العمال ذوي الأجور المنخفضة. حصلت على سوق للصادرات المنخفضة الجودة؛ ويمكنها استغلال الموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأسعار أقل من أسعار السوق. نجحت الانتفاضة في جعل الاحتلال أكثر تكلفة لإسرائيل بعد أوائل التسعينيات، لم تحقق ربحًا وأصبح مشروعًا مكلفًا ولكن الانتفاضة لم تنجح في تحقيق استقلال حقيقي للفلسطينيين.

اتفاقية باريس

في 29 أبريل 1994، التقى مندوبون من منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في فرنسا للتوقيع على وثيقة نادراً ما نوقشت، اسمها “بروتوكول العلاقات الاقتصادية”، والمعروف أيضًا باسم “بروتوكول باريس”.

كان هذا الاجتماع جزءًا من اتفاقيات أوسلو، وهي عملية سلام مدعومة دوليًا حصل الفلسطينيون من خلالها على استقلال سياسي. كانت أوسلو بمثابة نهاية للانتفاضة وبداية السلطة الفلسطينية وعملية بناء دولة فلسطين. لقد أشعلت عصر المساعدات الخارجية للفلسطينيين، حيث كان المانحون في السابق مترددين في تمويل إسرائيل عندما كانت قوة احتلال مباشرة. والجدير بالذكر أنه فاز رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز واسحاق رابين بجائزة نوبل للسلام «لجهودهما في إحلال السلام في الشرق الأوسط».

لماذا تخلت الحكومة الإسرائيلية عن سيطرتها الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الموقف الذي احتفظت به طيلة السنوات الخمس والعشرين الماضية؟ كانت المقاومة الفلسطينية والضغط الدولي والمحلي من العوامل الأساسية بالطبع، لكن علاء يعتقد أن السبب الرئيسي هو القدرة على أن يُنظر إليها على أنها “تمنح” الاستقلال السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال إنشاء السلطة الفلسطينية مع الاحتفاظ فعليًا بالسيطرة الاقتصادية وراء الكواليس من خلال بروتوكول باريس.

واليوم، لا يزال بروتوكول باريس يوجه السياسة النقدية والمالية والضريبية والزراعية والتأمينية الصناعية والعمالية، وكذلك السياحة والتجارة مع إسرائيل. كان من المفترض أن يعزز التجارة الفلسطينية، ويسمح للسلطة الفلسطينية بإنشاء قطاع عام رسمي وتوليد عائدات ضريبية من مواطنيها، وزيادة فرص العمل.

لكن بحسب رأي علاء، لم تؤدّ عملية أوسلو إلا إلى تغذية الثقافة الاستهلاكية وزيادة الاعتماد على الاحتلال. وقال إن «عرفات وأعوانه ضحوا بالحرية الفردية والسيادة الاقتصادية من أجل مكاسبهم الشخصية».

كان من المفترض أن يكون البروتوكول مؤقتًا وأن يستمر لمدة خمس سنوات فقط حتى عام 1999 ولكنه ما زال ساريًا بعد 28 عامًا. نصت الوثيقة على أنه لن يكون للفلسطينيين بنك مركزي ولا عملة الخاصة وأن يكون لهم بدلًا من ذلك «سلطة النقد الفلسطينية» ذات الاسم المضلل، لأنها لا تملك أي سلطة في الواقع.

سيطرت إسرائيل على السياسة النقدية الفلسطينية ونظامها المصرفي. وأصبح الشيكل الجديد الإسرائيلي العملة القانونية الإلزامية في الضفة الغربية وقطاع غزة. قامت البنوك بتقسيم الودائع والقروض بالشيكل. تمكنت سلطة النقد من التصرف بمتطلبات احتياطها المالي، ولكن لم تتحكم بأكثر من ذلك. أي تغيير لهذا النظام يتطلب تصويتًا من اللجنة الاقتصادية المشتركة وهي منظمة سقطت في سبات وهيمنة إسرائيلية مع مرور الوقت.

بالتوقيع على بروتوكول باريس تمكنت الحكومة الإسرائيلية من:

  • السيطرة على الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة وضرائب استيراد البضائع المتجهة إلى الضفة الغربية أو غزة، وخصم 3٪ رسوم «معالجة» للمدفوعات إلى السلطة الفلسطينية
  • القدرة على جعل البضائع الفلسطينية باهظة الثمن زورًا، ومنعها من المنافسة مع البضائع الإسرائيلية، وإجبار الفلسطينيين على الاستيراد، وأصبح لإسرائيل سوق خاصة لتصدير السلع المنخفضة الجودة ذات هامش الربح المرتفع، التي لا يمكن بيعها في أي مكان آخر
  • السيطرة على السياسة التجارية، وهو ما يمنح إسرائيل حق النقض على البضائع التي تدخل الضفة الغربية أو غزة، وَحَدّ أي سلعة تعتبر «مزدوجة الاستخدام» اي يمكن أن يستخدمها الجيش، بما في ذلك الأدوية والوقود. ويُفرَض هذا القرار بمساعدة الحكومة المصرية
  • القدرة على جمع ضرائب الدخل والتحويلات الاجتماعية من الفلسطينيين العاملين في إسرائيل أو المستوطنات ، و«تمنحها» الحكومة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية شهريًا، وهو ما يُمَكِنها من تأخير الدفع، وتحصيل فوائد على رأس المال في نظامها المصرفي، وحتى استخدامها لتسديد الديون الاسرائيلية.
  • فرض ضرائب الضمان الاجتماعي على العمال الفلسطينيين ورسوم النقابات وضرائب الضمان، من دون أن يحصلوا على المزايا التي تقدمها هذه الضرائب.

يمكننا ملاحظة  تأثير بروتوكول باريس في إحصائية واحدة بسيطة: انخفض بين عامي 1994 و2011 قطاع التصنيع في فلسطين من 19٪ إلى 10٪.

قال علاء إن هذا يجعل من الصعب للغاية الحصول على أموال من الخارج «فلا بد أن يمر عبر بنك مراسل إسرائيلي أي تحويل مالي من جنيف إلى رام الله». هذه التبعية الأجنبية تضع جميع الفلسطينيين في موقف معقد.

وقال: «إذا كنت مصدِّرًا أو مستوردًا فلسطينيًّا فلن تستطيع فعل شيء وحدك، لا بد أن تعتمد على نظير إسرائيلي يساعدك على تنفيذ تجارتك، وليس لك أن تخصص مساحة لك في المرافئ الإسرائيلية. هذه التناظرية الإجبارية تزيد كلفة كل تحويل وتفيد في الوقت نفسه الاقتصاد الإسرائيلي، ولكن، لا خيار آخر أمامنا».

بالمتوسط، بين عام 1997 و2017، شكلت المدفوعات التي تحكم بتسويتها الإسرائيليون، وتدفقات الدعم الأجنبي، 72% من إجمالي عائدات السلطة الفلسطينية.

يشير علاء أيضًا إلى نقص التكنولوجيا المالية في فلسطين. «في رام الله، ليس لدينا باي بال (PayPal)، ولا ترانسفر وايز (TransferWise)، ولا فنمو (Venmo)، ولا ريفولت (Revolut). لتلقي الأموال من الخارج فالخيار الوحيد المتوفر لنا هو ويسترن يونيون (Western Union)».

حتى ويسترن يونيون كانت أكثر مرونة ومتاحة في جميع أنحاء الضفة الغربية، ولكن مع عمليات مكافحة الإرهاب أصبحت هذه التحويلات مركزية توثق عن طريق بنك واحد أو بنكين. يمكن أن تستغرق هذه التحويلات أيامًا عديدةً أو حتى أسابيع إذا قررت سلطة النقد الفلسطينية الإبلاغ عنها على أنها مشبوهة؛ وهذه التحويلات باهظة الثمن: قد يكلف تحويل 500 دولار رسوم تصل إلى 30 دولارًا أو 40 دولارًا.

لكن إذا كان المرء يريد إرسال الأموال من أوروبا إلى الضفة الغربية اليوم فهذا أفضل خيار متاح له. أما التحويل المصرفي فهو أكثر صعوبة. في كلتا الحالتين إرسال أي مبلغ أكبر من 10000 دولار أمر «مستحيل تقريبًا».

صدر في 2019 تقرير للأمم المتحدة يؤكد أن التكلفة المالية الإجمالية لاحتلال فلسطين  بَلَغت 47.7 مليار دولار بين عام 2000 وعام 2017 ، أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لعام 2017. واستنتج أنه يتسرب سنويا 3.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني إلى الخزينة الإسرائيلية نتيجة آليات بروتوكول باريس.

هذه الاتفاقية التي اعتبرت خطوة نحو الاستقلال الفلسطيني كانت في الحقيقة مجموعة من القواعد والسياسات التي عززت تبعية الفلسطينيين واعتمادهم على المساعدات الخارجية والاقتصاد الإسرائيلي. أصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولة عن الملايين من الفلسطينيين ولكن إسرائيل لم تتخلّ عن سيطرتها على السياسة النقدية والبنوك والموارد الطبيعية والنقل والحدود.

على الرغم من الازدهار الاقتصادي لإسرائيل في التسعينيات، انكمش الاقتصاد الفلسطيني. و انخفض مستوى المعيشي الفلسطيني بنسبة 40٪ بحلول عام 2008 رغم الأمل الذي قدمه اتفاق أوسلو للسلام.

في أيلول (سبتمبر) 2000، اندلعت الانتفاضة الثانية بسبب زيارة أرييل شارون للمسجد الأقصى وأزمة مياه الشرب في غزة. كانت ردة فعل إسرائيل قاسية وفاجعة للاقتصاد الفلسطيني.

وفقًا للبنك الدولي، بين عامي 2000 و2003، فرضت إسرائيل قيودًا على عدد الفلسطينيين من الضفة الغربية المسموح لهم بالعمل في إسرائيل بنسبة 53٪، وبنسبة مذهلة بلغت 86٪ لسكان غزة. وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بنسبة 40٪ نتيجة هذا القرار، متجاوزًا انخفاض الانهيار المالي الذي عانته الأرجنتين في عام 2001 والكساد الكبير في الثلاثينيات في الولايات المتحدة.

مشكلة التبعية

جميع قيود بروتوكول باريس أدت إلى عجز مستمر لميزان المدفوعات الفلسطيني.  عادة عندما تجد دولة ما نفسها في هذا الموقف، يكون لديها عدد قليل من الخيارات. أولاً، يمكنها طباعة المزيد من النقود، وتخفيض قيمة عملتها. الخيار الثاني هو سحب الاحتياطيات. ثالثًا اقتراض تمويل الديون. لكن فلسطين ليس لديها سلطة تقديرية نقدية، ولا بنك مركزي، ولا توجد وسيلة لتسييل الديون، ولا سبيل لطباعة النقود، ولديها القليل من الاحتياطيات المالية، وبما أن فلسطين ليست دولة مستقلة كليا فإن قلة من الناس يرغبون في إقراضها. فبقي لها خيار واحد لتجاوز محنتها وهو المساعدات الخارجية.

 اعتمدت فلسطين على المساعدات الخارجية لجميع احتياجاتها. من دون هذه المساعدات لا تستطيع السلطة الفلسطينية تمويل الميزانية العامة. منذ عام 1993، أُنفق أكثر من 40 مليار دولار في الضفة الغربية وقطاع غزة، كلّها من المنح الدولية، حيث أصبح نصيب الفرد الفلسطيني من المساعدات  من الأعلى في العالم.

يقول علاء: «الفلسطينيون مجبَرون عل العيش بين المساعدة والتنمية: المشكلة هي أن المساعدات مرتبطة بانخفاض مؤشرات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبشرية، هذه الانخفاضات مذهلة في غزة».

على الرغم من كل المساعدات ارتفعت معدلات البطالة والفقر والديون. مع انخفاض دخل الفرد تدهورت القاعدة الاقتصادية. ارتفعت تكاليف المعيشة وانعدم الأمن الغذائي؛ ولم تتحقق وعود الاستثمارات الأجنبية.

أثبت تحليل نيكي تيلكنز (Nikki Tillekens) عام 2010 أن 71٪ من المساعدات أصبحت جزءًا من الاقتصاد الإسرائيلي.

وكتبت: «انتهى 8.7 مليار دولار في الاقتصاد الإسرائيلي من 12 مليار دولار من المساعدات الخارجية المقدمة للفلسطينيين بين عامي 2000 و2008».

كل عام تمول واشنطن إسرائيل بمبلغ 3.8 مليار دولار من المساعدات، ولم يزل سوق الولايات المتحدة أساسيًّا للصادرات ومصدر الواردات لإسرائيل. على الرغم من أن الفلسطينيين يعتمدون بشكل كبير على المساعدات، فإن نصيب الفرد في إسرائيل أكبر بكثير. قبل عام 1999، كانت تغطي المساعدات الخارجية الأمريكية تكلفة الاحتلال بالكامل.

اليوم، لا تزال الولايات المتحدة تدعم الاحتلال دعمًا كبيرًا في ترتيب وصفه شير هيفير بأنه «مشروع مربح» يتلقى فيه الإسرائيليون مدفوعات بالدولار، لكنهم يبنون الجدران ويدفعون الجنود بالشيكل. ونتيجة لذلك، زادت احتياطيات العملات الأجنبية في البنك المركزي الإسرائيلي، التي يمكن استخدامها لسداد العجز التجاري أو لتعزيز الشيكل، الذي ارتفع مقابل الدولار بنسبة 25٪ خلال السنوات العشرين الماضية. جادل هيفر بأن الحكومة الإسرائيلية تبذل قصارى جهدها لحماية هذه الآلية، حتى أنها تنظّر أن الدافع الرئيسي وراء هجومها على غزة في عام 2008 هو وقف تدفق الشيكل الذي كان يتدفق إلى مصر عبر الأنفاق تحت الأرض، مما يؤدي في الواقع إلى استنزاف الاحتياطيات الإسرائيلية.

تدعم الحكومة الأمريكية أيضًا الديكتاتورية العسكرية المصرية والملك الأردني والاستبداد السعودي، الذين يعملون جميعًا بالتنسيق مع إسرائيل لمواجهة تهديدات إيران وحلفائها في المنطقة. حتى مع ترسانتهم النووية، فإن الإسرائيليين قلقون بشكل مفهوم بشأن التهديد الإيراني بالإبادة، لأنه مشروع فاعل وليس معطلاً حالياً. خصوصاً عندما ينظر المرء إلى تاريخ إسرائيل، حيث هوجمت عند استقلالها من جميع الجهات. لذلك سيكون من السذاجة أن يتوقع الفلسطينيون انتهاء الدعم الخارجي لإسرائيل في أي وقت قريب.

يصر مؤيدو الوضع الراهن على أنها مجرد مسألة وقت، وأنه مع استمرار التحسينات التدريجية في مستويات المعيشة الفلسطينية، سيأتي السلام يومًا ما. تعود هذه الفكرة إلى سبعينيات القرن الماضي وإدارة كارتر، التي اعتقدت أن الفلسطينيين «السعداء» ، «الذين لديهم عمالة ثابتة وهيكل إداري فعّال، سيكونون على استعداد للتفاوض من أجل تسوية أثناء وجودهم تحت الاحتلال». كانت نتيجة هذه الفلسفة فصل المساعدة الاقتصادية عن السيادة.

لا يوافق العديد من المسؤولين والمانحين الإسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين بشدة، ويقولون إنهم يبذلون قصارى جهدهم للمساعدة في دعم السكان الفلسطينيين المعرضين للخطر تحت سيطرة القادة الفاسدين والعنيفين الذين يشكلون تهديدًا للاستقرار الإقليمي.

يلقي ترتير اللوم كذلك على السلطة الفلسطينية في الحفاظ على الوضع الراهن. وقال إنه بينما نتحدث، تقمع السلطة المتظاهرين لأنها لا تريد أن يعطّل أحد الصفقة التي أبرمتها، حيث تستفيد دائرتها المقربة من التعاون مع الحكومة الإسرائيلية في إدارة دولة ريعية محطمة.

ياسر عرفات وإرث الفساد

فادي السلامين فلسطيني من دعاة الديمقراطية. أثناء حديثنا أخبرني أن الفلسطينيين يتظاهرون بأعداد هائلة ضد الرئيس محمود عباس، الذي يحكم الضفة الغربية منذ 16 عامًا. وصفه فادي بأنه «فاسد للغاية».

كان حكم الحراميّة في أيام ياسر عرفات أسطوريًّا: قُدّرت ثروته بالمليارات، وكانت مبالغ كبيرة من هذه الثروة مسروقة من ظهور العمال الفلسطينيين في إسرائيل، إذ حُوّلت إلى حساباته المصرفية الخاصة، أو إلى حسابات فرنسية لزوجته.

قال فادي إن عباس يسير الآن على نفس خطة عرفات، حيث استخدم عباس وعائلته قوتهم السياسية لبناء إمبراطورية في صناعات مثل التأمين والاتصالات والبناء والتبغ. ووفقًا لوثائق بَنما المسربة، إن عباس وابنيه «استخدموا القوة والنفوذ للسيطرة على المجلسين الاقتصاديين الفلسطينيين الرئيسيين (الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار، وصندوق الاستثمار الفلسطيني) وأقاموا إمبراطورية اقتصادية في الضفة الغربية تبلغ قيمتها أكثر من 300 مليون دولار».

يمتلك ياسر نجل عباس شركة فالكون توباكو التي تحتكر بيع السجائر الأمريكية صُنعها في الضفة الغربية. وحسب ما قال فادي، رفع عباس ضرائب باهظة على منتجي التبغ في الضفة الغربية، لصالح أعمال الاستيراد الخاصة به، لدرجة أنهم انهاروا. واتهم عباس بسرقة مئات الملايين من الدولارات من أموال الدولة الفلسطينية لتحقيق مكاسب شخصية. أظهر استطلاع عام 2016 أن 95.5٪ من الفلسطينيين يعتبرون عباس فاسدًا. يواصل الحكم بالأمر والنهي.

قال فادي «إنني أكره حماس أكثر من عباس، لكن علينا استهداف رأس مخطط الهرم هنا في الضفة الغربية».

أخبرني فادي أن الاعتماد على المساعدات الخارجية جعل السلطة الفلسطينية غير مساءلة من قبل الشعب الفلسطيني، وأنشأت نخبة منفصلة عن بقية المجتمع. وقال إن الإيرادات العامة دعمت هذا النظام لعقود. في عام 2015 ، «تم إنفاق 16٪ فقط من الميزانية السنوية للسلطة الفلسطينية على التعليم، وتسعة بالمائة على الصحة وواحد بالمائة على الزراعة»، وفقًا لقناة الجزيرة 26٪ تم إنفاقها على الأمن، والذي غالبًا ما يستهدف، كما قال فادي، فلسطينيين.

تتعلّق الاحتجاجات الأخيرة بمقتل الناشط نزار بنات، أحد أشد منتقدي عباس.

قال السلامين: «ذهب سفّاحوه ليلًا وخطفوا نزار من منزله وضربوه بالهراوات حتى الموت. أعطاهم عباس حصانة كاملة، لذلك قالت عائلة الفقيد: ‹سنحتجّ حتى يرحل›، فانضم إليهم الناس في الشوارع».

قال فادي إن الآلاف تظاهروا في الضفة الغربية وطالبوا «بإسقاط النظام»، في مشاهد ذكّرت بعضاً الربيع العربي. لكن عباس لا يزال على قيد الحياة. قال فادي إن عباس يبقى في السلطة بتهديد الإسرائيليين والأمريكيين والبنك الدولي: إذا لم يكن لديكم السلطة، فسيكون لديكم حماس.

قال: «هكذا يحملهم عباس على حمايته». «هو عميلهم».

وأشار فادي إلى الاحتجاجات الفاشلة وقال إن السياسة أثبتت أنها محدودة الفائدة في النضال الفلسطيني. قال: «لا يمكنك التقدم فقط من خلال صندوق الاقتراع».

عندما سألته عن البيتكوين قال: «نعم، يمكننا أن نبدأ مقاومة سلمية مع البيتكوين. إنه شيء يمكن لأي شاب فلسطيني أن يفعله. ربما تتخلى عن استقرار الأسعار، لكن في المقابل نحصل على الحرية».

وقال إن التحدي هو «أننا يجب أن نعلم الناس عن هذه العملة». قال إنه مفهوم جديد وغريب. ولكن بمجرد أن يفهمه الناس، ليس لديه شك بأنهم سوف يستخدمونه. قال: «إنها ترقية بالنسبة لما نعيشه اليوم، حيث يحتفظ الناس بالنقود تحت مرتبتهم، أو ينتظرون شهرًا لتلقي دفعة من عائلاتهم في الخارج».

يعتقد فادي أن البيتكوين يمكن أن يحارب الفساد أيضًا.

قال: «اليوم يسمحون بتحويل مصاريفك بشكل أسرع، إذا قمت برشوة سلطات الدفع». «إنهم ينمون على هذا الفساد. ولكن يمكن أن ينتهي ذلك بالبيتكوين».

وأشار فادي إلى أن كثيرًا من الشباب يشترون البيتكوين فعلًا.

قال: «ليس لديهم أسهم S&P 500».

يعتقد فادي أن انتقاد الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية للبيتكوين أمر جيد.

يقول: «هكذا نعلم أنه مفيد للفلسطيني العادي».

من البنوك إلى البيتكوين في رام الله

متوسط ​​الأجر اليومي يصل إلى 264 شيكل في إسرائيل ، مقارنة بـ 123 شيكل في الضفة الغربية ، من يمكنه لوم الفلسطينيين على السعي وراء دخل أعلى في أماكن أخرى ، حتى لو أدى ذلك إلى ازدياد اعتمادهم على الآخرين؟

هذا الواقع جعلني أسأل علاء ترتير كيف سيكون الاقتصاد الفلسطيني ما بعد الاستعمار.

قال علاء: «إنه مشروع مستقبلي للأسف الشديد. لا شيء قريب يوجد.»

لقد قال إنه لطالما كان هناك فكرة في الخطاب الفلسطيني عن «اقتصاد المقاومة» يسمح لهم بالبقاء والمقاومة والحصول على السيادة. بعد الانتفاضة الثانية، أعرب المؤلف الفلسطيني عزمي بشارة عن أسفه «لعدم وجود بنك فلسطيني واحد أو شركة تأمين أو مطبعة، ودعا المستثمرين الفلسطينيين إلى التفكير في مشاريع اقتصادية محلية بهياكلها الخاصة وسوقها وحيويتها».

لكن، قال علاء، إنهم يعتمدون على الشيكل والقضبان المالية الإسرائيلية، و «ينقصنا دائمًا الأدوات لتحقيق تلك السيادة».

كان أبو وداد موظفًا في مصرف سابقًا، ويعتقد أن عملة البيتكوين قد تكون إحدى هذه الأدوات الناقصة. لم يرد ذكر اسمه الحقيقي في مقابلتنا، لكنه تحدث معي من منزله في رام الله، و ترك وظيفته مؤخرًا بعد سبع سنوات في المجال. عند استقالته كان نائب المدير المالي لأحد البنوك الكبرى التي تخدم الضفة الغربية والأردن. غادر منصبه لأنه تضايق بسبب دوره الشخصي في نشر ما يعتبره مرضا ماليا يضر الفلسطينيين: الاقتراض الزائد.

قال أبو وداد: «في الأعوام الخمسة عشر الماضية، كان النظام كلّه قائمًا على جعل الناس يقترضون أكثر مما يطيقون».

والأسوأ من ذلك، على حد قوله، أن القروض لا تُستخدم لإنشاء الأعمال التجارية أو بناء البنية التحتية، لكنها تُنفق على حفلات الزفاف أو السيارات أو الشقق في وسط المدينة. وفقًا للباحثة السياسية يارا هراري، «أصبحت قروض السيارات ستة أضعاف في السنوات العشر الماضي أي ارتفعت قيمة القروض من 40 مليون دولار في عام 2008 إلى 250 مليون دولار. في رام الله… يمكن تراها كمدينة مزدهرة بأحياء الطبقة الوسطى المليئة بالفيلات الفخمة وسيارات BMW اللامعة. لكن هذه مجرد واجهة».

قال أبو وداد إن كثرة الأموال السهلة، وانعدام التجارة الإلكترونية والوصول إلى أسواق الأسهم العالمية، هجم الناس على العقارات. بين عام 1994 وعام 2016، 80% من تشكيل رؤوس الأموال الفلسطينية كان في المباني. جعل هذا الأمر التكاليف «خيالية». فقج تشتري شقة صغيرة بمئة ألف دولار، أو أرضًا من ألف متر مربع بمليون دولار، كل هذا والناتج الإجمالي المحلي للفرد في نواحي 3500 دولار.

وقال إن البنوك مساهمة في زيادة اعتماد الفلسطينيين على إسرائيل والتقليل من سيادتهم. كان هذا نتيجة إصلاحات رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض التي اعتمدها في عام 2007، قال عنها أبو وداد «أعطت الأولوية للاستهلاك لا للاستقلال».

تقضي القوانين «أن على البنوك العاملة في فلسطين أن توسّع 40% من ائتمانها محلّيًّا، ارتفعت التسهيلات الائتمانية من 1.3 مليار دولار عام 2008 إلى 7.1 مليار دولار عام 2018، وهي زيادة قدرها 450%» بحسب الاقتصاد السياسي الفلسطيني، وهي مجموعة مقالات جديدة كتبها علاء ترتير وآخرون.

قال أبو وداد: «تخيل أن أحد أفراد قوات الأمن الفلسطينية بمرتب شهري قيمته 600 دولار». «يمكنهم الآن الحصول على قرض شهري 5 أو 10 أضعاف دخلهم، وبنسبة 10٪ نقدًا، يمكنهم شراء شقة فاخرة بمساحة 120 مترًا مربعًا في رام الله».

البنوك سعيدة بالطبع، حيث يمكنها ربح 200000 دولار لكل 100000 دولار تقدمه على مدار 25 عامًا. والمشكلة هي أن الناس الآن مدينون طوال حياتهم. هذا هو الواقع الآن، بحسب أبو وداد أعداد كبيرة من المجتمع الفلسطيني لم يقترض فقط لتمويل الشقق ولكن لجميع أنواع الاحتياجات الشخصية.

كتب أن القليل من الاقتراض يستثمر في الصناعة أو الزراعة أو ريادة الأعمال. في عام 2008، تم استخدام 7٪ فقط من الائتمان للزراعة والتصنيع، مقابل 33٪ «للسيارات وبطاقات الائتمان والسلع الاستهلاكية» وفقا لكتاب «الاقتصاد السياسي لفلسطين».

قال أبو وداد «إنها نفس السياسات ترتدي ملابس جديدة، هي نفسها التي أجبرتنا منذ عدة عقود على الابتعاد عن إنشاء قاعدة صناعية مستقلة وجعلتنا نعتمد على القوى الخارجية»، تحت رايات «بناء الدولة» و«التمكين الاقتصادي».

وقال إن جميع الفلسطينيين ما زالوا يطالبون بالحرية، ولكن النظام «يجعل التركيز على هذا الهدف أكثر صعوبة ويشتت انتباههم بسبب مخاوفهم المالية». وقال إن الناس «يعيشون لسداد القروض وإثراء المصارف بدلاً من الادخار والاستثمار من أجل مستقبلهم».

بعد ترك وظيفته في البنك اشتغل أبو وداد في شركة تكنولوجيا في رام الله، ثم حاول إنشاء عمل تجاري مع أصدقائه في صناعة الألعاب الإلكترونية. يعتقد أنه يمكن للفلسطينيين أن ينافسوا في الرياضات الإلكترونية على الرغم من أنهم لا يساهمون اليوم؛ هذه الألعاب يمكن أن تساعد في تعليم التعاون وتكوين الأفرقة وتعزيز الكرامة الشخصية والتواصل مع الناس في الخارج. ومع ذلك، هناك العديد من العقبات فالإنترنت ليس جيدًا بما فيه الكفاية (على الرغم من سرعته على بعد أميال قليلة) وأجهزة الكمبيوتر باهظة الثمن.

واستخدم أبو وداد مثال أجهزة الكمبيوتر التي قد تكلف 1500 دولار في الولايات المتحدة أو في إسرائيل، إذا أراد شراء نفس الآلة في فلسطين، فستكلفه حوالي 3500 دولار. المفروض أن تضخم الشيكل يضر الإسرائيليين والفلسطينيين بذات المستوى باعتبار أنهم يستخدمون نفس العملة. ولكن أبا وداد شرح لي سبب التضخم الأكبر للفلسطينيين.

قال أبو وداد: «عند وصول الواردات الفلسطينية إلى إسرائيل، تُفرض ضرائب على هذه المنتجات، ثم هناك تكلفة إضافية لتخزينها بانتظار إرسالها إلى الضفة الغربية فجداول الشاحنات مقيدة للغاية. وعند تحرك البضائع غالبًا ما يُسرق منها كمية ما. بعد ذلك، يقوم البائعون المحليون بترميز البضائع لتغطية ضرائبهم وأرباحهم. مع كل هذه التحركات لإيصال الكمبيوتر الى رام الله، قد يكون سعره أعلى بمرتين إلى ثلاث من سعره في تل أبيب، على الرغم من أن الجميع يستخدم نفس العملة».

تؤكد بعض المصادر أنه «قد يستغرق استيراد البضائع وبيعها للتجار الفلسطينيين متوسط ​​38 يومًا، بينما يمكن للإسرائيليين القيام بذات المعاملة في خلال 10 أيام. الصفقة الواحدة في رام الله تكلف متوسط ثلاثة أضعاف الصفقة في تل أبيب. وقال أبو وداد إن هذا التضخم الحاد ينطبق على العديد من المنتجات الاستهلاكية.

قال: «إذا كان بإمكاننا الاستيراد مباشرة، فستكون هذه العملية أرخص بكثير». وألقى باللوم على بروتوكول باريس، الذي قال إنه «عفا عليه الزمن» ولم يُراجَع منذ ما يقارب 30 عامًا على الرغم من أن الواقع الحالي مختلف تماما.

تبع التضخم الفلسطيني التضخم الإسرائيلي في الثمانينيات والتسعينيات، عندما دمر انهيار الشيكل القوة الشرائية الفلسطينية، ولكنهما افترقا بعد الانتفاضة الثانية في أكتوبر 2000. عانت إسرائيل انكماشًا في اقتصادها، أما الفلسطينيون فعانوا ركودًا تضخّميًّا مع انخفاض الدخل وارتفاع الأسعار. بدأت القوة الشرائية الفلسطينية تزحف لتدرك القوة الشرائية الإسرائيلية. لاحظ شير هيفر أنه عام 2008، «كان المنتج نفسه يكون أغلى بنسبة 32% في مدينة فلسطينية منه في مدينة إسرائيلية».

للأسف أحبط وباء الكورونا خطط أبي وداد للخروج من هذا الفخ من خلال ابتدائه شركة، وقال إن هذا الوباء أصاب الضفة الغربية خصوصًا بقوة، وهو ما أدى إلى انخفاض النشاط الاقتصادي. في ذلك الوقت استفسر أبو وداد كثيرا عن البيتكوين. قال إن هناك مجتمعًا كاملًا يتكون في الضفة الغربية وغزة. لقد ذكرته أن نسبة التبني العالمي لعملة البيتكوين اليوم هو تقريبًا نفس المستوى الذي كان عليه للإنترنت في عام 1997 أي حوالي 200 مليون شخص، أو 2٪ من السكان العالم. يعتقد أن هذه هي النسبة المئوية للفلسطينيين الذين يستخدمون البيتكوين، وقال إنها سوف تنمو بسرعة هائلة في السنوات القادمة.

لكن كيف يشتري الفلسطينيون البيتكوين؟

قال أبو وداد: «نحن نجد منافذ دائمًا».

أخبرني عن ثغرة، حيث تمنع سلطة النقد الفلسطينية الحسابات المصرفية من شراء عملة مشفرة عن طريق المنصات. ولكن هناك استثناء واحد، العملة الثابتة التيثر (Tether). يعتقد أنه نظرًا لأن التيثر مرتبطة بالدولار فقد غضوا النظر عنها، وبالتالي ألغوا حظر عمليات الشراء على منصات مثل باينانس (Binance). قال أبو وداد إن كل شخص يعرفه يتعامل مع العملة المشفرة عن طريق التيثر. من هناك، كما قال، يمكنهم شراء البيتكوين كأداة توفير، أو البقاء في التيثر كحساب «جارٍ». قال إن بعض الأشخاص يلتفّون على النظام المصرفي بالكامل ويستخدمون مجموعات التلجرام أو فيسبوك لتنسيق شراء التيثر أو البيتكوين من الند للند.

أبو وداد يعلم أن التيثر ليس بحل مثالي لكنه حل مؤقت. ناقشنا فكرة أنه في المستقبل القريب، يمكن للفلسطينيين امتلاك محافظ شبكة البرق (Lightening) موصولة بعملة ورقية مثل الدولار، ويمكن استخدامها بدلاً من الاضطرار إلى الاعتماد على التيثر. لم يكن يعرف الكثير عن شبكه البرق، لكن أثناء مكالمتنا عبر الواتس اب، أوضحت له كيفية تنزيل محفظة مون (Muun)، وأرسلت له 5 دولارات عبر البرق.

«ما أسرعها!»، قال، متأثرًا بالانتقال الفوري من بوسطن، حيث أقيم، إلى رام الله. فقلت له إن الرسوم بسيطة جدا، فازداد حماسًا. لقد فكرنا كيف أنه من الصعب على الفلسطينيين نقل الأموال من مكان إلى آخر، وناقشنا كيف أن عملة البيتكوين تغير قواعد اللعبة: من على بعد آلاف الأميال، أرسلت له المال ولم نضطر التعامل مع شرطة جمركية أو تأخير أو أعلام حمراء أو مصادرة أو ضريبة القيمة المضافة. لم تحصل الحكومة الإسرائيلية ولا السلطة الفلسطينية على شيء.

يعتقد أن محافظ البرق المستقرة يمكن أن تكون تقدمًا ضخمًا بالنسبة للفلسطينيين: حساب مصرفي لا تحتاج فيه إلى أي هوية، يمكنك التحكم في أموالك الخاصة، يمكنك التعامل على الفور في أي مكان في العالم بدون رسوم تقريبًا، ويمكنك اختيار الربط القيمة مقابل الدولار أو الاحتفاظ بأموالك في عملة البيتكوين. قال «هذا هو الحلم».

يعتبر أبو وداد عملة البيتكوين احتجاجًا سلميًا ضد النظام المالي الفاسد والاستغلالي والمركزي: نظام رآه من الداخل خلال خدمته كمصرفي. العقبة الكبرى وفقًا لأبي وداد، هي أن عددًا قليل من الفلسطينيين يستخدمون البيتكوين اليوم.

قال: «معظم الناس يراه استثمارًا، وليس عملة».

وقال إن الأمر سيستغرق وقتا حتى تصبح حركة جماهيرية. قال إن التعليم مهم للغاية.

وقال: «الناس عندهم أسئلة كثيرة، ولكنهم مع الوقت سيتعلمون ويستخدمون».

لقد شاهد تقارير مؤخرًا عن إطلاق السلطة الفلسطينية لعملتها الرقمية الخاصة، لكنه لا يعتقد أن الناس سيثقون بها. وقال إن هذه الأمر قد يشجع المزيد من الناس على استخدام البيتكوين.

«إذا أردنا أن نجعل البيتكوين طريقتنا لنقول لا للعالم، وأن نعيش بعيدًا عن اتفاقيات أوسلو وباريس، فنحن بحاجة لاستخدامها في حياتنا اليومية. سيستغرق بعض الوقت.»

وقال: «نحن نعلم جميعًا أن المجتمع الدولي لن يمنحنا الحرية. لذلك يجب أن نأخذها بأيدينا».

أخبرني أنه اختار اسم أبو وداد لأن وداد هو الاسم الذي سيطلقه على ابنته، إذا أكرم يومًا ما بفتاة. وقال إنها ربما ستنشأ في عالم البيتكوين.

اقتصاد المقاومة الجديد

كفاح أبو خضير هي فلسطينية-أمريكية من أبناء الجيل الثالث، ترعرعت في أتلانتا، واستقرت مع والدها في القدس الشرقية وتعمل مدرّسة.

غادرت عائلة كفاح في الأصل القدس عندما كانت تحت الحكم العثماني، فرارا من التجنيد الإجباري إلى أمريكا الجنوبية، ولكن أبقت على روابطها بموطنها. رجع والد كفاح إلى فلسطين وأصبح معارضًا صريحًا للوجود الأردني في الضفة الغربية في الستينيات من القرن الماضي. في النهاية غادر إلى الأبد للولايات المتحدة الأمريكية، حيث ذهب إلى المعهد التقني في جورجيا وقام بإنشاء عائلة في الجنوب الأمريكي، كما هو الحال مع عائلتها، رجعت كفاح إلى الضفة الغربية لدراسة اللغة العربية بجامعة بيرزيت في أواخر التسعينيات. انتهى الحال بها بالحصول على بكالوريوس في التربية والانتقال إلى القدس الشرقية في النهاية.

تقول كفاح: «إذا أردت كسر قلب أم فلسطينية، أخبرها أن ابنها سيقوم بدراسة التجارة أو الزراعة». لتحقيق الاستقلال، تعتقد كفاح، أن هذين الحقلين مهمين، ولكنهما متروكان إلى درجة النبذ. وهذا نتيجة لتصور أن تقدم الاقتصاد المحلي «مضيعة للوقت».

قضت كفاح العقد الماضي في تعليم الشباب الفلسطيني، بمساعدة برامج وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق EduReach، وهي منظمة تقدم للمعلمين برامج تدريب وبرامج إضافية على المنهج للأطفال. وهنا واجهت معضلة أن تكون أكثر تحديا وأن يذهب الأطفال إلى مدارس في إسرائيل لتعلم الإنجليزية. تعلم كفاح أن هذا بدوره سيقوم بإطالة وضع اعتماد الفلسطينيين على العالم من حولهم، وبهذا انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي، ولكنها تريد المستقبل الأفضل لأبنائها الذين يريدون أن يتم توظيفهم بقدر الإمكان. وقالت «نسهر الليل كله نفكر في هذا الأمر».

تقول كفاح: «بدأت أشعر بالذنب لشعوري بأني أشارك في هجرة العقول»، «إذا كان الأطفال ناجحين، سيذهبون إلى جامعات في إسرائيل أو في الولايات المتحدة الأمريكية ولن يرغبوا في الرجوع» لأنهم سيكونون أعلى كفاءةً من الوظائف الموجودة في فلسطين. وفي أفضل حال، سينتهي بهم المطاف بالعمل في المنظمات غير الحكومية أو الخارجية. تقول كفاح: «في الواقع نحن لسنا جزءًا من الاقتصاد المحلي»، «نحن لا نساعد في إعادة الاستثمار».

تغلف تجربتها معضلة الكثير من الفلسطينيين منذ1967. يمكنك المكوث في البيت، أو الذهاب إلى العمل في إسرائيل لأجر أعلى للحصول على المزيد لأسرتك.  ولكنك قمت بالمقايضة بجلب نشاط اقتصادي وتطور هناك بدلا عن موطنك.

قالت لي كفاح «الاستقلال مالي». «إذا لم يكن لدينا الحرية المالية، لن يتغير شيء».

أشارت كفاح أن استخدام العملة تغير بمرور الوقت. الشعب ما زال يستخدم الدينار الأردني، والدولار الأمريكي أيضا، ولكن مؤخرا، أردفت، الشيكل (عملة إسرائيل) أصبح أكثر شعبية حتى في غزة.

تقول كفاح «على الأقل 80% من المعاملات اليومية تتم بالشيكل» هذا يعني أنه تقريبا كل عملية يقوم فلسطيني بها «تدعم وتعمق الاعتماد على إسرائيل».

وقالت إن الترعرع في أتلانتا علمها الكثير عن حركة الحقوق المدنية الأمريكية (صراع الأمريكيين ذوي الأصل الأفريقي لتحقيق المساواة والعدل بينهم وبين باقي أطراف المجتمع في الخمسينات والستينات من القرن الماضي)، ودرست حركات مشابهة في جنوب أفريقيا وأيرلندا.

قالت كفاح: «إن من أول ما بدأ به هؤلاء تأسيس اقتصاد مستقل، أما نحن فلا نملك هذا. كل ما لدينا: أعلام حمراء، ومصادرات، وضرائب ندفعها لخدمات لا تنفعنا».

مؤخرا، صارت كفاح تمضي وقتها في مراكز تقنية في رام الله والقدس. تقول إنها هناك تعرفت على «الاستعمار التقني»، حيث يحضر الإسرائيليون لتعيين الأفضل والألمع ولا وجود لشركات فلسطينية تقوم بذلك.

«نحن نخلق قوة عاملة للاحتلال القائم». «التقانة مهمة لأننا نريد مسارًا غير محتاج إلى مورد خام، لأننا لا نستطيع امتلاك أرضٍ ولا نستطيع الصناعة، فعلى أي شيء نقدر؟»

من أجل هذا التغيير، تتطلع كفاح إلى البيتكوين. وهي جزء من حركة ستحاول رسم خريطة لمنظومة الأعمال التجارية الفلسطينية، سواء الشركات المملوكة للفلسطينيين في إسرائيل، وكذلك الشركات في القدس الشرقية والضفة الغربية، وتشجيع الممارسات الجديدة.

الفكرة هنا، إذا كنت صاحب عمل تجاري فلسطيني، يمكنك عرض الحصول على البيتكوين كوسيلة دفع. تقول إنه بذلك سيثير الفضول، وسيطلق اقتصادًا مستدارًا (حلقيًّا)، وسوف يحث المزيد من الناس على تعلم ما هو البيتكوين، وكيفية عمل المال.

تقول كفاح: «وبذا يمكننا إنهاء اعتمادنا على الشيكل»

اليوم، لدى كفاح معلمين يعملون لها في غزة. تقول إن السداد لهم في غاية التعقيد. تقول «لا أستطيع استخدام باي بال، رغم أنني مزدوجة الجنسية كمواطنة أمريكية وإسرائيلية. حتى مع امتيازي المالي، من الصعب فعل هذا».

تشرح كفاح بأنه تقوم بسحب المال من حساب بنكها الإسرائيلي من خلال ماكينة سحب، ثم تقوم بالإيداع في بنك فلسطيني (الذي يمكن فتح حساب به فقط بجوازها الأمريكي) ثم يمكنها عمل تحويل بنكي لحسابات المعلمين. هذا يأخذ الكثير من الوقت وهو مكلف أيضا. ولكن مع البيتكوين تقول إنه يمكنها الإرسال فورا لحساب المعلم في غزة.

تقول كفاح إنها ما زالت ترتّب الصورة المستقبلية لهذا الأمر في ذهنها.

وتقول: «بالبيتكوين، يمكنك إنشاء شركة مستقلة بالكامل، حيث لا تكون ملزمًا باستخدام بنك فلسطيني، ولست مجبرًا على الاعتماد على الشيكل والاقتصاد الإسرائيلي».

تعتقد كفاح أن التغيير سيأتي في النهاية فقط من خلال «كم كبير من العنف أو كم كبير من النشاط الاقتصادي» وتعتقد أن اللاحق هو الطريق الوحيد لإيجاد النجاح. «لا يمكننا قبول حل نصف ناضج» تقول كفاح هذا مشيرة إلى فشل سير اتفاقية أوسلو.

قالت كفاح: «نحتاج إلى هروب كامل». «إذا لم ننسحب من العملة، سينتهي بنا المطاف ونحن نقوي النظام».

مجتمع البيتكوين الإسرائيلي

من الواضح أن البعض في المجتمع الفلسطيني يرى البيتكوين كمسار تقدمي. ولكن ماذا عن نظيرهم الإسرائيلي؟ للتحقق، تحدثت إلى العديد من الإسرائيليين من المستثمرين في البيتكوين بشرط عدم كشف الهوية.

البعض قلق حيال البيئة السياسية في إسرائيل في الوقت الراهن. البعض يقول إنه «ليس بهذا السوء» ولكن أحد رواد الأعمال قال لي إنه من المخاطرة فعل أي شيء يمكن وصفه على أنه «يساري» (كمساعدة الفلسطينيين من خلال البيتكوين) وأنه إعلان المرء عن رأيه يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.

يقول: «الشعور العام يزداد سوءا يوما بعد يوم»، «يذكرني بالأيام الكريهة في تاريخ العالم».

ثم أكمل «هذا يجعل من الصعب التفكير في مستقبل مشرق هنا. إن البقاء في هذا البلد معضلة كبيرة من الأساس».

ولكن رغم قوله إن التواصل مع الفلسطينيين حول استخدام البيتكوين لم يكن طرحًا أو أولية في الاجتماعات المقامة بتل أبيب حتى الآن – «مطلقا» على حد قوله – فهو يعتقد أنه يمكن أن يكون ناجحًا.

قال إن البيتكوين يستمر في بناء جسور، لا جدران. وعندما توقف في التفكير عن كيف يمكن للإسرائيليين نشر الحرية للفلسطينيين، البيتكوين يمكن أن يكون هو الطريق لذلك.

يقول «إنها ليست حرية مزيفة مثل التي حاولنا تقديمها من قبل».

يقول رائد الأعمال «أنا هنا لأجل التعايش»، «أنا أريد حل الدولة الواحدة. أنا أريد بلدًا واحدًا عملته البيتكوين، وقوانينه واحدة تطبق على الجميع. إمكانية مساعدة البيتكوين في خلق حالة التعايش تلك مهمة جدا. ليس الموضوع عبارة عن إنشاء دولتين، بل تقليص دور الدولة وقوتها».

رأي مستوطِن إسرائيلي في البيتكوين

كثير من الإسرائيليين المتبنّين للبيتكوين تقدّميّون نسبيًّا، بل ومتعاطفون مع فكرة مساعدة الفلسطينيين بالمال مفتوح المصدر، ولكن ماذا عن الصهاينة القوميين؟ أو حتى المستوطنين؟ المثير للدهشة أن واحدًا منهم على الأقل يحاول نشر البيتكوين في فلسطين.

جوناثان كاراس رجل أعمال أمريكي في مجال التكنولوجيا ومدافع عن البيتكوين يعيش في الضفة الغربية منذ 10 سنوات.

قال لي ونحن نتحدّث مكالمة فيديو: «أستطيع أن أرى رام الله من نافذتي».

اليوم ، يعيش نحو 14 مليون فرد – تقريبًا نصفهم يهود ونصفهم عرب – بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن تحت السيطرة الاقتصادية للحكومة الإسرائيلية.

من ناحية، يوجد في دولة إسرائيل تسعة ملايين مواطن يعيشون في مجتمع ديمقراطي قوي، وإن كان متآكلًا. من ناحية أخرى، هناك احتلال عسكري لما يقرب من خمسة ملايين فلسطيني، يدخل الآن عامه الرابع والخمسين. كان الحاجز الذي يبلغ طوله 700 كيلومتر – وهو في كثير من الأماكن عبارة عن جدار خرساني فعليًا – قيد الإنشاء منذ عقدين من الزمن ، ويفصل بين الاثنين، الإسرائيليين والفلسطينيين. يعيش كاراس ومئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين شرق هذا الحاجز.

وفقا لمنظمة الحقوق المدنية الإسرائيلية بتسيلم، «يعيش أكثر من 2.6 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، في عشرات الجيوب المنفصلة، في ظل حكم عسكري صارم وبدون حقوق سياسية. في حوالي 40٪ من الأراضي، نقلت إسرائيل بعض السلطات المدنية إلى السلطة الفلسطينية». ومع ذلك، فإنه تذكرنا المنظمة، أنه حتى هناك «لا تزال السلطة الفلسطينية تابعة لإسرائيل ولا يمكنها ممارسة سلطاتها المحدودة إلا بموافقة إسرائيل».

صُنّف 61 بالمئة من أراضي الضفة الغربية على أنها منطقة ج – تتألف من مساحات مفتوحة وأراضي زراعية شاسعة – ويسيطر عليها الجيش الإسرائيلي سيطرة مباشرة. نص اتفاق عام 1995 على أن المنطقة ج الغنية بالموارد سيتم «نقلها تدريجياً إلى السلطة الفلسطينية» بحلول عام 1997. لكن هذا لم يحدث. وبدلاً من ذلك، مُنع الفلسطينيون من حصاد هذه الأرض أو الاستثمار فيها، وزاد المستوطنون والشركات الإسرائيلية من استعمار المنطقة.

تستخدم إسرائيل العديد من الموارد في المنطقة (ج)، بما في ذلك الطاقة الشمسية لأكثر من 10000 منزل إسرائيلي، ومصادر المياه والأراضي الزراعية. في الوقت نفسه، تصادر ممتلكات فلسطينية. في السنوات العشرين الماضية، اقتلعت القوات الإسرائيلية، على سبيل المثال، أكثر من مليون شجرة فلسطينية مثمرة. تحقق إسرائيل والأردن 4.2 مليار دولار سنويًا من بيع معادن مثل البوتاس والبروم من أراضي المنطقة ج حول البحر الميت. يشير تقرير للبنك الدولي إلى أنه يمكن للفلسطينيين زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10٪ تقريبًا إذا سُمح لهم بالاستثمار في هذه العملية أيضًا. في الخلاصة، خلص التقرير إلى أنه يمكن للفلسطينيين زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35٪ إذا سُمح لهم بتسخير المنطقة ج للزراعة والمعادن والتعدين والبناء والسياحة والاتصالات.

أغلق الجيش الإسرائيلي معظم الضفة الغربية أمام وصول المدنيين الفلسطينيين، وأقام نقاط تفتيش وحواجز لخنق حركة البشر في المناطق المتبقية أ و ب. حدّت هذه الإجراءات التي سُنّت تحت عنوان مكافحة الإرهاب قدرة الفلسطينيين على الانتقال والبناء والسفر والزواج وشراء العقارات والعمل والتصويت للمشاركة في النظام الذي يحكمهم.  تبيع التكنولوجيا المستخدمة لفرض هذا النظام شركات إسرائيلية مثل Candiru وCellebrite  وNSO Group إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم.  تسوَّق منتجات المراقبة هذه على أنها مجربة ومختبرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي مطلوبة بشدة وتعتبر من الطراز العالمي.

استقر مئات الآلاف من المستوطنين اليهود إلى الآن في مستوطنات الضفة الغربية شرق الخط الأخضر، الحدود حُدّت لتكون فاصلة بين إسرائيل وفلسطين بعد حرب عام 1948.  تحفز السياسات الإسرائيلية المواطنين وتدعمهم لينتقلوا إلى تلك المناطق، من هذه السياسات: مزايا الضرائب والإسكان.  في المجموع، هناك أكثر من 280 مستوطنة إسرائيلية ومجموعة متنوعة من المناطق الصناعية في الضفة الغربية، مع أكثر من 60 بؤرة استيطانية أُنشِئت في السنوات العشر الماضية، وكلها تُعارض القانون الدولي.  إن خرائط هذا التحول في السيطرة لافتة للنظر.

عندما بدأت عملية أوسلو عام 1993، كان في الضفة الغربية ما يزيد قليلاً عن 100 ألف مستوطن إسرائيلي، من دون حساب الذين في القدس الشرقية.  اليوم، هناك أكثر من 475 ألفًا.

كاراس واحد منهم.  قال إنه «مستوطن صهيوني متدين».  هدفه هو «إعادة مملكة داود وبناء هيكل سليمان».  قبل عشرين عامًا، جاء أول مرة إلى إسرائيل، وأدرك أن «أفضل طريقة للوفاء بالتزاماتي التوراتية هي الاستقرار على قمة تل فارغ في الضفة الغربية».

في السنوات القليلة الماضية، ألقى كاراس عددًا من المحاضرات حول «كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز التفاعل المختلط والتعايش».  قال إن البيتكوين يسمح للبشر أن يعبروا الحدود التي كانت مسدودة في السابق: القانونية منها والمالية والأيديولوجية.

قال: «إنها تتيح لنا أن نلتقي».  وهو عضو في غرفة تجارة يهودا والسامرة، ويتفاعل بشكل متكرر مع الفلسطينيين في عمله.

قال إنه إذا قام بعمل تجاري مع فلسطيني، فقد يكون ذلك خطرا على حياته.  قال كاراس: «إذا أردت بدء عمل تجاري مع جاري، فقد يُقتل أطفاله».  «لذا يتيح لنا البيتكوين العمل معًا والحفاظ على سلامته».

 أخبرني أنه شاهد سيارات تحترق لتصبح رمادًا تحذيرًا من التعامل مع الإسرائيليين.

يرى كاراس أن الفلسطينيين استفادوا بالفعل من الشيكل القوي، وقارن محنتهم بمحنة اللبنانيين والسوريين والمصريين وغيرهم في المنطقة الذين عانوا من ارتفاع التضخم أو التضخم الجامح.  ويقول إن حماس والسلطة الفلسطينية فاسدتان، لكن الشيكل وفر الحماية الجزئية للفلسطينيين من سوء حكمهم من خلال توفير وحدة حساب موثوق بها ووسيلة للتبادل ومخزن للقيمة.

عندما ذكرت له أن الفلسطينيين ما زالوا يعانون من تضخم كبير في الأسعار، قال «كوب الماء سيكون دائمًا أغلى في الصحراء منه في شلالات نياجارا» وقال إن هذا لا يتعلق بالمال، يتعلق بالسيطرة على الحدود والسلع والخدمات.

قال: «في الضفة الغربية، لا يستطيع الفلسطينيون الحصول على أشياء من أمازون». «سيكون هناك دائمًا تباين في الأسعار».

وقال إن النظام الاقتصادي التقييدي الذي يمنع الفلسطينيين من التقدم «يستسيغه» الإسرائيليون والمجتمع الدولي بسبب التهديدات العنيفة من الفلسطينيين.  وقال: «ما دامت حماس والسلطة الفلسطينية يهدفان إلى القضاء على الدولة اليهودية، فليس هناك أمل في أن يحصل الفلسطينيون على نفس الأسعار في تل أبيب».

في النهاية، من منظور ديني، يعتقد كاراس أن الشيكل وجميع النقود الحكومية ستكون في عين المتدينين «غير أخلاقية من منظور يهودي مسيحي إسلامي».

قال إن «العملات الورقية الحكومية إنما هي سعي وراء الريع، ومن الواضح أنها شكل من أشكال السرقة، فأنت تدفع فائدة للحكومة لبناء ثروة عائلتك».

 قارن هذا بالنقود القائمة على السلع، مثل الذهب والبيتكوين، حيث «كل فرد في المجتمع متساوٍ تحت السماء».

مع البيتكوين، «نعلم جميعًا ما هي القواعد ونعلم أنه يمكننا المشاركة دون أن يغير أحد القواعد في المستقبل»، قال.  «ليس هذا هو الحال عندما نعمل في نظام العملات الحكومية، لأنه بطبيعته نظام من حزبين.  هناك الأوليغارشية، وهم من القطط السمان الذين يضعون السياسة النقدية ويتحكمون في تدفق الأموال، ثم الرعاة والأقنان الذين يخضعون لإنفاذها.  إنه من جوهر العملات الحكومية أننا لسنا متساوين».

يعتقد كاراس أننا «في عصر المسيحاني» وأن «نبوءات الكتاب المقدس تتكشف»، وأن «الكثير من الأدلة» تدل على أن البيتكوين يقع تحت تلك النبوءات.

عندما سئل عما إذا كان يعتقد أن الحكومة الإسرائيلية ستحاول حظر أو تقييد عملات البيتكوين كأداة للإرهاب أو المقاومة، قال إن الشعب الإسرائيلي يعرف أن الابتكار التكنولوجي والفرص يفوقان المخاطر بكثير.  قال إنه إذا كانت حماس تحاول التحايل على القيود المصرفية من خلال جمع الأموال في البيتكوين (كما زعمت الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا، وصادرت البيتكوين في البورصات التي زعمت أنها مرتبطة بحماس)، فإن مراقبة هذا وتقنينه أسهل بكثير من مراقبة وتقنين كاراس «إذا دفع لمزارع أو مطوّر وب بالبيتكوين».

وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد لديه خلفية في الأمن السيبراني وريادة الأعمال، لذا فإن الحظر غير مرجح.

قال كاراس: «إن حظر البيتكوين أمر سخيف مثل حظر الماريوانا.  إذا كان لدي بذرة في جيبي، يمكنني زراعة حقول من المحاصيل.  إذا كان لدي 12 كلمة في رأسي، فلا يمكنك إيقافي».

وأشار كاراس إلى أن عملة البيتكوين هي بالفعل أكبر بكثير من حيث القيمة السوقية من الشيكل اليوم.  يعتقد أن البلدان ستضطر إلى إضافة عملة البيتكوين إلى ميزانياتها العمومية كأصل احتياطي وجعلها مناقصة قانونية، أو محاولة حظر أو محاربة البيتكوين، وهي معركة سيخسرونها، وسيُضطرّون إلى الشراء لاحقًا بسعر أعلى.

كاراس ناقد كبير لعملات البنوك المركزية الرقمية، وقال إن النقد مفيد لأنه خصوصي ولا يمكن إيقافه.

وقال: «سأعارض بشدة استبدال النقد بعملات البنك المركزي الرقمية: إنه شكل من أشكال السيطرة». «قد يضر عملك إذا جمد تويتر حسابك لمدة 72 ساعة.  قد يقتل عملك حرفيًا إذا لم يكن في المجتمع نقدٌ ولم تكن الحكومة راضية عن الذين رأتك ممسكًا بأيديهم قبل أن تجمّد حسابك».

لكن النقد، كما قال، عرضة للبخس دومًا، وهو ضارٌّ بقدرة الناس على الادخار على المدى الطويل.

وقال: «سيسمح ذلك بتنشئة جيل يؤمن أبناؤه بقدرتهم على الاستثمار في أنفسهم ووضع أموال كل شهر في مكان آمن يمكن أن يُقفل قفلًا زمانيًّا، ويمكن استخدامه ضمانًا».  «سيكون لهذا تأثير اجتماعي اقتصادي، في نهاية المطاف، على المستويين الشخصي والوطني للفلسطينيين والإسرائيليين».

وأضاف: «أخبّئ أموالي لأبنائي في البيتكوين»، «إن إيماني في البيتكوين أكبر من إيماني ببنك إسرائيل المركزي في السنوات العشرين القادمة، هذا وأنا داعم كبير لإسرائيل، فتأمّل».

يرى كاراس أن الدفع لأحد بالشيكل ديناميكية قوّة.

وقال: «يؤثّر هذا الأمر فيّ»، لذلك يعرض دائمًا على عملائه أن يدفع لهم بالبيتكوين. قال: «حتى لو كانوا يريدون أن يبيعوها، لا بدّ لهم في الأول من إنشاء محفظة ومحاولة فهمها».

عندما سئل عما إذا كان يعتقد أن إسرائيل قد تتخلف عن فلسطين في تبني عملة البيتكوين، قال إنه يضغط على الحكومة الإسرائيلية لتكون في طليعة الأمور.  ولكن إذا قام الفلسطينيون بالتحول إلى معيار البيتكوين أولاً، فإنه يعتقد أن ذلك سيجعل إسرائيل «تطاردهم».

قال كاراس إنه لا ينظر إلى نفسه على أنه غير متحيز، ويعرف أن بعض الفلسطينيين سيصفونه بمجرم الحرب، وبأنه «تجسّد بشري لكل محنهم».  لكنه قال إنه لا يزال قادرًا على الجلوس والتحدث عن البيتكوين مع الفلسطينيين.

وقال: «كلّنا نريد السيادة الماليّة، أنا مهتمّ بازدهار الجميع، لا ازدهار اليهود وحدهم».

النضال من أجل السيادة

يحاول الكثير من الفلسطينيين صدّ المستوطنات الإسرائيلية، ويرى بعضهم أن البيتكوين وسيلة ممكنة لدعم هذه الجهود، لأعرف المزيد عن هذا، تحدثت مع آدم البرغوثي، الذي يعني في الصندوق الاجتماعي الفلسطيني، وهي منظمة تموّلها الجالية الفلسطينية لدعم الأنشطة الزراعية في الضفة الغربية.

قال البرغوثي إن فلسطين «تعتمد اعتمادًا كاملًا على الإغاثات الأجنبية والواردات. تضاءلت سعتنا الإنتاجية. ليس لدينا سيادة». يؤمن أن المستقبل في «أن نصنع غذائنا لأنفسنا». خطته هي تنمية تعاونيات في أنحاء قرى الضفة الغربية، وإطلاق نموذج إداري لا يعتمد على أي مساعدات أجنبية أو السلطة الفلسطينية، إبل على «ما يملكه الأفراد ومجتمعاتهم».

بالطبع، هي رؤية يسارية. ذكرت له أنه هناك مجتمع بيتكوين لبرتاري (يميني) في الولايات المتحدة الأمريكية يحاول تحقيق اكتفاء زراعي ذاتي للخروج عن الشبكة، بتربية الحيوانات والمحاصيل، والسعي وراء الحرية والابتعاد عن الحكومة الفيدرالية.

قال البرغوثي «في نهاية الأمر نحن جميعنا بشر، ونحن محتلون من قبل إسرائيل وما نراه الآن أن لا بد من حل زراعي. الأميركان الذين تتحدث عنهم يمكن قد يكونوا محتلين من قبل الاستهلاكية، ولكنهم يسعون لنفس الغرض. كلاهما وجهان لعملة واحدة».

إن تحقيق الاستقلال الزراعي أمر صعب، وقال البرغوثي إن المستوطنات الإسرائيلية لم تزل تتوسع.

«إنهم يخنقوننا كما خُنق البانتوستانيون (بانتوستان منطقة جغرافية خصصتها إدارة الحزب الوطني في جنوب إفريقيا للسكان السود، أي السكان الأصليين في جنوب إفريقيا وجنول غرب إفريقيا)، أوّلًا، يأخذون قمم الهضاب، ثم يذهبون إلى أخصَب التُّرَب، كالمناطق المحيطة بالبحر الميت، هذه الأماكن رائعة لزراعة المنتجات على مدار السنة».

ذكرت وكالة بتسليم أن ثُمن الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية فقط مزروع، بسبب نظام التصاريح الإسرائيلي الصارم.

قال البرغوثي: «يجب أن نبدأ بما لدينا، الأرض المحيطة بمنازلنا، يمكننا البدء في بناء اقتصاد مقاوم يكون لا مركزيًّا ويزداد لامركزيّة».

وقال: «إن الاكتفاء الذاتي الزراعي كان روح الانتفاضة الأولى، لكن ياسر عرفات وأعوانه من منظمة التحرير الفلسطينية ضحوا بذلك من أجل المال والمكاسب الشخصية».

«علينا أن نحاول مرة أخرى».

مشكلة كبيرة يواجهها البرغوثي وفريقه هي أن أي أموال تدخل فلسطين تخضع للتفتيش الإسرائيلي. بتحكم الإسرائيليون بالحدود المالية. يؤخّرون الأموال، ويفرضون ضرائب عليها، ويقللونها ويصادرونها أحيانًا.

وقال: «متى ما رأوا أننا خطر، جمّدوا أموالنا في ثوانٍ، ولو كنّا في كندا»، لذلك يخطط هو وفريقه للتموّل بالبيتكوين، ليخرجوا من النظام المقيّد كلّه. يعمل فريقه اليوم على إعداد خادم BTCPay ، وهو معالج مدفوعات مفتوح المصدر.

لكن البرغوثي يريد أن يوضح أن العملة المعادية للاستعمار هي بحد ذاتها حل غير كامل.

وقال «الحرية النقدية يجب أن تسير يدا بيد مع بناء قوتنا الإنتاجية» «في نهاية المطاف، كل عملة هي اسم مستعار للموارد، وعلينا إنشاء مواردنا الخاصة من الطبيعة وبناؤها في منتجات قيمة يمكن استخدامها في مجتمعنا لزيادة الابتكار والتعليم والرعاية الصحية والأمن الغذائي».

وأضاف: «عندما نفعل ذلك، يجب علينا نحن الفلسطينيين أن نستخدم عملة نسيطر عليها، وليست عملة مرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي أو البترودولار (الدولار الأمريكي) أو أي شيء آخر».

مستقبل البيتكوين في فلسطين

قبل بضعة أسابيع، أعلنت الحكومة الإسرائيلية علنا عن مصادرة أموال بالبيتكوين مرتبطة بحركة حماس. يبدو من المؤكد أن الجيش الإسرائيلي سيبدأ في شيطنة عملة البيتكوين كأداة للإرهابيين وربما يجعل استخدامها أكثر صعوبة على الإسرائيليين والفلسطينيين.

بالنظر إلى أن الحكومة الإسرائيلية أعطت الأولوية لمركزية أكبر عدد ممكن من التدفقات الاقتصادية تحت سيطرتها من وإلى غزة والضفة الغربية، فمن المرجح أن أي أموال تتحرك خارج «القنوات الرسمية» ستعتبر مشبوهة. قد يكون هذا عائقًا أمام التبني المستقبلي.

ولكن اليوم، أسواق Paxful وLocalBitcoins نابضة بالحياة من نظير إلى نظير في فلسطين. إذا تبنت البيتكوين مئات الشركات الفلسطينية ومئات الآلاف من الأفراد، فقد يصبح احتجاجا سلميا قويا بشكل ملحوظ.

هاهنا احتمال هنا بالنسبة للفلسطينيين – أو أي فئة سكانية مستضعفة، سواء كانت محاصرة بسبب الاحتلال الأجنبي، أو الاستبداد المحلي، أو الاقتصاد المنهار، أو الافتقار الهيكلي للفرص-  لاعتماد البيتكوين عملة جديدة. لقد اختار ملايين الأفراد هذا بالفعل، في تركيا والأرجنتين ونيجيريا وإيران ولبنان وغيرها.

أكثر من ثلثي الفلسطينيين تقل أعمارهم عن 30 عام، وأكثر من 70٪ لديهم اتصال بالإنترنت. يشعر الشباب بارتياح أكبر لفكرة الأموال عبر الهاتف المحمول، ويبحثون عن حلول تكنولوجية لمشاكلهم. إنها مخاطرة، لكن البيتكوين اقتصاد حلقي يمكن أن يمنح الفلسطينيين مكانة جيدة على جيرانهم، ويضعهم في وضع جيد نسبيا للقرن المقبل.

قدمت السلفادور نموذجا وطنيا لكيفية استخدام البيتكوين ليس فقط كأداة توفير للاستثمار في المستقبل، ولكن أيضا كشبكة دفع يمكن أن تسمح للمواطنين بالتواصل مع أي شخص في العالم على الفور.

هل يمكن أن تكون فلسطين سلفادور الشرق الأوسط؟ الرئيس نجيب بقيلة، في نهاية الأمر، فلسطيني. هاجر أجداده في الأصل إلى السلفادور من منطقتي القدس وبيت لحم أثناء استنزاف الإمبراطورية العثمانية. حتى أن والده اعتنق الإسلام وأصبح «إماما بارزا في سان سلفادور ومدافعًا علنيًّا عن القضية الفلسطينية».

اقتُبِس من بقيلة قوله إنه فخور جدًّا بأصوله الفلسطينية، وقد قال إنه «يودّ أن يرى دولة فلسطينية مزدهرة». ومن المفارقة أن يكون ذو أصلٍ فلسطيني أول زعيم عالمي يتبنّى البيتكوين عملة وطنية.

لا شك في أن الحكومة الإسرائيلية والحكومة الأمريكية والسلطة الفلسطينية والبنك الدولي والأمم المتحدة سوف يعارضون جميعًا خطوة كهذه. لقد استثمروا جميعا في الوضع الراهن. لذا فإن أي تبني يجب أن يأتي من قوة حراك الشعب.

أما بالنسبة للمحاولات التقليدية للإصلاح، فقد جرت في الأسابيع القليلة الماضية نقاش حول إعادة تسيير «اللجنة الاقتصادية المشتركة» (JEC) وهي المنظمة التي تم إنشاؤها في وقت بروتوكول باريس، والتي كان المفترض لها في نهاية المطاف صنع عملة جديدة للفلسطينيين. لم تجتمع اللجنة الاقتصادية المشتركة منذ عام 2009 واستخدمت إلى حد كبير للإشراف على العمليات في الأرض الفلسطينية المحتلة، لكن الوزراء الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية يخططون لتجديد JEC «وإزالة العقبات» أمام النشاط الاقتصادي للسلطة الفلسطينية.

لقد شاهد الفلسطينيون هذا الفِلم من قبل. لم تقدّم أي محاولة من جانب الحكومة الإسرائيلية لمساعدة السلطة الفلسطينية للشخص العادي في الضفة الغربية أو غزة أي شيء، إلّا تحويل المزيد من الأموال إلى قيادة السلطة الفلسطينية وإدخال ضوابط جديدة على الأرض. الأهداف المعلنة هذه المرة هي إصدار 17000 تصريح إضافي للعمال الفلسطينيين «للعمل في البناء والصناعة في إسرائيل» وتعزيز إدارة الوقود الفلسطينية. مرة أخرى، من المرجح أن يؤدي أي إصلاح هنا إلى تعميق اعتماد الفلسطينيين على الاقتصاد الإسرائيلي ووضع السلطة الفلسطينية على دعامة قلب إضافية للحياة.

مؤخرا، انتشر الخبر أن سلطة النقد الفلسطينية تدرس إنشاء «عملة رقمية للبنك المركزي»، وهي نوع جديد من الأصول يهدف إلى استبدال الأوراق النقدية والعملات المعدنية بعملة رقمية تحتفظ على الهواتف تحت مسؤولية البنك المركزي. كان النقاد حادين بقولهم: «لن تحل هذه العملة محل الشيكل أو الدينار أو الدولار. من المؤكد أنها لن تكون مخزنًا للقيمة أو وحدة محاسبة» بتعبير باري توبف وهو مستشار كبير سابق لبنك إسرائيل.

لم يعد الفلسطينيين قادرين على صك عملتهم -بناء على بروتوكول باريس- وحتى إذا كان بإمكانهم هذا، لا يوجد ضمان على أن السلطة الفلسطينية لن تستغل سيطرتها وتخلق تضخمًا هائلًا. إن سجلها في الأمور المالية ضعيف. قد يكون توبف على حق.

علاوة على ذلك، إن إنشاء عملة «فلسطينية» (رقمية أو غير ذلك) ينطوي على خطر إطالة اختلالات القوة الموجودة اليوم في الاقتصاد الفلسطيني. فهل هل ستوفر “شمولا” ماليا أم استبعادا ماليا عالميا؟

والأسوأ من ذلك، أن تحويل الاقتصاد الفلسطيني إلى اقتصاد رقمي -سواء كان خاضعا لسيطرة السلطة الفلسطينية أو البنك الدولي أو إسرائيل أو أي جهة أخرى – سيكون كارثيا على القدر القليل من الحرية التي يتمتع بها الفلسطينيون من النقد والاقتصاد غير الرسمي، حيث يمكنهم الادخار والتعامل خارج سيطرة الحكومة. إن من شأن عملات البنك المركزي الرقمية وضع قوائم سوداء وزيادة المصادرة والرقابة أكبر، بغض النظر عمن هو المسؤول عن التصميم.

نشاطيّة ليست مراءاة بالفضيلة

يمكن تصنيف الكثير من النشاطات الإلكترونية لفلسطين على أنها «إشارات فضيلة». ماذا يحقق نشر #FreePalestine في أرض الواقع؟ الحقيقة هي ان تأثيره بسيط جدا مقارنةً بمساعدة شخص ما على فهم كيفية استخدام البيتكوين ليستطيع تحقيق نوع من انواع الحرية: القدرة على حماية أمواله من المصادرة والتواصل مع أي شخص في العالم.

هؤلاء الناس الذين غصّ تاريخهم بالمصادرة، يمنحهم البيتكوين طريقة لحفظ ثمار أعمالهم ووقتهم في الفضاء الإلكتروني، بعيدًا عن سيطرة حماس أو إسرائيل أو السلطة الفلسطينية أو البنك الدولي، وهي بعد ذلك مؤمّنة بالرياضيات، إنه احتجاج سلمي، ودرعٌ رقمي، سيؤدّي إلى تغييرات كبيرة.

تأكدت بنفسي من ذلك خلال المقابلات العديدة التي أجريتها لكتابة هذا المقال. بالإضافة إلى الذين رويت قصصهم، تحدثت مع أكثر من عشرة فلسطينيين لتوضيح الصورة. يبدو أنهم جميعًا متفقون على بعض الأفكار:

أولاً، كما قال أحدهم، «إذا لم نأخذ الأمور بأيدينا، فلن نتقدم». هناك نقص هائل ومفهوم في الثقة بالسلطات من جميع الأطراف، وإدراك بأن الوضع الراهن سيستمر ان لم يُجرَّب حل جديد.

ثانيًا، إذا كان عدد قليل من الأشخاص يستخدمون البيتكوين، فيبدو أن الجميع يتفقون على أن السلطات ستلاحقهم. ولكن إذا استعمل العملة مئة ألف إنسان، فلن يقف في طريقهم شيء، إن بناء الحركة ركن أساسي.

ثالثًا، إذا لم يفهم اليساريون، واستمروا بمهاجمة البيتكوين من موقعهم المميز، فالأمر كما قال أحدهم، «يبدو لي أنهم مهتمون بالحديث عن المشكلة أكثر من إصلاحها». ثم قال: «ما هو حلهم؟».

يكره اليساريون البيتكوين عادةً أو يتجاهلونه، ولطالما وصف النقّاد اليساريون والاقتصاديون البيتكوين عديم الفائدة، وقالوا إنه مخطط بونزي، وقالوا إنه أداة للجريمة، وكارثة بيئية، وهلمّ جرًّا. لم تزل منظّمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان صامتين في شأن البيتكوين. نعم، لقد عملوا عملًا يُشكَر لهم في تفصيل معاناة الفلسطينيين، ولكن، لم لا يتكلمون عن تقنية يستعملها كثير من الفلسطينيين للتمكين؟ يمكن أن نقول الأمر نفسه عن المجتمع الدولي بالعموم. إذا كانوا فعلًا مهتمّين بتغيير الواقع على الأرض، فلا بد أن يشمل عملهم المال، والبيتكوين طريقة لفعل هذا.

خلال البحث عن المصطلح على المواقع الإلكترونية لمؤسسة الفكر الاقتصادي الفلسطيني “ماس” أو مجموعة الحريات المدنية الإسرائيلية بتسليم لم أجد اي نتيجة متعلقة بالبيتكوين وهذه الصمت محزن جدا. الواضح أن الفلسطينيين سيستمرون بتبني هذه العملة الحديثة. لكن غير الواضح هو دعم أنصارهم لهم في هذا المسعى من حول العالم.

ليس لدى الفلسطينيين في يومنا هذا اي استقلال نقدي، وهم مضطرون إلى استخدام عملة المحتل، وليسوا قادرين على زيادة قاعدة رأس مالهم، وقد أصبحوا استهلاكيين مثقلون بالديون، ويعتمدون بالكامل على المساعدات الخارجية، أما غزة فهي تواجه انهيارًا حضاريًّا.

عندما فكرت سارة روي مؤخرًا في «ما يجب فعله»، كان أحد استنتاجاتها أن «إنتاج المعرفة والعلم هو في حد ذاته مقاومة».

لن تخسر شيئُا بمشاركة المعلومات عن البيتكوين الذي ساعد الكثير من الفلسطينيين. قد يفعل أكبر مشروع مالي مفتوح المصدر في العالم ما أخفق في فعله كل شيء آخر.

أصلِح المال، يَصلحِ العالم

في مجتمع البيتكوين يُقال: «أصلِح المال، يصلح العالم».

المال مجرد جزء واحد من المجتمع. لكنه جزء مهم للغاية، وفي نهاية المطاف إذا لم يتمكن الفلسطينيون من إصلاح أموالهم فلن يتمكنوا من إصلاح عالمهم.

في نهاية مكالمتي مع عقاب قال لي أن يأس كثير من الناس في غزة حملهم على بيع منازلهم مقابل البيتكوين، وكذلك المشاريع التجارية.  وقال: «أي مشروع في غزة محكوم عليه بالفشل، لذلك يفضل صاحب الأعمال بيعه على الاحتفاظ به».

وقال إن حساباتهم تقول لهم إن أسعار العقارات «ستبلغ الصفر»، في غزة، لذا فإن سيناريو أسوأ الحالات، وهو أن ينهار البيتكوين، «هو الحال القائمة عندنا».

أما إذا استمرّ البيتكوين في مساره التاريخ وازدادت قيمته أمام العملات الورقية، فإنه «سيفتح لنا أبواب الحرّيّة».

وقال، قبل أن ننهي المكالمة: «أنا أدّخر لأطفالي، سيكون البيتكوين تذكرتي للخروج من هنا».

Tagged : / / / /

محاربة الاستعمار المالي بالبيتكوين

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة: NoorSudan Hodl | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: يونيو 2021

لم تزل فرنسا تستعمل الاستعمار المالي لاستغلال خمسة عشر بلدًا إفريقيًّا، هل يشكّل البيتكوين المخرج؟

في خريف عام 1993، كانت عائلة الشاب فودي ديوب تدخر من أجل مستقبله. كان فودي شابًّا ذكيًّا يبلغ من العمر 18 عامًا يعيش في السنغال، أمامه طريق مشرق كلاعب كرة سلة ومهندس. ساعده والده المعلّم في المدرسة في العثور على الإلهام في أجهزة الكمبيوتر والتواصل مع العالم من حوله. وساعدته مواهبه الرياضية على الحصول على مِنَح دراسية في أوروبا والولايات المتحدة.

لكن عندما استيقظ صباح 12 يناير 1994، تغير كل شيء. بين ليلة وضحاها، فقدت عائلة فودي نصف مدخراتها. لم يكن السبب سرقةً أو سطوًا على البنوك أو إفلاس شركة ولكن بخسًا لقيمة العملة، فرضَتْه قوة أجنبية مقرها على بعد 5000 كيلومتر من السنغال.

في الليلة السابقة، التقى المسؤولون الفرنسيون مع المسؤولين الأفارقة في داكار لمناقشة مصير “فرنك مجتمع إفريقيا الفرنسي”، المعروف على نطاق واسع باسم الفرنك الإفريقي أو “سيفا” باختصار. طول حياة فودي، كان فرنك سيفا مربوطًا بالفرنك الفرنسي بمعدل 1 إلى 50، ولكن عندما انتهى الاجتماع في وقت متأخر من الليل، أُعلن في منتصف الليل أن القيمة الجديدة هي بمعدل 1 إلى 100.

المهزلة الوقحة هي أن المصير الاقتصادي لملايين السنغاليين كان خارج أيديهم تمامًا. وكان التخلص من الأسياد الاقتصاديين مستحيلًا تمامًا مهما زادت الاحتجاجات. لعقود طويلة، جاء رؤساء ومستعمرون وذهبوا، لكن الترتيب المالي الأساسي لم يتغير أبدًا. لم يكن النظام نظام عملة ورقية عاديًّا، بل كان أمكر وأشدّ غدرًا. كان نظام استعمار مالي.

آليّات نظام الفرنك الإفريقي

في الكتاب المنير للبصيرة، “آخر عملة استعمارية لإفريقيا: قصة الفرنك الإفريقي“، يروي الباحثان الاقتصاديان فاني بيجود وندونغو سامباسيلا التاريخ المأساوي، بل الصادم أحيانًا، للفرنك الإفريقي.

استعمرت فرنسا، مثل القوات الأوروبية الأخرى، العديد من الدول حول العالم في أوجها الإمبراطوري، بوحشية في كثير من الأحيان. بعد احتلال ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بدأ تفكك “الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية”. حارب الفرنسيون للحفاظ على مستعمراتهم، فخلّفوا جرّاء ذلك خسائر بشرية هائلة. على الرغم من سلسلة حروب عالمية مكلفة، فقدت الإمبراطورية الفرنسية الهند الصينية، ثم سوريا ولبنان، وفي النهاية، الأراضي الفرنسية في شمال إفريقيا، ومنها المستعمرة الاستيطانية الغنية بالنفط والغاز: الجزائر. لكن فرنسا كانت مصممة على ألا تفقد أراضيها في غرب إفريقيا ووسطها. فقد وفرت هذه القوى البشرية العسكرية خلال الحربين العالميتين وقدمت ثروة من الموارد الطبيعية كاليورانيوم والكاكاو والأخشاب والبوكسيت اغتنت بها العاصمة الفرنسية.

مع اقتراب عام 1960، أصبح إنهاء الاستعمار أمرًا لا مفر منه. توحدت أوروبا في فك ارتباطها بإفريقيا بعد سنين طويلة من النهب. لكن السلطات الفرنسية أدركت أن بإمكانها أكل الكعكة والاحتفاظ بها معًا، إذا هي تنازلت عن السيطرة السياسية وأبقت على السيطرة النقدية.

لا يزال هذا الميراث قائماً حتى اليوم في 15 دولة تستعمل اللغة الفرنسية وتستخدم عملة تسيطر عليها باريس: السنغال، مالي، ساحل العاج، غينيا بيساو، توغو، بنين، بوركينا فاسو، النيجر، الكاميرون، تشاد، الجمهورية الإفريقية الوسطى، الجابون، غينيا الاستوائية، وجمهورية الكونغو، وجزر القمر. في عام 2021، لا يزال الفرنسيون يمارسون السيطرة النقدية على أكثر من 2.5 مليون كيلومتر مربع من الأراضي الإفريقية، وهي مساحة تكافئ 80٪ من مساحة الهند.

بدأت فرنسا إنهاء الاستعمار رسميًا في عام 1956 عن طريق قانون “لا لوا كادر ديفير” (قانون الإصلاح)، وهو تشريع يمنح المستعمرات مزيدًا من الاستقلالية والحرية لإنشاء المؤسسات الديمقراطية وحقوق الاقتراع العام. وفي عام 1958، تم تعديل الدستور الفرنسي لتأسيس “لا كوميونيتي” (المجتمع): مجموعة مستقلة من أقاليم ما وراء البحار ذات الإدارة الديمقراطية. قام الرئيس شارل ديغول بجولة في المستعمرات في غرب ووسط إفريقيا لتخييرها بين حل الحكم الذاتي دون الاستقلال، من خلال “المجتمع” وبين الاستقلال التام الفوري. وأوضح أن الخيار الأول سيأتي بمنافع واستقرار، والخيار الثاني سيجرّ مخاطر وفوضى.

في عام 1960، كان عدد سكان فرنسا -وهو ٤٠ مليون نسمة- أكبر من عدد سكان دول مجتمع إفريقيا الفرنسي الخمس عشرة -وهو ٣٠ مليون نسمة-. أما اليوم، فيعيش 67 مليون نسمة في فرنسا و183 مليونًا في دول المجتمع. وحسب توقعات الأمم المتحدة، بحلول العام 2100، سيكون لدى فرنسا 74 مليون نسمة، ولدى دول المجتمع أكثر من 800 مليون. فإذا نظرنا إلى أن فرنسا لم تزل على رأس المصير المالي لهذه البلدان، رأينا أن الوضع شبيه بالفصل العنصري الاقتصادي.

كان الفرنك الإفريقي في أول أمره عام 1945، يساوي 1.7 فرنك فرنسي. في عام 1948، تم تعزيزه إلى 2 فرنك فرنسي. ولكن مع الوقت رُبط الفرنك الإفريقي باليورو في نهاية التسعينيات، فأصبح يساوي 0.01 فرنك فرنسي. وهو بَخْس إجمالي لقيمة العملة بنسبة 99.5٪. في كل مرة خفضت فيها فرنسا قيمة الفرنك الإفريقي، زادت قوتها الشرائية مقابل مستعمراتها السابقة، وزادت تكلفة استيراد السلع الحيوية عليهم. في عام 1992، استطاع الشعب الفرنسي التصويت على تبني اليورو من خلال استفتاء وطني. أما دول مجتمع إفريقيا الفرنسي فحُرمت من أي حق تصويت، واستُبعدت من المفاوضات التي رُبطت فيها أموالهم بعملة جديدة.

تطورت آلية المجتمع الفرنسي منذ إنشائه، لكن وظائفه الأساسية وطرائق استغلاله لم تتغير. يصف بيغود وسيلا هذه الوظائف والطرائق بـ “نظرية التبعية”، إذ “تُستنْزَف موارد الدول النامية المحيطية باستمرار لصالح الدول الغنية… ولا تستثمر الدول الغنية في الدول فقيرة الدخل لجعلها أكثر ثراءً … [هذا] الاستغلال تطور بمرور الوقت من أنظمة العبودية الوحشية إلى وسائل أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا للحفاظ على العبودية السياسية والاقتصادية “.

تخدم ثلاثة بنوك مركزية اليوم دول المجتمع الفرنسي الخمس عشرة: البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وبنك دول إفريقيا الوسطى (BEAC)، والبنك المركزي لجزر القمر (BCC). تحتفظ البنوك المركزية باحتياطات النقد الأجنبي (أي المدخرات الوطنية) للدول الفردية في منطقتها، التي يجب أن تُبقي على نسبة مذهلة تبلغ 50٪ لدى الخزانة الفرنسية. هذا الرقم، رغم ارتفاعه، هو نتيجة مفاوضات تاريخية. في الأصل، كان على المستعمرات السابقة الاحتفاظ بنسبة 100٪ من احتياطاتها في فرنسا، ثم في سبعينيات القرن الماضي، اكتسبت حق السيطرة على بعضها والتنازل عن 65٪ “فقط” لباريس. ليس لدول مجتمع إفريقيا الفرنسي أي سلطة على احتياطاتها المخزنة في الخارج. في الواقع، لا تعرف هذه الدول أصلًا كيف تنفَق أموالها. وفي الوقت نفسه، تعرف باريس بالتفصيل كيف تُنفَق أموال كل دولة من دول المجتمع الفرنسي حيث تدير “حسابات تشغيل” لكل بلد عن طريق البنوك المركزية الثلاثة.

على سبيل المثال عندما تبيع شركة من ساحل العاج قهوة قيمتها مليون دولار لمشتر صيني، يُبدَّل اليوان من المشتري باليورو في سوق العملات الفرنسية. ثم تستودع الخزانة الفرنسية اليورو وتضيف المبلغ بالفرنك الإفريقي إلى حساب الدين لساحل العاج في BCEAO، ثم تحول بعد ذلك إلى حساب صانع القهوة محليًا. كل الخطوات تمر عبر باريس. وفقًا لـ بيغود وسيلا، لا تزال فرنسا تصنع جميع العملات الورقية والعملات المعدنية المستخدمة في دول المجتمع الفرنسي، وتتقاضى 45 مليون يورو سنويًا مقابل الخدمة وهي أصلًا تمتلك 90 ٪ من احتياطي الذهب لهذه الدول، حوالي 36.5 طنًا.

يمنح نظام المجتمع الفرنسي خمس ميزات رئيسية للحكومة الفرنسية: مزيدًا من الاحتياطات تحت تصرفها، وأسواقًا كبيرة للصادرات الغالية و الواردات الرخيصة، وقدرةً على شراء المعادن الاستراتيجية بعملتها المحلية دون استنزاف احتياطاتها، وقروضًا ملائمة عندما تكون دول المجتمع الفرنسي في حالة ائتمان، ومعدلات فائدة مناسبة عندما تكون الدول مدينة (لفترات من التاريخ، تجاوز معدل التضخم الفرنسي معدل فائدة القرض، أي إن فرنسا كانت تجبر دول مجتمع إفريقيا الفرنسي على دفع رسوم لتخزين احتياطاتها في الخارج)، وأخيراً، القرض المزدوج، الذي تقترض بموجبه دولة من دول المجتمع الفرنسي أموالاً من فرنسا، وفي سعيها لاستعمال رأس المال، ليس أمامها خيار إلا أن تتعاقد مع شركات فرنسية بسبب ظروف الاقتصاد الكلي السيئة. فيعود أصل القرض إلى فرنسا على الفور ولكن الدولة الإفريقية تبقى مُثقلة بأصل الدين والفائدة.

هذا يؤدي إلى ظاهرة شبيهة بـ”إعادة تدوير البترودولار” (التي تحصل فيها المملكة العربية السعودية على دولارات من مبيعاتها النفطية، لتستثمرها مرة أخرى في سندات الخزانة الأمريكية)، حيث كان مصدرو دول المجتمع الفرنسي يبيعون المواد الخام لفرنسا تاريخيًا، ويجمع البنك المركزي الإقليمي جزءًا من العائدات ليستثمرها مرة أخرى في ديون البلد الأمّ من خلال ديون الحكومات الفرنسية أو الأوروبية اليوم. ثم عندنا الصرافة الانتقائية للفرنك الإفريقي. يمكن للشركات بسهولة بيع الفرنك الإفريقي مقابل اليورو اليوم (والفرنك الفرنسي سابقًا)، ولكن لا يمكن للمواطنين الذين يحملون الفرنك الإفريقي خارج منطقة البنك المركزي تصريفه رسميًا في أي مكان. فالفرنك تقريبًا عديم الفائدة مثله مثل الطوابع البريدية. فإذا أرادت مواطنة من ساحل العاج مغادرة بلدها، وجب عليها أوّلًا تصريف أموالها باليورو، لتختلس الخزانة الفرنسية والبنك المركزي الأوروبي منها أجر الصكّ من خلال سعر الصرف.

القمع النقدي هو أن فرنسا تجبر دول المجتمع الفرنسي على الاحتفاظ بكمية ضخمة من الاحتياطيات في الخزائن الباريسية، وهو ما يمنع الأفارقة من تأسيس ائتمان محلي. فتضطر البنوك المركزية المحلية الإفريقية إلى إقراض القليل جدًا بمعدلات عالية جدًا، بدلاً من إقراض المزيد بمعدلات منخفضة. فتجبر دول المجتمع الفرنسي على شراء الديون الفرنسية أو الأوروبية باحتياطاتها الاستراتيجية.

وأدهَش الأشياء هو مزيّة حق الرفض الأول على الواردات والصادرات. إذا كنت منتج قطن في مالي، فيجب عليك أولًا عرض بضائعك على فرنسا، قبل أن تذهب إلى الأسواق الدولية. أو إذا كنت في بنين وتريد بناء مشروع بنية تحتية جديد، فيجب أن تفكر في المناقصات الفرنسية قبل غيرها. كان هذا يعني تاريخيًّا أن فرنسا كانت قادرة على الوصول إلى سلع أرخص من السوق من مستعمراتها السابقة، وبيع سلعها وخدماتها بأسعار أعلى من السوق.

يسمي بيغود وسيلا هذه الظاهرة استمرار “الميثاق الاستعماري”، الذي قام على أربعة مبادئ أساسية: “منع المستعمرات من التصنيع، وإجبارها على تزويد البلد الأم (فرنسا) بالمواد الخام لكي تحولها إلى منتجات ثم تبيعها مرة أخرى للمستعمرات نفسها، حق البلد الأم (فرنسا) باحتكار الصادرات والواردات الاستعمارية وحقها أيضًا باحتكار شحن منتجات المستعمرات إلى الخارج، وأخيرًا، تفضيل البلد الأم لمنتجات المستعمرات”.

والنتيجة، حالةٌ “تتوفر فيها احتياطات القطع الأجنبي مع البنوك المركزية، وتدفَع عليها فوائد سلبية، فتحتفظ البنوك التجارية بسيولة زائدة، ويحصَّص الوصول إلى ائتمان المنازل والشركات، وتُلزَم فيها الدول بازدياد على الالتزام بديون بعملات أجنبية عليها نسب فائدة عالية لا يمكن دفعها، وهو ما يزيد هروب رؤوس الأموال أكثر.

اليوم، أصبح نظام المجتمع الفرنسي “إفريقيًا”، أي إن العملات الورقية المحلية تُظهر الثقافة الإفريقية ونباتات إفريقيا وحيواناتها، وتقع البنوك المركزية في داكار وياوندي وموروني ولكن هذه تغييرات سطحية. لا تزال الأوراق النقدية تُصنع في باريس، ولا تزال السلطات الفرنسية تدير حسابات التشغيل، ولا يزال المسؤولون الفرنسيون أعضاءً في مجالس الإدارة للبنوك المركزية المحلية ويملكون حق النقض (الفيتو). إنه وضع ملفت، يتخذ قرارات مواطن الغابون فيه موظّف فرنسي نيابة عنه. تمامًا كما لو كان لدى البنك المركزي الأوروبي أو الاحتياطي الفيدرالي مسؤولون من اليابان أو روسيا يقررون نيابة عن الأوروبيين والأمريكيين.

تاريخيا عمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتنسيق مع فرنسا لفرض نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي وقلّما انتقد طبيعته الاستغلالية. في الواقع، قضى نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية، الذي قاد فيه الأمريكيون البنك الدولي والأوروبيون صندوق النقد الدولي، بأن منصب المدير العام لصندوق النقد الدولي محجوز غالبًا لمسؤول فرنسي، وتشغله اليوم الفرنسية كريستين لاغارد. مع مرور السنين، ساعد صندوق النقد الدولي فرنسا في الضغط على دول مجتمع إفريقيا الفرنسي لمتابعة سياساتها. كان المثال البارز في أوائل التسعينيات، عندما رفض ساحل العاج تخفيض قيمة عملته، لكن أصر الفرنسيون على هذا ذلك. يقول بيغورد وسيلا: “في نهاية عام 1991، رفض صندوق النقد الدولي إقراض المال لساحل العاج، وعرض على البلد خيارين. فإما أن تسدد الدولة الديون المتعاقد عليها مع الصندوق وإما ان تقبل بتخفيض قيمة العملة “. وخضعت ساحل العاج ودول الاتحاد المالي الإفريقي الأخرى ووافقت على تخفيض قيمة العملة بعد ثلاث سنوات.

دعمُ المسؤولون الفرنسيون gلطغاة في دول المجتمع الفرنسي على مدى العقود الستة الماضية مناقضةٌ للقيم المدنية التي بنيت عليها فرنسا: “الحرية، والمساواة، والإخاء”. على سبيل المثال، قضى ثلاثة طغاة -هم عمر بونغو في الغابون، وبول بيا في الكاميرون، وغناسينغبي إياديما في توغو- 120 عامًا في السلطة مجتمعين. كانت شعوبهم تريد طردهم من مناصبهم لو لم يقدم الفرنسيون المال والأسلحة والغطاء الدبلوماسي لهم. ذكر بيغورد وسيلا أن باريس في 1960 و1991، “نفذت ما يقرب من 40 تدخلاً عسكريًا في 16 دولة للدفاع عن مصالحها”. هذا الرقم هو بالتأكيد أعلى اليوم.

بمرور الوقت، سمح نظام المجتمع الفرنسي لفرنسا باستغلال موارد وعمالة دول المجتمع الفرنسي ومنع تراكم رأس المال وتطوير الاقتصاد ونمو الصادرات. هذا سبب كارثه على التنمية البشرية.

اليوم يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم في ساحل العاج (بالدولار) حوالي 1700 دولار، مقارنة بـ 2500 دولار في أواخر السبعينيات. في السنغال، لم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم المرتفعات التي بلغها في الستينيات حتى عام 2017. كما لاحظ بيغورد وسيلا، “سجلت 10 ولايات في منطقة الفرنك أعلى مستوياتها من متوسط ​​الدخل قبل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في الأربعين سنة الماضية، تدهور متوسط ​​القوة الشرائية في كل مكان تقريبًا. في الغابون، تم تسجيل أعلى متوسط ​​دخل في عام 1976، أقل بقليل من 20000 دولار. بعد أربعين عامًا، تقلص الى النصف. انضمت غينيا بيساو إلى [نظام المجتمع الفرنسي] في عام 1997، وهو العام الذي سجلت فيه ذروة متوسط ​​دخلها. بعد 19 عامًا، انخفض بنسبة 20٪ “.

تعتبر الأمم المتحدة أن دول المجتمع الفرنسي العشر من الدول “الأقل نمواً”، إلى جانب دول مثل هايتي واليمن وأفغانستان. في تصنيفات دولية مختلفة، صُنّفت النيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وغينيا بيساو من أفقر البلدان في العالم. تحتفظ فرنسا بنسخة متطرفة مما سماه ألين فارينجتون “منجم سلب رؤوس الأموال“.

لخص السياسي السنغالي أمادو لامين غيي نظام المجتمع الفرنسي بأنه نظام على المواطنين فيه “واجبات فقط وليس لهم حقوق”، وأن “مهمة الأراضي المستعمَرة هي الإنتاج الكثير، وإنتاج ما يتجاوز احتياجاتهم الخاصة، والإنتاج على حسابهم. من أجل رفع المستوى المعيشي لفرنسا وتأمين الإمدادات لها”. بالطبع، تقاوم فرنسا هذا الوصف وترفضه. كما قال وزير الاقتصاد الفرنسي ميشيل سابين في أبريل 2017، “فرنسا موجودة هناك كصديق”.

قد يسأل القارئ: هل تقاوم الدول الإفريقية هذا الاستغلال؟ الجواب هو نعم، لكنهم يدفعون ثمناً باهظاً. أدرك القادة القوميون الأوائل من حقبة الاستقلال الإفريقي القيمة الحاسمة للحرية الاقتصادية.

صرّح كوامي نكروما في عام 1963: “ليس الاستقلال سوى مقدمة لنضال جديد وأكثر تعقيدًا من أجل الحق في إدارة شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية [..] دون عائق من سحق وإهانة السيطرة والتدخل الاستعماري الجديد”. الحركة التي جعلت من غانا أول دولة مستقلة في إفريقيا جنوب الصحراء. لكن على مدار تاريخ منطقة المجتمع الفرنسي كان تصرف القادة الوطنيين الذين واجهوا السلطات الفرنسية سيّئًا.

في عام 1958 حاولت غينيا المطالبة باستقلالها النقدي. في خطاب شهير، قال القومي المشاغب سيكو توري لشارل ديغول الزائر: “نفضل الفقر في الحرية على البذخ في العبودية”، وبعد فترة قليله غادر نظام المجتمع الفرنسي. وفقًا للواشنطن بوست، “ردًّا على الانسحاب، وتحذيرًا للمناطق الأخرى الناطقة بالفرنسية، انسحب الفرنسيون من غينيا خلال فترة شهرين، وأخذوا معهم كل ما في وسعهم. فكّوا مصابيح الكهرباء، وأزالوا مخططات خطوط أنابيب الصرف الصحي في العاصمة كوناكري، وأحرقوا الأدوية لئلا يتركوها للغينيين “.

 ثم أطلق الفرنسيون عملية برسيل  الانتقامية لزعزعة الاستقرار، حيث قامت المخابرات الفرنسية وفقًا لبيغورد وسيلا بتزوير كميات ضخمة من الأوراق النقدية الغينية الجديدة ثم سكبها سكبًا جماعيًّا في البلاد.  وهو ما سبب “انهيار الاقتصاد الغيني”. تحطمت آمال البلاد الديمقراطية ومواردها المالية، وتمكن توري من ترسيخ سلطته في الفوضى وبدء حكمه الوحشي الذي طال 26 عامًا.

في يونيو 1962 ، أعلن زعيم الاستقلال المالي موديبو كيتا أن مالي ستغادر المجتمع الفرنسي لسك عملتها الخاصة. وأوضح كيتا بالتفصيل أسباب هذه الخطوة، مثل التبعية الاقتصادية المفرطة (80٪ من واردات مالي تأتي من فرنسا)، وتركيز سلطات اتخاذ القرار في باريس، وتوقف التنويع الاقتصادي والنمو.

وقال عن الوضع الحالي “صحيح أن رياح إنهاء الاستعمار قد مرت على الصرح القديم ولكنها لم تهزه كثيرا”. رداً على ذلك، جعلت الحكومة الفرنسية الفرنك المالي غير قابل للصرف. فجرّ ذلك أزمة اقتصادية عميقة، وأطيح بكيتا في انقلاب عسكري في عام 1968. فاختارت مالي العودة للمجتمع الفرنسي لكن الفرنسيين فرضوا تخفيضين لقيمة الفرنك المالي شرطًا للرجوع، ولم يسمحوا بالعودة مرة أخرى. حتى 1984.

في عام 1969، طلب الرئيس حماني ديوري النيجري ترتيبًا أكثر “مرونة”، لتتمتع بلاده باستقلال نقدي أكبر، لكن الفرنسيين رفضوا. وهددوه بوقف دفع ثمن اليورانيوم الذي كانوا يحصدونه من مناجم الصحراء، الذي يمنح فرنسا الاستقلال في مجال الطاقة من خلال الطاقة النووية. بعد ست سنوات، أطاح الجنرال سين كونتشي بحكومة ديوري، قبل ثلاثة أيام من الاجتماع المخطط لإعادة التفاوض لسعر اليورانيوم النيجيري. أراد ديوري رفع الثمن، لكن السادة المستعمرين اختلفوا معه. كان الجيش الفرنسي متمركزًا في مكان قريب أثناء الانقلاب، لكنه، كما ذكر بيغود وسيلا، لم يحرك ساكنًا.

في عام 1985، سُئل القائد العسكري الثوري توماس سانكارا من بوركينا فاسو في مقابلة، “هل الفرنك الإفريقي سلاح للهيمنة على إفريقيا؟ هل تخطط بوركينا فاسو لمواصلة تحمل هذا العبء؟ لماذا يحتاج الفلاح الإفريقي في قريته إلى عملة قابلة للصرف؟ ” أجاب سنكارا: “لا يهم الفلاح الإفريقي إذا كانت عملته قابلة للصرف أو لا، فقد انغمس ضد إرادته في نظام اقتصادي لا حول له ولا قوة ضده “.

اغتيل سانكارا بعد ذلك بعامين على يد صديقه المقرب والثاني في القيادة، بليز كومباوري. لم تعقد محاكمة للتحقيق عن الجريمة. بل استولى كومباوري على السلطة والحكم حتى عام 2014، وكان خادمًا مخلصًا ووحشيًا لنظام المجتمع الفرنسي.

نضال فريدة نامبوريما في سبيل الحرية المالية التوغولية

في كانون الأول (ديسمبر) 1962، قرر أول زعيم توغولي بعد الاستعمار سيلفانوس أوليمبيو إنشاء بنك توغو المركزي والفرنك التوغولي. لكن في صباح يوم 13 يناير / كانون الثاني 1963، قبل أيام من اقترابه من هذا الانتقال، قُتل برصاص جنود توغوليين كانوا قد تدربوا في فرنسا. كان نياسيجبي إياديما أحد الجنود الذين ارتكبوا الجريمة. استولى لاحقًا على السلطة وأصبح دكتاتور توغو بدعم فرنسي كامل، وحكم لأكثر من خمسة عقود وروج للفرنك الإفريقي حتى وفاته في 2005. ابنه يحكم حتى يومنا هذا. لم يحكَم في قضية جريمة قتل أوليمبيو.

لطالما شاركت عائلة فريدة نابوريما في النضال من أجل حقوق الإنسان في توغو. كان والدها زعيما نشطا للمعارضة وقبض عليه وأصبح سجينًا سياسيًّا. كان معارضًا للفرنسيين خلال الحقبة الاستعمارية. اليوم، فريدة شخصية بارزة في الحركة الديمقراطية في البلاد.

كانت فريدة تبلغ من العمر 15 عامًا عندما علمت أن تاريخ دكتاتورية توغو متشابك مع الفرنك الإفريقي. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت قد بدأت في مساءلة والدها، وطرحت عليه أسئلة حول تاريخ بلدها. فاستفسرت من أبيها “لماذا اغتيل رئيسنا الأول بعد سنوات قليلة من استقلالنا؟”.

فأجابها والدها: “لأنه قاوم الفرنك الإفريقي”

في عام 1962، بدأ أولمبيو التحرك نحو الاستقلال المالي والانقسام عن فرنسا. صوت البرلمان لصالح هذا التحول، وإنشاء فرنك توغولي والاحتفاظ بالاحتياطات في البنك المركزي الخاص بهم. صُدمت فريدة عندما علمت أن أوليمبيو اغتيل قبل يومين فقط من موعد مغادرة توغو للمجتمع الفرنسي. على حد تعبيرها: “اعتُبر قراره بالسعي إلى الحرية النقدية إهانة للهيمنة في إفريقيا الفرنكوفونية. كانوا خائفين من أن يتبعهم الآخرون “.

 في يومنا هذه تقول فريدة إن نظام المجتمع الفرنسي هو السبب الرئيس للسعي إلى الحرية، بالنسبة إلى كثير من النشطاء في توغو، “هذا ما يحرّك الكثيرين في المعارضة”.

الأسباب واضحة. قالت فريدة إن فرنسا تحتفظ بأكثر من نصف احتياطيات توغو في بنوكها، حيث لا يتمتع شعب توغو بأي رقابة على كيفية إنفاق هذه الاحتياطيات. في كثير من الأحيان، يتم استخدام هذه الاحتياطيات، التي يكسبها التوغوليون، لشراء الديون الفرنسية لتمويل أنشطة الشعب الفرنسي. غالبًا ما يتم إقراض هذه الأموال للسيادة الاستعمارية بعائد حقيقي سلبي. يدفع التوغوليون لباريس مقابل الاحتفاظ بأموالهم من أجلهم، وفي ذات الوقت يمولون المستويات المعيشية للشعب الفرنسي.

في عام 1994، أثر على التوغوليين بشدة بخس العملة الذي سرق مدخرات عائلة فودي ديوب في السنغال، لأنه سبب زيادة هائلة للدين الوطني، وخفض التمويل العام للبنية التحتية المحلية ومحاربة الفقر.

قالت فريدة: “تذكر، إن حكومتنا مجبرة على منح الأولوية للاحتفاظ باحتياطاتنا في البنك الفرنسي على الإنفاق في بلادنا، لذلك عندما تأتي أزمة، علينا أن نحط من قدر أنفسنا، لضمان وجود مبلغ مناسب من النقد في أيدي الباريسيين. “

هذا يخلق مناخًا من التبعية حيث يضطر التوغوليون إلى شحن المواد الخام إلى الخارج وإحضار السلع التامة الصنع دون حفر طريقها المستقل.

قالت فريدة إنه منذ حوالي 10 سنوات، اكتسبت الحركة المناهضة للمجتمع الفرنسي مزيدًا من الدعم. بفضل الهواتف الجوالة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمكن الناس من الاتحاد والتنظيم بطريقة لامركزية. قالت إنها اعتادت أن يكون سكان ساحل العاج والتوغو يكافحون بشكل منفصل، لكن الآن هناك جهد إقليمي بين النشطاء.

لسنوات طويله ظهرت فكرة العملة “البيئية” لجميع دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، من ضمنها القوات الاقتصادية الإقليمية نيجيريا وغانا. قالت فريدة إن الفرنسيين حاولوا اختطاف هذه الخطة، وجعلوها وسيلة لتوسيع إمبراطوريتهم المالية. في عام 2013، شكل الرئيس آنذاك فرانسوا هولاند لجنة أنشأت وثيقة للمستقبل الفرنسي في إفريقيا. وذُكر في هذه اللجنة أنه من الضروري إشراك البلدان الناطقة بالإنجليزية مثل غانا.

تحاول إدارة إيمانويل ماكرون الآن إعادة تسمية الفرنك الإفريقي إلى الإيكو (BCEAO)، في عملية مستمرة لصبغ النظام الاستعماري المالي الفرنسية بصبغة إفريقية. تراجعت نيجيريا وغانا عن مشروع Eco، لأنهم أدركوا أن الفرنسيين سيستمرون في السيطرة. لم يحدث شيء رسمي حتى الآن، ولكن البلدان التي يديرها حاليًا البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO) تسير على الطريق الصحيح للتحول إلى هذه العملة الاقتصادية بحلول عام 2027. سيظل لدى الفرنسيين قدرة اتخاذ القرار، ولا توجد أي خطط رسمية لتقويم المصرفية المركزية في دول المجتمع الفرنسي أو في جزر القمر.

قالت فريدة: “إنها قمة النفاق من قبل القادة الفرنسيين مثل ماكرون أن يذهبوا إلى مؤتمرات دافوس ويقولوا إنهم أنهوا الاستعمار، وهم في الحقيقة يحاولون توسيعه”.

وقالت إنه في الأصل تم إنشاء الفرنك الإفريقي على أساس خطة العملة المستخدمة من قبل المحتلين النازيين لفرنسا. خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأت ألمانيا عملة وطنية للمستعمرات الفرنسية حتى تتمكن بسهولة من التحكم في الواردات والصادرات باستخدام رافعة مالية واحدة فقط. عندما انتهت الحرب واستعاد الفرنسيون حريتهم قرروا استخدام نفس النموذج تمامًا لمستعمراتهم. لذلك، قالت فريدة، إن أساس الفرنك الإفريقي هو حقًا أساس نازي.

إنه نظام عبقري شرير، تمكن به الفرنسيون مع مرور الوقت من طباعة النقود لشراء سلع حيوية من مستعمراتهم السابقة، لكن يتعين على تلك البلدان الإفريقية العمل لكسب الاحتياطيات المالية.

قالت فريدة: “هذا ليس عدلاً، إنه ليس استقلالاً”. “إنه استغلال تام.”

تدّعي فرنسا أن النظام جيّد لأنه يوفّر استقرارًا وتضخّمًا قليلًا وقابلية للتحويل للشعب التوغولي. لكن قابلية التحويل هذه لا تسهّل إلا هروب رأس المال، لأنها تسهّل على الشركات الخروج من المجتمع الفرنسي وحفظ أرباحهم باليورو، وفي الوقت نفسه توقع توغو في نظام قائم على أجر الصك. فحالما يحوّل الفرنك الإفريقي –ولا بد أن يحول، إذ لا يمكن استعماله خارج المنطقة الاقتصادية للمواطن- يأخذ الفرنسيون والأوروبيون حصتهم.

قالت فريدة إن التضخم في توغو منخفض فعلًا عنه في الدول المستقلة لكن الكثير من أرباحها تستعمل لمحاربة التضخم بدلاً من دعم البنية التحتية ونمو الصناعة في الداخل. وأشارت إلى نمو غانا التي تتمتع بسياسة نقدية مستقلة وتضخم كان أعلى بمرور الوقت من دول المجتمع الفرنسي مقارنة بتوغو. دولة غانا متفوقة بأي مقياس من حيث الرعاية الصحية، نمو الطبقة الوسطى والبطالة. في الواقع عندما تكبر الصورة قالت فريدة إنه لا توجد دولة واحدة من دول المجتمع الفرنسي من بين أغنى 10 دول في إفريقيا. أما أفقر 10 دول فنصفها من هذا المجتمع.

تقول فريدة إن الاستعمار الفرنسي يتجاوز المال إلى التعليم والثقافة. وقالت على سبيل المثال، يقدم البنك الدولي 130 مليون دولار سنويًا لدعم البلدان الناطقة باللغة الفرنسية لدفع ثمن كتب المدارس العامة. تقول فريدة إن 90٪ من هذه الكتب مطبوعة في فرنسا. تذهب الأموال مباشرة من البنك الدولي إلى باريس وليس إلى توغو أو إلى أي دولة إفريقية أخرى. قالت فريدة إن الكتب هي أدوات لغسيل المخ. إنهم يركزون على مجد الثقافة الفرنسية، ويقوضون إنجازات الدول الأخرى، سواء كانت أمريكية أو آسيوية أو إفريقية.

في المدرسة الثانوية، سألت فريدة والدها: “هل يستخدم الناس أي لغة أخرى غير الفرنسية في أوروبا؟” فضحك والدها. لقد تعلموا فقط التاريخ الفرنسي والمخترعين الفرنسيين والفلاسفة الفرنسيين. نشأت وهي تفكر أن الأذكياء الوحيدين هم فرنسيون. لم تقرأ قط كتابًا أمريكيًا أو بريطانيًا قبل سفرها إلى الخارج لأول مرة.

بشكل عام، قالت فريدة إن إفريقيا الفرنسية تستهلك 80٪ من الكتب التي تطبعها فرنسا. يريد الرئيس ماكرون التوسع في هذه الهيمنة ، ووعد بإنفاق مئات الملايين من اليورو لتعزيز الفرنسية في إفريقيا ، معلناً أنها يمكن أن تكون “اللغة الأولى” للقارة ووصفها “بلغة الحرية”. بالاتجاهات الحالية، عند حلول عام 2050، يمكن أن يعيش 85 ٪ من جميع المتحدثين باللغة الفرنسية في إفريقيا. اللغة هي أحد دعائم بقاء الفرنك الإفريقي.

السياسة شيء آخر. جزء مهم من نظام مجتمع إفريقيا الفرنسي هو الدعم الفرنسي للديكتاتورية. باستثناء السنغال، لم تشهد أي دولة من دول الاتحاد المالي الإفريقي على الإطلاق عملية ديمقراطية حقيقية. قالت فريدة إن كل طاغية ناجح في إفريقيا الفرنكوفونية يتمتع بدعم كامل من الدولة الفرنسية. كلما حدث انقلاب على الديمقراطية، فإن الفرنسيين يدعمون الانقلابيين ما داموا يؤيدون مجتمع إفريقيا الفرنسي. لكن في اللحظة التي يكون فيها لأي شخص ميول معادية للفرنسيين، ترى عقوبات أو تهديدات أو حتى اغتيالات.

تشير فريدة إلى مثال تشاد ومالي اليوم. كلا البلدين تحت تهديد الإرهاب والتمرد. في تشاد، دعمت فرنسا الدكتاتور العسكري الراحل إدريس ديبي لمدة ثلاثة عقود حتى وفاته في أبريل. وفقًا للدستور التشادي، يكون رئيس البرلمان التالي في الترتيب ليكون رئيس الدولة، ولكن نصب الجيش ابن ديبي، وهو جنرال في الجيش. أشادت الحكومة الفرنسية بهذا الانتقال غير القانوني، حتى أن الرئيس ماكرون زار تشاد قبل شهرين للاحتفال بهذا الانتقال الوهمي. وفي خطاب تكريم، وصف ديبي بـ”الصديق” و “الجندي الشجاع” وقال: “لن تسمح فرنسا لأي شخص أن يشكك أو يهدد استقرار تشاد وسلامته اليوم أو غدًا”. الابن، بالطبع، سيروج للفرنك الإفريقي.

من ناحية أخرى، قالت فريدة إن مالي تعرضت لانقلاب بعد شهر من الانقلاب في تشاد. المجلس العسكري والسكان ليسوا ودودين مع باريس ويبدو أنهم يسعون لروسيا كشريك جديد لإعاقة الإرهاب.  وصفت الحكومة الفرنسية الانقلاب بأنه “غير مقبول”، وهددت بسحب القوات من مالي “لتركهم وحدهم مع الإرهابيين” حسب رواية فريدة. تعاقب فرنسا مالي لارتكابها نفس الشيء الذي فعلته تشاد. هناك استبداد وفساد من الجانبين. الاختلاف الوحيد هو أن مالي أرادت الابتعاد عن السيطرة النقدية الفرنسية، بينما لا تزال تشاد تتعاون.

قالت فريدة: “عندما تكون دكتاتورًا، إذا كنت تعمل لصالح فرنسا، فإنهم يواصلون البحث عن الأعذار لمساعدتك للبقاء في السلطة”. لقد فعلوا نفس الشيء في بلدها توغو في عام 2005، مما أدى إلى تولي ولي العهد للسلطة من بعد أبيه الدكتاتور، ومن ثم إلى صحوتها السياسية.

فودي ديوب في مهمة لجلب البيتكوين إلى السنغال

لم ‏يستطع فودي ديوب أن ‏ينظر إلى وطنه السنغال من الخارج إلى أن جاءت فرصة سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في البداية كان انخفاض قيمة العملة مقابل الفرنك في العام ١٩٩٤ مهددًا لمستقبله الأكاديمي. أتيحت له الفرصة أن يدرس ويلعب كرة السلة في جامعة كنساس، ولكن مدخرات أسرته كانت مدمرّة بالكامل. لحسن حظه كان أمام أسرته خيار آخر، فقد كان لوالده حقوق طبع في مواد تعليمية كان قد أعدّها من قبل، كان بإمكان والده أن يستدين بعض المال مقابلها لسد حاجة ابنه المال وليمكنه من الدراسة.

في يوم ما بعد عدة سنوات مضت وبعد تخرجه من الجامعة وبينما كان فودي يعيش في أمريكا وكان وقتها يهم بإعداد فيديو جديد مع أخيه وجد ڤيديو على اليوتيوب للدكتور شيخ أنتا ديوب العالم والمؤرخ السنغالي وكان يتحدث فيه عن المال واللغة وكيف أن الإثنين قد يكونان أدوات للتحكم بعقول البشر وطريقة حياتهم.

كان فودي قد سمع باسم ديوب من قبل – أكبر جامعة في السنغال مسماة باسمه – ولكنه لم يستمع إلى حديثه ونقده لنظام فرنك المجموعة الإفريقية الفرنسية لقد أثر فيه هذا الطرح بشدة لدرجة أنه وصفها بأنها كانت لحظة كاللحظة في فلم “The matrix” الذي كان أحد أفلامه المفضلة عندما أختار (نيو) أن يأخذ الحبة الحمراء من (مورفيوس) ويخرج من كبسولته إلى العالم الحقيقي. أخيراً أصبح قادرًا على رؤية الأشياء تمامًا على حقيقتها.

” لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي بدأت أفكر فيها بنفسي” يقول فودي، “المرة الأولى التي لاحظت فيها أن عملة بلدي نفسها هي آلية للتسلط؟

 يعتقد فودا أن الأمر أكبر من مجرّد تحكم في العملة. فالفرنسيون لديهم كل البيانات، لأنهم هم الذين يطبعون ويتحكمون بالمال من خلال حساباتهم التشغيلية.

” لقد كانوا يعرفون تماماً ما الذي يحدث في كل البلدان. يعرفون تماماً من الفاسد. يعلمون تماماً من الذي كان يشتري العقارات في فرنسا. يعلمون ما المتوفر بالداخل بل لديهم الحق في قبول أو رفض أولويات الاستيراد التفضيلي. لقد كانت لديهم هيمنة كاملة” يقول فودي

سيتذكر في وقت لاحق خفض قيمة العملة في عام ١٩٩٤. وقتها كان عمره ١٨ عاماً فقط ولم يكن يستوعب تماماً ما حدث سوى أن وضع أسرته المادي أصبح أسوأ من قبل.

“كأنهم وضعوا كيسًا حول رأسك لكيلا ترى الحقيقة”

لكن بالعودة إلى الوراء نجد أن جزءًا كبيرًا من النقاش العام كان هذا الأمر. لقد فهم الناس ما يدور عندما حاولوا أن يحولوا عملتهم إلى الفرنك الفرنسي ووجدوا أنهم يحصلون فقط على نصف قيمة المبلغ رغم أنهم كانوا يؤدون نفس كمية العمل، التفسير من الجانب الفرنسي يقول فودي، هو جعل الصادر أرخص من قبل لكي يشجعوا الدول الإفريقية على الإنتاج. ولكن فودي يرى ذلك بشكل مختلف وكأن الجلاد الفرنسي يلهب ظهر الشعب ليشتري بضاعته بسعر أرخص.

ما زال أمام فودي “حبّتان حمراوان” الأولى منهما حدثت في عام ٢٠٠٧، عندما كان يعمل في لاس ڤيغاس في مجال التكنولوجيا. كان قد شاهد ڤيديو لستيڤ جوب الذي كان لتوّه قد أعلن عن آيفون للعالم. كان ذلك أمراً مذهلاً بالنسبة لفودي. ذلك الهاتف المحمول كان يشتغل بمجرد اللمس وجعل الكمبيوتر نفسه موجودًا في جيبك. لقد أدرك لحظتها أن ذلك سيغير العالم. أما ما فكر فيه لاحقًا هو: هل يمكن إدماج نظام الدفع في تطبيقات الآيفون ليمكن ذلك الأشخاص الذين ليس لديهم حسابات بنكية أو بطاقات ائتمانية من استخدامه كطريقة لتحويل الأموال؟

أما الحبة الحمراء الأخيرة فكانت عندما كان فودا يتعلم عن البيتكوين في عام ٢٠١٠. كان وقتها يعيش في لوس انجلوس عندما قرأ الورقة البيضاء التي كتبها ساتوشي ناكاموتو بعنون (بيتكوين نظام نقدي إلكتروني من نظير إلى نظير) حينها فكر فودي للمرة الأولى أن بيده سلاحًا ليدافع عن نفسه ضد القمع المالي والكولونيالية. مال يتحكم فيه الشعب وليس الحكومة. (هذا تماماً ما أحتاج إليه) فكر فودا بينه وبين نفسه.

قبل عدة سنوات قرأ فودي كتاباً بعنوان (خارج عن السيطرة) للكاتب كيڤن كيلي. في أحد أجزائه يتحدث الكتاب عن العملات الإلكترونية. لقد استوعب فودي أن جميع أشكال المال ستتحول إلى العالم الرقمي كجزء من تغير عالمي باتجاه الثورة الرقمية. لكنه لم يكن يدرك بعد كيف ستعيد هذه العملات تشكيل العالم إلا بعد أن عرف البيتكوين.

(ما هو المال؟ ومن أين يأتي؟ البيتكوين جعلني أطرح على نفسي هذه الأسئلة وأبحث لها عن إجابة. ولكن حتى ظهور البيتكوين لم أسائل مثل هذه الأسئلة قطّ)

“ربما يوما -فكر فودي – يوما ما لن يكون بإمكان فرنسا أن تتحكم في مال الشعب السنغالي أو تطبعه”

في السنين اللاحقة كان فودي وزميله في السكن في مدينة لاس فيغاس مستيقظين حتى وقت متأخر يفكران في هذه الفرضية وكيف أن البيتكوين سيجعل عمليات الدفع والتوفير بل العديد من الأنشطة الاقتصادية ممكنة. كان قد تعلم وقتها عن نظام الفيزا كارد وكيف أنه يظهر بياناتك الشخصية في كل مرة تستخدمه وكيف يمكن لطرف ثالث الاستفادة من هذه المعلومات.

يعتقد فودي أن الزواج بين البيتكوين والهواتف الذكية سيكون أمراً مذهلاً وسيكون أداة فعالة لتمكين الفرد. في كل مرة كان يعود فيها فودي إلى السنغال كان يحمل معه عدة هواتف ذكية محمولة ويعطيها لأصدقائه كهدايا لأنه كان يرى أهمية اتصالهم بالعالم الخارجي.

في السنوات التالية كان فودي قد عمل في عدة شركات تنشط في مجال رقمنة جوانب الحياة المختلفة. في العالم ٢٠١٧ ترك لاس فيغاس خلفه وتوجه نحو سان فرانسيسكو وانضم إلى معسكر لبرمجة الكمبيوتر كمهندس كمبيوتر. في البداية كان مهتماً بكل العملات الرقمية ككل لكنه فيما بعد تخلى عن شغفه بإيثيريوم مباشرة بعد عودته من سمنار في سان فرانسيسكو مع مؤسس شركة River أليكس ليشمان Alex Leishman. كان وقتها قد قابل العديد من مبرمجي شبكة البيتكوين والمستخدمين المبكرين لشبكة البرق.

‏ ‏في عام ٢٠١٩ فاز فودي بهاكاثون النقل عندما صنع إيصالاً على شبكة البرق قادراً على فتح سيارة تسلا. كان ذلك دافعاً كبيرا له وعزز ثقته بنفسه وإيمانه بأنه يستطيع تغيير العالم للأفضل. بعدها اتخذ قراره بالعودة إلى السنغال لنشر المعلومات وتعريف الناس بالبيتكوين. في طريق عودته تم منحه منحة ‏لحضور مؤتمر lightening في برلين، الذي أقامته المديرة التنفيذية لمؤسسة Lightning Labs إليزابيث ستارك. هنالك قابل فودي ريتشارد مايرز من GoTenna والمبرمج Will Clark الذي كان ينشط في مجال محاربة الرقابة التعسفية على الانترنت من خلال تقنية الشبكات المتداخلة (mesh networks). كان تفكير فودي أن شبكة الاتصالات في السنغال تتحكم بها شركة أورانج الفرنسية وفكر أنه ربما ما يكون للبيتكوين وشبكة lightening دور في كسر هذه الهيمنة في حال قررت هذه الشركة قطع الانترنت. 

تتحكم فرنسا بمنافذ اتصال السنغال بالإنترنت وتستطيع إغلاقها في حالة انتفاض الشعب ضد قائد البلاد الذي ستقف فرنسا إلى جانبه ما دام ملتزما بنظام المجتمع الفرنسي. ولكن ما زال هنالك ضوء في آخر النفق المظلم كما يقول فودي من خلال جهات أخرى بإمكانها توفير الإنترنت. بإمكانهم على سبيل المثال استخدام شبكات دول أخرى وحتى الاتصال عبر الأقمار الصناعية. قام فودي بصنع صندوق بإمكانه التقاط مختلف هذه الإشارات وكان بإمكانه إدخال الهواتف المحمولة بداخله مما يجعل مستخدميها متصلين بالإنترنت. ليشجع الآخرين للعمل بالمثل كان بإمكانه أن يدفع لهم من خلال البيتكوين. لتوجيه البيانات وصيانة الصندوق كان يدفع لهم من خلال شبكة lightening وهذا ما ينشط فيه فودي حتى يومنا هذا!

“إنه أمر في غاية الخطورة” يكمل فودي

“بإمكانهم إلقاؤك في السجن أو تغريمك لكن بوجود الحافز المالي يتقبل الناس مثل هذه المخاطر “

في المرة المقبلة عندما تقطع شركة أورانج الاتصال بالإنترنت لكي تحمي الحكومة سيكون لدى الناس وسيلة جديدة للتواصل وسيكون من المستحيل على النظام السياسي إيقافهم. 

“شبكة البرق هي كل شيء “يؤكد فودي

“نحتاج وسيلة دفع فورية، لا يمكننا استخدام الشبكة الأم بسبب الرسوم لأنها مكلفة! نحتاج أن نستخدم شبكة البرق، ليس هنالك خيار آخر، وهي فعالة”.

هذا أمر يتخذ أهمية خاصة في مجال الحوالات، وهي بحسب البنك الدولي مصدر أساسي من مصادر الناتج المحلي الإجمالي لدول منطقة مجتمع إفريقيا الفرنسي.  على سبيل المثال هنالك ١٤,٥٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي للكاميرونيين تأتي من الحوالات. في السنغال هذا الرقم حوالي ١٠،٧٪؜ وفي غينيا بيساو حوالي ٩،٨٪؜ وفي توغو ٨،٤٪؜ وفي مالي ٦٪؜ وبافتراض أن معدل التحويلات إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء حوالي ٢٠٠ دولار فالرقم سيكون حوالي ٨٪؜ أما إذا افترضنا أنه ٥٠٠ دولار فالنسبة ترتفع إلى ٩٪؜ وبافتراض أننا استخدمنا خدمة حوالات مبنية على شبكة البيتكوين (مثل خدمة strike) فذلك سيقلل من رسوم التحويل إلى أقل من ١٪؜ في أي نقطة بين ١٪؜ و٠،٥٪؜ يمكن إنقاذ معدل الانتاج المحلي لدول المجتمع الفرنسي من خلال تبني معيار البيتكوين. إذا نظرنا عن بعد نجد أن هنالك حوالي ٧٠٠ بليون دولار ترسل كتحويلات عالمياً. بين ٣٠-٤٠ بليون دولار يمكن انقاذها وهو نفس الرقم الذي تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية على ملف المعونات الخارجية.

فودي يتفهم تماماً لماذا ينظر الغرب إلى البيتكوين بتشكك. ” عندما يكون بإمكانك استخدام تطبيقات مثل Venmo وCash app ربما ليس بإمكانك أن ترى أهمية البيتكوين فأنت لديك كل وسائل الرفاهية التي يتيحها النظام المالي الحديث الذي تستعمله ولكن عندما تذهب إلى السنغال حيث أكثر من ٧٠٪؜ من السكان لم يدخلوا أي بنك في حياتهم وأمك لم تسمع من قبل بالبطاقة الائتمانية فكيف لهم أن يشاركوا في نظام مالي عالمي؟ “

يؤكد فودي أن الزواج بين الهواتف الذكية والبيتكوين سيحرر الناس ويغير المجتمع للأفضل. ثم يشير إلى  كتاب  “The Mobile Wave,”الذي قام بتأليفه مايكل سايلور المدير التنفيذي لشركة مايكروستراتيجي عن ثورة الهواتف المحمولة بأنه أمر مشابه و ملحوظ  جداً! عندما استخدم فودي جهاز الآيفون لأول مرة عرف مباشرةً أن هذا بانتظاره! وكأن الكون كله كان يمهد لهذه اللحظة. في خلال سنوات قليلة كان فودي شاهداً على وصول الآيفون، الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها تدشين ساتوشي لشبكة البيتكوين ثم حصوله هو نفسه على الجنسية الأمريكية.

وبما أن فودي أمضى نصف عمره في إفريقيا والنصف الثاني في الولايات المتحدة الأميركية يعتقد أن بإمكانه أن يرى الطريق نحو المستقبل.

“عندما أعود إلى الوطن أرى كيف أن الناس ما زالوا مقيدين، ولكننا سنقفز إلى البيتكوين دون المرور بالبنوك، كما قفزنا من قبل إلى الهواتف المحمولة دون المرور بالهواتف الأرضية”

وهنالك أيضاً تأثير آخر استطاع فودي مشاهدته هو أن الناس في السنغال عندما يكتشفون البيتكوين فإنهم سرعان ما يبدؤون الادخار فيه.

” اليوم في وطني أجد نفسي أفكر في طريقة لأساعد الناس على الادخار ” يقول ” ليس بإمكان أحد ادخار أي شيءٍ هنا ” هم فقط ينفقون كل ما يحصلون عليه من الفرنكات الإفريقية.

يقول فودي أنه ” ممتن للأبد ” للبيتكوين الذي منحه إياه ليشمان لأنه وجد نفسه يتبرع بها بكميات صغيرة للسنغاليين. أولئك الذين حضروا في الاجتماعات وشاركوا بأسئلة جيدة. كان بإمكانهم أن يروا كيف زادت قيمة البيتكوين مع مرور الزمن.

تابع فودي التطورات الأخيرة في السلفادور بغاية السعادة. عندما وقف ليتحدث بمؤتمر ميامي في بداية هذا الشهر وبينما كان يستمع إلى جاك مولر يعلن أن السلفادور قامت باعتماد البيتكوين كعملة قانونية اغرورقت عيناه بدموع الفرح. لم يكن يتصور أن يحدث كل هذا بهذه السرعة.

“ما بدأ كمخزن للقيمة يتطور الآن إلى وسيلة للتبادل” يقول فودي إن السلفادور لديها كثير من التشابهات مع دول المجتمع الفرنسي، فهي دولة فقيرة ومرتبطة بنقد أجنبي ومعتمدة على الواردات وتعاني من ضعف الصادرات. سياستها المالية يتم التحكم بها من خارج البلاد. ٧٠ ٪؜ من سكانها ليست لديهم حسابات بنكية و٢٢٪؜ من الناتج الإجمالي المحلي يأتي من الحوالات المالية.

” إذا كان خيارًا جيّدًا لهم، فقد ينفعنا نحن أيضًا”

لكن ما زال هنالك عوائق كبيرة. أولها هو أن اللغة السائدة هي الفرنسية وليس هنالك الكثير من المحتوى باللغة الفرنسية في GitHub أو في المواد التعليمية التي تشرح شبكة البرق أو شبكة البيتكوين الأساسية. لذلك يعمل فودي الآن على ترجمة المحتوى إلى اللغة الفرنسية بحيث يجد المبرمجين مواد جاهزة عندما يريدون المشاركة”.

هل ‏يمكن أن تتكرر تجربة شاطئ البيتكوين التي حدثت في السلفادور مرة أخرى في السنغال؟ “نعم،” يقول فودي، “ولذلك السبب قررت العودة إلى الوطن ولنفس السبب ننظم اجتماعات دورية لشرح شبكة البرق ونستقطب من خلالها التبرعات بينما في نفس الوقت نبني نموذجا لإذاعة (أوروبا الحرة) مبنياً على شبكة البيتكوين.”

“بإمكانهم أن يضعوني بالسجن ولكن من خلال اللقاءات سنستمر لقد فعلت هذا الأمر بطريقة تجعله لا يعتمد على وجودي”

يعتقد فودي أن تبني البيتكوين في السنغال سيكون أمرًا صعبًا بسبب التأثير الفرنسي

يواصل ” هم لن يغادروا بدون معركة”

وكما يقول دونقو سامبا سيلا ” تواجه فرنسا اليوم تدهورًا اقتصاديًّا نسبيًّا في منطقة لطالما اعتبرتها من ممتلكاتها الخاصة، حتى مع صعود قوى أخرى مثل الصين فرنسا ليس لديها خطة للتخلي عن هيمنتها الكاملة، ستقاتل حتى النهاية”

ولكن ربما تكون الثورة سلمية تدريجية طويلة المدى للتخلص من الاستعمار، لا ثورة عنيفة.

“لا نريد إلغاءً مباشرًا للنظام القائم بل بناء نظام موازٍ ينضم الناس إليه طواعية بصورة تدريجية ” يواصل فودي ” لا إكراه فيه”.

أما الذين يعتقدون أن علينا أن نطالب الحكومة بحماية ممتلكاتنا الشخصية؟

“هم لا يعلمون أن ديمقراطيات مثل فرنسا لديها مثل هذا الجانب المظلم ” يقول فودي ” هم لن يعطوننا حريتنا ولكن علينا أن نتبع خطوات (السايبربنك)* وننتزع حريتنا بأنفسنا باستخدام البرمجيات المفتوحة المصدر مثل البيتكوين.

عندما سُئل عن فرصة البيتكوين في استبدال البنوك المركزية يقول فودي أن الفكرة قد تبدو ” مجنونة قليلاً” بالنسبة للأمريكيين ولكن بالنسبة للسنغاليين والتوغوليين البنوك المركزية مجرد طفيليات على المجتمع وعلينا مكافحتها.

يعتبر فودي البيتكوين مغيّرًا شاملًا للحياة.

” لأول مرة يكون بالإمكان أن يوجد مال يمكن تعدينه بشكل لا مركزي تمامًا وهذا ما نمتلكه الآن. إنه الحل المتاح لمن هم في أشد الحاجة. لأول مره لدينا أداة قوية لندافع عن أنفسنا ضد هذا القمع ” يواصل، ” قد لا يكون الحل المثالي ولكن علينا أن نستخدمه الآن لندافع عن الناس ولا ننتظر أحدًا ليقوم بهذا نيابة عنا”

فصل المال عن الدولة

في عام ١٩٨٠ ‏كتب الاقتصاد الكاميروني جوزيف تشوندانغ Joseph Tchundjang ‏ما معناه أن العجز   المالي هو الأساس التي تقوم عليه جميع صور العجز. ‏الكلمات الأخيرة في هذا الكتاب ما زال صداها يتردد حتى اليوم: “مصير إفريقيا إمّا أن يصوغه المال وإمّا ألّا يصاغ أصلًا.

‏قضية المال والعملة بشكل عام مدفونة تحت السطح عندما يتعلق الأمر بحركة حقوق الإنسان حول العالم ‏وقلما يتم نقاشها في المؤتمرات وفي أوساط الناشطين.

‏ولكن اسأل أي مناضل ديمقراطي في نظام قمعي، ‏وسوف يخبرك بأشياء مدهشة ومأساوية في هذا الموضوع. ‏تدهور العملة في إريتريا وشمال كوريا، ‏التضخم في زيمبابوي وفنزويلا، تجسس الدولة في الصين وهونغ كونغ‏، تجنيد عمليات الدفع في بيلاروس ونيجيريا والحظر الاقتصادي على إيران وفلسطين. ‏والآن‏: ‏استعمار اقتصادي في توجو والسنغال. بدون الحرية المالية تفشل الحركات والمنظمات التطوعية ‏في أن تحافظ على وجودها. ‏إذا تم تجميد حساباتها، أو خفض قيمة مدخراتها، تصبح قوتها محدودة ويستمر الطغيان.  ‏القهر المالي ما يزال خفيا، ونادرا ما يتحدث عنه في الأوساط السياسية. والحقيقة أن اليوم ١٨٢ مليون إنسان في الدول الناطقة بالفرنسية ‏وبرغم أن بلدانهم نالت استقلالها اسمياً لكن ما زالت اقتصاداتها وأموالها تحت حكم استعماري وما زالت القوى الأجنبية تسيء معاملتهم وتطيل أمد هذه العلاقة الاستعمارية لاستخلاص أكبر قدر ممكن من القيمة التي تنتجها هذه المجتمعات ومن خصائصها الجغرافية.

في السنوات الأخيرة ‏زاد عدد السكان في المنطقة الفرنكوفونية ازديادًا كبيرًا. وتعالت هتافات (اخرجي فرنسا) لتصبح شعارًا ثورياً. ‏ولكن أكبر نقاد النظام، ومنهم بيغود وسيلا، لا يقدمون حلولاً تذكر. ‏هم يرفضون الحالة الراهنة والقيود التي يفرضها صندوق ‏النقد الدولي، ليقترحوا حلولًا إقليمية يديرها قادة محليون، أو نظامًا تصنع فيه كل دولة من المجتمع الفرنسي عملتها.

ولكن مجرد نجاح دول مثل توغو والسنغال في انتزاع استقلالها المالي من فرنسا، لا يعني بالضرورة أن هذه الدول سوف تنجح في مساعيها، أو أن قادتها لن يستغلوا سلطاتهم للتلاعب بالعملة.

ما زالت هذه البلدان تواجه خطر سوء الإدارة المحلية، أو الاحتلال المالي الجديد من جهة قوى أجنبية مثل روسيا أو الصين. يبدو جليا أن الشعوب في حاجة إلى نوع من المال يستطيع كسر هذ العجلة، مالٌ يستطيعون التحكم به ولا تستطيع الحكومات التلاعب به مهما كان نوعها. ‏وتماما كما حدث تاريخيا الفصل بين الكنيسة والدولة الذي قاده بدوره إلى مستقبل أكثر ازدهارا وحرية للمجتمعات الإنسانية، الفصل بين المال والسلطة‏ قادم في الطريق.

‏ترى هل يستطيع سكان هذه الدول الناطقة بالفرنسية عبر فترة من الزمن ‏ومع زيادة أعداد المستخدمين للإنترنت فيها استخدام البيتكوين إلى درجة تجعل الحكومة مضطرة للتعامل معها كما حدث في دول في أمريكا اللاتينية مثل الإكوادور؟

‏ما زال التاريخ بانتظار أن يكتب، لكن أمرً واحدًا لا شك فيه: سيقاوم النقد الدولي هذا الاتجاه ‏تماما كما فعل مع السلفادور مؤخرا!

قبل أسابيع قليلة كتب الممثل Hill Harper عن نشاطه في مجال البيتكوين في المجتمع الإفريقي الأمريكي قائلا وببساطة ” لا يمكنهم أن يستعمروا البيتكوين”. توافقه فريدة نامبورينا قائلة “هذه المرة الأولى التي يكون فيها مال لامركزي حقًّا ومتاح لكل إنسان في الوجود مهما كان لونه واعتقاده وجنسيته وثروته وتاريخه الاستعماري”. 

تقول فريدة إنها عملة لجميع الناس، وتضيف: “ربما ينبغي أن نسمي البيتكوين عملة إلغاء الاستعمار”.

Tagged : / / / / / /

مقاومة البيتكوين للرقابة والحظر | د. سيف الدين عموص

الأفكار الرئيسية:

  • مقاومة الحظر هي مرادف للسيادة الفردية.
    • القدرة على إرسال القيمة عبر المسافات تجعل مقاومة التدخل الحكومي عنصراً حيوياً في سلامة النقد.
  • “ليست أموالك إن لم تمتلك مفاتيحك السرية، وليست قوانينك إن لم تشغل عقدة التحقق ” – أندرياس أنتونوبولوس.
  • الفكرة الرئيسية هي أن البيتكوين كالذهب الرقمي؛ فهو يشبه الذهب في ندرته، ويتفوق بكونه لامركزي ولا يمكن إيقافه.
  • يصبح البيتكوين أمراً منطقياً بمجرد استيعابك أنه تصميم هندسي مصمم لهدف واحد: أن لا يتم إعتراضه.
  • سيتحول الناس إلى استخدام شبكة البيتكوين وتوظيف العقود الذكية؛ الأمر الذي سيوسع من التواصل والتعاون حول العالم.
  • سيستمر تداعي الاقتصاد الحكومي مقابل تصاعد اقتصاد البيتكوين.
  • ينبغي أن يبقى العرض النقدي ثابتاً حتى نتمكن من استخدام النقد لقياس القيمة.
  • كنا لنتمتع بتقنيات مالية أكثر تقدماً لولا التدخل الحكومي والقمع النقدي والإحتكارات المالية حول العالم.
  • يتطلع (سيف) إلى إجراء المزيد من الأبحاث والمقابلات والكتابات حول البيتكوين. ويشعر (تريس) بالحماس لإجراء هذه المقابلات، حتى ولو تطلب التحضير لها مجهود ذهني كبير.
    • لا يمكن التغلب على المفاهيم السائدة سوى عبر نشر فكر جديد.

مقدمة:

  • لزيارة صفحة الحلقة على موقع البرنامج:
  • مقدم البرنامج: (تريس ماير – @TraceMayer)
  • د. سيف الدين عموص – saifedean@ – إقتصادي ينتمي لمدرسة الاقتصاد النمساوية ومؤلف كتاب (معيار البيتكوين).
    • تتوفر النسخة العربية للتحميل المجاني على موقع المؤلف: saifedean.com
    • والنسخة الورقية على موقع جملون: jamalon.com
  • الجزء 2 من 5 حلقات تناقش البيتكوين وإقتصادياته.

مقاومة البيتكوين للرقابة والحظر:

  • مقاومة الحظر هي مرادف للسيادة الفردية.
    • قرار الدفع منوط فقط بالفرد القائم بعملية تحويل الأموال، له السيادة الكاملة في إتخاذه دون تدخل طرف ثالث. –  كأنها عملية دفع بالنقد الورقي ولكن في العالم الرقمي.
  • في القرن التاسع عشر، شدد اقتصاديو المدرسة النمساوية على أهمية الاختيار الحر في السوق وصعوبة العملة كعناصر أساسية للنقد السليم.
  • في القرن العشرين، أصبحت مقاومة التدخل والتلاعب الحكومي عنصر أساسي في النقد السليم.
    • للأمر علاقة بالقدرة على إرسال القيمة عبر مسافات بعيدة أو عبر وسائل الاتصالات.
  • في الماضي وقف المزورون خلف الإحتيال المالي. أما اليوم فتتلاعب الحكومات في النقد من خلال تغيير المعروض منه وإحتكار التحولات المالية عبر نظام بنكي خاضع لسلطة سياسية واحدة.

إثبات المفاتيح:

  • بدأ (تريس ماير) التقليد السنوي المُسمى إثبات المفاتيح:
    • احتفالاً بذكرى ولادة البيتكوين، يقوم مستخدمو الشبكة في الثالث من يناير كل عام بسحب عملاتهم المحفوظة لدى خدمات مركزية والإحتفاظ بها بإستخدام مفاتيحهم الخاصة وتشغيل عقد التحقق للمصادقة على صحة الشبكة.
  • عقد التحقق ترسل و تستقبل التحويلات عبر الشبكة، وتتحقق من صلاحيتها ومن توافق الشبكة، وهي تشبه البنوك المركزية في إمكانية إجراء التحويلات عبر العالم.
    • حين تصادق عقدة التحقق على توافق الشبكة، فهي تتحقق من صلاحية كل التحويلات منذ نشأة البيتكوين وتتأكد من توافقها مع القوانين المُجمع عليها؛ تُفحص كل واحدة من التحويلات على كامل سلسلة كتل البيتكوين.
    • تكلفة تشغيل عقدة تحقق لا تُذكر، ورسوم سحب العملات لا تتعدى بضعة سنتات.
  • “ليست أموالك إن لم تمتلك مفاتيحك السرية، وليست قوانينك إن لم تشغل عقدة تحقق” – أندرياس أنتونوبولوس.

يناقش سيف كيف أن التكاليف الناجمة عن البيتكوين أفضل من البدائل:

  • خصص سيف 7 فصول من كتابه “معيار البيتكوين” للحديث عن النقد والتاريخ النقدي، ثم 3 فصول لمناقشة ملائمة البيتكوين للعب دور النقد.
  • الفكرة الرئيسية هي أن البيتكوين كالذهب الرقمي؛ فهو يشبه الذهب في ندرته، لكنه يتفوق عبر خفض كلفة تشغيل عقدة تحقق.
    • تشغيل عقدة تحقق للذهب يعني إنشاء شركة لشحن سبائك الذهب، وهذا أمر مكلف للغاية ومستحيل تنفيذه سياسياً.
      • إنشاء نظام مالي موازي للدولار سيتطلب صد الحكومة الأمريكية التي لن تتقبل الأمر بلطف.
    • يشير تريس أن الأمر لا يقتصر فقط على شحن سبائك الذهب بل يتضمن عملية التحقق من نقائها.
      • عقدة التحقق في البيتكوين تستخدم التشفير لإثبات صلاحية التحويلات.
  • يصعُب قتل البيتكوين نتيجة لتصميمه الذي يعطي مالكه التحكم الكامل في أمواله. من شأن هذا أن يصحح الكارثة الناتجة عن تضخم الحكومات ولعبها دور مربية الأطفال.
    • من شأن هذا أن يصحح الكارثة الناتجة عن تضخم الحكومات ولعبها دور مربية الأطفال، وهو الأمر الناتج عن التحول لإستخدام النقد الحكومي برأي سيف.
  • الذهب والبيتكوين يلعبا نفس الدور، ولكن ينتهي الأمر بالذهب تحت سيطرة قلة من البنوك المركزية تتحكم في التسوية النهائية للمدفوعات، أو حتى تحت سيطرة بنك واحد مثل مصرف إنجلترا المركزي ثم البنك الفيدرالي.
  • في ظل المعيار الذهبي، أصبحت القدرة على التسوية النهائية للمدفوعات هي النقد:
    • كانت القيمة في النفوذ السياسي والعسكري اللازم لتسوية المدفوعات بشكل نهائي حول العالم، أصبح لهذا النفوذ قيمة نقدية.
    • يشير تريس إلى أن الدعم العسكري للولايات المتحدة هو القيمة، فهو ما يسمح بعقد اتفاقات التعويضات عن الخسائر.
  • يمثل تشغيل عقدة تحقق متصلة بشبكة البيتكوين حل أكثر أناقة، فهي لا تحتاج لكل هذه التعقيدات؛ مصادقة العقدة على التحويل يُثبت صلاحية البيتكوين المُستَلم.
  • وفي أسوء الحالات سيكون للبيتكوين عشرات الآلاف من عقد التحقق حول العالم، في حين ينتهي المطاف بالذهب في أيدي بضعة بنوك مركزية.

صعوبة العودة للنقد السليم تجعل البيتكوين اختراع مذهل:

  • في القرن العشرين، تناقل أصحاب رؤى مثل هايك وميسز وروثبارد وغيرهم مفاهيم النقد السليم وفصل المال عن الدولة.
    • يتسائل تريس عن صعوبة تناقل مثل هذه المفاهيم في وجه كل النفوذ والسلطة والسلاح في العالم.
  • في عام 1984، أي قبل اختراع البيتكوين بثلاثة عقود، يتحدث فريدريك هايك ببصيرة ثاقبة قائلاً:
    • لا أظننا سننجح أبداً في العودة لإستخدام نقد سليم قبل أن نحرره من أيدي الحكومة، ولن نستطيع إستعادة زمام الأمور بالعنف، فكل ما يمكننا فعله هو وبطريقة ماكرة ومراوغة استحداث ما لن يتمكنوا من إيقافه. – فريدريش فون هايك
  • البيتكوين هو هذا الإبتكار الماكر والمراوغ للغاية والذي لن يمكنهم إيقافه، وهم لم يدركو بعد لماذا لا يمكنهم إيقافه.
    • يصبح البيتكوين أمراً منطقياً بمجرد استيعابك أنه تصميم هندسي مصمم لهدف واحد: أن لا يتم إعتراضه.
  • يضيف تريس أن الحكومة تمكنت من إيقاف نابستر، لكن تعذر عليها إيقاف (بت-تورنت). يكمن السر في الشبكة اللامركزية بين الأطراف، وفي خفض تكلفة تشغيل عقدة تحقق.
    • حتى أنه لدينا أقمار صناعية تبُث سجل التحويلات من الفضاء، هذا المستوى من مقاومة الحظر هو كالمستخدم في الأغراض العسكرية.
  • وسيكون إنجازاً لا يصدق إن انتهى المطاف بالبيتكوين كالمعيار النقدي الرئيسي أو الوحيد حول العالم.
    • سنشهد إرتكاز مجمل القيمة حول العالم على أساس شديد المتانة وإن لم يكن له وجود ملموس: فكرة راسخة.
  • يستمر البيتكوين بالنمو بفضل طبيعته اللامركزية التي تجعله عصي على الإخضاع، فيستهلك الطاقة ليقوم بمهمته ويقدم لنا نظام مالي بمنأى عن التدخل والفساد البشري.

مالك البيتكوين الأخير:

  • إستحدث تريس مصطلح “مالك البيتكوين الأخير”:
    • ما يملكون من بيتكوين لا يعرضونه للبيع، ولا يعنيهم تقلب سعر البيتكوين في السوق.
    • يتطلعون لعالم أفضل وأكثر عدالة، يتخذون قراراً واعياً بمغادرة النظام القديم والمشاركة في نظام جديد عبر إمتلاك البيتكوين.
  • الشفافية التامة والمصادر المفتوحة والفهم العميق هي عناصر أساسية لجعل الفرد مالك أخير للبيتكوين.
    • تقدم العملات البديلة مثل (بيتكوين كاش) ما قد يبدو مشابهاً للبيتكوين لكنه يضلل الناس بدعوتهم لشراء وإستخدام ما قد لا يفهمونه.
    • أما العملات الحكومية كالدولار واليورو والين فهي إحتيال وسياستها غير مفتوحة المصدر.
  • لا يمكن لإيمانهم الهش منافسة عقيدة البيتكوين الراسخة.
    • “قد تفلح الأعلام والأناشيد الوطنية في غرس بعض الإنضباط للإحتفاظ بالعملة، ولكن تبقى الحقيقة الاقتصادية أنك تعيق نفسك بربط مستقبلك بسفينة غارقة.

فصل المال والدولة:

  • يسأل تريس عن إمكانية جعل البيتكوين عملة رسمية، مشيراً إلى ما نص عليه دستور الولايات المتحدة.
  • يرى سيف أنه سيستمر سريان قوانين النقد الحكومي على عملات النصب الحكومية بينما يهاجر الناس إلى عالم جديد ذو مال سليم.
    • “سينصرف الناس عن المُجمع الصناعي الحكومي وكل تفضيله الزمني العالي وغذائه ونصائحه السيئة”
  • سيستمر تداعي الاقتصاد الحكومي مقابل تصاعد اقتصاد البيتكوين.
    • لا يحتاج الأمر إلى ضجة، فبإمكان الحكومات إدارة الانحدار على مدى عقود بنفس اسلوب إدارة الإتحاد السوفيتي للاقتصاد وكأنها مسرحية هزلية.

 سيعتمد المجتمع على استخدام العقود الذكية:

  • يتحدث تريس عن تحول المجتمع من الاعتماد على القوانين “الرطبة” نحو الاعتماد على القوانين “الجافة”.
    • راجع مقالة (نيك) بعنوان “القوانين الجافة والرطبة
      • القوانين الرطبة يقرأها ويفسرها البشر، بينما القوانين الجافة تعالجها الحواسيب.
      • العقود التجارية مثال للقوانين الرطبة، تحتمل التفسير المختلف حسب الأشخاص. العقود الذكية تعتمد على البرمجة وهي في معظمها قوانين جافة.
    • سيتحول الناس لإستخدام القوانين الجافة قدر المستطاع، حتى وأن بقي إستخدام القوانين الرطبة في بعض الأحيان.
  • سيتحول الناس إلى استخدام شبكة البيتكوين وتوظيف العقود الذكية؛ الأمر الذي سيوسع من التواصل والتعاون حول العالم.
    • سيتميز استخدام البيتكوين والعقود الذكية بكونه أكثر كفاءة بكثير في الأمور المتعلقة بالخدمات القانونية والقضائية.
  • يشرح (نيك) أن التوسع المجتمعي يحوّل الكثير من المهام السياسية لتعمل بشكل آلي وفق خوارزميات محددة.
  • تزايُد القبول على العقود الذكية سيوسع من أفق التعاون بين البشر والمجتمعات. فلن يبذل الناس الجهد في مفاوضات متكررة لشروط العقود والصفقات كما سيقل الفساد والتضخم.

بعض تعاليم إقتصاديي المدرسة النمساوية:

  • يتعرض البيتكوين لإنتقادات كثيرة من المسؤولين الحكوميين بشأن كونه محدود الكمية.
  • تناقش نظرية المال للمدرسة النمساوية لم العرض الثابت للنقد أفضل من العرض المتضخم، فلا يوجد سبب لزيادة المعروض النقدي.
    • يصف سيف هذا الأمر بالإدراك المذهل الذي تفهمه حين تبدأ بدراسة اقتصاد المدرسة النمساوية.
      • “ما سبب زيادة كمية المال؟ أنت لا تزيد من طول الأنش حتى تصبح أطول!”
      • ينبغي أن يبقى العرض النقدي ثابتاً حتى نتمكن من استخدام النقد لقياس القيمة.
    • يمثل البيتكوين خلاصة أفكار أناس مثل هايك وفريدمان وروثبارد:
      • تحدث فريدمان عن إصدار النقد وفق نظام حسابي حتى لا يكون عرضة لنزوات أو أحكام البعض.
      • تحدث فريدمان أيضاً عن الشيء الوحيد الذي ينقص الانترنت هو نقد رقمي (شاهد الفيديو)
        • يذكر تريس صفحة التي صُممت كجزء من تصميم متصفح الويب الأصلي منذ عقود، صفحة (خطأ 402: مطلوب الدفع)
        • كانت الفكرة أننا سنطور طريقة لإرسال المال عبر الانترنت.
  • كنا لنتمتع بتقنيات مالية أكثر تقدماً لولا التدخل الحكومي والقمع النقدي والإحتكارات المالية حول العالم.
    • ولكن فقط ما ينفع الناس هو ما يمكث في الأرض.

ملاحظات إضافية:

  • يتطلع (سيف) إلى إجراء المزيد من الأبحاث والمقابلات والكتابات حول البيتكوين.
  • ويشعر (تريس) بالحماس لإجراء هذه المقابلات، حتى ولو تطلب التحضير لها مجهود ذهني كبير.
    • لا يمكن التغلب على المفاهيم السائدة سوى عبر نشر فكر جديد.

 

Tagged : / / /

العولمة اللامركزية – أندرياس أنتونوبولس

العولمة في شكلها الحالي ليست شيئاً نشارك فيه أنا و أنت حقاً؛ إنه شيء تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات والدول القوية لوضع نفسها خارج إطار القانون. للمراجحة بين السلطات القضائية ، للتسوق والبحث عن البيئات الأكثر ملاءمة ، الأشد فساداً ، والمنخفضة الضرائب. حيث يمكنهم ممارسة الاستعمار المالي المُقنّع في شكل عولمة.

تُغير العملات المشفرة من طبيعة العولمة كشيء مركزي ومتاح فقط للشركات الأكثر قوة وبُعداً ولامبالاة، وتضعه في متناول يد الأفراد مباشرة.
يوماً تلو آخر، تتمكن أعداد متزايدة من الناس من استخدام العملات المشفرة لتحقيق شكل لامركزي من العولمة، هذا الشكل الذي يسمح للشخص العادي أن يتسوق ويبحث عن النظم القانونية، وأن يراجح بين العملات، ويختار القانون الذي يخدم مصلحته.”

أندرياس أنتونوبولس
العولمة اللامركزية – مع ترجمة باللغة العربية.
Tagged : / / / / /