البيتكوين نهاية أسواق المال

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: ديسمبر 2020

هل سبق أن قال لك مستشار مالي (أو أب أو أم) أنك تحتاج إلى أن تجعل مالك ينمو؟ لقد ارتبطت هذه الفكرة بعقول العاملين من الناس حول العالم حتى صارت كالطبيعة فيهم وارتبطت بمفهوم العمل.

وقد تكرر هذا القول مرارًا حتى صار جزءًا واقعيًّا من ثقافة العمل. احصل على عمل مأجور، سقّف إسهامك في صندوق التقاعد (ولعلّ ربّ عملك يسهم بـ3% أيضًا)، اختر بعض الصناديق التعاونية ذات الأسماء اللامعة وانظر إلى مالك وهو ينمو. يسير معظم الناس في هذا الطريق كل أسبوعين تلقائيًّا، ولا يشكون في حكمته ولا يعون مخاطره. إنه الأمر الذي يقعله «الأذكياء». يضيف اليوم كثير من الناس هذا النشاط إلى التوفير، ولكن في الحقيقة، لقد أدّى توسع أسواق المال إلى جعل الموفرين للتقاعد مخاطرين دائمين والنتيجة هي أن الاستثمار المالي أصبح عملًا ثانيًا لكثير من الناس، أو لمعظمهم.

لقد أصبحت أسواق المال عاديّة بطريقة خاطئة جدًّا فامّحى الفرق بين التوفير (لا مخاطرة فيه) والاستثمار (وهو مخاطرة)، إلى درجة أن معظم الناس يرون الاثنين واحدًا. إن الإيمان بأن الهندسة المالية طريق ضروري للتقاعد السعيد إيمان خالٍ من الحكمة الطبيعية، وإن كان موجودًا في الحكمة العرفية.

أو إنّك تحتاج نوعًا أفضل من المال وحسب؟

على مرّ العقود السابقة، توسّعت أسواق المال في اقتصادات العالم، ولا سيما في العالم المتطور والولايات المتحدة. أصبح هذا التوسع الشريك الضروري لفكرة وجوب جعل المال ينمو. ولكن الفكرة نفسها — «أن عليك أن تجعل مالك ينمو» — نشأت في الوعي العام لأن الجميع اعتاد على الحقيقة الحزينة، وهي أن المال يخسر قيمته مع الوقت.

المال يخسر من قيمته ← لا بد من إنمائه ← لا بد من منتجات مالية تتيح نموّه ← كرّر

القوة الشرائية للدولار الأمريكي مع الوقت (1970 إلى 2020)

إن مجرد وجود هذه الحاجة عاقبة لفكرة خسارة المال من قيمته مع الوقت، هذه هي نقطة البدء، والأسوأ في كل هذا أن البنوك المركزية تهندس هذه العاقبة بوعي منها وإرادة. تستهدف معظم البنوك المركزية في العالم بخس عملتها المحلية بنسبة 2% كل عام، وبذلك تزيد معروض المال. لا يهم كثيرًا كيف ولم، المهم أنها حقيقة ولها عواقب. وبدلًا من أن يخبّئ الموفّر لتقاعده قرشه الأبيض ليومه الأسود، أصبحت صناديق التقاعد تخاطر مخاطرة مستمرة، في محاولة منها لمواكبة التضخم الذي تصنعه البنوك المركزية.

إن بخس البنوك المركزية للمال يقود الطلب قيادة منحرفة إلى مثل هذه الاستثمارات. إن اقتصادًا تتوسّع فيه أسواق المال فوق حجمها هو النتيجة المنطقية للتضخم النقدي، نتيجة تدفع إلى المخاطرة الدائمة وتثبّط التوفير. إن نظامًا يثبّط التوفير ويجبر الناس على المخاطرة نظامٌ منتج للاضطراب، وهو نظام لا منتج ولا يمكن استدامته. ينبغي أن يكون هذا واضحًا للعين المجردة، ولكن القوة الحاكمة التي تقود الاتجاه نحو توسع أسواق المال والهندسة المالية هي البنية الدافعية المعطلة في الوسيط النقدي الذي يقوم عليه كل النشاط الاقتصادي.

لا مشكلة في الأصل في شركات الأسهم المشتركة أو عروض السندات أو أي استثمار مشترك. وقد تكون بعض أدوات الاستثمار معيبة بنيويًّا، ولكن بعض أدوات الاستثمار المشتركة ووسائل تخصيص رأس المال ينتج قيمة. المشكلة ليست في الخطر المشترك، ولا في وجود أصول مالية. المشكلة الأساسية هي في درجة توسّع أسواق المال في الاقتصاد، وأنها نتيجة غير مقصودة لاستجابات منطقية لبنية المال المعطلة والمحرفة.

ماذا يحدث عندما يفهم مئات ملايين المشتركين في السوق أن مالهم مهندَس عن قصد ونيّة ليخسر 2% من قيمته كل سنة اعتباطيًّا؟ إما أن يقبلوا الخسارة التي لا بد منها وإما أن يحاولوا مواكبة التضخم بزيادة المخاطرة التي يتخذونها. وما معنى ذلك؟ لا بد من استثمار المال، أي لا بد من وضعه تحت خطر الخسارة. ولأن البخس النقدي لا ينقطع، تستمر الدورة. جوهريًّا، يخاطر الناس في أعمالهم النهارية ثم يدرَّبون لوضع أي مال يستطيعون توفيره تحت الخطر، لكي يواكبوا التضخم وحسب. إنه تعريف عجلة الهامستر. اركض ما استطعت لتبقى في المكان نفسه. قد يبدو الأمر جنونًا ولكنه الواقع القائم. وليس قائمًا من دون عواقب.

عجلة هامستر الدولار

التوفير والخطر

لطالما أسيء فهم العلاقة بين التوفير والخطر، فيقال إن الخطر لا بد منه لتجميع المال وتوفيره أصلًا. يكون الخطر عندما تستثمر مالك وقدراتك في شيء له قيمة عند الآخرين (في الحاضر والمستقبل) لتحصل على أجر (في الحاضر والمستقبل). يبدأ ذلك في التعليم والتدريب، واكتساب مهنة مع الوقت لها قيمة عند الآخرين.

هذه هي المخاطرة. إن استثمار الوقت والطاقة هي محاولة لاكتساب أجر ومعيشة ولإنتاج قيمة للآخرين، فيما يقبلون ضمنيًّا الخطر المستقبلي. إذا كان الأمر ناجحًا، انتهى بغرفة صف للطلاب، أو منتج على الرف، أو أداء عالمي، أو يوم كامل من العمل اليدوي أو أي شيء آخر له قيمة عند الناس. تكون المخاطرة مع الأمل والتوقّع أن أحدًا ما سيعوّضك عن وقتك الذي استهلكته وقيمتك التي قدمتها.

يكون التعويض عادةً مالًا، لأن المال من حيث هو سلعة اقتصادية، يتيح للأفراد تحويل قيمتهم إلى طيف واسع من القيم التي ينتجها الآخرون. في عالم لا يُحرَّف فيه المال، يكون أفضل وصف للموفرات النقدية هو أنها الفرق بين القيمة التي أنتجها المرء للآخرين والقيمة التي استهلكها منهم. التوفير ببساطة هو تأجيل الاستهلاك أو الاستثمار إلى المستقبل، أو بطريقة أخرى، هو الفائض الذي أُنتج ولكنه لم يستهلك بعد. ولكن هذا ليس العالم الموجود اليوم. في المال الحديث،

تنشئ البنوك المركزية مزيدًا ومزيدًا من المال وهو ما يؤدي إلى بخس دائم للموفَّرات. كل بنية الدوافع في المال تحرَّف، ومن ذلك سلامة السجلّ الذي يسجل من أنشأ ومن استهلك أي قيمة. المال الذي أنشئ اليوم مضمون أن تنخفض قيمته الشرائية في المستقبل مع تخصيص البنوك المركزية مزيدًا ومزيدًا من العملة اعتباطيًّا. مقصد المال حفظ القيمة، لا خسارة القيمة، ولكن السياسة النقدية التي تقوم عليها البنوك المركزية تجبر الجميع على المخاطرة وسيلةً للاستغناء عن التوفير لأن الموفَّرات تُبخَس مع الوقت. هذا البخس غير المنتهي للموفرات النقدية يجبر الذين يشكلون الاقتصاد على المخاطرة غير المرادة ولا المضمونة. بدلًا من أن يستفيد الناس من المخاطرة التي جرت، يُجبرون على زيادة مخاطرتهم.

بيير روتشارد ونيك كارتر يناقشون التوفير والاستثمار في تويتر

إن إجبار كل الأفراد في النظام الاقتصادي على المخاطرة ليس طبيعيًّا ولا أساسي في عمل الاقتصاد. إنه نقيض ما يقتضي استقرار النظام ككل. من حيث القيمة الاقتصادية، المخاطرة في نفسها منتجة وضرورية ولا بد منها. المشكلة هي عندما يُجبَر الأفراد على المخاطرة بسبب تصميم البنوك المركزية للمال على نحو يخسر القيمة، سواء أكان المخاطرون عالمين بهذا الأمر أو لا. المخاطرة منتجة عندما تكون مقصودة وطوعية ومقصودة لتجميع مزيد من رأس المال.

ولئن كان الفرق بين الاستثمار المنتج والاستثمار الناتج عن التضخم النقدي رماديًّا، فستعرفه عندما تراه. يحدث الاستثمار المنتج طبيعيًّا عندما يعمل الأفراد لتحسين حياتهم وحياة من هم حولهم. إن دوافع المخاطرة موجودة في السوق الحرة من دون تدخل. لا منفعة من تدخل البنوك المركزية، بل خسارة للكثير.

إن عملية المخاطرة تصبح مضرة عندما تكون نتيجة أسر لا نتيجة إرادة حرة. يصبح هذا الأمر بديهيًّا ويحدث عندما يكون الاستثمار مدفوعًا بالبخس النقدي. اعلم أن 100% من الاستثمار (والاستهلاك) في المستقبل آتٍ من الموفرات. إن التلاعب بالدوافع النقدية، لا سيما عند تثبيط التوفير، لا يؤدي إلا إلى إفساد توقيت الاستثمار المستقبلي.

يجبر هذا التلاعب الموفرين على المخاطرة ويشعل فتيلًا قصيرًا على كل المدخرات النقدية. وينشئ لعبة تَرامٍ (كاتروشكا)، لا يريد فيها أحد إمساك المال لأنه يخسر قيمته، مع أن المفروض أن يكون العكس هو الصحيح. فما الاستثمار الذي ينتج عن عالم مثل هذا؟ أنشأ مكعب الثلج الذائب دورةً من المخاطرة الدائمة، توضع فيها معظم المدخرات والموفرات في خطر، وتستثمر في أصول مالية، إما على يد فرد أو على يد مؤسسة مالية تقبل الودائع، فلا يعود للفرد دافع للتوفير. وما يزيد الطين بلة أن العمليتين (الاستثمار والتوفير) أصبحتا مشوشتين وملتبستين فأصبح معظم الناس يرون الاستثمار توفيرًا، لا سيما إذا كان في أصول مالية.

لا شك أن الاستثمار (سواء أكان في أصول مالية أو غير ذلك) ليس مساويًا للتوفير، وليس في المخاطرة الناشئة عن البنوك المركزية أي شيء طبيعي أو عادي، لأن هذه البنوك تثبّط الأفراد عن التوفير. كل من عنده حس مشترك وتجربة في الحياة يفهم هذا. ومع ذلك، لا يغيّر هذا الأمر حقيقة أن المال يخسر من قيمته كل عام، وأن معرفة هذا الأمر تغيّر سلوك صاحبها. لقد أُجبر الجميع على قبول هذه الأزمة المصنّعة. إن فكرة وجوب وضع مالك في مكان ينمو فيه هي من أكبر الكذبات في التاريخ. إنها فكرة ليست من الصحة في شيء. لقد أنشأت المصارف المركزية أزمة زائفة. أكبر خدعة قامت بها المصارف المركزية هي إقناع العالم أن على الأفراد أن يخاطروا مخاطرات دائمة لحفظ القيمة المنتجة والموفرة. إنه جنون، والحل العملي الوحيد هو إيجاد نوع أفضل من المال يلغي عدم الاتساق الجوهري في البخس المنظومي للعملة.

هذا هو البيتكوين. نوع أفضل من المال يقدم لكل الأفراد طريقًا صادقًا للخروج من عجلة الهامستر.

توسّع أسواق المال

سواء أرأى المرء أن اللعبة فاسدة أو أدرك أن البخس المستمر للنقد حقيقة، فإن اقتصادات العالم كله أُجبرت على التأقلم مع عالم يخسر فيه المال قيمته. ولئن كانت النية تحفيز الاستثمار ونمو «إجمالي الطلب»، فإن العواقب غير المقصودة هي تحريف الدوافع الاقتصادية على يد قوى خارجية. إن أشد الناس تشاؤمًا ورفضًا يتمنى أن تحل مشكلات العالم بطبع المال، ولكن، لا يؤمن بقصص الجنيات إلا الأطفال. لم يؤد طبع المال إلى حل المشكلات حلًّا سحريًّا، إنما ركَل العلبة مرّة بعد مرة في الطريق. تتغير الاقتصادات بنيويًّا تغيّرًا ثابتًا بسبب إنشاء المال.

قد يكون الفدرالي ظنّ أن طباعة المال ستحفّز الاستثمار المنتج، ولكن النتيجة الحقيقية هي الاستثمار الفاسد والتوسّع المفرط لأسواق المال في الاقتصاد. إن توسع أسواق المال نتيجة مباشرة للبخس المالي وأثره في تحريف تكلفة الائتمان. لا يغفل عن هذا الارتباط إلا أعمى: التسبيب بين تصميم المال ليخسر من قيمته، والتثبيط عن توفير المال، والتوسع المتسارع للأصول المالية، ومنها أصول في نظام الائتمان.

وإنما ازدهرت البنوك ومصارف إدارة الثروة نتيجة الأمر نفسه. الأمر أشبه بتاجر مخدرات ينشئ سوقه بإعطاء أول سحبة مجانًا. ينشئ تجار المخدرات طلبهم بدفع عميلهم إلى الإدمان. هذا هو ما يفعله الفدرالي وأسواق المال في العالم المتقدم من خلال التضخم النقدي. بتصميم المال على نحو يخسر فيه من قيمته، وإنشاء أسواق منتجات مالية لم تكن لتوجد لولا هذا التصميم. نشأت المنتجات المالية لتساعد الناس على هندسة طريقهم وليخرجوا من الحفرة التي حفرها لهم الفدرالي. تنمو الحاجة إلى المخاطرة وإلى محاولة جرّ عوائد تعوّض عن الخسارة الآتية من التضخم النقدي.

المصدر: ستاتيسكا.
المصدر: ستاتيسكا.

اكتسب القطاع المالي مع الوقت نسبة اكبر من الاقتصاد بسبب أن الطلب على المنتجات المالية يزيد في عالم المال فيه معطّلٌ دائماً  الأسهم، سندات الشركات، الخزائن، السندات الحكومية، صناديق الاستثمار المشترك، صناديق المؤشرات المتداولة للحصص، وللأسهم، والصناديق المرفوعة، والصناديق المرفوعة 3 أضعاف، والحصص الجزئية، والسندات المغطاة بالرهون العقارية، والتزامات الدين المضمونة، والتزامات القروض المضمونة، …إلخ. كل هذه المنتجات هي نتيجة توسع أسواق المال، ويزداد الطلب عليها عندما تفسد وظيفة المال.

كل خطوة إضافية لتجميع الخطر وحزمه وحزمه مرة أخرى مرتبطة ببنية الدوافع المعطلة بسبب المال الذي يقوم عليه الاقتصاد والحاجة المختلقة لجعل المال ينمو. مرة أخرى، ليس المقصد أن هذه المنتجات المالية تنتج أو لا تنتج قيمة، بل المشكلة أن درجة استعمال المنتجات المالية ودرجة الخطر المبني على خطر ليست إلا نتيجة بنية دوافع نقدية معطلة.

المصدر: ستاتيسكا.

ولئن كانت الأغلبية العظمى من المشاركين في السوق قد غُفّلت عن استهداف الفدرالي نسبة تضخم هي 2% كل عام، فتأمل عواقب هذه السياسة على مدى عقد أو عقدين. إن هذه السياسة تؤدي إلى خسارة 20% و35% في الموفرات النقدية بمرور 10 أعوام و20 عامًا، على الترتيب. ماذا تتوقع إذا كان الجميع في المجتمع موضوعين في مكان يحتاجون فيه إلى إعادة إنتاج خُمس (20%) ما وفّروه ليبقوا في المكان نفسه؟

الأثر الإجمالي هو سوء استثمار كبير، استثمار في أنشطة لم تكن لتوجد لولا إجبار الناس على المخاطرة السيئة لمجرد إعادة إنتاج الخسارة المستقبلية المتوقعة لموفراتهم. على المستوى الفردي، أصبح الطبيب والممرض والمهندس والمعلم والقصّاب وبائع الخضرة والبنّاء كلهم مستثمرين ماليين، يضعون معظم موفراتهم في منتجات وول ستريت المالية، وهي منتجات فيها خطر، ولكنه خطر لا يراه هؤلاء. مع الوقت، لا تزداد الأسهم إلا صعودًا، ولا تزداد العقارات إلا صعودًا، ولا تزداد معدلات الفائدة إلا هبوطًا.

للعلم، الكاتب من متابعي ديف بورتنوي.

كيف ولمَ، أشياء لا يعرفها المتاجرون حول العالم، ولا تهم أصلًا، لأنهم يرون أن العالم يعمل هكذا، ويعملون على أساس ذلك. كن مطمئنًّا، سينتهي كل هذا نهاية سيئة، ولكن كل المستثمرين اقتنعوا أن الاستثمار في الأصول المالية ليس إلا طريقة (ضرورية) أفضل للتوفير، وهو ما يحكم تصرفاتهم. أصبحت «الميزانية المنوعة» مرادفة للتوفير ولم يعد يرى الناس فيها خطرًا، ولا أنها عملية مخاطرة. ولئن كان هذا نقيض الحقيقة، فإن الخيار محصور بين المخاطرة بالاستثمار وبين ترك الموفرات في وسيط مالي محكوم بأن تنخفض قوته الشرائية في المستقبل. من وجهة التوفير، الأمر خاسر إذا استثمروا وخاسر إذا لم يستثمروا. إنها لعبة مقلقة يجبر فيها الجميع على اللعب أو الجلوس خارج اللعبة، وهم في الحالتين خاسرون.

عواقب تثبيط التوفير

إن إجبار الجميع على العيش في عالم يخسر فيه المال قيمته ينشئ حلقة تلقيم راجع سلبية، بالقضاء على إمكانية التوفير، تصبح كل النتائج سلبية بالإجمال. إن مجرد إمساك المال تهديد لا يمكن الإيمان به عندما يكون المال مصممًا ليخسر قيمته. لم يزل الناس يوفرون هكذا، ولكنهم يخسرون حتمًا. وكذلك المخاطرة الدائمة عندما تكون بديلًا عن التوفير. عمليًّا، كل الأيدي تخسر عندما يكون خيار التوفير لا يربح. تذكر أن كل فرد عنده مال قد خاطر أصلًا ليحصل عليه. إن وجود حافز التوفير (وعدم الاستثمار) ليس مكافأة للناس على عدم المخاطرة، بل العكس. إنه مكافأة للذين خاطروا أصلًا، وإعطاؤهم فرصة لإمساك المال من دون الوعد الصريح ببخس قوته الشرائية في المستقبل.

في السوق الحرة، قد تزيد قيمة المال أو تنقص في أفق زمني معين، ولكن ضمان أن المال سيخسر من قيمته يؤدي إلى نتيجة سلبية جدًّا، يفقد فيها معظم المشاركين في الاقتصاد إمكانية التوفير. ولأن المال يخسر قيمته دائمًا، يعتقَد أن ثمن الفرصة هو طريق باتجاه واحد. اصرف مالك اليوم لأنه سيشتري غدًا سلعًا أقل. إن مجرد فكرة إمساك النقد (التي كانت تسمّى من قبل ادّخارًا وتوفيرًا) أصبحت فكرة مجنونة في الأوساط المالية لأن الجميع يعرف أن المال يخسر قيمته. لاحظ الجنون! مقصد المال حفظ القيمة، ولكن لا أحد يريد إمساكه لأن العملات السائدة اليوم تفعل العكس. وبدلًا من أن يطلب الناس نوعًا أفضل من المال، اتجهوا إلى الاستثمار!

«أعتقد أن النقد زبالة بالمقارنة مع البدائل الأخرى، لا سيما التي تحافظ على قيمتها مع الوقت أو التي تزيد قيمتها في فترات تحفيز الاقتصاد».

راي داليو (أبريل 2020)

حتى أجلّ مستثمري وول ستريت معرضون لهذا الجنون ولأن يتصرفوا كالحمقى. إن المخاطرة بهدف مواكبة التضخم ليست أفضل من شراء أوراق يا نصيب، وهي نتيجة تثبيط التوفير. يصبح ثمن الفرصة الاقتصادية أصعب على القياس والتقدير عندما تتعطل الدوافع النقدية. اليوم، تكتسب هذه القرارات صبغة عقلانية بسبب فساد الدوافع. تتخذ قرارات الاستثمار وتشترى الأصول المالية عادة فقط لأن الدولار يخسر قيمته. ولكن النتيجة أبعد بكثير من التوفير والاستثمار. كل نقطة قرار اقتصادية تتعطل عندما يعجز المال عن تحقيق هدف حفظ القيمة.

كل القرارات بين الاستهلاك والتوفير، حتى قرارات الاستهلاك اليومي، تنحاز انحيازًا سلبيًّا عندما يخسر المال قيمته دائمًا. تتغيّر حسابات الجميع عندما يظهر ثمن فرصة صريح جديد لاستهلاك المال (أي عندما يظهر دافع للتوفير). كل نقطة قرار اقتصادية تصبح أدق عندما يؤدي المال وظيفته الصحيحة وهي حفظ القيمة. عندما يمكن توقّع حفاظ الوسيط المالي على قيمته على الأقل، أو زيادته لها، يزيد التركيز في كل قرار بين الاستهلاك والتوفير ويصبح معتمدًا على بنية دوافع أفضل.

«إن من أكبر الأخطاء الحكم على السياسات والبرامج بنيّات أصحابها لا بنتائجها».

ملتون فريدمان

إنه عالم يخشاه الكينزيون من الاقتصاديين، لأنهم يعتقدون أن لن يستثمر أحد إذا وُجد حافز للتوفير. تقول النظرية المعيبة إنك إذا أعطيت الناس دافعًا لـ«اكتناز» المال، فلن يستهلكوه أبدًا، ولن يستثمروا الاستثمارات «الضرورية». إذا لم يستهلك أحد شيئًا من ماله ولم تستثمر الاستثمارات اللازمة، ستزداد البطالة! إنها فعلًا نظرية اقتصادية لطلاب المدارس، فالعكس هو الصحيح، ستكون المخاطرة ويكون الاستثمار في عالم يحفَّز فيه التوفير.

وليس هذا وحسب، بل ستكون جودة الاستثمار أكبر لأن الاستهلاك والاستثمار كلاهما يستفيد من إشارات سعر غير مشوشة ومن حساب ثمن فرصة المال على طريقة السوق الحرة. عندما تقدَّر كل قرارات الاستهلاك مقابل توقع قوة شرائية أكبر في المستقبل، ستنحصر الاستثمارات في النشاطات الإنتاجية وسيتصفّى الاستهلاك اليومي بدقّة.

وبالعكس، عندما تصبح نقطة قرار الاستثمار متأثرة بعدم الرغبة في إمساك الدولار، تتوسّع أسواق المال. كذلك عندما تكون تفضيلات الاستهلاك مقودة بتوقع خسارة المال لقيمته في المستقبل، تصبح الاستثمارات متجهة نحو هذه التفضيلات المشوّشة. في النهاية، تهزم الدوافع قصيرة المدى الدوافع طويلة المدى، ويصبح القدماء مفضّلين على المحدثين، ويركد الاقتصاد، وهو ما يزيد تغذية أسواق المال، والمركزية والهندسة المالية، لا الاستثمار المنتج. إنه سبب ونتيجة، سلوك مقصود وعواقب غير مقصودة ولكن متوقعة.

اجعل المال يخسر قيمته لترى كيف يفعل الناس أشياء غبية لأن الغباء يصبح أكثر عقلانية. يُجبر الناس -الذين كانوا ليوفّروا لو كان التوفير لا يخسر قيمته- على تركيب مخاطرة فوق مخاطرة في محاولة لحفظ قيمتهم. في هذا العالم، تصبح المدخرات كلها في أسواق المال. وعندما تنشئ دافعًا يثبّط عن التوفير، لا تستغرب إذا استيقظت في عالم ليس فيه إلا قلة من الموفرين. يظهر الدليل العلمي هذا تمامًا، وبغض النظر عن ذهول أساتذة الاقتصاد أمام هذا، فإن نقص التوفير نتيجة لتثبيطه على يد مصدر كبير للهشاشة الجوهرية في النظام المالي القديم.

مفارقة المعروض المالي الثابت

إن نقص التوفير والاضطراب الاقتصادي مقودان بتعطّل الدوافع في العملة، وهذه هي المشكلة الرئيسة التي يحلها البيتكوين. بإنهاء إمكان البخس النقدي، تتفق الدوافع المتخالفة، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وهذا بنفسه كافٍ لعكس اتجاه توسع أسواق المال. ولئن كان كل بيتكوين ينقسم إلى 100 مليون وحدة، فالمعروض الاسمي ثابت عند 21 مليونًا. يمكن أن يقسم البيتكوين إلى وحدات أصغر وأصغر عندما يعتمده عدد أكبر من الناس، ولكن لا يستطيع أحد إنتاج بيتكوين اعتباطيًّا.

تأمّل الحالة النهائية التي يكون فيها كل المعروض (21 مليونًا) في السوق، لن يمكن توفير أكثر من 21 مليون بيتكوين، والنتيجة هي أن كل البيتكوين دائمًا موفَّر عند أحد في كل لحظة من الزمان. البيتكوين (وأجزاؤه) ينتقل من فرد إلى فرد أو من شركة إلى شركة ولكن المعروض الإجمالي ثابت (وغير مرن).

بإنشاء عالم يكون فيه معروض المال ثابتًا فلا يمكن توفير أكثر منه ولا أقل منه بالإجمال، يزداد الدافع والرغبة في التوفير على المستوى الفردي. إنها مفارقة، إذا لم يمكن توفير مالٍ أكثر بالإجمال، يزداد عدد الموفرين على المستوى الفردي. بالمقابل، قد تبدو هذه العبارة بسيطة: الأفراد يقدّرون الندرة. ولكن في الحقيقة، الأمر أن الدافع للتوفير سيولّد موفّرين، حتى إذا لم يمكن توفير مزيد من المال بالإجمال. ولكي يوفّر أحد، لا بد أن يستهلك غيره من مدخراته.

في النهاية، كل الاستهلاك والاستثمار يأتي من التوفير، ودافع التوفير يجعل الناس موفرين، ووجود مزيد من الموفرين يعني وجود مزيد من أصحاب القدرة على الاستهلاك والاستثمار. على المستوى الفردي، إذا توقع المرء أن الوحدة النقدية ستزيد قوتها الشرائية، قد يؤجّل الاستهلاك أو الاستثمار إلى المستقبل (الكلمة الرئيسة هنا: «يؤجل»). هكذا يجعل دافع التوفير الناس موفرين. وهو لا ينهي الاستثمار أو الاستهلاك، بل يضمن أن القرار يكون مقدَّرًا ومحسوبًا بدقة أكبر عندما تكون القوة الشرائية المستقبلية متوقعًا أن تزداد، لا أن تنقص. تخيل أن كل فرد يعمل في الوقت نفسه بآلية الدوافع هذا، وقارنه بنقيضه الموجود اليوم.

ولئن كان الكينزيون يخشون أن ازدياد قيمة العملة سيثبّط الناس عن الاستهلاك أو الاستثمار، ويدفعهم نحو التوفير على حساب مضرّة الاقتصاد كلّه، فإن السوق الحرة في الواقع تعمل عملًا أفضل من الذي تعمله عند تطبيق نظرية كينز الناقصة. في الواقع، ستستعمل العملة -وإن كانت متزايدة في القيمة- كل يوم لتسهيل الاستهلاك والاستثمار بفضل وجود دافع للتوفير، لا على الرغم من وجود هذا الدافع. إن الطلب الكبير على الاستهلاك والاستثمار يأتي من وجود ترجيح زمني إيجابي ودافع صريح للتوفير، إذ يحاول كل فرد أن يحصل على مال كل فرد آخر، وكل فرد محتاج إلى أن يستهلك سلعًا حقيقية كل يوم.

مفهوم الترجيح الزمني مفصّل في كتاب معيار البيتكوين للكاتب سيف الدين عموص. ولئن كان الكتاب واجب القراءة، ولم يكن إنصافه ممكنًا بالتلخيص، فإن الأفراد قد ينخفض ترجيحهم الزمني (يفضّلون المستقبل على الحاضر) أو يرتفع (يفضّلون الحاضر على المستقبل)، ولكن الجميع عنده ترجيح زمني إيجابي. المال أداة لتسهيل النشاط الاقتصادي اللازم لإنتاج الأشياء التي لها قيمة فعلية عند الناس، التي يستهلكونها في حياتهم اليومية. ومع العلم أن الوقت نادر في جوهره وأن المستقبل غير معلوم، نرى أن الناس -حتى الذين يريدون التوفير للمستقبل- مجبرون على تفضيل الحاضر على المستقبل في بعض الأشياء.

ماذا نفعك المال إذا اكتسبت كثيرًا منه ثم لم تستهلك فلسًا واحدًا؟ حتى إذا كان المال يزداد قيمةً مع الوقت، سيبقى الاستهلاك والاستثمار في الحاضر مفضّلًا على المستقبل بالمتوسط، بفضل وجود ترجيح زمني إيجابي وحاجات استهلاك يومي لا بد أن تلبّى لضمان البقاء.

7 مليارات إنسان يتنافسون + 21 مليون بيتكوين = عملة تزداد قيمةً + استهلاك دائم

الآن، هب أن هذا المبدأ ينطبق على الجميع في الوقت نفسه في عالم البيتكوين والمعروض المالي الثابت. سبعة مليارات إنسان، و21 مليون بتكون فقط. الكل عنده دافع للتوفير لوجود مقدار محدود من المال، والكل عنده ترجيح زمني إيجابي وحاجات استهلاك يومية. في هذا العالم، سيكون التنافس شديدًا على المال. وسيكون على كل فرد أن ينتج شيئًا قيّمًا بما يكفي ليقنع غيره بشرائه بماله الذي كدّ فيه، ولكنه سيكون مدفوعًا ليفعل ذلك لأن الأدوار ستنقلب في المستقبل. هذا هو العقد الذي يوفره البيتكوين.

إن الدافع للتوفير موجود ولكن التوفير نفسه يتطلب إنتاج شيء له قيمة يطلبها الآخرون. إذا لم تنجح أوّلًأ، فحاول، ثم حاول مرة أخرى. تتفق المصالح والدوافع بين أصحاب العملة وأصحاب السلع والخدمات، لأن المعادلة تنقلب على الجهة الأخرى من كل متاجرة. كذلك، يُدفَع الجميع إلى «توفير مزيد من المال» في عالم لا يمكن فيه توفير مزيد من المال. مع الوقت، يمسك كل فرد بمقدار أقل وأقل من العملة اسميًّا، ولكن بالمتوسط تكون القوة الشرائية للعملة الواحدة قد ازدادت مع الوقت. إن القدرة على تأخير الاستهلاك أو الاستثمار والمكافأة على ذلك، هي المثبت الذي يوافق بين كل الدوافع الاقتصادية.

البيتكوين نهاية أسواق المال

إن الدافع الأساسي لتوفير البيتكوين هو أنه حق ثابت في نسبة ثابتة من أموال العالم كله إلى الأبد. لا قدرة لأي بنك مركزي على زيادة معروض هذه العملة وبخس الموفّرات فيها. ببرمجة مجموعة من القواعد لا يستطيع ابن آدم تغييرها، يصبح البيتكوين هو المحفّز الذي يعكس اتجاه توسّع أسواق المال. إن توسع أسواق المال في اقتصادات العالم ليس إلا نتيجة لتخالف الدوافع النقدية، والبيتكوين يعيد الدوافع الصحيحة ليشجّع على التوفير. بعبارة صريحة: إن بخس الموفرات النقدية هو الدافع الأول لتوسع أسواق المال، نقطة. عندما تتصحح الآلية التي أنشأت هذه الظاهرة، لن يكون بدعًا أن تتصحح مسارات هذه العملية.

إذا كان البخس النقدي قد أدّى إلى توسع أسواق المال، فمن المنطقي أن تكون العودة إلى نظام مالٍ متين ذات أثر عكسي. إن مدّ أسواق المال من الآن منحسر، ولكن الأمواج بدأت الآن تتشكل لأن معظم الناس لا يبصرون النقش على الحائط. على مدى عقود، أمرتنا الحكمة العرفية أن نستثمر الأغلبية العظمى من مدخراتنا، لن يتغير هذا بين ليلة وضحاها. ولكن مع تعلّم الناس عن البيتكوين، وإنشاء المصارف المركزية العالمية تريليونات الدولارات وظهور شذوذات مثل الديون ذات الفائدة السلبية، تتّصل النقاط في أذهان الناس شيئًا فشيئًا.

«ازدادت القيمة السوقية لمؤشر الدين ذي الفائدة الإيجابية الصادر عن بلومبرغ باركليز غلوبال إلى 17.05 تريليون دولار [نوفمبر 2020]، وهو أكبر مستوى سُجّل في التاريخ، إذ يفوق ما سُجّل في أغسطس 2019 وهو 17.04 تريليون دولار».

أخبار بلومبرغ

سيبدأ مزيد ومزيد من الناس التشكيك في فكرة استثمار مدخرات التقاعد في أصول مالية خطرة. الدين ذو العائد السلبي أمر غير مفهوم، وإنشاء البنوك المركزية لمليارات الدولارات في بضعة شهور أمر غير مفهوم أيضًا. في كل أنحاء العالم، بدأ الناس يشككون في هيكل النظام المالي كله. قد تكون حكمة عرفية، ولكن ماذا إذا لم يكن العالم يعمل هكذا؟ ماذا إذا كان الأمر كل هذا الوقت مقلوبًا، وكان على الناس أن يجدوا نوعًا أفضل من المال لا أن يشتروا هذه الأسهم والسندات والمخاطر الاقتصادية بمدخراتهم؟

يمكن استعادة العقل في هذا العالم المجنون عندما يكون لكل فرد وصول إلى نوع من المال غير مبرمج لخسارة القيمة، بدلًا من أن يخاطر مخاطرات غير معلومة المستقبل، والأثر الجانبي لذلك هو ازدياد الاستقرار الاقتصادي. ببساطة، فكّر في الأمر. ما المنطقي في أن يستثمر كل فرد في الشركات العامة الكبيرة والسندات والمنتجات المالية؟ هل يعود جزء كبير من هذه الظاهرة إلى تعطل الدوافع النقدية؟ كم من المخاطرة بأموال التقاعد كان نتيجة الحاجة إلى مواكبة التضخم النقدي وبخس الدولار؟ إن توسع أسواق المال كان هو الطريق وهو الانفجار الذي أدى إلى الأزمة المالية.

نعم هو غير مسؤول وحده، لأن دوافع النظام النقدي هي التي أدت إلى التوسع الكبير في أسواق المال. زادت الدوافع الفاسدة مقدار المخاطرة المرفوعة وأنشأت نقصًا واسعًا في التوفير، وهو مصدر أساسي للهشاشة والاضطراب. ليس عند كثيرين قرش أبيض ليوم أسود، والكل يتعلم الفروق الدقيقة بين الأصول النقدية والأصول المالية في وسط أزمة سيولة. ظهر الأمر نفسه في أوائل عام 2020 عندما برزت أزمة سيولة. يقول المثل إن الحمار لا يقع في الحفرة مرتين.

كل هذا عائد إلى انهيار النظام النقدي والمجازفة الأخلاقية التي جاء بها نظام مالي لم يكن إلا نتيجة تخالف الدوافع النقدية. لا يمكن الخطأ في هذا: الاضطراب في النظام الاقتصادي الأوسع نتيجة للنظام النقدي، ومع كرّ الحلقات أمام الناس، سيتجهون شيئًا بعد شيء إلى طريق أفضل وأقدَر على البقاء.

الآن مع اتجاه الأنظار إلى البيتكوين، سيتجه السوق إلى تقليص أسواق المال وشفاء النظام الاقتصادي. هذا التقليص سيحدث مع اتجاه مزيد من الثروة من الأصول المالية إلى البيتكوين ومع ازدياد تعبير المشاركين في السوق عن تفضيلهم لنوع أقوى من المال مقارنة بالأصول الخطرة. سيُرى هذا التقلّص من خلال زيادة اعتماد البيتكوين، ومن خلال زيادة ثمن البيتكوين مقارنة بالأصول الأخرى، وإزالة رفع النظام المالي كله. كل شيء سيخسر قوته الشرائية أمام البيتكوين مع ازدياد اعتماد البيتكوين عالميًّا معيارًا للنقد.

أوّلًا، سيكتسب البيتكوين حصة من الأصول المالية، التي كانت من قبل تقريبًا مخازن للقيمة، من المنطقي أن الأصول التي كانت بدائل نقدية ستُحوَّل بازدياد إلى البيتكوين. وفي هذه العملية، سيتقلص حجم النظام المالي أمام القوة الشرائية لشبكة البيتكوين. إن وجود البيتكوين نظامًا نقديًّا أمتن لن يؤدي إلى مجرد انزياح في الأصول المالية، بل سيعطّل كذلك الطلب المستقبلي على هذه النوع من الأصول. لمَ تشتري الدين الذي لا يأتي بكبير فائدة، وسندات الشركات قليلة السيولة أو الحصص ذات الخطر إذا كان بإمكانك شراء أندر أصل (ومال) في الوجود؟

قد يبدأ الأمر بالغلاء الفاحش في الأصول المالية، والفائدة السلبية على الدين الحكومي، ولكن كل شيء سينتهي إلى طاولة القصّاب. مع حدوث هذا، ستواجه الأصول غير البيتكوين ضغطًا إلى الأسفل، وهو ما سيحدث في كل أدوات الدين التي تغطيها هذه الأصول. سيتأثر الطلب على الائتمان تأثرًا سلبيًّا، وهو ما سيقلّص نظام الائتمان كله (أو سيجعله يحاول أن يتقلص على الأقل). سيؤدي هذا بدوره إلى تسريع الحاجة إلى التيسير الكمي (زيادة معروض المال القاعدي) للحفاظ على أسواق الائتمان ورفعها،وهو ما سيزيد خروج الناس من الأصول المالية إلى البيتكوين. إن عملية التقلص هذه ستتغذى على نفسه وتتسارع بسبب حلقة التلقيم الراجع بين قيمة الأصول المالية ونظام الائتمان والتيسير الكمي.

والأهم أنه مع مرور الوقت وتوزّع المعرفة، سيختار الناس بساطة البيتكوين (ومعروضه الثابت) على تعقيد الاستثمار المالي والخطر المالي. تحمل الأصول المالية خطرًا تشغيليًّا وخطر تكلّف، أما البيتكوين فأصل محمول، ثابت المعروض، وإمكانية تقسيمه عالية، وسهولة نقله كبيرة. وظيفة النقد مستقلة ومختلفة عن وظيفة الأصل المالي. الأصل المالي هو حق بحصة من مجرى دخل آتٍ من أصل إنتاجي، مقدّر بنوع محدد من النقد. حامل الأصل المالي مخاطِر بهدف اكتساب مزيد من المال في المستقبل. أما ملك النقد وإمساكه فهو أبسط، والقيّم فيه هو إمكانية استبداله في المستقبل بالسلع والخدمات. باختصار، النقد يشتري حاجاتك، أما الأسهم والسندات فلا تشتري، ولذلك سبب.

لم يزل الفرق الجوهري منذ الأزل موجودًا بين التوفير والاستثمار، التوفير يكون في أصل نقدي والاستثمار يكون بوضع المدخرات في خطر. قد تكون هذه الخطوط تشوّشت بسبب توسع أسواق المال في الاقتصاد ولكن البيتكوين سيوضّحها من جديد. سيفوق المال ذو البنية الدافعية الصحيحة الطلب على الأصول المالية وأدوات الدين المعقدة. سيختار الشخص العادي بغريزته الأمان الذي يقدمه وسيط نقدي ذو معروض ثابت. مع خروج الأفراد من الأصول المالية إلى البيتكوين، تتقلص أسواق المال في الاقتصاد. وبهذا ستخرج القوة من شارع وول ستريت وتعود إلى شارع السوق.

لن يبقى القطاع المصرفي مركز الاقتصاد ولن يبقى طريقة للتكسّب، بل سيعود إلى مكانه جانب الصناعات الأخرى وينافس على رؤوس المال مثلها. اليوم، معظم رؤوس المال النقدية أسيرة في النظام المصرفي. لن يكون الوضع هكذا في عالم يسود فيه البيتكوين. في هذا التحول، سينقطع تدفّق المال من البنوك تدريجيًّا، وسيعود إلى التدفق بين المشاركين الاقتصاديين الذين يسهمون بقيمة في الاقتصاد.

ستبقى أسواق الائتمان والبورصة والتوسط المالي، ولكنها لن تأخذ أكبر من حجمها. وعندما تصبح حصة اقتصاد أسواق المال من الموارد أقل وأقل وتتوافق الدوافع الاقتصادي مع الذين ينتجون قيمة اقتصادية فعليه، سيعيد البيتكوين تنظيم الاقتصاد كله. لقد أدى تثبيط التوفير إلى نتائج مجتمعية، ولكن السفينة الآن متجهة إلى الاتجاه الصحيح نحو مستقبل أجمل. في ذلك المستقبل، ستكون أيام تفكير الجميع بالأسهم والسندات قد انقضت، وسيقضون وقتًا أكبر في العودة إلى أساسيات الحياة والأشياء التي تستحق.

إن الفرق بين التوفير في البيتكوين (وعدم المخاطرة) وبين الاستثمار المالي (المخاطرة) كالفرق بين الليل والنهار. إن في التوفير في نوع من النقد يعمل لك لا عليك شيئًا علاجيًّا. إنه أشبه بوضع ثقل كبير عن أكتافك، لم تكن تعلم أصلًا أنك تحمله. قد لا يظهر الأمر مباشرة، ولكن مع الوقت، سيسمح لك التوفير في نوع من النقد له دوافع صحيحة أن تقلل تفكيرك وقلقك بشأن المال. تخيل عالمًا في مليارات الناس، يستعملون كلهم عملة مشتركة، ويستطيعون أن يركزوا أكثر وينتجوا قيمة أكبر لمن حولهم، من دون أن يقلقوا بشأن صناعة المال والاستثمار في أسواق المال. لا يعلم أحد كيف سيكون هذا المستقبل، ولكن البيتكوين سيقلّص أسواق المال في الاقتصاد، وستكون نهضة جديدة لا شكّ.

Tagged : / / / / / /

البيتكوين واحد للجميع

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: اغسطس2020

في المؤتمر الديمقراطي الوطني (أغسطس 2020)، وصفت النائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز حملة بيرني ساندرز الرئاسية بأنها «حركة ستدرك الوحشية مستحيلة الاستدامة لاقتصادنا الذي يكافئ التفاوتات الفظيعة في الثروة فيعطي البعض على حساب الاستقرار طويل الأمد للكل». إن إفادة النظام الاقتصادي الحالي للبعض على حساب البقية أصبح أمرًا معروفًا على نطاق أوسع، ومقبولًا على طرفي الجدال السياسي في السنين الأخيرة. ومع أن الخلاف شديد في أمر الحل المناسب، فإن الجميع تقريبًا يوافق على وجود المشكلة. ومن حسن الحظ، أو من سوئه، أنه ما من حل سياسي لمشكلة أصلها اقتصادي في جوهره. من سوء الحظ، لأن السياسيين من كل الاتجاهات سيعدون وعودًا ضخمة وهم في الحقيقة يقسّمون الناس أكثر وهم يبحثون عن حل سياسي غير موجود. في الوقت نفسه، هو من حسن الحظ، لأن الحل ليس سياسيًّا، إذ قد تبيّن تاريخيًّا أن عبور الانقسامات الحزبية سعيٌ بلا جدوى.

لا شك أن البنية الاقتصادية فاسدة. فجوات الثروة لا تزداد إلا توسّعًا، والنظام لا يمكن استدامته، والاضطراب الاقتصادي في كل مكان. عادت أسواق البورصة والدخل الوطني المتوسط إلى أعلى مستوياتها مع أن عشرات ملايين الأمريكيين يسجّلون في عداد البطالة ونصف المجتمع ليس لديه أي مدخرات. المعادلات الاقتصادية لا تفسر المشكلة. هذه حقيقة عالمية يصعب نكرانها، تخنق كثيرًا من الناس. السياسيون ببساطة ليسوا الإجابة. المشكلة الجوهرية في بنيتنا الاقتصادية الحالية ليست في السياسة، بل في العملات التي تنسّق النشاط الاقتصادي (منها: الدولار واليورو والين والبيسو والبوليفار، وغيرها). الفجوة في الأساس. ما من سياسي يستطيع أن يحل المشكات الناشئة من العيوب الجوهرية في المال الحديث. فإذا ثبت الأساس، أمكنت حلول التحديات ذات المستوى الأعلى، أما وهو هكذا، فكل هذه الجهود سترجع بخفي حنين.

العملة هي أساس الاقتصاد لأنها تنظم كل النشاط الاقتصادي. إذا كان الاقتصاد يتعطّل وظيفيًّا، فالأنسب أن يقال إن العملة التي يقوم عليها لا تنظم النشاط الاقتصادي تنظيمًا فعّالًا، إن العملة هي المدخل والاقتصاد هو المُخرَج. باختصار، الذبابة في المرآة هي المال. ولئن كان كثير من الناس يحاولون حل مشكلة التفاوت في الثروة، فإن قلّة منهم يدركون أن أعظم مصادر هذا التفاوت إنما هو الأداة التي يستعملها الجميع لتنظيم الحفلة كلها. فالأمر ليس أن الاقتصاد يخذل الجمهور، بل أن الدولار (أو اليورو أو الين أو غيره) يخذل الجميع من حيث هو آلية أساسية لتنظيم الموارد الاقتصادية. الاختلال الاقتصادي والتفاوت المتزايد في الثروة هو العادي الجديد، وليس في هذا الاختلال الذي يحافظ عليه الفدرالي شيء طبيعي. في الحقيقة، إنه تناقض اقتصادي. التوازن ركنٌ لا بد منه لعمل الاقتصاد، وإذا عمل الاقتصاد عملًا صحيحًا، سيقضي طبيعيًّا في سيرورته العادية على الاختلال. إذا أخفق الاقتصاد في تحقيق ذلك، وأتاح المحافظة على الاختلال، فهذا دليل على بنية اقتصادية معطلة. ولكن الاختلال الفظيع والمتزايد الموجود اليوم ليس نتيجة محتومةً ولا مقدّرة لرأسمالية السوق الحرة، بل هو نتيجة السياسة النقدية للبنك المركزي، التي تتيح الحفاظ على الاختلالات الاقتصادية بطرائق لم تكن ممكنة لولاها.

السياسة النقدية للمصرف المركزي هي قوة التنشؤ الخارجي التي تنشئ فسادًا وتشوّشًا اقتصاديًّا ضخمًا وتزيد مستويات التفاوت. إن وجود التفاوت الاقتصادي ليس في نفسه ظلمًا، بل اختلاف المخرجات أمر طبيعي ومتّسق تمامًا مع التوازن الاقتصادي. ولكن التفاوت الذي ينشئه ويفاقمه نظام نقدي معيب ظُلم، وليس طبيعيًّا في اقتصاد حر. إنه تغيير خارجي. إن العيب البنيوي الجوهري في نظام عملة الدولار (أو أي عملة حكومية أخرى) هو القوة صاحبة المسؤولية الكبرى عن الاختلال الاقتصادي المحافَظ عليه. هذا التفاوت الشديد الذي لا يمكن استدامته ناشئ من ذلك الاختلال. كل فعل اقتصادي مفسد آخر، وكل سياسة أخرى، موجودة في الطبقات الأعلى من المشكلات التي ينشئها تحريف المال نفسه. هذا هو أصل كل المشكلات الاقتصادية البنيوية، وإلى أن تحل هذه المشكلة، سيبقى العالم متوقّفًا في حالة شديدة الهشاشة ومتزايدتها. إن النظام النقدي القديم الذي يمركز الثروة ويجمّعها هو نتاج الحفاظ على الاختلال الاقتصادي ومفاقمته. إنه نظام ينفع القليل على المدى القصير، ولكنه يخذل الجميع على المدى الطويل لأن التلاعب بالمال وتنامي الاختلال الاقتصادي اضطراب في النظام. تضعف قدرة العملة على تنظيم النشاط الاقتصادي تدريجيًّا، ثم تخفق تمامًا، ويدفع الجميع الثمن الذي لا بد من دفعه.

البيتكوين هو القطب النقيض. البيتكوين ينفع الجميع، في الحاضر والمستقبل. ينهي البيتكوين في مساره الطبيعي الاختلال الاقتصادي، متى ما وُجد وأينما ظهر، لأن معروضه لا يمكن تحريفه. مع ثبات المعروض عند 21 مليون بيتكوين، ومع دوام تزايد منحني الاعتماد، سيزداد عدد المالكين للبيتكوين، وستصغر حصة كل فرد من الكعكة الثابتة نفسها. إن ملكية العملة تصبح بسيرورتها الطبيعية أكثر توزّعًا وأقل تركّزًا مع الوقت، وهو ما يبني أساسًا لتوازن أكبر. البيتكوين يسوّي ميدان اللعب ويضمن أن النظام النقدي نفسه لن يكون مصدر ظلم اقتصادي شديد. وهو يفعل ذلك بضمانه لحقوق لا يمكن نزعها. كل ممسك بالعملة معه ضمان أنه لن تُضاف وحدات أخرى من العملة اعتباطيًّا، وكل وحدة من العملة تعامَل بالتساوي في الشبكة. ينظّم البيتكوين النشاط الاقتصادي تنظيمًا أفضل لأن آلية تسعيره لا يمكن إفسادها ولا تحريفها على يد قوى خارجية، وهو عيب قاتل في نظام العملة القديم. إن المعروض الثابت، والأمان المتساوي، وصدق إشارات الأسعار يضمن ازدياد التوازن. يصلح البيتكوين الأساس الاقتصادي للجميع على نحو يستطيع فيه كل شيء بعد ذلك أن يصلح نفسه.

دور المال ونظام السعر

للتبسيط، فكّر في المال على أنه وظيفة التنظيم في الاقتصاد. منفعة المال هي التوسط بين سلسلة متاجرات. تسلَّم، أمسك، اصرف (تحية إلى @pierre_rochard)، بهذه البساطة. المال هو السلعة الوسيطة التي تستعمل لتأسيس القيمة والمتاجرة بها. مع تجمّع السوق على نوع مشترك من المال، ينشأ نظام تسعير، يتيح القياس الموضوعي للمفهوم الذاتي للقيمة. المال هو آلية التسعير، ومخرَجه هو نظام التسعير. يعبّر نظام السعر عن معلومات، ويجمع التفضيلات الفردية في الاقتصاد ويعبّر عنها بالأسعار المحلية، مقيسة بوسيط مالي مشترك. التغيّر في الأسعار يعكس تغيّرًا في التفضيلات.

ولمّا كانت التفضيلات في تغيّر دائم، كانت الأسعار كذلك. في الاقتصادات المتطورة ملايين السلع، ولكل سلعة منها أسعار مفردة تؤدي إلى مليارات إشارات الأسعار النسبية. هذه الإشارات النسبية تعبّر عن معدلات المقايضة بين المكونات المختلفة للسلع. ولئن كان ممكنًا أن يبقى سعر سلعة ما ثابتًا فترةً من الزمان، فإن بعض الأسعار دائما تتغير في الاقتصاد، وهو ما يقتضي تغير الأسعار النسبية دائمًا. يعمل الاقتصاد دائمًا سعيًا إلى التوازن من خلال التغيرات الإجمالية في مستويات الأسعار. كل فرد في الاقتصاد ينفعل بالإشارات الأقرب إلى تفضيلاته، التي تتغير طبعًا وتتأثر ديناميكيا بتغير الأسعار نفسها. بنظام التسعير، يتعلّم المشتركون في السوق ماذا يقيّم الآخرون، وماذا يجب أن ينتجوا ليلبّوا حاجاتهم. مع تغير الأسعار، تتغير السلوكات، ويتأقلم الجميع. نظام التسعير هو اليد الظاهرة (إشارة إلى اليد الخفية عند آدم سميث) التي تتيح تحقيق التوازن واكتشاف الاختلالات وإنهاءها. يتحقق الاستقرار الاقتصادي طويل المدى بفض التعبير المستمر عن المعلومات المتغيرة من خلال نظام السعر. إن تقلّبات الأسواق -وهي أمر لا بد منه في الأسواق الحرة- هي التي تمنع الاختلالات الكبيرة والمنظومية من التشكل.

عيوب سلطة البنك المركزي

إن أساس الاقتصاد فاسد لأن المال الذي ينظم النشاط الاقتصادي يُحرَّف بيد فاعلة. معظم البنوك المركزية، ومنها الفدرالي، عندها سلطة إنشاء المال اعتباطًا من دون ثمن، ولها سلطة توجب عليها ضمان استقرار الأسعار. هذا المزيج قاتل لعمل أي آلية تسعير، ومن ثم قاتل للاقتصاد نفسه. عندما يعمد البنك المركزي إلى استقرار أي مستوى من مستويات الأسعار، فإنما يعمل خلافًا للسيرورة الطبيعية للاقتصاد، التي تسعى إلى التوازن وتتأقلم مع تغير التفضيلات عبر نظام السعر. بل إن الأدوات التي يستعملها البنك المركزي لتحقيق استقرار الأسعار إنما هي تحريف معروض المال، وهو ما يفسد كل آلية التسعير التي يقوم عليها الاقتصاد. مع كل محاولة خارجية لتحقيق استقرار الأسعار، يتيح البنك المركزي عمليًّا الحفاظ على الاختلالات، ويوزّع معلومات فاسدة لكل فرد في الاقتصاد، من خلال إشارات السعر الزائفة، وهو ما يزيد بدوره الاختلالات. تخيل أن هذا يحدث في كل مرة حاول الاقتصاد فيها أن يجد التوازن. بالحفاظ على الخلل، يبقى المستفيدون منه مفضَّلين على حساب سائر الناس.

والأسوأ أن هذا يشلّ قدرة الأدنين في الطيف الاقتصادي على الإسهام والتحكم بحصة أكبر من الموارد في الاقتصاد. إن أسعار الأصول المضخّمة تضخيمًا زائفًا تصنع معركة سيزيفية للذين لا يملكون أي أصول، والإشارات الكاذبة تؤدي إلى قرارات خاطئة، تضر الأدنين في الطيف الاقتصادي الذين هم أقل قدرة على تحمل الأخطاء والمشكلات. هذه الإشارات الخاطئة والمفسَدة التي أنشأها تحريف معروض المال مضرّة للجميع على المدى الطويل، ولكنها على المدى القصير تفيد الذين يفيدهم الاختلال.

فعلى سبيل المثال، عندما كان سعر العقارات ينخفض في أزمة عام 2008 المالية، كانت آلية التسعير في الاقتصاد تعبّر عن وجود اختلال. بالإجمال، كان المشتركون في السوق يعبرون عن زيادة الطلب على المال أمام انخفاض طلب العقارات. في تلك اللحظة، كان مقدار المال في السوق ومقدار العقارات المتاحة قريبين من الثبات، بعيدين عن التغير السريع. وكانت التفضيلات في الاقتصاد تتغير ردًّا على اختلاف الأسعار النسبية. لم يسمح الفدرالي للاقتصاد أن يعود إلى توازنه ولا أن يلغي الخلل، بل زاد معروض الدولارات سعيًا إلى تحقيق الاستقرار في قيمة العقارات بالدولار. بلغة الأرقام، أنشأ الفدرالي 1.7 تريليون دولار واستعمل هذه الدولارات الجديدة ليشتري سندات مغطاة بالقروض، في محاولة صريحة لدعم قيمة العقارات. استفاد ملّاك العقارات (البيوت) وأصحاب شركات إنتاج وتمويل العقارات من هذا على حساب غيرهم. مالت المصلحة إلى طرف الاختلال القائم، وهو ما يحدث دائمًا عندما يُستبقى الاختلال استبقاءً زائفًا.

بهذا الفعل، لم يحرّف الفدرالي قيمة العقارات وحدها، بل وحرّف وأفسد كل إشارات التسعير في الاقتصاد بزيادته معروض المال. لو كان السوق متروكًا على سجيّته لأنهى الاختلال بتغيير الأسعار. حلّ الفدرالي كان العكس. بخسَ الفدرالي قيمة العملة (بزيادة معروضها)، لتبقى قيمة العقارات (وغيرها من السلع) ثابتة بالدولار. لم ينه الفدرالي الاختلال، بل أتاح استبقاءه ونموّه. حالما يدرك المرء الدور الأصيل الذي يلعبه المال وآلية التسعير في تنظيم النشاط الاقتصادي، يتضح اتّضاح النهار أن استبقاء الاختلال هو ما يحدث كل مرة يتدخل فيها الفدرالي لتحقيق استقرار مستويات الأسعار. الاستقرار إذا تحقق بالتحريف والتغيير، ليس إلا كبتًا للتقلب. يضفي هذا التحريف على الأسعار صرامةً غير طبيعية، مع أن تقلب الأسعار أمر مرغوب وطبيعي في سوق يعبّر عن تغير التفضيلات. عندما تُستبقى الاختلالات (التي لم يكن لها أن تبقى لولا التدخل الخارجي) بوسائل زائفة وعلى فترات متطاولة من الزمان، لا يزيد الاقتصاد إلا تقلّبًا على المدى الطويل، وتتعطل قدرة الوسيط النقدي على تنظيم النشاط الاقتصادي، وهو منفعته الوحيدة. كل مرة وبالتراكم، تفضّل هذه العملية وترسّخ أصحاب المناصب المستفيدين، في الوقت الذي يحاول فيه السوق إنهاء الاختلال.

بتحريف مستويات الأسعار، لا يمنع الفدرالي نيرانًا متقطّعة صغيرة من الاشتعال، فيما ينمّي نيرانًا كبيرة في آخر الطريق. بل إن فعل الفدرالي كفعل الوقّاد الذي يوقد نارًا، ويهرب من الباب الخلفي في منتصف الليل، ثم يُجعَل بطلًا عندما يُرى داخلًا من الباب الأمام محاولًا إطفاء النار بالوقود. إن تغير مستويات الأسعار، وإن كان كبيرًا، ليس نارًا ولا حاجة لإطفائه. بل منع تغير الأسعار، وإيجاب تحقيق الاستقرار فيها، هو الذي يشعل النار أصلًا. الفدرالي يحتوي كل سلسلة القيمة في آلية التسعير. إن التغير في الأسعار أمر مرغوب، والبنك المركزي يعمل على خلاف ذلك بتحريف معروض المال. إن تشكّل الاختلال في الاقتصاد طبيعي، أما إنشاء آلية مركزية لمنع إنهاء الاختلالات والقضاء عليها فهو الجزء المضر غير الطبيعي. تنشئ هذه الآلية اضطرابًا اقتصاديًّا على المدى الطويل بإفساد إشارات السعر عبر العقود، وتوسّع فجوة الثروة بتفضيلها للذين في الطرف الصحيح من الاختلال. وليس خلافًا للمتوقع أن وجود الأمر بتحقيق استقرار الأسعار، مع قدرة البنك المركزي على طباعة المال، ينتج اضطرابًا على المدى الطويل واستبقاءً للاختلالات الاقتصادية.

ادّعاء المعرفة – حايك  

يوافق معظم أساتذة الاقتصاد أن تثبيت الأسعار أو تحديد سقوف لبعض السلع الاقتصادية ينشئ عجزًا واختلالًا في الاقتصاد. ولكن جمهرة الخبراء نفسها هذه تلتف وتدافع دفاعًا شرسًا عن السياسة النقدية للبنك المركزي، دون وعي بتناقضها الجوهري. التحريف الاقتصادي تحريف اقتصادي. ثبات سعر أو كمية أي سلعة اقتصادية مقودًا بقوى خارجية يؤدي إلى اختلال، أما التغير فيؤدي إلى التوازن والاستقرار. أمر منطقي، ولا إثارة للجدل فيه. فلمَ لا يُفهَم الأمر نفسه عند الكلام عن المال؟ تنشأ الاختلالات عندما يستهدف البنك المركزي معدلات فائدة معينة بتحريف معروض المال، كما نشأت اختلالات عندما حددت الحكومة الفنزويلية اعتباطيًّا سعر غالون البنزين تحت سعره الحقيقي. ومن المفارقة أن تحريف معروض المال أشدّ خرابًا على الاقتصاد لأنه يفسد كل الأسعار، ولا تتغير كل إشارات الأسعار ولا مستويات الأسعار المفردة بالمعدل نفسه. عندما يسعى الفدرالي إلى تحقيق استقرار الأسعار، يُرسل إشارات سعر خاطئة في الاقتصاد ويؤدي إلى استبقاء اختلالات في بنى العرض والطلب. استقرار الأسعار تحريف للأسعار، ولا شك أن سعر المال عندما يُحرَّف لتحقيق تعريف الاستقرار، فإنه يؤدي إلى درجة من الفساد الاقتصادي هي أعظم من تحريف أي سوق مفرد.

فردريك حايك – استعمال المعرفة في المجتمع

عواقب استبقاء الاختلال

إن أفضل طريقة لفهم عواقب استبقاء الاختلال إنما هي النظر في نظام الائتمان لأنه المكان الذي يتدخل فيه الفدرالي تدخلًا مباشرًا، ومن ثم فهو المكان الذي فيه أكبر إفساد واختلال. مع تباطؤ الاقتصاد وابتداء تغير الأسعار خلافًا لما يريده الفدرالي، يزيد الفدرالي معروض الدولارات في النظام المالي بشراء آلات الدين (خزائن الحكومة عادة) وبائتمان الدولارات الجديدة في حسابات البائعين. في أول الأمر، كان نظام الائتمان مجرد أداة لتحقيق سياسة نقدية، وكان آلية يحاول بها الفدرالي تحقيق استقرار الأسعار. يزيد معروض الدولارات بشراء أدوات الائتمان، ويقلل معدلات الفائدة بالطريقة نفسها، ويوسّع الاقتصاد بالائتمان الرخيص ويسبب استقرار مستويات الأسعار العامة. كانت هذه النظرية، وكانت هذه النية. ولكن، كما توقّعنا، أدّت هذه الطريقة إلى تشكل اختلالات وبقائها في نظام الائتمان نفسه. الآن، أصبحت الأمَةُ تلد ربّتها. اليوم، يحوي نظام الائتمان في الولايات المتحدة 77.9 تريليون دولار، أما عدد الدولارات الحقيقية في نظام البنوك فهو 4.5 تريليون دولار. أمام كل دولار حقيقي موجود، عندنا 17 دولارًا من الدين المقوّم بالدولار (نسبة الدين إلى الدولار 17:1). مرة أخرى، لم يكن هذا الاختلال ليمكن ويستبقى إلا بوجود الفدرالي. في كل مرة يحاول نظام الائتمان أن يتقلّص، ينشئ الفدرالي مزيدًا من الدولارات في محاولة للحفاظ على حجم نظام الائتمان، ليستطيع أن يوسعه بعد ذلك. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه لا بتخصيص المال نفسه وتوسيعه. بالإجمال، نظام الائتمان هو المسعّر الهامشي بفضل حجمه نسبة إلى معروض المال القاعدي. ولأن الفدرالي ملزَم بالقانون بالحفاظ على استقرار الأسعار، كان لا بد أن يحافظ على حجم نظام الائتمان، ولكي يفعل ذلك لم يكن له بد من استهداف أسعار الأصول التي تدعم مستويات الدين القائمة. أصبح الأمر دورًا. استعمل الفدرالي نظام الائتمان لتحقيق استقرار مستويات الأسعار، ثم أصبح اليوم ملزمًا بالحفاظ على حجم نظام الائتمان ليحافظ على الأسعار المستقرة.

هذه الدور الخبيث لم يكن ليمكن لولا سلطة الفدرالي الأحادية على معروض المال. في عام 1971، أنهى الرئيس نكسون كل قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، وفصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب تمامًا عام 1976. ولئن كان تأسيس الاحتياطي الفدرالي عام 1913 هو البداية، التي استمرت بأمر الرئيس روزفلت عام 1933 بمنع ملكية الذهب، فإن مغادرة الذهب تمامًا بوصفه مثبّتًا اقتصاديًّا كانت في السبعينيات، وأزالت كل القيود التي كانت تمنع تمركز معروض المال، وهو ما مكّن التضخم النقدي الكبير الذي كتب عنه بول تيودور جونس مؤخرًا. وإذ أُزيلت القيود النهائية، فُتح الباب أمام الفدرالي ليأخذ دوره المركزي ويدير الاقتصاد إدارة فاعلة بتحريف معروض المال، الذي يؤثر في الاقتصاد من خلال نظام الائتمان. في نتيجة مباشرة لذلك، توسع معروض المال القاعدي ونظام الائتمان توسّعًا لم يكن ممكنًا لولا الفدرالي، وأتيح للاختلالات أن تنمو مع الوقت لتنشئ إفسادات اقتصادية طويلة المدى.

عندما تنشأ اختلالات في نظام الائتمان (زيادة الدين)، يقدّم الفدرالي مزيدًا من الدولارات ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين القائمة. بدلًا من إزالة الدين الفاسد وإنقاص مستويات الدين، يستبقي الفدرالي الاختلالات ولا يقضي عليها. هذا هو السبب الحقيقة لكبر حجم قطاع البنوك والائتمان، لم يكن هذا ليكون ممكنًا لولا قدرة الفدرالي على طباعة المال لاستبقاء مستويات الدين الكبيرة استبقاءً زائفًا، كل هذا بهدف «استقرار الأسعار». عمليًّا، في كل مرة كان قطاع البنوك ليتقلّص، كان الفدرالي يتخذ إجراءات لمنع هذا التقلص. يبدو الأمر جنونًا لأنه جنون عفلا، ولكنه حقيقي وموجود لأن نظام الائتمان هو آلية النقل الأساسية في السياسة النقدية للفدرالي. يحتاج الفدرالي إلى الحفاظ على نظام الائتمان لأنه يستطيع بواسطته «إدارة» الاقتصاد. يرى الفدرالي أن استهداف أسعار أصول معينة للحفاظ على مستويات الدين أقل إفسادًا من السماح بإصلاح الديون وإلغائها. في رأي الفدرالي هي ستة بالطريقة الأولى، ونصف اثني عشر في الأخيرة، عمليًّا سيّان، ولكن بإفساد أقل. في الحقيقة، أحد الطريقين هو أسوأ أنواع التحريف الاقتصادي، والثاني هو الموازنة الطبيعية للاقتصاد في حال الاختلال. يختار الفدرالي الخيار الأول، فيشتري الاستقرار على المدى القصير بالاضطراب على المدى الطويل.

ومع أن استهداف أسعار معينة للأصول يفضّل أصحاب الأصول (الأغنياء) وهو كالضريبة على فاقديها (الفقراء) وضوحًا، فإن الفدرالي لم يزل ملزمًا بالحفاظ على استقرار الأسعار. عند الأدنين في الطيف الاقتصادي، الذين ليس عندهم مدخرات تذكر، النقد هو معظم أو كل مدخراتهم. بالمقابل، يملك الأعلون في الطيف الاقتصادي النقد إلى جانب أسهم في الشركات، وعقارات، وأصول مالية، كالأسهم والسندات. مرة أخرى، تأمل في أزمة 2008. كان في أسواق الإسكان والمال اختلالات، وكانت الأسعار في هذه الأسواق في مستويات لا يمكن استبقاؤها. مع اضمحلال الاختلال وتصحّح الأسعار، دخل الفدرالي ليحقق استقرار أسعار الأصول. تخيل أنك امرؤ يدخل الاقتصاد في ذلك الوقت، من دون أي مدخرات، أو أنك لا تستطيع شراء منزل، ولا عندك أسهم ولا سندات. كل من كان يملك أصولًا أُنعش على حساب من لا يملك، وكله من أجل استقرار الأسعار.

بزيادة معروض الدولارات لرفع أسعار الأصول، يصبح كل دولار أقل قيمة. بُخست أجور الأدنين في الطيف الاقتصادي، ورُفعت أسعار الأصول بالتحريف. تلا ذلك تضخم في أسعار كل سلع المستهلكين. الأمر مثل تلقّي الضربات من الجهتين. الأجور تشتري أقل وأقل مع الوقت، وصعوبة تجميع المدخرات اللازمة لشراء الأصول تزداد. أوّلًا، آثار هذا الأمر أفضل ما يقال فيها أنها صفرية المجموع. يستفيد الأعلون، ويعاني الأدنون. في النهاية، يخسر الجميع لأن المنتهى هو الاضطراب الاقتصادي. لاحظ الارتباط العكسي بين أسعار البيوت وقدرة الناس على شراءها، ثم اعلم أن أسعار البيوت يحرّفها الفدرالي. واعلم أيضًا أن أسعار البيوت اليوم في قمم لم تُشهَد من قبل (فوق مستويات 2007 الفقاعية)، هذا ونصف أهل البلد لا مدخرات عندهم. هذه المعادلة مستحيلة في عالم غير محرف، وهي معادلة تدوس من لا مدخرات له.

يوافق الاقتصاديون المديرون للوضع، والمستفيدون منه على وجوب التلاعب هذا (كل مرة)، التاريخ يكتبه المنتصرون ولكنه أدخنة ومرائي.

«نعم، كانت تجربة مجنونة، ولكن لم يكن أمام الفدرالي خيار آخر. تخيل أن كل الذين على الطرف الأدنى من الطيف الاقتصادي سيخسرون أعمالهم لولا أفعال الفدرالي. من دون عمل، سيكون الأفقر في الطيف الاقتصادي أسوأ حالًا ولن يستطيع أن يشتري بيتًا»

على الأقل، هذا دفاع شائع ومعروف. لا شك أن الكلام نفسه تكرر مؤخرًا في الدفاع عن أفعال الفدرالي ردًّا على الجائحة العالمية (إذ طبع 3 تريليونات دولار). قد يبدو الأمر منطقيًّا، ولكنه سابقة في تحريف مستويات الأسعار ما من حجة اقتصادية تستطيع تسويغها. السردية عالقة في دورة خبيثة تبدأ بالاختلال الاقتصادي (وتنشئها عقود من السياسة النقدية المشوِّشة). تذكّر الوقّاد الذي سُمّي بطلًا لإطفائه الحريق. لا يمكنك أن تحفر وتخرج من الأزمة إذا كنت تحفر في الاتجاه نفسه. في المستوى الأساسي، يتيح تحريف مستويات الأسعار استبقاء الاختلالات التي كانت ستصحح لو تركت لنفسها. وينفع الذين أسهموا واستفادوا من وجود هذا الاختلال، كالذي يأكل كعكة ويستبقيها، أو كالذي يأكل التفاحة مرتين. والذين يُنعَشون اقتصاديًّا كانوا قد أقدموا على خطر لا يُنصَح به، فلم يُعاقبوا على ذلك، بل حُوفظ على الاختلال. لقد سُمح للمنافع المكتسبة من بنى الدوافع المحرفة أن تستمر بطريقة لم تكن لتمكن لولا قرارات الفدرالي السياسية.

بنية اقتصادية غير محرفة

ولئن لم يكن في الوجود توازن كامل، فإن وجود تقلب الأسعار هو الطريقة التي يسعى بها الاقتصاد إلى التوازن بالتجربة والخطأ. كل فرد يتأثر بمجموعة إشارات الأسعار التي لا تزال في تغير. هذه الإشارات هي الطريقة التي يقدّر بها الناس أي عمل يفتحون، وأي مهارات يتعلمون، وأي مهنة يطلبون، وكل هذا معتمد على مصالح وقدرات كل فرد. قد تنشأ الاختلالات طبيعيًّا لأن الأفراد يضاربون ويبالغون في الاهتمام ببعض القطاعات بناءً على تفضيلاتهم وتوقعاتهم الناقصة. هذه هي طبيعة التجربة والخطأ. لا يعلم أحد المستقبل ولا يستطيع أحد توقعه، بل يستعمل الناس إشارات السعر ليهتدوا في قراراتهم. ينتج فرد أو شركة سلعة بثمن س ويريد أن يبيعها بثمن ع، فإذا لم يوجد طلب كاف ليربح المنتج، فهذه معلومات يعبر عنها السوق للمنتج. حظًّا أوفر في المرة القادمة، أنتج بسعر أرخص أو أنتج شيئًا آخر له قيمة أكبر أو يريده عدد أكبر من الناس. بذلك تنتهي الاختلالات. الذين يخاطرون يملكون عواقب مخاطرتهم، والأمر يعود إلى رسم رقعة في لعبة لا تنتهي ولكنها تهدف إلى تزويج الأفكار والمهارات الفردية بتفضيلات المشاركين في السوق.

«الأسعار والأرباح هي كل ما يحتاجه المنتجون ليخدموا حاجات الناس الذين لا يعرفونهم. إنها أدوات للبحث، كما أن المنظار يوسّع نطاق الرؤية أمام الجندي والصياد والبحار».

فردريك حايك

المال هو الأداة المستعملة لتنظيم الموارد واختبار السوق بالتجربة والخطأ، وهو دم الاقتصاد لأنه أساس نظام السعر. إنه الطريقة التي تتوزع بها المعلومات إلى الناس. كلما كان المال أفضل، كان نظام السعر أمتن. وكلما كان نظام السعر أمتن، زاد توازن الاقتصاد. فالذين يقدمون أكبر قيمة إلى أكبر عدد من الناس يُكافؤون بأكبر حصة من المال، ولكن المال ليس له كبير قيمة للمنتج إذا لم يكن الآخرون ينتجون أشياء يطلبها هو. لا يحافظ النظام على نفسه في غياب التوازن، ولكي تشتري سلعة أو خدمة من فرد آخر، لا بد أن تكتسب مالًا أوّلًا. إن اكتساب المال بتقديم خدمة طوعية للآخرين نتيجة أفضل بكثير للجميع بالإجمال، أفضل من اكتسابه بأي طريقة أخرى. وهو أفضل لأنه الطرقة الوحيدة التي تجعل الدورة مستمرة وتكافلية، لا منقطعة ولا صفرية المجموع. ما فائدة زبون نفد ماله أو لم يملك مالًا أصلًا؟ في اقتصاد متوازن، كل منتج هو مستهلك عند غيره، والعكس بالعكس.

«أعط رجلًا سمكة تطعمه يومًا، علمه الصيد تطعمه عمرًا».

ليس عليك أن تكون متديّنًا لتفهم الحكمة. يستفيد كل فرد كلما زاد عدد المنتجين للسلع والخدمات، ويُدفَع كل فرد إلى إنتاج مزيد ممّا يطلبه الآخرون في الاقتصاد. إن في كل إنسان مصلحة أنانية في تقديم القدمة للآخرين وفي مساعدة الآخرين على تقديم القيمة بالمقابل. ولكن هذا القول ليس قولًا ساذجًا أو آملًا في الاقتصاد، إن للتجارة والتخصص منافع ظاهرة، ولاتساع نطاق الخيار أمام الأفراد منافع ظاهرة، فهو الذي يحدد تقسيم العمل. ينظّم المال تقسيم العمل، ونوع المال الذي يملك أفضل آلية تسعير هو الذي يقدم أكبر قيمة أمام أكبر طيف اختيار، وهو الذي يقدم أكبر توازن. آلية التسعير الأقل فسادًا تقدّم أوضح إشارة لما يطلبه الآخرون، وبذلك تقدّم أكبر ضمان أن المعلومات الواصلة ليست إشارات خاطئة. إن وظيفة الوسيط النقدي غير المشوّشة، ونظام تسعيره، هما ما يضمن القضاء على الاختلالات، وهما الحاكم الذي يتيح التوازن والعلاقات التكافلية واستكشافها في عملية مستمر من التجربة والخطأ.

بنية اقتصادية محرفة ومعطلة

تمنع سياسة الفدرالي النقدية الاقتصاد من إصلاح نفسه وإيجاد التوازن. إن الجهود الهادفة للحفاظ على استقرار الأسعار لدى حدوث خلل إنما هي حفاظ على إشارات سعر خاطئة. تبقى الأصول المنتجة في أيدي القليل، ويبقى العالم واقفًا في حالة اختلال. المال الذي يجد طريقه إلى الأدنين في الطيف الاقتصادي يعود إلى حوزة أصحاب الأصول المنتجة كالفخ المحكم لأن الاختلالات البنيوية لم تصلَح. تتوقّف عملية الاشتفاء الطبيعية عندما يتدخل الفدرالي. لا يمكن لبنية الاقتصاد أن تدوّر المال بطريقة تكافلية لأن التوازن غير موجود، ولا اتفاق بين مهارات المشاركين في السوق وتفضيلاتهم. إن دفع الفدرالي لمال في اقتصاد متعطل بنيويا مثل إعطاء رجلٍ سمكة تطعمه اليوم، ولكنها في الوقت نفسه تمنعه من تعلم الصيد بالحفاظ على إشارات خاطئة. إن وجود الاختلال دليل على اقتصاد لا يلبي حاجات أصحابه الذين هم السوق. أو هو دليل أن الأصول والأفراد مالكي حصة الأسد لن يستمروا في تلبية حاجات الناس إذا أُتيح للاقتصاد أن يتعدّل.

إن البنية الاقتصادية الفدرالية تنتج ظلمًا بمنع إصلاح اختلالات الاقتصاد. هذا هو ما يحاول السوق عمله كل مرة قبل أن يدخل الفدرالي ليحافظ على حلمه. وبمنح الفدرالي كل حسن الظن، نقول إنه يعتقد أنه يساعد. إن مبدأ نظرية الاقتصاد التي يعتمدها الفدرالي هي أن الإدارة الفاعلة لمعروض المال قوة إيجابية في الاقتصاد. هذا موجود في الحمض النووي للفدرالي. لا يُسأل عنه ولا يُناقش فيه. يرى الفدرالي نشاطاته مليّنة لإشارات السوق لا محرّفة لها. والسؤال الذي يتساءله أصحاب الفدرالي هو سؤال كمّ تحريف معروض المال ووقته، لا سؤال وجوده أو عدمه. هل يتوقع أحد أن يكون الفدرالي مقوّمًا صادقًا لأفعاله؟ هذا أشبه بأن يقوّم المرء امتحان نفسه، لن يتوقع أحد أن يكون التقدير موضوعيًّا لامتناع الموضوعية. بعض الافتراضات الخاطئة محفورة في عقولهم تمنع إمكان الموضوعية. لذلك يبحثون في كل مكان عن الإجابة، إلا المرآن فلا ينظرون فيها، ويحاولون السياسات نفسها مرة بعد مرة، متوقعين نتيجة مختلفة كل مرة.

«التفاوت في الثروة أمر نشهد تزايده منذ أربعة عقود، وليست مرتبطة بالسياسة النقدية حقًّا. الأمر مرتبط أكثر بـ(تأتأة)، عندنا كثير من النظريات عن أسبابه، ولكنه أمر لم يزل متزايدًا في العقود الأربعة الماضية وعندنا نظريات كثيرة مختلفة عنه، منها أن العولمة والتقانة تدعوان إلى رفع مستويات المهارات والكفاءات والتعليم وأن التعليم في الولايات المتحدة انخفض، لا سيما بالمقارنة مع أقراننا، في هذه الفترة.»

جاي بول، رئيس الاحتياطي الفدرالي (يونيو 2020)

قدّم رئيس الفدرالي مؤخرًا هذا الأمر ردًّا على سائل يسأل هل تسهم سياسة الفدرالي في زيادة التفاوت في الثروة. لاحظ أن الإجابة ليست حجة على أن سياسة المصرف المركزي لا تسبب الاختلال والتفاوت. بل هو تصريح أقرب إلى «انظر هناك، لا هنا». لا تصدّق أساطير تغذية العولمة والتقانة للتفاوت في الثروة. ما من شيء في التقانة والابتكار والعولمة يسبب استبقاء الاختلال الاقتصادي أو توسع فجوة الثروة في الاقتصاد. إذا كان الابتكار قيّمًا، فهو بالتعريف حالٌّ لمشكلات طيف من الناس، ولكن إذا لم يكن طالبوه أصحاب مال أو لم يستطيعوا شراءه، لن يكون قيّمًا. تصبح القيمة مشيرة إلى ذاتها بهذا المعنى. إن توازن الاقتصاد هو المدخل الأساسي للقيمة. لكي نصدّق حكايات التقانة والعولمة وتسبيبهما للاختلال الاقتصادي، لا بد أن نعمي أنفسنا عن آثار مركزة معروض المال، التي بدورها تؤدي إلى جعل البنوك مركز الاقتصاد ودم قلبه، وهو ما أتاح استبقاء الاختلالات عقودًا من الزمن نتيجة قرار سياسي. قد يكون عندنا نظريات كثيرة، ولكن تحريف كل إشارة سعر في الاقتصاد هو مبدأ الاختلال الاقتصادي والظلم، وهو عيب بنيوي في الأساس، ينشئ مضمار لعب غير متساويًا تنشأ منه كل العوامل الأخرى.

إذا حدث أ، حدث ب، وإن لم يحدث، لم يحدث

المال هو حجر أساس الأنظمة الاقتصادية. إن فهم الدور التأسيسي والمؤسس الذي يلعبه المال في المحرك الاقتصادي يقتضي الربط المنطقي بين مشكلات الاختلال الاقتصادي المنظومي والتحريف الاعتباطي لمعروض المال. نعم، في الصورة عوامل أخرى. ومعروض المال ليس النشاط الاقتصادي الوحيد الذي يُحرَّف. فسياسة الضرائب ونفقات الحكومة والجهاز التشريعي كلها عوامل مسهمة. ولكن التركيز في هذه الأشياء سيكون كإصلاح نافذة في الطابق المئة، في الوقت الذي لا تقوم فيه الطوابق الدنيا إلا على عمود واحد. هذه هي العلاقة بين المشكلات الجوهرية في النظام النقدي (الأساس) وكل المشكلات الاقتصادية الأخرى (المستويات العليا). المشكلة الأصلية التي يحلها البيتكوين هي الأساس. إذا استطعنا إظهار بعض التواضع، سندرك أنه ما من حل لمشكلة اتساع فجوة الثروة والاختلال الاقتصادي. لا خطة عند أحد ولا قانون يحل كل شيء. الاختلال الناشئ عن الأمر المركزي لا يحله الأمر المركزي. بل العكس. الأمل الحقيقي الوحيد هو حل الأساس أولًا، ليستطيع الجميع العودة إلى الحالة المرغوبة من دون الحاجة إلى مراقبة واعية. من هنالك يأتي التوازن.

«ولكن الذين يطبّلون لـ‹التوجيه الفاعل› —وهم لا يستطيعون أن يؤمنوا أن الأشياء التي تطورت من دون تصميم (بل من دون فهم منّا لها) تستطيع أن تحل مشكلات لا نستطيع حلها بوعينا— عليهم أن يتذكروا هذا: المشكلة تحديدًا هي كيف نوسّع نطاق استعمالنا للموارد توسيعًا يجعله أوسع من نطاق سيطرة أي عقلٍ مفرَد، ومن ثم، كيف نستغني عن الحاجة إلى السيطرة الواعية، وكيف نقدّم دوافع تجعل الأفراد مريدين لفعل المرغوبات من دون أن يضطر أحد إلى أن يأمرهم بذلك».

فردريك حايك – استعمال المعرفة في المجتمع

مع ثبات المعروض عند واحد وعشرين مليونًا، وفرضه على أساس لامركزي لا يحكمه أحد، أخذ البيتكوين القدرة على تحريف الوظيفة النقدية تمامًا. إذا لم يستطع الأطفال المشاغبون أن يشاركوا ويلعبوا بحسن أخلاق، ماذا تفعل؟ تأخذ اللعبة منهم وتضعهم في صندوق العقوبة. هذه هي العلاقة بين البيتكوين والمصارف المركزية. ما من إنسان (ولا مؤسسة) جدير بالسلطة على معروض المال، فالحل العملي الوحيد هو أخذ هذه القدرة والإغواء تمامًا. الثابت في البيتكوين هو المعروض الثابت، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولا يستطيع أحد فعل شيء لتغيير هذا. سيتغير كل شيء حول البيتكوين، ولكن معروضه الثابت سيبقى المقياس الذي تقاس به كل الأنشطة الأخرى. يضمن ثبات المعروض تساوي مضمار اللعب ويقدّم مصدرًا للحقيقة، وهو أمر غائب في بنيتنا الاقتصادية الحالية. وإذ امتنع تحريف معروض المال، امتنع تحريف إشارات السعر. فإذا امتنع تحريف إشارات السعر أصبحت المعلومات في السوق أقرب للحقيقة. ولكن لا تخلط بين قرب المعلومات من الحقيقة وتسوية مضمار اللعب وبين استقرار السعر أو مشكلة التقلّب. إذا كانت قيمة البيتكوين 12 ألف دولار اليوم و10 آلاف دولار غدًا، فهذا مصدر معلومات غير مشوش.

«التنوّع معلومات، فإذا انتفى التنوع انعدمت المعلومات (…) لا حرية بلا ضجيج، ولا استقرار بلا تقلب».

طالب وبليث، شؤون أجنبية، مسألة مايو/يونيو 2011

يضمن المعروض الثابت أن أي تغيير في السعر مقود بتغير الطلب لا بالتغيير الاعتباطي في معروض المال (أي إن تغير السعر يعكس تغيرًا في تفضيلات الاقتصاد كله). بهذا ينتهي طرف كامل من المعادلة، طرف يؤثر تأثيرًا شديدًا على الأسعار اليوم، ويفسد التعبير عن التفضيلات. تخيل أن تعلم علم اليقين أن كل تغيير في السعر ناجم عن تغير في تفضيلات المستهلكين لا عن زيادة أو إنقاص معروض المال. هذا هو الفرق بين القدرة على الاعتماد على إشارات السعر الاقتصادية وبين لعب كرسي كراسي عالمًا أن لاعبًا غيرك قائم على البفلة. اليوم وفي المستقبل، سيبقى هذا المبدأ صادقًا. سيستطيع الجميع الاعتماد على هذا وعلى أن التغيرات في نظام تسعير البيتكوين ستكون دائمًا صادقة ولن تتأثر بتغيرات اعتباطية في المعروض.

الفرق الجوهري بين البنية المالية القائمة والبيتكوين يغيّر اللعبة كلها. إشارات سعر كاذبة أمام إشارات سعر خاطئة. الإشارات الكاذبة مثل الاعتقاد بأن عندك ورقة غش في الامتحان، والاعتماد على هذه الورقة، لتكتشف بعد ذلك أن الامتحان مختلف تمامًا. يعتقد الجميع أنهم يستجيبون للإشارات الصادقة، ولا يدركون أن المعلومات التي يعبَّر عنها كانت لتكون مختلفة جدا لو لم تكن محرّفة. مع كل صدمة عنيفة تحدث في النظام، يدرك الجميع أن إشارات الأسعار تعبّر عن معلومات فاسدة، ليدخل الفدرالي ويحاول تحقيق استقرار الأسعار ويطمئن الجميع أن الوضع سليم ويعود إلى اللعب، معتمدًا على الإشارات الفاسدة نفسها. السبب الأساسي لإمكان الصدمة العنيفة في النظام هو أن هذه العملية جرت كل مرة حاول فيها الاقتصاد استعادة توازنه في السنين الخمسين السابقة. تحاول الإشارات الكاذبة أن تتصحح، ولكن القوى الخارجية لا تزيدها إلا بقاءً وضخامة. مع ثبات معروض المال، كل شيء خاطئ مصلَح إلى الأبد. لم يعد ممكنًا استبقاء الخلل. فما دام البيتكوين موجودًا، لن يستطيع الوسيط النقدي توزيع إشارات سعر زائفة. إن بين الصواب والخطأ والصحة فرقًا. الإشارات الصحيحة هي التي تضمن أن المعلومات المعبَّر عنها عاكسة للتفضيلات الفردية والإجمالية في الاقتصاد. بهذا المعنى، ما من صواب أو خطأ، ما دام يمكن الاعتماد على المعلومات وافتراض صحتها وعدم تشويهها. ليس على أحد أن يثق أو يشكك في صحة إشارات سعر البيتكوين لأن المعروض الثابت ضامن لها.

وليس على أحد بعد اليوم أن يشعر أنه مضطر إلى لعب لعبة مزورة لأن اللعبة تنتهي. ستنقضي عمّا قريب أيام الظلم النقدي مع توزّع البيتكوين في أرجاء العالم. سيزيح البيتكوين ميزان القوة ويعيده إلى الذين ينتجون القيمة فعلًا، بدليل الإشارات السعرية الصحيحة، التي يعبّر عنها الممسكون بالعملة. وبصرف النظر عن الضرائب والقوى التشريعية، إذا أراد أحد أن يشتري البيتكوين، فلا بد أن يقدّم قيمة بالمقابل، وسيكون البيتكوين حاكمًا على هذه القيمة. من الواحد والعشرين مليونًا، في السوق اليوم أكثر من 18 مليونًا ونصف. هذه التي في السوق كلها مملوكة لأفراد أو كيانات. لتحصل على أي منها، لا بد أن تقدّم قيمة للذين يمسكون بالعملة من قبلك. حتى البيتكوين الذي ليس في السوق بعد، لا يمكنك أن تحصل عليه إلا بالإسهام بقيمة. لا يصدق هذا على النظام النقدي القائم. في البنية القائمة، يمكن اكتساب الدولارات إما بتقديم الخدمة للآخرين في الاقتصاد، أو عندما يقرر الفدرالي أن يعطي أحدًا بعض المال. وهذا الأخير أمر ليس نادر الحدوث. من كل الدولارات الموجودة اليوم، 80% طُبع وخُصّص بعد أزمة 2008 (مصدر)، ولم يُدفَع مقابل قيمة مقدّمة. أي النظامين يبدو أعدل وأكثر توازنًا وقدرة على جمع الدوافع في الاقتصاد عبر العقود والأجيال؟

مع تزايد المعتمدين للبيتكوين، ستنتقل العملة من مالكيها إلى غير مالكيها. وبجعل المقدار الاسمي للبيتكوين صفريّ المجموع، ضمانٌ أن النظام الاقتصادي ليس صفري المجموع. لكي تدخل الاقتصاد، لا بد أن تقدم قيمة إلى أحد في الشبكة. لا تتسرّب القيمة خارج النظام، ولا فيه عجز ناجم عن إنتاج المال. وسواء دخول أفراد جدد إلى الشبكة أو حدوث تجارة داخلية، القيمة تنتقل دائمًا، وبهذا الانتقال تُنتَج قيمة أيضًا. تذكر أن الوظيفة القيّمة للمال هي تنظيم النشاط الاقتصادي. أما إنتاج المال، فلا ينتج أي قيمة ولا يؤدي إلا إلى تشويش وتعطيل قدرة الوسيط النقدي على العمل الصحيح. أما المقدار الاسمي للمال فليس مهمًّا. المهم هو القدرة على التعبير عن معلومات دقيقة لأوسع مجموعة من المشتركين في السوق.

هذا هو سبب طلب الناس للمال، ومع تحديد المعدل النهائي للتغير عند الصفر، يستطيع كل مشارك أن يستعمل البيتكوين ليفهم قيمة منتجاته أمام منتجات الآخرين وأمام تفضيلات الآخرين، من دون أي إفساد ناشئ عن تغيرات معروض المال. يستطيع كل فرد أن يتخذ قرارات أفضل (بالمتوسط) سعيًا إلى مصلحته، ولكنه في الوقت نفسه يقدم قيمة للآخرين وسيلةً لهذا. المقدار الثابت من المال وتزايد المقدّرين له يعني تزايد توزّع العملة. إذا ثبت المعروض، امتنعت القدرة على توفير أكثر من 21 مليون بيتكوين، وفي الوقت نفسه ستتغير بنية الدوافع لتدفع الناس إلى التوفير. بإدخال دافع جديد إلى التوفير (المعروض الثابت) سيزداد توفير الناس. ومع توفير الناس بعملة لها معروض ثابت، تصبح حصة كل فرد أصغر وأصغر ولكن بهذه العملية يزداد الاستقرار. أما التحكم المركزي بمعروض المال والقدرة على استبقاء الاختلالات فيؤديان إلى تركيز الثروة، وأما المعروض الثابت فيزيد العملة توزّعًا ولامركزية وتوازنًا.

الحكم المركزي لمعروض المال يتيح تركيز توزّع المال مع إنشاء وحدات جديدة من العملة للحفاظ على الاختلال، أما الحكم اللامركزي فيفرض المعروض الثابت ليضمن زيادة توزع العملة مع الوقت. إن بنية العملة تؤدي إلى الأثر المعاكس، ويمكن أن نرى هذا الاتجاه في البيانات الحقيقية. البيتكوين في أيدي صغار المالكين يزداد، والبيتكوين في أيدي كبار المالكين ينقص. مع نمو النظام الاقتصادي، يزداد توزّع العملة عرضًا. تتوزّع العملة على مزيد من الناس ولا تتركّز في يد قلّة، وينقص المقدار في يد كل مالك، ولكن القوة الشرائية تزداد. مع تزايد طلب الناس للعملة، تزداد قيمتها. ولكن المعروض ثابت في النهاية. مع تزايد الطلب وتفوقه على التقلّص في العرض، تبقى طريقة رئيسة واحدة لاكتساب البيتكوين: تقديم قيمة لمالك سابق للعملة. تنتقل القيمة من مالكين مبكرين قلة إلى قاعدة أشد توزّعًا مع الوقت. يربح الجميع، وتزداد فائدة الشبكة مع اختيار المشاركين الدخول فيها ويقل تمركزها، لتضمن بذلك توازنًا أكبر، وتقلل الأخطار التي كانت لتوجد في حال وجود مالكين كبار جدًّا للعملة.

عندما تجمع دوافع وسيط نقدي المصالح الفردية والجماعية، يصبح المجموع غير الصفري هو الأصل، ويصبح التوازن هو الأصل. البيتكوين متاح للجميع، وكل من يختار أن يستعمله حاصل على الحمايات نفسها. كل من ينتج قيمة ويتاجر بها لاكتساب البيتكوين مضمون أن يكون مخرجه غير مبخوس في المستقبل بسبب إنشاء رجل في أرض بعيدة مزيدًا من المال. والكل آمنٌ كذلك من إشارات السعر المفسدة. في البيتكوين، يحصل الفقير والغني على الحمايات نفسها. وليس هذا ضمانًا أن الآخرين سيقوّمون العملة أكثر أو أقل، ولكنه إنهاء لاحتمال البخس القسري للعمل والمنتج المخزن في وسيط نقدي، وهو ما يفسد النشاط الاقتصادي وينشئ إشارات سعرية خاطئة. عندما تُخيّر بين احتمال سوء النتيجة وحتمية سوء النتيجة، يصبح الخيار واضحًا. بالمقارنة مع البنية الاقتصادية الحالية التي يفهم فيها الأغنى فهمًا أفضل آثار البخس الفاعل للنقد، ويكون صاحب عتاد أقوى لمحاربة هذا البخس واستغلاله، أمامنا عالم يكون فيه للأدنين في الطيف الاقتصاد فرصة ليكتسبوا مزيدًا من المال بتسوية مضمار اللعب لهم. والأمر مع هذا ليس أمر غني وفقير. الكل مستفيد من إنهاء إنتاج المال، ومن اقتصاد يقدم توازنًا أكبر بالتعبير عن معلومات أكمل.

في تغريدة من عام 2018، وصف مؤسس إثيريوم (فيتاليك بوتيرين) وصفًا جميلًا قوة امتلاك عملة ذات معروض ثابت لا يمكن تحريفه، ولكنه كان في الوقت نفسه يحاجج للرأي النقيض. استعمل فيتاليك الحجة نفسها التي يستعملها المصرفيون المركزيون الذين يدافعون عن أفعالهم، وفي الوقت نفسه عبّر عن القوة التي يمتلكها حامل عملة ذات معروض ثابت. ولئن كان كان بوتيرين يرى أنها أوليغارشية أن يمتلك الإنسان نسبة ثابتة من مال العالم إلى الأبد، فماذا إذا كان هذا الحق شاملًا لأفقر أهل الأرض؟ ماذا إذا كان حقًّا لكل فرد على الأرض؟ هذه هي قوة البيتكوين. إذا كنت تعيش في أفقر الدول في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مثل نيكاراغوا، وقررت أن تشتري بيتكوين، فإن لك حقًّا لا يمكن تغييره في نسبة ثابتة من مال العالم كله، وإلى الأبد. أنت وحدك تستطيع تقرير متى وكيف ومع من تتاجر هذا المال لتحصل على قيمة في المستقبل. أصبح أفقر الناس في نيكاراغوا فجأة على نفس مضمار مليونيرية نيويورك مثل بول تيودور جونس. في شبكة البيتكوين لا تفريق. الحقوق المتساوية هي الأصل. هذا الأمر لا هو موجود ولا هو ممكن الوجود أصلا في النظام المالي القديم. لا شك أنها أوليغارشية أكبر أن تُبخَس موفّرات أحد من الناس بزيادة معروض المال مع تحديد مَن يُدفَع إليه هذا المال في الوقت نفسه. لا مقارنة بين هذا العالم وبين عالم يتيح للعاملين الجادين المنتجين للقيمة أن يقرروا كيف يخصصون القيمة التي يحصلون عليها في المستقبل.

إن فكرة أن البيتكوين يحل مشكلات الفقير والغني اليوم مربكة لبعض الناس. يعتقد معظم الناس أن البيتكوين أصل مضاربة، وينظر كثيرون إلى تقلبه فيرونه غير مناسب لمن ليس له شيء من المدخرات ويستطيع أن يخسر شيئًا ما. هذا الرأي -لحسن الحظ- خاطئ تمامًا ولا دليل عليه في الاقتصاد. من السهل النظر في كارثة اقتصادية مثل فنزويلا، تعاني فيها الأغلبية العظمى من الناس لتلبية الحاجات الأساسية، والقول إن الوصول إلى الغذاء والماء والطاقة والطبابة أهم من «شراء» البيتكوين. ولكن أصعب منه النظر في الانهيار الاقتصادي الذي سببه تدهور المال الذي كان من قبل ينظم النشاط الاقتصادي والقول إن الحل الوحيد على المدى الطويل لبنائه هو استعمال نوع من المال يحقق وظيفة تنظيم النشاط الاقتصادي تحقيقًا أفضل. إن الوصول الدائم للغذاء والماء والكهرباء والطبابة غير ممكن من دون استعمال المال لتنظيم الموارد. في إعادة بناء الاقتصاد على أساس وسيط نقدي جديد، لا بد أن يسبق أحد، وإذا كان الأمر صعب التخيل، فليس معناه أنه ليس الطريق الوحيد أمامنا. فعلٌ يجرّ فعلًا. ويجرّ آخر ثم آخر. سواء أكانت فنزويلا أو أي دولة أخرى تعاني تدهورًا اقتصاديًّا متسارعًا، أو أي منطثة فقيرة في العالم المتطور، فإن الحاجة إلى الحل عاجلة، ولكن ما من حل سريع. لا يستطيع البيتكوين إزالة دكتاتور اشتراكي، ولا يستطيع إخراج الكلبتوقراطيين، ولا يستطيع إلغاء سياسة ضريبية مضرة أو برنامج اجتماعي، ولا يستطيع قلب الفقير غنيًّا ولا قلب الغني فقيرًا. ولكن يستطيع أن يحل مشكلات اليوم لكل من هو بصير بما يكفي ليستعمله، مهما كان مستواه أو مكانته الاقتصادية.

ما من سبب يجعل نوعًا رفيعًا من المال يقدم وظيفة لمجموعة ويمنعها عن آخرين، مهما كانت ثروتهم أو دخلهم أو أي سبب آخر. إنها دورة خبيثة لا بد من كسرها، ولكن نقطة البدء لرفع أي فرد أو مجتمع هي إيجاد طريقة لإنتاج قيمة أكبر من القيمة التي يستهلكها أو يطلبها الآخرون. أفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف هو استعمال المال لمتاجرة القيمة وتنظيم النشاط الاقتصادي. البيتكوين ليس أداةً للأغنياء تتوفر للفقراء عندما يكتفي منها الأغنياء. هذا كلام غير منطقي. بل هو العكس: هو أفضل طريقة لتسوية المضمار، بصرف النظر عن صعوبة الطريق أمام بعض المشاركين بالمقارنة مع غيرهم. إن طلب المال عالمي، ومع الوقت، كل من يستعمل المال صاحب أقوى أساس وأصدق سعر سيستفيد. الدولار والعملات الحكومية الأخرى هي عملات للقلّة على المدى القصير، وليست لأحد على المدى الطويل، أما البيتكوين فهو واحد للجميع، الآن وفي المستقبل، لأنه يصلح الأساس الاقتصادي للجميع.

«سواءٌ في روما أم القسطنطينية أم فلورنسا أم البندقية، يظهر التاريخ أن نظام النقد المتين ضرورة للازدهار الإنساني، من دونها يقف المجتمع على جرف الهمجية والانهيار».

سيف الدين عموص, معيار البيتكوين

Tagged : / / /

رويدًا، ثم فجأة | السلسلة الكاملة

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ادعم المحتوى العربي – Support Bitcoin translations


1 رويدًا، ثم فجأة

لن يتحول البيتكوين من أمر معدوم إلى شكل مستقر للمال بين ليلة وضحاها. سينتشر البيتكوين في البداية رويدًا، ثم فجأة.


2 البيتكوين لا يمكن نسخه

يحاول خيميائيو العصر الحديث تقليد البيتكوين و إنتاج المال ، يروَّجون لعالم فيه مئات العملات. ولكن لا تغلط ، فالبيتكوين لا يمكن نسخه


3 البيتكوين ليس شديد التقلّب

يسخر اقتصاديو المنظومة القائمة من تقلب سعر البيتكوين، كأن في الإمكان أن يتحول البيتكوين من أمر معدوم إلى شكل مستقر للمال بين ليلة وضحاها


4 البيتكوين لا يهدر الطاقة

يقدم البيتكوين لمستخدميه الاستقرار المالي والحرية الاقتصادية ، وسيستهلك موارد الطاقة اللازمة لحماية شبكته وتلبية الطلب المتزايد عليه.


5 البيتكوين ليس شديد البطء

يعمل البيتكوين بالسرعة اللازمة لتأمين خواصه الفريدة: الندرة الرقمية واللامركزية. يتيح الأساس السليم بناء طبقات لتقديم حلول المدفوعات السريعة وغيرها


6 يصلح البيتكوين هذا

يؤدي تدخل المصارف المركزية المستمر في الاقتصاد إلى الأزمات المالية وبخس العملةوتدهور البنية الاقتصادية. يصلح البيتكوين هذا


7 البيتكوين، وليس البلوكتشين (سلسلة الكتل)

تشرح هذه المقالة المقولة التي يرددها الكثيرون المتمثلة بالآتي: “نحن لسنا متأكدين بعد من البيتكوين لكننا نؤمن بتقنية البلوكتشين”، ثم تشرح لنا كيف يعتمد البيتكوين وسلسلة كُتَلته (بلوكشينه) على بعضهما البعض. وتوضح لنا أن البيتكوين قد تم إنشاؤه خِصِّيصاً لمعالجة مشكلةٍ قائمة في النقود الحديثة، وقد تم ذلك بإزالة الحاجة لوجود طرفٍ ثالث موثوق به عن طريق سلسلة الكتل (البلوكتشين) التي كانت جزءاً جوهرياً من هذا الحل.


8 البيتكوين له غطاء

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين له غطاء، وهو الغطاء الداعم لأي عملة: مصداقية خصائصه المالية.


9 البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

البيتكوين مال، ومعروضه نادر ندرة مطلقة ، تزداد قيمته مع زيادة تبنيه حتى يصبح أقوى آلية تسعير في العالم


10 لا يمكن حظر البيتكوين

تناقش هذه المقالة بطريقةِ المنطق المشروط في الادِّعاء القائل أن الحكومات ستحظر البيتكوين، وتصل للشَّرطَين الآتيين: هل يعمل البيتكوين كنقد بشكل فَعَّال؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يكون لدى الحكومات شيء لتحظره. أما إذا كانت الإجابة نعم، فعندها ستحاول الحكومات حظره. ولكن، يصبح السؤال هنا إذا ما كان هذا التدخل الحكومي سينجح في إفشال عملة البيتكوين التي تعمل أصلاً في تلك الفترة مستقبلاً.


11 البيتكوين ليس للمجرمين

المناعة على الرقابة لا تتجزّأ، إمّا أن تكون وإمّا ألّا تكون. إذا أمكنت رقابة أي نشاط في الشبكة، فمعناه أن الشبكة كلها قابلة للرقابة.


12 البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى

البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى لأن الأنظمة المالية تتجمع على عملة مفردة، والبيتكوين هو العملة صاحبة أفضل الخصائص المالية.


13 البيتكوين نداء للنضال

مهما كان عدد دورات التيسير الكمي في جعبة الفدرالي ونظرائه العالميين، فإن البيتكوين يصبح ولا بدّ صرخة للقتال لكل الذين يرون اقتراب هلاك القطار ولا يريدون الانتظار دون فعل شيء


14 البيتكوين حس مشترك

قد تجري جدالات ولكن البيتكوين هو الطريق الذي لا محيد عنه إلى الأمام. الوقت يحدو مزيدًا من الناس إلى العقل.


15 البيتكوين واحد للجميع

الدولار والعملات الحكومية هي عملات للقلّة على المدى القصير، وليست لأحد على المدى الطويل، أما البيتكوين فهو واحد للجميع، الآن وفي المستقبل، لأنه يصلح الأساس الاقتصادي للجميع.


16 البيتكوين نهاية أسواق المال

تخيل عالمًا في مليارات الناس، يستعملون كلهم عملة مشتركة، ويستطيعون أن يركزوا أكثر وينتجوا قيمة أكبر لمن حولهم، من دون أن يقلقوا بشأن صناعة المال والاستثمار في أسواق المال. لا يعلم أحد كيف سيكون هذا المستقبل، ولكن البيتكوين سيقلّص أسواق المال في الاقتصاد، وستكون نهضة جديدة لا شكّ.


البيتكوين حس مشترك

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: مايو 2020

«لعلّ أن المشاعر المحتواة في الصفحات التالية، ليست إلى الآن شائعة بما يكفي لتكتسب تأييدًا عامًّا، إن طولَ عدمِ رؤية الشيء خطأً يعطيه مظهرًا زائفًا من الصواب، ويُطلق أوّل الأمر صرخة هائلة في الدفاع عن العُرف. لكن هذا الضطراب سرعان ما يهدأ. الوقت يحدو مزيدًا من الناس إلى العقل.»

توماس بين، الحس المشترك (فبراير 24، 1776)

كانت هذه الكلمات مفتتح نداء توماس بين إلى الاستقلال الأمريكي في أوائل عام 1776. في ذلك الوقت، كان إعلان الاستقلال بعيدًا عن الحتمية، ولكن في رأي بين، لم يكن محل سؤال. لم يكن نقاشًا، بل لم يكن إلا طريق واحد إلى الأمام. لكنه مع ذلك كان يفهم أن الرأي العام لم يلقط الفكرة بعد وأنه لم يزل متعلّقًا بالوضع القائم، وهي عادته، وأنه يفضل المصالحة بدلًا من الاستقلال. العادات القديمة تموت موتًا صعبًا. إن من شأن الوضع الراهن أن يُدافِع عنه الناس، سواءٌ أكان صالحًا أم لا، لمجرد تثبيته في الزمان للعادات التي لم تنقطع. ولكن، للحقائق طريقة في الاتّضاح مع الوقت، هذه الطريقة عادةً هي الحس المشترك لا العقل ولا المنطق. يومًا ما، ستصبح الحقيقة أقرب من صفع وجهك، إذ تصبح ظاهرةً ظهورًا موجعًا عندما تراها رأي العين فتفتح لك منظورًا لم يكن ليوجد. ولئن كان بين ولا شكّ يحاول إقناع العوام المذبذبين بالعقل والمنطق، فإنه في الوقت نفسه يدعو إلى عدم إطالة التفكير في ما يعارِض الأمر الذي أصبح واضحًا بنفسه، الاستقلال.

في رأي بين، لم يكن الاستقلال اختبار ذكاء على الطريقة الحديثة، ولا كانت أهميته مقصورة على المستعمرات الأمريكية، بل كان اختبار حس مشترك، وكانت أهميته عامّة لأنه «قضية كل بني الإنسان» بعبارة بين. من أنحاءٍ كثيرة، نجد أن هذا يصدق على البيتكوين أيضًا. البيتكوين ليس اختبار ذكاء، بل هو حس مشترك، ومقتضياته شبه عالمية. لم ينقطع بعض الناس عن السؤال عن وظيفة المال وفهمها. إن المال يسهّل عمليًّا كل معاملة يجريها كل أحد، وفي الوقت نفسه لا يعلم أحدٌ حقًّا هذه المعادلة، ولا الخصائص التي تجعل المال منسّقًا فاعلًا للنشاط الاقتصادي. وظيفة المال أمرٌ اعتدناه، ونتيجة ذلك أصبحت أمرًا لا يعلَّم على نطاق واسع ولا يُستكشَف. لكن على رغم قلة المعرفة بالمال، لطالما ينفعل الناس انفعالًا عصبيًّا أمام فكرة البيتكوين من حيث هو مال. الرأي الافتراضي المتوقّع دائمًا: لا. البيتكوين نقيض كل الأفكار الموجودة في النظام القائم. ظاهريًّا، البيتكوين مناقضٌ تمامًا لما يظن الناس أنه المال. عند معظم الناس، المال هو المال لأنه كان منذ الأزل مالًا. بالعموم، عند أي إنسان، بنية المال ثابتة في الزمان ولا تُساءَل.

ولكن، دخل البيتكوين، وهنا أصبح الجميع فجأة خبيرًا في المال وغير المال، ولكي تكون خبيرًا متعالمًا، فالبيتكوين حتمًا غير مال. البيتكوين رقمي في أصله، وليس مرتبطًا بحكومة ولا بمصرف مركزي، وهو متقلّب ويُظَنّ أنه «بطيء» ولا يستعمله الناس استعمالًا عامًّا في التجارة، وهو غير تضخمي. هذا واحد من الأمثلة القليلة التي نرى فيها شيئًا لا يمشي مشي البطّة ولا يصوّت تصويت البطة، ولكنه في الحقيقة بطة، وما كنت تظن من قبل أنه بطة خطأ تمامًا، بل هو شيء آخر غير البطة. عند الحديث عن المال الحديث، إن طولَ عدمِ رؤية الشيء خطأً يعطيه مظهرًا زائفًا من الصواب، ويُطلق أوّل الأمر صرخة هائلة في الدفاع عن العُرف.

في كل التطبيقات التي تُرى ناجحةً اليوم، المال يصدر عن مصرف مركزي، وهو مستقر نسبيًّا ويستطيع تسهيل أي قدر من المعاملات مهما بلغ، وهو يسهّل التجارة اليومية، وبفضل الله يمكن تضخيمه بسرعة ليلبي حاجة اقتصاد متغير دائمًا. ليس في البيتكوين أي من هذه الخصائص (بعضها ليس موجودًا الآن، وبعضها لن يوجد أبدًا)، ونتيجة ذلك، يُرفَض البيتكوين عادةً لأنه لا يوافق معايير المال الحديث. في مثل هذا نرى كيف أن إكثار التفكير في مسألة قد يشلّ أعلى الناس ذكاءً. يخفق التعرّف على النمط لأن اللعبة تغيّرت أصلًا، ولكن اللاعبين لم يدركوا الأمر بعد. الأمر أشبه بالضياع في الأعشاب أو الإخفاق في رؤية الغابة وراء الأشجار. البيتكوين نادر ندرة مطلقة، وقابل للمقسومية قبولًا عاليًا، وممكن الإرسال عبر قناة اتصال (من دون ترخيص من أحد). لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين. قد ينظر علماء الصواريخ وأعظم مستثمري زماننا إلى المعادلة بالنسبة إلى التطبيقات الأخرى في السوق ويرتبكون، ولا يرون قيمته. وفي الوقت نفسه، إذا سُئلوا سؤالًا بسيطًا جدًّا: أتفضّل أن تقبض بعملة معروضها ثابت لا يمكن تحريفه أم بعملة قابلة لبخس مستمر منظومي كبير، ستختار الأغلبية الخيار الأول دائمًا.

«هو على الأغلب سم قاتل للفئران»

وارن بافت، عن البيتكوين

«البيتكوين، إن الأشياء التي يمكنك أن تعملها به أقل […] أحبُّ إليّ أن أملك موزًا، على الأقل أستطيع أكل الموز»

مارك كوبان

المال لا ينمو على الأشجار

حين كنّا أطفالًا، تعلّمنا جميعًا أن المال لا ينمو على الأشجار، ولكن على مستوى مجتمعي أو على مستوى البلد، يبدو أنه لم يبقَ أي بقية من هذا الحس المشترك. في الشهرين الأخيرين وحدهما، ضخّمت المصارف المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان (الاحتياطي الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان) معروض عملاتها بما يبلغ إجمالًا 3.3 تريليون دولار، وهي زيادة 20% في 8 أسابيع فقط. كان نصيب الاحتياطي الفدرالي أكبر نصيب، إذ طبع 2.5 تريليون دولار وزاد معروض المال القاعدي أكثر من 60%. والأمر لم ينتهِ، بل ما أبعَده عن الانتهاء، ستُطبع تريليونات أخرى. لا احتمالًا، بل يقينًا. الحس المشترك هو الشعور العميق بالريبة الذي ينتاب كثيرين في هذه الأيام «هذا الأمر غير مفهوم»، «لن ينتهي هذا الأمر جيدًا». قليلٌ من يؤدّي بهذه الفكرة إلى استنتاجها المنطقي، عادةً لأنها مؤرّقة وصعب التفكير فيها، ولكنها مترددة الصدى في جميع أنحاء البلاد والعالم أجمع. ولئن لم يكن كل الناس يربطون هذا بمعادلة معروض البيتكوين، فإن عدد الذين يفعلون في ازدياد. الوقت يحدو مزيدًا من الناس إلى العقل. ليس على الناس أن يفهموا كيف أو لمَ لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، كل ما عليهم أن يدركوه هو أن الدولار سيكون في المستقبل أقل بكثير منه اليوم، وهنا تُفهَم فكرة المعروض الثابت للبيتكوين. أما فهم كيفية وجود المعروض الثابت فيأتي بعد اللقاء الأول، ولكن حتى عندئذ، لا حاجة لأحد أن يفهم ذلك لكي يفهم أن للبيتكوين قيمة. إنه مصباح يشتعل.

أمام كل فرد اختيار: إمّا أن يعيش في عالم يستطيع فيه بعض الناس إنتاج وحدات من المال بالمجّان (وهو ليس من هذا البعض)، وإمّا أن يعيش في عالم لا يستطيع فيه أحد فعل ذلك (حتى هو). من وجهة النظر الفردية، الفرق بين هذين العالمين ليس هامشيًّا، بل هو الفرق بين الليل والنهار، وكل من يعي هذا القرار يختار الخيار الأخير، عالمًا أن الأول غير قابل للاستدامة، وإذا استُديم فليس في مصلحته. تخيّل أن في اقتصادٍ ما 100 فرد، ولكل فرد مهارات مختلفة. اختار الجميع أن يستعملوا نوعًا مشتركًا من المال لتسهيل تجارة الخدمات والسلع التي ينتجها الآخرون. إلّا أن واحدًا من هذه الأفراد يكون له القدرة على طباعة المال، من دون استثمار وقت ومن دون تكلفة عمليًّا. إذا علمنا أن الوقت الإنساني مورد نادر في جوهره وأنه مدخَل لا غنى عنه لإنتاج أي سلعة أو خدمة مطلوبة للتجارة، فمعنى ذلك أن هذا الفرد قادر على شراء مخرَجات كل الآخرين مجانًا. لمَ يوافق أحدٌ على هذا الترتيب؟ ولئن كان هذا الفرد شركة، أو بالأدقّ مصرفًا مركزيًّا يُرجى منه أن يعمل للصالح العام، فإن هذا لا يغير شيئًا في العملية الأصلية. إذا لم يصلح الأمر على المستوى الأصغر، فلن يتغير تغيّرًا سحريًّا إلى حقيقة مختلفة تمامًا لمجرد وجود درجات فصل أكثر. إذا لم يمنح فردٌ فردًا هذه السلطة، فلا ينبغي أن يمنحها لمصرف مركزي.

كل شيء سوى هذه الحقيقة الجوهرية ما هو إلا تنظير بحت، قائم على قفزات ثقة، وفرضيات وكلمات كبيرة لا يفهمها أحد، كلها مطلّقة من نقاط القرار الفردي. ليس الأمر أن فردًا أوثَق من فرد أو أن مصرفًا مركزيًّا أوثَق من مصرف مركزي، بل الأمر أنه على المستوى الفردي، ليس لفردٍ سُلطة معطاة من غيره على طباعة المال، مهما كانت هويته أو مصالحه. فإذا كان هذا حقًّا، فليس له إلا بديل واحد: أن يعمل كل فرد ليضمن عدم قدرة أي فرد أو كيان آخر على طباعة المال. قد يستطيع الفدرالي طباعة دولارات بلا تكلفة، ولكن المال لا ينمو على الأشجار حتى في هذه الحالة. لأن نقول إن نوعًا من المال ليس مالًا في حقيقته أقربُ من أن نقول إن المال أصبح بمعجزةٍ ينمو الآن على الأشجار. على المستوى الفردي، كل الأفراد مدفوعون لضمان خلاف ذلك. ولئن طالَ عدم رؤية هذا الأمر خطأً، فإن الدفاع الخاطئ عن العرف لن يدوم إلا قليلًا. الوقت يحدو الجميع عودًا إلى الحقيقة. اليوم، نرى حملة «اصدُم وفاجئ» التي يشنّها الفدرالي أمام بساطة معروض البيتكوين الثابت، واحد وعشرون مليونًا. لن يكفي أي قدر من الاستدلال لإزاحة افتراق هذين الطريقين المستقلين.

الدفاع عن العرف القائم

«المال شيء، والائتمان شيء. المهم هو الإنفاق والمال يمكن إنفاقه والائتمان يمكن إنفاقه. عندما ينخفض الائتمان، حريٌّ بك أن تضع مالًا في النظام لتحافظ على مستوى الإنفاق نفسه. هذا هو الذي يفعلونه بالنظام المالي (إشارة إلى التيسير الكمي استجابةً للأزمة السابقة) وقد نفعَ هذا الأمر.»

راي داليو،  سي إن بي سي 19 سبتمبر 2017

الحس المشترك في البيتكوين

كل شيء له ثمن

مع تزايد عدد الواعين بأنشطة الفدرالي، تزداد الأسئلة. 2,500,000,000,000 دولار، هذا رقم كبير، ولكن ما الذي يحدث فعلًا؟ من يحصل على المال؟ ما الآثار ومتى تكون؟ ما العواقب؟ كيف أمكَن هذا أصلًا؟ كيف يُعقَل هذا الأمر؟ كلها أسئلة معقولة جدًّا، ولكنها لا تغير حقيقة أن عدد الدولارات أكبر بكثير، وأن كل دولار سيساوي قيمة أقل بكثير في المستقبل. هذا بديهي. ولكن، على مستوى أعمق، اعلَم أن عملية طباعة المال (أو إنتاج دولارات رقمية) لا تنفع شيئًا في توليد نشاط اقتصادي. ولتبسيط الأمر، تخيّل آلة طباعة تعمل في حلقة. أو تخيّل إدخال رقم من الدولارات في حاسوب (وهو كل ما يفعله الفدرالي عندما يصنع «مالًا»). هذه العملية في ذاتها لا تفعل شيئًا لإنتاج فيمة حقيقية في العالم الحقيقي. كل ما تفعله هذه العملية هي دفع الأفراد إلى فعل مختلف.

اعلَم أن أي سلعة أو خدمة ملموسة فقد أنتجها فرد ما. الوقت الإنساني هو المدخَل، وإنتاج رأس المال هو المخرَج. سواء أكان تطبيقًا أو معدة للصناعة أو خدمة أو سلعة استهلاكية، إلى آخر سلسلة القيم، لقد أسهم فردٌ بوقته لإنتاج هذه السلعة أو الخدمة. هذا الوقت وهذه القيمة هي ما يتبعه المال ويسعّره في النهاية. إدخال رقم كبير على الحاسوب لا ينتج تطبيقات ولا معدات ولا سيارات ولا بيوتًا. الناس ينتجون هذه الأشياء والمال ينسّق تفضيلات كل الأفراد في الاقتصاد ويعوّضهم بقيمة تختلف باختلاف الوقت المستهلك.

عندما ينتج الفدرالي 2.5 تريليون دولار في أسابيع معدودة، فإنه يجمّع القدرة على تسعير وتقييم الوقت الإنساني. يبدو الأمر ملتبسًا، ولكن المقصود ليس أن الأفراد في الفدرالي يفعلون ذلك واعيد أو عامدين للشرّ. ولكنها العاقبة الأساسية لأفعال الفدرالي، حتى لو كانت بنية صالحة. مرة أخرى، عمل الفدرالي (بإضافة أصفار اعتباطية لميزانيات بنوك متنوعة) لا يولّد فعليًّا أي نشاط اقتصادي، كل ما يفعله هو تحديد توزّع الدولارات الجديدة. بفعل هذا، يفضّل الفدرالي فردًا ما، أو شركة ما، أو قطاعًا ما من الاقتصاد على غيره. بتوزيع الدولارات التي ينتجها، يستبدل بوظيفة للسوق، وظيفة يسعّرها مليارات الناس، وظيفة مركزية تؤثّر أثرًا ضخمًا في موازين القوى ومن يملك رأس المال النقدي الذي ينسق النشاط الاقتصادي. توزّع المال هو ميزان التحكم المؤثر والمحدد لما يُبنى وعلى يد من وبأي سعر. في لحظة إنشاء مزيد من المال، يتوفر مزيد من المال ولكن لا يتوفر مزيد من الوقت البشري أو السلع والخدمات نتيجة ذلك. كذلك، مع الوقت، لا تنشئ أفعال الفدرالي مزيدًا من فرص العمل، بل هي دولارات إضافية تتوزع على اليد العاملة، ولكن بتوزيع مختلف. يستطيع الفدرالي طباعة المال (أو تقنيًّا، إنشاء دولارات رقمية)، ولكنه عاجز عن طباعة الوقت أو فعل أي شيء سوى التلاعب المصطنع بتوزع الموارد في الاقتصاد.

لم يصبح شيء مجانيًّا، ولكن ازدادت الدولارات

منذ عام 2007، تضاعفت ميزانية الفدرالي سبعة أضعاف، ولكن اليد العاملة لم تزدد إلا 6%. لم يزدد عدد الناس المسهمين في الاقتصاد (بوقتهم البشري) ازديادًا يذكر، ولكن عدد الدولارات المعوضة عن هذا الوقت ازداد ازديادًا كبيرًا. لا تحيّر نفسك بالنظرية المستحيلة الإحصاء المتعلقة بالحصول على عمل مقابل خسارة عمل، فاليد العاملة في الولايات المحددة، كما عرفها مكتب إحصائيات العمل، تشمل كل الأفراد البالغين 16 عامًا فأكثر، سواءٌ أكانوا عاملين أم غير عاملين.  النتيجة التي لا محيد عنها: انخفاض قيمة الدولار، من دون إنشاء مزيد من العمال، ولكن الأسعار لا تتعدّل على حسب زيادة معروض المال، ومنها ثمن العمل.

في عالم نظري، إذا أراد الفدرالي توزيع المال بأقدار متساوية على كل فرد كان يحمل العملة من قبل، فلن يؤثر هذا على موازين القوى. في التطبيق العملي، يتغير توزّع الملكية تغيّرًا حادًّا، ويفضّل حاملي الأصول المالية (التي يشتريها الفدرالي وهو ينشئ مزيدًا من الدولارات) وأصحاب الوصول الرخيص للائتمان (الحكومة، والشركات الكبيرة، والأغنياء، إلخ). بالإجمال، تنخفض القوة الشرائية لكل دولار، ولكن ليس مباشرة، وتنتفع مجموعة صغيرة على حساب الجميع (انظر أثر كانتيلون). يصرف الفدرالي النظر عن هذه العواقب، ويفعل ما يفعله محاولةً لإقامة نظام ائتمان كان ليسقط لولا تقديم هذه الدولارات الجديدة. في اقتصاد الفدرالي، نظام الائتمان هو آلية التسعير لأن مقدار الديون المقومة بالدولار أكبر بكثير من معروض الدولارات، ولهذا فإن القوة الشرائية للدولار لا تتأثر من فورها بزيادة معروض المال.

بل، تنتقل آثار زيادة معروض المال مع الوقت، بتوسيع نظام الائتمان. إن ما يحاول نظام الائتمان التعبير عنه هو السوق وتغيّر القيمة في نظر الأفراد المشاركين في الاقتصاد، وإن محاولة الفدرالي لقلب هذا المجرى الطبيعي بإغراق السوق بالدولارات ليست إلا مسحًا لآلية التسعير في السوق، ومن ثمّ تبديلًا لبنية الاقتصاد. حلُّ السوق للمشكلة هو تقليل الدين (تعبير عن التفضيل)، أما حل الفدرالي فهو زيادة معروض الدولارات لتمكن المحافظة على مستويات الدين الموجودة. الهدف هو إحلال الاستقرار في نظام الائتمان ليستطيع بعد ذلك أن يتوسع، وهو إعادة لأزمة 2008 المالية، التي تقدم خريطة تاريخية للحل الفدرالي. بعد الأزمة السابقة مباشرة، أنشأ الفدرالي 1.3 تريليون دولار في شهور معدودة. وعلى الرغم من هذا، تقوّى الدولار أوّلًا عندما أثرت فيه الضغوط الانكماشية وفاقت عملية زيادة معروضه، ولكن بعدها بدأ نظام الائتمان يتوسع، فاستمرت القوة الشرائية للدولار في انخفاضها التدريجي. في الوقت الحاضر، تنتقل علّة الحافز النقدي الفدرالي وأثره أوّلًا من خلال نظام الائتمان. كان الأمر نفسه يجري في السنين التي لحقت أزمة 2008، وسيبقى نفسه ما دام نظام الائمان قائمًا سليمًا.

إن تبيّن هذه الآثار في الاقتصاد الحقيقي معقد جدًّا، ولكن إدراك الخط العام لهذه الأفعال وعيوبها المؤسسة لا يحتاج أي تعقيد. إذا زاد عدد الدولارات، قلّت قيمة الدولار الواحد، وقيمة أي سلعة تتجه طبيعيًّا إلى كلفة إنتاجها. الثمن الهامشي لإنتاج الدولار في الفدرالي: صفر. مع كل هذه الإنعاشات من الفدرالي والكونغرس، سواءٌ للشركات أو الأفراد، لا بدّ أن أحدًا يدفع الثمن. إن من البديهي أن طباعة المال (أو إنتاجه رقميًّا) لا تأتي بمزيد من النشاط الاقتصادي، لكنها تغير موازين القوى ومَن يوزّع الأموال وخطر الأسعار. وتنزع القوة من الناس وتمركزها في الحكومة. وتُعطّل قدرة الاقتصاد على العمل لأنها تفسد الأسعار في كل مكان. ولكن الأهم أنها تضع استقرار العملة القائم عليها الاقتصاد على المحك، وهو الثمن الذي يدفعه الجميع. قد يستطيع الفدرالي إنشاء دولارات مجانًا وقد تستطيع الخزانة الاستدانة بمعدلات فائدة قريبة من الصفر نتيجة لذلك، ولكن، كل شيء له ثمن. لا بد أن يعمل أحد، وكل ما تفعله طباعة المال هو تغيير من يملك الدولارات لينظّم هذا العمل ويثمّنه.

«قال مؤخّرًا: «مع احترامي، لقد استعملت كلمة غريبة قبل قليل، غريبة عليّ، أعني…»

«أوه، تانستافل. معناها: كل شيء له ثمن (لا غداء إلا وله ثمن). وهو كذلك»، ثم أضفت، مُشيرًا إلى علامة غداء مجاني في آخر الغرفة «ولو كان غير ذلك لكان ثمن هذه المشروبات نصف ما هو. أعني أن أي شيء مجاني إما أن يكلف ضعفي ثمنه على المدى الطويل أو أن يكون بلا قيمة».

«فلسفة مثيرة للاهتمام».

«ليست فلسفة، بل حقيقة. بطريقة أو بأخرى، كل ما تحصلين عليه، تدفعين ثمنه».

روبرت هينلين، القمر سيّدة قاسية (The Moon is a Harsh Mistress)

البيتكوين حس مشترك

من العيوب التي يراها الناس في البيتكوين من حيث هو عملة، أنهم يرونه معقّدًا جدًّا فلا يمكن أن يُعتمَد اعتمادًا واسعًا. في الحقيقة، الدولار هو المعقد، لا البيتكوين. البيتكوين بسيط جدًّا عندما نلخصه بعناصره الأولية: 21 مليون بيتكوين، من يتحكم بمعروض المال؟ لا أحد. لا الفدرالي ولا غيره. في النهاية، هذا هو كل ما يهم. البيتكوين في الحقيقة معقد من الناحية التقنية. إذ يحتوي أشياء من دقائق علوم الرياضيات والتشفير، ويعتمد على عملية «التعدين» التي لا يبدو أنها معقولة بادي الرأي. في البيتكوين كتل، وعقد، ومفاتيح، ومنحنيات بيضوية، وتواقيع رقمية، وتعديلات صعوبة، وهاشات، وأرقام خاصة، وأشجار ميركل، وعناوين، وغير ذلك.

ولكن مع كل هذا، البيتكوين بسيط جدًّا. إذا بقي معروض البيتكوين ثابتًا عند 21 مليونًا، سيزداد عدد الطالبين وتزداد قوته الشرائية، ولن يمنع شيء من التعقيد التقني هذا الاعتماد. معظم المشاركين في اقتصاد الدولار، وحتى المتعلمون منهم، لا فهمَ عملي لهم لنظام الدولار من الناحية التقنية. والدولار ليس أكثر تعقيدًا من البيتكوين وحسب، بل وهو أقل شفافية. الآيفون نفسه يقوم على مستويات مشابهة من التعقيد وأوليات مشابهة لأوليات البيتكوين، ولكن الناس يستطيعون استعمال أي تطبيق فيه من دون فهمه فعليًّا على المستوى التقني. وهذا نفسه يصدق على البيتكوين، ابتكار البيتكوين هو الندرة الرقمية، وسهولة القَسْم والنقل. لن يكون عندنا إلا 21 مليون بيتكوين أبدًا. نقطة. قارن هذا بإضافة تريليونين ونصف تريليون دولار في شهرين، على يد مصرف مركزي واحد، تجد أنه الأمر الوحيد الذي يحتاج إلى معرفته أي أحد.

العرض أ –  معروض الدولار التاريخي
العرض ب – معروض البيتكوين
العرض ج – قوة البيتكوين الشرائية أمام الدولار

أشياء كثيرة تحدث في الخلفية، ولكن هذه المخططات تدلّ على كل شيء. الناس في كل أنحاء العالم يصلون هذه النقاط. الفدرالي ينشئ تريليونات الدولرات في الوقت نفسه الذي يتنصّف فيه معدل إصدار البيتكوين (انظر تنصيف البيتكوين). قد يكون معظم الناس غير واعين بهذين الطريقين المفترقين، ولكن عددًا متزايدًا من الناس يعي ذلك (المعرفة تتوزع مع الوقت)، وإن اكتشاف عدد صغير من الناس للأمر يكفي لإنشاء تفاوت بين طلب البيتكوين ومعروضه. فإذا حدث هذا التفاوت، ارتفع سعر البيتكوين. الأمر بهذه البساطة، وهذا هو ما يجذب الناس إلى البيتكوين: السعر. السعر هو الذي يعبّر عن معلومات. كل الذين لا يعيرون انتباهًا سينفعلون أمام إشارات السعر. الطلب مدفوع بالمبادئ (حتى إذا كانت المضاربة موجودة)، ومعظم الناس لا يحتاجون إلى فهم هذه المبادئ لفهم الإشارة التي يرسلها السوق.

فإذا وصلت هذه الإشارة، اتّضح أن البيتكوين سهل. حمل تطبيقًا، اربط حساب بنك، ثم اشتر. اشتر قطعة إلكترونية، ستنتج لك عنوانًا، أرسل المال إلى هذا العنوان. لن يستطيع أحد أخذها منك ولا طباعة مزيد منها. في تلك اللحظة، سيصبح البيتكوين بديهيًّا جدًّا. قد يبدو معقّدًا للخارج، ولكنه بهذه السهولة، وكل من عنده حس مشترك وشيء يخسره سيتكشف الأمرز ستكون الفائدة عظيمة جدًّا، والمال ضرورة أساسية لا يزداد فيها العمود في مخطط الأساس النسبي إلا انخفاضًا مع الوقت. غريزة الحفاظ على النفس هي الدافع الوحيد الضروري، ستكسر هذه الغريزة كل حاجز أمامها.

الأساسا الراسخ الذي يقوم عليه كل شيء هو المعروض الثابت الذي لا يمكن تزويره، الذي يمكن الحفاظ عليه من دون خطر استحواذ طرف آخر عليه، المنيع على الرقابة والاستلاب. بوجود هذا الأساس، لا حاجة إلى خيال كبير لمعرفة كيفية تطور البيتكوين من حداثتها المتقلبة إلى قوتها المستقرة وتمكّنها. هو معروض نقدي مسقوف راسخ أمام بخسٍ غير منتهٍ، عملة تزداد كلفة إنتاجها مع الوقت أسيًّا أمام عملة قيمة إنتاجها ثابتة عند الصفر تبعًا لطبيعتها. في النهاية، عملة معروضها لا يمكن التلاعب به (وبالتالي نظام تسعيرها لا يمكن التلاعب به). الطلب الأساسي للبيتكوين يبدأ وينتهي عند هذا المقطع العرضي. فردًا فردًا، يستفيق الناس ويدركون أنهم اشتروا كذبة، اختلقها عليهم خبير ناءٍ لا يعرف شيئًا عن الواقع الاقتصادي اليومي.

بوجود المقارنة مع البيتكوين، يبدو دائمًا أنه ما من فائدة في احتكار سلطة طبع المال أو في السماح للمصرف المركزي أن يوزع الموارد في الاقتصاد، بدلًا من الناس الذين هم الاقتصاد. كلما سقطت قطعة من قطع الدومينو، يزداد اعتماد البيتكوين. ونتيجة هذا الاعتماد، سينتقل البيتكوين من التقلب والاضطراب والحداثة إلى الاستقرار والسهولة والرسوخ. لكن هذا الانتقال كله سيكون محكومًا بالقيمة، والقيمة مشتقة من الأصل، وهو عدم وجود أكثر من 21 مليون بيتكوين أبدًا. من المستحيل التنبّؤ بكيفية تطور البيتكوين لأن معظم العقول التي ستسهم في مستقبل البيتكوين لم تعرف شيئًا عنه بعد. مع تعاظُم حصّة البيتكوين في العقول، ستتوسع إمكاناته توسّعًا متسارعًا يفوق مجال الموارد الموجودة اليوم. ولكن تلك الموارد ستكون على حساب النظام القديم مباشرة. إنما هو في النهاية تنافس بين نظامين نقديين وطريقين مثلهما مثل المشرق والمغرب.

الموز ينمو على الشجر. أما المال، فلا، والبيتكوين هو القوة التي ستوعّي الناس مرة أخرى بهذه الحقيقة التي لم تزل صحيحة منذ الأزل. كذلك، كل شيء له ثمن. كل شيء موجود دَفَع ثمنه أحد. عندما تنقطع قدرة الحكومات والمصارف المركزية على إنتاج المال من الهواء، سيتّضح أن التضخم النقدي الخفيّ لم يكن إلا وسيلة لتوزيع الموارد التي لا يريد أحد أن تُؤخذ منه ضرائب لأجلها. في الحس المشترك، لا شك. قد تجري جدالات ولكن البيتكوين هو الطريق الذي لا محيد عنه إلى الأمام. الوقت يحدو مزيدًا من الناس إلى العقل.

«يمكنك خداع كل الناس فترة من الزمان، أو بعض الناس كلَّ الزمان، ولكن لا يمكنك أن تخدع كل الناس كل الزمان».

أبراهام لنكولن

«هذه العمليات قد تبدو بادي الرأي غريبة وصعبة، ولكن ككل الخطوات التي مررنا عليها، ستصبح في فترة قصيرة مألوفة ومقبولة: وإلى يوم إعلان الاستقلال، ستشعر القارة نفسها أنها رجل يؤجّل عملًا صعبًا من يوم إلى يوم، ولكنه عالمٌ أنه عمل لا بد منه، وإن كره أن يعمله، وإن تمنى أن يتجاوزه، ستبقى ضرورته دائمًا تطارد أفكاره». توماس بين، الحس المشترك

توماس بين، الحس المشترك (فبراير 24، 1776)
Tagged : / / / /

البيتكوين نداء للنضال

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: مارس 2020

«إلى جميع أهل تكساس وكلّ الأمريكيين في العالم». في ندائه المفتوح للقتال من ألامو، بدأ المقدَّم ويليام ترافيس بتعبيره عن أمريكا بوصفها فكرة تمتد خلف الحدود، لكل الأمريكيين في العالم. كان نداءً لكل الذين يقدرون النضال من أجل الحرية. ومع أنّ عديد خصمه كان 10 أضعاف عديده، ردّ ترافيس على طلب الاستسلام بطلقة مدفع. كان عمره حينئذ ينيف على 27 عامًا. أعلنت تكساس استقلالها بعد أسبوع، ولكن خلال أيام، سقطت ألامو. كانت رسالة ترافيس صرخة تجنيد للثورة. تذكر ألامو. في النهاية، انتزعت تكساس استقلالها. هذه القصة تذكير أن السعي غير المنتهي للحرية هو أقوى مسوٍّ، وإن كان مغلوبًا بالكثرة. وهو أمر في قلب كل أمريكي حول العالم.

(ديباجة رسالة ترافيس من ألامو، 24 فبراير 1836)

باستثناء الأبطال الصناديد والإعلان الحرفي عن الاستقلال، البيتكوين نضال من أجل الحرية، وهو كذلك صرخة سباق لكل الذين يرفضوا أن يجلسوا ويقبلوا قدرهم في نظامنا المالي الضعيف. لعلّ أن فكرة الحرية نفسها هي أهم فكرة تقوم عليها الثورة المالية التي جاء بها البيتكوين. عندما ننتصر في الحرب، سيجد البيتكوين طريقه مباشرة إلى ملحَق دستوري (وإن كان مشمولًا أصلًا بالملحق الأول). حق الناس في حمل البيتكوين وإبقائه. قبل البيتكوين، لم يكن عند أحد قدرة عملية إلا على الدخول في نظام عملة فاسد. تغيّر هذا عند إطلاق البيتكوين عام 2009. البيتكوين نظام طوعي بالكامل، لا يحكمه أحد، وهو يمنح كل مشارك فيه القدرة على تخزين القيمة ونقلها في نوع من العملة لا يمكن التلاعب به. ولئن كان البيتكوين غير مرادف لحق الحياة والحرية وطلب السعادة، فإنه عند الذين قرروا أن يعتمدوا عليه طريق أفضل إلى الأمام، وحق أساسي لا يمكن استلابه.

ولئن كانت أسباب تقدير البيتكوين متنوّعة بتنوّع الأفراد، فإن البيتكوين يشدّ ويجذب الذين عرفوا مقدار الحرية الجوهري الذي توفره هذه الأداة، لا سيما في عالم مليء بالمصائب الاقتصادية التي لا تنتهي. مع تبدّي هشاشة النظام المالي العالمي واضطرابه يومًا بعد يوم، يتزاحم المصرفيون المركزيون والسياسيون في سباق ليعلموا أيّهم يقدّم حافزًا أكبر لاقتصاد متهاوٍ. ولئلّا ننسى، إن اضطراب النظام المالي لا يظهر الآن أوّل مرة، إنما يعيد ظهوره. إن المشكلات البنيوية المتظاهرة هي ذاتها التي كانت موجودة في أزمة 2008 المالية. قبل حرب النفط والجائحة العالمية، تعطلت أسواق إعادة الشراء في سبتمبر 2019. لم تكن الكتابة على الجدار وحده، بل وكانت في أسواق إعادة الشراء. لولا تسارع الأحداث الأخيرة، لظهر الأمر في «فعل إلهي» اعتباطي آخر، يظهر المخبّأ منذ الأول: نظام مالي مرفوع رفعًا شديدًا محتوم عليه الانهيار عند أول أمارات أي أزمة مادية.

حتى قبل الإغلاق العالمي (أي: قبل الهلع الذي سرّعته الحكومة)، كان الاحتياطي الفدرالي قد قدّم نحو 500 مليار دولار في تمويل طارئ لأسواق إعادة الشراء. أما الآن فالوقود يُلقى حرفيًّا على النار. ولكن الحجم ليس وحده المخيف، بل هو مجرد مظهر واضح لفقدان السيطرة في طريق التصعيد المتعرّج. بعد الانهيار الأول لسوق البورصة، أصدر الاحتياطي الفدرالي تخفيضًا في معدل الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، انهار السوق أكثر، ثم أعلن الاحتياطي الفدرالي زيادة 1.5 تريليون في التمويل قصير المدى (شهر إلى ثلاثة شهور) لتقديمها لأسواق إعادة الشراء. انهار السوق مرة أخرى بعد ثلاثة أيام، فأُعلن عن برنامج رسمي للتيسير الكمي بقيمية 700 مليار دولار لشراء 500 مليار في خزائن حكومة الولايات المتحدة و200 مليار في سندات الرهون العقارية. بالتزامن مع هذه الحركة، وصل انخفاض معدلات الفائدة قصيرة المدى إلى 100 نقطة أساس (إلى الصفر).

نعم، انهار السوق مرة أخرى، وانتقلت أسواق الائتمان وتابع الفدرالي استجابته على طريقة «مهما كلف الأمر» وأعلن برنامج تيسير كمي غير محدود. هذه الحركات الثلاث الأعنف في تاريخ الفدرالي كلها صدرت في 10 أيام. وفي آخر أفعاله غير المسبوقة، بدأ الاحتياطي الفدرالي يشتري أسهم الشركات في السوق الثانوي ويشارك في الإصدارات الأولية لائتمانات الشركات. ووسّع الفدرالي شراءه لسندات الرهون العقارية ليشمل سندات رهون عقارية تجارية (عقارات تجارية). بالإضافة إلى ذلك، أسس الفدرالي منشأة لإصدار سندات أصولية لشراء قروض الطلّاب وقروض السيارات وقروض بطاقات الائتمان، إلخ. كل هذا من دون بطاقة سعر، وما هو إلا وعد بفعل كل ما يكلفه الأمر. مضحكٌ لو لم يكن جدّيًّا، ولكن السؤال الحقيقي هو: إذا كان الفدرالي متحكّمًا فعلًا بالاقتصاد، فلمَ انفعاليّته؟ لمَ تغيّرت خططه هذا التغير الكبير في فترة 10 أيام إذا كان فاهمًا لمدى المشكلة أصلًا؟ ولا عليك من العواقب غير المقصودة، فما هي إلا دليل على أن الفدرالي لا يحكم الاقتصاد. لمَ أعلن الفدرالي عن برنامج التيسير الكمي بـ700 مليار دولار إذا كان لا يتوقع أنه سيعمل؟ إنها لعبة «احزر وتأكّد» التقليدية، إلا أن العواقب فعليًّا لا يمكن التأكد منها أبدًا (كل ما يمكن فعله هو اختبار انفعلات السوق المباشرة). المشكلة هي أن اقتصادنا على المحك.

«إن في الاحتياطي الفدرالي مقدار غير محدود من النقد».

نيل كشكري، رئيس الفدرالي في مينيابوليس – 22 مارس 2020 (60 دقيقة)

«عندما نقرض بنكًا، نستعمل حاسوبًا لنحدد مقدار الحساب الذي يدينون به للفدرالي […] الأمر أشبه بطباعة المال منه بالإقراض».

بن برنانكي، رئيس الفدرالي السابق – 15 مارس 2009 (60 دقيقة)

سيتحوّل هذا التريليون والنصف الذي قُدّم إلى أسواق إعادة الشراء ليكون زيادة في برنامج التيسير الكمي الرسمي للفدرالي، وسيُتوَقَّع أن يبلغ هذا البرنامج أكثر من 4 ترليونات دولار في نهايته، وهو توقّع محافظ. لن يستطيع الفدرالي إخماد النار التي هي أزمة السيولة بتمويل قصير المدى، ولن يجد حلًّا سوى تمويل حصة أكبر من نظام الائتمان، أكبر من التي موّلها في أزمة 2008 لأن المشكلة الآن أكبر. ثم إن الكونغرس يعمل الآن على إصدار حزمة حوافر مبدئيًّا بتريليوني دولار، استجابةً للجائحة العالمية. لن يأتي النظام المصرفي من عند نفسه بطريقة سحرية بالنقد اللازم لتمويل توسيع كبير لعجز الحكومة الفدرالية، لا سيما والسوق يعاني أزمة سيولة. فلدينا في النهاية أزمة سيولة تتفاقم. نتيجة ذلك، سيُجبر الفدرالي على تمويل أي رد مالي ببرامج تيسير كمي لا تزال تتوسع. إنها الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها البنوك الحصول على النقد اللازم لتمويل هذا الحافز المالي. كل الطرق تؤدي إلى الفدرالي وإلى التيسير الكمي الذي لا ينتهي.

هذا هو العاديّ الجديد، وليس فيه شيء يمكن استدامته. وهو ليس واقعًا يجب علينا قبوله. عندنا طريق أفضل. وعندما يراقب الناس، وسط خوفهم وهلعهم، يبدو لهم أنه ما من بديل. ولستُ أدري متى بدأ هذا الجَمّ من الناس يعتقدون أن دور الحكومة محاربة الجوائح العالمية (وليس دور السوق الحرة)، ولكن يبدو أن هذا هو العالم الذي يطالب به كثير من الناس مطالبة عنيفة. هذا دليل على إخفاقهم في فهم المشكلة الأصلية. وهو خطأ في تشخيص سقوط الجائحة العالمية واعتقاد زائف بأن الأمل الوحيد هو بتوزيع أموال أنشأتها المصارف المركزية والحكومة من الهواء. إنه اعتقاد غير عقلاني. ما من سبب يجعل إغلاقًا اقتصاديًّا كاملًا يرمي بالعالم إلى هاوية الكساد الاقتصادي. بل هو نتيجة نظام مالي هش في جوهره، معتمد على توسيع دائم للائتمان ليحافظ على نفسه، ولولا هذا التوسيع لانهار. إن هشاشة النظام المالي العالمي هي المشكلة، لا الجائحة العالمية. لا تُخدَع. ليست الجائحة سبب إخفاق النظام المالي.  بل الإخفاق أمر لا بد منه، بالجائحة ومن دونها. لولا الاعتماد الكثيف على الائتمان وعلى درجة عالية من الرفع، ما كان العالم ليرى الاتجارات الآجلة بأسهم S&P 500 تبلغ حدها الإغلاقي الأدنى بشكل طبيعي.

والاعتماد الاقتصادي على الائتمان ودرجة الرفع العالية في النظام ليسا أمرًا طبيعيًّا وليسا ناتجين عن الرأسمالية ولا عن السوق الحرة. بل هذا الوضع في السوق هو نتيجة المصارف المركزية في كل مكان. الاضطراب ليس مقصودًا لكن بنية السوق مقصودة. ردًّا على كل أزمة اقتصادية ظهرت في العقود الأربعة السابقة، استجات المصارف المركزية (ومنها الفدرالي) بزيادة معروض المال وتخفيض معدلات الفائدة، ليمكن المحافظة على مستويات الدين القائمة ويمكن إنتاج مزيد من الائتمان. كل مرة يحاول النظام كله أن يلغي الرفع، عملت المصارف المركزية على منع ذلك بتقديم الحوافز النقدية، فكأنّها تركل العلبة في الطريق، لتتيح تراكم عقود من الاضطراب الاقتصادي في نظام الائتمان. هذا هو السبب الأصلي للهشاشة الجوهرية في النظام المالي (انظر هنا). وهذا هو السبب الذي يجعل رد المصارف المركزية كلما طرأت مشكلة اقتصادية أكبر وأشدّ تطرّفًا. كلما زاد الاضطراب احتجنا إلى قارب أكبر.

بذلك، يُدفَع النظام كله مرة بعد أخرى إلى شفا الهاوية نفسه. ويصبح الخطر النهائي على النظام (استقرار العملة الأساسية) أكبر وأكبر. الجميع مُجبَر من حيث يدري أو لا يدري على مجاراة هذه القيادة المخيفة، ولكن الذين يتنبّهون للعبة الحقيقية يرون أن البيتكوين أوضح طريق خروج من هذا الجنون. بتبسيط التيسير الكمي إلى أصغر عوامله، يجوز لنا أن نقول إنه ليس إلا بخسًا للودائع النقدية. هذا التيسير الكمي يفسد كل آلية تسعير في الاقتصاد وهدفه المقصود هو توسيع الائتمان. عندما تُكتَب كتب التاريخ عن فترة ما قبل البيتكوين هذه، سيُذكَر أن الإخفاق في فهم عواقب إفساد آليات التسعير العالمية هو أصل كل الافتراضات المعيبة في عقيدة المصارف المركزية الحديثة. لا مناص. أقصى ما يمكنك أن تفعله هو أن تتحمل السقوط. ولكن عندما تلتقي عقليّتا «لا تطأني» و«قرّب وخذه»، يبدأ الأمريكيون المحبون للحرية حول العالم مهما تنوعت مسالكهم في الحياة بوضع حدّ للمصارف المركزية. لا بد من طريق أفضل، لأن الطريق الأفضل دائمًا موجود.

هذا هو جوهر فكرة الأمل، وهو طبيعة الإبداع الإنساني. إنه رفض هذا العاديّ الجديد أمرًا واقعًا. إذا أمكن تبسيط التيسير الكمي إلى بخس الودائع النقدية، فيمكن كذلك تبسيط البيتكوين إلى حرية تحويل القيمة إلى نوع من المال لا يمكن التلاعب به. في الطريق إلى الرقّ، يصف حايك وظيفة المال أفضل وصف: «إنّه أقرب إلى الحقيقة أن نقول إن المال واحد من أعظم أدوات الحرّية التي اخترعها ابن آدم». يتابع حايك الشرح ليبيّن أن المال يتيح للناس طيفًا واسعًا من الخيارات ما كان ليمكن تخيّله لولا وجود المال. ويفعل المال ذلك بتوزيعه المعرفة من خلال آلية تسعيره، وهي أهم إشارة في السوق (بالإجمال) تسهّل التنسيق الاقتصادي وتخصيص الموارد. ولكن، عندما تعطَّل الحريات التي يتيحها وسيط مالي، لا بدعَ أن يجد الإبداع الإنساني طريقًا ليبعثَ خلقًا جديدًا يقوم بالوظيفة نفسها قيامًا أفضل وأفعل. هذا هو البيتكوين، ولا رجعة بعد الآن. إن القطة المجازية التي خرجت من الحقيبة، وتوزّع المعرفة توزّع متسارع في طبيعته.

إن وعد البيتكوين هو نظام مالي أكثر استقرارًا. لا وعد بقيمة محددة في يوم محدد، بل الضمان الوحيد الذي يقدمه البيتكوين هو أن معروضه ليس عرضة للتلاعب أو البخس المنظومي على يد مصرف مركزي (أو أي أحد). هنا سؤال يبدو أنه ثابت: «هل البيتكوين ملاذ آمن»، وسؤال أحدث منه:«لم ارتبط البيتكوين مؤخرًا بالأسواق المالية (المنهارة)؟». الحقيقة البسيطة هي أن البيتكوين ليس ملاذًا آمنًا، على الأقل ليس بالمعنى المعرَّف في الثقافة السائدة. إنه ليس مخزونًا على نحو واسع يتيح له أن يكون ملاذًا آمنًا. بل لم يزل وليدًا، ومن المتوقع أنه عند حدوث حدث نزع رفع عالمي، سيُباع الأصل السائل مع كل شيء آخر.

ولكن، تبقى الحقيقة أن البيتكوين هو المنافس المضاد للهشاشة، لنظامنا المالي الهش في جوهره.

في كتابه المعنون بالعنوان نفسه ضد الهشاشة، يعرّف نسيم طالب مضادة الهشاشة لا بمجرد المتانة والصلابة، بل بمناقضة الهشاشة. تكتسب الأنظمة المضادة للهشاشة قوّة وتتغذّى على التقلّبات. إن التقلّب مؤخرًا في البيتكوين ليس على الراجح إلا البداية ولكن الحقيقة التي يمثلها هي اكتشاف السعر الذي لا ينقطع. ليس في البيتكوين قاطع تيار ولا إنعاش. كل فرد مشارك في الشبكة مسؤول والسوق ليس فيه مجازفات أخلاقية. عندما يهدأ الغبار، ما لا يقتل البيتكوين يقوّيه. بالمعنى الحرفي. إنه يعيش ويزدهر في البرية، من دون أي تنسيق مركزي. وهو ليس لضعاف القلوب، بل هو أرض الأحرار وموطن الشجعان. عندما ينجو البيتكوين، سيبقى معروضه الثابت، وستفرض نجاته مكانه في العالم. مرة بعد مرة، ومع كل حافز نقدي يُحقَن في النظام الاقتصادي القديم، ستتّضح وظيفة البيتكوين الجوهرية وتتبين لمزيد من الناس. لن يكون الأمر مصادفة، بل سيكون بسبب الفرق الشاسع بين النظامين. البيتكوين مع كلّ تقلباته، يؤسس قواعد نظام نقدي أكثر استقرارًا.

مخطط سعر البيتكوين (المصدر: منصة كوينبيس برو، بيانات السعر كل 6 ساعات)

لأن معروض البيتكوين لا يمكن أن يُحرَّف، سيبقى سعره ومصداقيته كذلك أمينين من التحريف إلى الأبد. كلاهما سيحددهما السوق. ونتيجة ذلك، لن يحافظ نظام الائتمان في البيتكوين على اختلالات لا يمكن الحفاظ عليها من دونه. بعد طبيعة المعروض الثابت، هنا يظهر الفرق في التطبيق العملي. إن تراكم الاختلالات في نظام الائتمان (التي تسببها المصارف المركزية) هو أصل الهشاشة في الاقتصاد العالمي اليوم. في سوق مؤسس على أساس عملة لا يمكن التلاعب بها، كلما ظهر اختلال، أدّته القوى الاقتصادية مباشرة إلى درب الإصلاح، وهو ما يمنع خطر الائتمان المنظومي الذي يتفشّى في النظام المالي القديم. بدلًا من إضرار المستقبل بالسماح لتراكم الاختلالات تحت السطح، يعمل المعروض المالي الأمين من التلاعب في البيتكوين عمل الحاكم الذي يطفئ النار متى ظهرت. إن المكونات المفردة الهشة للنظام سيُضحّى بها وسيصبح النظام كلّه مضادًّا للهشاشة بهذه العملية.

عند جو سكواك أن عملة ليبرا الفيسبوكية هي التي جعلت البيتكوين أقرب إلى أذهان الناس. عند غيره، التضخم الكبير في فنزويلا هو الذي فعل ذلك. وعند كثيرين، إنما هو الحقيقة غير المنقطعة من الأزمات المالية والتيسيرات الكمية التي تحدث مرة بعد مرة. مهما كان عدد دورات التيسير الكمي في جعبة الفدرالي ونظرائه العالميين، فإن البيتكوين يصبح ولا بدّ صرخة للقتال لكل الذين يرون اقتراب هلاك القطار ولا يريدون الانتظار دون فعل شيء. البيتكوين ليس عمل عصيان مدني جماعي، بل هو إدراك فردي لحاجة العمل من أجل حفظ النفس. لا بد من لحظة ستأتي على كل واحد فينا، يحكم فيها الحس المشترك وغريزة البقاء. قد يختلف المشهد عند كل فرد، ولكن في النهاية، البيتكوين طريقة لحفظ نوع من أنواع الحرية لا يمكن لولاه حفظه من العطب أو النقص. سواء أحاولت الحكومات حظر البيتكوين أو ألقت عليه إخفاقات النظام القديم، تذكر دائما بساطة ما يقدمه البيتكوين. إن ما يقدمه البيتكوين ليس إلا حرية الفرد في تحويل قيمته في العالم الحقيقي إلى نوع من المال لا يمكن التلاعب به. إنها حرية أساسية وبسيطة ولكنها حرية يجب اكتسابها. لذا لكل الأمريكيين في العالم، حافظوا على تواضعكم، وجمّعوا الساتوشيات، واثبتوا أماكنكم. مهما كلف الأمر.

«لقد طلب العدو استسلامًا […] وأجبت طلبه بضربة مدفع».

المقدَّم ويليام ترافيس (24 فبراير 1836) (رابط إلى رسالة ترافيس الكاملة)

Tagged : / / / /

البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: يناير 2020

في الحديث عن اعتماد البيتكوين، هناك قاعدتان يبدو أنهما لا تخلفان. كل من يدخل يعتقد أنه متأخر، وكل من يدخل يتمنى لو أنه اشترى أكثر. لكل قاعدة استثناءات، ولكن للبيتكوين قدرة عجيبة على العبث بالنفس الإنسانية. لقد تبيّن أن 21 مليونًا رقمٌ صغيرٌ صغرًا مخيفًا، وأنه يصبح أصغر كلما فهم مزيد من الناس أن المعروض الثابت للبيتكوين مفروضٌ فرضًا له مصداقية وأن الشبكات المالية تتّجه إلى وسيط واحد. إن الطلب على البيتكوين تقوده مصداقية خصائصه المالية والطبيعة التجمّعية للمال، ولكن زيادة هذا الطلب تزيد ندرة المعروض الثابت مصداقيّة وأمنًا. وبذلك، يصبح البيتكوين قيّمًا من حيث هو وسيط مالي. ومع أن هذا يزيد وضوحًا كلما أبعَد المرء السفر في جحر البيتكوين، فإنه ليس نادرًا أن نرى أفرادًا على الهامش يحيّرهم العدد الكبير للعملات التشفيرية. نعم، البيتكوين هو القائد اليوم، ولكن غيره آلافًا، كيف تعلم أنه ليس مثل ماي سبيس؟ كيف يمكن أن تتأكّد أن البيتكوين لن يسقط أمام شيء جديد؟

قد يبدو جنونًا الاعتقاد بأن البيتكوين سيصبح العملة العالمية السائدة، ولعلّه جنون إذا قسنا الاحتمال من منظور احتمالي مقيس من أعلى إلى أسفل. اليوم، البيتكوين واحد من أكثر من ألف عملة رقمية تبدو جميعها متطابقة في ظاهرها. والقيمة السوقية له وهي 150 مليار دولار ليست إلا نقطة في بحر النظام المالي العالمي الذي يدعم 250 تريليون دولار من الدين. الذهب وحده له قوة شرائية تبلغ 8 تريليونات دولار (50 ضعفًا من قوة البيتكوين). ما احتمال صعود اهتياجٍ إنترنتي ابن 11 عامًا من رماد الأزمة المالية عام 2008 من لا شيء إلى أن يصبح العملة العالمية السائدة؟ تبدو الفكرة مضحكة، أو على الأقل، يبدو احتمالها منخفضًا جدًّا فلا تستحق النظر. ولكن، عندما تبدأ من الأسفل إلى الأعلى وتطوّر اقتناعًا بمبادئ مؤسسة، يضمحلّ ضجيج الألف عملة رقمية في الخلفية. إذا جُمعت هذه المبادئ المؤسسة القليلة أنشأت بساطة ووضوحًا في أمرٍ كان يبدو أشدّ تعقيدًا من أن يفهمه المرء. إذا كان على الإنسان أن يجيل النظر في ألف احتمال ليصل إلى الحل الصحيح، فهذا الأمر ليس عمليًّا ولا ممكنًا. ولكن إذا استطعت إلغاء 999 احتمالًا بدءًا من مبدأ واحد أو عدّة مبادئ، يصبح الوصول إلى جواب متّسق أمرًا ممكنًا.

هذه هي خريطة إلغاء الضجيج والتركيز على المهم. قد يستنتج الأفراد استنتاجات مختلفة بشأن كل سؤال من هذه الأسئلة، ولكن هذا هو الطريق الذي يجب اعتباره عند محاولة فهم انتصار البيتكوين على كل العملات الأخرى وإذا كان سينتصر أصلًا. المال ضرورة أساسية، ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. يعتمد الناس البيتكوين لأن له خصائص فريدة من حيث هو نوع من المال تجعله متفوّقًا على كل العملات الأخرى. ولأن المال حلٌّ لمسألة بين ذاتيّة، تميل الأنظمة المالية إلى التجمّع في وسيط مفرَد. أو بالأحرى، تنشأ الأنظمة الماليّة طبيعيًّا من وسيط مالي واحد بسبب وظيفة المال. إن الخصائص الجوهرية في البيتكوين تجعل السوق يتجمّع فيه وسيلةً لإيصال القيمة وقياسها لأنه يمثّل تحسينًا على هيئة دالّة خطويّة عن أي وسيط مالي آخر. فإذا اقتنع المرء بالرأي التأسيسي القائل إن المال ضرورة وإن الأنظمة المالية تتجمّع، فالسؤال يتركّز على: هل البيتكوين مستمثَل لملء هذه الوظيفة الماليّة أكثر من أي منافس له؟

المال ضرورة

لم تكن الحضارة كما نعرفها لتوجد لولا المال. لولا المال، لما كان لدينا طائرات، ولا سيارات، ولا آيفونات، ولتعطّلت القدرة على تلبية أبسط الحاجات الأساسية. لن يستطيع ملايين الناس التعايش السلمي في مدينة واحدة أو دولة واحدة أو بلد واحد من دون المال. المال هو السلعة الاقتصادية التي تسمح للطعام أن يظهر في رفوف البقالية، والبنزين أن يظهر في محطة الوقود، والكهرباء أن تصل إلى البيوت، والماء العذب أن يكون متوفّرًا، إلخ… المال هو الذي يدير العالم، والعالم لم يكن ليدور على الطريقة التي اعتدناها لولا المال. إن المال وظيفة لا نقدرها قدرها، وظيفة نسيء فهمها لأننا بالعموم لا نفكر بها تفكيرًا واعيًا. في العالم المتطوّر، يعتبر المال أمرًا بدهيًّا. وكذلك الضرورات التي تأتي بها منفعة التعاون التي يتيحها المال.

تأمّل مثلًا بقّاليّة محلية ومجال الاختيار الذي يتجمّع في بقالية واحدة. إن عدد الإسهامات الفردية والمهارات اللازمة لتحقيق هذا تخبل العقل. من تنسيق البقالية نفسها، إلى التجكيع الفردي، إلى مقدمي التكنولوجيا، إلى الشبكات اللوجستية، إلى شبكات النقل، إلى أنظمة الدفع، ثم إلى كل سلعة من السلع الغذائية. ومن هذا، تأمّل في كل مُدخَل تراه في كل سلعة على الرفّ. البقالية نفسها على جانب التلبية، أما إنتاج كل مدخل فيها فله سلسلة إمداداته المختلفة. وهذا الأمر معجزة حضارية حديثة. كذلك تفكيك مدخلات شبكة اتصالات حديثة، أو شبكة طاقة أو مياه، أو شبكة إدارة مهدورات، هو أمر معقد. كل شبكة وكل مشارك في شبكة يعتمد على غيره. منتجو الغذاء يعتمدون على الأفراد الذين يلبّون طلب الطاقة، وخدمات الاتصال، والإمدادات، والماء النظيف، وغير ذلك، والعكس بالعكس. عمليًّا كل الشبكات متصلة، وكل هذا لم يكن ممكنًا لولا منفعة التعاون التي يتيحها المال. يستطيع كل أحد أن يسهم بمهاراته بناءً على اهتماماته وتفضيلاته الشخصية: ويحصل على المال لقاء القيمة التي قدّمها اليوم، ثم يستعمل هذا المال ليحصل على قيمة أخرى يقدّمها آخرون في المستقبل.

والأمر لا يحصل بمجرد الصدفة. بعض المفكرين قليلي الصرامة يقولون إن المال هلوسة جمعية أو إنه يشتق قيمته من الحكومة. في الواقع، المل أداة اخترعها الإنسان لتحقيق سوق مخصوص جدًّا في تسهيل التجارة. يساعد المال على تسهيل هذا النشاط لأنه وسيط بين سلسلة من المقايضات الحالية والمستقبلية. من دون أي توجيه أو مراقبة واعية، يقيّم المشاركون في السوق السلع المختلفة ويتجمّع تفكيرهم على الأداة التي عندها أفضل الخصائص لتسهيل الغرض الصريح جدًّا الذي هو تحويل القيمة الحالية إلى قيمة مستقبلية. ولئن كانت تفضيلات الاستهلاك تختلف من فرد إلى فرد وتتغير دائمًا، فإن الحاجة إلى المبادلة والمقايضة عمليًّا حاجة عامّة دائمة، والوظيفة لها شكل واحد فريد. لكل فرد، يتيح المال تحويل القيمة التي تنتَج في الحاضر إلى استهلاك في المستقبل. القيمة التي ننسبها إلى بيت أو سيارة أو طعام أو غير ذلك، تتغيّر طبيعيًّا مع الوقت وتختلف منطقيًّا من فرد إلى آخر. لكن الحاجة إلى الاستهلاك والحاجة إلى التعبير عن التفضيلات لا تتغير وهي موجودة عند كل الأفراد على أساس بين ذاتي.

المال موجود للتعبير عن هذه التفضيلات، وللتعبير عن القيمة في النهاية. ولكن بإدراك أن القيمة كلها ذاتية (وليست جوهرية موضوعية)، يصبح المال نقطة انطلاق لتأسيس تعبير عن القيمة، وأهمّ من ذلك لتأسيس تعبير عن القيمة النسبية. يمثّل المال إدراكًا جمعيًّا لمنفعة وجود لغة عامّة للتعبير عن التفضيلات الشخصية، هذه المنفعة تعمّ كل الأفراد. تجمّع هذه اللغة وتقيس تفضيلات كل الأفراد في السوق، في أي وقت من الزمان، ولم يكن ليكون التعبير عن القيمة ممكنًا، أو على الأقل فعّالًا، لولا وجود ثابت مشترك يوافق عليه كل الناس. فكّر في المال على أنه ثابت تُقاس عليه كل السلع الأخرى. لولا وجود هذا الثابت، لراوح كل امرئ في مكانه، غير قادر على الموافقة على قيمة أي شيء. بالمقارنة إلى ثابت واحد، يمكن التعبير عن القيمة النسبية لسلعتين. إن في الوجود مليارات السلع والخدمات التي ينتجها مليارات الأفراد، لكل واحد منهم تفضيلات فريدة. من خلال التجمّع في نوع مفرَد من المال لتجميع التفضيلات والتعبير عنها، ينشأ في النهاية نظام تسعير. بقياس قيمة كل السلع والتعبير عنها بوسيط مشترك (هو المال)، يمكن فهم قيمة  السلعة (أو المورد) أمام سلعة أخرى.

لولا استعمال عملة مشتركة، ما كان ليوجد مفهوم السعر. ولولا مفهوم السعر، ما كان ليمكن الحساب الاقتصاد على أي مجال. إن القدرة على الحساب الاقتصادي تتيح للأفراد اتخاذ أفعال مستقلة، بالاعتماد على المعلومات المعبّر عنها بنظام التسعير، لتلبية حاجاتهم بفهم حاجات الآخرين. في الحقيقة، إن نظام السعر هو الذي يتيح لبنى العرض والطلب أن تتشكل، وهي ضرورة لأنها توفّر وسيلة للتعبير عن المعلومات، التي من دونها لا يمكن تلبية الحاجات الأساسية. تخيّل إذا لم يكن لشيء تستهلكه سعر معروف. كيف ستعرف ما الذي تحتاجه لتستطيع الحصول على السلع التي تفضلها؟ ثم اعلم أن مفهومك عن القيمة التي تنتجها ووجود الخدمات والسلع نفسه التي ينتجها الآخرون ما كان ليتحقق لولا وجود طريقة للتعبير عن السعر. يصبح الأمر دائريًّا، ولكن المال هو السلعة التي تتيح تشكيل البنى المؤسسة للاقتصاد من خلال نظام السعر. ولئن يكن الناس يذمّون المال دومًا بوصفه أصل الشرور، فإنه قد يكون أعظم ابتكار ابتكره الإنسان بالمصادفة، وهو ابتكار لم يكن لينشأ من سلطة واعية.

الأنظمة المالية تتجمّع في وسيط مالي واحد

إن تفكير وادي السليكون في المرحلة الأخيرة أقنع كثيرًا من الناس بإمكانية وجود مئات، بل وآلاف من العملات في المستقبل. ستقوم الآلات بكل الحساب. سيتولّى الأمر الذكاء الصنعي والحوسبة الكمومية. إذا أردنا «السلامة» الثقافية قلنا إن 95% من العملات الرقمية ستسقط، ولكن هناك مشاريع «مثيرة للاهتمام». «يصعب جدًّا معرفة أيّ المشاريع سينجج». «الأمر أشبه باستثمار مغامرة رأس المال، سيخفق معظمها ولكن التي ستنجح ستنجح نجاحًا كبيرًا». على الأقل، هذا ما يريد أهل وادي السليكون أن تعتقده لأنه يوازي تجارب تاريخية سابقة في الاستثمار في الشركات. في الحقيقة، هذا الرأي رأي تحوّط فاقد للمبادئ الأولى. وهو كذلك تطبيق معادلة مألوفة على صنف مستقل مختلف تمامًا.

ولئن كان يبدو منطقيًّا من إطار ذهني أن يُربَط بتاريخ الشركات الصاعدة في التكنولوجيا، فإن المقارنة ممتنعة أصلًا. البيتكوين مال، ليس شركة. ليس منطقيًّا افتراض أن التنافس بين وسيطين ماليين (أو أكثر) سيكون بأي شكل من الأشكال موازيًا، أو مشابهًا لتنافس شركتين. الشركات تتنافس في بناء رأس المال، ولتفعل ذلك، تحتاج إلى المال لتنظّم النشاط الاقتصادي. فكيف تحصل على المال؟ باستعمال المال لتنظيم إنتاج السلع والخدمات وببيع المخرجات للحصول على مزيد من المال (ربح). فعليًّا، الشركات تتنافس في حوض المال نفسه لتراكم رأس المال. المال هو الأداة التي تجعل العجلة دائرية. ببساطة لا يمكن تنظيم كل المهارات الفردية اللازمة لإنتاج السلع والخدمات التي يوفّرها تعقيد سلاسل الإمداد الحديثة من دون المال. ولا يمكن ذلك أيضًا إذا لم تكن جماعة كبيرة من الناس تقبل نوعًا مشتركًا من المال.

في سلاسل إمداد الإنتاج، يخدم المال وظيفة من نوع آخر مختلف عن كل سلعة أو خدمة. إنه الفرق بين تلبية التفضيلات (إنتاج السلع والخدمات) وتنسيق التفضيلات وتنظيمها (المال). إن تلبية التفضيلات مستقلة عن تنسيق التفضيلات، وتنسيق التفضيلات قائم على نظام السعر، الذي لا يمكن أن يتشكّل إلا بتجمّع جماعيّ في وسيط مالي واحد. في غياب نظام التسعير، لا يمكن أن يوجد تقسيم للعمل، على الأقل ليس بالحد اللازم لعمل سلاسل الإمداد المعقدة. إنه المبدأ الأساسي الذي يفوّته معظم الناس عند التفكير في عالم فيه عملات كثيرة. كل نظام تسعير قائم على عملة واحدة. إن مفهوم السعر لا يوجد لولا إنتاج جماعة كبيرة من الأفراد لمجموعة متنوعة من السلع والخدمات وتعبيرها عن قيمة هذه السلع والخدمات بوسيط مشترك. التجمّع هذا شرط سابق لوجود منفعة المال والسعر. نتيجة ذلك، قد يكون القول بأن الأنظمة الاقتصادية تنشأ من وسيط مالي واحد، لا تتجمع في وسيط مالي واحد، أدقّ. يوافق الأفراد على وسيط مالي واحد والمخرَج هو نظام اقتصادي.

قيمة كل السلع والخدمات هي الاستهلاك، أما قيمة المال فهي التجارة. التجارة هي السلعة التي يشتريها كل فرد عندما يريد تحويل القيمة التي معه (وهي المخرج الذاتي للوقت والجهد ورأس المال الجسمي) إلى سلعة مالية. تفضيلات الاستهلاك الفردية فريدة، ولكن المال يخدم وظيفة مفردة لكل المشتركين في السوق: هي عبور القيمة من الحاضر إلى المستقبل (سواء أكان عبور يوم أو سنة أو أكثر). في كل مقايضة لقيمة حاضرية، يوجد استمرار زمني حتى تجري مقايضة مستقبلية. عندما تجري المقايضة، يجب أن يقرر كل فرد أي سلعة مالية هي التي تحفظ القيمة المنشأة من الحاضر إلى المستقبل أفضل حفظ. السلعة أ أم السلعة ب؟ ولئن كان الفرد يستطيع أن يختار امتلاك عملة واحدة أو عملات متعددة، فإن واحدة من العملات لا بد أنها ستكون أفضل من غيرها أداءً، بالتعريف. واحدة ستحفظ القوة الشرائية حفظًا أفضل للمستقبل. كل الناس يفهمون هذا الأمر بداهةً ويتخذون قرارهم بناءً على الخصائص الجوهرية في أحد الوسُط بالنسبة إلى بقيتها. عندما نقرر أي سلعة مالية نستعمل، يتأثر تفضيل الفرد بتفضيل الآخرين، ولكن كل فرد يأخذ قراره باستقلال بالنظر إلى نقاط القوة النسبية للسلع المالية المتعددة. وليس مصادفة أن السوق يُجمع على وسيط مالي واحد لأن كل فرد يحاول حل المشكلة نفسها، وهي مشكلة المقايضة المستقبلية، وهي معتمدة على تفضيلات الآخرين.

الهدف النهائي هو بلوغ الإجماع لكي يستطيع كل فرد أن يعبّر ويتاجر مع أوسع وأهم مجموعة من أقران التجارة. ويكون التقدير جمعيًّا موضوعيًّا للسلع الملموسة بناءً على الحاجة البين ذاتية. الفكرة كلها هي إيجاد سلعة يوافق الجميع أنها أ) ثابتة نسبية، ب) مقيسة، ج) فعّالة في المقايضة. إن وجود ثابت ينشئ نظامًا في المكان الذي لم يسبق فيه وجود نظام، ولكن هذا الثابت يجب أيضًا أن يكون فاعلًا أداةً للقياس ووسيلة للمقايضة. إنه تجميع لكل هذه الخصائص، التي تعدَّد عادةً: الندرة، والمتانة، وإمكانية الاستبدال والتقسيم والنقل، وهي خصائص فريدة مختصة بالمال. إن السلع التي تجمع كل هذه الخصائص قليلة جدًّا، وكل سلعة فريدة، ولها خصائص جوهرية تجعلها أفضل أو أسوأ في تحقيق وظائف معينة في الاقتصاد. أ مختلفة دائمًا عن ب، وجمع الخصائص المالية الكاملة نادر جدًّا لذلك يكون الفرق بين السلع المالية فرقًا ظاهرًا دائمًا.

عمليًّا، يوافق الجميع على سلعة مالية واحدة يعبّرون بها عن القيمة لأن مصالحهم الفردية والجمعية تدفعهم ليوافقوا. إنها المشكلة نفسها: كيف نعبّر عن القيمة لبقية المشاركين في السوق؟ الأمر كلّه يعود بنتائج عكسية لولا وجود إجماع على الوسيط المالي. ولكن خصائص السلعة المالية هي التي تتيح التجمّع والإجماع. هذا العالم المتخيَّل الذي فيه آلاف العملات أعمى عن هذه المبادئ التأسيسية الأولى. إن اتفاق جماعة كبيرة من الناس على وسيط مشترك مدخَل ضروري لتحقيق المعلومات المرغوبة فعلًا. وقيمة الوسيط المشترك لا تزداد إلا إذا تجمّع عليه مزيد ومزيد من الأفراد لتسهيل المقايضات. السبب الأساسي هو أنه مع تجمّع مزيد من الناس على هذا الوسيط، تتراكم فيه معلومات أكثر ويقدّم منفعة أكبر.

كل فرد هو قرين تجارة محتمل. مع اعتماد الأفراد للوسيط المشترك نظامًا للقيمة، يكتسب كل المشاركين السابقين في الشبكة المالية قرناء تجارة جديدين، وكذلك الأفراد الذين ينضمّون إلى الشبكة. إنا منفعة متبادلة، وفي النهاية يتوسّع مجال الاختيار. ولكن الذي يحدث مع توسّع الشبكة المالية هو أن مزيدًا من السلع تتسعّر بهذا الوسيط المالي المشترك. يزيد عدد الأسعار، وبذلك يزيد عدد الأسعار النسبية. يتجمع مزيد من المعلومات في هذا الوسيط المشترك، وهو ما يمكن أن يعتمد عليه كل الأفراد في الشبكة (والشبكة من حيث هي كلّ أيضًا) لتنسيق الموارد تنسيقًا أفضل وتحسين الاستجابة لتغيّرات التفضيلات. تزداد قيمة الثابت وتزداد أهليته للثقة عندما يعبّر عن معلومات أكثر عن سلع ينتجها عدد أكبر من الأفراد. تزداد ثباتية الثابت كلما زاد تنوع المعلومات التي يعبّر عنها.

مع زيادة اعتماد شبكة مالية زيادة درجة أسية (عشرة أضعاف)، يزداد عدد الاتصالات الشبكية الممكنة درجتين أسيتين (مئة ضعف). مع أن هذا يساعد على إظهار الفائدة المتبادلة للاعتماد، فإنه أيضًا يظهر نتيجة تحويل القيمة إلى شبكة مالية أصغر. الشبكة التي حجمُها عُشر، يكون فيها عدد الاتصالات الممكنة 1%. ليست التوزّعات في كل شبكة متساوية، ولكن الشبكة المالية الأكبر تعني ثابتًا أكفأ للتعبير عن القيمة – وكثافة أكبر، ومعلومات أهم ومجال اختيار أوسع. حجم الشبكة المالية والنمو المتوقع فيه هما العنصران الأساسيان في اختبارات الاختيار البين ذاتية، عندما يحدد كل فرد أي وسيط يستعمله. مع أن عدد الناس الذين يمكن أن يحافظ الفرد على علاقات اجتماعية معهم محدود، فإن هذه المحدودية لا تنطبق على الشبكات المالية. المال هو الذي يتيح للبشر أن يكسروا قيود عدد دنبار. تتيح الشبكة المالية لملايين (إن لم يكن مئات الملايين) من الناس الذين لا يعرف بعضهم بعضًا أن يُسهموا ويقدّموا قيمة في طرفيات الشبكة، فتقلل عدد الاتصالات المباشرة الضرورية.

الشبكات المالية في النهاية تُراكم قيمة كل الشبكات الأخرى لأن كل آثار الشبكات الأخرى لا توجد من دون شبكة مالية. الشبكات المعقدة لا يمكن أن تتشكل من دون عملة مشتركة لتنسيق المدخلات الاقتصادية اللازمة لبدء حلقات التلقيم الراجح الإيجابي للسعر. العملة المشتركة هي أساس أي شبكة مالية، وهو ما يسمح لشبكات القيمة الأخرى أن تتشكل. تقدّم العملة المشتركة لغة مشتركة للتعبير عن القيمة، وهو ما يقود في النهاية إلى التجارة والتخصص، وينشئ قدرة على توسيع استعمال الموارد أوسع من «المراقبة الواعية». عند التأمل في آثار الشبكة لشبكة اجتماعية أو شبكة إمدادية أو شبكة اتصالات أو شبكة كهرباء، اجمع هذه الشبكات كلها تتحصل لديك قيمة الشبكة المالية. الشبكة المالية لا تكتفي بتقديم أساس لكل شبكات القيمة الأخرى، بل إن عملة هذه الشبكة هي التي تُدفع للوصول إلى كل الشبكات المشتقة من الشبكة المالية. إن وجود عملة مشتركة هو المحرّك وهو الوقود.

نعم، الدولار واليورو والين والجنيه والفرنك واليوان والروبل والليرة والبيزو، وغيرها. كلها تتعايش اليوم، ولكن هذا ليس نتيجة طبيعية لاقتصاد عالمي مفتوح. بل كل عملة حكومية موجودة اليوم نشأت لتكون تمثيلًا جزئيًّا للذهب، الذي كان العالم قد اجتمع عليه من قبل واتخذه نظامًا ماليًّا. لن تستمر عملة من هذه العملات لولا قوى التدخل الحكومي، ولا ستنشأ عملة من هذه العملات لولا وجود سلفها (وعيوبه) الذهب، وهو الوسيط المالي السابق. أصحاب النظرية النقدية الحديثة وأصحاب الذهب، كلهم لن يعترفوا بذلك، ولكن الحقيقة الفاجعة هي أن أنظمة المال الحكومي الجديدة ليست إلا مظهرًا لإخفاق الذهب في الوساطة المالية. إنه ميّت يمشي. أُلغي نظام الذهب رسميًّا عام 1971، ومنذ ذلك مثّلت أنظمة المال الحكومي ابتعادًا سريعًا عن القوى المالية في السوق الحرة. لم تستطع أنظمة المال الحكومي الجديدة أن تستمر ما استمرّته إلا لأن حلّ المشكلة التي سبّبتها هي نفسها لم يكن موجودًا. البيتكوين هو هذا الحل، ومنذ ابتكاره، تجمّع الأفراد عليه ليتخذوه نظامًا ماليًّا جديدًا، وهي نزعة ستسمر مع استمرار توزّع المعرفة.

كل الطرق تلتقي في البيتكوين

الثابت الأكبر – الندرة المحدودة

يتجمّع السوق في البيتكوين مع الوقت وتزيد قيمته لأنه يقدّم ثابتًا أرقى من أي نوع آخر من المال. البيتكوين له سياسة نقدية مثلى، وهذه السياسة مفروضة فرضًا ذا مصداقية على أساس لامركزي. لن يوجد في الشبكة إلا 21 مليون بيتكوين، وعنصر الثقة مُزال من المعادلة تمامًا. معروض البيتكوين الثابت مفروض بآليّة إجماع الشبكة على أساس لامركزي. لا يثق أحد بأحد، بل يفرض كل واحد القوانين باستقلال. بجمع هذين العنصرين، يصبح البيتكوين أندر نوع من المال عرفه الإنسان. الندرة المطلقة خصيصة لم توجد في أي نوع آخر من المال ولن توجد، والطلب على البيتكوين محثوثٌ في صلبه بهذه الندرة. ولكن الندرة معادلة لها طرفان. المعروض الثابت هو الأمر الأول، ولكن الطلب عنصر مهمّ ومُغفَل من الندرة. الطلب هو الذي يجعل الندرة ثابتًا في المقايضة. تزيد ندرة البيتكوين مع ازدياد الطلب أمام معروض نهائي ثابت. إن ندرة المعروض الثابت تنشئ الطلب ولكن الطلب المتزايد ينشئ ندرة أكبر. يبدو القول دائريًّا، لأنه دائري. إذا كان في العالم 21 مليون بيتكوين ولم يعرف قيمتها إلا رجل واحد، فما من ندرة ولا فائدة في البيتكوين. ولكن إذا قدّرها 100 مليون إنسان، تبدأ حينها ندرة الواحد والعشرين مليونًا. فإذا نمت الشبكة إلى مليار إنسان، أصبحت الواحد والعشرون مليونًا نادرة جدًّا، وتزيد فعالية البيتكوين من حيث هو ثابت.

مع ثبات العرض، يقتضي تزايد الطلب طبيعيًّا زيادة توزّع البيتكوين. ليس في السوق إلا مقدار محدود، وينتهي الأمر بالفطيرة وهي تقطَّع إلى حصص أصغر وأصغر يملكها مزيد ومزيد من الناس. مع تزايد عدد الأفراد الذين يقدّرون البيتكوين، لا تزيد فعالية الشبكة وحدها، بل ويزيد أمانها. تزيد فعاليتها لأن الناس يعبّرون بلغة القيمة نفسها بثابت يمكن الاعتماد عليه. ومع تزايد عدد الأفراد المشاركين في آلية إجماع الشبكة، تزيد مناعة الشبكة على الفساد ومن ثم يزيد أمانها. اعلَم أنّه ليس في البلوكتشين شيء يضمن ثبات المعروض، وأن جدول معروض البيتكوين ليس ذا صدقية لأن البرنامج قضى بذلك. بل، هو ذو صدقية لأنه محكوم على أساس لامركزي، يحكمه عدد متزايد من المشاركين في الشبكة. الواحد والعشرون مليونًا يصبح رقمًا أثبت وأقوى كلما زاد عدد الأفراد في الإجماع، ويصبح في النهاية ثابتًا أكفأ مع تناقص حصّة كل فرد من الشبكة. مع تزايد الاعتماد، يزداد الأمان والفعالية. انظر في توزّع اعتماد البيتكوين وكثافته في العالم (الخريطة الحرارية أدناه لعُقَد البيتكوين). كلما ازداد امتداد كل سوق وكثافته، تزداد قوّة ثابت البيتكوين.

كلما دخل مزيد من الأفراد، يتقوّى رقم الواحد والعشرين مليونًا، وفي عقل هؤلاء الداخلين، تصبح الندرة المطلقة هي ما يفرّق البيتكوين عن بقيّة أنواع المال – سواءٌ العملات القديمة أو العملات الرقمية المنافسة. كل العملات الأخرى تتمركز مع الوقت (الدولار واليورو والين والذهب مثلًا)، أو هي مركزية جدًّا من الأول (مثل كل العملات الرقمية)، فلا تستطيع منافسة معروض ثابت هو 21 مليونًا. التمركز في النهاية ينشئ حاجة إلى الاعتماد على الثقة، والثقة في النهاية تجعل معروض العملة في خطر، وهو ما يضرب الطلب ويهمّش فعاليتها في المقايضات. وإن كان كل العملات تعتمد على الثقة، فالثابت الذي يقدّمه البيتكوين لا ثقة فيه. الواحد والعشرون مليونًا رقم ثابت بفضل لامركزية الشبكة، وهذه اللامركزية تزداد مع الوقت. أفضل ما يمكن أن يفعله أفضل نوع آخر من المال هو أن يطابق البيتكوين، ولكن عمليًّا لا يمكن هذا لأن الأفراد يتجمّعون على وسيط واحد، والبيتكوين يضرب كل عملة أخرى في مقتل. كل العملات الأخرى في النهاي تتنافس أمام الثابت المثالي، الذي لا يتغير ولا يعتمد على الثقة.

كل أنواع المال تتنافس على كل مقايضة. إذا كان الاستخدام الأساسي (أو الوحيد) لأصلٍ ما، هو مقايضته لسلَع وخدمات أخرى، وإذا لم يكن مرتبطًا بمجرى دخل أصلٍ إنتاجي (كالأسهم والسندات)، فهذا الأصل منافِسٌ في سوق المال. نتيجة ذلك، كل أصل هكذا ينافس البيتكوين على الاستخدام نفسه، وما من عملة تقدّم ثابتًا أكفأ لأن البيتكوين موجود أصلًا ومنتهٍ. لأن الأفراد يتجمّعون على وسيط واحد، ستصبح الندرة في البيتكوين دائمًا مفروضة من جهة العرض ومن جهة الطلب، أما القوة المضادّة فهي في الحقيقة كل العملات الأخرى بسبب الطبيعة الانعكاسية للتنافس المالي. الفرق بين سلعتين ماليتين لا يكون هامشيًّا، ولا هو نتيجة قرارات فردية لاستعمال وسيط بدلًا من آخر. المال مسألة بين-ذاتيّة، واختيار الدخول في وسيط مالي هو خروج صريح من كل الوسط الأخرى، وهو ما يزيد قيمة الشبكة (وفعاليتها) على حساب الشبكة الأخرى. مع تزايد ندرة البيتكوين وكفاءته ثابتًا، تقلّ ندرة بقيّة العملات ويزيد تغيّرها. التنافس المالي صفري المجموع، وهو تابع دينامي للطلب والعرض معًا، ينشئ فرقًا جوهريًّا بين الوسيطين الماليين يزداد مع الوقت ابتعادًا ووضوحًا.

ولكن تذكّر أن الندرة من أجل الندرة ليست هدف أي مال. لكن المالُ الذي يقدّم أعظم ثابت يسهّل المقايضات أفضل تسهيل. السلعة المالية ذات أكبر ندرة نسبية تحافظ على القيمة بين الحاضر والمستقبل أفضل حفاظ. السعر النسبي والقيمة النسبية لكل السلع الأخرى هي معلومات مرغوبة من وظيفة التنسيق التي في المال، وفي كل متاجرة، كلّ فرد مدفوع إلى زيادة القيمة الحاضرة إلى المستقبل. تقدّم الندرة المحددة في البيتكوين أكبر ضمانٍ أن القيمة المتاجَرة في الحاضر ستحفظ إلى المستقبل، ومع تعرّف مزيد ومزيد من الأفراد على أن البيتكوين سلعة مالية لها أكبر ندرة مطلقة، سيصبح استقرار السعر خصيصة ناشئة (انظر البيتكوين ليس شديد التقلب).

أفضل أداة قياس – المقسومية

لئن كانت الندرة حجر أساس، فليس معناه أن كل السلع النادرة تصلح مالًا. لكي تصلح السلعة أداةً للتعبير عن القيمة، لا بد أن تكون ثابتًا نسبيًّا، سهلَ القياس وفاعلًا في المتاجرة. قد تكون المسطرة أداة قياس فعّالة، ولكن المساطر ليست نادرة، ولا يسهل نحت مساطر في وحدات أصغر وأكبر لتسهيل المتاجرة. بالمقابل، ندرة السلعة المالية وقابليتها للقياس تتيح قياس كل السلع الأخرى، إن القدرة على تقسيم الوحدة المالية ونقلها تقدّم منفعة عملية في المتاجرة. يقدّم البيتكوين إلى جانب المعروض الثابت القدرة على تقسيم كل وحدة كاملة 8 خانات فاصليّة (0.00000001 أو جزء من 100 مليون في كل بيتكوين)، ونقل أي مقدار منها مهما كبر أو صغر. كما أن الندرة وحدها ليست قيّمة في سياق المال، فكذلك أمر المقسومية. لكن جمعهما معًا يصبح قيّمًا في سياق المال، لا سيما إذا كانت كل واحدة مقسومة شرويّة – أي عندما يمكن تبديل أي واحدة مفردة بمثلها، وتكون كل أجزائها متماثلة لا فرق بينها. هاتان الصفتان معًا هما اللتان يجعلان البيتكوين لا ثابتًا تامًّا فحسب، بل وأداة قياس فعّالة للقيمة من أجل تسهيل المتاجرات.

في الكود، تتمثّل كل واحدة بيتكوين بمئة مليون وحدة صُغرى، تسمّى هذه الوحدة الصغرى ساتوشي. تقنيًّا، كل بيتكوين هو 100 مليون ساتوشي. فإذا كان البيتكوين اليوم سعره 9 آلاف دولار، فالساتوشي يساوي جزءًا من عشرين جزءًا من السنت. فعليًّا، يستطيع أي أحد أن يرسل أو يستقبل أي مقدار من القيمة في البيتكوين. البيتكوين، مثل بقية الأموال، نافع لهدف واحد، هو تخزين القيمة بين سلسلة من المتاجرات. تلقّ اليوم مقدارًا من البيتكوين مقابل قيمة تقدّمها، ثم وفّره، ثم اصرف البيتكوين في المستقبل لتحصل على قيمة أنتجها غيرك. هذه المنفعة نفسها تتحصل مهما كان المقدار. النتيجة العملية للمقسومية هي أن البيتكوين قادر على قياس أي قيمة وهو ما يتيح له قبول أي اعتماد. ينتج الأفراد طيفًا واسعًا من القيمة، وقابلية القسمة تتيح لهم استعمال البيتكوين آلية للتوفير سواءٌ أكان توفير 50 دولار أو 50 ألف دولار. لكي تكون السلعة المالية أداة تعبير فاعلة، لا بد أن تكون قادرة على قياس طيف القيمة التي ينتجها كل الأفراد، والبيتكوين قادر على ذلك تمامًا. إن القدرة على تقسيم ونقل أي مقدار من البيتكوين يجعله متاحًا لكل الأفراد وكل السلع المنتجة، مهما كانت قيمة الفعلية لها.

في اختبار أ\ب، في التنافس المالي، إذا كانت أ > ب، فأي مقدار من أ أفضل في كونِه مالًا من أي مقدار من ب. مع الوقت، ستزداد القوة الشرائية لـأ بالنسبة إلى ب سواء أكانت بقيمة 50 دولارًا أو 50 ألف دولار. لا تحيّرك قائمة العملات الرقمية في كوينبيس التي تبدو أنها «صفقة أفضل» لأن سعرها «رخيص»، أما البيتكوين فيبدو «غاليًا». تذكّر دائمًا أن البيتكوين يمكن تقسيمه إلى وحدات أكبر أو أصغر لتخزين قيمة أكبر أو أصغر. واحد البيتكوين واحدة اعتباطية تمامًا، مثل واحدة أي عملة. اختبار السوق هو اختبار أفضلية أ على ب من حيث هو مال. وهو قرار بين ذاتي، وفي الوقت الذي يعبّر فيه السوق عن الشبكة التي يعتقد أنها تؤدي دور المال أفضَل وأفعَل، تكون قيمة الشبكة هي المُخرَج، لا المُدخَل. المُدخَل هو تقييم كل فرد لخصائص السلعة المالية نفسها بالقياس إلى غيرها. إذا كان البيتكوين أ في تقييمك، فما من سعرٍ هو «غالٍ جدًّا». قد يكون ثمن البيتكوين فوق قيمته أو تحتها في أي وقت من الزمن، ولكن كل فرد يعتمد البيتكوين يزيد قيمة الشبكة (تذكّر حوار أقران التجارة واتصالات الشبكة). إمكانية الانقسام بسهولة إلى أجزاء صغيرة جدًّا تتيح دخول عدد غير محدود عمليًّا من الأفراد ليحولوا قيمتهم ويعبّروا عنها عبر الشبكة. إذا كان أ أكبر من ب، وإذا كان أ يقبل اعتمادًا غير محدود، فسينتهي الأمر بإبطال الحاجة لـب.

مع تقييم الأفراد -كُلٌّ على حدة- لاختبار أ\ب، يعتمد مزيد من الناس البيتكوين، وينقسم البيتكوين إلى وحدات أصغر وأصغر. هذا نتيجة لتزايد الطلب إلى جانب ثبات العرض، وقيمة الشبكة فعليًّا تزداد طردًا مع هذه العملية. تتزايد قيمة شبكة البيتكوين مع تقدير مزيد من الناس لها. فعليًّا: 0.1 بيتكوين = 1000 دولار، أكبر من 1.0 بيتكوين = 1000 دولار، وإن كانتا متساويتين بالقياس إلى الدولار. وتزداد إمكانات التجارة كلما زادت قيمة البيتكوين الإجمالية، ولكن القيمة مخرَج لاختيار مزيد ومزيد من الناس اعتماد البيتكوين وسيطًا ماليًّا. كل فرد يمتلك وحدات اسمية أصغر وأصغر من العملة، ولكن القوة الشرائية لكل وحدة متساوية تزداد مع الوقت. في كل متاجرة، يعبّر كل فرد عن قيمته في الشبكة ويفعل هذا على حساب الشبكة المالية المنافسة. بهذه العملية، يتحدد سعر جديد خاص بالقيمة التي ينشئها ويقيسها كل فرد، ونتيجة ذلك، يتراكم مزيد من المعلومات في البيتكوين نتيجة تنوّع مجموعة أقران التجارة.

قد لا تُذكَر الأسعار بوحدات البيتكوين، ولكن نظام التسعير يتشكّل مع كل مرة يحوّل فيها فردٌ قيمته إلى البيتكوين. حتى لو كانت الدولارات وُسُطًا غير مباشرة، فإن القيمة المنتَجة في مكان ما في العالم، الخاصّة بفرد معيّن، يعبَّر عنها بوحدات البيتكوين، ومع اختيار مزيد ومزيد من الناس هذا التعبير على أساس فردي، تتحول القيمة إلى وحدات أصغر وأصغر من البيتكوين (بالمتوسط). النتيجة هي استعمال تقويم أصغر وأصغر في البيتكوين لنقل مقدارٍ مساوٍ من القيمة، وكلما ازداد عدد الذين يقيسون البيتكوين، زادت قدرة البيتكوين على قياس القيمة النسبية للأشياء. وإذا كان البيتكوين قادرًا على التعبير عن أي قيمة وقابلًا لاعتماد عدد غير محدود من الأفراد، فهو عمليًّا يبطل الحاجة إلى أي شبكة نقل قيمة أخرى على المدى الطويل لأن نوع المال الذي يكون معدّل التغيّر فيه أقلّ يعبّر في النهاية عن معلومات أتمّ. الندرة المحدودة بالإضافة إلى المقسومية تصنعان وسيط تجارة قويًّا جدًّا. البيتكوين له أقل معدّل تغيّر نهائي بفضل محدوديته المطلقة، ويمكن تقسيمه ليبلغ أقل من بنس، وهو ما يتيح له أن يقيس القيمة بدقّة أكبر من أي عملة أخرى.

أعظم أداة مقايضة – المنقولية

من هنا، اللكمة الأخيرة هي أن البيتكوين يمكن نقله نقلًا لا رجعة فيه في قناة اتصال من دون الحاجة إلى أي طرف ثالث أو وسيط موثوق. هذا مختلف اختلافًا جوهريًّا عن الدفعات الرقمية في أنظمة الأموال الحكومية، لأنها معتمدة على وسطاء موثوقين. بالإجمال، البيتكوين ثابت أفضل من أي نوع آخر من المال وهو ذو قابلية كبيرة للقسمة والقياس، وفي الوقت نفسه متاحٌ للنقل عبر الإنترنت. حاول أن تجد سلعة أخرى تجمع هذه الخصائل: المحدودية المطلقة (أعظم ثابت) + المقسومية والشروية (القياس) + القدرة على الإرسال عبر قناة اتصال (سهولة النقل). هذا هو ما تنافسه كل سلعة مالية أخرى تريد أن يتجمع السوق عليها. عمليًّا، الطريقة الوحيدة لتقدير قوة هذه الآلية النادرة هي باختبارها مباشرة. يستطيع كل فرد أن يصل إلى شبكة البيتكوين من دون ترخيص بتشغيل عقدة كاملة. إن القدرة على تشغيل حاسوب في أي مكان في العالم ونقل سلعة محدودة إلى فرد آخر، من دون ترخيص ولا اعتماد على طرف ثالث، قدرة ممكِّنة. مئات ملايين الناس يستطيعون فعل هذا معًا من دون الحاجة إلى الثقة بأي مشارك آخر في الشبكة، هذا الأمر يكاد يستحيل فهمه.

لطالما وُصف البيتكوين بالذهب الرقمي، ولكن في الحقيقة ليس هذا إنصافًا. يجمع البيتكوين نقاط قوة الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي ويطرح منهما كل عيب فيهما. الذهب نادر ولكن صعب القسمة والنقل، والدولار سهل النقل ولكنه ليس نادرًا. البيتكوين نادر ندرة مطلقة، وسهل القسمة وسهل النقل. بصورتها الحالية، الذهب وأنظمة المال الحكومي كلها معتمد على الثقة، أما البيتكوين فلا حاجة للثقة فيه. البيتكوين مستمثَل لتحقيق نقاط قوة الاثنين، وطرح نقاط ضعفهما، وهو السبب الحقيقي لتجمّع السوق على البيتكوين ليحقق وظيفة المال.

البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى

إذا استنتج أي فرد هذه المقولات الرئيسة الثلاث: أ) المال ضرورة أساسية، ب) المال ليس هلوسة جمعية، ج) الأنظمة الاقتصادية تتجمّع على وسيط واحد، فهذا الفرد سيبحث بحثًا أوعى عن أفضل أنواع المال. إنه المال الذي يحفظ القيمة إلى المستقبل، ويتيح للأفراد تحويل وقتهم ومهاراتهم إلى مجال من الاختيار أعظَم من أن يتخيله أسلافهم. الحرية هي ما يقدّمه المال العُمدة: الحرية لاتباع المصالح الفردية (التخصص) والقدرة على تحويل مخرج هذه القيمة إلى قيمة أنتجَها آخرون (التجارة). سواء أسأل الأفراد أنفسهم هذا السؤال بوعي أو بلا وعي، فهم مجبَرون طبيعيًّا على إجابته بأفعالهم. وسيجيبون الجواب نفسه الذي يجيبه الذين يسألون هذا السؤال لأنفسهم. يصل الوعي واللاوعي إلى النتيجة نفسها لأن الحقائق الأساسية لا تتغير، ولأن وظيفة المال واحدة: التوسّط في سلسلة متاجرات بين الحاضر والمستقبل وتقديم لغة للتعبير عن القيمة الذاتية بين مجموعة واسعة من الأفراد الذين يستفيدون من التجارة والتخصص. المال ضرورة. هناك خصائص تجعل بعض السلع أفضَل أو أسوأ في المتاجرة، والمتاجرة في جوهرها مسألة بين ذاتية.

امتلاك البيتكوين هو ثمن الدخول إلى ما يمكن أن يكون أكبر وأشدّ الاقتصاد تنوّعًا في الوجود والتاريخ. البيتكوين نظام عالمي يتصل به من أراد من دون ترخيص من أحد. ولأن البيتكوين يصبح اللغة المشتركة للقيمة عند كل المشاركين، كل من هو جزء من الشبكة يستطيع التعبير عن القيمة والمتاجرة بها مع بقية المشاركين. كلما زاد عدد أقران التجارة، زادت القيمة التي تقدمها كل وحدة للأفراد المالكين للعملة. ولئن كانت العوائق الحكومية دائمًا ستوجد لإعاقة التجارة، فإن الوصول إلى العملة المشتركة نفسها يزيل أصل هذا العائق في التعبير عن القيمة، والمعروض الثابت للبيتكوين يتيح لآلية التسعير فيه أن يراكم ويعبّر عن معلومات أتمّ بأقلّ مقدار من الضجيج بالنسبة إلى أنواع المال الأخرى. ومع تزايد عدد الأفراد المريدين لتخزين القيمة في البيتكوين، تزداد قوة وصدقية المعروض الثابت وتزداد موثوقية وأهمية آلية تسعيره. المعتمدون الجديدون للشبكة المالية يقدّمون قيمةً ويدركون قيمةً بفضل اعتمادهم، وهو سبب أنك متى دخلتَ إلى البيتكوين فلستَ متأخرًا، ومهما كان ثمن البيتكوين فليس غاليًا.

لا يهم مقدار تعقيد البيتكوين. في النهاية، يصبح البيتكوين اختبار أ\ب. إن الحاجة إلى المال حقيقية والأفراد يتجمّعون على شكل المال الذي يحقق وظيفة المتاجرة أفضل تحقيق. ما من عملة في العالم تستطيع أن تكون أندَر من البيتكوين، والندرة قوّة جاذبة تجرّ الاعتماد والتعبير عن القيمة. اليوم، معظم المليارديريين لا يفهمون البيتكوين. البيتكوين فرصة متساوية آخذة للعقل. ولكن حتى الذين لا يفهمون البيتكوين سيعتمدون عليه في النهاية. هناك أسئلة جوهرية كثيرة. البيتكوين متقلّب، بطيء ظاهريًّا، صعب التوسيع، ليس شائعًا للدفع، يستعمل كثيرًا من الطاقة، وغير ذلك. الاستقرار خصيصة ناشئة تتبع الاعتماد، وكل العيوب الأخرى محلولة مع دخول مزيد من القيمة تأتي بها الندرة المطلقة وإمكانية القياس والقسمة ونقل القيمة. هذا هو ابتكار البيتكوين. العملة أ لها معروض ثابت. العملة ب ليس لها معروض ثابت. ستبقى العملة أ تجمّع قيمة أمام العملة ب. وستستمر قوة العملة أ الشرائية في الازدياد مقابل الخدمات والسلع، فيما تتناقص القوة الشرائية للعملة ب. فأيّ عملة أريد؟ أ أم ب؟ اختر الخيار الصحيح لأن ثمن الفرصة هو وقتك وقيمتك. كل ما بقي يسرح ببساطة اختيار الأفراد للعملة أ، ولكن في الواقع، كل الأمر عائد إلى الحس المشترك وغرائز البقاء. البيتكوين يُبطل كل أنواع المال الأخرى لأن الأنظمة المالية تتجمع على عملة مفردة، والبيتكوين هو العملة صاحبة أفضل الخصائص المالية.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹صالحًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك حايك

Tagged : / / /

البيتكوين ليس للمجرمين

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: نوفمبر 2019

إذا سمعت يومًا في حياتك (أو إذا كنت تصدّق) أنّ البيتكوين أداة يستعملها المجرمون، فقف وخذ عيّنة سريعة من أصحابك وأسرتك، من الذين تشكّ في امتلاكهم للبيتكوين، ثم اسأل نفسك إذا كانوا مجرمين معروفين. نعم لقد ذاعت حالات كثيرة استخدم فيها المجرمون البيتكوين، ولأن المشكّكين لا يعرفون سببًا آخر لاستعماله، أصبح استعماله لأهداف غير قانونية هو الافتراض الأوّلي. هذا الافتراض مبنيّ عمومًا على الرأي القائل إن البيتكوين أدنى من الدولار، سواءٌ بسبب الاعتقاد بأنه متقلّب جدًّا أو بطيء جدًّا، أو لأنه ليس واسع القبول في المعاملات اليومية; بهذا الإطار العقلي المعيب، يصبح التفسير المنطقي أنه من الناحية العملية، لن يستعمل أحد البيتكوين إلّا بهدف تسهيل نشاط غير قانوني، بأن يتّخذه وسيلة للترّب من سلطة القانون. قد يدّعي أحد النوّاب أو أمناء الخزانة هذا الادعاء، ولكن من حسن الحظ، فالبيتكوين ليس للمجرمين، بل هو لكل الناس.

«إن الغايات الواضحة للبيتكوين سواءٌ أكانت نقل خدمات وسلع غير قانونية، أو كانت قمارًا مضاربيًّا، تجعلني سائمًا من استعماله».

رسالة إلى المشرّعين من السيناتور جو مانشن (فبراير 2014)

إذا كان استعمال البيتكوين الأساسي استعمالًا غير شرعي، فقد يتبع منطقيًّا أن المستخدمين معظمهم مجرمون. ولمّا كان هذا الافتراض خاطئًا، كانت الحجج التالية التي نسمعها كثيرًا عن وجوب حظر البيتكوين لمنع هذه النشاطات حججًا غير تامّة، تخرّ الماء. إن القاعدة التي تقوم عليها هذه الفكرة هي الاعتقاد الخاطئ بأن البيتكوين أدنى من الدولار، وهو في الواقع أعلى من أي نوع من المال وُجد من قبل، بفضل معروضه الثابت (انظر البيتكوين له غطاء أو البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا). يشكّل معروض البيتكوين الثابت أساس الطلب للبيتكوين، سواءٌ أكان متعلّقًا بنشاط إجرامي أو لم يكن. وبغض النظر عن عدد التعاملات اليومية التي يسهلها البيتكوين، فإنه يستعمل كل يوم وسيلةً للتوفير، عصيّة على الرقابة والتضخم. ولا شك أن البيتكوين يستعمله أصحاب المخدّرات والمجرمون في الإنترنت المظلم. ولكن القول بأن استخدامه الأساسي هو هذا أو بأنه يجب أن يحظر من أجل هذا، قول غير منطقي. إنه من التعارض المنطقي أن تشكّل رأيًا تقول فيه إن البيتكوين فعّال بما يكفي ليكون عملة للمجرمين، ثم تنفي في الوقت نفسه مقتضى هذا، وهو أن البيتكوين فعّال لكل الناس.

ولكن قبل أن نقلب سرديّة المخدّرات هذه رأسًا على عقب، فلنعترف أوّلًا أن المجرمين يعتمدون على أي عدد من نقاط الوصول التي تشيع فيها التجارة، لا البيتكوين فقط. الطرقات، والإنترنت، وخدمة البريد، والمطارات، والنظام البنكي، وغير ذلك كثير. نعم، كلها يستعملها المجرمون ولطالما سهّلت الجرائم. ولكن، يستعمل المجرمون كل هذه الأشياء في حياتهم العادية أيضًا، لا لتسهيل الجرائم. هنا يسقط كل منطق وجوب حظر البيتكوين لأنه يمكن الأنشطة الإجرامية. الجرائم جرائم. لا وجود لشيء في الأدوات التي يستعملونها لتسهيل جرائمهم يجعلها إجرامية في نفسها. استعمال البريد لإرسال رسالة إلى أمك ليس جريمة. ولكن استعماله لإرسال مخدّرات احتيال بريدي. كذلك، استعمال الدولار لشراء ورود لأمك، لا شيء فيه. ولكن شراء المخدّرات بالدولار (أو بالبيتكوين)، جريمة. على الرغم من استعمال المجرمين، لم نسمع أحدًا ينادي بحظر الطرقات أو الإنترنت أو البريد أو غير ذلك. ولم نر كذلك أي مدافعين عن المصلحة العامّة ينادون بحظر الدولار، الذي يبدو أنه عملة تمويل المجرمين المفضّلة في كل مكان. نعم، خوف النشاط الإجرامي قد استُعمل للاعتداء على حقوق المواطنين الملتزمين بالقانون في كل مكان، ولكن الاعتقاد بوجوب حظر البيتكوين لأن بعض تجّار المخدرات استعملوه ليس مختلفًا عن النداء إلى حظر الدولار للسبب نفسه.

تفويت الفكرة

يصبح هذا الرأي أقلّ قوّة بكثير عندما نفهم أن البيتكوين ليس فعليًّا للمجرمين، ولكن لنفهم هذا، علينا أن نفهم أوّلًا أن البيتكوين للمجرمين. إنها مفارقة. الفكرة كلها تُقلب رأسًا على عقب عندما ننظر إليها من المنظور الصحيح. الحقيقة أن المجرمين يمكن أن يستعملوا (وقد استعملوا) البيتكوين لتسهيل التجارة، ليست إلّا دليلًا على أن البيتكوين يمكن استعماله لتسهيل أي تجارة. إن وجود استعمال للبيتكوين عمل فيه موقع سِلْك رود Silk Road، وسهّل معاملات فيها مخدّرات وسلَع ممنوعة أخرى مع استعمال البيتكوين للبيع، لا يغيّر شيئًا من الحقيقة الأوسع: أن البيتكوين يعمل. ولكن الباحثين في البيتكوين يغضّون النظر عن هذا، ويحاولون إثبات العكس، أن نسبة حوالات البيتكوين المستعملة لأغراض غير شرعية نسبة صغيرة. من ذلك هذا العنوان من السنة الفائتة:

«دراسة جديدة تجد أن نسبة معاملات البيتكوين غير الشرعية على المنصّات أقل من 1%».

كوين سنتر، يناير 2018

قد يكون الكلام صحيحًا، ولكن هذه السرديّات المضادّة تحارب على الجبهات الخاطئة. إذا كانت تجربة موقع سِلك رود أظهرت أي شيء، فإنما أظهرت أن الأفراد يقبلون البيتكوين وسيلةً للدفع مقابل سلعهم وخدماتهم. ليس مهمًّا أن معظم السلع في الموقع كانت ممنوعة. لقد كان هذا الموقع، الذي يقدّر أنه سهّل مليونًا ونيّفًا من المعاملات، من التجلّيات الأولى لاستعمال البيتكوين في الواقع. فنعَم، البيتكوين يُستعمَل الآن وقد استُعمل من قبل لتجارة المخدّرات، لكنه استخدام واحد له لم يثبت إلا فائدته العامّة، لا أكثر. وبالحديث عن شراء المخدّرات، لم يزل الدولار مفضّلًا على البيتكوين بين التجّار وإن كانوا بالعموم يعرفون البيتكوين ويستطيعون قبوله. سواءٌ في الردّ على سِلك رود أو غيره، كل من يستنتج أن «البيتكوين يعمل للمخدّرات» يخفق في رؤية الغابة من وراء الأشجار. النتيجة الأوضَح والمحطّمة للافتراضات، هي أن البيتكوين يعمل. نقطة.

إذا كان البيتكوين يعمل مع تجّار المخدرات لتسهيل التجارة، فلم لا يعمل ليسهّل أي نوع آخر من التجارة؟ لا يتطلب الأمر كثيرًا من الخيال لإمضاء هذا المنطق. إذا قبل الرجل أ البيتكوين لبيع السلعة ب، فهل يجوز أن أي رجل قد يقبل البيتكوين مقابل أي عملة بصرف النظر عن هوية الرجل وعن طبيعة السلعة؟ في حالة سِلك رود، لعلّ أن تجار المخدرات لم يفهموا سبب عمل البيتكوين، ولكنه عمل بكفاءة كافية ليقبلوا الدفع به. يبدو أنهم فهموا أن للبيتكوين طلبًا سوقيًّا كافيًا يجعله مقبولًا من حيث هو وسيط للمقايضة. ولأنه وفّر آلية إلكترونية لتسهيل المعاملات، فتح البيتكوين سوقًا وآلية سوق لم يكونا ليفتحا من دونه. أحببته أم كرهته، لم يكن الأمر إلا توظيفًا سوقيًّا للتقانة.

على الرغم من وجود البيتكوين، لم يترك تجّار المخدرات الدولار، بل ظلّ عملتهم المفضّلة. ولا توقّفوا عن غسل المال في النظام البنكي. لم يستعمل تجّار المخدّرات في سلك رود البيتكوين ليتجنّبوا حفظ النظام فقط، ولا اختفت تجارة المخدرات بالدولار فجأة عند ظهور البيتكوين، بل استعمل هؤلاء التجّار البيتكوين لأنه فعّال ولأنه يفي بحاجة سوق. إذا لم يكن البيتكوين فعّالًا ولم يكن متوقّعًا أن يحفظ عتبة معينة من القيمة على أفق زمني معين، لم يكن ليستعمل وسيلة للدفع في سلك رود. فتجّار المخدرات لا يريدون أن يخسروا أموالهم في النهاية. ولكن الأهم من ذلك، عندما يشجب أي أحد البيتكوين بالقول إن المجرمين يستعملونه لأغراض ممنوعة، سواء أكان أمين الخزانة أم كان نائبًا في الكونغرس، يجب أن نسأل: لمَ صلُح البيتكوين وسيلةً لتسهيل التجارة في المقام الأول؟

الاختبار الحاسم

إن التركيز على المجرمين يشتّت عن السؤال الأهم والنتيجة الأهم. إذا كان البيتكوين يصلُح للمجرمين، فإنه يصلح لكل الناس، وإذا كان البيتكوين عملة صالحة، فيجب أن يصلح لكل الناس، المجرمين وغير المجرمين. ولكن هذا ليس ترويجًا للأنشطة الإجرامية باستعمال البيتكوين وسيلة تمويل، بل هو معرفة لخصائص البيتكوين التي تجعله فعّالًا في المقام الأول. النشاط الإجرامي اختبار حاسم. إذا لم يصلح البيتكوين لتجّار المخدّرات، فهو لا يصلح لأحد. ولكن إذا صلُح لهم، فهو صالح للكل. إذا أمكَنت رقابة (أو منع) حوالات البيتكوين المتعلّقة بأي نشاط أو أي فرد، فممكنة كذلك رقابة (أو منع) أي نشاط وأي فرد. وإذا كان للرقابة هدف أوّلي من حيث الأنشطة والأفراد، فهو الأنشطة الجنائية. لقد بدأت المحاولات فعلًا.

«لقد عاقب مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لقسم الخزاة الأمريكية 3 أفراد صينيين مع عناوين محافظهم الرقمية، إذ اتهمهم بانتهاك قوانين غسل الأموال وتهريب المخدرات […] وقد ذكرت الوكالة عددًا من عناوين البيتكوين […] تدّعي أنها تنتمي لهؤلاء المواطنين الصينيين».

كوين دسك، أغسطس 2019

اعلم أنه في هذا السياق، كونُ البيتكوين «يعمل» أو «يصلُح» إشارة إلى طبقة البروتوكول في الشبكة. سواءٌ أرادت شركة ما أو فرد ما أن تقبل أو ترفض حوالة من عنوان عاقبه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وسواءٌ أجمّدت مؤسسة مالية حسابًا فيها مرتبطًا بهذه الأصول أو لا، كل هذا ليس له كبير أثر على حيوية البيتكوين على المدى الطويلة. المهم هو هل تقبل الشبكة تحقيق حوالة من هذا العنوان أو تقبل كتلة تحوي حوالة كهذه. بعبارة أخرى: المهم هو هل يرفض المعدّنون والعقد هذه الحوالة وإن كانت صالحة حسب قوانين إجماع الشبكة. البيتكوين صالح من حيث هو عملة بفضل لامركزيته. لكن اللامركزية ليست هدفًا في ذاتها. الهدف هو المناعة على الرقابة. وحماية المجرمين ليست هدفًا. حماية المستوى الجذري لعمل العملة هدف.

المناعة على الرقابة لا تتجزّأ، إمّا أن تكون وإمّا ألّا تكون

المناعة على الرقابة هي خصيصة الشبكة الأهم لأنها تضمن أن قوانين الشبكة لا تتغير اعتباطيًّا ولا تطبّق على ناس وناس، ومن دونها لن يعمل النظام كله. أهم هذه القوانين هي الندرة المحدودة للعملة نفسها. المناعة على الرقابة تحفظ الندرة، والندرة تحفظ المناعة على الرقابة. إن مناعة البيتكوين على الرقابة تزداد مع توسّع الشبكة لأنها لامركزيتها تزيد مع الوقت. مع تزايد قبول البيتكوين، يتملّك كل فرد (بالمتوسّط) حصّة أصغر وأصغر من معروض الشبكة المحدود، وهذه الندرة هي التي تجرّ الاعتماد. ومع تزايد لامركزية الشبكة، تزداد صعوبة رقابتها على أي فرد أو شركة. ولكن، في أي وقت من الأوقات، معرفة هل الشبكة منيعة بما يكفي على الرقابة غير ممكنة. لكن المناعة على الرقابة تنقاس باختبار الوقت وبكل محاولة مخفقة للرقابة.

من وجهة نظر عملية، خطر الرقابة آتٍ من جهتين: إجبار الشبكة على تغيير قوانين إجماعها، أو رفض حوالات صالحة. بالتصميم، يستطيع كل أحد أن يصل إلى شبكة البيتكوين من دون ترخيص بتشغيل عقدة كاملة. كل عقدة تستطيع بثّ حوالات إلى بقية الشبكة، وكل عقدة تتحقق من كل تاريخ سلسلة الكتل مع كل كتلة جديدة، إذ تحاكمها إلى مجموعة مشتركة من القوانين. بهذه العملية، تستطيع العُقَد الموزعة في العالم الوصول إلى إجماع عام عن حالة ملكيّة البيتكوين عبر الشبكة، على أساس لامركزي من دون الثقة بأي مشارك آخر. قوانين الإجماع في البيتكوين هي اللغة المشتركة التي تنظّم عمل كل الأقران في الشبكة، لا تقرر جهة واحدة القوانين، بل يدخل الناس بإرادتهم. لو كان ممكنًا أن تفرض أي سلطة مركزية تغييرًا على الشبكة أو أن تؤثر على النشاط فيها بطريقة ترفض فيها حوالات صالحة، لكان هذا دليلًا على أن الشبكة ليست لامركزية بما يكفي لمنع الرقابة.

ولكن ماذا عن المجرمين وما علاقة هذا بهم؟ لو كان ممكنًا حظر أي نشاط إجرامي في الشبكة، سواء بمنع الوصول إليها أو برفض الحوالات المؤكّدة، لكان هذا دليلًا على أن الشبكة ليست لامركزية بما يكفي لضمان المناعة على الرقابة. شبكة البيتكوين لا تعرف الإجرام ولا تعريفه. إنها شبكة حيادية أخلاقيًّا وسياسيًّا. كل ما تفهمه الشبكة (عند تحقيق الحوالات) هو قوانين الإجماع فيها، إنه نظام دوري مغلق. حوالة البيتكوين تكون صالحة إذا وافقت قوانين إجماع الشبكة، وإن لم تكن، فكل الرهانات خاسرة. إذا أمكن حظر النشاط الإجرامي، فهذا دليل على إمكان حظر أي نشاط. ولكن الأمر لا ينتهي هنا. إذا أمكنت رقابة أي نشاط في الشبكة، فمعناه أن الشبكة كلها قابلة للرقابة. إذا ظهر إمكان منع أو حظر أي حوالة، فهذا دليل على أن قوانين إجماع الشبكة هي أيضًا في خطر.

البيتكوين لا يمكن أن يكون منيعًا على الرقابة قليلًا، كما أنّك لا يمكن أن تكوني حاملًا قليلًا.

المناعة على الرقابة لا تتجزّأ، إمّا أن تكون وإمّا ألّا تكون. وإذا لم تكن، فكل شيء في خطر، حتّى المعروض الثابت وهو واحد وعشرون مليونًا. إن هذا العدد وضمان ندرته يؤسس لكل دافع اقتصادي آخر يتيح للشبكة أن تعمل وتُراكم القيمة، حتى الآلية التي تصل بها الشبكة إلى الإجماع. إن قبول أن شبكة البيتكوين ستكون دائمًا متاحة إلى حدٍّ ما للأنشطة الممنوعة ليس قولًا لبرتاريًّا. بل هو إقرار بأن عمل البيتكوين وقوّته من حيث هو نظام عملة، يستلزمان أن يكون متاحًا للجميع. إذا استطاع أي أحد منع أي أحد من استعمال الشبكة، سواء أكان فردًا أم منظمة أم دولة، فالبيتكوين إذن في خطر الإخفاق. الرقابة في البيتكوين في طبقة البروتوكول ليست مكافئة لحظر بايبال لفرد أو شركة، ولا هي مكافئة لإغلاق بنك أمريكا حسابًا أو رفض فيزا لحوالة. البيتكوين مُصدر عملة وطبقة تسوية. أي نوع من الرقابة يهدم النظام بالكامل، لذلك فأكثر الأنشطة عرضة للرقابة اختبار حاسم لبقية الشبكة. إذا لم يمكن حظر أشدّ الأنشطة خطرًا، فهذا دليل على أن البيتكوين يعمل في كل الأحوال.

البيتكوين للجميع

في النهاية، يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية، حتى إذا لم يكن فهم هذا الأمر تامًّا أو شائعًا اليوم. وتوسيعًا للفكرة المذكورة في «البيتكوين لا يمكن حظره»، كلّ من ينادي بحظر البيتكوين لأنه يمكّن النشاط الإجرامي، يقرّ في الوقت نفسه ولا بدّ بأن البيتكوين صالح من حيث هو عملة. نتيجة ذلك، إذا صلح البيتكوين في تسهيل التجارة المتعلّقة بالأنشطة الممنوعة، على الرغم من كل السلطة التشريعية، فمن باب أولى هو صالح لتسهيل أي نوع من التجارة، وهذا يشمل التجارة بين المواطنين الملتزمين بالقانون. عمليًّا، العمل في هذا الواقع وإدراك أن البيتكوين مورد نادر ندرة مطلقة، يدلّ على استحالة حدّه في الإنترنت المظلم، وهو ليس محدودًا به.

المنافسة على البيتكوين عالميّة. مع الوقت، سيجمع منتجو القيمة الأكبر الحصّة الأكبر من البيتكوين. إن الظنّ أنّ أصحاب الأنشطة الممنوعة سيجمعون حصّة في اقتصاد البيتكوين المستقبلي أكبر من حصتهم في اقتصاد الدولار اليوم ظن غير عقلاني. والمنادي بحظر البيتكوين مثله مثل الذي يخاف من ظلّه. فالحظر ليس عمليًّا (لا يمكن فرضه)، والنشاط الذي تريد هذه السياسة منعه يمكّن منه الدولار اليوم على نطاقات أوسع بكثير. الأمر يشبه أن ترمي الطفل مع ماء الحمام. نحن نقبل الجيّد والسيّئ، وندرك أن طبيعة البيتكوين الجوهرية تنفي عنّا أي خيار. التنازلات موجودة دائمًا، وفي هذه الحالة، استعمال البيتكوين لأغراض ممنوعة هو تنازل نقبله بسعادة مقابل الاستقرار المالي الذي تقدّمه لنا عملة عالمية لا يمكن التلاعب بها. كما في كل تقنية حديثة، ستجتمع القيمة عند الذين يستعملون البيتكوين أفضل وأعلى استعمال، وهو أمر لا يمكن أن يحدّده أحد غير السوق. الفائدة الحاصلة ليست خالية من التنازلات، وكما أن الإنترنت ليس لتجار المخدرات والإرهابيين، فكذلك البيتكوين ليس للمجرمين. البيتكوين للجميع.

«إنّ حماية البراءة أهمّ من عقاب الذنب، لأن الذنوب والجنايات كثيرة جدًّا في هذا العالم فلا يمكن عقابها جميعًا. ولكن إذا جيء بالبريء نفسه إلى المحكمة، ليُحكم عليه ربّما بالموت، سيقول المواطن حينئذ: ‹فعلي الصالح أو الشرير غير مهم، لأن البراءة نفسها لا تحميني›، فإذا ترسخت هذه الفكرة في ذهن المواطن، كان ذلك نهاية الأمان كلّه».

جون أدامز

«احكُم بحكمة، وأقلّ ما يمكن»

سام هيوستن

الفكرة الأخيرة (أسرق هنا من صفحة من كتاب مارتي بنت @martybent): سينظر التاريخ وراءه إلى روس أولبريخت، المؤسس المزعوم لموقع سِلك رود، وسيرى أنّه أفضل من جميع المصارفة المركزيين في كل مكان. لا لأجل المخدرات لكن لأجل البيتكوين.

Tagged : / / /

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أكتوبر 2019

قبل عدّة سنوات، وصلتني رسالة من صديق يسألني عن رأيي في فرصة استثمار يفكّر فيها صديق مشترك. بعد بحث سريع على الإنترنت ومشاهدةٍ لعدّة فيديوهات، بيّنت للسائل أنها على الأرجح مخطط هرميّ. كان هذا اختصارًا منّي لعبارة «تجنّبها مهما كلّفك الأمر». وصل الأمر إلى صديقنا المشترك وجاءني ردّه على غير ما توقّعت: «هل كل المخطّطات الهرمية سيئة؟» بعض المخططات الهرمية أصعب معرفةً من غيرها، ولكن حتى التي تسهل معرفتها لها ضحاياها الغافلون. نصيحة صالحة: اركض ركضًا، لا مشيًا، هربًا من أي شيء فيه ملامح المخطط الهرمي. من حسن الحظ، البيتكوين ليس واحدًا من هذه المخططات. قد يكون الأمر بيّنًا، ولكن كثيرًا من الناس لا يعرفون ما المخطط الهرمي، ولا ما علاماته المحذّرة، ولا أسباب إخفاقه.

تعريف المخطط الهرمي هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

ليست كلّ برامج التسويق عديدة المستويات مخططات هرمية، ولكن كل المخططات الهرمية برامج تسويق عديدة المستويات، بطريقة أو بأخرى. في المخططات الهرمية، تبيع شركةٌ ما منتجًا لها يكون الطلب النهائي عليه أقلّ بكثير من المعروض المتاح. توظّف الشركة مشتركين ليشتروا من بضاعتها ويوظفوا مشتركين آخرين. هؤلاء المشتركون كلهم موظفو مبيعات، ويكون أجرهم منوطًا معظمه بالتوظيف، لا ببيع المنتج نفسه. عادةً، يكون بيع المنتج مدمَجًا في عملية التوظيف نفسها.

في مشاريع البيع العادية، تخاطر الشركة بمخزونها وتدفع أجورًا حسب البيع للمستهلكين النهائيين. في المخطط الهرمي، ترمي الشركة الخطر على موظفي المبيعات، ويدفَع الأجر على توظيف موظفين جدد وبيع المنتج لمشتركين جدد. ينهار الأمر برمّته عادة لانعدام الطلب الحقيقي الكافي على المنتج. كل من في أعلى السلسلة يجني مالًا على حساب الذين في آخر الخط. هذا هو المخطط الهرمي. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين ليس شركةً. ليس فيه موظفون، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. مهما اعتمد الناس البيتكوين، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون عملة منه.

الفروق واضحة وضوح الشمس، ولكن تعقيد البيتكوين وقلّة فهم الناس لحقيقة المال، تجعلها ملتبسة. لن يصبح البيتكوين عملة احتياطي عالمي إلا إذا اعتمده مئات الملايين (إن لم يكن مليارات) من الناس. يبدو أن كل الذين يدخلون في جحر البيتكوين يصلون إلى الطرف الآخر وهم يشرحون الأمر لأهلهم وأصدقائهم، ويصفونه على أنه نوع متفوّق من المال. يبدو الأمر كأنه مخطط هرمي، صح؟ غلط. عندما بدأت شركة دِل تبيع حواسيبها على موقعها عام 1996، وكان الناس يتناصحون بشرائها، أكان ذلك مخططًا هرميًّا؟ عندما أطلقت آبل أول آيفون عام 2007 وتداعى الناس إلى ترك بلاكبيري وشراء هذا الخليفة المتفوّق، أكان ذلك مخطّطًا هرميًّا؟

التحوّلات التقنية تحدث سريعًا. بعد عقدٍ وعقدين، أصبحت الهواتف الذكية والحواسيب في كل مكان. الأمر كله قائم على جودة المنتج وبنية الدوافع. إذا كان عند واحد من الناس سهم في آبل أو دل، أيغيّر هذا حقيقة أن المنتج نفسه يقدّم قيمة حقيقية؟ هل كان في إخبار الناس بالابتكار التقني الجديد فائدة؟ إن القيمة المقترحة للابتكار تغلب كل شيء. لا يهم كيف تعرف الأمر، كل ما يهمّ هو المنفعة التي يقدّمها الابتكار. فإذا كان نافعًا، استخدمه الناس، وإلّا فلا. هذا هو السوق.

منفعة وابتكار البيتكوين

منفعة البيتكوين هو أنّه مال. والبيتكوين له سوق لأنه يحلّ مشكلة جوهرية في المال الحديث. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا، بل هو مستقلّ جوهريًّا عن أي ابتكار يمكن أن تقدمه أي شركة مفردة. البيتكوين ليس دل وليس آبل. وليس سهمًا في شركة تقنية. لا شركة خلف البيتكوين. البيتكوين ليس شركة تبيع منتجًا، وليس فيه سيل من الدخل لدفع الأرباح الثابتة المستقبلية. البيتكوين ليس لكسب المال، بل هو مال، أو على الأقل أصبح مالًا عند الذين اختاروا حفظ قسم من ثروتهم فيه. وليس هو مخطّطًا للاغتناء السريع، إنما هو لحفظ القيمة التي اكتسبتها من قبل. البيتكوين أصل محمول، ولكنه على خلاف السندات المحمولة، ليس فيه تدفق دخل.

ابتكار البيتكوين هو أنّه نوع متفوّق من المال، ولكنه خالٍ من الوعود المستقبلية سوى أن يكون في حوزة صاحب أداة الحمل الرقمية. المنفعة الوحيدة للبيتكوين هي إمساكه بوصفه عملة والتعامل به في المستقبل، سواء بصرفه بالعملات القديمة، أو بشراء السلع والخدمات وبيعها به. البيتكوين نافع بكونه نوعًا من المال، وسيحافظ على قيمته ما دام الناس يطلبونه في المستقبل. ولكن هذا يصدق على أي نوع من المال (ليس البيتكوين وحده). المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد، السلع المالية لها خصائص تجعلها أقدَر أو أعجَز عن تسهيل المقايضة. ولكن الخصائص المالية ليست مطلقة، القوة النسبية للخصائص المالية هي القاعدة الأساسية للطلب. عندما يقوّم السوق البيتكوين، يقوّمه بالنسبة إلى بقية الوسائط المالية (الدولار، اليورو، الين، الذهب، إلخ).

إن معروض البيتكوين، وقيده الصارم، هو المنفعة الأساسية للبيتكوين وأساس طلبه، وهو الذي ينفي عنه صفة المخطط الهرمي. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين. هذه هي النقطة المحورية في لعبة البيتكوين. الكل يعرفها، والكل يذكرها. بل والكل يستطيع التحقق منها في أي لحظة من الزمان. لتعرف كيف ولمَ للبيتكوين معروض ثابت صدقًا، انظر «البيتكوين لا البلوكتشين» و«البيتكوين له غطاء». أمّا الآن، فلنتكلّم على افتراض أن معروض البيتكوين محدّد بواحد وعشرين مليونًا. بالمقابل، لا يعرف أحد معروض الدولارات. يقدّر الاحتياطي الفدرالي المعروض الحالي من الدولارات، ولكن أحدًا لا يعرف مقدار الدولارات التي ستوجد في المستقبل. لا قيد على معروض الدولار إلا الاحتياطي الفدرالي، وكلنا نعلم علم اليقين أن عدد الدولارات سيزداد في المستقبل، وأن هذا الخط ينتهي إلى اللانهاية. في النهاية، طلب البيتكوين الأساسي راجعٌ إلى أن سياسته المالية أ) مهندَسة خيرَ هندسة وب) مفروضة فرضًا مصدَّقًا. بمقارنة البيتكوين مع منافسه، لا شك أنه وسيط مالي متفوّق تفوّقًا ضخمًا.

العرض أ –  معروض الدولار التاريخي
العرض ب – جدول معروض البيتكوين

تتغيّر القاعدة المالية لأنظمة العملات الحكومية تغيّرًا لا يمكن توقّعه، أما القاعدة المالية في البيتكوين فمحكومة بجدول معرَّف تعريفًا واضحًا. فكّر في القاعدة المالية على أنها أساس النظام الاقتصادي العالمي. إن التغيرات غير المتوقعة في معروض الدولارات ليست مجرد تغيير للمرمى. بل الأمر أشبه ببناء ملعب على مرتبة مائية من طراز الثمانينيات، ثم تحريك المرمى فيه. كل اللعب تفسد، لا المرامي فقط. أما البيتكوين، فهو حجر أساس بمعروضه الثابت، ويتقوّى هذا الأساس مع الوقت. إن مصداقية جدول المعروض تُفرَض مرّة جديدة مع كل كتلة جديدة. فإذا ظهر أن جدول معروض البيتكوين مفروض فرضًا مصدَّقًا، اعتمد مزيد من الناس البيتكوين نوعًا من المال، وزاد الذين قد اعتمدوه من قبل استعمالهم له مخزنًا للقيمة. معروض ثابت + اعتماد متزايد = قيمة متزايدة. مع تزايد البيتكوين والقيمة، تزداد لامركزية البيتكوين. ومع تزايد اللامركزية مع الوقت، يصعب التغيير، وهو ما يزيد مصداقية الأساس: المعروض الثابت.

أنت المحتال

في المخطط الهرمي، البيّاعون هم المحتالون. يبيع هؤلاء الناس الوعدَ بالمكاسب المالية المستقبلية، بتكتيكات مبيعات عالية الضغط، وبتوظيف أعضاء جدد في المخطط، لأن هذه هي آلية الأجر الأولية. في البيتكوين، المشترون هم المحتالون، كما بيّن مايكل غولدستين في مقالته الخالدة «الجميع محتالون». فإذا كنت مشتريًا، فأنت محتال. في معظم الحالات اليوم، عندما يشتري أحد البيتكوين، فهو يدفع شكلًا من المال محفوظًا بالاحتياطي الجزئي (مع الوعد بالبخس المستقبلي) ليحصل على أصل محمول له عرض ثابت وسياسة مالية متفوّقة جدًّا. أما البيّع الثاني، وهو الذي يأخذ الدولارات، فخاسر مغبون. ليس قصدي أن كل من يبيع البيتكوين يبيعه من دون سبب مقنع. فهو مال في النهاية، ومنفعته هي التجارة، بالتعريف، للمشتركين في السوق طيف واسع من الحاجات الدافعة إلى التسييل، والقيمة الحقيقية تنتقل في كل مرة تنتقل فيها بيتكوين، سواء مقابل دولارات أو مقابل خدمات وسلع. ولكن، بالمتوسط على المدى البعيد، الأمر تفاوت في المعلومات بآثاره الكاملة. إن السياسة المالية للبيتكوين مهندَسة أفضل هندسة، ومفروضة فرضًا متينًا، ولكن القليل يفهمها، لذا فهي أوسع تفاوت في المعلومات في عالمنا اليوم.

المبادئ المالية الأولى

إن الوسيط المالي ذا أقل معدّل تغيير هو الأقدر على توصيل الإشارات الاقتصادية، والمعروض الثابت (الذي يجعل معدل التغيير صفرًا) هو أمثل سياسة مالية في التاريخ. تخالف الثقافة السائدة، وهي المدرَّسة في الأكاديميات الحديثة المشهورة، هذا الرأي، ولكن العملة ذات المعروض الثابت متفوّقة على عملة تزيد معروضها مع الوقت (بمعدّلات لا يمكن التنبؤ بها). في أي اقتصاد، يحدد عرض السلع والخدمات وطلبها بالنسبة إلى عرض المال وطلبه، أسعار الأشياء. السعر هو الذي ينظّم النشاط الاقتصادي في النهاية، والمال هو أساس آلية التسعير في أي اقتصاد. العملة ذات المعروض الثابت تزيل الضجيج الذي تأتي به التغييرات على معروض المال في نظام التسعير، فتخلق إشارات سوقية أوثَق. إن نوع المال ذا أقل معدل تغيير يعكس التغيرات في العرض والطلب لكل السلع الأخرى، لأن السلعة المالية تسهّل متاجرة السلع المستخدمة للاستهلاك أو الإنتاج. جوهريًّا، يستخدم المال لتوصيل القيمة النسبية للشيء أمام بقية السلع والخدمات، والتغييرات في معروض المال تفسد نقل المعلومات هذه لأنها تُدخل متغيّرًا خارجيًّا إلى المعادلة.

على سبيل المثال، الآيفون يساوي ألف دولار تقريبًا، أما برميل النفط فيساوي خمسين دولارًا تقريبًا. المعلومات التي ينقلها إلينا الوسيط المالي هنا هي أن الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط. يعبّر المال عن ثمن الفرصة أيضًا (التنازلات الاقتصادية) بنظام التسعير فيه، وكلما كان مقدار المال أثبت (أي كلما قل معدل التغيير)، أصبح تعبيره عن المعلومات والتنازلات الاقتصادية أوثَق. إذا ازداد معروض المال 10%، وتغيّرت الأسعار وفق ذلك، يصبح الآيفون مساويًا 1,100 دولار، وبرميل النفط يساوي 55 دولارًا. ما زال الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط، وهذه هي المعلومات المهمة التي يعتمد عليها المشتركون في السوق. في العالم الحقيقي، المشكلة هي أن الأسعار لا تتغيّر تغيّرًا متساويًا عند تغيّر معروض المال. بل، تتشوّش إشارات التسعير. في عالم فيه معروض مالي ثابت، التغيرات في السعر تعكس التغيرات في العرض والطلب في أسوق الخدمات والسلع عرضًا أدقّ، ولا تعكس الأثر غير المتساوي لتغيير معروض المال. تنشئ التغيرات في معروض المال ضجيجًا خارجيًّا على النشاط الاقتصادي الذي تقوم عليه. ينظّم الثمن التنازلات الاقتصادية، وموثوقية نظام التسعير قائمة على استقرار نوع المال المستخدم لتوصيل المعلومات.

بهذا الأمر تتمايز السلع المالية (على الأقل الناشئة في السوق الحرة)، ولذلك نقول إن المال أداة تواصل فعّالة. إن بنية السوق المالي مختلف عن كل السلع الأخرى. السلع الاستهلاكية تستهلَك، والسلع الإنتاجية في النهاية تستهلَك في إنتاج مزيد من السلع الاستهلاكية. أما منفعة المال فهي المتاجرة، وهو يستخدم لتنظيم التجارة بسلع الإنتاج والاستهلاك، ولا يستهلَك في نفسه. لأن منفعة المال هي المتاجرة، فالندرة أهم من المقدار الاسمي للمال في الاقتصاد. إذا زاد طلب المال وازداد سعره، لا يستجيب المعروض بسبب قيوده الطبيعية. لا يصدق هذا الأمر على أي سلعة أو خدمة أخرى. إن قيد معروض المال هو الذي يجعله قادرًا على توصيل القيَم النسبية بين السلع والخدمات. يمكن أن تستبدَل سلع الاستهلاك بسلع الإنتاج والعكس، أما المال فيسهّل كل المتاجرة بين كل السلع. قد تتذبذت قيمة المال أمام السلع والخدمات ولكن الندرة النسبية للمعروض المالي تتيح للثمن أن يوصَّل بلغة المال نفسه.

قبل البيتكوين، لم يكن لدينا نوع من المال نادر ندرة مطلقة. البيتكوين له معروض ثابت، سقفه واحد وعشرون مليونًا. الندرة المطلقة تنشئ ثابتًا لم يكن موجودًا من قبل. تخيّل معروض سلعة ما ثابتًا تمامًا، ومعروض كل السلع الأخرى متقلّبًا. يتغير الطلب على كل السلع، ويبقى ثابت واحد: معروض البيتكوين. في هذا العالم، كل شيء سيقاس بهذا الثابت. إن القوة الشرائية للمال تعبّر عن معلومات أكمَل بآلية تسعيرها منها إذا كان المعروض متغيّرًا. بإنشاء هذا الثابت، يمكن قياس كل شيء آخر به. والمعلومات المرغوبة ليست القيمة المطلقة لأي سلعة. القيمة في أصلها ذاتيّة. لكن المعلومات المهمة التي تعبّر عنها آلية التسعير هي القيمة النسبية (او الثمن النسبي) لكثير من السلع بعضها أمام بعض. تتغيّر مستويات الأسعار دائمًا بسبب تغيّر العرض والطلب الدائم، ولكن استقرار آلية التسعير نفسها تتيح تنسيقًا اقتصاديًّا بالتعبير عن ثمن الفرصة (كيف نعرف، أو نتعلّم، أن البيتكوين يساوي 20 ضعفًا من برميل النفط).

إفساد نظام التسعير

في نظامنا الحالي، يتغيّر معروض المال من دون سابق معرفة، ويزداد مع الوقت. هذا الأمر أساسي في نظام المصرفية المركزية المالي، وهو ناتج من النظرية الاقتصادية التي تقول إن الإدارة الفاعلة لمعروض المال تحفّز الطلب الجماعي ومن ثم تزيد العمالة. ولكن الذي تفعله هذه الإدارة فعليًّا هو التلاعب بمعدلات الفائدة نزولًا بزيادة معروض المال. تخفيض معدلات الفائدة يزيد الرغبة والدافع إلى الاستدانة، ولكن، مع تسوية كل العوامل الأخرى، تخفيض معدلات الفائدة يقلل الرغبة بالإقراض. فعليًّا، بتضخيم معروض المال، يتلاعب المصرف المركزي ظاهريًّا بمسألة الائتمان، وينشئ تفاوتًا بين دافع الاستدانة ودافع الإقراض. العاقبة المتفشّية هي إفساد آلية التسعير التي تنظم النشاط الاقتصادي. بالتلاعب بمعروض المال ومعروض الائتمان، تفسد المصارف المركزية كل الأسعار في السوق. تنتشر الإشارات الفاسدة (والمعلومات الخاطئة) بين كل المشتركين في السوق.

تفسد كل بنية العرض والطلب في السوق لأن ملايين من الناس يستجيبون لإشارات السعر المغيَّرة، ويتغيّر توضّع الموارد في الاقتصاد بناءً على هذه الإشارات. عندما يزداد معروض المال، يدخل النظام مزيد من المال (والائتمان) من قنوات كثيرة وفي أوقات لا نعلمها. لا يعرف معظم المشتركين في السوق كمية التغيير ومعدّله. بل يستجيب هؤلاء إلى إشارات الأسعار، وهكذا تنتشر المعلومات. قد يكون السعر ثمن سلعة في البقالية أو أجرًا صاحب العمل مستعد لدفعه لوظيفة معينة. ينشئ التغيير في معروض المال إفسادًا للأسعار لا يستطيع معه المشتركون في السوق فهم التغيير في السعر أهو آتٍ من بنى العرض والطلب أو هو آتٍ من إدخال مزيد من المال في النظام. ومهما يكن من أمر، يستجيب الجميع لهذه الإشارات المفسَدة.

وهاك مثالًا أقرب إلى الواقع: اشترى الفدرالي 1.7 تريليون دولار من السندات المغطّاة بالرهون (وهي نحو 17% من كل الرهون) بعد الأزمة المالية، وكان هذا جزءًا من برنامج التيسير الكمي، الذي في النهاية زاد معروض القاعدة المالية 3.6 تريليون دولار. يتذكر معظم الناس أنه قد كان قبل الأزمة المالية فقاعة إسكان. بشراء الرهون مباشرة وتضخيم المعروض المالي، تلاعب الفدرالي بمعدلات الفائدة وخفضها. يعتمد الإسكان اعتمادًا كبيرًا على معروض الائتمان وعلى ثمن الفائدة. بتخفيض معدلات الفائدة وزيادة المال المتاح للإقراض، ازدادت أسعار البيوت بالتلاعب. نتيجة ذلك، وصلت إشارات الأسعار الفاسدة للمشترين والباعة. يستجيب البنّاؤون لهذا ببناء مزيد من البيوت (زيادة المعروض)،أما المشترون فيعتقدون أنهم قادرون على اقتراض كميات أكبر بمعدلات الفائدة المنخفضة لشراء منازل. يكرَّس مزيد من الموارد في الاقتصاد لمسألة الإسكان بسبب مستويات السعر العالية. ولكن كل زيادة في الطلب لا يمكن أن تبقى إلا إذا بقي ثمن الائتمان يخفَّض مرّة بعد أخرى نتيجةً للمعروض المالي المتزايد.

على الرغم من معرفة الجميع بفقاعة الإسكان عام 2007، التي لم يكن ممكنًا بقاؤها، فإن مؤشر أسعار المنازل اليوم أعلى 15% ممّا كان في تلك الأيام. هذا هو العرض الكامل للتلاعب بمستويات الأسعار، وهو يحدث لأنه نتيجة مقصودة من سياسة المصرف المركزي المالية. يزيد الفدرالية المعروض المالي، ويخفض معدلات الفائدة، ويضخّم أسعار الأصول فيصبح مقدار الدين في نظام الائتمان ممكن الاستدامة. إن توسيع الائتمان هو هدف الفدرالي من تحفيز النمو، والائتمان الصافي الجديد لا يمكن إنشاؤه إلا إذا كان معدلات الدين الموجودة مقبولة، لذلك يجب على الفدرالي تضخيم أسعار الأصول لتحقيق أهدافه. تدعم أسعار الأصول مستويات الدين الموجودة. عندما يكتشف الجميع أن إشارات الأسعار لا يمكن الاعتماد عليها ولا استدامتها، تحدث صدمة في السوق. هذا ما حدث عام 2007، والراجح أن يحدث مرة أخرى لأن إشارات السوق ستشوَّش مرّة أخرى. ولكن المخطط ليس شرّيرًا، والفدرالي ليس فاعلًا شرّيرًا عن قصد. يريد الفدرالي في النهاية زيادة «العمالة الكاملة» بسياساته، ولكن ما يفعله حقًّا هو التلاعب بإشارات السعر النسبية، وهو ما ينشئ تفاوتًا في بنى العرض والطلب التي يقوم عليها الاقتصاد، فتصبح البطالة مفاجئة ومزمنة.

تكلّم حايك عن هذه المسألة في خطابه الذي خطبه عند فوزه بجائزة نوبل عام 1974 «ادّعاء المعرفة». بسبب هذه الأسعار المتلاعب بها، يكرَّس لقطّاع من الاقتصاد موارد كان يمكن الحفاظ عليها طبيعيًّا، عندما يغيّر المصرف المركزي طريقة سياسته المالية، تستجيب الأسعار ويُصلَح السوق. لأن مستويات الأسعار يتلاعب بها دائمًا، تصبح صدمة المعروض أمرًا لا بد منه ويكتشف كل الناس وجود التفاوتات. في حالة مثال الإسكان، يفوق العرض (بالسلع والعمل) الطلب المستدام بهذه الأسعار الحالية. بعبارة أعمّ، التفاوتات في كل مكان. يتّضح يومًا بعد يوم أن العرض والطلب ليسا متّزنين فتزداد البطالة سريعًا. لا يستطيع السوق أن يصل إلى حالة توازن لأن كل الأسواق بقيت في حالة تلاعب فترة ممتدّة من الزمان.

هذا ما حدث في الأزمة المالية وعقبها. كان السوق يغلي بعد أن تلاعب الفدرالي بمعروض المال والائتمان عقودًا من الزمن. كما بيّن العجز الكبير، يُلقى ذنب الأزمة المالية عادة على أزمة الرهون العراقية، لا على الغوريلا الضخمة في الغرفة، وهي السياسة المالية للمصرف المركزي التي قلما نوقشت. بعد الأزمة، استجاب الفدرالي بانتهاج السياسة نفسها التي كان ينتهجها في العقود السابقة، ولكن على مستويات أعظم، فزاد معروض المال زيادة عظيمة، وزاد إفساد إشارات السعر. عندما يتلاعب بمعروض المال، لا تستجيب كل الأسعار بالمعدل نفسه. يدخل المال السوق من قنوات كثيرة ويؤثر توسيع الائتمان على قطاع من السوق أكثر من بقية القطاعات. كل الأسعار يتلاعَب بها، ولكن ليس التلاعب متساويًا. الأمر في جوهره إفساد للأسعار النسبية، يفسد آلية العرض والطلب في السوق. السعر يعبّر عن معلومات. إنه الطريقة التي يعبّر بها المشتركون في السوق عن تقويمهم النسبي للأشياء. وهو الطريقة التي يستجيب بها كل المشتركين في السوق لهذه التفضيلات على جهة العرض: ما المهارات التي يتدرّب الناس عليها، ما الأعمال التي يختارونها، ما فرص العمل التي يلاحقونها؟ قد لا يكون الفدرالي قاصدًا للشر بتغيير المعروض المالي، ولكن في النهاية، النتيجة التي لا بد منها هي إفساد آلية التسعير في الاقتصاد.

القدرة على توقّع المعروض المالي

البيتكوين حصان أبيض. أو على الأقل، في إمكانه أن يكون حصانًا أبيض. بإنشاء معروض ثابت، في إمكان البيتكوين أن يصبح أعظم آلية تسعير عرفها العالم في تاريخه. عندما يبلغ البيتكوين سقفه، وهو 21 مليون عملة، ستنتهي التغييرات على المعروض المالي وتُزال تمامًا من معادلة إشارات السعر. ينبغي أن يكون هذا بديهيًّا: إن إنشاء مزيد من المال لا يزيد النشاط الاقتصادي الحقيقي. لا يهم أكان التغيير في المعروض صغيرًا أم كان كبيرًا وغير متوقَّع. طباعة المال لا تزيد النشاط الاقتصادي، كل ما تفعله هو إفساد العرض والطلب. منفعة المال هي المتاجرة. سواء أكانت متاجرة في الحاضر أو في المستقبل. المال لا يستهلك، بل يستخدم لتنسيق النشاط الاقتصادي الذي يتيح تجميع رؤوس الأموال. سواء أكان رأس مال فيزيائيًّا ضروريًّا لإنتاج السلع، أو رأس مال إنسانيًّا يطوّر الفنون والعلوم والرياضيات وغيرها. إن رأس المال هو مدّخر المجتمع الحق وهو أساس عمل الاقتصاد.

يفكّر معظم الناس في التوفير من الناحية المالية لأن المال وحدة حساب، ولكن التوفير الحقيقي هو رأس المال المتراكم الذي يغني حياة الأفراد والأسر والمجتمعات. في عالم فيه معروض مالي ثابت، ستصبح المدّخرات المالية ثابتة. سينتقل المال من فرد إلى فرد، ومن أسرة إلى أسرة، ومن عمل إلى عمل. لكن، بالإجمال، لن يزداد المعروض المالي ولن ينقص. سيتنظّم النشاط الاقتصادي بفضل المال وستكون آلية تسعيره دقيقة. ستصل التفضيلات الجماعية لكل الأسواق من دون الإفساد الذي يحدث نتيجة تغيير المعروض المالي. ستُصلَح التفاوتات بين العرض والطلب طبيعيًّا ولن تدوم فترات متطاولة من الزمان، ونتيجة لذلك ستكون التفاوتات أصغر ولن تكون جزءًا من نظام الاقتصاد الكلي. لا يعني هذا أن الأسعار ستكون دائمًا تامّة أو أن المتغيّرات الأخرى كالصرف الحكومي أو الضرائب لن تفسد النشاط الاقتصادي. ولكن المعروض الثابت سينهي الآلية الأساسية التي تفسد إشارات التسعير وبنى السوق.

معروض البيتكوين الثابت هو أساس نظام تسعير أوثَق، ولكن هذا المعروض يصدر بمعدّل معلوم. في المستقبل، عندما يبلغ معروض البيتكوين سقفه، سيكون معدّل التغيّر صفرًا. ولكن، إلى ذلك الوقت، سيتبع البيتكوين جدول معروض ثابت ومعلوم، وهو أمر مستقل وله نفس الأهمية في معادلة التسعير. يصدر البيتكوين بعملية التعدين التي تساعد على حماية الشبكة، وتتعدّل الشبكة لتضمن أن إصدار العملات الجديدة يكون كل 10 دقائق. إذ أُضيفت موارد تعدين جديدة إلى الشبكة، ستتعدّل لتمنع إصدار البيتكوين بمعدّل أسرع. وإذا ازداد التعدين ارتفعت مستويات أمان الشبكة، من دون أن يرتفع معدل الإصدار أو المقدار الكلي للبيتكوين. يتيح هذا للنظام الاقتصادي كله أن يخطط للمستقبل. ويتيح للمعدّنين أن يبنوا بنية تحتية أمانية لتوقع الأجور المستقبلية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لكل المشتركين في السوق أن يعرفوا معدل تغير العملة في أي نقطة من الزمان.

تضمن الشبكة أن البيتكوين يصدر صدورًا مستقرًّا مع الزمن، ونتيجة ذلك يكون صدورًا متوزّعًا أيضًا، ولا تتيح تسريع الإصدار على أساس غير متوقع. والأهم أن ذلك يزيد مصداقية بنية الإصدار الكلية. كل عشرة دقائق (بالمتوسط)، يصدر عدد من البيتكوينات الجديدة. تقريبًا، كل عشر سنوات ينقسم هذا العدد إلى نصفه حتى لا يبقى مزيد من البيتكوينات الجديدة. على الطريق إلى الواحد والعشرين مليونًا، يبني فرض المعروض الثابت كل 10 دقائق مصداقية الوضع المستقبلي للمعروض مع الوقت. سيفهم كل المشتركين في السوق أن المعروض الثابت سيفرض لا بسبب نقطة سحرية في الزمان يتوقف عندها الإصدار، بل لأن الشبكة تفرض سياستها المالية كل 10 دقائق. بإنشاء جدول معروض يمكن التنبؤ به، يتناقص معدل التغيير تناقصًا معلومًا، ويستطيع كل المشتركين في السوق أن يروا أن النظام يعمل كما أُريد له أن يعمل.

السياسة المالية بالإجماع أم المصرف المركزي؟

إن العملية التي تفرض مصداقية النظام المالي للبيتكوين تحدث على التوازي مع اختلال الأنظمة المالية القديمة. تزيد المصارف المركزية في كل البلدان المعروض المالي في اقتصاداتها بمعدلات غير معلومة. كما ناقشنا من قبل، زاد الاحتياطي الفدرالي المعروض المالي بمقدار 3.6 تريليون دولار بعد الأزمة المالية، من 2008 إلى 2014. ومع أن الفدرالي أعلن خططه قبل تنفيذها، ولكن أحدًا لم يعلم المقدار الإجمالي للتيسير الكمي. كان الجميع يتوقّع توقّعًا. حتى الفدرالي لم يكن يعرف. وبعد زيادة المعروض الملية أضعافًا مضاعفة، بدأ الفدرالي بإزالة 50 تريليون دولار من الاقتصاد كل شهر، إذ بدأت هذه العملية في أكتوبر عام 2017. مرّة أخرى، لم يعلم أحد كم سيُزال من النظام بالإجمال، أو كم ستدوم العملية. بالإجمالي، أُزيل من الاقتصاد 700 مليار دولار على مرّ سنتين تقريبًا. والآن، في أكتوبر 2019، غيّر الفدرالي مرة أخرى مساره، وبدأ إضافة مزيد من الأموال إلى النظام. حديثًا، أعلن الفدرالي عن خطط لإضافة 60 مليار دولار كل شهر إلى النظام المالي (سيحدث هذا 6 أشهر إلى الأمام). ولكن مرة أخرى، لا يعرف أحد حقًّا كم سيدوم هذا أو إذا كانت المقادير ستتغير. واقعيًّا، حتى الفدرالي لا يعلم لأن هذا العلم مستحيل.

كلنا نعلم عمليًّا أنه من هنا سيزداد المعروض المالي (زيادة كبيرة). ولكن، اعلم أن معظم المشتركين في السوق لا فكرة عندهم أن هذا حدث أو يحدث. كل ما يعرفه المشتركون في السوق هو الذي يصل لهم بالأسعار وفرص العمل. الذين يفهمون تصرّفات الفدرالي قد يكونون في مكان أفضل لأنهم قادرون على توقع نتائج توجهاته، ولكن الأنظمة الاقتصادية معقدة. كلّنا نستجيب إلى آليات التسعير حولنا، وليس أحد منّا قريبًا من المعرفة الكاملة، هذا هو ادّعاء المعرفة. إن المعرفة الجمعية لملايين البشر مضمّنة في السعر الذي هو تابع لتفضيلات الأفراد الذين يشكّلون الاقتصاد، تفضيلاتهم التي لا تزال في تغيّر.

الأفراد محدودون جوهريًّا بالمعارف التي يملكونها. وهذا لا شكّ يصدُق على المصارف المركزية. في نموذج المصرفية المركزية المالي، يحدد اثنا عشر فردًا (أو قريبًا من هذا الرقم) كيف ومتى تُنشأ مليارات، إن لم يكن تريليونات، من الدولارات، مع أن معارفهم محدودة في جوهرها. مهما كان هؤلاء ذوي نية حسنة، ومهما كانت معارفهم عظيمة، النتيجة الصافية هي إفساد الآلية الأساسية التي تجمع معرفة السوق كله (آلية التسعير). كل من يعتمد على الدولار وحدةً للحساب وآليّة للتعبير عن التنازلات الاقتصادية، يتغيّر أساس اعتماده على نحو غير متوقّع، وغير معلوم لمعظم الذين في السوق. إشارات التسعير المفسَدة تصل تدريجيًّا إلى الأفراد عبر ملايين الأسواق فتؤثر في قرارات مئات الملايين، والآلية المركزية التي تحدد السياسة المالية هي سبب هذا الإفساد.

وحتى إذا اعتقد المرء أن الإدارة الفاعلة للمعروض المالي لها فائدة صافية، فالبيتكوين موجود اليوم إلى جانب النظام الاقتصادي القديم: النظام اللامركزي أمام النظام المركزي. السياسة المالية بالإجماع أمام سياسة المصرف المركزي. فأمّا المعروض المالي في النظام القديم فيتغيّر تغيّرات لا يمكن توقعها، وأما شبكة البيتكوين فتعمل محكَمَة بمعروض معلوم وتغيّر معلوم. لم يعد الأمر نقاشًا فلسفيًّا أو اقتصاديًّا، النظامان المتنافسان الآن قائمان، وسيقول السوق بينهما الكلمة الفصل. قد يكون البيتكوين معقّدًا ومفهوم الملا نفسه صعب الفهم، ولكن العيوب في النظام الحالي مستقلة عن البيتكوين. السبعة عشر تريليونًا من الدين الرابح ربحًا سلبيًّا ستكون دليلًا كافيًا على أنها نتيجة من السياسة المالية للمصرف المركزي. في النهاية، العملات التي يقوم عليها النظام القائم ستكون صمام التنفيس لأن المصارف المركزية ستجبَر على زيادة المعروض المالي لتحافظ على نظام الائتمان الذي لا سبيل إلى إنقاذه إلا هذا.

مع تحكّم المصارف المركزية بالنظام القديم، لا يستطيع المرء الركون إلى شيءٍ إلا أن المعروض المالي سيتغيّر تغيّرًا لا يمكن توقعه. في البيتكوين، يستطيع كل إنسان التحقق من المعروض ومعدّل التغيّر. بإعمال عقدة بيتكوين كاملة، يستطيع أي أحد التحقق من عدد البيتكوينات الصالحة في السوق ومقدار البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة. يستطيع أي أحد وكل أحد أن يتحقق من المعلومات من دون أن يثق بأحد. هكذا يعمل البيتكوين. كل عقدة تتحقق من المعلومات وتحققها باستقلال. سياسة البيتكوين المالية مفروضة على أساس لامركزي، تفرضها كل العقد في الشبكة. يستطيع كل صاحب عقدة أن يحسب متى ستحل الكتل المستقبلية ومتى سيتغير معدّل الإصدار. إن إمكان التحقق والتحقيق للمعروض المالي، مهما كان المقدار الاسمي، يعزز مصداقية النظام المالي. يحدث هذا التعزيز كل 10 دقائق، 6 مرات في الساعة، 144 مرة في اليوم، 1,320 مرة في الشهر، 52,560 مرة في العام، مع كل كتلة جديدة في البيتكوين. يتعزز النظام المالي لأن المشتركين في السوق يتحققون من تطبيق السياسة المالية مرة بعد أخرى، كل عشر دقائق.

المعروض ومعدّل الإصدار، والذي يمكن التأكد من صحته على حاسوب قديم (المعروض: 17,988,755، مكافأة الكتلة = 12.5 بيتكوين، أو 1,250,000,000 ساتوشي)

ليس للمعروض الثابت كبير معنًى من دون مصداقية فرضه. يستطيع أي أحد نسخ بناء البيتكوين وكوده. ولكن الذي لا يمكن نسخه هو صدقية خصائصه المالية. إن آلية الإجماع التي تحكم البيتكوين هي أساس هذه الصدقية وهي التي تميّز البيتكوين عن المنافسة. حتى إذا بقي الإنسان غير مقتنعًا أن عملة لها معروض ثابت تعبّر عن المعلومات تعبيرًا أفضل بآلية تسعيرها، فإن قناعة أي فرد غير مهمة. البيتكوين يأتمن سياسته المالية عند آلية إجماع. نعم، المعروض الكلي للبيتكوين مسقوف بواحد وعشرين مليونًا، ولكنه في النهاية محكوم بإجماع الذين يمسكون بالبيتكوين.

إذا قرر السوق، الذي لا ريب في أن عنده من العلم ما ليس عند أي فرد، مجتمعًا، أن الأفضل تغيير جدول المعروض، وإزالة المعروض الثابت، فالأمر ممكن نظريًّا. ولكن السوق يجب أن يصل إلى إجماع ساحق ليفرض هذا التغيير، وعمليًّا، لن تستطيع شبكة لامركزية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين الوصول إلى إجمال ساحق لبخس العملة التي تستعملها. معروض البيتكوين مرن بما يكفي ليتغيّر، ولكن هذا ممتنع من دون إجماع السوق. البيتكوين في النهاية يظهر الفرق بين السياسة المالية بالإجماع والسياسة المالية بحكم المصرف المركزي. المعرفة المحتواة في إجماع السوق، لا ريب أنها متفوقة على معرفة عدد صغير من الأفراد، لذلك يتفوق البيتكوين على النظام القديم في كل خطوة.

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

فلا، البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين لا تديره شركة مريبة، ولا يستعمل أساليب مبيعات عالية الضغط. ولا يبيع البيتكوين سلعة سيئة لها معروض كبير، ولا يأجر الناس لتوظيفهم أعضاء جددًا في النظام. البيتكوين مال، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. لا يهم كم من الناس يعتمد البيتكوين، فعندما يزيد الاعتماد، تتوزع الكعكة نفسها على مزيد ومزيد من الناس، وبالمتوسط، سيملك الناس حصّة أصغر وأصغر من الشبكة. تزداد قيمة البيتكوين تبعًا للاعتماد، والاعتماد يزيد لأن الخصائص المالية للبيتكوين متفوقة على كل المنافسين. للبيتكوين معروض ثابت، وجدول معروضه معلوم، وسياسته المالية محكومة ومفروضة بالإجماع. آلية تسعير البيتكوين لا تلاعب فيها، ولا يمكن إفسادها لأن المعروض ثابت. كل شيء يتغير حول البيتكوين، إلا معروضه الثابت، فلا يتغير. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سيصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة.

هذا هو وعد البيتكوين، ولن ينتشر إلا إذا كان نافعًا للذين يستخدمونه. اليوم، وفي المستقبل، ستسمر هذه المنفعة التي هي القدرة على حفظ الثروة في وسيط مالي لا يمكن بخسه. عندما يدّعي الناس أن البيتكوين قد يكون «أكبر من الإنترنت»، فالتطبيق ليس خطّيًّا، بل هو عائد إلى أن نوع المال السيادي الذي لا يمكن التلاعب به، قادر على أن يكون واحدًا من أعظم أدوات الحرية التي اختُرعت في التاريخ. إن نجاح البيتكوين ليس معطًى، ولكنه إذا نجح في الوفاء بوعده، فسيساعد في تنسيق أفعَل وأسلَم بين الناس حول العالم. في النهاية، البيتكوين أداة تواصل. هذه هي وظيفة المال. يقدّم البيتكوين ببساطة نظامًا بديلًا، يعمل على أساس لامركزي لا يحكمه أحد. امتناع الحكم هذا، وامتناع التوجيه الواعي، هو الذي يتيح للبيتكوين أن يجمع المعرفة ويعبّر عنها بطريقة أفضَل من أي وسيط مالي سابق. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، ومع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

«كثير من الأشياء العظيمة التي حققها الإنسان، لم يكن نتيجة فكر موجه، ولا نتيجة جهود منسّقة مدروسة لمجموعة أفراد، بل نتيجة لعب الفرد لدورٍ لن يستطيع الإحاطة بفهمه أبدًا. هذه الأشياء أعظم من أي فرد لأنها تنتج من مزيج من المعرفة أوسع من أن يملكه أي فرد».

حايك، الثورة المضادة للعلم

Tagged : / / / / / /

البيتكوين له غطاء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2019

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين مدعوم بشيء. إنه مدعوم بما يدعم أي نوع من المال: مصداقية خصائصه المالية. المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. على مرّ التاريخ، برزت عدة وسائل لتأخذ صفة المال، وفي كل مرة، لم يكن هذا الأمر بمحض مصادفة. السلَع التي تصبح أموالًا لها خصائص فريدة تميزها عن بقية سلع السوق. يقدّم معيار البيتكوين شرحًا أكمَل للقضية، ولكن السلع المالية لها خصائص تجعلها مفيدة من حيث هي وسيط مقايضة، من هذه الخصائص: الندرة، والمتانة، وقبول الانقسام والاستبدال والحمل، وأشياء أخرى. مع كل مال ناشئ جديد، تتطور خصائص وسيطٍ مالي، وتُبطل الخصائص المالية التي كانت في الأموال السابقة، وفي كل مرة تتموّل فيها سلعة، يبطل تموّل سلعة أخرى. والذي يحدث أن نقاط القوة النسبية للوسيط المالي الجديد تغلب نقاط قوة الوسيط القديم، وليس البيتكوين مختلفًا عن ذلك. يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية التي قامت على الخصائص المالية للذهب.

يتفوق البيتكوين على أسلافه التماثلية من حيث الخصائص المالية. البيتكوين نادرٌ ندرة مطلقة، وهو أسهَل انقسامًا وأسهل نقلًا من منافسيه القائمين اليوم. وهو بعد ذلك أكثر لا مركزية، لذلك أمنَع على الرقابة والفساد. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وكل واحدة منها تنقسم إلى 8 فواصل عشرية (جزء من مئة مليون جزءًا). يمكن نقل القيمة بالبيتكوين إلى أي أحد في أي مكان في العالم من دون ترخيص من أحد، ولا تعتمد التسوية النهائية على أي طرف ثالث. بالإجمال، خصائص البيتكوين المالية متفوقة تفوّقًا هائلًا على أي نوع من المال يستعمل اليوم. وهذه الخصائص ليست موجودة بالصدفة، ولا هي موجودة عن فراغ. إن الخصائص المالية الناشئة في البيتكوين محمية ومفروضة بمزيج من التعمية، وشبكة من العقد اللامركزية تفرض مجموعة مشتركة من قوانين الإجماع، وشبكة تعدين متينة تضمن سلامة دفتر حوالات البيتكوين ومناعته على التغيير. العملة نفسها هي حجر الأساس الذي يربط أجزاء النظام، فيخلق دوافع اقتصادية تسمح لأجزاء نظام الأمن أن تعمل معًا. ولكن مع هذا، ليست خصائص البيتكوين المالية مطلقة، بل هي مقوّمة بالسوق بالنسبة إلى الخصائص الموجودة في الأنظمة المالية الأخرى.

كوين بيس برو: معدّل سعر البيتكوين بالدولار على مدى الأشهر الست الماضية (بيانات 27 سبتمبر 2019). 

اعلَم أنه في كل مرة يُباع دولار ببيتكوين، يبقى العدد نفسه من الدولارات والبيتكوينات في العالم. كل الذي يتغير هو التفضيل النسبي لحمل عملة من العملتين مقابل الأخرى. إن تزايد قيمة البيتكوين دليل على أن المشتركين في السوق يفضلون حمل البيتكوين على حمل الدولارات. وإن تزايد سعر البيتكوين (بالدولار) يعني أن مزيدًا من الدولارات لازم لشراء الكمية نفسها من البيتكوين. بالإجمال، إنه تقدير السوق للقوة النسبية للخصائص المالية. السعر ناتج. الخصائص المالية هي الأساس. مع تقدير الأفراد للخصائص المالية للبيتكوين، يصبح السؤال الطبيعي: أي العملتين له خصائص مالية أصدَق؟ البيتكوين أو الدولار؟ طيّب، ما الذي يدعم الدولار (أو اليورو أو الين أو غيرهما) في الأصل؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يجد الباحث دومًا أن الدولار مدعوم بالحكومة أو الجيش (رجال معهم أسلحة) أو الضرائب. ولكن الدولار ليس مدعومًا بأي واحدة من هؤلاء. لا بالحكومة، ولا بالجيش، ولا بالضرائب. تضرب الحكومة ضرائبها على الأشياء القيّمة، لا تصبح الأشياء قيّمة لأن عليها ضريبة. كذلك، تحمي الجيوش ما هو قيّم، لا تصبح الأشياء التي تحميها الجيوش قيّمة. والحكومة لا تستطيع فرض قيمة العملة، كل ما تستطيع تحديده هو معروضها.

فنزويلا، والأرجنتين، وتركيا، كلها بلدان لها حكومات وجيوش وقدرة على فرض الضرائب، ومع هذا تراجعت عملاتها تراجعًا ملحوظًا في السنين الخمس الماضية. ولئن لم يكن إثبات النقيض كافيًا، فإن كل حكومة من هذه الحكومات دليل ينقض القول بأن العملة تشتق قيمتها من الحكومة. كل مرحلة من مراحل التضخم المفرط يجب أن تكون دليلًا كافيًا على العيوب الجوهرية في الأنظمة المالية الحكومية، ولكنها ليست كذلك لسوء الحظ. يظنّ معظم النالس أن التضخم المفرط دليل على سوء الإدارة المالية، لا أنه النتيجة النهائية المنطقية لكل الأنظمة الحكومية. هذا الرأي التبسيطي يتجاهل المبادئ الأولى، ويتجاهل الآليات التي تضمن البخص المالي في أنظمة العملات الحكومية. ومع أن الدولار أقوى بنيويًّا لأنه عملة الاحتياطي العالمية، فإن قواعد الأموال الحكومية من حيث الأداء واحدة، والدولار ليس إلا الأقوى بين الضعفاء. ما إن فهمنا الآليات التي تدعم الدولار (وكل العملات الحكومية) فهمًا أفضل، قدّم ذلك لنا قاعدة لتقدير الآليات التي تدعم البيتكوين.

لماذا للدولار قيمة؟

لم تنشأ قيمة الدولار في السوق الحرة. بل نشأت على أنها تمثيل جزئي للذهب (والفضة في أول الأمر) وكان الدولار حلًّا لما قصّر فيه الذهب من سهولة التحويل والإرسال، لذا فإن مولد الدولار كان معتمدًا على الخصائص المالية للمعادن الأساسية، لا على خصائص جوهرية في الدولار نفسه. وكان أيضًا نظامًا قائمًا على الثقة: خُذ الدولار وثق أنه يمكن استبداله بمقدار ثابت من الذهب في المستقبل. إن عيب الذهب وإخفاقه الكامل هو نظام الدولار، ومن دون الذهب، لم يكن ليكون أي وجود للدولار في هيئته الحالية. مراجعة سريعة لتاريخ الدولار والذهب:

1900أقرّ قانون معيار الذهب عام 1900 أن الذهب هو المعدن الوحيد الذي يمكن استبداله بالدولار، وأن ثمن كل أونصة ذهب 20.67 دولارًا.
1913تأسس الاحتياطي الفدرالي بموجب قانون الاحتياطي الفدرالي عام 1913.
1933حظر الرئيس روزفلت ادّخار الذهب وكنزه بالقانون التنفيذي 6102، وأجبر المواطنين على تحويل الذهب إلى دولارات بمعدل 20.67 دولارًا للأونصة، وإلّا فهم معرّضون لعقوبة هي غرامة بقيمة 10 آلاف دولار، أو حبس من خمس سنوات إلى عشر، أو السابقان معًا.
1934وقع الرئيس روزفلت قانون الاحتياطي الذهبي، فبخس الدولار 40% من قيمته وصار سعر الأونصة 35 دولارًا.
1944رسّم اتفاق بريتون وودز قدرة الحكومة الأجنبية والمصارف المركزية على تحويل الذهب إلى الدولار (والعكس) بمعدّل 35 دولارًا للأونصة، وتأسست معدلات صرف ثابتة بين الدولارات وبقية العملات.
1971أنهى الرئيس نكسون رسميًّا قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فأنهى نظام بريتون وودز فعليًّا. أصبحت قيمة الدولار 38 دولارًا لأونصة الذهب.
1973غيّرت الحكومة الأمريكية سعر الدولار إلى 42 للأونصة.
1976فصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب كله عام 1976.

على مر القرن العشرين، انتقل الدولار إلى عملة مدعومة بالاحتياطي إلى عملة مدعومة بالدين. لم يزل معظم الناس يتدبّرون سبب امتلاك الدولار للقيمة بعد الذهب، ولم يزل التفسير الأشيَع هو أنها هلوسة جمعية (أن الدولار له قيمة لأننا كلنا نؤمن بذلك)، أو أنه تابع للحكومة والجيش والضرائب. ليس لواحد من هذين التفسيرين أي أساس في المبادئ الأولى، وما من سبب حقيقي يجعل للدولار قيمة. بل يحافظ الدولار على قيمته اليوم بسبب الدين والندرة النسبية للدولارات أمام الديون المقومة بالدولار. في عالم الدولار، كل شيء تابع لنظام الائتمان. الناتج الإجمالي المحلي الاسمي معتمد على حجم نظام الائتمان ونموه، والضرائب تحسب على أساسه. إن الآليتين اللتين تموّلان الحكومة (الضرائب واستهلاك العجز) كلاهما قائمتان على نظام الائتمان، وإن نظام الائتمان هو الذي يسمح للدولار أن يعمل بهيئته الحالية.

الدين القومي الأمريكي مقابل الدخل (تريليون)

إن حجم نظام الائتمان يبلغ أضعاف حجم الناتج الإجمالي المحلي الاسمي. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه. ولكن نمو نظام الائتمان سبق نمو الناتج الإجمالي المحلي على مر العقود الثلاثة السابقة. يرقّم المخطط أدناه معدل تغير نظام الائتمان مقابل معدل تغير الناتج الإجمالي المحلي الاسمي وصكوك الضرائب الفدرالية (منذ 1987 إلى اليوم). في نظام الاحتياطي الفدرالي، يقود توسيع الائتمان الناتج الإجمالي المحلي الذي يحدد في النهاية المستوى الاسمي للضرائب الفدرالية.

اليوم، في نظام الائتمان الأمريكي 73 تريليون دولارًا من الدين حسب الاحتياطي الفدرالي (تقرير z.1)، ولكن ليس في نظام المصارف إلا 1.6 تريليون دولار. هكذا يدير الاحتياطي الفدرالي الاستقرار النسبي للدولار. ينشئ الدين طلبًا مستقبليًّا على الدولار. في نظام الفدرالي، كل دولار مرفوع بنسبة 40:1 تقريبًا. إذا اقترضت دولارات اليوم، فإنك محتاج إلى جني دولارات في المستقبل لدفع الدين، وحاليًّا، كل دولار في النظام المصرفي مقرَض 40 مرة. إن العلاقة بين حجم نظام الائتمان ومقدار الدولارات يعطي الدولار ندرة واستقرارًا نسبيًّا. بالإجمال، كل الناس محتاجون إلا دولارات لدفع الدين المقوم بالدولار.

النظام كله مدين بدولارات أكثر من الموجودة، وهو ما ينشئ بيئة تجعل الطلب الحالي على الدولارات عاليًا جدًّا. إذا لم يدفع المستهلكون ديونهم، سيُحجَر على منازلهم، أو تُنقَل ملكية سياراتهم. إذا لم تدفع شركة ديونها، سيستحوذ الدائنون على أصولها بعملية الإفلاس، ويمكن أن تُمحى الحصص تماما. إذا لم تدفع حكومة ديونها، ستُغلَق وظائفها الأساسية لفقدان التمويل. في معظم الأحوال، نتيجة عدم حيازة الدولارات المستقبلية اللازمة لدفع الدين تعني أنّك ستنتهي على الحديدة. ينشئ الدين دافعًا اقتصاديًّا لطلب الدولارات. ما دامت الدولارات نادرة أمام الدين القائم، سيبقى الدولار مستقرًّا. هكذا يعمل اقتصاد الفدرالي، ادفع لخلق الائتمان، تكن قد أوجدت طلبًا مستقبليًّا للعملة المقومة. بمعنًى ما، يشبه الأمر بيع المخدرات. اجعل إنسانًا يدمن على مخدِّرتك، وستضمن أنه سيعود ليطلب المزيد. في هذه الحالة، المخدّر هو الدين، وهو يجبر كل الناس على البقاء في دولاب جرذان الدولار.

إن مشكلة اقتصاد الفدرالي (والدولار) هو أنه يعتمد على عمل نظام ائتمان مرفوع جدًّا. وللحفاظ على ذلك، يجب على الفدرالي أن يزيد عدد الدولارات القاعدية. هذا هو التيسير الكمي ولذلك وُجد. للحفاظ على كمية الدين في النظام، يجب على الفدرالي أن يزيد معروض الدولارات الحقيقية، وإلا سينهار نظام الائتمان. إن زيادة مقدار الدولارات القاعدية له أثر متوسط هو نزع رفع نظام الائتمان، ولكن أثره على المدى الطويل هو زيادة الائتمان. ومن آثاره أيضًا بخس قيمة الدولار مع الوقت. كل هذا مقصود. الائتمان هو الذي يدعم الدولار لأن الائتمان هو ادعاء ملكية أصول حقيقية، هي معايش الناس. جئ بدولاراتك في المستقبل، أو اخسر بيتك، هذا دافع قوي لتعمل للحصول على الدولار.

إن العلاقة بين الدولار والائتمان بالدولار يحافظ على لعبة الفدرالي، ويؤمن الصيارفة المركزيون أن هذا سيبقى إلى الأبد. أنشئ مزيدًا من الدولارات، أنشئ مزيدًا من الدين. دين كثير؟ أنشئ مزيدًا من الدولارات، وهكذا دواليك. في النهاية، في نظام الفدرالي، العملة هي صمام التحرير. لأن الدين بلغ 73 تريليون دولارًا، وليس لدينا إلا 1.6 تريليون دولار في النظام المصرفي، سيُضاف إلى النظام دولارات جديدة لتدعم الدين. إن ندرة الدولار أمام الطلب هي التي تعطي الدولار قيمته. لا أكثر، ولا أقل. لا دعامة للدولار سوى هذه. ولئن كانت آلية نظام الائتمان تنشئ ندرة نسبية للدولار، فإنها في الوقت نفسه تضمن أن الدولار ستقل ندرته قليلًا قليلًا.

دين كثير أنشئ مزيدًا من المال مزيد من الدين دين كثير

والأمر ذاته موجود في كل أصل مالي، الندرة هي الخصيصة المالية التي تدعم الدولار، ولكن الدولار ليس نادرًا إلا أمام الديون المقومة به. واليوم، أمام الدولار منافس حقيقي، هو البيتكوين. إن نظام الدولار وفقدانه للخصائص المالية الجوهرية يقدم نقيضًا صريحًا للخصائص المالية الناشئة والجوهرية في البيتكوين. ندرة الدولار نسبية، أما ندرة البيتكوين فمطلقة. نظام الدولار قائم على الثقة، أما البيتكوين فلا. معروض الدولار محكوم بمصرف مركزي، أما معروض البيتكوين فمحكوم بإجماع المشاركين في السوق. سيبقى معروض الدولار مرتبطًا بحجم نظام الائتمان، أما معروض البيتكوين فمستقل تمامًا عن مسألة الائتمان. وتكلفة إنشاء مزيد من الدولارات صفرية، أما تكلفة إنشاء مزيد من البيتكوين فحقيقية ومتزايدة أبدًا. في النهاية، خصائص البيتكوين المالية ناشئة ومناعتها متزايدة، أما الدولار فقبوله للتلاعب جوهري ومتزايد.

المال والندرة الرقمية

إن أصعب حاجز عقلي تجاوزًا عند تقدير البيتكوين من حيث هو مال، هو عادة أن البيتكوين أصل رقمي. البيتكوين ليس ملموسًا، وليس بديهيًّا بادئ الرأي. كيف يمكن أن يكون شيء رقمي تمامًا مالًا؟ ومع أن الدولار معظمه رقمي، فإنه مع ذلك ملموس أكثر من البيتكوين في أذهان معظم الناس. نشأ الدولار الرقمي من سلفه الورقي، ولم يزل في السوق دولارات ورقية، أما البيتكوين فهو رقمي أصلًا. في الدولار، عندنا تمثيل فيزيائي يمثل الأنماط الذهنية للعالم الملموس، أما في البيتكوين، فليس عندنا شيء من ذلك. ومع أن للبيتكوين خصائص مالية أصدق بكثير من خصائص الدولار، فإن الدولار في أذهاننا هو المال (عند معظمنا)، ونتيجة ذلك، فتمثيله الرقمي مفهوم أكثر، لأنه توسع من العالم الفيزيائي إلى العالم الرقمي. إن أساس الدولار من حيث هو مال ثابت بالزمن، ولئن كانت طبيعته الرقمية تبدو ملموسة أكثر، فالبيتكوين يمثّل ندرة مطلقة. أما معروض الدولار فلا حد عليه.

تذكر أن الدولار ليس له أي خصيصة مالية جوهرية. قام الدولار على الخصائص المالية للذهب ليعتلي مكانة الاحتياطي العالمي، ولكنه في نفسه، ليس له خصائص فريدة تجعله شكلًا مستقرًّا من المال، إلا ندرته النسبية في نظام المال المرتبط بالدين. عند النظر في البيتكوين، سؤال المبدأ الأول هو إذا كان أي شيء رقمي قادرًا على مشاركة الخصائص الجوهرية التي جعلت الذهب مخزنًا للقيمة (ومالًا). هل نشأ الذهب وأصبح مالًا لأنه فيزيائي أم لأن له خصائص مالية مترفعة عن الفيزيائية؟ من كل الأشياء الفيزيائية في العالم، لم اختير الذهب؟ نشأ الذهب وأصبح مالًا لا لأنه فيزيائي، بل لأن خصائصه الإجمالية فريدة. أهم شيء هو أنه نادر، ويمكن استبداله، ومتين. ومع أن للذهب خصائص كثيرة جعلته متفوّقًا على أي مال سبقه، فإن عيبه القاتل كان صعوبة نقله وعرضته للمركزية، وهو ما أنشأ الدولار في النهاية ليصبح نظيره التحويلي.

«تخيّل معدنًا ذهبيًّا له ندرة الذهب، ولكن له هذه الخصائص: رمادي ممل اللون – ليس ناقلًا جيّدًا للكهرباء – ليس قويًّا، ولكنه ليس مرنًا ولا سهل الإفساد – ليس مفيدًا لأي هدف عملي أو تزييني – ولكن له خصيصة سحرية خاصة واحدة: – يمكن نقله بقناة اتصالات»

ساتوشي ناكاموتو (27 أغسطس 2010)

يملك البيتكوين الخصائص المالية التي جعلت الذهب وسيطًا ماليًّا، ولكنه في الوقت نفسه يصلح من عيوب الذهب. فالذهب نادر نسبيًّا، أما البيتكوين فنادر مطلقًا، وكلاهما متين جدًّا. الذهب قابل للاستبدال (أن يبدَل بعضه ببعض)، ولكنه صعب التحقق، أما البيتكوين فقابل للاستبدال وسهل التحقق. الذهب صعب النقل ومركزي جدًّا. البيتكوين سهل النقل ولامركزي جدًّا. في البيتكوين كل خصائص الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي مجموعة في عملة واحدة، ولكن من دون العيوب الأساسية في أي منهما. عند النظر في الأوسطة المالية، المبادئ الأولى أساسية. أهمل النتيجة أو النهاية، وابدأ بسؤال نفسك: إذا كان البيتكوين فعلًا نادرًا ومحدودًا، وتجاهل أنه رقمي، أيكون مقياسًا صالحًا للقيمة ومخزنًا نهائيًّا للقيمة؟ هل الندرة خصيصة قوية بما يكفي لجعل البيتكوين مالًا، ولو كانت هذه الندرة رقمية؟

لئن كان المال مفهومًا غير ملموس، فإنه ما دام للتجارة والتخصص منافع، سيبقى للمال فائدة وطلب. المال وسيلة نستعملها لتكون الحكَم في تحديد القيمة النسبية بين السلع الاستهلاكية والرأسمالية الكثيرة. إنه سلعة تنظم كل النشاط الاقتصادي. إن كمية المال المطلقة أقل أهمية من خصائصه كالندرة وقبول القياس. الندرة هي أهم خصيصة مالية. إذا كان معروض وحدة القياس متغيّرًا باستمرار تغيّرًا غير متوقع، فسيصعب قياس قيَم السلَع بها، لذلك فالندرة في نفسها خصيصة قيّمة جدًّا. قد تتقلب قيمة وحد القياس أمام السلع والخدمات، ولكن استقرار معروض المال يجعل الضجيج أصغريًّا أمام إشارة السعر النسبي للسلع الأخرى.

ومع أن البيتكوين رقمي، فهو مصمم لينشئ ندرة مطلقة، وهو ما يجعله مرشّحًا ليكون شكلًا فاعلًا من المال (ومقياسًا للقيمة). لن يكون في الوجود إلا 21 مليونًا، و21 مليونًا رقم صغير جدًّا بالمقاييس النسبية والمطلقة. أنشأ الفدرالي 100 مليار دولار في الأسبوع السابق، بضغطة زر. يكافئ هذا تقريبًا 5 آلاف دولار مقابل كل بيتكوين في الوجود، في أسبوع واحد (وعلى يد مصرف مركزي واحد). لتقديم سياق أوسع، أنشأ الاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان، وبنك أوروبا المركزي، كلهم معًا 10 تريليونات دولارات منذ الأزمة المالية، وهو ما يكافئ 500 ألف دولار لكل بيتكوين. ومع أن الدولار واليورو والين والبيتكوين كلها رقمية، فإن البيتكوين هو الوحيد النادر ندرة ملموسة والوحيد الذي فيه خصائص مالية جوهرية.

ولكن، لا يكفي أن ندعي أن البيتكوين نادر ندرة مطلقة، ولا ينبغي أن يقبل أحد هذه الحقيقة ببساطة. ينبغي لكل واحد أن يفهم كيفية هذه الندرة وسببها. لماذا لا يمكن إنشاء أكثر من 21 مليون بيتكوين ولماذا لا يمكن نسخه؟ لماذا البيتكوين آمن ولمَ لا يمكن التلاعب به؟ في البيتكوين عناصر كثيرة تجتمع لتجعل معروضه ثابتًا على نحو موثوق، ولكن في شبكة البيتكوين ثلاثة دعائم ملتحمة تفرضها الدوافع الاقتصادية للعملة نفسها:

  • إجماع الشبكة والعقد الكاملة: فرض مجموعة مشتركة من القوانين الحاكمة
  • التعدين وبرهان العمل: تحقيق تاريخ التحويل، وتثبيت أمن البيتكوين في العالم الفيزيائي
  • المفاتيح الخاصة: تحمي وحدة القيمة، وتضمن الملكية بغض النظر عن التحقق

ما الذي يحمي البيتكوين – إجماع الشبكة والعقد الكاملة

21 مليونًا، ليس مجرد رقم يضمنه برنامج. بل معروض الواحد والعشرين مليونًا هذا تحكمه آلية إجماع، وكل المشتركين في السوق مدفوعون بدوافع اقتصادية لفرض قواعد شبكة البيتكوين. ومع أن إجماع شبكة البيتكوين قد يحكم نظريًّا بزيادة المعروض فوق 21 مليونًا، فإن على الأغلبية الساحقة لمستخدمي البيتكوين أن يوافقوا جميعًا على بخس عملتهم ليفعلوا ذلك. عمليًّا، إنها شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقة تعزز وتدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

في البيتكوين، العقدة الكاملة هي حاسوب أو خادم يحافظ على نسخة كاملة من سلسلة كتل البيتكوين. تجمع العقد الكاملة كل واحدة على حدة نسخة من سلسلة الكتل بناءً على مجموعة مشتركة من قوانين إجماع الشبكة. نعم، لا يُشغّل كل مالك للبيتكوين عقدة كاملة، ولكن كل واحد قادر على ذلك، وكل عقدة تحقق كل الحوالات وكل الكتل. بتشغيل عقدة كاملة، يستطيع كل إنسان أن يصل إلى شبكة البيتكوين وأن يبث حوالات (أو كتلًا) من دون رخصة من أحد. وليس على العقدة أن تثق بعقدة أخرى. بل كل عقدة تحقق التاريخ الكامل لحوالات البيتكوين بناءً على مجموعة مشتركة من القواعد، تسمح للشبكة أن تجمع على نسخة مستمرة وصحيحة من التاريخ من دون أن يثق أحد بأحد.

هذه هي الآلية التي يزيل بها البيتكوين الثقة بأي طرف ثالث مركزي ويعزز صدقية معروضه الثابت. تحافظ كل العقد على تاريخ من كل الحوالات، وهو ما يتيح لكل عقدة أن تحدد إذا كانت الحوالات المستقبلية صالحة. بالإجمال، يقدم البيتكوين آمَن شبكة حوسبة في العالم لأن كل إنسان يمكن أن يصل إليها من دون أن يثق أحد بأحد. الشبكة لامركزية وليس فيها نقاط صدع مفردة. كل عقدة مراقب وموازِن لبقية الشبكة، من دون مصدر مركزي للحقيقة، الشبكة منيعة على الهجوم والإفساد. قد تخفق عقدة ما، أو تفسد، ولكن الشبكة ستستمر كأن شيئًا لم يحدث. كلما زادت العقد، زادت لامركزية البيتكوين، وهو ما يزيد الحشو، فيجعل الشبكة أصعب وأصعب على الإفساد أو الرقابة.

كل عقدة كاملة تفرض قواعد إجماع الشبكة، ومن هذه القواعد معروض العملة الثابت. في كل كتلة بيتكوين عدد محدد من البيتكوينات الجديدة، وكل حوالة يجب أن تعود إلى كتلة صحيحة سابقة لتكون صحيحة. كل 210 آلاف كتلة، ينقسم هذا العدد إلى النصف، هكذا حتى يبلغ عدد البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة الصفر، عام 2140 تقريبًا، وهذا جدول إصدار معروض البيتكوين المقارب. لأن كل عقدة تحقق كل حوالة وكل كتلة، تفرض الشبكة كلها معًا ثبات المعروض على قيمة 21 مليونًا. إذا بثّت أي عقدة حوالة أو كتلة فاسدة، سترفضها بقية الشبكة وستسقَط هذه الكتلة من الإجماع. تستطيع كل عقدة أن تحاول إنشاء زيادة من البيتكوين، ولكن كل عقدة لها مصلحة في ضمان ثبات معروض البيتكوين على قيمته المثبتة، وإلا ستبخَس العملة عشوائيًّا على حساب بقية الشبكة.

يستطيع كل واحد في الشبكة أو خارجها أن ينسخ برنامج البيتكوين لينشئ نسخة جديدة من البيتكوين، وكل وحدة تنشئها نسخة من هذه النسخ ستراها العقد في شبكة البيتكوين عملة فاسدة. كل النسخ التالية والوحدات التالية لن تكون صالحة، ولن يقبل أي أحد بهذه العملة على أنها بيتكوين. كل عقدة بيتكوين تتحقق بنفسها من كل بيتكوين، وكل نسخة من البيتكوين ستكون فاسدة، لأنه لن تكون متأصلة في كتلة بيتكوين صالحة سابقة. سيكون الأمر كمن يريد معاملة أموال لعبة مونوبولي معاملة الدولارات. قد تتمنى ما أردت أن تكون مالًا، ولكن لن يقبلها أحد على أنه بيتكوين، ولن تشارك شبكة البيتكوين خصائصها الناشئة. إن تشغيل عقدة بيتكوين كاملة يسمح لكل أحد أن يفحص صلاح كل عملة من عملات البيتكوين، وستُعرَف كل نسخة مزيفة بهذه الطريقة. إن إجماع العقد هو الذي يحدد الحالة الصحيحة للشبكة في نظام مغلَق، كل شيء يحدث خلف جدران هذا النظام لم يحدث أصلًا.

ما الذي يحمي البيتكوين – التعدين وبرهان العمل

في آلية الإجماع هذه، تشغل بعض العقد (التي تسمى عقد التعدين) خوارمية برهان العمل لإضافة كتل جديدة إلى سلسلة الكتل. هذه الخوارزمية تحقق التاريخ الكامل للحوالات وتسوّي الحوالات الجديدة. التعدين وبرهان العمل يثبتان أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. لحل الكتل، يجب على المعدنين أن يحسبوا تريليونات الحسابات التعموية، وهو ما يتطلب استهلاك موارد طاقة كبيرة. فإذا حُلّت عقدة، تُرسل إلى بقية الشبكة للتحقيق. كل العقد (ومنها بقية المعدنين) تحقق إذا كانت الكتلة صالحة بناءً على مجموعة مشتركة من قواعد إجماع الشبكة، نوقشت من قبل. إذا كانت أي جوالة في في الكتلة فاسدة، فالكتلة كلها فاسدة. كذلك، إذا لم تبنَ الكتلة المرسَلة على آخر كتلة صالحة، فهي فاسدة أيضًا.

ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 90 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). تحلّ الكتل تقريبًا كل عشرة دقائق، وهو ما يعني 144 كتلة في اليوم. عبر الشبكة، تكلف كل كتلة نحو 75 ألف دولار، وتبلغ مكافأة كل عقدة 100 ألف دولار (12.5 بيتكوين جديد مضروبة بسعر البيتكوين، 8 آلاف دولار، من دون حساب رسوم التحويلات). كلما زادت تكلفة حل كتلة، زادت تكلفة الهجوم على الشبكة. إن تكلفة حل الكتلة تمثل الموارد الملموسة اللازمة لكتابة التاريخ على دفتر تحويلات البيتكوين. مع نمو الشبكة، يزداد تشظّيها، وتزداد القيمة الاقتصادية المدفوعة إلى المعدنين بالإجمال. من وجهة نظر نظرية الألعاب، كلما زاد التنافس وزادت الفرص، صعب التآمر على الإفساد، وكل عقد الشبكة تحقق عمل المعدنين، وهو ما يجعلها الرقيب والموازِن.

وتذكّر ذلك الرقم الثابت الذي يصدر في كل كتلة صالحة (قبل أن يبلَغ سقف الواحد والعشرين مليونًا). إن البيتكوين المصدَر في كل كتلة إذا جُمعت إليه رسوم التحويل يمثّل التعويض الذي يناله المعدنون لقيامهم ببرهان العمل. يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين لحماية الشبكة. لبناء الكتل وعملية الاقتراح، يكتب المعدنون هذا العدد الثابت من البيتكوين الصادر في كل كتلة تعويضًا عن استهلاك موارد من العالم الحقيقي الملموس لحماية الشبكة. إذا كتب معدّن مقدارًا من البيتكوين لا يوافق جدول العرض الثابت، سترفض بقية الشبكة الكتلة لأنها فاسدة. لحماية الشبكة، يجب أن يحقق المعدنون ويفرضوا قانون المعروض الثابت ليحصلوا على التعويض. للمعدّنين قدم في اللعبة هي التكاليف المتزايدة على رؤوس أموالهم (واستهلاكهم للطاقة)، والعمل الفاسد لا يُكافَأ.

ودونك مثالًا تقنيًّا: المكافأة الصالحة المدفوعة إلى المعدنين تنصَّف كل 210 آلاف كتلة، والتنصيف القادم سيكون في الكتلة 630,000 (أو تقريبًا في مايو 2020). في ذلك الوقت ستنقص المكافأة من 12.5 إلى 6.25 بيتكوين في كل كتلة. من بعد ذلك، كل معدّن يكتب مكافأة خاطئة (أي مقدار سوى 6.25)، سترفض الشبكة كتلته لأنها فاسدة. التنصيف مهم لا لأن معروض البيتكوين الجديد ينقص فحسب، بل لأنه يظهر أن الدافع الاقتصادي للشبكة يستمر في التنسيق وفرض المعروض الثابت للعملة على أساس لامركزي تمامًا. إذا حاول أي معدّن الغشّ، ستعاقبه بقية الشبكة العقوبة القصوى. لا شيء سوى الدوافع الاقتصادية في الشبكة ينسق هذا السلوك، وحدوثه على أساس لا مركزي من دون تنسيق أي هيئة مركزية تفرض أمان الشبكة.

تعدين البيتكوين لامركزي لأن كل المعدنين يتنافسون، ولا مصلحة للمعدنين في التجمع. ومن جهة أخرى، تحقق العقد عمل المعدنين، في اللحظة نفسها ومن دون تكلفة، وهو ما يجعلها رقيبًا وموازنًا قويًّا جدًّا مستقلًّا عن عملية التعدين. الكُتل صعبة الحل ولكنها سهلة التحقق، وبالإجمال، هذا هو ما يفرق البيتكوين عن أي نظام مالي ينافسه، سواء أكان الذهب أو الدولار. والتعويض الذي يُدفع للمعدنين لحماية الشبكة وفرض معروضها الثابت لا يكون إلا بالبيتكوين. إن الدوافع الاقتصادية للعملة (التعويض) قوية جدًّا، والعقوبة شديدة جدّا وسهلة التطبيق، لذا فدوافع المعدنين على أشدّها للتنسيق وتنفيذ عمل صحيح. بتقديم تكاليف ملموسة لعملية التعدين، وبإعمال جدول إطلاق المعروض وتضمينها في عملية التحقيق (التي تقوم بها كل العقد)، وبفصل عملية التعدين عن ملكية الشبكة، تفرض الشبكة كلّها المعروض الثابت فرضًا موثوقًا دائمًا، على أساس لا ثقة فيه، وفي الوقت نفسه تستطيع بلوغ الإجماع على أساس لامركزي.

ما الذي يحمي البيتكوين – المفاتيح الخاصة والحقوق المتساوية

في الوقت الذي يبني فيه المعدنون الكتل ويحلونها ويقترحونها، وتحقق العُقَد العمل الذي يجريه المعدنون، تتحكم المفاتيح الخاصة بالوصول إلى وحدة القيمة نفسها. تتحكم المفاتيح الخاصة بحقوق 21 مليون بيتكوين (تقنيًّا 18 مليونًا فقط لأن البقية لم تعدّن إلى اليوم). في البيتكوين، لا هوية، لا يعرف البيتكوين شيئًا عن العالم الخارجي. تحقق شبكة البيتكوين التوقيعات والمفاتيح. هذا هو الأمر كله. لا يستطيع إلا صاحب المفتاح الخاص أن ينشئ حوالة بيتكوين صالحة بإنشاء توقيع صالح. تُوضع الحوالات الصالحة في كُتَل، يحلّها المعدّنون وتتحقق منه كل عقدة، ولكن لا يستطيع إنشاء الحوالات الصالحة إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

عندما يُبَثّ تحويل بيتكوين، يُرسل مقدار من البيتكوين إلى أحد عناوين البيتكوين العامة. هذه العناوين العامة مشتقة من المفاتيح العامة، والمفاتيح العامة مشتقة من المفاتيح الخاصة. يمكن حساب المفاتيح العامة والعناوين العامة باستعمال مفتاح خاص، ولكن المفتاح الخاص لا يمكن حسابه باستعمال مفتاح عام أو عنوان عام. إنه تابع بجهة واحدة تحميه خوارزميات تعمية قوية. يمكن مشاركة المفاتيح العامة والعناوين العامة من دون إظهار أي شيء عن المفاتيح الخاصة. عندما يُرسل مقدار من البيتكوين إلى عنوان عام، يُقفَل في خزانة، ولكي تفتَح هذه الخزانة، يجب إنشاء توقيع رقمي من خلال المفتاح الخاص الموافق (لكل مفتاح أو عنوان عام مفتاح خاص فريد). يننتج صاحب المفتاح الخاصة توقيعًا خاصًّا، من دون كشف السر نفسه. تستطيع بقية الشبكة التحقق من أن صاحب المفتاح الخاص هو الذي أنشأ التوقيع، من دون معرفة تفاصيل المفتاح الخاص نفسه. أزواج المفاتيح الخاصة والعامة هي أساس البيتكوين. وفي النهاية، المفاتيح الخاصة هي التي تعطي حق الوصول إلى القيمة الاقتصادية في الشبكة.

لا فرق في هذا بين صاحب عُشر بيتكوين، وصاحب عشرة آلاف بيتكوين. كل صاحب مفتاح محمي ومحقق بالآلية نفسها والقوانين نفسها. لكل واحد في الشبكة حقوق متساوية. بغض النظر عن القيمة الاقتصادية، كل بيتكوين (وكل عنوان بيتكوين) يُعامل المعاملة نفسها في الشبكة. إذا أُنتج توقيع صالح، فالحوالة صالحة وستُضاف إلى سلسلة الكتل (إذا دُفعت رسوم التحويل). إذا أُنتج توقيع فاسد، سترفضه الشبكة. لا يهم قوة المشارك أو ضعفه. لا سياسة في البيتكوين. كلما يحققه البيتكوين هو المفاتيح والتواقيع. قد يستطيع الثري أن يدفع رسومًا أعلى لتكون حوالته أسرع، ولكن كل الحوالات تحقَّق على قوانين الإجماع ذاتها. يقدّم المعدّنون بعض التحويلات على بهض على أساس القيمة والربح، بغض النظر عن أي شيء آخر. إذا كانت حوالتان بنفس القيمة والربح، يُقَدّم الأسبق منهما بالزمن. ولكن المهم أن عملية التعدين، التي تسوّي الحوالات، مستقلة عن الملكية. البيتكوين ليس ديمقراطية، الملكية محكومة بالمفاتيح وكل حوالة بيتكوين يُنظَر فيها على أساس قوانين الشبكة نفسها. أهي صالحة أم لا. يجب أن ترجع كل بيتكوين إلى كتلة موافقة لمبدأ المعروض الثابت (21 مليونًا)، لكي تكون صالحة.

هذا هو الذي يجعل حيازة المفاتيح روحًا مهمّة في البيتكوين. البيتكوين نادر جدًّا، والمفاتيح الخاصة هي حرّاس نقل أي بيتكوين. يقول المثل: ليست مفاتيحك، ليست بيتكويناتك. إذا تحكم طرف ثالث بمفاتيحك، كالبنك مثلًا، فهو قادر على التحكم بوصولك إلى شبكة البيتكوين، وسهلٌ عليه تقييد وصولك أو سرقة أموالك في هذه الحالة. يختار كثير من الناس الثقة بكيان كالبنك، ولكن نموذج الأمان في البيتكوين فريد، لم يكتف بأن يكون لكل مستخدم التحكم بمفاتيحه الخاصة، بل ولكل مستخدم أن يصل إلى الشبكة من دون رخصة وأن يحول ما شاء إلى من شاء حيث شاء في العالم. لا يمكن هذا إلا إذا كان المستخدم مالكًا لمفتاحه الخاص. بالإجمال، يزيد المستخدمون الممسكون بمفاتيحهم الخاصة لامركزية القيمة الاقتصادية للشبكة، وهو ما يزيد أمان الشبكة كلها. كلما زاد توزّع الوصول إلى الشبكة، زادت صعوبة إفسادها أو ضمّها في النظام الحالي. من جهة أخرى، بإمساك المفتاح الخاص، يكاد يستحيل على أحد غيرك تقييد وصولك إلى المال أو سرقته. كل بيتكوين في السوق محمية بمفتاح خاص. نعم، يفرض المعدنون وأصحاب العقد عدم وجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولكن البيتكوينات الصالحة الموجودة كلها محمية لأصحابها بمفتاح خاص.

البيتكوين ضد.

الخلاصة، معروض البيتكوين محكوم بآلية إجماع شبكي، ويُعمل المعدّنون آلية برهان العمل التي تثبّت أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. ولعملهم هذا، يُدفَع للمعدّنين بالبيتكوين ليحلّوا الكُتل، وهو ما يحقق التاريخ ويسوّي الحوالات الحديثة. إذا حاول معدّن أن يعوّض نفسه بمقدار لا يوافق معروض البيتكوين الثابت، سترفض بقية الشبكة عمل المعدّن. معروض العملة داخل في نموذج أمانها، ولا بد من استهلاك موارد طاقية من العالم الحقيقي ليُعطى المعدّنون مكافأتهم. وفوق هذا، تحقق كل عقدة العمل الذي أجراه المعدنون، لئلّا يغشّ أحد من دون عقوبة. آلية إجماع البيتكوين وعملية تحقيقه تحكم نقل الملكية في الشبكة، ولكن الملكية نفسها تحميها وتتحكم بها المفاتيح الخاصة التي يمسكها مستخدمو الشبكة.

حوكمة البيتكوين

دع كل الأفكار السابقة في ذهنك عن تعريف المال، وتخيّل نظام عملة ندرته مفروضة ومعروضه ثابت. يستطيع كل إنسان في العالم أن يتصل بالشبكة من دون رخصة، ويستطيع كل إنسان أن يرسل حوالات إلى أي أحد في أي مكان من العالم، ويستطيع كل إنسان أن يتحقق من معروض العملة ومن حقوق الملكية في الشبكة. تخيّل اقتصادًا عالميًّا، يستطيع فيه مليارات الناس المتوزعين في أنحاء العالم، نقل القيمة في شبكة لامركزية، ويستطيع كل واحد منهم أن يصل إلى الإجماع نفسه على الملكيات في الشبكة، من دون أي جهة مركزية. كم ستكون قيمة هذه الشبكة؟ البيتكوين قيّم لأنه منته، ومنته لأنه قيم. إن الدوافع الاقتصادية ونموذج الحكم في الشبكة يفرض كل واحد منهما صاحبه، والأثر المجموع هو نظام مالي لامركزي ولا ثقة فيه، له معروض ثابت عالمي يستطيع الوصول إليه أي أحد.

ولأن للبيتكوين خصائص مالية جوهرية وناشئة، فهو مستقل عن كل الأموال الرقمية الأخرى. يبقى معروض البيتكوين ثابتًا ونادرًا ندرة مطلقة، أما المصارف المركزية فستُجبَر على توسيع قاعدتها المالية للحفاظ على النظام القديم. ستزداد جاذبية البيتكوين شيئً فشيئًا، مع اكتشاف المشتركين في السوق أن أدوار التيسير الكمي المستقبلية ليست مجرد أداة في يد المصرف المركزي بل هي وظيفة لا بد منها للحفاظ على الخيار الأدنى. قبل البيتكوين، كان الجميع مجبرًا على الدخول في هذا النظام. اليوم مع البيتكوين، أصبح لدينا بديل حقيقي. في كل مرة يعود الفدرالي بمزيد من التيسير الكمي للحفاظ على نظام الائتمان، سيكتشف مزيد من الأفراد أن خصائص البيتكوين متفوّقة تفوّقًا كبيرًا على النظام القديم، سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين. هل أ أفضل من ب؟ هذا هو الاختبار. في التنافس العالمي على المال، للبيتكوين خصائص مالية جوهرية مفقودة في نظام الأموال الحكومية. في النهاية، البيتكوين مدعوم بشيء، وهو الشيء الذي يدعم أي مال: مصدقية خصائصه المالية.

Tagged : / / /

يصلح البيتكوين هذا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

كان الأسبوع الماضي هو الأسبوع الذي يجتمع فيه المصرفيون المركزيون العالميون، واقتصاديو المنظومة القائمة، وسي إن بي سي وغيرهم كل عام في وادي جاكسون في وايومنغ، ليناقشوا المشكلات المنظومية التي تتفشّى في اقتصادنا. لا يبدو أنهم وجدوا إجابة، لكنهم يبحثون دائمًا عنها، إنها معضلة وادي جاكسون السرمدية. يكون لهذا الاجتماع كل سنة صخب وتطبيل، ولم تكن هذه السنة مختلفة. ولعلّ أن لورنس سمرز، أمين الخزانة الأمريكية السابق والرئيس السابق لجامعة هارفارد قد سلّط الضوء على المسرحية كلها. في سلسلة تغريدات من 28 جزءًا، شكك سمرز في عدد من الافتراضات الأساسية التي افترضها المذهب الاقتصادي السائد، الذي هو جزء منه. في لعبة ماركو بولو، سَمَرز يقترب من الهدف ولكنه لم يزل عل الجانب الخاطئ من المسبح. قد يكون أبرَزَ أعراض المشكلة، ولكنه كأصحابه من الاقتصاديين السائدين، لم يسأل السؤال البيّن. هل يمكن أن تكون الأدوات السياسية للمصرف المركزي هي السبب الجذري للمشكلة؟ لا الحلّ الذي لا ينقضي تملّصه كما يقولون؟

السؤال الأساسي الذي يطرحه سمرز: هل يمكن أن تكون المصرفية المركزية كما نعرفها اليوم الأداة الأساسية للاستقرار الاقتصادي الكلي في العالم الصناعي في العقد التالي؟ يشكّ سمرز في إمكان هذا، ولكن ماذا لو طرحنا سؤالًا أفضل: هل المصرفية المركزية هي السبب الأول للاضطراب الاقتصادي الكلي؟ منذ الأزمة المالية، لم يزل التيسير الكمي الأداة الأساسية التي تستعملها المصارف المركزية في محاولة منها لحفظ استقرار الاقتصاد ولتصنيع التضخم. نصّ المسرحيّة: نزيد معروض المال، نقلّل معدّلات الربح، وإنعاش قيم الأصول الموجودة ليمكن الإبقاء على مستويات الدين الموجودة وإنشاء مزيد من الدين.

ولكن، على رغم معدلات الربح المنخفضة انخفاضًا قياسيًّا، بدأ الاقتصاد العالمي مرة أخرى في التدهور، وبدأ كثير من الناس يشكك في فعالية التيسير الكمي. كما لاحظ سمرز، لقد أصبحت المسلّمات التي كانت تُدرَّس محلّ شكٍّ اليوم. خلافًا للمعتقد الشائع، ما يفعله التسهيل الكمي هو إنشاء الاضطراب الذي يسعى إلى اجتنابه. عندما نفهم العملية الأساسية للتسهيل الكمي، يتّضخ أنه لا جدوى له. كما كتب نسيم طالب في مقدمة النسخة القديمة من معيار البيتكوين، خبراء الاقتصاد الكلي ليسوا خبراء، بل هم لا يعرفون شيئًا عنه.

«إن خطر دخول الاقتصاد في حالة هبوط كبيرة يظهر أنه تقلّص في الشهر الماضي»

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، يونيو 2008

لقد أظهر التاريخ دائمًا أن الخبراء محدودة خبرتهم بمجالهم، ومع هذا لم تزل المصارف المركزية تسعى في التيسير الكمي، لأن الاقتصاد الكلي والمصرفية المركزية ثقافة سائدة، كما شرح طالب. يبدأ موقف السياسة السائدة بافتراض أن المصرفية المركزية هي جوهر وظيفة الاقتصاد، ثم يتركز النقاش عن أيّ الأوتار ينبغي شدّها لتحقيق أفضل إدارة للاقتصاد بالتخطيط المركزي. الإدارة الفاعلة للمعروض المالي بالتيسير الكمي أمرٌ مفروع منه، والسؤال سؤال كم ومتى، وليس سؤال هل.

ولكن، يبقى رأي اقتصادي معارض يقول إن وظيفة المصرف المركزي والإدارة الفاعلة لمعروض المال في نفسها مضرّة للاقتصاد. هذا الرأي المخالف لا يمكن أن يتعايش مع مصرف مركزي لأنه مناقض لوظيفته الأساسية، لذلك نجد هذه الثقافة سائدة ونجد أن الطريق المخالف لم يمر به أحد. في النهاية، كانت أيام النقاش الاقتصادي في القرن العشرين وقد انتهت إلى مذهبنا الحالي السائد. والنتيجة: نظام اقتصادي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على بخس العملة وإنشاء الائتمانات، وعلى التيسير الكمي لتحقيقهما.

اليوم، مع وجود البيتكوين، لم يعد الأمر موضوع نقاش ثقافي. بل أصبح اليوم عندنا نظامان اقتصاديان يقدّم كل واحد منهما النقيض الأكبر لصاحبه: يحاول الأول إنشاء الاستقرار بالإدارة الفاعلة للمعروض المالي، أما الثاني فيقبل بالتقلّب المؤقت بهدف الحفاظ على معروض ثابت. في العقد الأخير، بدأ النظام الصاعد يستحوذ على مناطق من النظام القائم، وهو ما أظهره اعتماد البيتكوين وازدياد قيمته بالنسبة إلى بقية العملات. الدخول في البيتكوين هو خروج من التسهيل الكمي، ولئن كان طريق البيتكوين طالعًا نازلًا، فإن مساره الكلي على المدى الطويل سيستمر في الصعود لأن المصارف المركزية ستسمر في سياستها نفسها التي يمنعها البيتكوين.

أخفقت المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وجرّت عليه من غير قصد منها الاضطراب من خلال التلاعب بالمعروض المالي. بالتصرّف بالمعروض المالي، يشوَّش على كل آليات التسعير العالمية. كما وصف حايك في استعمال المعرفة في المجتمع، إن آلية التسعير هي أعظمة نظام توزيع للمعرفة في العالم. عندما تفسد آلية التسعير، توزَّع في النظام الاقتصادي إشارات كاذبة، والنتيجة تفاوتٌ بين العرض والطلب، يزيد الاضطراب والهشاشة. اليوم، هذا الاضطراب يعود أوّلًا إلى وظيفة التسهيل الكمي، فهي تنشئه وهي تحافظ عليه. لقد بيّنت الأزمة المالية أن حجم نظام الدين لا هو مستقر ولا هو يمكن الحفاظ عليه، فأنعش الفدرالي أسعار الأصول ووسّع نظام الائتمان أكثر، بدلًا من أن يترك النظام يتفكك وحده، ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الموجودة. عمليًّا، منهج المصرفية المركزية لحل مشكلة كثرة الدين كان إنشاء دين أكثر بعدُ، وهو الذي كان السبب الأصلي للاضطراب. لحسن الحظ، يصلح البيتكوين هذا.

ما هو التيسير الكمي؟

بأبسط العبارات: التيسير الكمي هو مصطلح تقني يصف الآلية التي ينشئ بها الاحتياطي الفدرالي دولارات جديدة. ليس الأمر تقنيًّا مطابقًا لـ«طباعة المال»، ولكنه بالنتيجة نفسه. ينشئ الاحتياطي الفدرالي دولارات رقمية جديدة في دفتر (من دون أي غطاء)، ويستعملها ليشتري أصولًا مالية، منها سندات الخزانة الأمريكية (دين حكومي)، أو السندات المغطاة بالرهون. بعد الأزمة المالية، أضاف الاحتياطي الفدرالي 3.6 تريليون دولار جديد إلى النظام المصرفي بالتيسير الكمي، ليضاعف حجم ميزانيته. والنتيجة الصافية: مزيد من الدولارات في النظام المصرفي على هيئة احتياطيات مصرفية، وهذه الاحتياطات يمكن استعمالها إما للإقراض وإما لشراء مزيد من الأصول. بعبارة بسيطة: وُجد مزيد من الدولارات، وهو ما سبب انحدار قيمة كل دولار واحد.

التيسير الكمي هو السبب الأساسي الذي يجعل دولارك يشتري غدًا أقل مما يشتري اليوم، ولكن آثار التيسير الكمي تنتقل تدريجيًّا في الاقتصاد بتوسيع نظام الائتمان. بعبارة أخرى، التيسير الكمي مصمم ليسمح للمصارف أن توسع ائتمانها، إذ يستطيع نظام الائتمان أن يزيد أضعافًا مقابل كل دولار يخلقه التيسير الكمي. الائتمان التزايدي (فكر في الإقراضات التلقائية، والرهون، وقروض الطلبة، إلخ)، يستعمَل لشراء سلَع في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يجعل أسعار السلع ترتفع وقيمة الدولار تنخفض نسبيًّا.

هل ينفع التيسير الكمي؟

الإجابة القصيرة: لا. ولئن كان كثير من الناس يظنون أنه ضروري، فكل ما يفعله هو تأجيل المشكلة وضمان الحاجة المستقبلية إلى مزيد منه. السبب الجذري للأزمة هو أن النظام المالي أصبح مرفوعًا رفعًا مفرطًا. في وقت الأزمة المالية، كان كل دولار في النظام المصرفي مرفوعًا ومُقرَضًا بنسبة 150:1 (انظر تقارير الاحتياطي الفدرالي Z.1، وH.8). كان في النظام دين كثير ودولارات قليلة، ولم تكن درجة الرفع هذه ممكنة إلا لأنها نتيجة غير مباشرة لحفاظ الاحتياطي الفدرالي على الاختلالات الاقتصادية. مع كل دورة ركود في العمل في العقود التي سبقت الأزمة، زاد الاحتياطي الفدرالي معروض الدولارات ليخفّض معدل الربح ويوسّع النظام الائتماني. لم يسمح الفدرالي للنظام أن يصلح نفسه كما يصلح أي سوق طبيعي نفسه، بل كان ردّه المستمرّ هو إنعاش قيَم الأصول بزيادة معروض المال ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الحالية وإنشاء مزيد من الائتمان.

بهذه الطريقة، أنشأ الفدرالي من غير قصد منه الاضطراب الذي رأيناه في النظام المالي عام 2008 لأنه خلق بيئة سمحت بتراكم درجة لا يمكن الحفاظ عليها من الرفع المالي في النظام، على مدى العقود التي سبقت الأزمة. ولئن كان الاحتياطي الفدرالي يطبق سياسات مشابهة عقودًا قبل الأزمة، فقد خلقت الأزمة بيئة قدحت استجابة أحدّ منه. عمليًّا، احتاج الفدرالي قاربًا أكبر وفي ردّه على الاضطراب في السوق، زاد معروض الدولارات في السوق بمقدار 3.6 تريليون دولار ليتجنب انهيارًا ماليًّا وشيكًا. كانت هذه المرة مختلفة، نعم، سرقت أزمة الرهون العقارية عناوين الصحف، ولكن المشكلة الأساسية كانت الأثر التراكمي للاختلالات التي حافظ عليها الفدرالي في نظام الائتمان وتراكمت دورات عديدة، بالإضافة إلى درجة الرفع الإجمالية في النظام.

في اقتصاد الفدرالي، أصبح نظام الائتمان هو آلية التسعير الهامشية. ولأن الفدرالي ملزَم بالقانون بالحفاظ على استقرار الأسعار، كان لا بد أن يحافظ على حجم نظام الائتمان ضمنيًّا ليحافظ على مستويات الأسعار العامة. في أثناء الأزمة المالية، بدأ نظام الائتمان يتقلّص وانخفضت مستويات أسعار الأصول سريعًا انخفاضًا عشوائيًّا. لعكس هذا الأثر، لم يجد الفدرالي بدًّا من زيادة المعروض المالي (التيسير الكمي) في محاولة منه للحفاظ على حجم نظام الائتمان. حتى بعد احتدام الأزمة، قرر الفدرالي أنه لا بد من إضافة تريليونات أخرى من الدولارات للاستمرار في دعم النظام المنهار، مع اعترافهم بحدود أدوات سياستهم المالية. هذه هي أزمة الفدرالي، فحتّى لو كان يعرف الحلّ، فموقفه الأصلي هو الخطأ على ناحية زيادة التيسير الكمي، لا التقليل منه.

«أريد تمامًا أن أقبل الحجّة التي تقول إن السياسة المالية ليست هي الأداة الرئيسة، وأنها ليست الخطأ الرئيس في اقتصادنا، ولكن واجبنا أن نفعل ما نستطيع، وأن نخفف الأزمة، وأن نساعد حيث نستطيع، وإن لم نستطع حل مشكلات مالية أو بنيوية أو غير ذلك».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، أغسطس 2011

«لا أعتقد أن الأمر هو أن السياسة المالية عاجزة تمامًا. أعتقد أننا يمكن أن نرى آثارها في الأسواق المالية، التي من جهتها تؤثر في الثروة والثقة ومحددات أخرى للصرف والإنتاج. فكلما كان الانتقال أضعف، فهو حجّة لزيادة الإنعاش لا لتقليله».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، سبتمبر 2011

فلمّا أجاب الفدرالي بالتيسير الكمي، سبب توسّع نظام الائتمان الغارق أصلًا بدين كبير توسّعًا عظيمًا. اليوم، يحمل نظام الائتمان في الولايات المتحدة دينًا يبلغ نحو 73 تريليون دولار (في النظام كله)، وهو ما يمثل زيادة بعشرين تريليونًا (+40%) عن مستويات ما قبل الأزمة (تقرير Z.1 الفدرالي الصفحة 7). كلّ هذا الدين متراكم على 1.7 تريليون دولار فقط من الدولارات الحقيقية الموجودة في النظام المصرفي (تقرير H.8 الفدرالي). تيجة ذلك، يبقى الدين كثيرًا والدولار قليلًا. لأن التيسير الكمي يسبب خلق تريليونات من الدولارات في الدين، فهو أقرب إلى الهيروئين منه إلى مضاد الالتهاب، فكلما طُبّق على النظام المالي، زاد اعتماد النظام المالي عليه وأصبحت إزالته أسوأ.

يصلح البيتكوين هذا

قبل عام 2009، كان كل الناس مجبرين على الدخول في هذا النظام، ولم يكن في الوجود مخرج حقيقي. هذا هو الخيار الذي يقدمه البيتكوين في النهاية، وهو إنما وُجد ليكون آلية رد على التيسير الكمي العالمي. ما من شرح بسيط لسبب وجود البيتكوين. لقد قدّم البيتكوين بديلًا متفوّقًا من دون تطبيق التيسير الكمي، وفي الوقت نفسه يوسّع البخس المالي العالمي الذي حدث نتيجة للأزمة الهوّة بينه وبين النظام القائم. هذا التباين يجعل مجرد وجود البيتكوين أشدّ بداهة. البيتكوين حرفيًّا موجودٌ لأن بعض الأفراد عالي الثقافة عرفوا المشكلة وعملوا على حلّها. ولكن، البيتكوين عمليًّا موجود لأنه يقدم حلًّا أفضل في جوهره لمشكلة المال.

بسبب الرفع الذي لم يزل جوهريًّا في النظام المالي القائم، لا نقول إن التيسير الكمي في المستقبل احتمال، بل هو يقين حتم. سؤال التيسير الكمي من الاحتياطي الفدرالي والمصارف المركزية في أرجاء العالم، هو سؤال «أين»، لا سؤال «هل». لم يكن نظام الائتمان مستقرًّا ولا مستدامًا عام 2008. نتيجة التيسير الكمي، توسّع نظام الائتمان ليدعم اليوم 20 تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها. في كل مرة يعلن الاحتياطي الفدرالي أو أي مصرف مركزي، دورة جديدة من التيسير الكمي، فتلك إشارة السوق التي تدعو الناس إلى شراء البيتكوين. إنه الخيار بين حمل نوع من العملة تبخسه المصارف المركزية بخسًا مستمرًّا ونظاميًّا، ونوع من العملة له معروض ثابت لا يمكن تغييره. البيتكوين هو الرقيب، وهو الموازنة، وهو طريق الخروج النهائي من المشكلة التي يقدمها التيسير الكمي.

في خطاب لفردريك حايك عنوانه ادعاء المعرفة قاله عند فوزه بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1974، يبيّن حايك المبادئ الأولى التي تجعل المعرفة المتباينة لكل المشاركين في السوق أعظم ممّا يستطيع أي عقل مفرد حيازته. بهذا الاستدلال، يفسّر حايك عيب النظرية الاقتصادية الكلية السائدة والسياسة المالية السائدة التي تقود المصارف المركزية. ويفسّر كيف أن أدوات سياسة المصارف المركزية، وتحديدًا التيسير الكمي، ضرّها أكبر من نفعها. أنصح قراءة الخطاب الكامل لأنه يقدّم سردية معارضة للثقافة السائدة في صناعة السياسة الاقتصادية اليوم. نظامنا الحالي يثق بأفراد معدودين لتوزيع تريليونات الدولارات. وليس الأمر أن هؤلاء الأفراد قليلو المعرفة، بل أن أي مجموعة صغير من الأفراد معارفها أقل بكثير من مئات ملايين الأفراد الذين يشكلون الاقتصاد.

ادّعاء المعرفة حايك (خطاب جائزة نوبل، 1974)

بمحاولة إدارة اقتصاد كامل بالتلاعب بمعروض المال، لا تحلّ معرفة القلّة محل معرفة الجميع، بل تفسد القاعدة المعرفية الجمعية كلها. في هذا الحال، لا يمكن أن تعمل الآليات التي تحكم العرض والطلب عملًا فاعلًا، وهو ما يؤدي إلى اختلال لا يمكن الحفاظ عليه إلا ما دام التلاعب بالسوق ممكنًا. في النهاية، يكون الأثر السلبي على الاقتصاد أعظم بكثير ممّا كان ليكون لولا تدخل المصرف المركزي. إن الأزمة المالية هي أولى الأزمات، ولم يتركنا رد التيسير الكمي إلا في وضع أقل استقرارًا اليوم. الأثر في الدرجة الأولى: بخس العملة، والأثر النهائي: تدهور البنية الاقتصادية التي يقوم عليها النظام كلها. البيتكوين مصمم لحل هذا الأمر ولكن ينبغي ألا نظن أن هذا الانتقال سيكون سهلًا أو بلا ألم، لأنه انتقال من نظام مثقَل بعقود من الاختلالات المتراكمة.

ينشئ البيتكوين نظامًا يتيح نشاطًا اقتصاديًّا غير مشوّش، ويحقق ذلك بمعروض مالي ثابت، تحكمه آلية إجماع سوقي. إن آلية الإجماع هذه هي الطريقة التي يتخلّى بها البيتكوين عن «الوعي بالسلطة» عند الصيارفة المركزيين، ويعتمد بدلًا منه على المعرفة المتوزعة على كل المشتركين في السوق. وهو نظام طوعي تمامًا. إذا كنت تحب نظامك المالي الحالي، فاهنأ به (الآن على الأقل). ولكن، تميل الأنظمة المالية إلى وسيط واحد، لذا، إذا حدث انتقال جماعي إلى البيتكوين بوصفه أصدق مخزن للقيمة على المدى الطويل، فسيصبح الأمر أقرب إلى الإجبار في المستقبل. مع تزايد دخول الناس في البيتكوين، تتبيّن مشكلات النظام الحالي أكثر، وهو ما يسرّع الحاجة إلى التيسير الكمي. كلما زاد الميل إلى حفظ الثروة في البيتكوين، قلّ طلب حفظ الثروة في الأصول التي هي دعامات نظامنا الائتماني الحالي. في الحقيقة، سيؤثر الانتقال المتزايد إلى البيتكوين أثرًا مباشرًا في النبض الائتماني في النظام كله، وهو ما سيزيد حاجة النظام المالي القديم إلى الاعتماد على التيسير الكمي لحفظ نفسه.

قد يكون البيتكوين هو الطريق الملتوي الماكر حول نظام الفدرالي الاقتصادي، ولكنه سيكون على حساب النظام القديم. والنتيجة المؤقتة للانتقال إلى البيتكوين هي التقلّب الاقتصادي الكلي. قد يلام البيتكوين خطأً على عِلَل النظام القديم، ولكن الحقيقة هي أن الإقلاع عن إدمان التيسير الكمي عملية صعبة وضرورية. قد لا يعجب أصحاب وادي جاكسون هذا الكلام، ولكن نتائج إيجابية ستنتظرنا على الضفة الأخرى. وإلى جانب هذا، فالأمر في يد السوق الحرة اليوم.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹جيّدًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك فون حايك
Tagged : / / /
اشترك في نشرة البيتكوين بالعربي

تابع اخبار البيتكوين والمقالات والمحتوى الجديد