البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أكتوبر 2019

قبل عدّة سنوات، وصلتني رسالة من صديق يسألني عن رأيي في فرصة استثمار يفكّر فيها صديق مشترك. بعد بحث سريع على الإنترنت ومشاهدةٍ لعدّة فيديوهات، بيّنت للسائل أنها على الأرجح مخطط هرميّ. كان هذا اختصارًا منّي لعبارة «تجنّبها مهما كلّفك الأمر». وصل الأمر إلى صديقنا المشترك وجاءني ردّه على غير ما توقّعت: «هل كل المخطّطات الهرمية سيئة؟» بعض المخططات الهرمية أصعب معرفةً من غيرها، ولكن حتى التي تسهل معرفتها لها ضحاياها الغافلون. نصيحة صالحة: اركض ركضًا، لا مشيًا، هربًا من أي شيء فيه ملامح المخطط الهرمي. من حسن الحظ، البيتكوين ليس واحدًا من هذه المخططات. قد يكون الأمر بيّنًا، ولكن كثيرًا من الناس لا يعرفون ما المخطط الهرمي، ولا ما علاماته المحذّرة، ولا أسباب إخفاقه.

تعريف المخطط الهرمي هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

ليست كلّ برامج التسويق عديدة المستويات مخططات هرمية، ولكن كل المخططات الهرمية برامج تسويق عديدة المستويات، بطريقة أو بأخرى. في المخططات الهرمية، تبيع شركةٌ ما منتجًا لها يكون الطلب النهائي عليه أقلّ بكثير من المعروض المتاح. توظّف الشركة مشتركين ليشتروا من بضاعتها ويوظفوا مشتركين آخرين. هؤلاء المشتركون كلهم موظفو مبيعات، ويكون أجرهم منوطًا معظمه بالتوظيف، لا ببيع المنتج نفسه. عادةً، يكون بيع المنتج مدمَجًا في عملية التوظيف نفسها.

في مشاريع البيع العادية، تخاطر الشركة بمخزونها وتدفع أجورًا حسب البيع للمستهلكين النهائيين. في المخطط الهرمي، ترمي الشركة الخطر على موظفي المبيعات، ويدفَع الأجر على توظيف موظفين جدد وبيع المنتج لمشتركين جدد. ينهار الأمر برمّته عادة لانعدام الطلب الحقيقي الكافي على المنتج. كل من في أعلى السلسلة يجني مالًا على حساب الذين في آخر الخط. هذا هو المخطط الهرمي. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين ليس شركةً. ليس فيه موظفون، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. مهما اعتمد الناس البيتكوين، لن يكون في الوجود إلا 21 مليون عملة منه.

الفروق واضحة وضوح الشمس، ولكن تعقيد البيتكوين وقلّة فهم الناس لحقيقة المال، تجعلها ملتبسة. لن يصبح البيتكوين عملة احتياطي عالمي إلا إذا اعتمده مئات الملايين (إن لم يكن مليارات) من الناس. يبدو أن كل الذين يدخلون في جحر البيتكوين يصلون إلى الطرف الآخر وهم يشرحون الأمر لأهلهم وأصدقائهم، ويصفونه على أنه نوع متفوّق من المال. يبدو الأمر كأنه مخطط هرمي، صح؟ غلط. عندما بدأت شركة دِل تبيع حواسيبها على موقعها عام 1996، وكان الناس يتناصحون بشرائها، أكان ذلك مخططًا هرميًّا؟ عندما أطلقت آبل أول آيفون عام 2007 وتداعى الناس إلى ترك بلاكبيري وشراء هذا الخليفة المتفوّق، أكان ذلك مخطّطًا هرميًّا؟

التحوّلات التقنية تحدث سريعًا. بعد عقدٍ وعقدين، أصبحت الهواتف الذكية والحواسيب في كل مكان. الأمر كله قائم على جودة المنتج وبنية الدوافع. إذا كان عند واحد من الناس سهم في آبل أو دل، أيغيّر هذا حقيقة أن المنتج نفسه يقدّم قيمة حقيقية؟ هل كان في إخبار الناس بالابتكار التقني الجديد فائدة؟ إن القيمة المقترحة للابتكار تغلب كل شيء. لا يهم كيف تعرف الأمر، كل ما يهمّ هو المنفعة التي يقدّمها الابتكار. فإذا كان نافعًا، استخدمه الناس، وإلّا فلا. هذا هو السوق.

منفعة وابتكار البيتكوين

منفعة البيتكوين هو أنّه مال. والبيتكوين له سوق لأنه يحلّ مشكلة جوهرية في المال الحديث. البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا، بل هو مستقلّ جوهريًّا عن أي ابتكار يمكن أن تقدمه أي شركة مفردة. البيتكوين ليس دل وليس آبل. وليس سهمًا في شركة تقنية. لا شركة خلف البيتكوين. البيتكوين ليس شركة تبيع منتجًا، وليس فيه سيل من الدخل لدفع الأرباح الثابتة المستقبلية. البيتكوين ليس لكسب المال، بل هو مال، أو على الأقل أصبح مالًا عند الذين اختاروا حفظ قسم من ثروتهم فيه. وليس هو مخطّطًا للاغتناء السريع، إنما هو لحفظ القيمة التي اكتسبتها من قبل. البيتكوين أصل محمول، ولكنه على خلاف السندات المحمولة، ليس فيه تدفق دخل.

ابتكار البيتكوين هو أنّه نوع متفوّق من المال، ولكنه خالٍ من الوعود المستقبلية سوى أن يكون في حوزة صاحب أداة الحمل الرقمية. المنفعة الوحيدة للبيتكوين هي إمساكه بوصفه عملة والتعامل به في المستقبل، سواء بصرفه بالعملات القديمة، أو بشراء السلع والخدمات وبيعها به. البيتكوين نافع بكونه نوعًا من المال، وسيحافظ على قيمته ما دام الناس يطلبونه في المستقبل. ولكن هذا يصدق على أي نوع من المال (ليس البيتكوين وحده). المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد، السلع المالية لها خصائص تجعلها أقدَر أو أعجَز عن تسهيل المقايضة. ولكن الخصائص المالية ليست مطلقة، القوة النسبية للخصائص المالية هي القاعدة الأساسية للطلب. عندما يقوّم السوق البيتكوين، يقوّمه بالنسبة إلى بقية الوسائط المالية (الدولار، اليورو، الين، الذهب، إلخ).

إن معروض البيتكوين، وقيده الصارم، هو المنفعة الأساسية للبيتكوين وأساس طلبه، وهو الذي ينفي عنه صفة المخطط الهرمي. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين. هذه هي النقطة المحورية في لعبة البيتكوين. الكل يعرفها، والكل يذكرها. بل والكل يستطيع التحقق منها في أي لحظة من الزمان. لتعرف كيف ولمَ للبيتكوين معروض ثابت صدقًا، انظر «البيتكوين لا البلوكتشين» و«البيتكوين له غطاء». أمّا الآن، فلنتكلّم على افتراض أن معروض البيتكوين محدّد بواحد وعشرين مليونًا. بالمقابل، لا يعرف أحد معروض الدولارات. يقدّر الاحتياطي الفدرالي المعروض الحالي من الدولارات، ولكن أحدًا لا يعرف مقدار الدولارات التي ستوجد في المستقبل. لا قيد على معروض الدولار إلا الاحتياطي الفدرالي، وكلنا نعلم علم اليقين أن عدد الدولارات سيزداد في المستقبل، وأن هذا الخط ينتهي إلى اللانهاية. في النهاية، طلب البيتكوين الأساسي راجعٌ إلى أن سياسته المالية أ) مهندَسة خيرَ هندسة وب) مفروضة فرضًا مصدَّقًا. بمقارنة البيتكوين مع منافسه، لا شك أنه وسيط مالي متفوّق تفوّقًا ضخمًا.

العرض أ –  معروض الدولار التاريخي
العرض ب – جدول معروض البيتكوين

تتغيّر القاعدة المالية لأنظمة العملات الحكومية تغيّرًا لا يمكن توقّعه، أما القاعدة المالية في البيتكوين فمحكومة بجدول معرَّف تعريفًا واضحًا. فكّر في القاعدة المالية على أنها أساس النظام الاقتصادي العالمي. إن التغيرات غير المتوقعة في معروض الدولارات ليست مجرد تغيير للمرمى. بل الأمر أشبه ببناء ملعب على مرتبة مائية من طراز الثمانينيات، ثم تحريك المرمى فيه. كل اللعب تفسد، لا المرامي فقط. أما البيتكوين، فهو حجر أساس بمعروضه الثابت، ويتقوّى هذا الأساس مع الوقت. إن مصداقية جدول المعروض تُفرَض مرّة جديدة مع كل كتلة جديدة. فإذا ظهر أن جدول معروض البيتكوين مفروض فرضًا مصدَّقًا، اعتمد مزيد من الناس البيتكوين نوعًا من المال، وزاد الذين قد اعتمدوه من قبل استعمالهم له مخزنًا للقيمة. معروض ثابت + اعتماد متزايد = قيمة متزايدة. مع تزايد البيتكوين والقيمة، تزداد لامركزية البيتكوين. ومع تزايد اللامركزية مع الوقت، يصعب التغيير، وهو ما يزيد مصداقية الأساس: المعروض الثابت.

أنت المحتال

في المخطط الهرمي، البيّاعون هم المحتالون. يبيع هؤلاء الناس الوعدَ بالمكاسب المالية المستقبلية، بتكتيكات مبيعات عالية الضغط، وبتوظيف أعضاء جدد في المخطط، لأن هذه هي آلية الأجر الأولية. في البيتكوين، المشترون هم المحتالون، كما بيّن مايكل غولدستين في مقالته الخالدة «الجميع محتالون». فإذا كنت مشتريًا، فأنت محتال. في معظم الحالات اليوم، عندما يشتري أحد البيتكوين، فهو يدفع شكلًا من المال محفوظًا بالاحتياطي الجزئي (مع الوعد بالبخس المستقبلي) ليحصل على أصل محمول له عرض ثابت وسياسة مالية متفوّقة جدًّا. أما البيّع الثاني، وهو الذي يأخذ الدولارات، فخاسر مغبون. ليس قصدي أن كل من يبيع البيتكوين يبيعه من دون سبب مقنع. فهو مال في النهاية، ومنفعته هي التجارة، بالتعريف، للمشتركين في السوق طيف واسع من الحاجات الدافعة إلى التسييل، والقيمة الحقيقية تنتقل في كل مرة تنتقل فيها بيتكوين، سواء مقابل دولارات أو مقابل خدمات وسلع. ولكن، بالمتوسط على المدى البعيد، الأمر تفاوت في المعلومات بآثاره الكاملة. إن السياسة المالية للبيتكوين مهندَسة أفضل هندسة، ومفروضة فرضًا متينًا، ولكن القليل يفهمها، لذا فهي أوسع تفاوت في المعلومات في عالمنا اليوم.

المبادئ المالية الأولى

إن الوسيط المالي ذا أقل معدّل تغيير هو الأقدر على توصيل الإشارات الاقتصادية، والمعروض الثابت (الذي يجعل معدل التغيير صفرًا) هو أمثل سياسة مالية في التاريخ. تخالف الثقافة السائدة، وهي المدرَّسة في الأكاديميات الحديثة المشهورة، هذا الرأي، ولكن العملة ذات المعروض الثابت متفوّقة على عملة تزيد معروضها مع الوقت (بمعدّلات لا يمكن التنبؤ بها). في أي اقتصاد، يحدد عرض السلع والخدمات وطلبها بالنسبة إلى عرض المال وطلبه، أسعار الأشياء. السعر هو الذي ينظّم النشاط الاقتصادي في النهاية، والمال هو أساس آلية التسعير في أي اقتصاد. العملة ذات المعروض الثابت تزيل الضجيج الذي تأتي به التغييرات على معروض المال في نظام التسعير، فتخلق إشارات سوقية أوثَق. إن نوع المال ذا أقل معدل تغيير يعكس التغيرات في العرض والطلب لكل السلع الأخرى، لأن السلعة المالية تسهّل متاجرة السلع المستخدمة للاستهلاك أو الإنتاج. جوهريًّا، يستخدم المال لتوصيل القيمة النسبية للشيء أمام بقية السلع والخدمات، والتغييرات في معروض المال تفسد نقل المعلومات هذه لأنها تُدخل متغيّرًا خارجيًّا إلى المعادلة.

على سبيل المثال، الآيفون يساوي ألف دولار تقريبًا، أما برميل النفط فيساوي خمسين دولارًا تقريبًا. المعلومات التي ينقلها إلينا الوسيط المالي هنا هي أن الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط. يعبّر المال عن ثمن الفرصة أيضًا (التنازلات الاقتصادية) بنظام التسعير فيه، وكلما كان مقدار المال أثبت (أي كلما قل معدل التغيير)، أصبح تعبيره عن المعلومات والتنازلات الاقتصادية أوثَق. إذا ازداد معروض المال 10%، وتغيّرت الأسعار وفق ذلك، يصبح الآيفون مساويًا 1,100 دولار، وبرميل النفط يساوي 55 دولارًا. ما زال الآيفون يساوي 20 ضعفًا من ثمن برميل النفط، وهذه هي المعلومات المهمة التي يعتمد عليها المشتركون في السوق. في العالم الحقيقي، المشكلة هي أن الأسعار لا تتغيّر تغيّرًا متساويًا عند تغيّر معروض المال. بل، تتشوّش إشارات التسعير. في عالم فيه معروض مالي ثابت، التغيرات في السعر تعكس التغيرات في العرض والطلب في أسوق الخدمات والسلع عرضًا أدقّ، ولا تعكس الأثر غير المتساوي لتغيير معروض المال. تنشئ التغيرات في معروض المال ضجيجًا خارجيًّا على النشاط الاقتصادي الذي تقوم عليه. ينظّم الثمن التنازلات الاقتصادية، وموثوقية نظام التسعير قائمة على استقرار نوع المال المستخدم لتوصيل المعلومات.

بهذا الأمر تتمايز السلع المالية (على الأقل الناشئة في السوق الحرة)، ولذلك نقول إن المال أداة تواصل فعّالة. إن بنية السوق المالي مختلف عن كل السلع الأخرى. السلع الاستهلاكية تستهلَك، والسلع الإنتاجية في النهاية تستهلَك في إنتاج مزيد من السلع الاستهلاكية. أما منفعة المال فهي المتاجرة، وهو يستخدم لتنظيم التجارة بسلع الإنتاج والاستهلاك، ولا يستهلَك في نفسه. لأن منفعة المال هي المتاجرة، فالندرة أهم من المقدار الاسمي للمال في الاقتصاد. إذا زاد طلب المال وازداد سعره، لا يستجيب المعروض بسبب قيوده الطبيعية. لا يصدق هذا الأمر على أي سلعة أو خدمة أخرى. إن قيد معروض المال هو الذي يجعله قادرًا على توصيل القيَم النسبية بين السلع والخدمات. يمكن أن تستبدَل سلع الاستهلاك بسلع الإنتاج والعكس، أما المال فيسهّل كل المتاجرة بين كل السلع. قد تتذبذت قيمة المال أمام السلع والخدمات ولكن الندرة النسبية للمعروض المالي تتيح للثمن أن يوصَّل بلغة المال نفسه.

قبل البيتكوين، لم يكن لدينا نوع من المال نادر ندرة مطلقة. البيتكوين له معروض ثابت، سقفه واحد وعشرون مليونًا. الندرة المطلقة تنشئ ثابتًا لم يكن موجودًا من قبل. تخيّل معروض سلعة ما ثابتًا تمامًا، ومعروض كل السلع الأخرى متقلّبًا. يتغير الطلب على كل السلع، ويبقى ثابت واحد: معروض البيتكوين. في هذا العالم، كل شيء سيقاس بهذا الثابت. إن القوة الشرائية للمال تعبّر عن معلومات أكمَل بآلية تسعيرها منها إذا كان المعروض متغيّرًا. بإنشاء هذا الثابت، يمكن قياس كل شيء آخر به. والمعلومات المرغوبة ليست القيمة المطلقة لأي سلعة. القيمة في أصلها ذاتيّة. لكن المعلومات المهمة التي تعبّر عنها آلية التسعير هي القيمة النسبية (او الثمن النسبي) لكثير من السلع بعضها أمام بعض. تتغيّر مستويات الأسعار دائمًا بسبب تغيّر العرض والطلب الدائم، ولكن استقرار آلية التسعير نفسها تتيح تنسيقًا اقتصاديًّا بالتعبير عن ثمن الفرصة (كيف نعرف، أو نتعلّم، أن البيتكوين يساوي 20 ضعفًا من برميل النفط).

إفساد نظام التسعير

في نظامنا الحالي، يتغيّر معروض المال من دون سابق معرفة، ويزداد مع الوقت. هذا الأمر أساسي في نظام المصرفية المركزية المالي، وهو ناتج من النظرية الاقتصادية التي تقول إن الإدارة الفاعلة لمعروض المال تحفّز الطلب الجماعي ومن ثم تزيد العمالة. ولكن الذي تفعله هذه الإدارة فعليًّا هو التلاعب بمعدلات الفائدة نزولًا بزيادة معروض المال. تخفيض معدلات الفائدة يزيد الرغبة والدافع إلى الاستدانة، ولكن، مع تسوية كل العوامل الأخرى، تخفيض معدلات الفائدة يقلل الرغبة بالإقراض. فعليًّا، بتضخيم معروض المال، يتلاعب المصرف المركزي ظاهريًّا بمسألة الائتمان، وينشئ تفاوتًا بين دافع الاستدانة ودافع الإقراض. العاقبة المتفشّية هي إفساد آلية التسعير التي تنظم النشاط الاقتصادي. بالتلاعب بمعروض المال ومعروض الائتمان، تفسد المصارف المركزية كل الأسعار في السوق. تنتشر الإشارات الفاسدة (والمعلومات الخاطئة) بين كل المشتركين في السوق.

تفسد كل بنية العرض والطلب في السوق لأن ملايين من الناس يستجيبون لإشارات السعر المغيَّرة، ويتغيّر توضّع الموارد في الاقتصاد بناءً على هذه الإشارات. عندما يزداد معروض المال، يدخل النظام مزيد من المال (والائتمان) من قنوات كثيرة وفي أوقات لا نعلمها. لا يعرف معظم المشتركين في السوق كمية التغيير ومعدّله. بل يستجيب هؤلاء إلى إشارات الأسعار، وهكذا تنتشر المعلومات. قد يكون السعر ثمن سلعة في البقالية أو أجرًا صاحب العمل مستعد لدفعه لوظيفة معينة. ينشئ التغيير في معروض المال إفسادًا للأسعار لا يستطيع معه المشتركون في السوق فهم التغيير في السعر أهو آتٍ من بنى العرض والطلب أو هو آتٍ من إدخال مزيد من المال في النظام. ومهما يكن من أمر، يستجيب الجميع لهذه الإشارات المفسَدة.

وهاك مثالًا أقرب إلى الواقع: اشترى الفدرالي 1.7 تريليون دولار من السندات المغطّاة بالرهون (وهي نحو 17% من كل الرهون) بعد الأزمة المالية، وكان هذا جزءًا من برنامج التيسير الكمي، الذي في النهاية زاد معروض القاعدة المالية 3.6 تريليون دولار. يتذكر معظم الناس أنه قد كان قبل الأزمة المالية فقاعة إسكان. بشراء الرهون مباشرة وتضخيم المعروض المالي، تلاعب الفدرالي بمعدلات الفائدة وخفضها. يعتمد الإسكان اعتمادًا كبيرًا على معروض الائتمان وعلى ثمن الفائدة. بتخفيض معدلات الفائدة وزيادة المال المتاح للإقراض، ازدادت أسعار البيوت بالتلاعب. نتيجة ذلك، وصلت إشارات الأسعار الفاسدة للمشترين والباعة. يستجيب البنّاؤون لهذا ببناء مزيد من البيوت (زيادة المعروض)،أما المشترون فيعتقدون أنهم قادرون على اقتراض كميات أكبر بمعدلات الفائدة المنخفضة لشراء منازل. يكرَّس مزيد من الموارد في الاقتصاد لمسألة الإسكان بسبب مستويات السعر العالية. ولكن كل زيادة في الطلب لا يمكن أن تبقى إلا إذا بقي ثمن الائتمان يخفَّض مرّة بعد أخرى نتيجةً للمعروض المالي المتزايد.

على الرغم من معرفة الجميع بفقاعة الإسكان عام 2007، التي لم يكن ممكنًا بقاؤها، فإن مؤشر أسعار المنازل اليوم أعلى 15% ممّا كان في تلك الأيام. هذا هو العرض الكامل للتلاعب بمستويات الأسعار، وهو يحدث لأنه نتيجة مقصودة من سياسة المصرف المركزي المالية. يزيد الفدرالية المعروض المالي، ويخفض معدلات الفائدة، ويضخّم أسعار الأصول فيصبح مقدار الدين في نظام الائتمان ممكن الاستدامة. إن توسيع الائتمان هو هدف الفدرالي من تحفيز النمو، والائتمان الصافي الجديد لا يمكن إنشاؤه إلا إذا كان معدلات الدين الموجودة مقبولة، لذلك يجب على الفدرالي تضخيم أسعار الأصول لتحقيق أهدافه. تدعم أسعار الأصول مستويات الدين الموجودة. عندما يكتشف الجميع أن إشارات الأسعار لا يمكن الاعتماد عليها ولا استدامتها، تحدث صدمة في السوق. هذا ما حدث عام 2007، والراجح أن يحدث مرة أخرى لأن إشارات السوق ستشوَّش مرّة أخرى. ولكن المخطط ليس شرّيرًا، والفدرالي ليس فاعلًا شرّيرًا عن قصد. يريد الفدرالي في النهاية زيادة «العمالة الكاملة» بسياساته، ولكن ما يفعله حقًّا هو التلاعب بإشارات السعر النسبية، وهو ما ينشئ تفاوتًا في بنى العرض والطلب التي يقوم عليها الاقتصاد، فتصبح البطالة مفاجئة ومزمنة.

تكلّم حايك عن هذه المسألة في خطابه الذي خطبه عند فوزه بجائزة نوبل عام 1974 «ادّعاء المعرفة». بسبب هذه الأسعار المتلاعب بها، يكرَّس لقطّاع من الاقتصاد موارد كان يمكن الحفاظ عليها طبيعيًّا، عندما يغيّر المصرف المركزي طريقة سياسته المالية، تستجيب الأسعار ويُصلَح السوق. لأن مستويات الأسعار يتلاعب بها دائمًا، تصبح صدمة المعروض أمرًا لا بد منه ويكتشف كل الناس وجود التفاوتات. في حالة مثال الإسكان، يفوق العرض (بالسلع والعمل) الطلب المستدام بهذه الأسعار الحالية. بعبارة أعمّ، التفاوتات في كل مكان. يتّضح يومًا بعد يوم أن العرض والطلب ليسا متّزنين فتزداد البطالة سريعًا. لا يستطيع السوق أن يصل إلى حالة توازن لأن كل الأسواق بقيت في حالة تلاعب فترة ممتدّة من الزمان.

هذا ما حدث في الأزمة المالية وعقبها. كان السوق يغلي بعد أن تلاعب الفدرالي بمعروض المال والائتمان عقودًا من الزمن. كما بيّن العجز الكبير، يُلقى ذنب الأزمة المالية عادة على أزمة الرهون العراقية، لا على الغوريلا الضخمة في الغرفة، وهي السياسة المالية للمصرف المركزي التي قلما نوقشت. بعد الأزمة، استجاب الفدرالي بانتهاج السياسة نفسها التي كان ينتهجها في العقود السابقة، ولكن على مستويات أعظم، فزاد معروض المال زيادة عظيمة، وزاد إفساد إشارات السعر. عندما يتلاعب بمعروض المال، لا تستجيب كل الأسعار بالمعدل نفسه. يدخل المال السوق من قنوات كثيرة ويؤثر توسيع الائتمان على قطاع من السوق أكثر من بقية القطاعات. كل الأسعار يتلاعَب بها، ولكن ليس التلاعب متساويًا. الأمر في جوهره إفساد للأسعار النسبية، يفسد آلية العرض والطلب في السوق. السعر يعبّر عن معلومات. إنه الطريقة التي يعبّر بها المشتركون في السوق عن تقويمهم النسبي للأشياء. وهو الطريقة التي يستجيب بها كل المشتركين في السوق لهذه التفضيلات على جهة العرض: ما المهارات التي يتدرّب الناس عليها، ما الأعمال التي يختارونها، ما فرص العمل التي يلاحقونها؟ قد لا يكون الفدرالي قاصدًا للشر بتغيير المعروض المالي، ولكن في النهاية، النتيجة التي لا بد منها هي إفساد آلية التسعير في الاقتصاد.

القدرة على توقّع المعروض المالي

البيتكوين حصان أبيض. أو على الأقل، في إمكانه أن يكون حصانًا أبيض. بإنشاء معروض ثابت، في إمكان البيتكوين أن يصبح أعظم آلية تسعير عرفها العالم في تاريخه. عندما يبلغ البيتكوين سقفه، وهو 21 مليون عملة، ستنتهي التغييرات على المعروض المالي وتُزال تمامًا من معادلة إشارات السعر. ينبغي أن يكون هذا بديهيًّا: إن إنشاء مزيد من المال لا يزيد النشاط الاقتصادي الحقيقي. لا يهم أكان التغيير في المعروض صغيرًا أم كان كبيرًا وغير متوقَّع. طباعة المال لا تزيد النشاط الاقتصادي، كل ما تفعله هو إفساد العرض والطلب. منفعة المال هي المتاجرة. سواء أكانت متاجرة في الحاضر أو في المستقبل. المال لا يستهلك، بل يستخدم لتنسيق النشاط الاقتصادي الذي يتيح تجميع رؤوس الأموال. سواء أكان رأس مال فيزيائيًّا ضروريًّا لإنتاج السلع، أو رأس مال إنسانيًّا يطوّر الفنون والعلوم والرياضيات وغيرها. إن رأس المال هو مدّخر المجتمع الحق وهو أساس عمل الاقتصاد.

يفكّر معظم الناس في التوفير من الناحية المالية لأن المال وحدة حساب، ولكن التوفير الحقيقي هو رأس المال المتراكم الذي يغني حياة الأفراد والأسر والمجتمعات. في عالم فيه معروض مالي ثابت، ستصبح المدّخرات المالية ثابتة. سينتقل المال من فرد إلى فرد، ومن أسرة إلى أسرة، ومن عمل إلى عمل. لكن، بالإجمال، لن يزداد المعروض المالي ولن ينقص. سيتنظّم النشاط الاقتصادي بفضل المال وستكون آلية تسعيره دقيقة. ستصل التفضيلات الجماعية لكل الأسواق من دون الإفساد الذي يحدث نتيجة تغيير المعروض المالي. ستُصلَح التفاوتات بين العرض والطلب طبيعيًّا ولن تدوم فترات متطاولة من الزمان، ونتيجة لذلك ستكون التفاوتات أصغر ولن تكون جزءًا من نظام الاقتصاد الكلي. لا يعني هذا أن الأسعار ستكون دائمًا تامّة أو أن المتغيّرات الأخرى كالصرف الحكومي أو الضرائب لن تفسد النشاط الاقتصادي. ولكن المعروض الثابت سينهي الآلية الأساسية التي تفسد إشارات التسعير وبنى السوق.

معروض البيتكوين الثابت هو أساس نظام تسعير أوثَق، ولكن هذا المعروض يصدر بمعدّل معلوم. في المستقبل، عندما يبلغ معروض البيتكوين سقفه، سيكون معدّل التغيّر صفرًا. ولكن، إلى ذلك الوقت، سيتبع البيتكوين جدول معروض ثابت ومعلوم، وهو أمر مستقل وله نفس الأهمية في معادلة التسعير. يصدر البيتكوين بعملية التعدين التي تساعد على حماية الشبكة، وتتعدّل الشبكة لتضمن أن إصدار العملات الجديدة يكون كل 10 دقائق. إذ أُضيفت موارد تعدين جديدة إلى الشبكة، ستتعدّل لتمنع إصدار البيتكوين بمعدّل أسرع. وإذا ازداد التعدين ارتفعت مستويات أمان الشبكة، من دون أن يرتفع معدل الإصدار أو المقدار الكلي للبيتكوين. يتيح هذا للنظام الاقتصادي كله أن يخطط للمستقبل. ويتيح للمعدّنين أن يبنوا بنية تحتية أمانية لتوقع الأجور المستقبلية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لكل المشتركين في السوق أن يعرفوا معدل تغير العملة في أي نقطة من الزمان.

تضمن الشبكة أن البيتكوين يصدر صدورًا مستقرًّا مع الزمن، ونتيجة ذلك يكون صدورًا متوزّعًا أيضًا، ولا تتيح تسريع الإصدار على أساس غير متوقع. والأهم أن ذلك يزيد مصداقية بنية الإصدار الكلية. كل عشرة دقائق (بالمتوسط)، يصدر عدد من البيتكوينات الجديدة. تقريبًا، كل عشر سنوات ينقسم هذا العدد إلى نصفه حتى لا يبقى مزيد من البيتكوينات الجديدة. على الطريق إلى الواحد والعشرين مليونًا، يبني فرض المعروض الثابت كل 10 دقائق مصداقية الوضع المستقبلي للمعروض مع الوقت. سيفهم كل المشتركين في السوق أن المعروض الثابت سيفرض لا بسبب نقطة سحرية في الزمان يتوقف عندها الإصدار، بل لأن الشبكة تفرض سياستها المالية كل 10 دقائق. بإنشاء جدول معروض يمكن التنبؤ به، يتناقص معدل التغيير تناقصًا معلومًا، ويستطيع كل المشتركين في السوق أن يروا أن النظام يعمل كما أُريد له أن يعمل.

السياسة المالية بالإجماع أم المصرف المركزي؟

إن العملية التي تفرض مصداقية النظام المالي للبيتكوين تحدث على التوازي مع اختلال الأنظمة المالية القديمة. تزيد المصارف المركزية في كل البلدان المعروض المالي في اقتصاداتها بمعدلات غير معلومة. كما ناقشنا من قبل، زاد الاحتياطي الفدرالي المعروض المالي بمقدار 3.6 تريليون دولار بعد الأزمة المالية، من 2008 إلى 2014. ومع أن الفدرالي أعلن خططه قبل تنفيذها، ولكن أحدًا لم يعلم المقدار الإجمالي للتيسير الكمي. كان الجميع يتوقّع توقّعًا. حتى الفدرالي لم يكن يعرف. وبعد زيادة المعروض الملية أضعافًا مضاعفة، بدأ الفدرالي بإزالة 50 تريليون دولار من الاقتصاد كل شهر، إذ بدأت هذه العملية في أكتوبر عام 2017. مرّة أخرى، لم يعلم أحد كم سيُزال من النظام بالإجمال، أو كم ستدوم العملية. بالإجمالي، أُزيل من الاقتصاد 700 مليار دولار على مرّ سنتين تقريبًا. والآن، في أكتوبر 2019، غيّر الفدرالي مرة أخرى مساره، وبدأ إضافة مزيد من الأموال إلى النظام. حديثًا، أعلن الفدرالي عن خطط لإضافة 60 مليار دولار كل شهر إلى النظام المالي (سيحدث هذا 6 أشهر إلى الأمام). ولكن مرة أخرى، لا يعرف أحد حقًّا كم سيدوم هذا أو إذا كانت المقادير ستتغير. واقعيًّا، حتى الفدرالي لا يعلم لأن هذا العلم مستحيل.

كلنا نعلم عمليًّا أنه من هنا سيزداد المعروض المالي (زيادة كبيرة). ولكن، اعلم أن معظم المشتركين في السوق لا فكرة عندهم أن هذا حدث أو يحدث. كل ما يعرفه المشتركون في السوق هو الذي يصل لهم بالأسعار وفرص العمل. الذين يفهمون تصرّفات الفدرالي قد يكونون في مكان أفضل لأنهم قادرون على توقع نتائج توجهاته، ولكن الأنظمة الاقتصادية معقدة. كلّنا نستجيب إلى آليات التسعير حولنا، وليس أحد منّا قريبًا من المعرفة الكاملة، هذا هو ادّعاء المعرفة. إن المعرفة الجمعية لملايين البشر مضمّنة في السعر الذي هو تابع لتفضيلات الأفراد الذين يشكّلون الاقتصاد، تفضيلاتهم التي لا تزال في تغيّر.

الأفراد محدودون جوهريًّا بالمعارف التي يملكونها. وهذا لا شكّ يصدُق على المصارف المركزية. في نموذج المصرفية المركزية المالي، يحدد اثنا عشر فردًا (أو قريبًا من هذا الرقم) كيف ومتى تُنشأ مليارات، إن لم يكن تريليونات، من الدولارات، مع أن معارفهم محدودة في جوهرها. مهما كان هؤلاء ذوي نية حسنة، ومهما كانت معارفهم عظيمة، النتيجة الصافية هي إفساد الآلية الأساسية التي تجمع معرفة السوق كله (آلية التسعير). كل من يعتمد على الدولار وحدةً للحساب وآليّة للتعبير عن التنازلات الاقتصادية، يتغيّر أساس اعتماده على نحو غير متوقّع، وغير معلوم لمعظم الذين في السوق. إشارات التسعير المفسَدة تصل تدريجيًّا إلى الأفراد عبر ملايين الأسواق فتؤثر في قرارات مئات الملايين، والآلية المركزية التي تحدد السياسة المالية هي سبب هذا الإفساد.

وحتى إذا اعتقد المرء أن الإدارة الفاعلة للمعروض المالي لها فائدة صافية، فالبيتكوين موجود اليوم إلى جانب النظام الاقتصادي القديم: النظام اللامركزي أمام النظام المركزي. السياسة المالية بالإجماع أمام سياسة المصرف المركزي. فأمّا المعروض المالي في النظام القديم فيتغيّر تغيّرات لا يمكن توقعها، وأما شبكة البيتكوين فتعمل محكَمَة بمعروض معلوم وتغيّر معلوم. لم يعد الأمر نقاشًا فلسفيًّا أو اقتصاديًّا، النظامان المتنافسان الآن قائمان، وسيقول السوق بينهما الكلمة الفصل. قد يكون البيتكوين معقّدًا ومفهوم الملا نفسه صعب الفهم، ولكن العيوب في النظام الحالي مستقلة عن البيتكوين. السبعة عشر تريليونًا من الدين الرابح ربحًا سلبيًّا ستكون دليلًا كافيًا على أنها نتيجة من السياسة المالية للمصرف المركزي. في النهاية، العملات التي يقوم عليها النظام القائم ستكون صمام التنفيس لأن المصارف المركزية ستجبَر على زيادة المعروض المالي لتحافظ على نظام الائتمان الذي لا سبيل إلى إنقاذه إلا هذا.

مع تحكّم المصارف المركزية بالنظام القديم، لا يستطيع المرء الركون إلى شيءٍ إلا أن المعروض المالي سيتغيّر تغيّرًا لا يمكن توقعه. في البيتكوين، يستطيع كل إنسان التحقق من المعروض ومعدّل التغيّر. بإعمال عقدة بيتكوين كاملة، يستطيع أي أحد التحقق من عدد البيتكوينات الصالحة في السوق ومقدار البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة. يستطيع أي أحد وكل أحد أن يتحقق من المعلومات من دون أن يثق بأحد. هكذا يعمل البيتكوين. كل عقدة تتحقق من المعلومات وتحققها باستقلال. سياسة البيتكوين المالية مفروضة على أساس لامركزي، تفرضها كل العقد في الشبكة. يستطيع كل صاحب عقدة أن يحسب متى ستحل الكتل المستقبلية ومتى سيتغير معدّل الإصدار. إن إمكان التحقق والتحقيق للمعروض المالي، مهما كان المقدار الاسمي، يعزز مصداقية النظام المالي. يحدث هذا التعزيز كل 10 دقائق، 6 مرات في الساعة، 144 مرة في اليوم، 1,320 مرة في الشهر، 52,560 مرة في العام، مع كل كتلة جديدة في البيتكوين. يتعزز النظام المالي لأن المشتركين في السوق يتحققون من تطبيق السياسة المالية مرة بعد أخرى، كل عشر دقائق.

المعروض ومعدّل الإصدار، والذي يمكن التأكد من صحته على حاسوب قديم (المعروض: 17,988,755، مكافأة الكتلة = 12.5 بيتكوين، أو 1,250,000,000 ساتوشي)

ليس للمعروض الثابت كبير معنًى من دون مصداقية فرضه. يستطيع أي أحد نسخ بناء البيتكوين وكوده. ولكن الذي لا يمكن نسخه هو صدقية خصائصه المالية. إن آلية الإجماع التي تحكم البيتكوين هي أساس هذه الصدقية وهي التي تميّز البيتكوين عن المنافسة. حتى إذا بقي الإنسان غير مقتنعًا أن عملة لها معروض ثابت تعبّر عن المعلومات تعبيرًا أفضل بآلية تسعيرها، فإن قناعة أي فرد غير مهمة. البيتكوين يأتمن سياسته المالية عند آلية إجماع. نعم، المعروض الكلي للبيتكوين مسقوف بواحد وعشرين مليونًا، ولكنه في النهاية محكوم بإجماع الذين يمسكون بالبيتكوين.

إذا قرر السوق، الذي لا ريب في أن عنده من العلم ما ليس عند أي فرد، مجتمعًا، أن الأفضل تغيير جدول المعروض، وإزالة المعروض الثابت، فالأمر ممكن نظريًّا. ولكن السوق يجب أن يصل إلى إجماع ساحق ليفرض هذا التغيير، وعمليًّا، لن تستطيع شبكة لامركزية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين الوصول إلى إجمال ساحق لبخس العملة التي تستعملها. معروض البيتكوين مرن بما يكفي ليتغيّر، ولكن هذا ممتنع من دون إجماع السوق. البيتكوين في النهاية يظهر الفرق بين السياسة المالية بالإجماع والسياسة المالية بحكم المصرف المركزي. المعرفة المحتواة في إجماع السوق، لا ريب أنها متفوقة على معرفة عدد صغير من الأفراد، لذلك يتفوق البيتكوين على النظام القديم في كل خطوة.

البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا

فلا، البيتكوين ليس مخطّطًا هرميًّا. البيتكوين لا تديره شركة مريبة، ولا يستعمل أساليب مبيعات عالية الضغط. ولا يبيع البيتكوين سلعة سيئة لها معروض كبير، ولا يأجر الناس لتوظيفهم أعضاء جددًا في النظام. البيتكوين مال، ومعروضه نادر ندرة مطلقة. لا يهم كم من الناس يعتمد البيتكوين، فعندما يزيد الاعتماد، تتوزع الكعكة نفسها على مزيد ومزيد من الناس، وبالمتوسط، سيملك الناس حصّة أصغر وأصغر من الشبكة. تزداد قيمة البيتكوين تبعًا للاعتماد، والاعتماد يزيد لأن الخصائص المالية للبيتكوين متفوقة على كل المنافسين. للبيتكوين معروض ثابت، وجدول معروضه معلوم، وسياسته المالية محكومة ومفروضة بالإجماع. آلية تسعير البيتكوين لا تلاعب فيها، ولا يمكن إفسادها لأن المعروض ثابت. كل شيء يتغير حول البيتكوين، إلا معروضه الثابت، فلا يتغير. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سيصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة.

هذا هو وعد البيتكوين، ولن ينتشر إلا إذا كان نافعًا للذين يستخدمونه. اليوم، وفي المستقبل، ستسمر هذه المنفعة التي هي القدرة على حفظ الثروة في وسيط مالي لا يمكن بخسه. عندما يدّعي الناس أن البيتكوين قد يكون «أكبر من الإنترنت»، فالتطبيق ليس خطّيًّا، بل هو عائد إلى أن نوع المال السيادي الذي لا يمكن التلاعب به، قادر على أن يكون واحدًا من أعظم أدوات الحرية التي اختُرعت في التاريخ. إن نجاح البيتكوين ليس معطًى، ولكنه إذا نجح في الوفاء بوعده، فسيساعد في تنسيق أفعَل وأسلَم بين الناس حول العالم. في النهاية، البيتكوين أداة تواصل. هذه هي وظيفة المال. يقدّم البيتكوين ببساطة نظامًا بديلًا، يعمل على أساس لامركزي لا يحكمه أحد. امتناع الحكم هذا، وامتناع التوجيه الواعي، هو الذي يتيح للبيتكوين أن يجمع المعرفة ويعبّر عنها بطريقة أفضَل من أي وسيط مالي سابق. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، ومع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

«كثير من الأشياء العظيمة التي حققها الإنسان، لم يكن نتيجة فكر موجه، ولا نتيجة جهود منسّقة مدروسة لمجموعة أفراد، بل نتيجة لعب الفرد لدورٍ لن يستطيع الإحاطة بفهمه أبدًا. هذه الأشياء أعظم من أي فرد لأنها تنتج من مزيج من المعرفة أوسع من أن يملكه أي فرد».

حايك، الثورة المضادة للعلم

Tagged : / / / / / /

البيتكوين له غطاء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: سبتمبر 2019

خلافًا للاعتقاد الشائع، البيتكوين مدعوم بشيء. إنه مدعوم بما يدعم أي نوع من المال: مصداقية خصائصه المالية. المال ليس مجرد هلوسة جمعية، ولا هو نظام اعتقاد. على مرّ التاريخ، برزت عدة وسائل لتأخذ صفة المال، وفي كل مرة، لم يكن هذا الأمر بمحض مصادفة. السلَع التي تصبح أموالًا لها خصائص فريدة تميزها عن بقية سلع السوق. يقدّم معيار البيتكوين شرحًا أكمَل للقضية، ولكن السلع المالية لها خصائص تجعلها مفيدة من حيث هي وسيط مقايضة، من هذه الخصائص: الندرة، والمتانة، وقبول الانقسام والاستبدال والحمل، وأشياء أخرى. مع كل مال ناشئ جديد، تتطور خصائص وسيطٍ مالي، وتُبطل الخصائص المالية التي كانت في الأموال السابقة، وفي كل مرة تتموّل فيها سلعة، يبطل تموّل سلعة أخرى. والذي يحدث أن نقاط القوة النسبية للوسيط المالي الجديد تغلب نقاط قوة الوسيط القديم، وليس البيتكوين مختلفًا عن ذلك. يمثّل البيتكوين تقدّما تقنيًّا في التنافس العالمي على المال، فهو الخليفة المتفوّق للذهب وأنظمة العملات الحكومية التي قامت على الخصائص المالية للذهب.

يتفوق البيتكوين على أسلافه التماثلية من حيث الخصائص المالية. البيتكوين نادرٌ ندرة مطلقة، وهو أسهَل انقسامًا وأسهل نقلًا من منافسيه القائمين اليوم. وهو بعد ذلك أكثر لا مركزية، لذلك أمنَع على الرقابة والفساد. لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، وكل واحدة منها تنقسم إلى 8 فواصل عشرية (جزء من مئة مليون جزءًا). يمكن نقل القيمة بالبيتكوين إلى أي أحد في أي مكان في العالم من دون ترخيص من أحد، ولا تعتمد التسوية النهائية على أي طرف ثالث. بالإجمال، خصائص البيتكوين المالية متفوقة تفوّقًا هائلًا على أي نوع من المال يستعمل اليوم. وهذه الخصائص ليست موجودة بالصدفة، ولا هي موجودة عن فراغ. إن الخصائص المالية الناشئة في البيتكوين محمية ومفروضة بمزيج من التعمية، وشبكة من العقد اللامركزية تفرض مجموعة مشتركة من قوانين الإجماع، وشبكة تعدين متينة تضمن سلامة دفتر حوالات البيتكوين ومناعته على التغيير. العملة نفسها هي حجر الأساس الذي يربط أجزاء النظام، فيخلق دوافع اقتصادية تسمح لأجزاء نظام الأمن أن تعمل معًا. ولكن مع هذا، ليست خصائص البيتكوين المالية مطلقة، بل هي مقوّمة بالسوق بالنسبة إلى الخصائص الموجودة في الأنظمة المالية الأخرى.

كوين بيس برو: معدّل سعر البيتكوين بالدولار على مدى الأشهر الست الماضية (بيانات 27 سبتمبر 2019). 

اعلَم أنه في كل مرة يُباع دولار ببيتكوين، يبقى العدد نفسه من الدولارات والبيتكوينات في العالم. كل الذي يتغير هو التفضيل النسبي لحمل عملة من العملتين مقابل الأخرى. إن تزايد قيمة البيتكوين دليل على أن المشتركين في السوق يفضلون حمل البيتكوين على حمل الدولارات. وإن تزايد سعر البيتكوين (بالدولار) يعني أن مزيدًا من الدولارات لازم لشراء الكمية نفسها من البيتكوين. بالإجمال، إنه تقدير السوق للقوة النسبية للخصائص المالية. السعر ناتج. الخصائص المالية هي الأساس. مع تقدير الأفراد للخصائص المالية للبيتكوين، يصبح السؤال الطبيعي: أي العملتين له خصائص مالية أصدَق؟ البيتكوين أو الدولار؟ طيّب، ما الذي يدعم الدولار (أو اليورو أو الين أو غيرهما) في الأصل؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يجد الباحث دومًا أن الدولار مدعوم بالحكومة أو الجيش (رجال معهم أسلحة) أو الضرائب. ولكن الدولار ليس مدعومًا بأي واحدة من هؤلاء. لا بالحكومة، ولا بالجيش، ولا بالضرائب. تضرب الحكومة ضرائبها على الأشياء القيّمة، لا تصبح الأشياء قيّمة لأن عليها ضريبة. كذلك، تحمي الجيوش ما هو قيّم، لا تصبح الأشياء التي تحميها الجيوش قيّمة. والحكومة لا تستطيع فرض قيمة العملة، كل ما تستطيع تحديده هو معروضها.

فنزويلا، والأرجنتين، وتركيا، كلها بلدان لها حكومات وجيوش وقدرة على فرض الضرائب، ومع هذا تراجعت عملاتها تراجعًا ملحوظًا في السنين الخمس الماضية. ولئن لم يكن إثبات النقيض كافيًا، فإن كل حكومة من هذه الحكومات دليل ينقض القول بأن العملة تشتق قيمتها من الحكومة. كل مرحلة من مراحل التضخم المفرط يجب أن تكون دليلًا كافيًا على العيوب الجوهرية في الأنظمة المالية الحكومية، ولكنها ليست كذلك لسوء الحظ. يظنّ معظم النالس أن التضخم المفرط دليل على سوء الإدارة المالية، لا أنه النتيجة النهائية المنطقية لكل الأنظمة الحكومية. هذا الرأي التبسيطي يتجاهل المبادئ الأولى، ويتجاهل الآليات التي تضمن البخص المالي في أنظمة العملات الحكومية. ومع أن الدولار أقوى بنيويًّا لأنه عملة الاحتياطي العالمية، فإن قواعد الأموال الحكومية من حيث الأداء واحدة، والدولار ليس إلا الأقوى بين الضعفاء. ما إن فهمنا الآليات التي تدعم الدولار (وكل العملات الحكومية) فهمًا أفضل، قدّم ذلك لنا قاعدة لتقدير الآليات التي تدعم البيتكوين.

لماذا للدولار قيمة؟

لم تنشأ قيمة الدولار في السوق الحرة. بل نشأت على أنها تمثيل جزئي للذهب (والفضة في أول الأمر) وكان الدولار حلًّا لما قصّر فيه الذهب من سهولة التحويل والإرسال، لذا فإن مولد الدولار كان معتمدًا على الخصائص المالية للمعادن الأساسية، لا على خصائص جوهرية في الدولار نفسه. وكان أيضًا نظامًا قائمًا على الثقة: خُذ الدولار وثق أنه يمكن استبداله بمقدار ثابت من الذهب في المستقبل. إن عيب الذهب وإخفاقه الكامل هو نظام الدولار، ومن دون الذهب، لم يكن ليكون أي وجود للدولار في هيئته الحالية. مراجعة سريعة لتاريخ الدولار والذهب:

1900أقرّ قانون معيار الذهب عام 1900 أن الذهب هو المعدن الوحيد الذي يمكن استبداله بالدولار، وأن ثمن كل أونصة ذهب 20.67 دولارًا.
1913تأسس الاحتياطي الفدرالي بموجب قانون الاحتياطي الفدرالي عام 1913.
1933حظر الرئيس روزفلت ادّخار الذهب وكنزه بالقانون التنفيذي 6102، وأجبر المواطنين على تحويل الذهب إلى دولارات بمعدل 20.67 دولارًا للأونصة، وإلّا فهم معرّضون لعقوبة هي غرامة بقيمة 10 آلاف دولار، أو حبس من خمس سنوات إلى عشر، أو السابقان معًا.
1934وقع الرئيس روزفلت قانون الاحتياطي الذهبي، فبخس الدولار 40% من قيمته وصار سعر الأونصة 35 دولارًا.
1944رسّم اتفاق بريتون وودز قدرة الحكومة الأجنبية والمصارف المركزية على تحويل الذهب إلى الدولار (والعكس) بمعدّل 35 دولارًا للأونصة، وتأسست معدلات صرف ثابتة بين الدولارات وبقية العملات.
1971أنهى الرئيس نكسون رسميًّا قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فأنهى نظام بريتون وودز فعليًّا. أصبحت قيمة الدولار 38 دولارًا لأونصة الذهب.
1973غيّرت الحكومة الأمريكية سعر الدولار إلى 42 للأونصة.
1976فصلت الحكومة الأمريكية قيمة الدولار عن الذهب كله عام 1976.

على مر القرن العشرين، انتقل الدولار إلى عملة مدعومة بالاحتياطي إلى عملة مدعومة بالدين. لم يزل معظم الناس يتدبّرون سبب امتلاك الدولار للقيمة بعد الذهب، ولم يزل التفسير الأشيَع هو أنها هلوسة جمعية (أن الدولار له قيمة لأننا كلنا نؤمن بذلك)، أو أنه تابع للحكومة والجيش والضرائب. ليس لواحد من هذين التفسيرين أي أساس في المبادئ الأولى، وما من سبب حقيقي يجعل للدولار قيمة. بل يحافظ الدولار على قيمته اليوم بسبب الدين والندرة النسبية للدولارات أمام الديون المقومة بالدولار. في عالم الدولار، كل شيء تابع لنظام الائتمان. الناتج الإجمالي المحلي الاسمي معتمد على حجم نظام الائتمان ونموه، والضرائب تحسب على أساسه. إن الآليتين اللتين تموّلان الحكومة (الضرائب واستهلاك العجز) كلاهما قائمتان على نظام الائتمان، وإن نظام الائتمان هو الذي يسمح للدولار أن يعمل بهيئته الحالية.

الدين القومي الأمريكي مقابل الدخل (تريليون)

إن حجم نظام الائتمان يبلغ أضعاف حجم الناتج الإجمالي المحلي الاسمي. لأن نظام الائتمان أكبر بكثير من معروض المال الحقيقي، يتنسّق النشاط الاقتصادي بتخصيص الائتمان وتوسيعه. ولكن نمو نظام الائتمان سبق نمو الناتج الإجمالي المحلي على مر العقود الثلاثة السابقة. يرقّم المخطط أدناه معدل تغير نظام الائتمان مقابل معدل تغير الناتج الإجمالي المحلي الاسمي وصكوك الضرائب الفدرالية (منذ 1987 إلى اليوم). في نظام الاحتياطي الفدرالي، يقود توسيع الائتمان الناتج الإجمالي المحلي الذي يحدد في النهاية المستوى الاسمي للضرائب الفدرالية.

اليوم، في نظام الائتمان الأمريكي 73 تريليون دولارًا من الدين حسب الاحتياطي الفدرالي (تقرير z.1)، ولكن ليس في نظام المصارف إلا 1.6 تريليون دولار. هكذا يدير الاحتياطي الفدرالي الاستقرار النسبي للدولار. ينشئ الدين طلبًا مستقبليًّا على الدولار. في نظام الفدرالي، كل دولار مرفوع بنسبة 40:1 تقريبًا. إذا اقترضت دولارات اليوم، فإنك محتاج إلى جني دولارات في المستقبل لدفع الدين، وحاليًّا، كل دولار في النظام المصرفي مقرَض 40 مرة. إن العلاقة بين حجم نظام الائتمان ومقدار الدولارات يعطي الدولار ندرة واستقرارًا نسبيًّا. بالإجمال، كل الناس محتاجون إلا دولارات لدفع الدين المقوم بالدولار.

النظام كله مدين بدولارات أكثر من الموجودة، وهو ما ينشئ بيئة تجعل الطلب الحالي على الدولارات عاليًا جدًّا. إذا لم يدفع المستهلكون ديونهم، سيُحجَر على منازلهم، أو تُنقَل ملكية سياراتهم. إذا لم تدفع شركة ديونها، سيستحوذ الدائنون على أصولها بعملية الإفلاس، ويمكن أن تُمحى الحصص تماما. إذا لم تدفع حكومة ديونها، ستُغلَق وظائفها الأساسية لفقدان التمويل. في معظم الأحوال، نتيجة عدم حيازة الدولارات المستقبلية اللازمة لدفع الدين تعني أنّك ستنتهي على الحديدة. ينشئ الدين دافعًا اقتصاديًّا لطلب الدولارات. ما دامت الدولارات نادرة أمام الدين القائم، سيبقى الدولار مستقرًّا. هكذا يعمل اقتصاد الفدرالي، ادفع لخلق الائتمان، تكن قد أوجدت طلبًا مستقبليًّا للعملة المقومة. بمعنًى ما، يشبه الأمر بيع المخدرات. اجعل إنسانًا يدمن على مخدِّرتك، وستضمن أنه سيعود ليطلب المزيد. في هذه الحالة، المخدّر هو الدين، وهو يجبر كل الناس على البقاء في دولاب جرذان الدولار.

إن مشكلة اقتصاد الفدرالي (والدولار) هو أنه يعتمد على عمل نظام ائتمان مرفوع جدًّا. وللحفاظ على ذلك، يجب على الفدرالي أن يزيد عدد الدولارات القاعدية. هذا هو التيسير الكمي ولذلك وُجد. للحفاظ على كمية الدين في النظام، يجب على الفدرالي أن يزيد معروض الدولارات الحقيقية، وإلا سينهار نظام الائتمان. إن زيادة مقدار الدولارات القاعدية له أثر متوسط هو نزع رفع نظام الائتمان، ولكن أثره على المدى الطويل هو زيادة الائتمان. ومن آثاره أيضًا بخس قيمة الدولار مع الوقت. كل هذا مقصود. الائتمان هو الذي يدعم الدولار لأن الائتمان هو ادعاء ملكية أصول حقيقية، هي معايش الناس. جئ بدولاراتك في المستقبل، أو اخسر بيتك، هذا دافع قوي لتعمل للحصول على الدولار.

إن العلاقة بين الدولار والائتمان بالدولار يحافظ على لعبة الفدرالي، ويؤمن الصيارفة المركزيون أن هذا سيبقى إلى الأبد. أنشئ مزيدًا من الدولارات، أنشئ مزيدًا من الدين. دين كثير؟ أنشئ مزيدًا من الدولارات، وهكذا دواليك. في النهاية، في نظام الفدرالي، العملة هي صمام التحرير. لأن الدين بلغ 73 تريليون دولارًا، وليس لدينا إلا 1.6 تريليون دولار في النظام المصرفي، سيُضاف إلى النظام دولارات جديدة لتدعم الدين. إن ندرة الدولار أمام الطلب هي التي تعطي الدولار قيمته. لا أكثر، ولا أقل. لا دعامة للدولار سوى هذه. ولئن كانت آلية نظام الائتمان تنشئ ندرة نسبية للدولار، فإنها في الوقت نفسه تضمن أن الدولار ستقل ندرته قليلًا قليلًا.

دين كثير أنشئ مزيدًا من المال مزيد من الدين دين كثير

والأمر ذاته موجود في كل أصل مالي، الندرة هي الخصيصة المالية التي تدعم الدولار، ولكن الدولار ليس نادرًا إلا أمام الديون المقومة به. واليوم، أمام الدولار منافس حقيقي، هو البيتكوين. إن نظام الدولار وفقدانه للخصائص المالية الجوهرية يقدم نقيضًا صريحًا للخصائص المالية الناشئة والجوهرية في البيتكوين. ندرة الدولار نسبية، أما ندرة البيتكوين فمطلقة. نظام الدولار قائم على الثقة، أما البيتكوين فلا. معروض الدولار محكوم بمصرف مركزي، أما معروض البيتكوين فمحكوم بإجماع المشاركين في السوق. سيبقى معروض الدولار مرتبطًا بحجم نظام الائتمان، أما معروض البيتكوين فمستقل تمامًا عن مسألة الائتمان. وتكلفة إنشاء مزيد من الدولارات صفرية، أما تكلفة إنشاء مزيد من البيتكوين فحقيقية ومتزايدة أبدًا. في النهاية، خصائص البيتكوين المالية ناشئة ومناعتها متزايدة، أما الدولار فقبوله للتلاعب جوهري ومتزايد.

المال والندرة الرقمية

إن أصعب حاجز عقلي تجاوزًا عند تقدير البيتكوين من حيث هو مال، هو عادة أن البيتكوين أصل رقمي. البيتكوين ليس ملموسًا، وليس بديهيًّا بادئ الرأي. كيف يمكن أن يكون شيء رقمي تمامًا مالًا؟ ومع أن الدولار معظمه رقمي، فإنه مع ذلك ملموس أكثر من البيتكوين في أذهان معظم الناس. نشأ الدولار الرقمي من سلفه الورقي، ولم يزل في السوق دولارات ورقية، أما البيتكوين فهو رقمي أصلًا. في الدولار، عندنا تمثيل فيزيائي يمثل الأنماط الذهنية للعالم الملموس، أما في البيتكوين، فليس عندنا شيء من ذلك. ومع أن للبيتكوين خصائص مالية أصدق بكثير من خصائص الدولار، فإن الدولار في أذهاننا هو المال (عند معظمنا)، ونتيجة ذلك، فتمثيله الرقمي مفهوم أكثر، لأنه توسع من العالم الفيزيائي إلى العالم الرقمي. إن أساس الدولار من حيث هو مال ثابت بالزمن، ولئن كانت طبيعته الرقمية تبدو ملموسة أكثر، فالبيتكوين يمثّل ندرة مطلقة. أما معروض الدولار فلا حد عليه.

تذكر أن الدولار ليس له أي خصيصة مالية جوهرية. قام الدولار على الخصائص المالية للذهب ليعتلي مكانة الاحتياطي العالمي، ولكنه في نفسه، ليس له خصائص فريدة تجعله شكلًا مستقرًّا من المال، إلا ندرته النسبية في نظام المال المرتبط بالدين. عند النظر في البيتكوين، سؤال المبدأ الأول هو إذا كان أي شيء رقمي قادرًا على مشاركة الخصائص الجوهرية التي جعلت الذهب مخزنًا للقيمة (ومالًا). هل نشأ الذهب وأصبح مالًا لأنه فيزيائي أم لأن له خصائص مالية مترفعة عن الفيزيائية؟ من كل الأشياء الفيزيائية في العالم، لم اختير الذهب؟ نشأ الذهب وأصبح مالًا لا لأنه فيزيائي، بل لأن خصائصه الإجمالية فريدة. أهم شيء هو أنه نادر، ويمكن استبداله، ومتين. ومع أن للذهب خصائص كثيرة جعلته متفوّقًا على أي مال سبقه، فإن عيبه القاتل كان صعوبة نقله وعرضته للمركزية، وهو ما أنشأ الدولار في النهاية ليصبح نظيره التحويلي.

«تخيّل معدنًا ذهبيًّا له ندرة الذهب، ولكن له هذه الخصائص: رمادي ممل اللون – ليس ناقلًا جيّدًا للكهرباء – ليس قويًّا، ولكنه ليس مرنًا ولا سهل الإفساد – ليس مفيدًا لأي هدف عملي أو تزييني – ولكن له خصيصة سحرية خاصة واحدة: – يمكن نقله بقناة اتصالات»

ساتوشي ناكاموتو (27 أغسطس 2010)

يملك البيتكوين الخصائص المالية التي جعلت الذهب وسيطًا ماليًّا، ولكنه في الوقت نفسه يصلح من عيوب الذهب. فالذهب نادر نسبيًّا، أما البيتكوين فنادر مطلقًا، وكلاهما متين جدًّا. الذهب قابل للاستبدال (أن يبدَل بعضه ببعض)، ولكنه صعب التحقق، أما البيتكوين فقابل للاستبدال وسهل التحقق. الذهب صعب النقل ومركزي جدًّا. البيتكوين سهل النقل ولامركزي جدًّا. في البيتكوين كل خصائص الذهب الفيزيائي والدولار الرقمي مجموعة في عملة واحدة، ولكن من دون العيوب الأساسية في أي منهما. عند النظر في الأوسطة المالية، المبادئ الأولى أساسية. أهمل النتيجة أو النهاية، وابدأ بسؤال نفسك: إذا كان البيتكوين فعلًا نادرًا ومحدودًا، وتجاهل أنه رقمي، أيكون مقياسًا صالحًا للقيمة ومخزنًا نهائيًّا للقيمة؟ هل الندرة خصيصة قوية بما يكفي لجعل البيتكوين مالًا، ولو كانت هذه الندرة رقمية؟

لئن كان المال مفهومًا غير ملموس، فإنه ما دام للتجارة والتخصص منافع، سيبقى للمال فائدة وطلب. المال وسيلة نستعملها لتكون الحكَم في تحديد القيمة النسبية بين السلع الاستهلاكية والرأسمالية الكثيرة. إنه سلعة تنظم كل النشاط الاقتصادي. إن كمية المال المطلقة أقل أهمية من خصائصه كالندرة وقبول القياس. الندرة هي أهم خصيصة مالية. إذا كان معروض وحدة القياس متغيّرًا باستمرار تغيّرًا غير متوقع، فسيصعب قياس قيَم السلَع بها، لذلك فالندرة في نفسها خصيصة قيّمة جدًّا. قد تتقلب قيمة وحد القياس أمام السلع والخدمات، ولكن استقرار معروض المال يجعل الضجيج أصغريًّا أمام إشارة السعر النسبي للسلع الأخرى.

ومع أن البيتكوين رقمي، فهو مصمم لينشئ ندرة مطلقة، وهو ما يجعله مرشّحًا ليكون شكلًا فاعلًا من المال (ومقياسًا للقيمة). لن يكون في الوجود إلا 21 مليونًا، و21 مليونًا رقم صغير جدًّا بالمقاييس النسبية والمطلقة. أنشأ الفدرالي 100 مليار دولار في الأسبوع السابق، بضغطة زر. يكافئ هذا تقريبًا 5 آلاف دولار مقابل كل بيتكوين في الوجود، في أسبوع واحد (وعلى يد مصرف مركزي واحد). لتقديم سياق أوسع، أنشأ الاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان، وبنك أوروبا المركزي، كلهم معًا 10 تريليونات دولارات منذ الأزمة المالية، وهو ما يكافئ 500 ألف دولار لكل بيتكوين. ومع أن الدولار واليورو والين والبيتكوين كلها رقمية، فإن البيتكوين هو الوحيد النادر ندرة ملموسة والوحيد الذي فيه خصائص مالية جوهرية.

ولكن، لا يكفي أن ندعي أن البيتكوين نادر ندرة مطلقة، ولا ينبغي أن يقبل أحد هذه الحقيقة ببساطة. ينبغي لكل واحد أن يفهم كيفية هذه الندرة وسببها. لماذا لا يمكن إنشاء أكثر من 21 مليون بيتكوين ولماذا لا يمكن نسخه؟ لماذا البيتكوين آمن ولمَ لا يمكن التلاعب به؟ في البيتكوين عناصر كثيرة تجتمع لتجعل معروضه ثابتًا على نحو موثوق، ولكن في شبكة البيتكوين ثلاثة دعائم ملتحمة تفرضها الدوافع الاقتصادية للعملة نفسها:

  • إجماع الشبكة والعقد الكاملة: فرض مجموعة مشتركة من القوانين الحاكمة
  • التعدين وبرهان العمل: تحقيق تاريخ التحويل، وتثبيت أمن البيتكوين في العالم الفيزيائي
  • المفاتيح الخاصة: تحمي وحدة القيمة، وتضمن الملكية بغض النظر عن التحقق

ما الذي يحمي البيتكوين – إجماع الشبكة والعقد الكاملة

21 مليونًا، ليس مجرد رقم يضمنه برنامج. بل معروض الواحد والعشرين مليونًا هذا تحكمه آلية إجماع، وكل المشتركين في السوق مدفوعون بدوافع اقتصادية لفرض قواعد شبكة البيتكوين. ومع أن إجماع شبكة البيتكوين قد يحكم نظريًّا بزيادة المعروض فوق 21 مليونًا، فإن على الأغلبية الساحقة لمستخدمي البيتكوين أن يوافقوا جميعًا على بخس عملتهم ليفعلوا ذلك. عمليًّا، إنها شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقة تعزز وتدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

في البيتكوين، العقدة الكاملة هي حاسوب أو خادم يحافظ على نسخة كاملة من سلسلة كتل البيتكوين. تجمع العقد الكاملة كل واحدة على حدة نسخة من سلسلة الكتل بناءً على مجموعة مشتركة من قوانين إجماع الشبكة. نعم، لا يُشغّل كل مالك للبيتكوين عقدة كاملة، ولكن كل واحد قادر على ذلك، وكل عقدة تحقق كل الحوالات وكل الكتل. بتشغيل عقدة كاملة، يستطيع كل إنسان أن يصل إلى شبكة البيتكوين وأن يبث حوالات (أو كتلًا) من دون رخصة من أحد. وليس على العقدة أن تثق بعقدة أخرى. بل كل عقدة تحقق التاريخ الكامل لحوالات البيتكوين بناءً على مجموعة مشتركة من القواعد، تسمح للشبكة أن تجمع على نسخة مستمرة وصحيحة من التاريخ من دون أن يثق أحد بأحد.

هذه هي الآلية التي يزيل بها البيتكوين الثقة بأي طرف ثالث مركزي ويعزز صدقية معروضه الثابت. تحافظ كل العقد على تاريخ من كل الحوالات، وهو ما يتيح لكل عقدة أن تحدد إذا كانت الحوالات المستقبلية صالحة. بالإجمال، يقدم البيتكوين آمَن شبكة حوسبة في العالم لأن كل إنسان يمكن أن يصل إليها من دون أن يثق أحد بأحد. الشبكة لامركزية وليس فيها نقاط صدع مفردة. كل عقدة مراقب وموازِن لبقية الشبكة، من دون مصدر مركزي للحقيقة، الشبكة منيعة على الهجوم والإفساد. قد تخفق عقدة ما، أو تفسد، ولكن الشبكة ستستمر كأن شيئًا لم يحدث. كلما زادت العقد، زادت لامركزية البيتكوين، وهو ما يزيد الحشو، فيجعل الشبكة أصعب وأصعب على الإفساد أو الرقابة.

كل عقدة كاملة تفرض قواعد إجماع الشبكة، ومن هذه القواعد معروض العملة الثابت. في كل كتلة بيتكوين عدد محدد من البيتكوينات الجديدة، وكل حوالة يجب أن تعود إلى كتلة صحيحة سابقة لتكون صحيحة. كل 210 آلاف كتلة، ينقسم هذا العدد إلى النصف، هكذا حتى يبلغ عدد البيتكوينات التي تصدر في كل كتلة الصفر، عام 2140 تقريبًا، وهذا جدول إصدار معروض البيتكوين المقارب. لأن كل عقدة تحقق كل حوالة وكل كتلة، تفرض الشبكة كلها معًا ثبات المعروض على قيمة 21 مليونًا. إذا بثّت أي عقدة حوالة أو كتلة فاسدة، سترفضها بقية الشبكة وستسقَط هذه الكتلة من الإجماع. تستطيع كل عقدة أن تحاول إنشاء زيادة من البيتكوين، ولكن كل عقدة لها مصلحة في ضمان ثبات معروض البيتكوين على قيمته المثبتة، وإلا ستبخَس العملة عشوائيًّا على حساب بقية الشبكة.

يستطيع كل واحد في الشبكة أو خارجها أن ينسخ برنامج البيتكوين لينشئ نسخة جديدة من البيتكوين، وكل وحدة تنشئها نسخة من هذه النسخ ستراها العقد في شبكة البيتكوين عملة فاسدة. كل النسخ التالية والوحدات التالية لن تكون صالحة، ولن يقبل أي أحد بهذه العملة على أنها بيتكوين. كل عقدة بيتكوين تتحقق بنفسها من كل بيتكوين، وكل نسخة من البيتكوين ستكون فاسدة، لأنه لن تكون متأصلة في كتلة بيتكوين صالحة سابقة. سيكون الأمر كمن يريد معاملة أموال لعبة مونوبولي معاملة الدولارات. قد تتمنى ما أردت أن تكون مالًا، ولكن لن يقبلها أحد على أنه بيتكوين، ولن تشارك شبكة البيتكوين خصائصها الناشئة. إن تشغيل عقدة بيتكوين كاملة يسمح لكل أحد أن يفحص صلاح كل عملة من عملات البيتكوين، وستُعرَف كل نسخة مزيفة بهذه الطريقة. إن إجماع العقد هو الذي يحدد الحالة الصحيحة للشبكة في نظام مغلَق، كل شيء يحدث خلف جدران هذا النظام لم يحدث أصلًا.

ما الذي يحمي البيتكوين – التعدين وبرهان العمل

في آلية الإجماع هذه، تشغل بعض العقد (التي تسمى عقد التعدين) خوارمية برهان العمل لإضافة كتل جديدة إلى سلسلة الكتل. هذه الخوارزمية تحقق التاريخ الكامل للحوالات وتسوّي الحوالات الجديدة. التعدين وبرهان العمل يثبتان أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. لحل الكتل، يجب على المعدنين أن يحسبوا تريليونات الحسابات التعموية، وهو ما يتطلب استهلاك موارد طاقة كبيرة. فإذا حُلّت عقدة، تُرسل إلى بقية الشبكة للتحقيق. كل العقد (ومنها بقية المعدنين) تحقق إذا كانت الكتلة صالحة بناءً على مجموعة مشتركة من قواعد إجماع الشبكة، نوقشت من قبل. إذا كانت أي جوالة في في الكتلة فاسدة، فالكتلة كلها فاسدة. كذلك، إذا لم تبنَ الكتلة المرسَلة على آخر كتلة صالحة، فهي فاسدة أيضًا.

ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 90 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). تحلّ الكتل تقريبًا كل عشرة دقائق، وهو ما يعني 144 كتلة في اليوم. عبر الشبكة، تكلف كل كتلة نحو 75 ألف دولار، وتبلغ مكافأة كل عقدة 100 ألف دولار (12.5 بيتكوين جديد مضروبة بسعر البيتكوين، 8 آلاف دولار، من دون حساب رسوم التحويلات). كلما زادت تكلفة حل كتلة، زادت تكلفة الهجوم على الشبكة. إن تكلفة حل الكتلة تمثل الموارد الملموسة اللازمة لكتابة التاريخ على دفتر تحويلات البيتكوين. مع نمو الشبكة، يزداد تشظّيها، وتزداد القيمة الاقتصادية المدفوعة إلى المعدنين بالإجمال. من وجهة نظر نظرية الألعاب، كلما زاد التنافس وزادت الفرص، صعب التآمر على الإفساد، وكل عقد الشبكة تحقق عمل المعدنين، وهو ما يجعلها الرقيب والموازِن.

وتذكّر ذلك الرقم الثابت الذي يصدر في كل كتلة صالحة (قبل أن يبلَغ سقف الواحد والعشرين مليونًا). إن البيتكوين المصدَر في كل كتلة إذا جُمعت إليه رسوم التحويل يمثّل التعويض الذي يناله المعدنون لقيامهم ببرهان العمل. يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين لحماية الشبكة. لبناء الكتل وعملية الاقتراح، يكتب المعدنون هذا العدد الثابت من البيتكوين الصادر في كل كتلة تعويضًا عن استهلاك موارد من العالم الحقيقي الملموس لحماية الشبكة. إذا كتب معدّن مقدارًا من البيتكوين لا يوافق جدول العرض الثابت، سترفض بقية الشبكة الكتلة لأنها فاسدة. لحماية الشبكة، يجب أن يحقق المعدنون ويفرضوا قانون المعروض الثابت ليحصلوا على التعويض. للمعدّنين قدم في اللعبة هي التكاليف المتزايدة على رؤوس أموالهم (واستهلاكهم للطاقة)، والعمل الفاسد لا يُكافَأ.

ودونك مثالًا تقنيًّا: المكافأة الصالحة المدفوعة إلى المعدنين تنصَّف كل 210 آلاف كتلة، والتنصيف القادم سيكون في الكتلة 630,000 (أو تقريبًا في مايو 2020). في ذلك الوقت ستنقص المكافأة من 12.5 إلى 6.25 بيتكوين في كل كتلة. من بعد ذلك، كل معدّن يكتب مكافأة خاطئة (أي مقدار سوى 6.25)، سترفض الشبكة كتلته لأنها فاسدة. التنصيف مهم لا لأن معروض البيتكوين الجديد ينقص فحسب، بل لأنه يظهر أن الدافع الاقتصادي للشبكة يستمر في التنسيق وفرض المعروض الثابت للعملة على أساس لامركزي تمامًا. إذا حاول أي معدّن الغشّ، ستعاقبه بقية الشبكة العقوبة القصوى. لا شيء سوى الدوافع الاقتصادية في الشبكة ينسق هذا السلوك، وحدوثه على أساس لا مركزي من دون تنسيق أي هيئة مركزية تفرض أمان الشبكة.

تعدين البيتكوين لامركزي لأن كل المعدنين يتنافسون، ولا مصلحة للمعدنين في التجمع. ومن جهة أخرى، تحقق العقد عمل المعدنين، في اللحظة نفسها ومن دون تكلفة، وهو ما يجعلها رقيبًا وموازنًا قويًّا جدًّا مستقلًّا عن عملية التعدين. الكُتل صعبة الحل ولكنها سهلة التحقق، وبالإجمال، هذا هو ما يفرق البيتكوين عن أي نظام مالي ينافسه، سواء أكان الذهب أو الدولار. والتعويض الذي يُدفع للمعدنين لحماية الشبكة وفرض معروضها الثابت لا يكون إلا بالبيتكوين. إن الدوافع الاقتصادية للعملة (التعويض) قوية جدًّا، والعقوبة شديدة جدّا وسهلة التطبيق، لذا فدوافع المعدنين على أشدّها للتنسيق وتنفيذ عمل صحيح. بتقديم تكاليف ملموسة لعملية التعدين، وبإعمال جدول إطلاق المعروض وتضمينها في عملية التحقيق (التي تقوم بها كل العقد)، وبفصل عملية التعدين عن ملكية الشبكة، تفرض الشبكة كلّها المعروض الثابت فرضًا موثوقًا دائمًا، على أساس لا ثقة فيه، وفي الوقت نفسه تستطيع بلوغ الإجماع على أساس لامركزي.

ما الذي يحمي البيتكوين – المفاتيح الخاصة والحقوق المتساوية

في الوقت الذي يبني فيه المعدنون الكتل ويحلونها ويقترحونها، وتحقق العُقَد العمل الذي يجريه المعدنون، تتحكم المفاتيح الخاصة بالوصول إلى وحدة القيمة نفسها. تتحكم المفاتيح الخاصة بحقوق 21 مليون بيتكوين (تقنيًّا 18 مليونًا فقط لأن البقية لم تعدّن إلى اليوم). في البيتكوين، لا هوية، لا يعرف البيتكوين شيئًا عن العالم الخارجي. تحقق شبكة البيتكوين التوقيعات والمفاتيح. هذا هو الأمر كله. لا يستطيع إلا صاحب المفتاح الخاص أن ينشئ حوالة بيتكوين صالحة بإنشاء توقيع صالح. تُوضع الحوالات الصالحة في كُتَل، يحلّها المعدّنون وتتحقق منه كل عقدة، ولكن لا يستطيع إنشاء الحوالات الصالحة إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

عندما يُبَثّ تحويل بيتكوين، يُرسل مقدار من البيتكوين إلى أحد عناوين البيتكوين العامة. هذه العناوين العامة مشتقة من المفاتيح العامة، والمفاتيح العامة مشتقة من المفاتيح الخاصة. يمكن حساب المفاتيح العامة والعناوين العامة باستعمال مفتاح خاص، ولكن المفتاح الخاص لا يمكن حسابه باستعمال مفتاح عام أو عنوان عام. إنه تابع بجهة واحدة تحميه خوارزميات تعمية قوية. يمكن مشاركة المفاتيح العامة والعناوين العامة من دون إظهار أي شيء عن المفاتيح الخاصة. عندما يُرسل مقدار من البيتكوين إلى عنوان عام، يُقفَل في خزانة، ولكي تفتَح هذه الخزانة، يجب إنشاء توقيع رقمي من خلال المفتاح الخاص الموافق (لكل مفتاح أو عنوان عام مفتاح خاص فريد). يننتج صاحب المفتاح الخاصة توقيعًا خاصًّا، من دون كشف السر نفسه. تستطيع بقية الشبكة التحقق من أن صاحب المفتاح الخاص هو الذي أنشأ التوقيع، من دون معرفة تفاصيل المفتاح الخاص نفسه. أزواج المفاتيح الخاصة والعامة هي أساس البيتكوين. وفي النهاية، المفاتيح الخاصة هي التي تعطي حق الوصول إلى القيمة الاقتصادية في الشبكة.

لا فرق في هذا بين صاحب عُشر بيتكوين، وصاحب عشرة آلاف بيتكوين. كل صاحب مفتاح محمي ومحقق بالآلية نفسها والقوانين نفسها. لكل واحد في الشبكة حقوق متساوية. بغض النظر عن القيمة الاقتصادية، كل بيتكوين (وكل عنوان بيتكوين) يُعامل المعاملة نفسها في الشبكة. إذا أُنتج توقيع صالح، فالحوالة صالحة وستُضاف إلى سلسلة الكتل (إذا دُفعت رسوم التحويل). إذا أُنتج توقيع فاسد، سترفضه الشبكة. لا يهم قوة المشارك أو ضعفه. لا سياسة في البيتكوين. كلما يحققه البيتكوين هو المفاتيح والتواقيع. قد يستطيع الثري أن يدفع رسومًا أعلى لتكون حوالته أسرع، ولكن كل الحوالات تحقَّق على قوانين الإجماع ذاتها. يقدّم المعدّنون بعض التحويلات على بهض على أساس القيمة والربح، بغض النظر عن أي شيء آخر. إذا كانت حوالتان بنفس القيمة والربح، يُقَدّم الأسبق منهما بالزمن. ولكن المهم أن عملية التعدين، التي تسوّي الحوالات، مستقلة عن الملكية. البيتكوين ليس ديمقراطية، الملكية محكومة بالمفاتيح وكل حوالة بيتكوين يُنظَر فيها على أساس قوانين الشبكة نفسها. أهي صالحة أم لا. يجب أن ترجع كل بيتكوين إلى كتلة موافقة لمبدأ المعروض الثابت (21 مليونًا)، لكي تكون صالحة.

هذا هو الذي يجعل حيازة المفاتيح روحًا مهمّة في البيتكوين. البيتكوين نادر جدًّا، والمفاتيح الخاصة هي حرّاس نقل أي بيتكوين. يقول المثل: ليست مفاتيحك، ليست بيتكويناتك. إذا تحكم طرف ثالث بمفاتيحك، كالبنك مثلًا، فهو قادر على التحكم بوصولك إلى شبكة البيتكوين، وسهلٌ عليه تقييد وصولك أو سرقة أموالك في هذه الحالة. يختار كثير من الناس الثقة بكيان كالبنك، ولكن نموذج الأمان في البيتكوين فريد، لم يكتف بأن يكون لكل مستخدم التحكم بمفاتيحه الخاصة، بل ولكل مستخدم أن يصل إلى الشبكة من دون رخصة وأن يحول ما شاء إلى من شاء حيث شاء في العالم. لا يمكن هذا إلا إذا كان المستخدم مالكًا لمفتاحه الخاص. بالإجمال، يزيد المستخدمون الممسكون بمفاتيحهم الخاصة لامركزية القيمة الاقتصادية للشبكة، وهو ما يزيد أمان الشبكة كلها. كلما زاد توزّع الوصول إلى الشبكة، زادت صعوبة إفسادها أو ضمّها في النظام الحالي. من جهة أخرى، بإمساك المفتاح الخاص، يكاد يستحيل على أحد غيرك تقييد وصولك إلى المال أو سرقته. كل بيتكوين في السوق محمية بمفتاح خاص. نعم، يفرض المعدنون وأصحاب العقد عدم وجود إلا 21 مليون بيتكوين، ولكن البيتكوينات الصالحة الموجودة كلها محمية لأصحابها بمفتاح خاص.

البيتكوين ضد.

الخلاصة، معروض البيتكوين محكوم بآلية إجماع شبكي، ويُعمل المعدّنون آلية برهان العمل التي تثبّت أمان البيتكوين في العالم الفيزيائي. ولعملهم هذا، يُدفَع للمعدّنين بالبيتكوين ليحلّوا الكُتل، وهو ما يحقق التاريخ ويسوّي الحوالات الحديثة. إذا حاول معدّن أن يعوّض نفسه بمقدار لا يوافق معروض البيتكوين الثابت، سترفض بقية الشبكة عمل المعدّن. معروض العملة داخل في نموذج أمانها، ولا بد من استهلاك موارد طاقية من العالم الحقيقي ليُعطى المعدّنون مكافأتهم. وفوق هذا، تحقق كل عقدة العمل الذي أجراه المعدنون، لئلّا يغشّ أحد من دون عقوبة. آلية إجماع البيتكوين وعملية تحقيقه تحكم نقل الملكية في الشبكة، ولكن الملكية نفسها تحميها وتتحكم بها المفاتيح الخاصة التي يمسكها مستخدمو الشبكة.

حوكمة البيتكوين

دع كل الأفكار السابقة في ذهنك عن تعريف المال، وتخيّل نظام عملة ندرته مفروضة ومعروضه ثابت. يستطيع كل إنسان في العالم أن يتصل بالشبكة من دون رخصة، ويستطيع كل إنسان أن يرسل حوالات إلى أي أحد في أي مكان من العالم، ويستطيع كل إنسان أن يتحقق من معروض العملة ومن حقوق الملكية في الشبكة. تخيّل اقتصادًا عالميًّا، يستطيع فيه مليارات الناس المتوزعين في أنحاء العالم، نقل القيمة في شبكة لامركزية، ويستطيع كل واحد منهم أن يصل إلى الإجماع نفسه على الملكيات في الشبكة، من دون أي جهة مركزية. كم ستكون قيمة هذه الشبكة؟ البيتكوين قيّم لأنه منته، ومنته لأنه قيم. إن الدوافع الاقتصادية ونموذج الحكم في الشبكة يفرض كل واحد منهما صاحبه، والأثر المجموع هو نظام مالي لامركزي ولا ثقة فيه، له معروض ثابت عالمي يستطيع الوصول إليه أي أحد.

ولأن للبيتكوين خصائص مالية جوهرية وناشئة، فهو مستقل عن كل الأموال الرقمية الأخرى. يبقى معروض البيتكوين ثابتًا ونادرًا ندرة مطلقة، أما المصارف المركزية فستُجبَر على توسيع قاعدتها المالية للحفاظ على النظام القديم. ستزداد جاذبية البيتكوين شيئً فشيئًا، مع اكتشاف المشتركين في السوق أن أدوار التيسير الكمي المستقبلية ليست مجرد أداة في يد المصرف المركزي بل هي وظيفة لا بد منها للحفاظ على الخيار الأدنى. قبل البيتكوين، كان الجميع مجبرًا على الدخول في هذا النظام. اليوم مع البيتكوين، أصبح لدينا بديل حقيقي. في كل مرة يعود الفدرالي بمزيد من التيسير الكمي للحفاظ على نظام الائتمان، سيكتشف مزيد من الأفراد أن خصائص البيتكوين متفوّقة تفوّقًا كبيرًا على النظام القديم، سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين. هل أ أفضل من ب؟ هذا هو الاختبار. في التنافس العالمي على المال، للبيتكوين خصائص مالية جوهرية مفقودة في نظام الأموال الحكومية. في النهاية، البيتكوين مدعوم بشيء، وهو الشيء الذي يدعم أي مال: مصدقية خصائصه المالية.

Tagged : / / /

يصلح البيتكوين هذا

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

كان الأسبوع الماضي هو الأسبوع الذي يجتمع فيه المصرفيون المركزيون العالميون، واقتصاديو المنظومة القائمة، وسي إن بي سي وغيرهم كل عام في وادي جاكسون في وايومنغ، ليناقشوا المشكلات المنظومية التي تتفشّى في اقتصادنا. لا يبدو أنهم وجدوا إجابة، لكنهم يبحثون دائمًا عنها، إنها معضلة وادي جاكسون السرمدية. يكون لهذا الاجتماع كل سنة صخب وتطبيل، ولم تكن هذه السنة مختلفة. ولعلّ أن لورنس سمرز، أمين الخزانة الأمريكية السابق والرئيس السابق لجامعة هارفارد قد سلّط الضوء على المسرحية كلها. في سلسلة تغريدات من 28 جزءًا، شكك سمرز في عدد من الافتراضات الأساسية التي افترضها المذهب الاقتصادي السائد، الذي هو جزء منه. في لعبة ماركو بولو، سَمَرز يقترب من الهدف ولكنه لم يزل عل الجانب الخاطئ من المسبح. قد يكون أبرَزَ أعراض المشكلة، ولكنه كأصحابه من الاقتصاديين السائدين، لم يسأل السؤال البيّن. هل يمكن أن تكون الأدوات السياسية للمصرف المركزي هي السبب الجذري للمشكلة؟ لا الحلّ الذي لا ينقضي تملّصه كما يقولون؟

السؤال الأساسي الذي يطرحه سمرز: هل يمكن أن تكون المصرفية المركزية كما نعرفها اليوم الأداة الأساسية للاستقرار الاقتصادي الكلي في العالم الصناعي في العقد التالي؟ يشكّ سمرز في إمكان هذا، ولكن ماذا لو طرحنا سؤالًا أفضل: هل المصرفية المركزية هي السبب الأول للاضطراب الاقتصادي الكلي؟ منذ الأزمة المالية، لم يزل التيسير الكمي الأداة الأساسية التي تستعملها المصارف المركزية في محاولة منها لحفظ استقرار الاقتصاد ولتصنيع التضخم. نصّ المسرحيّة: نزيد معروض المال، نقلّل معدّلات الربح، وإنعاش قيم الأصول الموجودة ليمكن الإبقاء على مستويات الدين الموجودة وإنشاء مزيد من الدين.

ولكن، على رغم معدلات الربح المنخفضة انخفاضًا قياسيًّا، بدأ الاقتصاد العالمي مرة أخرى في التدهور، وبدأ كثير من الناس يشكك في فعالية التيسير الكمي. كما لاحظ سمرز، لقد أصبحت المسلّمات التي كانت تُدرَّس محلّ شكٍّ اليوم. خلافًا للمعتقد الشائع، ما يفعله التسهيل الكمي هو إنشاء الاضطراب الذي يسعى إلى اجتنابه. عندما نفهم العملية الأساسية للتسهيل الكمي، يتّضخ أنه لا جدوى له. كما كتب نسيم طالب في مقدمة النسخة القديمة من معيار البيتكوين، خبراء الاقتصاد الكلي ليسوا خبراء، بل هم لا يعرفون شيئًا عنه.

«إن خطر دخول الاقتصاد في حالة هبوط كبيرة يظهر أنه تقلّص في الشهر الماضي»

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، يونيو 2008

لقد أظهر التاريخ دائمًا أن الخبراء محدودة خبرتهم بمجالهم، ومع هذا لم تزل المصارف المركزية تسعى في التيسير الكمي، لأن الاقتصاد الكلي والمصرفية المركزية ثقافة سائدة، كما شرح طالب. يبدأ موقف السياسة السائدة بافتراض أن المصرفية المركزية هي جوهر وظيفة الاقتصاد، ثم يتركز النقاش عن أيّ الأوتار ينبغي شدّها لتحقيق أفضل إدارة للاقتصاد بالتخطيط المركزي. الإدارة الفاعلة للمعروض المالي بالتيسير الكمي أمرٌ مفروع منه، والسؤال سؤال كم ومتى، وليس سؤال هل.

ولكن، يبقى رأي اقتصادي معارض يقول إن وظيفة المصرف المركزي والإدارة الفاعلة لمعروض المال في نفسها مضرّة للاقتصاد. هذا الرأي المخالف لا يمكن أن يتعايش مع مصرف مركزي لأنه مناقض لوظيفته الأساسية، لذلك نجد هذه الثقافة سائدة ونجد أن الطريق المخالف لم يمر به أحد. في النهاية، كانت أيام النقاش الاقتصادي في القرن العشرين وقد انتهت إلى مذهبنا الحالي السائد. والنتيجة: نظام اقتصادي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على بخس العملة وإنشاء الائتمانات، وعلى التيسير الكمي لتحقيقهما.

اليوم، مع وجود البيتكوين، لم يعد الأمر موضوع نقاش ثقافي. بل أصبح اليوم عندنا نظامان اقتصاديان يقدّم كل واحد منهما النقيض الأكبر لصاحبه: يحاول الأول إنشاء الاستقرار بالإدارة الفاعلة للمعروض المالي، أما الثاني فيقبل بالتقلّب المؤقت بهدف الحفاظ على معروض ثابت. في العقد الأخير، بدأ النظام الصاعد يستحوذ على مناطق من النظام القائم، وهو ما أظهره اعتماد البيتكوين وازدياد قيمته بالنسبة إلى بقية العملات. الدخول في البيتكوين هو خروج من التسهيل الكمي، ولئن كان طريق البيتكوين طالعًا نازلًا، فإن مساره الكلي على المدى الطويل سيستمر في الصعود لأن المصارف المركزية ستسمر في سياستها نفسها التي يمنعها البيتكوين.

أخفقت المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وجرّت عليه من غير قصد منها الاضطراب من خلال التلاعب بالمعروض المالي. بالتصرّف بالمعروض المالي، يشوَّش على كل آليات التسعير العالمية. كما وصف حايك في استعمال المعرفة في المجتمع، إن آلية التسعير هي أعظمة نظام توزيع للمعرفة في العالم. عندما تفسد آلية التسعير، توزَّع في النظام الاقتصادي إشارات كاذبة، والنتيجة تفاوتٌ بين العرض والطلب، يزيد الاضطراب والهشاشة. اليوم، هذا الاضطراب يعود أوّلًا إلى وظيفة التسهيل الكمي، فهي تنشئه وهي تحافظ عليه. لقد بيّنت الأزمة المالية أن حجم نظام الدين لا هو مستقر ولا هو يمكن الحفاظ عليه، فأنعش الفدرالي أسعار الأصول ووسّع نظام الائتمان أكثر، بدلًا من أن يترك النظام يتفكك وحده، ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الموجودة. عمليًّا، منهج المصرفية المركزية لحل مشكلة كثرة الدين كان إنشاء دين أكثر بعدُ، وهو الذي كان السبب الأصلي للاضطراب. لحسن الحظ، يصلح البيتكوين هذا.

ما هو التيسير الكمي؟

بأبسط العبارات: التيسير الكمي هو مصطلح تقني يصف الآلية التي ينشئ بها الاحتياطي الفدرالي دولارات جديدة. ليس الأمر تقنيًّا مطابقًا لـ«طباعة المال»، ولكنه بالنتيجة نفسه. ينشئ الاحتياطي الفدرالي دولارات رقمية جديدة في دفتر (من دون أي غطاء)، ويستعملها ليشتري أصولًا مالية، منها سندات الخزانة الأمريكية (دين حكومي)، أو السندات المغطاة بالرهون. بعد الأزمة المالية، أضاف الاحتياطي الفدرالي 3.6 تريليون دولار جديد إلى النظام المصرفي بالتيسير الكمي، ليضاعف حجم ميزانيته. والنتيجة الصافية: مزيد من الدولارات في النظام المصرفي على هيئة احتياطيات مصرفية، وهذه الاحتياطات يمكن استعمالها إما للإقراض وإما لشراء مزيد من الأصول. بعبارة بسيطة: وُجد مزيد من الدولارات، وهو ما سبب انحدار قيمة كل دولار واحد.

التيسير الكمي هو السبب الأساسي الذي يجعل دولارك يشتري غدًا أقل مما يشتري اليوم، ولكن آثار التيسير الكمي تنتقل تدريجيًّا في الاقتصاد بتوسيع نظام الائتمان. بعبارة أخرى، التيسير الكمي مصمم ليسمح للمصارف أن توسع ائتمانها، إذ يستطيع نظام الائتمان أن يزيد أضعافًا مقابل كل دولار يخلقه التيسير الكمي. الائتمان التزايدي (فكر في الإقراضات التلقائية، والرهون، وقروض الطلبة، إلخ)، يستعمَل لشراء سلَع في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يجعل أسعار السلع ترتفع وقيمة الدولار تنخفض نسبيًّا.

هل ينفع التيسير الكمي؟

الإجابة القصيرة: لا. ولئن كان كثير من الناس يظنون أنه ضروري، فكل ما يفعله هو تأجيل المشكلة وضمان الحاجة المستقبلية إلى مزيد منه. السبب الجذري للأزمة هو أن النظام المالي أصبح مرفوعًا رفعًا مفرطًا. في وقت الأزمة المالية، كان كل دولار في النظام المصرفي مرفوعًا ومُقرَضًا بنسبة 150:1 (انظر تقارير الاحتياطي الفدرالي Z.1، وH.8). كان في النظام دين كثير ودولارات قليلة، ولم تكن درجة الرفع هذه ممكنة إلا لأنها نتيجة غير مباشرة لحفاظ الاحتياطي الفدرالي على الاختلالات الاقتصادية. مع كل دورة ركود في العمل في العقود التي سبقت الأزمة، زاد الاحتياطي الفدرالي معروض الدولارات ليخفّض معدل الربح ويوسّع النظام الائتماني. لم يسمح الفدرالي للنظام أن يصلح نفسه كما يصلح أي سوق طبيعي نفسه، بل كان ردّه المستمرّ هو إنعاش قيَم الأصول بزيادة معروض المال ليستطيع الحفاظ على مستويات الدين الحالية وإنشاء مزيد من الائتمان.

بهذه الطريقة، أنشأ الفدرالي من غير قصد منه الاضطراب الذي رأيناه في النظام المالي عام 2008 لأنه خلق بيئة سمحت بتراكم درجة لا يمكن الحفاظ عليها من الرفع المالي في النظام، على مدى العقود التي سبقت الأزمة. ولئن كان الاحتياطي الفدرالي يطبق سياسات مشابهة عقودًا قبل الأزمة، فقد خلقت الأزمة بيئة قدحت استجابة أحدّ منه. عمليًّا، احتاج الفدرالي قاربًا أكبر وفي ردّه على الاضطراب في السوق، زاد معروض الدولارات في السوق بمقدار 3.6 تريليون دولار ليتجنب انهيارًا ماليًّا وشيكًا. كانت هذه المرة مختلفة، نعم، سرقت أزمة الرهون العقارية عناوين الصحف، ولكن المشكلة الأساسية كانت الأثر التراكمي للاختلالات التي حافظ عليها الفدرالي في نظام الائتمان وتراكمت دورات عديدة، بالإضافة إلى درجة الرفع الإجمالية في النظام.

في اقتصاد الفدرالي، أصبح نظام الائتمان هو آلية التسعير الهامشية. ولأن الفدرالي ملزَم بالقانون بالحفاظ على استقرار الأسعار، كان لا بد أن يحافظ على حجم نظام الائتمان ضمنيًّا ليحافظ على مستويات الأسعار العامة. في أثناء الأزمة المالية، بدأ نظام الائتمان يتقلّص وانخفضت مستويات أسعار الأصول سريعًا انخفاضًا عشوائيًّا. لعكس هذا الأثر، لم يجد الفدرالي بدًّا من زيادة المعروض المالي (التيسير الكمي) في محاولة منه للحفاظ على حجم نظام الائتمان. حتى بعد احتدام الأزمة، قرر الفدرالي أنه لا بد من إضافة تريليونات أخرى من الدولارات للاستمرار في دعم النظام المنهار، مع اعترافهم بحدود أدوات سياستهم المالية. هذه هي أزمة الفدرالي، فحتّى لو كان يعرف الحلّ، فموقفه الأصلي هو الخطأ على ناحية زيادة التيسير الكمي، لا التقليل منه.

«أريد تمامًا أن أقبل الحجّة التي تقول إن السياسة المالية ليست هي الأداة الرئيسة، وأنها ليست الخطأ الرئيس في اقتصادنا، ولكن واجبنا أن نفعل ما نستطيع، وأن نخفف الأزمة، وأن نساعد حيث نستطيع، وإن لم نستطع حل مشكلات مالية أو بنيوية أو غير ذلك».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، أغسطس 2011

«لا أعتقد أن الأمر هو أن السياسة المالية عاجزة تمامًا. أعتقد أننا يمكن أن نرى آثارها في الأسواق المالية، التي من جهتها تؤثر في الثروة والثقة ومحددات أخرى للصرف والإنتاج. فكلما كان الانتقال أضعف، فهو حجّة لزيادة الإنعاش لا لتقليله».

رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، سبتمبر 2011

فلمّا أجاب الفدرالي بالتيسير الكمي، سبب توسّع نظام الائتمان الغارق أصلًا بدين كبير توسّعًا عظيمًا. اليوم، يحمل نظام الائتمان في الولايات المتحدة دينًا يبلغ نحو 73 تريليون دولار (في النظام كله)، وهو ما يمثل زيادة بعشرين تريليونًا (+40%) عن مستويات ما قبل الأزمة (تقرير Z.1 الفدرالي الصفحة 7). كلّ هذا الدين متراكم على 1.7 تريليون دولار فقط من الدولارات الحقيقية الموجودة في النظام المصرفي (تقرير H.8 الفدرالي). تيجة ذلك، يبقى الدين كثيرًا والدولار قليلًا. لأن التيسير الكمي يسبب خلق تريليونات من الدولارات في الدين، فهو أقرب إلى الهيروئين منه إلى مضاد الالتهاب، فكلما طُبّق على النظام المالي، زاد اعتماد النظام المالي عليه وأصبحت إزالته أسوأ.

يصلح البيتكوين هذا

قبل عام 2009، كان كل الناس مجبرين على الدخول في هذا النظام، ولم يكن في الوجود مخرج حقيقي. هذا هو الخيار الذي يقدمه البيتكوين في النهاية، وهو إنما وُجد ليكون آلية رد على التيسير الكمي العالمي. ما من شرح بسيط لسبب وجود البيتكوين. لقد قدّم البيتكوين بديلًا متفوّقًا من دون تطبيق التيسير الكمي، وفي الوقت نفسه يوسّع البخس المالي العالمي الذي حدث نتيجة للأزمة الهوّة بينه وبين النظام القائم. هذا التباين يجعل مجرد وجود البيتكوين أشدّ بداهة. البيتكوين حرفيًّا موجودٌ لأن بعض الأفراد عالي الثقافة عرفوا المشكلة وعملوا على حلّها. ولكن، البيتكوين عمليًّا موجود لأنه يقدم حلًّا أفضل في جوهره لمشكلة المال.

بسبب الرفع الذي لم يزل جوهريًّا في النظام المالي القائم، لا نقول إن التيسير الكمي في المستقبل احتمال، بل هو يقين حتم. سؤال التيسير الكمي من الاحتياطي الفدرالي والمصارف المركزية في أرجاء العالم، هو سؤال «أين»، لا سؤال «هل». لم يكن نظام الائتمان مستقرًّا ولا مستدامًا عام 2008. نتيجة التيسير الكمي، توسّع نظام الائتمان ليدعم اليوم 20 تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها. في كل مرة يعلن الاحتياطي الفدرالي أو أي مصرف مركزي، دورة جديدة من التيسير الكمي، فتلك إشارة السوق التي تدعو الناس إلى شراء البيتكوين. إنه الخيار بين حمل نوع من العملة تبخسه المصارف المركزية بخسًا مستمرًّا ونظاميًّا، ونوع من العملة له معروض ثابت لا يمكن تغييره. البيتكوين هو الرقيب، وهو الموازنة، وهو طريق الخروج النهائي من المشكلة التي يقدمها التيسير الكمي.

في خطاب لفردريك حايك عنوانه ادعاء المعرفة قاله عند فوزه بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1974، يبيّن حايك المبادئ الأولى التي تجعل المعرفة المتباينة لكل المشاركين في السوق أعظم ممّا يستطيع أي عقل مفرد حيازته. بهذا الاستدلال، يفسّر حايك عيب النظرية الاقتصادية الكلية السائدة والسياسة المالية السائدة التي تقود المصارف المركزية. ويفسّر كيف أن أدوات سياسة المصارف المركزية، وتحديدًا التيسير الكمي، ضرّها أكبر من نفعها. أنصح قراءة الخطاب الكامل لأنه يقدّم سردية معارضة للثقافة السائدة في صناعة السياسة الاقتصادية اليوم. نظامنا الحالي يثق بأفراد معدودين لتوزيع تريليونات الدولارات. وليس الأمر أن هؤلاء الأفراد قليلو المعرفة، بل أن أي مجموعة صغير من الأفراد معارفها أقل بكثير من مئات ملايين الأفراد الذين يشكلون الاقتصاد.

ادّعاء المعرفة حايك (خطاب جائزة نوبل، 1974)

بمحاولة إدارة اقتصاد كامل بالتلاعب بمعروض المال، لا تحلّ معرفة القلّة محل معرفة الجميع، بل تفسد القاعدة المعرفية الجمعية كلها. في هذا الحال، لا يمكن أن تعمل الآليات التي تحكم العرض والطلب عملًا فاعلًا، وهو ما يؤدي إلى اختلال لا يمكن الحفاظ عليه إلا ما دام التلاعب بالسوق ممكنًا. في النهاية، يكون الأثر السلبي على الاقتصاد أعظم بكثير ممّا كان ليكون لولا تدخل المصرف المركزي. إن الأزمة المالية هي أولى الأزمات، ولم يتركنا رد التيسير الكمي إلا في وضع أقل استقرارًا اليوم. الأثر في الدرجة الأولى: بخس العملة، والأثر النهائي: تدهور البنية الاقتصادية التي يقوم عليها النظام كلها. البيتكوين مصمم لحل هذا الأمر ولكن ينبغي ألا نظن أن هذا الانتقال سيكون سهلًا أو بلا ألم، لأنه انتقال من نظام مثقَل بعقود من الاختلالات المتراكمة.

ينشئ البيتكوين نظامًا يتيح نشاطًا اقتصاديًّا غير مشوّش، ويحقق ذلك بمعروض مالي ثابت، تحكمه آلية إجماع سوقي. إن آلية الإجماع هذه هي الطريقة التي يتخلّى بها البيتكوين عن «الوعي بالسلطة» عند الصيارفة المركزيين، ويعتمد بدلًا منه على المعرفة المتوزعة على كل المشتركين في السوق. وهو نظام طوعي تمامًا. إذا كنت تحب نظامك المالي الحالي، فاهنأ به (الآن على الأقل). ولكن، تميل الأنظمة المالية إلى وسيط واحد، لذا، إذا حدث انتقال جماعي إلى البيتكوين بوصفه أصدق مخزن للقيمة على المدى الطويل، فسيصبح الأمر أقرب إلى الإجبار في المستقبل. مع تزايد دخول الناس في البيتكوين، تتبيّن مشكلات النظام الحالي أكثر، وهو ما يسرّع الحاجة إلى التيسير الكمي. كلما زاد الميل إلى حفظ الثروة في البيتكوين، قلّ طلب حفظ الثروة في الأصول التي هي دعامات نظامنا الائتماني الحالي. في الحقيقة، سيؤثر الانتقال المتزايد إلى البيتكوين أثرًا مباشرًا في النبض الائتماني في النظام كله، وهو ما سيزيد حاجة النظام المالي القديم إلى الاعتماد على التيسير الكمي لحفظ نفسه.

قد يكون البيتكوين هو الطريق الملتوي الماكر حول نظام الفدرالي الاقتصادي، ولكنه سيكون على حساب النظام القديم. والنتيجة المؤقتة للانتقال إلى البيتكوين هي التقلّب الاقتصادي الكلي. قد يلام البيتكوين خطأً على عِلَل النظام القديم، ولكن الحقيقة هي أن الإقلاع عن إدمان التيسير الكمي عملية صعبة وضرورية. قد لا يعجب أصحاب وادي جاكسون هذا الكلام، ولكن نتائج إيجابية ستنتظرنا على الضفة الأخرى. وإلى جانب هذا، فالأمر في يد السوق الحرة اليوم.

«لا أعتقد أننا سنرى مالًا ‹جيّدًا› من جديد قبل أن نخرج أمر المال كله من أيدي الحكومة، بطريقة ملتوية غير مباشرة، ونقدّم شيئًا جديدًا لا تستطيع الحكومة إيقافه».

فردريك فون حايك
Tagged : / / /

البيتكوين ليس شديد البطء

المقال الأصلي | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

في كتاب بيتر ثيل، من الصفر إلى الواحد، يشرح الكاتب أثر التكنولوجيا الجديدة على بناء مستقبل غير صفري المجموع. ومع أن الكتاب يركّز على الأفراد والشركات، فإن البيتكوين من حيث هو نظام مالي هو القفزة التقانية العظمى من الصفر إلى الواحد. ليعطي أمثلة تاريخية، يذكر ثيل صعود المحرك البخاري والانتقال من آلات الكتابة إلى معالجات الحواسيب، وأمثلة أخرى. ويفصّل أيضًا رأيًا قائلًا إن الابتكار ركَد منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين، إذ أصبح التقدم منذ ذلك الوقت 1 إلى ن، لا 0 إلى 1. يصلح البيتكوين هذا. إن ابتكار البيتكوين ليس مجرد صفر إلى واحد، بل هو مستقل أساسًا عن نوع الابتكار الذي ركّز عليه ثيل في كتابه. البيتكوين بروتوكول مالي قائم على الندرة الرقمية، له أثرٌ سيكون أوسع من محركات البخار ومن معالجات الحاسوب.

يصلح البيتكوين هذا

في الإنترنت ميم جديد، مهما كانت المشكلة، يقول: يصلح البيتكوين هذا. الربح السلبي للدين؟ يصلح البيتكوين هذا. التفاوت في الثروة؟ يصلح البيتكوين هذا. الحرب العالمية التي لا تنتهي؟ يصلح البيتكوين هذا. الأزمات المالية؟ يصلح البيتكوين هذا. ثقافة الغضب؟ يصلح البيتكوين هذا. لسنا نعرف تمامًا كيف سيصلح كل ذلك، لكن الفكرة تبيينٌ للقوة الموازِنة للنظام المالي المستقر السليم، التي ستؤثر في كل جانب من المجتمع. المال وظيفة التنسيق في المجتمع. يسمح المال بتعاون ملايين الناس الذين لم يكن لهم لولاه أي سبيل إلى التعاون. والبيتكوين أداة تسمح بتنسيق أسلَم لأنه منيع على التلاعب وخالٍ من المجازفات الأخلاقية. يعمّم البيتكوين مسألة «1 إلى ن» (لا بالمعنى الجليّ الذي وصفه ثيل)، ولكن الحلول لتوسيع نطاق البيتكوين ستكون تراكميّة طبعًا. إن الفائدة غير صفرية المجموع التي تتبع ذلك قد لا تشفي حرفيًّا كلّ علّة في العالم، ولكن ابتكار تغيير صنَع شبكة ماليّة على شكل دالّة درَجيّة، مختلفٌ عن أي منتج لأن المال هو السلعة التي تنظم كل الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

«المشكلة تحديدًا هي كيف نوسّع نطاق استعمالنا للموارد توسيعًا يجعله أوسع من نطاق سيطرة أي عقلٍ مفرَد، ومن ثم، كيف نستغني عن الحاجة إلى السيطرة الواعية، وكيف نقدّم دوافع تجعل الأفراد مريدين لفعل المرغوبات من دون أن يضطر أحد إلى أن يأمرهم بذلك».

فردريك حايك،«استعمال المعرفة في المجتمع»

كتب حايك عن ابتكار المال وعن آلية السعر وسيلةً تتيح للمجتمع أن يتخلى عن الحاجة إلى «السيطرة الواعية» البيتكوين هو الخليفة الأعظم لهذه الآلية، وابتكاره الذي هو من صفر إلى واحد هو الندرة الرقمية، لا الدفع ولا سرعة التحويلات. ولئن كانت خصيصة الندرة في البيتكوين لم تزل محتاجة إلى اختبارات أخرى، فإنها مع ذلك إنجاز عميق هو الذي يجعل البيتكوين فريدًا. لم يكن قبل البيتكوين أي أصل، رقمي أو فيزيائي، له ندرة محدودة، إن النتيجة الأخيرة لهذا الابتكار هي إنشاء أصعب نوع من المال في التاريخ. هذا إنجاز صفر إلى واحد، وظاهرة لن تتكرر أبدًا، يقينًا.

كل مشكلة أخرى يحتاج البيتكوين إلى تجاوزها تافهة أمام مسألة الندرة. الدفعات الرقمية؟ إن الفكرة القائلة إن الذكاء الإنساني قادر على بناء ندرة رقمية ولكنه عاجز عن بناء طبقات فوقها لتقنيات الدفع فكرة متناقضة. تقنيات الدفع هي ابتكارات من شاكلة 1 إلى ن، ستبنى على أساس البيتكوين لتعمّم اعتماده. وليس الأمر أن الدفعات أسهلُ حلًّا وحسب، بل وأن مسألة حلّها ليست قضية أساسية يجب حلها اليوم. الاستعمال الرئيس اليوم للبيتكوين هو آليةً للادخار والتوفير، لا للدفع. مع الوقت، ومع ازدياد الاعتماد وبناء البنى التحتية، سيتطور البيتكوين إلى عملة أقرب إلى التحويلية، ولكن هذا العملية ستكون تدريجيًّا، لا فجأة. وإلى أن يحصل هذا الانتقال، سيبقى معتمدو البيتكوين يستعملون الأنظمة المالية القديمة وسكك الدفع.

ليست سكّة مدفوعات

لن تكون سلسلة كتل البيتكوين أبدًا طبقة للمدفوعات الكثيرة، ولكن هذه المسألة فيها مقدار كبير من الجدل. يعتقد كثيرون أن البيتكوين لن ينجح إلا إذا أصبح كالمتجر الذي يبيع كل شيء، فيجمع أدوار مُصدر العملة، وطبقة التسوية، وسكّة المدفوعات. ومع أن البيتكوين يفي بأوّل وظيفتين وفاءً حسَنًا (مُصدر عملة وطبقة تسوية)، فإنه قطعًا ليس سكّة مدفوعات. لعلّتي السرعة والتوسّع، يخفق البيتكوين في اختبار المدفوعات. والحل؟ لسنا محتاجين إلى شبكة البيتكوين لتكون سكّة مدفوعات.

كثير من اللَّبس في النقاش الفلسفي (لا التقني) آتٍ من فاتحة الورقة البيضاء: «نظام نقد إلكتروني من نظير إلى نظير». فسّر بعض الناس أن كونه من نظير إلى نظير يقتضي أنه يجب أن يستطيع معالجة كل تحويل في العالم بين أي نظيرين. ومن ناحية أخرى، يعتقد آخرون أن حوالات البيتكوين إذا لم تكن بسرعة حوالات فيزا وماستر كارد وتوسّعهما، فهي معيبة بنيويًّا. فعليًّا، يقول المشكّكون، إذا لم يحقق البيتكوين كلا هذين المعيارين، فقد أخفق في الوفاء بوعده. ولكنه، والحمد لله، لم يخفق.

ولأعطيك خلفية إضافية، اعلم أن كُتَل البيتكوين تُحَلّ الواحدة منها كل 10 دقائق بالمتوسط، ولكنها لا تُحلّ كل عشرة دقائق بالضبط في جدول ثابت. قد تنحلّ الكتلة التالية في دقيقة أو عشرين دقيقة أو ثلاثين ثانية أو 36 دقيقة. تعدّل الشبكة صعوبتها ليكون حلّ الكُتَل بالمتوسط كل 10 دقائق. كيف سيستطيع تاجر أو معالج تحويلات أن يعيش في عالم بهذا البطء وهذه الفوضى؟ أضف إلى ذلك أن كتل البيتكوين لها مساحة محدودة لاحتواء التحويلات. ومع أن سَعة الكتلة ليست محدودة بعدد التحويلات، فإن كل تحويل يستهلك مقدارًا محدودًا من مساحة الكتلة، ولأن سعة الكتلة محدودة، تحوي كل كتلة 2700 تحويل تقريبًا بالمتوسط. بتقدير فاصل 10 دقائق بين كل كتلة والتالية، لدينا 6 كتل في الساعة، و24 ساعة في اليوم، و365 يومًا في السنة، فتكون طاقة الشبكة تقريبًا 145 مليون تحويل في السنة، أي تقريبًا 4.6 تحويل في الثانية. أما فيزا مثلًا فتعالج 124 مليار تحويل في العام، بمعدل 4 آلاف تحويل في الثانية (انظر هنا).

كيف يكون البيتكوين محرّكًا من نظير إلى نظير يدعم نظامًا ماليًّا عالميًّا، إذا لم تكن طاقته ولا سرعته إلا جزءًا من ألف جزء من طاقة فيزا وسرعته؟ لم تزل الحقيقة دائمًا أن البيتكوين إذا كانت قيمته أكبر من الصفر، فإن النتيجة هي نظام قيّم جدًّا لا تستطيع أي طبقة أساسية معالجة كل الحوالات فيه من دون التخلي عن اللامركزية أو المناعة على الرقابة. من دون هذه الخصائص، لن يكون البيتكوين ابتكارًا من صفر إلى واحد، وسيتعطّل تابع قيمته. في النهاية، تقدم طبقة بروتوكول البيتكوين وظيفة إصدار المال والتسوية النهائية، ولكنها غير قادرة على تخزين كل شراء صغير، لكلّ أحد إلى آخر الزمن.

بل، إذا كان الحال هو الأخير، (أي إذا كانت قادرة على تسوية كل الشراءات الصغيرة)، فمعناه أن كل تحويلات الناس جميعًا، مهما كبرت أو صغرت، ستحفَظ وتحقَّق عند كل شخص على الأرض. من دون آلية لمواءمة مصالح المشتركين في الشبكة، تنشأ مأساة المشاع وتكون النتيجة نظامًا أقل أمانًا وخاضعًا للمركزية. بدلًا من ذلك، نقبل نظامًا يحدّ التحويلات في الطبقة الأساسية، وينقل بعض النواحي التحويلية في البيتكوين إلى طبقات مستقلة تتكامل مع البيتكوين. هذه التنازلات لا بد منها لحماية أساس نظام البيتكوين المالي (اللامركزية ← مقاومة الرقابة ← المعروض الثابت).

يستدلّ كثير من الناس بالنص الوارد في ورقة البيتكوين البيضاء التي أصدرها مؤسس البيتكوين مجهول الاسم، يستدلّون به على أن المقصود من البيتكوين كان تحقيق كل دفعة مالية ممكنة من كل نظير في الشبكة. فالنص يقول «نظير إلى نظير تمامًا». ولكن آلية الإجماع في البيتكوين أهم من أي شيء مكتوب في هذه الخلاصة (أو أي تفسير آخر). كل نقطة أساسية في البيتكوين مفروضة بإجماع المشتركين في الشبكة، ومن ذلك المعروض الثابت وسعة كل كتلة، وهذه الأخيرة هي التي تحدّ عدد التحويلات الذي تستطيع الشبكة معالجته. هذا هو الفرق الأساسي بين البيتكوين والنظام المالي القديم: السياسة المالية بالإجماع لا بالأمر والنهي. بنى مؤسس البيتكوين نظامًا أزال سلطة اتخاذ القرارات من أي جهة مركزية، وجعلها في يد حكمة إجماع السوق. إنه نظام مرن بما يكفي لُيعتمد ولكنه صارم بما يكفي ليكون كل تغيير فيه صعبًا. نتيجة لذلك، يجب على النظراء في الشبكة أن يقرروا، على أساس لا مركزي، كيف يمكن توسيع البيتكوين. إن آلية الإجماع هذه هي الطريقة التي يتخلّى بها البيتكوين عن «الوعي بالسلطة».

التنازلات الأمنية

كل شيء يكون بتنازلات. في البيتكوين، لدينا كأسان مقدّستان: معروض ثابت قيمته 21 مليونًا، ومنع العملة الواحدة من أن تصرَف مرّتين. إن قيمة البيتكوين آتية من قدرته على حماية هاتين الوظيفتين على أساس لامركزي لا حاجة فيه إلى الثقة، وكلاهما مرتبط بثبات سعة شبكة البيتكوين. فكّر في المساحة في كل كتلة بيتكوين كما تفكر في العقارات القيّمة. لا بد أن يتنافس كل المشتركين في السوق الذين يريدون تسوية حوالات البيتكوين ليحصلوا على حصّة من هذه المساحة. إن ندرة سعة الشبكة هي الطريقة التي يستمثل بها البيتكوين موارده المشتركة. أو، فكّر في الأمر على أنّه حلّ البيتكوين لمأساة المشاع. يضمن التنافس على هذا المورد النادر أن المورد يستعمَل استعمالًا فعّالًا وأن قيمته هي أعظم ما يكون. في النهاية، تجعل الندرة الفاعلين في السوق يتنافسوا، ويزايدون على قيمة سعة الشبكة، لئلّا يجرّوا على بقية الشبكة عوامل خارجية سلبية.

في سوق البيتكوين الحرة، تُجعَل الأولويّة لأقيَم الحوالات وأربحها. من دون ندرة سعة الحوالات، ستتعطل هذه الوظيفة. إن استمثال البيتكوين للحوالات الصغيرة أقلّ أهمّية من ذلك، ووجود الندرة أهمّ. لا يعرف أحدٌ على وجه التمام المقدار المثالي لسعة الحوالات في أي وقت من الزمان، لأن الطلب متغيّر دائمًا من جهة، ولأن الطلب متزايد بالعموم من جهة أخرى. أهم شيء أن تكون السعة معلومة ونادرة، وهو ما يتيح للفاعلين في السوق أن يخططوا، ثم أن يتنافسوا. لا يمكن استنفاد المشاعات أبدًا، بل يتنافس المشتركون فيها ويبتكرون ليكتشفوا أفضل الطرق لاستعمال أصل نادر. تضمن الندرة أن المشاعات لا يساء استخدامها، وتخلف معدل تطور يمكن توقعه لحجم سلسلة الكتل الكلي للبيتكوين، وهو ما يحمي الشبكة في النهاية ويزيد لامركزيتها.

كما ناقشنا في نسخة سابقة (انظر هنا)، يحمي المعدّنون شبكة البيتكوين بتسخير موارد طاقة من العالم الحقيقية ليُعملوا خوارزميات تشفير تحلّ كُتل البيتكوين. بحلّ الكتل، يحقق المعدّنون تاريخ البيتكوين ويسوّون آخر الحوالات ثم تحققها بقية الشبكة. بالمقابل، يُدفع لهؤلاء المعدنين بالبيتكوين. سخّر موارد لحماية الشبكة، تدفع لك الشبكة بعملتها. يكون التعويض الفعلي للمعدّنين على ضربين: البيتكوين الصادر جديدًا ورسوم الحوالات. لكي يسخّر المعدنون الموارد اليوم لحماية الشبكة، يجب أن يكونوا على ثقة أن التعويض الكلّي سيحافظ على قيمته في المستقبل.

تقريبًا، كل أربع سنوات، تنصَّف العملات الجديدة المدفوعة إلى المعدّنين (فيما يسمّى: التنصيف). اليوم، يحصل المعدّنون على 12.5 بيتكوين (جديدة) في كل كتلة. في ثمانية أشهر تقريبًا، عندما يأتي التنصيف الآتي (انظر هنا)، ستقل هذه القيمة إلى 6.25 في كل كتلة. وبعد أربع سنين تقريبًا من هذا، يصبح معدّل إصدار البيتكوين 3.125 في كل كتلة. ستستمرّ هذه العملية حتى نبلغ أصغر وحدة من البيتكوين (جزء من مئة مليون جزء)، ثم ينتهي إصدار البيتكوين. هذه هي وظيفة الإصدار التي تحكم معروض البيتكوين الثابت (21 مليون)، ولأنها وظيفة اشتقاقية، فإنها تنقل التعويض عن حماية الشبكة من البيتكوينات الصادرة جديدًا تدريجيًّا إلى الاعتماد على رسوم الحوالات.

ما علاقة هذا بفيزا وسعة الحوالات؟ لولا ندرة سعة الكتلة الواحدة، لن يكون عندنا آلية لخلق سوق رسوم حوالات. تنشئ الندرة في مساحة الكتلة تنافسًا بين المشتركين في السوق يجعلهم يزايدون على قيمة العقار ويستعملونه استعمالًا فعّالًا. من دون سوق رسوم، لن يكون عندنا آلية للدفع إلى المعدنين سوى تغيير السياسة المالية للبيتكوين وزيادة المعروض. ولكن تذكر أن الندرة في معروض البيتكوين الثابت هي أساس قيمة البيتكوين، التي عليها مدار الحديث كله. بخلق ندرة في قدرة الشبكة، نضمن أيضًا سلامة المعروض المالي الثابت، وهو الذي يخلق تابع القيمة الدوري. فإذا نظرنا في هذا الواقع، وجدنا أن الندرة خصيصة أهم بكثير من السرعة ومن سعة الشبكة بالنسبة للحوالات.

قدرة الشبكة المحدودة ← قدرة التحويل المحدودة ← سوق الرسوم ← معروض البيتكوين الثابت

ولأن المشكلة الحقيقية التي يريد البيتكوين حلّها هي مشكلة المال والتيسير الكمي العالمي (وليس مشكلة المدفوعات)، فإن الذين يخزنون ثروتهم في البيتكوين حماية معروض البيتكوين الثابت أحبّ إليهم من التضحية بسلامة الشبكة وموثوقيتها من أجل معدل إجراء الحوالات. باختصار، مستقبل البيتكوين آمَن بكثير في عالم يستطيع فيه كل المشتركين في السوق الاطمئنان إلى معروضه الثابت النادر، مع قبول معدل إجراء الحوالات الأخفَض والسرعة الأخفَض تنازلاتٍ لتحقيق ذلك. ما نفع ارتفاع معدل إجراء الحوالات ورفع السرعة إذا كانت القيمة التأسيسية التي تقوم عليها العملة في خطر؟ لقد تنازل النظام المالي الحالي فعلًا التنازلات المناقضة لذلك. ففي نظامنا الحالي معدل إجراء حوالات عالٍ وسرعة عالية جاءت بها المركزية على حساب أن البنية نفسها عرضة للبخس المالي النظامي. البيتكوين هو البديل، ولا حاجة لنا إلى تكرير الخطأ نفسه مرتين.

بيتكوين فيزا

في النهاية، ليس البيتكوين منافسًا لفيزا على التفوّق في المدفوعات العالمية. بل هو منافس للدولار واليورو والين والذهب، من حيث هو مال، وكل مقارنة بفيزا وقدرتها وسرعتها في التحويل، هي مقارنة معيبة في أصلها. حقّق البيتكوين دورَه مصدرًا للعملة وطبقةً للتسوية النهائية. نتيجة لذلك، فالمقارنة الصحيحة هي بين البيتكوين والاحتياطي الفدرالي، لأنه مصدِر عملة وله آلية تسوية. لم يخطئ أحد ويقارن وظائف فيزا بوظائف فدرالي نيويورك، ولكن لسبب ما، لطالما قورنت فيزا بالبيتكوين.

ولئن كان الأمر محتاجًا إلى وقت واستثمار، فإنه ممكنٌ أن تقوم شبكة مدفوعات فيزا على أساس شبكة البيتكوين لتحقيق المدفوعات، كما تقوم اليوم على أساس النظام المصرفي القائم. وإذا تحقق، تكون تسوية المعاملات فيه في شبكة البيتكوين لا في المصرف المركزي. في البنية الحالية، طبقة المدفوعات (فيزا) وطبقة التسوية (شبكة البنوك والمصارف المركزي) طبقتان مستقلتان ومختلفتان. المشكلة الأساسية التي يريد البيتكوين حلّها ليست مشكلة في طبقة المدفوعات، بل هي في آلية إصدار المال وتسوية المعاملات (فكر في الاحتياطي الفدرالي والتيسير الكمي). فيزا تساعد على نقل الدولار ولكنها ليست هي الدولار. إنما هي شركة تكنولوجيا تقدم خدمة، وفيها 17 ألف موظف. البيتكوين ليس فيها أي موظف.

سواءٌ بالائتمان أو بالاستقراض، فيزا نظام ائتماني قائم على الثقة في جوهره. ولئن كان المستهلكون يتعاملون بتمرير بطاقة فيزا (أو مكافئتها) في محل البيع ويرون أن هذا دفع، فالحقيقة أن الدفع لم ينته. الذي يحصل: يُنظَر إلى الميزانيات، وتُحقّق التحويلات، وتحدث التسوية بعد ذلك. الدولارات لا تسوّى في المصرف المركزي في نقطة البيع كل مرة يجري تحويل. أما الحوالات المفرَدة فلا تسوّى فعليًّا. لكن، تُجمَع الحوالات معًا، ويحسَب صافيها، ثم تسوّى لاحقًا، بعد ذلك يكون في الحسابات ميزانياتها الصحيحة. لذا، إذا حاول أحد أن يجعل الحوالة بالفيزا كالتسوية النهائية، فهو مخطئ. ومع ذلك، هذه هي المقارنة التي تجري عندما يحاول أحد مقارنة الفيزا بالبيتكوين.

البيتكوين أمام الاحتياطي الفدرالي

إذا قورن البيتكوين بمنافسيه حقًّا (الاحتياطي الفدرالي، وبنك أوروبا المركزي، وبنك اليابان، وغيرها)، بدأ يظهر بمظهر الفراري. تجري التسوية النهائية العالمية كل 10 دقائق، على مدار 24 ساعة في اليوم، 7أيام في الأسبوع، و365 يومًا في السنة، من دون الحاجة إلى إذن طرف ثالث. قارن هذا بالنظام المالي الترخيصي القائم، الذي تمرّ فيه الحوالة بطبقات من الوسطاء كالبنوك العادية والمركزية التي لا تفتح إلا في ساعات «العمل». هذا هو الخطأ الأكبر في البيتكوين. إن الذين يعتقدون أن البيتكوين بطيء جدًّا أو أنه قليل القدرة، يقارنونه بالتطبيق الخاطئ. يمكننا أن نقيم شبكة مصارف على شبكة البيتكوين وسيعمل نظام المدفوعات فيها كما يعمل اليوم.

الرادع عن هذه الفكرة هو خطر المركزية. إذا كان البيتكوين سيقعد في المصارف المركزية، فسيزيد هذا احتمال إجبار البيتكوين على أن يصبح جزءًا من المنظومة القائمة، وتقويضه على يد المصارف والمصارف المركزية، سواءٌ بإجبار تغييرات على إجماع الشبكة أو بالرقابة على المستخدمين. في النهاية، هذا هو سبب إخفاق الذهب من حيث هو وسيط مالي. كان الذهب معرّضًا للمركزية، وهو ما ولّد العملات الحكومية بعد ذلك، التي تبيّن بعد ذلك أن التلاعب بها سهل. ولئن كان بعيدًا أن يتوسع البيتكوين بهذه الطريقة (نرجو)، فإن مسألة المال ومسألة المدفوعات مسألتان مستقلّتان. السبب الأساسي هو أن لكل نقل قيمة جهتان: الجهة الأولى دائمًا فيها المال، والجهة الثانية فيها تقديم الخدمات والسلع. تساعد طبقات الدفع على توفير جسر.

بسبب طبيعة التجارة، تحدث جهتا نقل القيمة عمومًا وبالطبع، عن عمليات مختلفة وفي نقاط مختلفة من الزمن. فكر في تسوية العملة على الجهة الأولى ونقل ملكية المنزل أو السيارة على الجهة الأخرى. أو، الدفع لسلعة على أمازون وتقديم تلك السلعة بعد يومين. عمليتان مختلفتان، تجري كل واحدة في وقت مختلف. ومن المهمّ أن ندرك أن البيتكوين لا علم له بالعالم الخارجي، سواءٌ بالهويات أو بالجهة الثانية من نقل القيمة، كل ما يعرفه البيتكوين هو كيف يصدر العملة وكيف يتحقق منها. هذه هي وظيفة كل نظام عملة أساسي، وهذه هي حدوده. تقدم طبقات المدفوعات جسرًا بين تسوية العملة (الاحتياطي الفدرالي أو البيتكوين)، وتقديم السلع والخدمات. حلّ الذهب مشكلة المدفوعات بالمركزية المصرفية، والدولار، والاحتياطي الفدرالي، ومعالجات المدفوعات الكبيرة كالفيزا. أما البيتكوين فالراجح أنه سيحل مسألة المدفوعات بآلية متفوّقة تقنيًّا، ولكن أمامنا وقت لنحل هذه المشكلة التي هي مستقلة عن مشكلة المال.

توسيع البيتكوين من 1 إلى ن

إذا حللنا مشكلة المال بالندرة الرقمية أوّلًا (0 إلى 1)، فإن التقدمات التقنية لتوسيع التحويلات ستحل مسألة المدفوعات التي هي مسألة 1 إلى ن. ليس منطقيًّا أن نظن أن الذكاء الإنساني يستطيع حل المسألة الأولى ثم يخفق في حل الثانية. المسألة ليست مسألة أمَلٍ وإيمان، بل هي مسألة عقل ومنطق، بالنظر إلى التقدمات في حلول التوسيع التي يُسعى فيها الآن وإلى حجم التحديات أمام حجم المشكلة التي حلها البيتكوين. الابتكارات التي لا تحتاج ترخيصًا، والدوافع الاقتصادية الجوهرية في البيتكوين، ستنظم وتسرّع حلول أي تحدٍّ يظهر في المستقبل. عند المشتركين في السوق دافع لزيادة قيمة الشبكة وللابتكار لتوسيعها، ولكن الحلول يجب أن تعمل في داخل إجماع الشبكة، أو أن تجمع إجماعًا كافيًا لتغيير قوانينها.

بسبب طبيعة الدوافع الاقتصادية في البيتكوين، ستعمل حلول التوسيع (على الأرجح) في قوانين الإجماع الموجودة أصلًا. من أمثلة هذا التقدم لتوسيع البيتكوين داخل إجماع الشبكة: الشبكة البرقية. تبني الشبكة البرقية على أساس البيتكوين طبقةً لا تحتاج إلّا إلى أقلّ الثقة لتوسيع القدرة التحويلية، وهي طبقة لم تزل مستقلة تمامًا عن إشباع المدفوعات. ولكن، إذا نجحت شبكة البرق ستستعمَل لإنشاء قنوات دفع في البيتكوين تتيح معدّل حوالات أكبر بكثير بتكاليف أصغر بكثير، بسرعة وسعة تضاهي فيزا. قد لا تكون شبكة البرق هي الحل النهائي، ولكنها مثالٌ على ابتكار تبنّاه البيتكوين. الشبكة البرقية كذلك واحدة من حلول كثيرة تطوَّر اليوم، وسيقودنا التنافس إلى أفضل الحلول، التي قد يكون منها جمعٌ لأكثر من حل واحد.

إن عملية توسيع البيتكوين عملية بطيئة ومحافظة. البيتكوين أهمّ من أن يتبع شعار وادي السليكون «تحرّك بسرعة وكسّر الأشياء». لكنه يتحرك ببطء ولا يكسر أي شيء. إذا بُني نظام مالي عالمي على نظام مالي لا مركزي، فلا بد من حماية الأساس مهما كلّف الأمر. اضمن أمان الطبقة المالية الأساسية (البيتكوين) أوّلًا، ثم أتح للمستخدمين أن يبتكروا فيه من دون إذن أحد. تذكّر أن البيتكوين لم يزل ابن عشرة أعوام، وأننا لم نزل في بداية حدث تموّل البيتكوين، وأن بنيته التحتية لم تزل تبنى لتتيح انتشار التقنية الجديدة.

إنه من التفاهة بمكان أن يتبصّر المرء في المشكلة التي حلّها البيتكوين ثم يذهب مباشرة إلى التفكير في «لمَ لا نستطيع إجراء حوالات كثيرة اليوم». لا سيما بالنظر إلى أن البيتكوين، في وظيفة التسوية، أسرَع وأوثق من الآليات العالمية لتسوية الدولار واليورو والين والذهب. ثم، إذا فهم المرء أن الاستعمال الأساسي للبيتكوين اليوم هو أنه آلية توفير على المدى الطويل (ليس لتحقيق المدفوعات)، تبيّن له أن المشكلة لم يسَأ تشخيصها وحسبُ، بل وأننا قادرون على انتظار الحلول المرغوبة. سنحتاج إلى القدرة على إجراء المدفوعات في المستقبل، ولكن أمامنا وقت لنصل إلى هنالك. إلى ذلك الوقت، سنبقى جامعين للمجد من أطرافه.

Tagged : / /

البيتكوين لا يهدر الطاقة

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

كم مرّة استمعت إلى تعليمات السلامة قبل أن تقلع في طيارة تجارية عادية؟ الراجح أنك تحفظ هذه التعليمات عن ظهر قلب، ولكن، في كل مرة، قبل إقلاع الطائرة، تتلو مضيفات الطيران على المسافرين مع أطفالهم أن يضعوا قناع الأكسجين أوّلًا ثم الاهتمام بالأطفال. بديهيًّا، هذا أمر يخالف الحدس. منطقيًّا، إنه أكثر أمر مقنِع في العالم. تأكّد أنّك تتنفّس، لكي يتنفّس الولد المعتمد عليك أيضًا. هذا المبدأ نفسه ينطبق على وظيفة التعاون في المال في اقتصاد ما، وعلى الموارد اللازمة لحماية هذه الوظيفة. في تنبيه فلسفي أكثر، قد تقول مضيفة الطيران: «تأكّدوا رجاءً أن معروض المال آمن لكي نستطيع أن ننظّم نشاط ملايين الناس حول العالم ليبنوا هذه الطائرات شديدة التعقيد التي لولا هي ما استطعتم أصلًا التفكير في المشكلة التي سأبيّنها لكم الآن».

سنعود إلى هذا، ولكن، اعلم أنه لا أمل أن تفهم مقدار الطاقة الذي يستهلكه البيتكوين قبل أن تقدّر الدور الأساسي الذي يلعبه المال في تنظيم النشاط الاقتصادي. ما هو المال؟ كيف يعمل؟ كيف ينبغي أن يعمل؟ ما وظيفته في المجتمع؟ إذا لم تجد إجابات لهذه الأسئلة، لن تدرك ثقل المشكلة التي يريد البيتكوين حلّها. ومن دون إدراك المشكلة، لن تقدّر أبدًا تكلفة حلّها.

أي عدد من الناظرين المكترثين سيرفعون الراية الحمراء إذا رأوا مقدار الطاقة الذي تستهلكه شبكة البيتكوين. يأتي هذا القلق من فكرة أن الطاقة المستهلكة في شبكة البيتكوين يمكن أن تستهلَك في أشياء منتجة أكثر، أو أن استهلاك كل هذه الطاقة هكذا يضرّ البيئة. كلا الرأيين يتجاهل الأهمية الأساسية لاستهلاك الطاقة في شبكة البيتكوين. على المدى الطويل، لعلّنا لن نجد استهلاكًا للطاقة أعظم أو أهم من استهلاكها لحماية تماسك شبكة مالية، في هذه الحالة، شبكة البيتكوين. ولكن، لن يوقف هذا الذين لا يفهمون المشكلة، سيستمرّ قلقهم.

«إن الطبيعة الهدّارة الجوهرية في تعدين البيتكوين تعني أنه ما من حلٍّ تقنيّ سهل قادم». 

ذا غارديان

«في سياق التغير المناخي، وحرائق الغابات الهائجة، والأعاصير المحطمة للأرقام القياسية، يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا أسئلة صعبة عن أثر البيتكوين على البيئة». 

فايس ميديا

استهلاك البيتكوين للطاقة

أوّلًا، يحمي البيتكوين شبكة لا مركزية من العقد (وهي حواسيب تشغّل بروتوكول البيتكوين). هذه العقد الاقتصادية في الشبكة تولّد التحويلات وتحققها وتمررها، وتحقق بعد ذلك الكُتَل (وهي مجموعة مسلسلة زمنيًّا من الحوالات)، وتمرّرها. تقوم عُقَد التعدين بوظائف مشابهة ولكنها تقوم أيضًا بوظيفة برهان العمل، لتوليد الكتل وحلّها ونقلها إلى بقية الشبكة. بالقيام بهذا العمل، يتثبّت المعدّنون من تاريخ البيتكوين وقومون بوظيفة “التسوية” للحوالات الجارية، التي تمرّ بعد ذلك على كل العقد لتتثبت منها أيضًا. الأمر أشبَه بتسوية الحوالات في فدراليّ نيويورك ولكن على أساس لامركزيّ تمامًا، يجري كل عشر دقائق (بالمتوسط).

يتطلب العمل هذا كميات كبيرة من الطاقة للمعالجة، يقدّمها المعدّنون من شتّى أنحاء العالم، لتعمل الشبكة 24 ساعة في اليوم، و7 أيام في الأسبوع. قوة المعالجة هذه محتاجة إلى الطاقة. ولكي أعرّفك السياق، تستهلك شبكة البيتكوين حاليًّا (وقوّة الحوسبة فيها 75 إكسا هاش في الثانية) نحو 7 إلى 8 غيغا واط من الكهرباء، وهو ما يعني نحو 9 ملايين دولار في اليوم (أو نحو 3.3 مليار دولار في السنة) من الطاقة، بتكلفة حدّيّة تبلغ 5 سنتات لكل كيلو واط ساعي (تقديرات تقريبية). بناءً على المتوسطات في الولايات المتحدة، تستهلك شبكة البيتكوين قريبًا ممّا يستهلكه 6 ملايين منزل. نعم، لا شك أن هذه كهرباء كثيرة، ولكنها هي التي تحمي شبكة البيتكوين وتدعمها.

معدل الهاش في الثانية على شبكة البيتكوين

كيف يمكن تبرير كل هذه الطاقة؟ وماذا ستستهلك الشبكة إذا أصبح مستخدموها مليار إنسان؟ الدولار ممتاز وكافٍ، أليس كذلك؟ هذه هي القضية، ليس الدولار كافيًا ولا جيّدًا. هذه الموارد كلها مسخّرة لحل مشكلة لا يفهم معظم الناس أنها موجودة، وهو ما يجعل تبرير التكلفة الاشتقاقية تحدّيًا. لكي نخفف آلام البيئيين ومناضلي العدالة الاجتماعية، نشير عادة إلى قصص مشابهة لنجعل الأمر سائغًا أكثر: 

  • قسم كبير من استهلاك الطاقة في شبكة البيتكوين مولّد من مصادر متجددة.
  • سيحفّز البيتكوين الابتكار في تطوير تقنيات وموارد طاقة متجددة.
  • البيتكوين يستهلك طاقة لولاه لكانت مهدورة، بل تُحرق في الجو.
  • البيتكوين يستهلك الطاقة التي تقدمها السوق الحرة وبسعر السوق الحرة.
  • البيتكوين يستهلك موارد طاقة لم تكن لتكون نافعة من دونه.
  • إن طبيعة طلب البيتكوين للطاقة ستحسّن فعالية شبكات الكهرباء.

ستريك هذه الاعتبارات أن الرأي البسيط القائل بأن استهلاك البيتكوين للطاقة هادر أو مضرّ للبيئة، رأي لا يصمد أمام الفحص. ولكن، من دون تقدير عِظَم المشكلة المالية التي يريد البيتكوين حلّها، لن يمكن تبرير هذه الكلفة الحدّيّة. يقدّم البيتكوين حلًّا للمشكلات النظاميّة الموجودة في نظامنا المالي القديم، وهو يعتمد على استهلاك الطاقة ليعمل. يعتمد الاستقرار المالي على وظيفة المال، ويقدّم البيتكوين إطارًا ماليًّا سليمًا أكثر، لذلك، ما من استخدام للطاقة هو أهمّ على المدى الطويل من استهلاكها لحماية شبكة البيتكوين. لذا، بدلَ التوسّع في كل النقاط المذكورة أعلاه لمواجهة السردية السائدة، لن تجد مكانًا أفضل للتركيز من مشكلة المبدأ الأول نفسها: مشكلة المال والتيسير الكمّي، انظر هنا.

وظيفة المال

إن مشكلة المال مشكلة عظيمة، ولو أن معظم الناس لا يدركونها. يشعر معظم الناس بالمشكلة في حيواتهم اليومية ولكنهم يعجزون عن تحديد السبب الأصلي. يعملون أكثر، وساعات أطوَل، ويستدينون، ولا تكون معيشتهم بعد ذلك إلا بالتكاليف. لا بدّ من طريق أفضل، ولكن لكي نعرف الحل، لا بد في الأول أن نفهم المشكلة. المشكلة الموجودة في أموالنا وأثرها على مجتمعنا متفشّية.

من دون أن نغوص في تفاصيل تعريف المال (اقرأ لذلك كتاب معيار البيتكوين أو مقال نيك زابو تقبيض)، سنفصّل وظيفته في المجتمع، وهي قضية أسهل شرحًا. المال هو السلعة التي تسهّل التنسيق الاقتصادي بين الأفراد الذين لا سبيل لهم إلى التنسيق من دونها. بعبارة بسيطة، المال هو السلعة التي تجعل المجتمع يعمل، وتسمح لنا جمع رؤوس الأموال لنجعل حياتنا أفضل، وهي سلعة تتخذ أشكالًا عديدة بتعدد الشعوب. يُقال إن المال هو أصل الشرور، ولكن فردريك حايك يفصّل في كتابه: الطريق إلى الرِّقّ، أن المال عميل من عملاء الحرية.

«المال واحد من أعظم أدوات الحرّية التي اخترعها ابن آدم».

فردريك الحايك، الطريق إلى الرِّقّ

فإذا أردنا التحديد، قلنا إن المال هو السلعة التي تتيح التخصص وتقسيم العمل. تتيح هذه السلعة للناس أن يتبعوا مصالحهم، وهي الطريقة التي يعبّر بها الأفراد عن تفضيلاتهم للعالم، سواءٌ في الجد أو في الراحة، وهي التي تصنع لنا «مجال الاختيار» الذي نظنّه أمرًا طبيعيًّا. إن اقتصادنا الحديث قائم على أساس من الحرّيّة يقدّمه المال، ولكن النتيجة النهائية التي نراها: نظام معقد جدًّا ومتخصص.

لتبسيط المفهوم، يشرح ملتون فريدمان تعقيد قلم الرصاص (انظر هنا)، ويفصّل كيف أنه ما من أحدٍ مستطيعٍ بنفسه صنعَ قلم رصاص معياري. يفصّل فريدمان الخشب اللازم، والمنشرة اللازمة لتقطيعه، والصلب اللازم لصنع المنشرة، والحديد الخام اللازم لصناعة الصلب، والرصاص، والمطاط للممحاة، والحلقة النحاسية، والطلاء الأصفر، والصمغ، إلخ. ثم يشرح كيف أن قلم رصاص واحدًا يتطلب تنسيق آلاف الناس وتعاونهم، ومنهم أناس لا يتحدثون اللغة ذاتها، ومنهم ناس من أديان مختلفة، ومنهم ناس قد يكره بعضهم بعضًا إذا التقوا يومًا وجهًا لوجه. ويشرح أن القدرة على التنسيق تابعة لنظام السعر والسلعة الاقتصادية التي نسميها المال.

بتجريد القلم، فكّر الآن في تعقيد الاقتصاد الحديث. من السيارات إلى الطائرات إلى الإنترنت إلى الجوالات، حتى إلى البقّاليّة التي في حيّك. إن سلاسل الإمداد الحديثة متخصصة جدًّا إلى حدّ أنها تتطلب التنسيق بين ملايين البشر لتقديم واحدة من هذه الخدمات الأساسية. هذا التجميع لكل هذا النشاط الذي يوقّد التجارة العالمية ممكن بفضل المال.

مثال حيّ: فنزويلا

تقدّم فنزويلا مثالًا حيًّا على المستويين الأكبر والأصغر لأهمية دور المال في التنسيق الاقتصادي، وهي مثال على الفساد الذي يحلّ في المجتمع عند فشل السلعة المالية. فنزويلا بلد من أغنى الدول بالنفط في العالم، ولكن بخس العملة فيها أدّى شيئًا فشيئًا إلى التضخم المفرط. مع تدهور عملة البلد، تعطلت الوظائف الاقتصادية الأساسية في البلد إلى درجة أن الوصول إلى الغذاء في البقاليات، أو إلى الرعاية الصحية الأساسية، لم يعد أمرًا مفروغًا منه. إنها أزمة إنسانية بامتياز، وفي جذورها إنما هي نتيجة لفقدان فنزويلا للعملة المستقرة اللازمة لتنسيق النشاط الاقتصادي وتسهيل إنتاج السلع التي تحتاج إلى متاجرتها مع الاقتصاد العالمي.

ما علاقة هذا بالبيتكوين واستهلاك الطاقة؟ لأن فنزويلا بلد غني بالطاقة، لم يزل النفط أهم سلعة يصدرها، أو بالأحرى، السلعة التي لا بد أن ينتجها ليستطيع التجارة. وعلى أن فنزويلا من أغنى بلدان العالم بالطاقة، فإن إنتاج النفط فيها منحدر.

هبوط انتاج النفط في فنزويلا إلى أدنى مستوياته

لا تستطيع فنزويلا استيراد التقانة اللازمة أو تنسيق الموارد اللازمة لاستخراج عملته التجارية الأولية (النفط). أدّى هذا الحال إلى تدهور الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى إتلاف قدرته على إنتاج الكهرباء اللازمة لدعم شبكاتها الكهربائية، وهو ما سبب انقطاعات ممتدة في الكهرباء، تمنع وصول الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء العذب والرعاية الطبية.

إن ما يحدث في فنزويلا كارثي، وهو نتيجة التدهور الاقتصادي الذي جاء به التضخم المفرط. يشوّه البخس المالي آلية التسعير للعملة، وهو ما يسبب اختلالات في التوازنات الاقتصادية. فإذا تدهور التنسيق الاقتصادي، تتعطّل سلاسل الإمداد في انحدار مستمر في معروض السلع الحقيقية (كالغذاء على الرفوف وإنتاج النفط، وغير ذلك). مع تزايد إنتاج المال، تصبح السلع الحقيقية نادرة بالمقارنة مع معروض المال، وهو ما يؤدي إلى تعطل وظيفة المال الأساسية. يثبّط هذا الوضع الأفراد عن إمساك العملة لأن السلع الحقيقية تصبح أندَر وأندَر، فيتجهون إلى بيع العملة بأسرع ما يمكن، باحثين عن الضرورات الأساسية، وهو ما يزيد تضخم العملة. هذا هو التدهور الاقتصادي بالتلاعب المالي 101.

تطبيقات للعالم المتقدم

الآن، يجلس كثير من الناس في العالم المتقدم وينظرون إلى فنزويلا ويقولون في أنفسهم «مستحيلٌ أن يحدث هذا هنا»، ولكنهم بهذا يتجاهلون كل المبادئ الأولى. سواءٌ أكنت تفهم هذا الأمر أم لا، فإن بنية السوق للبوليفار الفنزويلي والبيسو الأرجنتيني لا فرق بينها وبين بنية الدولار أو اليورو أو الين. الاحتياطي الفدرالي، وبنك أوروبا المركزي، وبنك اليابان، قد تكون هذه البنوك أفضل في إدارة الاستقرار (إلى الآن)، ولكنها لا تستطيع تغيير الحقيقة القاضية بأن عمادات كل أنظمة العملات الرقمية متطابقة.

التيسير الكمي في الولايات المتحدة

لنذكر حال الولايات المتحدة مثلًا، لقد وسّع الاحتياطي الفدرالي قاعدته المالية من 180 مليار دولار عام 1984 إلى 4.2 تريليون دولار بعد التيسير الكمي الثالث، وهي زيادة بمقدار 23 ضعفًا. بسبب طبيعة اقتصاد الفدرالي القائمة على الائتمان، يحدث الإفساد الاقتصادي الناتج عن هذا البخس تدريجيًّا (انظر هنا) حتى تأتي الأزمة المالية التي تكون فجأة، ولم نزل اليوم جالسين على نفس الحافة، نتيجةً للتيسير الكمي. إذا كنت تعتقد أن العالم المتحضّر ليس في حالة مضطربة ولا هو قائم على القاعدة نفسها التي تقوم عليها فنزويلا، أودّ باحترام أن أشير لك إلى المريض رقم صفر: الاحتياطي الفدرالي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان. عادةً، يغفل الواثقون في هذه المؤسسات، عن المبادئ الأساسية والحس المشترك، ولكن تأمّل في الاقتباس المذكور أدناه من اقتصادي من الاحتياطي الفدرالي، قاله عقب الأزمة المالية عندما كان الفدرالي على مشارف إنشاء 3.6 تريليون دولار جديد، وهو جزء من سياسته في التيسير الكمي:

«إلى جانب ذلك، أريد أن أؤكد على أنني أرى أن الفجوات في فهمنا للاتصالات بين القطاع المالي والقطاع الحقيقي فجوات عميقة». 

ديفيد ولكوكس، اقتصادي من الفدرالي (أغسطس 2011)

تدلّنا نظرة منصفة إلى التاريخ على فساد طبع الذين يوضَعون على رأس إدارة اقتصاداتنا فيسبتدّون بها بالأمر المركزي. فمع اعترافهم بالفجوات العميقة في قدرتهم على فهم مقتضيات الأفعال التي يفعلونها على الاقتصاد الحقيقي، ما كان جوابهم إلا الاستمرار في الطريق نفسه (ولكن بطريقة أكبر)، وهم يتوقعون مع هذا نتيجة مختلفة، إنه تعريف الجنون. الآن، ونحن نواجه عواقب ردهم على الأزمة، أمامنا خيار بين نقيضين عظيمين. أ) عملة مخططة مركزية مصممة لتخسر القيمة مع الوقت، أو ب) عملة لا مركزية معروضها محدود. هذه الأخيرة لها تكاليف هي استهلاك الطاقة، ولكن النتيجة الأخيرة هي الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستقرار الاقتصادي باستهلاك الطاقة

إن الاستقرار الاقتصادي المستقبلي هو السبب الذي يجعلني أقول إنه ما من استهلاك للطاقة أهم من حماية نظام البيتكوين المالي، لا سيما ونحن نعرف أن البدائل (العملات الحكومية والذهب) معيبة في جوهرها. إذا انتظرنا إلى أن نرى علامات التضخم المفرط، فقد خسرنا. ولكن فنزويلا ليست مجرد مثال لما يحدث عندما يصبح التضخم مفرطًا، بل هي مثال حي عن أهمية إنتاج الطاقة في المجتمع الفاعل. إن بعض المدخلات الطاقية أمر لا بد منه لكل شيء نستهلكه في حياتنا اليومية. تنسيق هذه المدخلات الطاقية معتمد على وثوقية المال الذي نستخدمه واستقراره.

تجاهل قهوتك الصباحية وفكر دقيقةً واحدة في الأساسيات: الماء العذب، المنظفات، الطعام، الدواء، والرعاية الطبية الأساسية، وغير ذلك. إن تنسيق الموارد اللازم لتقديم هذه الخدمات الأساسية معتمد على وجود نظام مالي فاعل. عندما يتعطل نظام مالي، يضمحل معه التنسيق الاجتماعي وحتى النسيج الاجتماعي. إذا كان أساس كل التجارة هو الطاقة، وإذا كنا نحتاج إلى المال لننظم التجارة، فإن أعلى وأفصل استعمال لهذه الطاقة ينبغي أن يكون لحماية النظام المالي. ضع قناع الأكسجين أوّلًا ثم انظر إلى أتباعك. احمِ أساس التجارة أوّلًا ثم ركّز على كل ما يشتقّ منها.

كل شكوى من مقدار الطاقة التي يستهلكها البيتكوين أو سوف يستهلكها، إنما هي تشتيت عن أصل الموضوع. ليس الأمر أنّ علينا التضحية بالكهرباء التي تصل إلى البيوت، بل أننا لن نجد كهرباء تصل إلى البيوت إذا لم يكن عندنا نظام مالي موثوق لتنسيق النشاطات الاقتصادية والموارد المجتمعة. عمليًّا، لن ينافس البيتكوين على مصادر الطاقة نفسها التي تدعم الوظائف الأساسية الإنتاجية والاستهلاكية لاقتصادنا (ليست مسألة مجموع صفري)، بل إن وظيفة البيتكوين من حيث هو نظام عملة ستضمن أن هذه الاحتياجات للطاقة ستبقى مشبَعة.

السيّئ، هو أن تنهار دول أكثر إلى الكارثة الاقتصادية والإنسانية التي في فنزويلا، حيث لا يمكن تقديم الرعاية الطبية الأساسية ولا الخدمات الإنسانية تقديمًا موثوقًا. وليس هذا الشرح لتقديم نظرة دراكونية أو ديستوبية للمستقبل، بل هو لتبيين أهمية النظام المالي والوظيفة الطاقية، وارتباطهما في اقتاصدات معقدة عالية التخصص.

«إذا كان يمنع حالة واحدة من التضخم المفرط كالتي في فنزويلا فهو (أي استهلاك البيتكوين للطاقة) أفضل صفقة حصلت عليها الإنسانية في التاريخ».

سيف الدين عموص, أبحاث معيار البيتكوين

يقدم البيتكوين خيارًا احتياطيًّا بديلًا عن البنية الحالية للنظام المالي الذي سيصبح قريبًا محرّكه الأساسي. وحتى إذا صرفنا النظر عن الأخطار النظامية التي تتفشى في نظامنا المالي، فإن البيتكوين نظام مالي أسلَم من الأساس. وهو محمي بإنتاج الطاقة واستهلاكها. ليس عليك أن تؤمن أن مصير الدولار هو مصير البوليفار لتفهم أهمية التفاعل بين استقرار الوظيفة المالية وإنتاج مصادر الطاقة التي توفر الضرورات الاقتصادية الأساسية. أضف أن الخطر الجوهري الموجود في مجرد احتمال التضخم المفرط سلبيٌّ جدًّا إلى درجة أنه يجعل ثمن استهلاك البيتكوين للطاقة صغيرًا نسبيًّا.

سيستهلك البيتكوين كل الموارد الطاقية اللازمة لحماية شبكته المالية، وهذا الاستهلاك مدفوعٌ جوهريًّا بالطلب المتزايد على إمساكه عملةً في المحافظ. كلما قدّر مزيد ن الناس الاستقرار طويل المدى الذي يقدّمه البيتكوين، زادت الطاقة التي سيستهلكها. في النهاية، هذا الاستهلاك سيضمن أن كل مشتقّات استهلاك الطاقة ستبقى مشبعة، لذلك ما من استهلاك للطاقة أهم من استهلاكها لحماية شبكة البيتكوين. ضع سعرًا للاستقرار المالي والحرية الاقتصادية التي يقدمها النظام المالي، وهو التبرير الحقيقي لمقدار الطاقة التي ينبغي أن تستهلَك على البيتكوين، وسوف تستهلَك. كل شيء سوى ذلك تشتيت.

Tagged : / /

البيتكوين ليس شديد التقلّب

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

هل حدثَ أن قال لك أحدٌ تحترمه أن البيتكوين لا معنى له؟ لعلّك رأيت سعر البيتكوين يتصاعد أسّيًّا ثم يسقط سقوطًا. تسجّل هذا المشهد، وتصدّق صديقك، وتصمّ أذنيك عن البيتكوين وأنت معتقد أنه ميت. ثم تستيقظ بعد سنوات، لتجد أنه ليس ميّتًا، وأنّ قيمته أصبحت أعلى بكثير مرة أخرى. وتُعيد النظر في صديقك المشكّك، هل كان مخطئًا؟

إنّ قائمة شُكّاك البيتكوين طويلة ومميّزة (طالعها هنا)، ولكن هذه الضجة لا تزيد طبيعة البيتكوين إلا مناعة. لا بُدّ للّذين يخزنون ثروتهم بالبيتكوين من أن يتفكّروا في المبادئ الأولى، حتّى يفهموا خصائص البيتكوين التي في ظاهرها مناقَضة لرأي المنظومة السائدة في المال. فإذا تفكّروا كما قلنا، ثبتت قناعاتهم ورسخت آراؤهم. تقلّب البيتكوين واحدٌ من أشيَع خصائصه المنتقدة. ومما يكرّره هؤلاء الشُّكّاك، ومنهم أصحاب المصارف المركزية، أن البيتكوين كثير التقلب فلا يصلح مخزنًا للقيمة ولا وسيطًا للتبادل ولا وحدةً للقياس. لمَ قد يدّخر أي أحد ماله بالبيتكوين عالمًا بتقلّبه؟ وكيف يكون البيتكوين عملةً فعّالة للدفع إذا كان احتمال سقوط قيمتها غدًا ممكنًا ومعقولًا؟

إنّ منفعة البيتكوين الرئيسة اليوم هي حفظ القيمة لا دفع المال، والأُفقَ الزمانيّ للمدّخرين به ليس يومًا ولا أسبوعًا ولا رُبع سنة ولا  حتى سنة. البيتكوين آليّة ادّخار طويلة المدى، لذا فإن استقرار قيمته لن يُدرك ولن يُحَقّق إلّا مع مرور الوقت عندما يعتمده الناس. إلى ذلك الوقت، يبقى التقلّب أسلوبًا طبيعيًّا لاكتشاف السعر، مع تقدّم البيتكوين في طريقه نحو التموّل والاعتماد الكامل. من جهة أخرى، البيتكوين ليس كائنًا في فراغ، ومعظم الناس والشركات لم يتعرّضوا للبيتكوين بعد، والأمرُ أن التعرّض لأصول كثيرة، ينفي التقلّب عن أي أصل منها.

قلّة التقلّب لا تساوي مخزن قيمة

من الإنصاف أن نقول إن التقلّب وتخزين القيمة مفهومان يُظَنّ لَبسًا أنهما لا يجتمعان. ولكنهما حتمًا يجتمعان. فإذا تقلّب أصل من الأصول، فلا يقتضي هذا أنه ليس مخزنًا ناجحًا للقيمة.  والنقيض صحيح أيضًا، فإذا انتفى التقلّب عن أصل ما، لم يقتضِ هذا أن الأصل المذكور مخزن ناجح للقيمة. الدولار مثال أساسي: ليس متقلّبًا (إلى اليوم على الأقل) ولكنّه سيّئ لخزن القيمة.

الأشياء المتقلّبة ليست خطرة دائمًا، والعكس أيضًا صحيح.

نسيم طالب (Skin in the Game)

القوة الشرائية للدولار الأمريكي

لقد نجح الاحتياطي الفدرالي ببخْس قيمة الدولار رويدًا رويدًا، ولكن تذكّر كلمتنا: رويدًا، ثم فجأة. هذا، وانتفا التقلّب لا يجعل الأصل مخزنًا للقيمة.  هذا حاجز رئيس يواجهه كثير من الناس عندما يفكرون في البيتكوين من حيث هو عملة، وهو أمر تابع بالعموم إلى الأفق الزماني. فإذا كان أصحاب المصرفية المركزية يكررون على مسامعنا كل يوم أن البيتكوين مخزن سيئ للقيمة، وعملة مخفقة، فهو لأنهم يفكروا بالأيام والأسابيع والأشعر والأرباع، أما نحن، فنفكّر على المدى الطويل، بالأعوام والعقود والأجيال.

على رغم التفسيرات المنطقية، يلتبس أمر التقلّب على الخبراء. قال حاكم مصرف إنكلترا مارك كارني مؤخرًا إن البيتكوين «أخفق إخفاقًا إلى الآن في تحقيق العناصر الأساسية في المال. فهو ليس مخزنًا للقيمة لأن قيمته كل يوم في مكان. ولا يستعمله أحد وسيلة للمقايضة» (طالع هنا). ونشر المصرف المركزي الأوروبي أيضًا على تويتر أن البيتكوين «ليس عملة»، وذكر أنه «شديد التقلب»، وأكّدوا لكلّ الناس في الوقت نفسه أن المصرف المركزي قد «يخلق» مالًا لشراء الأصول، الأمر عينه الذي يجعل العملة تخسر قيمتها ويجعلها سيئة لخزن القيمة.

إن لفقدان الوعي بالنفس هنا أثرًا عظيمًا، ولكن مارك كارني والبنك الأوروبي ليسا وحيدين. فمعهما حاكما الاحتياطي الفدرالي السابقان برنانكي ويلن، إلى أمين سر الخزانة الحالي منتشن، إلى الرئيس نفسه. كلهم طبّلوا وقالوا إن البيتكوين معيبٌ من حيق هو عملة (أو مخزن للقيمة)، وأشاروا إلى تقلبه. ولكن أحدًا منهم لم يدرك، أو على الأقل لم يعترف، أن البيتكوين ردّ مباشر على مشكلة طبع الحكومة للأموال بالمصارف المركزية، أو أن تقلّب البيتكوين تابعٌ صحّي لاكتشاف السعر.

ولكن من حسن حظّنا جميعًا، القوم مخطئون، وتقلّب البيتكوين لا يمنعه من أن يكون عملة، والخبراء عادةً ليسوا خبيرين بشيء. دع المنطق على جنب، الدليل التجريبي نفسه يرينا أن البيتكوين مخزنٌ بارز للقيمة بالنظر إلى أي مدى زماني واسع، على رغم تقلبه. فكيف استطاع أصل كالبيتكوين أن يكون شديد التقلب ومخزن قيمة ناجحًا؟

زيارة جديدة لقيمة البيتكوين

تدبّرْ لمَ الطلب على البيتكوين عالٍ وهو في الوقت نفسه متقلّب في طبيعته. البيتكوين قيّم لأن معروضه ثابت، وهو متقلّب للسبب نفسه. محرّك الطلب الأساسي للبيتكوين هو ندرته. وعودًا إلى مقالتنا السابقة: اللامركزية والمناعة على الرقابة، يفرضان مصداقية ندرة البيتكوين (وجدول المعروض الثابت)، وهو أساس خصيصة حفظ القيمة في البيتكوين:

يتزايد الطلب تزايدًا ضخمًا، ولا يستجيب العرض، لأن جدول عرض البيتكوين ثابت. هذا التخالف بين زيادة الطلب (متغير) وثبات العرض، مُضافًا إلى نقص المعرفة لدى الباعة والشارين، يجعل التقلّب أسلوبًا لاكتشاف السعر. كما قال نسيم طالب في كتابه تِمّ القاهرة الأسود: «التنوّع معلومات، فإذا انتفى التنوع انعدمت المعلومات». كلما زادت قيمة البيتكوين، دلّت على معلومة وإن كانت متقلّبة، التقلّب معلومات. فالقيمة الأعلى تجعل البيتكوين معقولًا أكتار لأصحاب رؤوس الأموال والداخلين الجدد، وهو ما يموّج موجة اعتماد جديدة.

موجات الاعتماد والتقلب

إن البنية التحتية وتوزّع المعرفة يحثّان موجات الاعتماد الجديدة، وهي تحثّهما. إنها دورة تلقيم راجع فاضلة بين الزمن والقيمة. فإذا زادت القيمة، جذب البيتكوين انتباهًا وحصصًا من عقول جماهير أوسع من المعتمدين المحتملين، يبدؤون عندها رحلة تعلّم أسس البيتكوين. كذلك، تجذب الأصول المتزايدة القيمة أموالًا زائدة لا لأنها مصدر للقيمة وحسب، بل لتأسيس بنية تحتية متزايدة (دخولات السوق وخروجاته، وحلول الحيازة، وطبقات الدفع، والعتاد والتعدين وغير ذلك). إن فهم البيتكوين عملية بطيئة، وكذلك بناء بنية تحتية له، ولكن كلاهما يشعلان الاعتماد الذي يزيد توزيع المعارف ويسوّغ زيادة البنية التحتية.

المعرفة ← البنية التحتية ← الاعتماد ← القيمة ← المعرفة ← البنية التحتية

اليوم، لم يزل البيتكوين وليدًا، واعتماده الحالي غالبًا ليس إلا أقل من 1% من اعتماده النهائي. فإذا اعتمد مليار إنسان البيتكوين، سيمثل الاعتماد الجديد أحجامًا ضخمة لأي فترة مستقبلية مستشرَفة، وهو ما سيجرّ تقلّبًا أكبر، ولكن، مع كل موجة اعتماد جديدة، تصبح قيمة البيتكوين  أعلى لأن الطلب ازداد. لن يتناقص تقلب البيتكوين إلا إذا نضج الممسكون واستقرّ معدّل الاعتماد الجديد. بعبارة أخرى، إذا قلنا إن مليار إنسان اعتمدوا البيتكوين، فهذا ازدياد بعشرين ضعفًا، ولكن المعتمدين المئة مليون التالين لن يمثلوا إلا 10% من الأساس. كل هذا وعرض البيتكوين مستمرّ على جدوله الثابت. فما دام الاعتماد جاريًا على قيم أسّيّة، فالتقلّب لا محيد عنه، ولكن، على طريق الاعتماد، سيتراجع التقلب تدريجيًّا.

كما قال فيجاي بوياباتي في بودكاست ستيفان ليفيرا، «يسخر اقتصاديو المنظومة القائمة من تقلب البيتكوين، كأن في الإمكان أن يتحول البيتكوين من أمر معدوم إلى شكل مستقر للمال بين ليلة وضحاها، إنه قول سخيف تمامًا.» والذي يحصل بين موجات الاعتماد هو اكتشاف السعر الطبيعي لأن السوق يتجمّع في نقطة توازن جديدة، ليست ثابتة أبدًا. في موجات شيوع البيتكوين، يتكرّر الصعود والسقوط والاستقرار والصعود الثاني على وتيرة واحدة تقريبًا. ويفسّر ذلك طبعًا، خوف المضاربة، ثم جمع المعرفة الأساسية، ثم الإضافة إلى البنية التحتية المتزايدة. لم تبنَ روما في يوم واحد، في البيتكوين، لا بدّ من التقلّب واكتشاف السعر، وهما من صلب العملية.

موجة اعتماد تاريخية

إذا أردت تفسيرًا أقرب إليك للعلاقة بين التقلّب والقيمة، فانظر في موجة الاعتماد الأخيرة من نهاية 2016 إلى الحاضر (2019).

الاعتماد (اعتماد الناس للبيتكوين) لا يمكن عدّه، ولكن تقديرًا تقريبيًّا منصفًا يقول بنحو 5 ملايين إلى 60 مليونًا (زيادة في الطلب بنحو 12 ضعفًا) من 2016 إلى الحاضر، وفي الفتر نفسها لم يزد معروض البيتكوين إلا 10% تقريبًا. وطبيعيًّا تختلف المعارف والأموال في يد كل فاعل في السوق اختلافًا كبيرًا. وإذ حدثت موجة اعتماد جماعيّة، واجهها جدول العرض الثابت للبيتكوين. فماذا يتوقع المرء عندما يتزايد الطلب أسّيًّا ولا يزداد العرض إلا 10%؟ وما الذي يحدث عندما تتنوع معارف الداخلين الجدد وأموالهم تنوّعًا كبيرًا؟

النتيجة المنطقية الأخيرة هي ازدياد التقلّب وازدياد القيمة النهائية، حتى إذا كان عدد الممسكين على المدى من الداخلين الجدد قليلًا (وهو ما حدث). الداخلون الجدد الذين اشتروا البيتكوين عند صعوده الفلكي، يجمعوا العلم شيئًا فشيئًا ويصبحون ممسكين على المدى الطويل، فيستقر أساس الطلب على مستوى نهائي أعلى مما كان في الدورة السابقة.

ولأن البيتكوين حديث الولادة، لم تزل الثروة المخزونة فيه صغيرة جدًّا نسبيًّا (نحو 200 مليار دولار) وهو ما يجعل معدّل الفرق بين المشترين والبائعين الهامشيين (اكتشاف السعر) يمثل نسبة كبيرة من أساس الطلب (التقلب). مع ازدياد أساس الطلب، يمثل معدل الفرق بين نسبة أصغر وأصغر منه، ويتناقص بذلك التقلّب مع الزمن بعد موجات اعتماد معدودة قليلة.

إدارة التقلّب

فإذا قبلنا أن تقلّب البيتكوين طبيعيّ وصحي، فلمَ لا يمنع التقلّب الحالي الاعتماد اللازم لتحويل البيتكوين إلى صورة مستقرة من صور المال؟ ببساطة: التنويع، ونظرية توزيع الموازنة، والأفق الزماني. إنّ في الوجود شبكة عالمية (البيتكوين) تستطيع بها نقل المال بشبكة تواصل إلى أي حد في العالم، وقيمة هذه الشبكة بالمجمَل، أقل من 200 مليار دولار. فيسبوك وحدها، من جهة أخرى، قيمته أكبر من 500 مليار. فإذا أردت إطارًا مرجعيًّا أكبر، فاعلم أن مجموع الأصول المنزلية الأمريكية مقدَّر بـ125 تريليون دولار (طالع هنا، الصفحة 138).

في عالم نظري، سيكون تقلّب البيتكوين مشكة إذا كان مستقلًّا عن كل شيء. في عالمنا هذا، ليس مشكلة. يكتم التنويع، وهو الاستثمار في الأصول المنتجة والأصول المالية الأخرى، أثر تقلّب البيتكوين الحاضر. كذلك، تتفاوت المعرفة بين ملّاك البيتكوين، فالذين يفهمونه يعرفون أنه مع الوقت، المدَد قادم. هذه المفاهيم واضحة عند الذين تعرّضوا للبيتكوين وحسبوا حساب تقلّبه على المدى القصير والطويل، ولكنه أقلّ وضوحًا عند الشُّكّاك، الذين يصعب عليهم فهم أن اعتماد البيتكوين لن يكون دفعة واحدة.

مع ازدياد حصّة البيتكوين في التنافس العالمي على حفظ القيمة، بفضل خصائصها المتفوّقة، يجب أن نعلم وظيفة الاقتصاد تجميع رؤوس الأموال التي تجعل حياتنا أفضل، لا الأموال. ما المال إلا سلعة اقتصادية تتيح التعاون لتجميع رأس المال. لأن البيتكوين في جوهره صورةٌ أرقى من المال، سيكتسب قوة شرائية بالنسبة إلى الأصول المالية الدنيئة (وبدائلها) وسيأخذ شيئًا فشيئًا حصّته في سوق التعاون، لا يضرّه أنه أقلّ فعاليّة من حيث التحويلات المالية اليوم.

والراجح أيضًا أن البيتكوين سيشعل نار نزع الماليّة عن كل الاقتصاد العالمي، ولكن هذا لن ينهي الأصول المالية ولا الأصول الحقيقية. مع تموّل البيتكوين (اكتسابه لوصف المال)، تبقى هذه الأصول تنويعًا يكبت تقلّب البيتكوين اليومي. طالع مثالًا هنا يبيّن الخطر والربح لموازنة فيها 1% بيتكوين و99% دولار، بالمقارنة مع الذهب وسندات الخزانة الأمريكية وأسهم S&P 500. وانظر أيضًا حجّة وضع القليل في البيتكوين التي كتبها المدير التنفيذي لإكسابو ونسز كاسارس. في كلا المثالين السابقين نظرة إلى التقلّب والخطر الذي يمكن إدارته إذا هبط البيتكوين أو حتّى أخفق (وهو احتمال قائم).

ولئن كان إخفاق البيتكوين احتمالًا، وهبوط قيمته هبوطات كثيرة على الطريق أمرًا لا بدّ منه، فإن كل يوم لا يخفق فيه البيتكوين، يزيد فيه احتمال بقائه. ومع الوقت، تزيد فيمة البيتكوين وسيولته بسبب نقاط قوته الجوهرية، وتزيد قوته الشرائية بالمقارنة مع السلع الحقيقية، فإذا اكتسبت قوته الشرائية حصّة أكبر وأكبر من الاقتصاد، نقص تقلّبه بالمقارنة مع الأصول الأخرى.

آخر دور في اللعبة

ستصبح البيتكوين عملة تحويلية مع الوقت، ولكن، إلى ذلك الوقت، المعقول أكثر بكثير هو صرف العملات المتناقصة (الدولار والجنيه والليرة والذهب) وحفظ الأصل المتزايد. سيصطرع اقتصاديو المنظومة السائدة وأصحاب المصرفية المركزية مع هذا، ولكن لا يهمني. على طريق البيتكوين نحو التموّل الكامل، سيكون أول دور له هو حفظ القيمة، وقد أثبت البيتكوين أنه مخزن عظيم للقيمة وإن كان متقلّبًا. فإذا نضج اعتماد البيتكوين، هبط التقلّب، وأصبح عملة للمقايضة المباشرة شيئًا فشيئًا.

وتأمل حال رجل أو شركة تطلب البيتكوين مقابل سلَعها وخدماتها. هذا الرجل وهذه الشركة هما أول الذين فهموا أن البيتكوين سيحفظ قيمته إذا حسبنا على أفق زماني محدد. وإذا لم يؤمن المرء بسبب الطلب الأساسي على البيتكوين، وهو حفظه للقيمة، فلمَ يبيع سلعه وخدماته به؟ إنما يتحول البيتكوين إلى عملات حوالات عندما تنتقل السيولة بالتدريج من الأصول المالية الأخرى إلى السلع والخدمات، وهو ما سيحصل على طريق الاعتماد الجماعي. لن يكون الأمر بين ليلة وضحاها، ولن يكون انتقالًا مباشرًا. على طريق معهودٍ أكثر، يوقّد الاعتماد البنية التحتية، وتوقّد البنية التحتية الاعتماد. البنية التحتية للحوالات من الآن تُبنى ولكنها محتاجة إلى استثمارات أكثر، ولن يكون هذا إلى أن يدخل في البيتكوين عدد كافٍ من الأفراد ويعتمدوه مخزنًا للقيمة.

في النهاية، فقدان البيتكوين لاستقرار السعر، ومعروضه الثابت، سيُبقيان على التقلّب على المدى القريب، وسيقودان إلى استقرار على المدى الطويل. وهو نقيض النموذج الذي يتبعه مارك كارني من بنك إنكلترا، والبنك المركزي الأوروبي (وحسابه على تويتر) والاحتياطي الفدرالي وبنك اليابان. وهو الذي يجعل البيتكوين منيعًا على الكسر، لأنه لا يطلب إنعاشًا من الحكومة، وهو سوق خالٍ من كل مخاطرة أخلاقية، وهو ما يجرّ مسؤولية قصوى وفعاليّة على المدى الطويل. تدير المصارف المركزية عملاتها لتكبت التقلّب على المدى القصير، وهو ما يسبب اضطرابًا يقود إلى تقلّب على المدى الطويل. التقلّب في البيتكوين تابعٌ طبيعي للاعتماد المالي، وهو ما سيقوّي شبكة البيتكوين وثباتها في النهاية، ليمنحها استقرارًا على المدى الطويل. التنوّع معلومات.

نسيم طالب ومارك بليث (تِمّ القاهرة الأسود)

«من شأن الأنظمة المعقدة التي يُكبَت تقلّبها ظاهريًّا أنها تصبح هشّة جدًّا، وهي في الوقت نفسه لا تُظهر أي خطر للمراقب».

«هذه واحدة من حُزَم الحياة: لا حرية بلا ضجيج، ولا استقرار بلا تقلّب».

بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفدرالي (أيّام الأزمة المالية الكبرى)

«لا يتوقع الاحتياطي الفدرالي حاليًّا ركودًا اقتصاديًّا» – 10 يناير 2008

«إن خطر دخول الاقتصاد في حالة هبوط كبيرة يظهر أنه تقلّص في الشهر الماضي» – 9 يونيو 2008

Tagged : / / /

البيتكوين لا يمكن نسخه

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2019

حين كنّا أطفالًا، تعلّمنا جميعًا أن المال لا ينمو على الأشجار. ولكن مجتمعنا، من جهة أخرى، لُقّن أن هذا الأمر ليس ممكنًا فحسب، بل هو وظيفة طبيعية وضرورية ومنتجة للاقتصاد. قبل البيتكوين، كانت مزيّة طباعة المال محجوزة للمصارف المركزية العالمية (انظر هنا مثلًا). بعد البيتكوين، صار في مظنون كل زيد وعمْرٍو وقيس أنه يستطيع أن ينتج مالًا. من حيث المبدأ، هذه هي جراءة كل من يحاول خلق نسخة من البيتكوين. سواءٌ أكان ذلك بالانفصال عن إجماع البيتكوين (بيتكوين كاش) أو باستنساخ البيتكوين (لايتكوين) أو بإنشاء بروتوكول جديد له خصائص «أفضل» (إثيريوم)، كل هذه محاولات لخلق نوع جديد من المال. إذا استطاع البيتكوين أن يفعلها، فلم لا نستطيع نحن؟

ها نحن ذا، في عام 2019، نشهد تموّل سلعة اقتصادية (هي البيتكوين) في السوق الحرة، أول مرة منذ آلاف السنين (منذ الذهب). يتجنب كثير من الناس تدبّر ثقل هذا الواقع الجديد أو فهم كيفيته أو سبب إمكانه، ويقفزون وراءه ليركزوا على مشتقّاته أو على طرائق لحلّ مشكلة لم يروها أصلًا. كل الناس يريدون أن يغتنوا بين ليلة وضحاها، وما دام في الوجود مال، سيبقى فيه خيميائيون. فالذين يحاولون نسخ البيتكوين هم خيميائيو العصر الحديث.

كل الناس يريدون أن يغتنوا بين ليلة وضحاها، وما دام في الوجود مال، سيبقى فيه خيميائيون

يقولون لنا إن البيتكوين بطيء جدًّا فيخلقون نسخة هي «أسرع». أو يقولون إن البيتكوين لا يستطيع معالجة عدد التحويلات الكبير الذي يجري في الاقتصاد العالمي، فيخلقون نسخة «أوسعَ» نطاقًا. يقولون لنا إن البيتكوين متقلّب السعر جدًّا، فيخلقون نسخة «أشدّ استقرارًا» منه. وهكذا دواليك. ثم سيقولون إن البيتكوين صارم جدًّا وهو محتاج إلى أن يقبل البرمجة أكثر، فيخلقون نسخة «أمرَن». بل إنهم لطالما قالوا إن مخلوقاتهم هذه ليست مالًا، إنما هي وسيلة «للدفع» أو «للاستخدام» أو ربما هي «حاسوب عالمي موقود بالغاز». ويحاولون أن يقنعونا بعالمٍ فيه مئات، أو آلاف من العملات. ولكن لا تغلط، في كل حالة من هذه الحالات، محاولتهم هي لإنتاج مال.

قيمة البيتكوين

إذا كان الاستخدام الأساسي (أو الوحيد) لأصلٍ ما، هو مقايضته لسلَع وخدمات أخرى، وإذا لم يكن مرتبطًا بمجرى دخل أصلٍ إنتاجي (كالأسهم والسندات)، فهذا الأصل منافِسٌ في سوق المال ولن يحفظ القيمة إلا إذا اتصف بخصائص مالية موثوقةفي كل تغيير لـ«ميزة» ما، يُظهر الذين يحاولون نسخ البيتكوين أنهم لا يفهمون الخصائص التي تجعله قيّمًا أو ممكنًا من حيث هو مال. عندما أُطلق كود البيتكوين، لم يكن مالًا. بل إلى يومنا هذا، كود البيتكوين ليس مالًا. يمكنك أن تنسخ الكود غدًا وتنشئ تنويعتك الخاصة وتُلصق بها خصيصة جديدة، ولكن الذين اعتبروا البيتكوين مالًا، لن يروا أن تنويعتك هذه مال. أصبح البيتكوين مالًا مع الوقت، لأن شبكة البيتكوين طوّرت خصائص جديدة لم تكن موجودة أيام انطلاقها. هذه الخصائص استنساخُها أقرب إلى المستحيل اليوم مع وجود البيتكوين.

لا تشير محاولات نسخ البيتكوين سوى إلى فشل في فهم الخصائص التي تجعل البيتكوين قيم أو مناسب كمال

نشأت هذه الخصائص طبيعيًّا وارتجاليًّا لأن أفرادًا من كل أرجاء الأرض قيّموا البيتكوين وقرروا أن يحفظوا جزءًا من ثروتهم فيه. وعندما ازدادت قيمة البيتكوين، أصبح لا مركزيًّا، وعندما أصبح لا مركزيًّا، أصبح تغيير الإجماع فيه لتحقيق تحويلات فاسدة أو منع تحويلات صالحة أصعب وأصعب (وهو ما نسميه المناعة ضد الرقابة). نعم، لم يزل جدال «هل لامركزية البيتكوين كافية؟» أو «هل مناعته على الرقابة كافية؟»، ولكن الحال وإن كان هكذا، فإننا يجب أن ننظر في هذه النقاط:

  1. يمثل البيتكوين، إلى الآن، أكثر الأنظمة المالية لامركزيّة ومناعة على الرقابة في العالم، سواءٌ أقورن بالعملات التقليدية أو بالعملات الرقمية الأخرى أو بالأموال السلعية كالذهب.
  2. تأتي قيمة البيتكوين من لامركزيته ومن مناعته على الرقابة، هاتان الخصيصتان هما ما يجعله آمنًا ويثبّت موثوقية معروضه الثابت (21 مليون عملة، وهو ما يجعله مخزنًا فعّالًا للقيمة).
  3. لامركزية البيتكوين تزداد يومًا بعد يوم، وكذلك مناعته على الرقابة، مع ازدياد قيمته واتساع كل مستويات الشبكة.
  4. كرر.

كل الأنظمة المالية تنتهي بواحد

كل عملة حكومية، أو مال سلعي، أو عملة رقمية، تنافس ليكون لها استعمال البيتكوين نفسه، سواءٌ أكان هذا الأمر مُدرَكًا أم لا، وكل الأنظمة المالية تتجه إلى وسيط مالي واحد لأن وظيفة المال هو السيولة لا الاستهلاك ولا الإنتاج. عندما نفاضل الشبكات المالية، نجد أنه غير منطقي حفظ الثروة في شبكة أصغر وأقل سيولة وأمنًا، ما دام في الإمكان حفظها في شبكة أكبر وأسيَل وآمَن.

أجرِ اختبار التفكير السليم هذا. إذا عملت أسبوعين، وعرضَ عليك مُعمِّلك أن يدفع بعملة يقبلها مليار إنسان حول العالم أو بعملة يقبلها مليون إنسان، فأي واحدة تختار؟ هل ستطلب 99.9% من عملة و0.1% من الأخرى، أو ستطلبها جميعًا من العملة ذات المليار؟ إذا كنت مقيمًا في الولايات المتحدة ولكنك تسافر إلى أوروبا أسبوعًا كل سنة، هل تطلب من معمّلك أن يدفع لك جزءًا من 52 جزءًا من راتبك باليورو أو تجرّب حظك مع الدولارات؟ الحقيقة العملية أن معظم الناس يحفظون ثروتهم في أصل مالي واحد، لا لعدم وجود أصول أخرى لكن لأن هذا الأصل هو الأسيَل في اقتصادهم السوقي.

سيختار أصحاب البوليفار الفنزويلي أو البيزو الأرجنتيني الانتقال إلى نظام الدولار إن استطاعوا. كذلك، كل واحد يضارب في نسخة من البيتكوين يختار الخيار غير المنطقي بدخوله في شبكة مالية أقل سيولة وأمنًا. نعم، في العالم اليوم شبكات مالية أكبر وأسيَل من البيتكوين (كالدولار واليورو والين)، لكن الأفراد الذين اختاروا أن يحفظوا جزءًا من ثروتهم في البيتكوين اختاروا ذلك لإيمانهم بأنها أفضل شبكة مالية (لامركزية ← منيعة على الرقابة ← معروض ثابت ← مخزن للقيمة). وبسبب توقعهم أن آخرين (قريبًا يبلغون المليار) سيدخلون هذه الشبكة، فتزداد سيولتها وتجّارها.

أن يراهن شخص على نسخة جديدة من البيتكوين هو أن يتخذ قرار غير عقلاني بالدخول طواعية إلى شبكة نقدية أقل سيولة و أماناً

لماذا لا يمكن نسخ البيتكوين؟

إن كثيرًا من الذين يخلقون عملات رقمية لا يقبلون ولا يعترفون أن الذي يخترعونه لا بد أن يكون مالًا لينجح، ويخفق الآخرون الذين يضاربون بهذه العملات في إدراك أن الأنظمة المالية تتجه إلى وسيط واحد، أو يعتقدون بسذاجتهم أن عملتهم ستغلب البيتكوين. لا يستطيع واحد منهم أن يشرح كيف ستصبح عملته الرقمية أكثر لامركزية وأمنَع على الرقابة، أو أسيَل من البيتكوين. والحقيقة أنه ما من عملة رقمية سوى البيتكوين ستبلغ أدنى مراحل اللامركزية أو المناعة على الرقابة، المرحلة المطلوبة لتطبيق سياسة مالية موثوقة. واسمح لي أن أسرق صفحة من معيار البيتكوين:

البيتكوين قيّم، لا لخصيصة معينة فيه، بل لأنه حقق نُدرة رقمية منتهية، منها اشتُقّت وظيفته لحفظ القيمة. إن موثوقية ندرة البيتكوين (وسياسته المالية عمومًا) قائمة على لامركزيته ومناعته على الرقابة، وهو أمر ليس له كبير علاقة بالبرنامج. وبالخلاصة، يجذب هذا الأمر اعتمادًا متزايدًا وسيولة متزايدة تثبّت قيمة شبكة البيتكوين وتقويها. وفي هذه العملية نفسها، يخرج الأفراد في الوقت نفسه من الشبكات المالية الأدنى. هذا هو السبب الذي يجعل استنساخ الخصائص الناشئة في البيتكوين أقرب إلى المستحيل، والذي يجعل نسخ البيتكوين غير ممكن، أو على الأقل ممكنًا ولكن مغلوبًا: لأن البيتكوين خيار موجود أصلًا وخصائصه المالية تتزايد مع الوقت (على نطاقات أوسع وأوسع)، على حساب الشبكات المالية الأدنى.

لن يبلغ المرء هذا الاستنتاج إلا إذا فهم هذه النقاط بفهمه الخاص: 1) البيتكوين نادر ندرة مطلقة (كيف ولماذا؟) 2) البيتكوين قيّم لأنه نادر، 3) الشبكات المالية تنتهي بوسيط واحد. قد تصل إلى استنتاجات أخرى، ولكن هذا هو الإطار الذي يجب أن تتأمله عندما تفكر في إمكانية نسخ البيتكوين (أو غلبته)، وليس أي إطار آخر. ومن المهم أيضًا أن ندرك أن استنتاجات الأفراد، ومنها استنتاجي واستنتاجك، ليس لها معنى كبير في المعادلة. المهم هو اعتقاد إجماع السوق وما يعتقد السوق أنه أفضل وأوثق مخزن للقيمة على المدى الطويل.

إن الدليل التجريبي (آلية السعر والقيمة) يظهر أن السوق لم يزل يعبّر عن تميّز البيتكوين، بغض النظر عن كمية الضجيج الكبيرة. قبل المضاربة، حاول أن تفهم لماذا يعمل البيتكوين ولم هو فريد. سيقول لك الناس عن أنواع أفضل من البيتكوين تختلف بخصائص معينة، تذكر حينها أن السوق، الذي رأى مفرق الطرق الذي تراه أنت الآن قبل عشر سنوات، نظر في هذه العملات واختار البيتكوين لأسباب منطقية جدًّا.

حكم الأقلية

كتب نسيم طالب كيف أن أقلية صغيرة صلبة تستطيع أن تفرض إرادتها على الأغلبية، وسمى هذا حكم الأقلية وفسّر لمَ ينتصر الأقلّ تقبّلًا. البيتكوين (والأنظمة المالية) مثال مثالي لهذه الظاهرة. إذا أكّدت أقلية صغيرة على أن للبيتكوين خصائص مالية متفوقة ولم تقبل أي نوع من العملات الرقمية (أو العادية) مالًا، سيبقى السوق الذي لم يقتنع بعد يقبل البيتكوين وغير البيتكوين، ولكن في النهاية، تنتصر الأقلية التي لا تتقبل. هذا هو الذي يجري اليوم في التنافس العالمي على التفوق في فضاء العملات الرقمية. قررت أقلية من المشاركين في السوق أن البيتكوين وحده هو الممكن، ورفضوا كل الخصائص المالية لكل العملات الرقمية الأخرى، أما الأغلبية فتقبل البيتكوين إلى جانب هذه العملات. بسبب صلابة هذه الأقلية، يُفرَض رأيها على الأغلبية. في عالم العملات الرقمية، تنويع الاستثمار باختيار عملات مكافئ لجعل العوام (أو الأقلية الأقل تقبّلًا) يختارون أي شيء سيكون مالك المستقبلي، والتخلّي عن البقية الباقية من مالك. تدبّر التنازلات وفكّر في حكم الأقلية قبل أن تبيع قيمتك التي تعبت فيها بخبر في صحيفة. المال لا ينمو على الأشجار.

البيتكوين إنجاز تشفيري مرموق، لأن القدرة على خلق شيء لا يمكن استنساخه في العالم الرقمي لها قيمة عظيمة.

إريك شميدت (المدير التنفيذي السابق لغوغل)
Tagged : / /

رويدًا، ثم فجأة

المقالة الأصلية | المؤلف: Parker Lewis | ترجمة: BTCTranslator | تاريخ الكتابة: يوليو 2019

مقدمة

هذه أول حلقة من سلسلة أسبوعية قررت أن أكتبها عن موضوع البيتكوين، مستلهمًا صديقيّ مارتي بنت وسيف الدين عموص. التعليم جانب أساسي في البيتكوين، وأرجو أنني بنشر أفكاري أستطيع أن أساعد الناس ليسرعوا في طريق فهمهم لهذا الموضوع المعقد. سمّيت هذه السلسلة رويدًا، ثمّ فجأة. كما وصف همنغواي طريقه للإفلاس، كذلك وصْفُ تضخم العملات الحكومية، وكذلك وَصْف فهم الناس للبيتكوين (رويدًا، ثم فجأة). ستلتزم الكتابات بالبيتكوين ولكنها ستشمل أيضًا الاحتياطي الفدرالي والاقتصاد المالي لأن هذه المواضيع متداخلة بعمق. وبمقتضى محاولتي للاختصار، ستعبّر هذه السلسلة عن خلاصة أفكاري وآرائي، لا عن كل تفصيل قادني إليها، إنّ نيّتي هي تبصير القارئ بعملية الفكر وتقديم خريطة للآخرين إذا أرادوا أن يتعلموا أكثر. هدفي هو الوصول إلى جمهور أوسع (أوسع من جمهور الذين شكّلوا رحلتي أنا) ومساعدة الناس في محيطي على اكتساب فهم لسبب تركيزنا على البيتكوين. إن الآراء المذكورة في هذه السلسلة آرائي أنا، وليست آراء أنتشيند كابيتال أو زملائي. أتمنى أن تستمتع، وأرجو أن تعود إليّ بملاحظاتك.

البيتكوين مال

أو، بالأحرى، البيتكوين أصبح مالًا (عندي). كانت عملية بطيئة انفتحت فيها سدود كثيرة في ذهني ولكنها بدأت بالسؤال: ما هو المال؟ كان هذا مبدأ حفرة الأرنب الحقيقية. الحقيقية، لا التخمينية، إنني أتطلع إلى بطاقة دخول لحفرة الأرنب التي تعرف فيها أن البلوكتشين تقنية ستغير العالم. على مستوى الجذر، تحاول هذه الحفرة أن تجيب سؤال: «ما الذي جعل الدولار الذي في جيبي مالًا؟» لم يستبدل مئات ملايين الناس قيمتهم التي اجتهدوا لكسبها في العالم الحقيقي، بقطع ورقية (أو تمثيل رقمي لها)؟ إنه سؤال صعب أن تسأله، وأصعب أن تجاوبه، وهو شيء أدركت أن كل أحد يفهمه بطريقة خاصة، وبتوقيت خاص، ومهتديًا بتجارب حياته الخاصة. لا بد أن تكون مهتمًّا بهذا السؤال حتى تبدأ فهم البيتكوين.

ما هو المال؟ هذا السؤال هو بداية الرحلة في جحر الاستكشاف

كانت أول خطوة في طريقي هي فهم لماذا كان الذهب مالًا. شمل هذا فهم الخصائص الفريدة التي تجعل الشيء نوعًا أفضل أو أسوأ من المال، ومال الذي يفرق المال بوصفه سلعة اقتصادية فريدة عن بقية أنواع السلع الاقتصادية. كان كتاب معيار البيتكوين تأسيسيًّا وساعدني في استكشاف الأسئلة، لم يكن إنجيلًا بل كان قاعدة للتفكير في المشكلة. عندما طبقت هذه القاعدة على تجارب حياتي وعلى فهمي للنظام المالي الحالي وعيوبه، صارت أمرًا بدهيًّا. وهو أمر قد يكون بدهيًّا (أن البيتكوين مال بالبداهة) للذين قضوا سنين يفكروا فيه من حيث مبادئه المالية، ولكنه حقٌّ أيضًا أن البيتكوين ليس أمرًا بدهيًّا. إنه ليس بدهيًّا مطلقًا، إلى أن يصبح بدهيًّا، ثم مع الوقت يصبح أبده البداهة.

وفي طريقي، وجدت مقارنة البيتكوين بنظامين ماليين ملموسين، هما الذهب والدولار، أمرًا مفيدًا. هل في البيتكوين خصائص الدولار أو الذهب؟ هل البيتكوين أفضل من الدولار أو الذهب؟ لأن الذي يجعل الأشياء مالًا ليس هو الحكم المطلق، بل هو الاختيار بين حفظ القيمة في وسيلة معينة وحفظها في غيرها، وفي كل خيار تنازل عن شيء ما. من دون فهم عيوب النظام المالي القائم (سواء أكان الدولار أو اليورو أو الين أو البوليفار أو البيزو)، لم يكن في مقدوري استنتاج أن البيتكوين مالٌ هكذا من الفراغ.

عندما كنت أعمل في بنك دوتش في أيام الأزمة المالية، لم يكن عندي أساس لفهم ما كان يحدث. بعد عشرة سنين، وبعد العمل على إعادة ترتيب العالم ليصبح صندوقًا وقائيًّا كبيرًا، بدأت أطوّر فهمًا أوضح لما حدث فعلًا في 2008 و2009. وفي بحثي عن الأزمة المالية الكبرى، والاحتياطي الفدرالي، وخصوصًا أثر التيسير الكمي (انظر هنا)، وصلت إلى استنتاجي الرئيسي، وهو أن المشكلة الأساسية كانت أن النظام المالي رُفع تقريبًا بنسبة 150 إلى 1 (دين كثير ودولارات قليلة)، وأن درجة الرفع المجنونة لم تكن ممكنة من دون سياسة الاحتياطي الفدرالي التي منعت باستمرار إزالة الرفع عن النظام على مدى العقود الثلاثة السابقة للأزمة. ثم، اتضح لي أن الحل (التيسير الكمي) لم يسبب إلا انتشار نظام الدين الذي لا يمكن الحفاظ عليه، في السنين العشرة القادمة، وهو ما يجعل التيسير الكمي في المستقبل أمرًا لا مناص منه. وأصبحت مقتنعًا، أنه سواءٌ أبقي البيتكوين أم ذهب، فإن النظام المالي القائم يعمل في وقت مستعار، وأنه بطريقة أو بأخرى، سيكون شيء ما غيره هو الطريق الذي لا بد منه.

“لقد بات واضحاً أن الحل (التيسير الكمي) لم يتسبب إلا في توسع نظام ائتماني غير مستدام على مدى السنوات العشر اللاحقة، الأمر الذي جعل التيسير الكمي في المستقبل أمراً حتميا”.

ثم، اكتشفت أن للبيتكوين معروضًا ثابتًا. إن فهم المعروض الثابت وكيفيته وما الذي جعله ممكنًا، هو أساس فهم البيتكوين مالًا. إن هذا الفهم يتطلب استثمارًا شخصيًّا كبيرًا في فهم كيف حُبكت الدوافع الاقتصادية مع بنيان البيتكوين التقني، وأنه يستحيل تزوير البيتكوين أو نسخه (أو، بالأحرى، أنّ دوافع التعاون قوية جدًّا وتكلفة الفرصة البديلة عالية جدًّا). إنه طريق طويل، ولكنه يقود في النهاية إلى فهم أن شبكة عالمية من الفاعلين الاقتصاديين العقلانيين، تعمل في نظام عملة طوعي لا إكراه فيه، لن تُجمع كلها على بخس العملة التي اختار هؤلاء الفاعلون كل واحد منهم باستقلال ومن تلقاء نفسه أن يستعملها مخزنًا لثروته. إن هذه الحقيقية (أو نظام الاعتقاد) يعزز ويدعم الدوافع الاقتصادية للبيتكوين، وبنيانه التقني، وأثر شبكته.

فالأمر ليس أن كودًا برمجيًّا حكَم أنه لن يكون في الوجود إلا 21 مليون بيتكوين، بل هو فهم أن هذه السياسة المالية قوية وصادقة، وكيف استطاعت شبكة البيتكوين تحقيق الندرة التي يمكن التثبّت منها. لا يمكن أن يحدث هذا بين ليلة وضحاها لفرد واحد. ولا يمكن أن تشرحه لأحد في حفلة كوكتيل. إنه حقيقة تتعزز وتتقوى مع الوقت بالعيش في بنية الدوافع ورؤيتها تعمل مرة بعد أخرى، كل عشرة دقائق (بالمتوسط). فإذا بعد ذلك قورن هذا بكيفية عمل نظام البيتكوين أو حتى بأسس الذهب، عُلم أن البيتكوين مالٌ بالبداهة.

“البيتكوين موجود كحل لمشكلة المال التي هي التيسير الكمي العالمي”

والخلاصة، إذا أردت أن تفهم البيتكوين مالًا، فابدأ بالذهب والدولار والاحتياطي الفدرالي والتيسير الكمي، واعلم لم ثُبّت معروض البيتكوين. المال ليس مجرد هلوسة جمعية أو نظام اعتقاد، بل إن فيه نغمة وتعقّلًا. البيتكوين حلٌّ لمشكلة المال التي هي التيسير الكمي العالمي، وإذا كنت تعتقد أن تدهور العملات في تركيا أو الأرجنتين أو فنزويلا لن يحدث للدولار الأمريكي أو الدول المتقدمة، فما أنا وأنت إلا نقطتان مختلفتان على الخط نفسه. ستدرك خطأك مع الوقت. يمثل البيتكوين بنية مختلفة أساسًا، وطريقًا أمتَن إلى الأمام، ولكن عليك أن تفهم أين كنا، وكيف أصبحنا هنا، لتعرف ما الذي يجري.

كتب حايك عن آلية الأسعار وأعظم توزيع للمعرفة في العالم في (استعمال المعرفة في المجتمع). عندما يتلاعب بمعروض المال، يُفسد ذلك آليات التسعير العالمية التي تقدّم حالئذ معلومات فاسدة في النظام الاقتصادي. فإذا استمر هذا التلاعب 30-40 سنة، تنشأ اختلالات كثيرة في النشاط الاقتصادي الأساس، وهو المكان الذي نحن فيه اليوم. في النهاية، إخفاق الذهب هو الدولار، وإخفاق الدولار هو الفساد الاقتصادي الذي أدى إليه، الذي يزيد طينه بلّة التيسير الكمي. أما وعد البيتكوين فهو حلّ المشكلتين معًا. لأن معروض البيتكوين ثابت ولا يمكن التلاعب به، سبصبح في النهاية أقوى آلية تسعير في العالم، ومن ثمّ أعظم نظام توزيع للمعرفة. إن التقلّب الذي نراه اليوم ليس إلا الطريق المنطقي لاكتشاف السعر، مع زيادة اعتماد البيتكوين من حيث الحجم، وممع تقدمنا نحو حالة من الاعتماد الكامل في المستقبل.

يسخر اقتصاديو المنظومة القائمة من تقلب البيتكوين، كأن في الإمكان أن يتحول البيتكوين من أمر معدوم إلى شكل مستقر للمال بين ليلة وضحاها، إنه قول سخيف تمامًا.

فيجاي بوياباتي على SLP
Tagged : /

السيادية الجزء الثاني: البنك الأجنبي للغاية

المقالة الأصلية | المؤلف: Robert Breedlove | ترجمة: The BTC Translator

في الجزء الأول من السيادية، استكشفنا الدمار الخلّاق للدول القومية الذي تجرّه التكنولوجيا والأنظمة الاقتصادية الاجتماعية المنظمة لنفسها في العصر الرقمي. في هذا الجزء الثاني، سننظر نظرة من كثب في الإبداع الحفّاز الكامن خلف هذا الانتقال العالمي إلى السيادية: البيتكوين. إن وصف البيتكوين بـ«البنك الأجنبي الغاية» (والغاية: السابق الذي لا نظير له)، أداة ذهنية مفيدة تساعدنا على تحسين فهمنا للقوى السياسية الكبرى واعتبارات نظرية الألعاب والدوافع الاقتصادية التي تدفع هجرة رؤوس الأموال إلى أعالي البحار الرقمية في القرن الواحد والعشرين.

أعالي البحار الرقمية                             

«الفضاء الرقمي هو القضاء الأجنبي المطلق. اقتصاد لا ضريبة فيه. برمودا في السماء مع اللآلئ»

كتاب سيادة الفرد

كانت المياه الدولية تاريخيًّا أعظم ملاذ آمن من الدول القومية. يستعمل المقامرون والقراصنة والمهرّبون وآخرون من المذنبين هذه الأراضي التي لا حاكم عليها لينخرطوا في أعمالهم التي جرّمتها الدولة. إن عالَم المحيطات واسع الفضاء كبير الخطر والجائزة وفيه تتعاظم المسؤولية الفردية. ولكن لمَ كان القانون البحري مختلفًا عن الأنظمة القانونية التي تعمل بها الدول القومية اليابسية؟ تُظهر معادلة تكلفة وربح بسيطة السبب الأساسي: باعتبار عظم مساحة أعالي البحار وجفائها، نجد أن التكاليف الضرورية لفرض السلطة أعظم بكثير من عوائد جباية الضرائب التي يؤمَل أن تحصَّل إذا ثبّتت الدولة سلطتها على المنطقة. وحتى إذا افترضنا أن النشاط الاقتصادي في أعالي البحار كثيف بما يكفي لإنشاء نظام ضريبي رابح، فإن تكاليف الدفاع عن هذا الاحتكار (أو الاستبداد) من الدول الأخرى الساعية للربح أمر يجب النظر فيه. لهذه الأسباب الاقتصادية، تعدّ المياه الدولية أعظم «غربٍ جافٍ» تستهلك فيه الولايات موارد ضخمة لحماية استبدادها بالمنطقة من الهجمات البحرية.

حتى الولايات المستقرة لا تستطيع إجراء نشاطات تجارية ناجحة في أعالي البحار. لمّا كان تدفق المياه على الأرض من أهم ما يشكل حدود سلطة الدول (تحدد كثير من الأنهار والسواحل أشكال الدول القومية)، كانت القوة الحاكمة في هذه المناطق الحدودية هي السائدة جيوسياسيًّا. إن الوصول إلى الماء يوفر ميزات اقتصادية في نقل الطاقة أو الكتلة (والكتلة هي طاقة مجمدة) عبر الزمكان، إذ تساعد القوى الهيدروليكية للماء الإنسان على التغلب على احتكاكات الجاذبية، ومن ثم يحسن الإنتاجية كثيرًا. يستهلك نقل 10 أطنان على الأرض طاقة أكبر بكثير ممّا يستهلكه نقل المقدار نفسه على الماء. ومن مرونة الماء وقلة الاحتكاك فيه، يسرّع شبكة الطاقة التجارية وفي الوقت نفسه يعيق تأسيس سلطة دائمة. وهذا ما يجعل السلطة على الخط الساحلي مزية سياسية جغرافية كبرى. فلا شك أن وصول الولايات المتحدة غير المقيد إلى المحيطين الهادي والأطلسي كان عنصرًا أساسيًّا في سلطتها في القرن العشرين، اقتصاديًّا وعسكريًّا. وإذا حسبنا جميع الاعتبارات، وجدنا أن القوة المستبدة بالعنف التي تستطيع تطبيق أكبر القوى على البحار، هي التي تصبح الدولة القومية. كتب الاستراتيجي البحري ألفرد ماهان في كتابه الكلاسيكي أثر قوة البحار عبر التاريخ:

إن أمواج الفضاء الرقمي غير خاضعة للتحكم والتسلط، وهو ما يجعلها مكانًا للسيادة الفردية العظمى.

إن إحاطة الأرض بخلاء البحار الوسيع مزيّة دفاعية طبيعية. والتكاليف اللازمة لسلطة الجباية لمراقبة المنطقة المحيطية وتفتيشها وجباية ضرائبها صاعقة. يجب أن تركّز أنظمة الجباية جهودها على المناطق اليابسية ذات الكثافة الاقتصادية العالية لتجني ربحًا. ومما يثير الاهتمام أن الآليات الاقتصادية لأعالي البحار تساعدنا على فهم مزيّات التجارة في العالم الرقمي.

تخيل أن كل النشاط التجاري ترك أرضه اليابسية وأُجري في سفن متبعثرة في مياه العالم المفتوحة. تخيل الآن أن كل واحدة من هذه السفن التجارية لها جهاز إخفاء، يجعلها خفيّة على العين والرادار وأي جهاز مراقبة آخر. ثم تخيل أن معلومات هويات كل الأنفس المبحرة في أعالي البحار هذه، وكل الأموال التي تحوزها، وكل المحادثات بينهم، مخفيّة على نحو مشابه، في عتمة معرفية. فإذا تخيلت هذا، فتخيل أخيرًا أن هذا السوق البحري انتفخ حتى أحاط بالكون المنظور كله. ما أصعب وأغلى تنظيم اقتصاد خفي ومتسع هكذا؟ ولئن كانت هذه الخيالات بعيدة عن الواقع، فإن كل التجارة والهويات ورؤوس الأموال المودعة في الفضاء الرقمي لها المزيات نفسها من حيث الدفاع والخفاء وامتناع التتبع. ورغم عدم شيوع تقانة التشفير بعد، فإن تقدمها مستمر متسارع، يُحوّل هذا المجاز الخيالي إلى واقع رقمي للسياديين المثقفين حول العالم.

يثبت النظر في ترتيب الدول القومية في القرن العشرين أن تصوّر سلطة عبر البحار أمر صعب. هكذا، فإن البناء التخيلي الذي يقارن الفضاء الرقمي بأعالي البحار مفيد في التبصّر بالتحديات التي تواجهها كل المحاولات أحادية الطرف للسيطرة على الناس في القرن الواحد والعشرين. الآن، صار في مقدور الناس أن يلوذوا بالملجأ الأوحد لرأس المال، البيتكوين، الذي لولاه لكانوا ضحايا الاستبداد الاقتصادي. إن قوة الدولة القومية مبنية على قدرتها على مصادرة الثروة، وهي نقطة هجوم تحيّدها التقانة الرقمية تحييدًا كبيرًا. أحيانًا أفضل طريقة لمواجهة الهجوم هي مواجهته بفضاءٍ خالٍ، والفضاء الرقمي يمكّن الخلاء هذا لتحقيق اتساع مضاهٍ للاتساع الكوني. مع التقانة الرقمية، يمكن نقل المعلومات ورؤوس الأموال بسرعة الضوء، وإخفاؤها خلف جدار الطاقة المعمّاة، وتخزينها «في كل مكان ولا في مكان» بطرائق شتّى لا تنتهي، ولا يحدّها إلا خيال المطوّر. باختصار: الدفاعات الرقمية، وهي دفاعات لا تخترق، تتحدى القوة. مع مجيء البيتكوين، أصبحت المعلومات والمال والذاكرة مُدْمَجة كلها إدماجًا لا ينفك: حدثٌ معتمد على المسار يغيّر تدفّق تنظيم الذات الاجتماعي الاقتصادي.

إذا نُزعت الجسمية من المال، أدّى هذا إلى مقتضيات مذهلة. كل محاولة أحادية الطرف لنقل القيمة الاقتصادية، بالتضخم أو الضرائب غير المتفق عليها أو المصادرة المباشرة، تزيد الطلب على رأس المال المضاد للسرقة. وفي أبعد طرف من طيف المناعة على المصادرة، يشعّ نور البيتكوين الثابت. فإذا أفاق الناس على الفوائد الطبيعية لتحصين مدخراتهم في الضفة الأخرى من فجوة أعالي البحار الرقمية التي لا تُعبَر، بدأت حلقة تلقيم راجع بين تزايد محاولة الحكومة لعبور هذه الفجوة، وبين إرادة الهروب من قبضة الحكومة، فإذا اشتدّت قبضة المحاولات لضبط رؤوس الأموال، مُوّجت موجات أعظم من هروب رؤوس الأموال. في يأسٍ هازمٍ للذات، كلما اشتدت قبضة الحكومات، انسلّ من بين أصابعها المال المُطلَق المنقولية إلى الأثير الرقمي. تحكم نظرية الألعاب الفعل البشري دائمًا، من دون نظر إلى المراسيم والتشريعات.

نتيجةٌ مباشرة لإحكام قبضة الحكومة هي نموّ القيمة السوقية للبيتكوين وأمن شبكته، إلى جانب تقلّص مكافئ في خطر تملّك البيتكوين (المال الصعب سلعة فبلين). ومن الأمثلة الحديثة لهذا الأمر، حظرُ المصرف المركزي في نيجيريا البيتكوين، الذي لم يزد اعتماد البيتكوين بين النيجيريين إلا تسارعًا. في النهاية، ستصبح هذه الآلية دوامة عالمية قائمة على نظرية المعلومات، تجذب كل رؤوس الأموال إلى البنك الأجنبي الغاية: البيتكوين. مع انهيار عوائد الحكومات، ستنتهي الوظائف التي كانت تقدمها تقليديًّا، كالتصويت وحفظ حقوق الملكية والخدمات العامة والدفاع وغير ذلك، وهو ما يؤسس فراغًا في السوق يتيح لرواد الأعمال أن يشبعوا هذه الرغبات التي لم يعد يشبعها أحد. سينشأ محيط أزرق من فرص السوق الجديدة مع تفسخ احتكارات الدولة القومية. يلغي المال اللامركزي احتكارات معظم الأسواق، لأنه يقلل سطح الهجوم اللازم للتشريع الفعال والإكراه، فيجعل فائدة الإجبار أقل مع الوقت (إلا أن يكون فدية مباشرة أو ابتزازًا، لكن هذه أشياء ليست واسعة النطاق). بهذا المعنى، شراء البيتكوين هو قَصْرٌ كبير للدولتية. لقد اختارت بعض أعظم العقول في زماننا هذا مكانها في هذه التجرة التاريخية من الآن:

حسبُك هذا.

الحياة سلسلة من التجارات التي فيها خسائر وأرباح. الأفراد الذين يتحضرون ويتكيفون مع هذه التغيرات السياسية الكبرى سيكتسبون قوة في العالم السيادي. ومن أركان نجاح السياديين في أعالي البحار الرقمية: الوصول إلى المال، والخصوصية، والحفظ.

المصرفية الأجنبية الرقمية

«فإذا فُتح الملاذ الضريبي الأعظم من كل الملاذات الضريبية، أصبحت كل الأموال أموالًا أجنبية تحت تصرّف مالكها وحده»

كتاب سيادة الفرد

في القرن العشرين، كانت المصرفية الأجنبية وسيلة مفضلة لحماية الثروة. إن حماية الأموال من المصادرة أمر مطلوب سواءٌ من الناهب أو المنهوب، فكلاهما يريد أن يحصّن أمواله من أيادي السارقين. المصارف الأجنبية ملاذات ضريبية، ومؤسسات اجتماعية وُجدت منذ قررت الحكومات أن تموّل نفسها بالضرائب غير المتفق عليها والتضخم. ولكن الملاذات الضريبية لم تكن دومًا مصارف. فقد كان في روما القديمة مثلًا ميناء مبني على جزيرة ديلوس أُريد به تقويض الأقضية المنافسة وجذب النشاط الاقتصادي إلى مواني الجزيرة. كان ميناء ديلوس الخالي من الضريبة واحدًا من أولى الملاذات الضريبية. خسرت جزيرة رودس الإغريقية المجاورة سريعًا نشاطها التجاري لهذا الميناء، وتراجعت قوتها التجارية في العالم القديم. وهنا درسٌ مهم جدًّا: إذا سُلّح المستهلكون بالاختيار بين مقدّمي خدمات متنافسين، كان مصير السوق في أيديهم. وضوحًا، يختار المستهلكون دائمًا أن يدفعوا ثمنًا أقل من أجل الخدمات نفسها. وبالمبدأ نفسه، تندفع رؤوس الأموال إلى آمَن المخازن المتاحة في كل عصر من العصور. وفي العصر الحديث هذا، أصبحت البنوك حصونًا لحفظ رؤوس الأموال.

ولعلّ أن الحساب المصرفي السويسري أشهَر الملاذات الضريبية في العصر الحديث. في مطالع القرن التاسع عشر، جعلت سويسرا نفسها دولة محايدة. وفي القرن التالي، أصبحت بنوكها ملاذات ضريبية أجنبية للنخَب الأوروبية. بعد الحرب العالمية الأولى في أوائل القرن العشرين، بدأ ازدهار هذه الصناعة السويسرية الصغيرة. ولمّا كان الدمار الذي عانته أوروبا كبيرًا في الحرب، لجأت الحكومات إلى رفع الضرائب لإعادة الإعمار. وبفضل حيادها السياسي، لم تتضرّر سويسرا تضرّرًا كبيرًا من الحرب، ومن ثم استطاعت أن تبقي ضرائبها منخفضة بالمقارنة مع جيرانها المتحاربين. هذا الاختلاف في فلسفة الحكم جذب تدفقات عظيمة من رؤوس الأموال إلى سويسرا. استغلّت المصرفية السويسرية حياد دولتها الحاضنة ومزاياها التضاريسية بحكم إحاطة سلاسل الجبال بها في وسط أوروبا، وانتشر بذلك صيت خدمتها العالية المستوى بين الزبائن الأوروبيين. طبعًا، يرغب الناس أن «يمسكوا بمفاتيح» رفاههم المالي، وقد قدمت المصارف السويسرية تاريخيًّا لمستهلكيها ضمانات متفوقة للوصول والخصوصية والأمان. أما البيتكوين، فتتفوق بمستويات كثيرة في كل هذه الأبعاد الثلاثة.

البيتكوين حفّاز السيادية.

يوفر البيتكوين خدمة عامة تسهل التدفق التجاري للملكية الخاصة، وهو من هذه الناحية يقدّم وصولًا ماليًّا عالميًّا. يمكن تخزين المفتاح الخاص — وهو حامل المعلومات الذي يتيح لصاحبه استعمال البيتكوين — في ذواكر تماثلية أو رقمية أو حتى بيولوجية. يمكن استعمال المفاتيح الخاصة لبدء تحويلات بيتكوين من أي مكان في العالم فيه وصول للاتصالات الرقمية، في أي وقت من اليوم. محافظة المرء على مفتاحه الخاص هي الكأس المقدسة لسيادته الذاتية. ومع أن تاريخ التحويلات في البيتكوين شفاف ومتاح للجميع، فإن الروابط بين المفاتيح وأصحابها لا يمكن معرفتها إلا من خلال المراقبة، ولم تزل تطويرات البيتكوين الناشئة مثل تابروت تعزّز خصوصية البيتكوين. فإذا استعملت إجراءات الأمان الصحيحة، صحّ القول أن البيتكوين ثروة خفية. من حيث الأمن، شبكة البيتكوين واحدة من أقوى شبكات الحوسبة وآمَنها في التاريخ. وبفضل رقميّة البيتكوين المحضة، يمكن تخزينه في طيف واسع من نماذج الحيازة عالية الأمان المنيعة تمامًا على المصادرة. البيتكوين هو المال الوحيد في التاريخ المنيع مناعة مطلقة على المصادرة بالتضخم. فإذا جمعنا هذه الميزات، الوصول والأمن وضمانات الحماية، جاز لنا القول إنه الملاذ الضريبي الذي لا جدال فيه، الذي اختاره سياديو القرن الواحد والعشرين.

بفضل كونه «البنك الأجنبي الغاية» في القرن الواحد والعشرين، يمحو البيتكوين الدولتية ويغذّي ثقافة عالمية ناشئة متجذّرة في السيادية.

البيتكوين أسلَم ملاذ ضريبي من التضخم أحادي الجانب، والضرائب والمصادرة في التاريخ البشري. تُرجع الشبكة المالية الرقمية الرأسماليّة «مفاتيح القلعة» لأصحابها المستحقين لها، وهم الأفراد الذين ضحوا لينتجوا ثمار أعمالهم التي يمثلها المال في السوق (الذين حافظوا على مفاتيحهم الخاصة، فالبيتكوين في المصارف والأسواق ليس بيتكوينا). في هذا النموذج الجديد، كل المال المخزن في البيتكوين مكافئٌ لـ«المال الأجنبي» تحت تصرف مالكه. يدرك المشاركون في السوق سريعًا أهمية السيادة المالية، والبيتكوين يتسارع خروجه من الأسواق إلى حيازة أصحابه السياديين:

مع تزايد قيمة البيتكوين، يدرك المشاركون في السوق أهمية الحيازة الذاتية للبيتكوين.

إن القوة والحرية والسيادة التي يكتسبها الأفراد عندما يجرون تعاملاتهم المالية في البيتكوين هي نقطة شيلن (النقطة المحورية) التي لا يمكن إنكارها في أعظم لعبة عدائية بين جميع اللعب: الفعل الإنساني. والبيتكوين ليس مجرد مغيّر للعبة، إنما هو لعبة جديدة لها قوانين جديدة لا تُختَرق. يَعِد أسلوب التنظيم الاجتماعي الاقتصادي المشتق من البيتكوين بتحسين الثروات حول العالم ويحفّز في الوقت نفسه التخلي عن استعمال العنف، إلى الأبد.

نهاية السَّلْب الجماعي

«لطالما سعت السلطة في أسهل طريق للثروة، وهو مهاجمة الذين يملكونها»

ويليام بلايفير

التقدم الحضاري في قوسِه الأوسع قوّة سيادة طاردة: لأن السلطة تتجه إلى المحيط عندما تزيدنا المتاجرة في السوق إنتاجيّة بالإبداع، وفضيلةً بالتلاقح الثقافي. وعندما تصبح السيادة عامّة، لا يعود للمراسيم والعنف معنًى أمام الفعالية الاقتصادية. فإذا انحسرت عوائد السياسة والعنف (وهو الامتداد الطبيعي للسياسة)، أصبحت الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية أمرَن وأكثر لا مركزية، لأن التعاون في هذين الظرفين أربَح من السلب. مثالٌ متطرف على هذا الحال: مجتمع الصيّادين الجمّاعين، حيث لم يكن العنف يُكسب صاحبه إلا نُهوب ضحية واحدة أو قرية صغيرة، وكان تناسق المعلومات (الذي يبيّنه التطور المتقارب للأدوات والحراب القديمة) عاليًا، أي إن النزاع المسلح كان خطرًا بقدر ما هو مفيد (إذا انتصرت فيه). كانت سيّئة هذه البنية الاجتماعية الاقتصادية القديمة، رغم أنها لامركزية، هي تحقق المثل القائل «القوة هي الحق» أي إن السيادة الفردية لطالما كان يستلبها أي أحد معه «عصًا أكبر». جعل البيتكوين التنظيم الاجتماعي الاقتصادي اللامركزي السلمي ممكنًا، لأنه أول حق ملكية خاصة لا يحتاج إلى التهديد بالعنف لحمايته. هذا النقد العالمي الرقمي اللاحكومي يغيّر منطق العنف إلى الأبد، فهو ابتكار عميق للحضارة، لا نظير له ربما منذ ابتكار ساعة الوقت.

البيتكوين حق ملكية خاصة ميتافيزيقي يغير منطق العنف إلى الأبد.

القوة هي تسريع الطاقة عبر الزمكان. إن القدرة على إسقاط القوة والدفاع ضدها جانب مهم في التعاملات البشرية. يظهر كل عصر حضاري حقائقه التقنية الفريدة التي تعكس حجم انتقال الطاقة وفعاليته بمختَرَعات العقل البشري: ومنها الأدوات والأموال والتنظيمات الاجتماعية الاقتصادية. ومن أمثلة هذه العملية، تأمّل كيف تطور السلاح البشري من الرماح إلى البندقيات ثم إلى القنابل النووية، وكل سلاح من هذه الأسلحة قادر على نقل قوة أكبر من سابقه. عادةً تحفّز الحروب الابتكارات في هذا المجال، ومن عادة الحروب أن تظهر ضرورات البقاء على الذين تؤثر فيهم. الحاجة، كما يقولون «أم الاختراع». النزاع المسلح قوة تحفّز الإبداع، وهي مرتبطة ارتباطًا عميقًا بما يميّز الفعل الإنساني، وهو نقل الطاقة عبر الزمكان بهدف تحقيق أهداف قيّمة. الحرب هي النزاع الداخلي للإرادات الإنسانية المتضادّة، والجحيم الذي أحاق بحدود الحضارات وأغرقها عبر التاريخ. لهذه الأسباب الفيزيائية، كانت الوسائل التي ينقل بها الإنسان الطاقة هي الإكراه أو العنف، وكلاهما قوة على الآخرين، وكلاهما مشتبك بالأنظمة الاجتماعية الاقتصادية.

إن حساب العنف سبب من الأسباب التي تجعل عمليات السوق الحرة تفضّل طبيعيًّا التقنيات المالية الصعبة على السرقة. ولأن تهديد العنف قائمٌ دائمًا، يفضل الناس أن يُمسكوا أصولًا نسبة قيمتها إلى تكاليف حمايتها أعظمية. أصولًا محميّة يمكن الدفاع عنها ويصعب إنتاج مثلها، منيعةً على مساعي السلب. إن القدرة على الحماية كانت ميزة أساسية في اختيار السوق الحرة للذهب مالًا. والقدرة على الحماية فرعٌ عن المحموليّة، وهي خصيصة من خصائص المال، فالأصول التي تكون نسبة قيمتها إلى وزنها عالية أسهَل نقلًا وأرخَص حمايةً. يكمّل البيتكوين خصيصة المحمولية المالية وفرعها الأمني، لأنه مال رقمي محض: يمكن نقله بسرعة الضوء وحمايته في أي وسيلة تستطيع حمل المعلومات. كان حلّ مشكلة محمولية الذهب واحدًا من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى إنشاء العملات المدعومة بالذهب، وهو ما أعطى الحكومات نقطة هجوم استطاعوا بها احتكار معروض المال. بعد أن كان الذهب ركن السوق، أُلغي معياره، ومهّد ذلك الطريق لتطبيق العملات الحكومية الأمريّة (أي المنتجة حسب أمر الحكومة): وهي آلية احتكارية تستعملها الدول القومية للسلب الجماعي لمجتمعات كاملة، من خلال التضخم والضرائب التي لم يتفق عليها.

يستمثل البيتكوين وظيفة المال.

تدهورت المصارف المركزية، التي أُريد بها أصلًا دعم القوات المسلحة وتنظيمها، وأصبحت أنظمة تمارس قوّة الاغتصاب على المواطنين بلا ضمير. إن التلاعب بمعروض المال هو الحيلة الأساسية التي استعملتها الحكومات لتغتصب السيادة من مواطنيها الأفراد في العصور التماثلية. من قطع النقود المعدنية إلى التيسير الكمي، لم يخدم التدخل في المال إلا هدفًا واحدًا: سرقة المواطنين. أعني بالتضخم هنا تحديدًا، زيادة معروض المال عشوائيًّا تحت سيطرة احتكار قانوني، ولا أعني توسيع المعروض المنتظم، كالذي يجري عند تعدين الذهب أو البيتكوين، أو إصدار الائتمان المصرفي في السوق الحرة، كل هذه أشياء مستقلة لأنها عمليات في السوق الحرة خاضعة لتكاليف الإنتاج ومعرّضة للخسارة الاقتصادية. التضخم ظاهرة غير منتظمة لا تكون في السوق الحرة.

لقطات حقيقية من عملية «ضخ النقد» في الاقتصاد.

التضخم ضريبة، ولكن قياسها الدقيق مُشكِل. يسبب التضخم حَتًّا مستمرًّا للقوة الشرائية عبر الزمن، فتحتاج إلى مال أكثر لشراء المقدار نفسه من الأشياء، وهو ما يؤدي إلى زيادة عدد ساعات العمل اللازمة لشراء المقادير نفسها من السلع الأساسية للبقاء. تقيس حكومة الولايات المتحدة التضخم خطأً (أو ربما خداعًا) من خلال مؤشر أسعار المستهلك. هذا المؤشر قائم على حساب يغيّر أساسه عدة مرات لتحقيق نسب معينة، ويستثنى منه التصنيفات «المتقلبة» كالطعام والطاقة. التقلب هنا يعني تغير الأسعار، فاستثناؤه من مؤشر يراد به قياس تغير الأسعار يهدم الأمر كله. في الحقيقة، لا يمكن قياس التضخم بمقياس واحد. التضخم ذاتي في جوهره، مثل الحسابات التي تفسدها خسارة القوة الشرائية على المشتركين في السوق. بعبارة أخرى، التضخم نسبي إلى الأهداف الفريدة التي يستهدفها كل فاعل في السوق، وهو ما يجعل كل المقاييس العامة للتضخم غير دقيقة. أدقّ مقاييس ضريبة التضخم هو نمو المعروض المالي العام، وهي نسبة مساوية تقريبًا لنسبة بخس العملات الورقية في يد أصحابها على أي مدى زماني.

أرض الأحرار، إلا في موضوع المال.

يستحيل حساب التضخم بمبلغ معين بالدولار لأنه خسارة ذاتية في الطاقة الشرائية للفاعل الاقتصادي، كلٌّ حسب السلع التي كان يستهدف شراءها. بعبارة أخرى، كل مشارك في السوق يحدد مُعاملًا فريدًا للتضخم عندما يشتري ويبيع ويُمسك بالأصول. ولكن لا تغرّك هذه الذاتية، فمن وجهة نظر موضوعية، التضخم ضريبة، وإن كان شكلًا أمكَر وأقلّ مباشرة من الضرائب. بعبارة أوضح: ليس التضخم إلا ضريبة. وبصرف النظر عمّا تزعمه الدعاية الكينزية، فإن التضخم لا يجرّ أي منفعة اقتصادية لأحدٍ سوى المضخِّمين، أي حراميّة المصرف المركزي الذين يتربّحون من هذا الاحتكار المشرَّع لتزوير المال. يمكن حساب الضرائب المباشرة بطرائق أوضَح (بالدولار) لأنها مفوترة ومدفوعة بالدولار. ومع أن معظم دَفَعة الضرائب في الولايات المتحدة مدرَّبون ككلاب بافلوف ليُرسلوا استماراتهم ويدفعوا جزيتهم كل أبريل لتجنّب فظاعات دائرة الإيرادات الداخلية، فإنه واجبٌ أن ندرك أن الضرائب التي لا تحدد نسبُها بالتراضي هي بالتعريف، سَلب. هذا المَكْس بغير التراضي، وأخوه المشؤوم التضخم، فعلان إجراميّان لا أخلاقيّان لا تفريق بينهما وبين السرقة. واسمح لي أن أفصّل هذه الفكرة مرّة أخرى، ولو أنني كررتها كثيرًا: فرض الضرائب بغير تراضٍ، والتضخم، سرقة تقوم بها المصارف المركزية حول العالم ضد المواطنين.

### صورة ###

الابتزاز: استخدام العنف والتهديد للحصول على غرض ما، خصوصاً المال

يواجه الفاعلون في السوق دوافع اقتصادية ضخمة للخروج من هذا الاغتصاب النظامي الموجود في كل مكان. المصرفية المركزية نظامٌ مؤسس لـسرقة الوقت: بقيّة من آخر بقايا العبودية في عالمٍ تقدّم أخلاقيًّا على صُعدٍ شتّى بفضل مكتسبات الإنتاجية الكبيرة التي أكسبته إياها العبقرية الريادية، وإن كان يواجه رياح اغتصاب الأموال. يمكن أن نقول إن الأخلاق رفاهية، وأن التضخم يُضعف نشرها وتوسيعها، كما أنه يهمّش الابتكارات الأخرى. من حسن حظ أهل العصر الرقمي، صار الخروج من هذه اللعبة الفاسدة ممكنًا الآن. كل إنسان يقدّر وقته أو وقت الذين في حياته، يستطيع اليوم أن يختار مالًا تضاهي ندرته ندرة الوقت. هذا التغير البسيط في المنظور يشكّل ضغطًا هدروليكيًّا من الحوافز الواعدة بهَدم العملات الحكومية ومخططاتها الهرمية في كل مكان. فإذا أردنا النظر فيما يصدّ المشاركين في السوق عن حفظ ثرواتهم بالعملات الحكومية، وما يدفعهم إلى نقل رؤوس أموالهم إلى بنك البيتكوين الأجنبي، فلننظر في هذه الأرقام:

العملات الحكومية قائمة على آليّات اقتصاديّة تدعّ الفاعلين في السوق دعًّا إلى شراء البيتكوين. وبالمثال يتّضح المقال: إذا كان المواطن الأمريكي المتوسط يدفع 10,489 دولارًا ضرائب مباشرة للحكومة الأمريكية كل عام، وبصرف النظر عن أثر التضخم الخبيث الصعب الحساب (الذي يعتمد على مزيج الموازنة والأداء والأهداف وغير ذلك)، فإن خيار حفظ المدخرات في البيتكوين قرار ثمنه 1.2 مليون دولار، على افتراض ربح سنوي بقيمة 5% على رأس المال لمدة 40 عامًا، ثم ينتفخ ليصبح قرارًا بـ 4.4 مليون دولار على افتراض أن نسبة المدخرات الضائعة 10%. إذن، بالنسبة للمواطن الأمريكي المتوسط، سؤال اعتماد البيتكوين مكافئٌ لسؤال: «هل تقبل أن تغيّر حساب توفيرك مقابل 1.2 مليون دولار مدخرات للتقاعد؟» وتذكر بعد ذلك، أن هذه الحسبة لا تشمل إلا المَكْس المباشر. وباعتبار أن الحكومة الأمريكية طبعت تقريبًا 4.1 تريليون دولار عام 2020 وحده — وهو العام الذي بلغت فيه إيرادات الضرائب 3.9 تريليون دولار فقط — وباستعمال طريقة حسابنا المذكورة أعلاه، نجد أن الضريبة الفعلية (الجامعة للتضخم والمكس) تساوي تقريبًا ضعفي الضريبة المباشرة المفروضة على المواطنين (ولو أن التضخم يضر الفقراء أكثر والمعتمدين على دخل محدود، كالمتقاعدين والمساجين). وباستقراء توسيع المعروض المالي في الولايات المتحدة من عام 2020، نجد أن مضاعفة الأرقام المذكورة تعكس الأثر الحقيقي للاغتصاب الجماعي الذي يجرّه التضخم وفرض الضرائب بغير تراض، وتعكس أيضًا عِظَم الدوافع للخروج من هذا النظام.

وضوحًا، إذا زادت معدلات التضخم والضرائب، زادت الدوافع إلى اعتماد البيتكوين لاتّقاء شرّ الدولة القومية وأكلها لرؤوس الأموال، الذي يبلغ أكثر من 700 مليون دولار، على افتراض 100 ألف دولار في حساب توفير سنوي وأن نسبة الضريبة الفعلية 20%. إن جشع الحكومات والاختيار المتاح للمواطنين الأغنياء رقميًّا، سيُؤدّيان حتمًا إلى هذه النتيجة، وستنحدر إيرادات الدولة جدًّا، وانحدار الإيرادات علامة تنذر بانهيار أي مشروع. فإذا تبيّنت هذه الحسبة للفاعلين في السوق، هُرعوا إلى البيتكوين، وسجّل التاريخ انفجار القيمة السوقية للبيتكوين وانهيار نماذج إيرادات الدولة القومية. وهنا يصبح السؤال: كيف سينظم بنو الإنسان أنفسهم صبيحة انهيار الدولة القومية؟ إن الذين يتدبرون هذا السؤال ونتائجه الاحتمالية، ويتحضرون له، سيجدون ملجأً في أعالي البحار الرقمية، حيثُ قانون الواحد والعشرين مليونًا هو «قانون الأرض».

إبحارُ السياديين

«لقد اعتادت سلطات الجباية معاملة دافعو الضرائب كما يعامل الفلّاح بقره إذ يحسبها في الحقل ليحلبها. في العصر الرقمي، تنمو لهذه الأبقار أجنحة»

كتاب سيادة الفرد

السلطة كلمة قوية: تعني أن إرادة بعض الناس مسلَّطة على غيرهم. تعتمد السلطات على دفَعة الضرائب الباقين تحت أسرها الإقليمي، أو على الأقل، الذين يريدون أن يخضعوا إلى مراسيم السلب حتى وهم خارج السلطة القانونية لحكومتهم (انظر نظام الضرائب العالمي لحكومة الولايات المتحدة مثلًا). تقوم الدول القومية على حدود محكمة معرّفة بوضوح تمارس فيها سلطاتها ونشاط جباية الضرائب. فإذا تعاظمت الضرائب والتضخم، زادت مثبّطات دافعي الضرائب عن البقاء داخل الحدود (أو على الأقل، عن الائتمار بالمراسيم). فإذا خرجت تجارة كبيرة أو رأس مال كبير من ولاية، انهارت إيراداتها الضريبية، وانحدرت ثروة الاقتصاد المضروب وثمار إنتاجيته. ولمّا كان الحفاظ على الاستقرار من مصلحة سلطات الجباية الطفيلية، كان عليها أن تلتزم الحذر فلا تقتل مضيفيها — ومضيفوها هم الاقتصادات الإنتاجية التي تحافظ عليها. على مر التاريخ، غُلب المواطنون في هذا النزاع بين سلطات الجباية ودفعة الضرائب، بسبب اعتماد المواطنين على حقوق الملكية الخاصة والمؤسسات وحكم القانون اللازم للتعاملات التجارية الفعالة. تقليديًّا، كان في إمكان صاحب القوة أن يتلاعب بأركان التعاون الاقتصادي الاجتماعي، وهو اختصاص الدول القومية. إن تحوّلية تمثيلات الإنسان لرؤوس الأموال (الأصول)، والناس (الهويات)، والعلاقات بينهم (الملك) أعطت أنجَح أصحاب الإكراه والعنف حكمًا مجانيًّا يستطيعون به ليّ قوانين المجال الاقتصادي ليلائم أجنداتهم السياسية. أمّا البيتكوين، وهو نوع خاص من الملكية الفردية، لا تغير له، ولا اعتماد على الهوية، فيتيح انفصال السياديين عن نظام المصرفية المركزية المغتصب للأموال.

«إن مصدر كلمة Authority (‹السلطة›) هو Author (‹كاتب أو مؤلف›). تكتب السلطات دورك في قصتها. أما الفرد السيد فهو بطل رواية نفسه»

مايك هِل

تواجه السلطة المؤسسية للعصور التماثلية اليوم التفكك بقعل طوفان الأسيد الرقمي الهائج. ستفكك الشبكات المنظمة لنفسها كالإنترنت والبيتكوين قيود الدول القومية على التجارة بإعطائها الإنسان وسيلة لنقل المعلومات ورؤوس الأموال عبر الزمكان بغير استئذان وإن اختلفت الولاية، كما كسرت طابعة غوتنبرغ خناق الكنيسة المركزي على تدفق المعرفة. أما سلطات الجباية، التي تعتمد اعتمادًا مطلقًا على قدرتها على حدّ الخيارات المالية لمواطنيها، فستُجبَر الآن على تقديم خدمات أكثر وأكثر لتحصل على أي إيراد. إن قدرة الأفراد على «التصويت بأرجلهم» بالخروج من مجامع العملات الحكومية تؤدي إلى عالم فيه تأكيد أكبر على الاختيار الحر، وفيه، من ثمّ، حكومات ونماذج حكم أصغر وأقلّ إكراهًا. تُعيد السيادية المسؤولية إلى النطاق المحلي، وهو ما سيؤدي إلى توسع الحق الإنساني الأوحد: الاختيار.

ترى الحكمة المتعارفة في القرن العشرين أن المال منتج تحتكره الدولة القومية. هذا الفكر التقليدي يتدهور كلما زادت الفروق بين ظروف الماضي والحاضر. يُكتَب التاريخ عندما يتراكم التفاوت بين السائد والممكن، فتثور براكين الثورة ضد المتعارف. إن احتكار الدولة القومية للمال حتمًا لا يلائم مجتمعًا رقميًّا يستطيع تنظيم نفسه على مستوًى رفيع من الفعالية، وهو ما تؤكده الظروف. تتشكل التنظيمات الاجتماعية الاقتصادية في خطوط حقلية من الثقة والأمان ناشئة عن الحقائق التقنية في عصرها، كما تصطفّ برادة الحديد قرب المغنطيس. يغير التشفير والمال الذي لا ثقة فيه أدوار الثقة والأمان في التعاملات الإنسانية. فالمؤسسات التماثلية أدوات باهظة للتثبّت التقريبي، أما الأدوات الرقمية فأدوات رخيصة للتثبّت المطلق. ستضمن القوى الاقتصادية القائمة على مبدأ «لا تثق، بل تثبّت» البيتكويني، موت المؤسسات التماثلية المثقَلة بالثقة، وازدهار التنظيمات الرقمية القائمة على التثبت في القرن الواحد والعشرين. المال هو أصل كل التنظيم الاقتصادي الاجتماعي، والسيادية انفصال يتنزّه عن فساد التاريخ الإنساني.

المال أداة اختيار مطلق في السوق. بالمعنى الفيزيائي، المال تمثيلٌ للاستطاعة، وهي في هذه الحالة القدرة على طلب عمل الآخرين مع الوقت. كل أنظمة السلطة الاجتماعية الاقتصادية في العالم مشتقة من أداة نقل الطاقة الباطنة عبر الزمكان هذه. بعبارة أخرى: المال مسيطرٌ على معظم الطاقات الإنسانية الخلاقة. بعد احتكار الذهب وإصدار المال القائم على الدين مكانه، أصبحت المصرفية المركزية هي الخيار المشترك للفاعلين في السوق. وُلدت السيادية من البيتكوين، لتكون قيامةً للخيار الفردي في عالم تسيطر عليه الدول القومية. بتسليح مواطني القرن الواحد والعشرين بالقوة لتحقيق الأكثر بالأقل، وللاختفاء في الأثير الرقمي متى احتاجوا، وللاستقلال عن مجامع الأمر والسيطرة القائمة على العملات الحكومية، يَعِد العصر الرقمي بأنه سيتميّز بطبقة اجتماعية جديدة من النخب العقلية: السياديون المثقفون. ومع إبحار مزيد ومزيد من السياديين إلى أعالي البحار الرقمية، ستزداد مجتمعاتهم هنالك غنًى وسلامًا وأخلاقًا وجاذبيّة للآخرين، مُطلِقةً دورةً فاضلة من التقدم الحضاري.

الاختيار هو الحق الإنساني الوحيد، والبيتكوين يوسّع طيف الاختيار أمام الفاعلين في السوق توسيعًا جذريًّا. إن الذين يدركون هذا الواقع الجديد، ويختارون أن يسلكوا المسلك الصحيح أوّلًا، هم الذين يرثون الأرض.

السيادية تحول سياسي ضخم يظهر أنه لا يمكن إيقافه: فكل فاعل في السوق إمّا أن يتحضر له ويعتنقه، وإما أن يُجبَر على ذلك عندما ينهار مجمع العملات الحكومية العالمي، وإنه لمنهار. كل محاولة للسيطرة على السياديين ستكون مثل محاولة السيطرة على سرب من الزرازير، والزرازير طيور تنظم أنفسها وتتفرّق وتتجمّع في طيرانها لتتجنب كل عائق في الطريق. أو ربما يجوز أن نشبه السيادية بالبحار التي لا تزال هائجة: قوّات لا تألو ولا تقف، تحكمها قوانين الطبيعة، قائمة على مبادئ الفيزياء بعيدًا عن سلطة السياسة — طاقات ستنحت شكل الواقع الاجتماعي الاقتصادي وإن كره أي كيان مركزي. عندما يحكم الاختيار الرقمي، تُملَّك اللامركزية. إن المفتاح الذي لا غنى عنه لتنظيم ذكاء الطبقة الاجتماعية الصاعدة المسماة السيادية هو بنك البيتكوين الأجنبي المعصوم.

تبدأ السيادية بالبيتكوين، ولا ندري أين تنتهي. قد ترشدنا لمعرفة هذا دراسةُ التحولات التاريخية المشابهة. في الجزء الثالث، سنستكشف تاريخ التحولات السياسية الكبرى لنميّز متحوّلات مشتركة نستخدمها لنستشرف مستقبل السيادية.

Tagged : /

السيادية الجزء الأول: الدمار الرقمي الخلّاق

المقالة الأصلية | المؤلف: Robert Breedlove | ترجمة: The BTC Translator

الدمار الرقمي الخلّاق

إن تطور التقانة أسرع من قدرتنا على فهم مقتضياتها

كِنْ غولدشتاين

الدولتيّة (أو الدولجية) أسلوب تنظيمٍ اجتماعي اقتصادي نشأ في العصر الصناعي، يشمل كل تطبيقات الدولة للرأسمالية والشيوعية والفاشيّة، وكل الأنظمة الدولتية الأخرى، ولكنه لا يدل على هذه الأدلوجات دلالة صافية. صعدت تطبيقات الدولتية في القرن العشرين، عندما كان أسلوب التنظيم الممكن الوحيد هو الحُكم من عَلُ (top-down) حكم الدولة القومية المركزية المسيطرة. وكما سقطت الإقطاعية أمام الصحافة المطبوعة، سقطت الدولتية أمام واحدة من أهم الوقائع التقانية في عصرها. لقد افترس الترقيم في قرننا هذا كل مشروع تقاني مرجوح الفعالية: من الإعلام والمواعدة، إلى الإعلان والسفر. فإذا سحبنا الكلام على الحكم، وجدنا أنّ الأدوات الرقمية تنسَخ الدوَل القوميّة بتمكين الأفراد تمكينات جديدة وعميقة.

كل الدول مشكّلة بالتقانة. إن الوجود الإنساني في دأبٍ مستمرٍّ إلى أنواعٍ أحفَظ للطاقة من تنظيم النفس، لإبقاء الإنتاجية محرَّرة بتقسيم العمل، وتقليل النفقات اللازمة للأمان قدر المستطاع. هذا هو هدف المجتمع. بتقسيم العمل تقسيمًا أعمق وأعمق، ينمو كنز المعرفة الإنساني العالمي أغنى وأغنى، ليعلّم البشر إنشاء أدوات وأنظمة أفضل. مع تحقيق الإنسان أساليب أوسعَ في لامركزيتها لحماية الأملاك والأشخاص، نشأت دول جديدة: لقد مرّ العالم بتقدّم طويل من طغيان مصر القديمة إلى الديمقراطيات التمثيلية في الحضارة الغربية. وفي تعاقب هذه «التغيرات الطورية» الاقتصادية الاجتماعية، تتحرّر مقادير كُبّارة من الطاقة الإبداعية وتتمثّل في الإنتاجية والأرباح وتجمّع رؤوس الأموال. إن تنظيم المجتمعات على نحوٍ مستمثَلٍ للاختيار الفردي هو أفضل أساليب التنظيم الاقتصادي والاجتماعي حفظًا للطاقة. غلبت الرأسماليةُ الشيوعيّة (ودمّرت الاتحاد السوفييتي بطريقها)، لهذا السبب: لأن الأدوار المختارة طوعًا (الأسواق الحرة)، لا تستلزم تكاليف أمان وحفظ كالتي تستلزمها أنظمة الأدوار الإكراهية (الأسواق غير الحرة).

إن انتصار الرأسمالية على الشيوعية هو «التدمير الإبداعي» الذي ذكره شومبيتر، الذي يُبطل فيه الإبداع الأدوات والأنظمة الأقدم والأقل طاقة، ويحرر طاقةً يمكن استهلاكها في مساعي أخرى. تنشأ صبيحةَ هذه العمليّة المدمّرة والخلّاقة، عوائد اقتصادية ضخمة. تأمّل مَثَلًا، أنه قد احتيج لبناء هرم الجيزة الأعظم 84 ضِعْفًا لعدد الساعات البشرية التي احتيجت لبناء برج خليفة ناطح السحاب في دبي، ومع ذلك فإنّ البرج يبلغ 830 مترًا، أي 7 أضعاف طول الهرم العتيق، بفضل التخصص المعرفي الموجود في عصرنا الحديث. وكان بناء برج خليفة شهادةً مذهلةً للرأسمالية الحديثة (وإن كانت مهمّشة)، إذ بني على نحو أفعَل بأضعاف من هرم الجيزة الأعظم (498 ضعفًا من الطول في ساعة العمل الواحدة).

تغْلِبُ الأنظمةُ الاقتصادية التي تحفظ الإنتاجية بحماية تقاسم العمل.

الرأسماليّة، من حيث هي نظام اجتماعي اقتصادي، أذكى في توزيعها للطاقة من الشيوعية. يبلغ الرفاه المنظَّم ذروته عندما تُقَدَّم السيادة الفردية. أحسنت الرأسمالية في هذا الأمر، ولكن تدخل الدولة في المجالات المالية والقانونية كبحها. أما السيادية، وهي فلسفة أعمقُ تجذّرًا في مبادئ السوق الحرة، فتعدُ بأنها ستكون موزّعًا لا ندّ له للطاقة، في سعي لإشباعٍ أكبر للرغبات الإنسانية. 

الطاقة هي الحقيقة

إذا أردت أن تجد أسرار الكون، ففكّر بمصطلحات التردد والاهتزاز والطاقة

نيكولا تسلا

إن تسخير الطاقة لتصبح منتجة لنفسها هو هدف كل الحياة. في الأنظمة المقيّدة بشدّة، أفضل تحويل للطاقة هو تحويلها إلى عمل ميكانيكي. في الأنظمة الفيزيائية، هذه القيود هي الجزيء، في الأنظمة الاقتصادية، هي الملكيّة. وكلّما قويت القيود، زادت فعالية الطاقة. تحدد اعتبارات فعالية الطاقة الأدوات والأنظمة التي يخلقها الإنسان لنفسه. إن من شأن المنافسة السوقية الحرة أن تختار الأنظمة المتينة ثرموديناميكيًّا، أي الأنظمة التي تستمثل استعمال الطاقة النادرة مطلقًا. تترجَم القيود الأقوى إلى سعة استطاعة أعلى: أي إلى زيادة القدرة على حفظ الطاقة مع مرور الوقت من دون تبديد. في كونٍ تنافس فيه الحياة كل يوم على حصتها من الطاقة المحدودة، التبذير مدمّر. ولمّا كانت الطاقة هي أدقّ تصوير للواقع، كانت الطاقة هي الحقيقة. فتحويل الطاقة إذن، هو حفظ للحقيقة، وهو مفتاح النجاح في الظروف التنافسية للكائنات الحية والمنظمات.

التجارة والمال ركنان من أركان التنظيم الاجتماعي الاقتصادي. يتقايض الناس طاقاتهم لينتجوا ثمرات عملهم. المال هو الوسيط الذي يتقايض به الناس الطاقة. وأفضل المال هو المال الذي تضاهئ ندرته ندرة الطاقة اللازمة لإنتاج ثمرة العمل التي تجعله مستحقًّا. فإذا أصبح هذا المال (الأفضل) نظام تشغيل الطبقة الأساسية للتعاون الإنساني، جرّ مقتضيات عميقة على الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية التي تقوم عليه. إنّ مالًا كهذا لا بدّ أن يكون أصمَّ عن المكايد السياسية والفعائل الإجرامية، كما أن الواقع الثرموديناميكي للندرة الطاقية المطلقة الذي يحميه أصمّ عنها. فإذا أوقف الإنسان تخصيص طاقة لـ«إدارة» المعروض المالي (أو بالأحرى، التنازع على السلطة لإدارته)، تحرّرت طاقاته لإنشاء بنى سياسية اقتصادية أمتن على أساس مال لا يتغير ولا يتزعزع.

الحرب استمرارٌ للسياسة لكن بوسائل أخرى

كلوسوِتْز

يؤسس المال السليم ثرموديناميكيًّا «منطقة محايدة» لا يهم فيها إلا كَم يشارك المرء في إنتاجية المجتمع. لن يعود للرتبة العسكرية، ولا الانتماء السياسي، ولا القرب من آلة الطباعة، دورٌ في تحديد مكان المرء في هرم الثروة العالمي. فإذا وُهب المجتمع مصدرًا للحقيقة التي لا شك فيها، التي يستطيع أن ينظم نفسه حولها، ستُزال دوافع كثير من العنف في العالم وتشحّ موارده. عندما لا تُلوى القوانين، ولا يمكن مصادرة المال بسهولة بالإجراءات السياسية، يصبح السعي في التعاون السلمي هو الخطة الأكثر إنتاجية. يُوهن المال الثابت السياسة واستمرارها الذي ذكره كلوسوتز: الحرب.

صعود السيادية

كل حقوق الإنسان يمكن اختصارها بحق واحد: الاختيار.

ولعلّك عرفت الآن، أن هذا المال المثالي السليم ثرموديناميكيًّا والمحايد سياسيًّا، هو البيتكوين. البيتكوين، ابن الاثني عشر عامًا المشاغب على واحدة من أقدم وأهم الأدوات في العالم، هي الذهب، كان تحرّكًا تكتونيًّا في التنظيم الإنساني. الذهب، ومنذ 5 آلاف عام، هو نظام التشغيل المالي للطبقة الأساسية التي قامت عليها كل الأنظمة الحديثة للحكم الإنساني: وهي أنظمة السيادة القديمة التي أفسدتها المصرفية المركزية. كسر البتكوين الخناق المفروض على المال حين شاغَبه في الطبقة الأساسية، وفرض بذلك تجديد كل الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية المشتقة من المال، وهو ما يشمل حكم القانون، وحقوق الملكية الخاصة، وعدة أشكال مؤسسية. لا يعرف أحد كيف سيتمثّل هذا الانتقال السياسي الأعظم، ولكنه سيكون صعودًا جوهريًّا، من تحتُ (bottom-up)، لأن السيطرة من علُ (top-down) على نظام السيادة هذا، المختلف اختلافًا نموذجيًّا، أمرٌ غير موجود أصلا. ولأقولها بوضوح: البيتكوين هو الابتكار المالي الخطير الذي أتاح نوعًا جديدًا من التنظيم الاجتماعي من دون الحاجة إلى الدولة القومية، وهو شكل «مُنَقًّى» من الرأسمالية، حُرٌّ من تدخل الدولة القومية، مستحقٌّ لكلمة جديدة خاصّة دالّة عليه. فلنسمّ هذا النمط من التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الذي أتاحه المال المشفر الرقمي السيادية.

ينشر البيتكوين الطاقة في ثورة في التنظيم الاجتماعي الاقتصادي تُعرَف بالسيادية.

ولنسكتشف مقتضيات السيادية، فلنبدأ بمبدأ الاقتصاد الاجتماعي الأول الذي لا ينتفي: لا بد للإنسان أن يفعل. كل فعل محتاجٌ إلى طاقة، ودالٌّ على هدف، لأن كل القرارات الواعية فيها محاولة تحقيق هدفٍ ما. إن أهداف الإنسان دومًا تدور على تخفيف القلق (الذي يسميه اقتصاديّو المذهب النمساوي «إشباع الرغبة» أو «تقليل الارتباك»). الإنسان هو النوع المسيطر على الأرض لأنه يستعمل التقانات والأساليب التنظيمية ليمرّر الطاقة عبر الزمكان بذكاءٍ أعلى، وساعيًا إلى أهدافٍ أعمق، من أي حيوان آخر. إن أهدافنا العليا تتطلب تمريرًا للطاقة على مستويات زمكانية أكبر، بإتقان أكبر، ودقّة أعظم. وإذا استعملنا التقنيات والأنظمة الاجتماعية الاقتصادية استعمالًا صالحًا، ساعدتْنا على تخفيف قلقنا أكثر. تضخّم الأدوات قوة جهودنا العملية، فتزيد نسبة المنتجات إلى الطاقة المستهلكة. تجعلنا أنظمة التنظيم الاجتماعي الاقتصادي — كالرأسمالية والاشتراكية، والسيادية الآن — ننخرط في عمل منَسَّق ليزيد منتجاتنا الجمعية بتركيز الانتباه الفردي على مراحل الإنتاج دقيقة التي تزداد دقّة (إذ تزداد الإنتاجية بتقسيم العمل). بهذا المعنى، فالأدوات تنظيمات، والتنظيمات أدوات، وكلاهما مفيد لتعزيز الهدف الجامع للحياة البشرية، وهو الفعل الهادف إلى تخفيف القلق. تغلِب الأدوات والتنظيمات الأصلَح لحفظ الطاقة مع الوقت.

الأدوات والتنظيمات كلاهما أدوات لتمرير الطاقة بذكاء أكبر عبر الزمكان. إن السد الكهربائي المائي (أو الكهرمائي) والدولة القومية مشتركان في هذا: كلاهما خزّانات وموزّعات طاقية مصممة بذكاء، فالسد يمرر الطاقة الهيدروليكية للماء والدولة القومية تمرر الطاقة التحويلية والسياسية والإنتاجية للشعوب. كلاهما، على الأقل مؤقتًا، يكرّس الطاقة ويمرر الهجوم الإنتروبي للطبيعة (البيئية والإنسانية). لكن في النهاية، كلاهما يعطينا طريقة لإلغاء النزعات المركزية في الطبيعة التي يسعيان إلى احتوائها، فالماء دومًا يتدفق إلى المنخفضات والناس دومًا ينظمون أنفسهم بالطرائق الأفضل لمصالحهم الاقتصادية.

إن أدوات توزيع القوة بعيدًا عن السيطرة المؤسسية من الأعلى، هي تنظيمات رقمية مفتوحة المصدر، كالتنظيمات التي تشكل طبقات بروتوكول الإنترنت العديدة. ويكيليكس، والربيع العربي، واحتجاجات جورج فلويد، هي بعض الأمثلة التي تبيّن أن الإنترنت تهديد كبير على بنى القوة المركزية. ليست هذه الحركات المجتمعية إلا هزّات سابقة لانهيار الدولة القومية القادم. لمّا كان البيتكوين هو المال الرقمي غير الحكومي الوحيد، كانَ هو طبقة القيمة في الإنترنت، وأول منافس لنظام السيادة الذي قدمه الذهب تاريخيًّا.

البيتكوين هو الطبقة المالية لمجموعة بروتوكول الإنترنت، ونظام السيادة المنافس للذهب. حقوق الصورة لـ: @anilsaidso

والبيتكوين هو أول تنظيم رقمي ذاتي الحكم، لأنه امتداد لبيئة الإنترنت التي تنظم نفسها. هذه الأشكال التنظيمية هي أحدث الطرائق لمواءمة إرادة الفرد والجماعة. إن منظمة رقمية ذاتية الحكم كالبيتكوين، تحكم نفسها وتستطيع مفارقة المختلفين سياسيًّا الذين يهددون التماسك التنظيمي (انظر انقسام بيتكوين كاش).  يتغلب البيتكوين على التنظيم الإكراهي التماثلي مغلق المصدر للدول القومية، لأنه نظام أقدر على التلاؤم، وأسيَل، ولأنه نظام طوعي لتوزيع الطاقة الاجتماعية الاقتصادية في الزمكان.

البيتكوين

البيتكوين نظام سيادة لا نزاع فيه يصالح بين المقايضات الفردية التي تجري في الجماعة الاجتماعية الاقتصادية. يتحاشى البيتكوين الحاجة إلى الدول القومية، وهو في لاأدرية كاملة بشأن أنظمة القانون والنظام الإنسانية التي احتضنته في سنينه الأولى. يسخّر البيتكوين الطاقة الإنسانية ليوسع شبكته، إذا يزيد قوة الطبيعة الإنسانية والدوافع الإنسانية متخذًا منهما عنصرين لا نزاع فيهما لإعمال الشبكة. والبيتكوين نظام مستصغَر الخسارة، لتخزين ثمار العمل وإرسالها، يولّد عرضه الثابت طلبَه بنفسه (محقّقًا قانون ساي) مع تزايد الثروات التي نهبها التضخم. وهذا هو سبب انتهاء الجميع إلى جدول رواتب البيتكوين. الآن تنشأ طبقة جديدة من المواطنين العالميين: سكّان يتعالى أثرهم وصوتهم ومالهم تمامًا على الجغرافيا وسلطاتها المحلية المتنوعة. إن صعود السيادية يُنهي أمر الإكراه أخيرًا من الحضارة.

حكم السوق الحرة

ستُخرب المعالجة الدقيقة الدولة القومية وتدمرها

سيادة الفرد

تنجح السيادية بتقليص العوائد الاقتصادية التي ارتبطت سابقًا بالعنف والإكراه. سيطالب المواطنون بقانون تعاقدي وتأمينات على أملاكهم تضاهي التأمين الذي يقدمه البيتكوين، وإلا فلن يدفعوا شيئًا من مالهم. كما أن استدعاء سائق غريب ليوصلك وحدك في سيارته كان أمرًا مجنونا قبل 25 سنة، كذلك ستستمر التقانة الرقمية في تغييرها لطبيعة الثقة والتعامل البشري. ولكن، إذا أصبح المال رقميًّا، فالمقتضيات أكبر بكثير. ومن الآن بدأ الناس يستكشفون قدرات التوقيعات المتعددة للبيتكوين وسيلةً لتسهيل الحكم في العقود الخاصة بعيدًا عن محاكم الدولة. وفي الإمكان أن ينمو هذا الأمر فيصبح بديلًا لا مركزيًّا لنظام العدالة التقليدي. لأن المال لا يمكن بعد الآن مراقبته أو سرقته، فإن البنى الاجتماعية الاقتصادية القائمة فوق نظام تشغيل الطبقة الأساسية هذا ستزيد التشفير وتسعى إلى مقاومة مكافئة للرقابة.

ولكن، ككل الولادات، هذا الانتقال إلى الحالة اللامركزية للحضارة معدومة المثيل، لا بد أن يكون مشتتًا. عندما تتراجع العوائد الاقتصادية لتنظيم العنف على مستوى كبير، تتقلص نماذج العمل القائمة على الحماية من العنف (الحكومات والدول القومية) بالضرورة، وتصبح محلّية أكثر. هذه الأرجحة العكسية لبندول الاقتصاد الأكبر تعني أن العنف سيصبح على نطاق أصغر، وعشوائيًّا أكثر: كما كان الأمر في عصر الصيّادين الجمّاعين (الذي كان عصرًا لامركزيًّا حقًّا). السيادية، مثلها مثل الحميات القديمة، واليوغا، والتأمل، والطب الأيوردفي، والإنثوجينات، والبيتكوين نفسه (وهو مال المذهب الاقتصادي النمساوي)، ليست إلا مثالًا آخر على تجدد الأساليب القديمة في الزمن الرقمي.

الحميات القديمة، واليوغا، والتأمل، والطب الأيوردفي، والإنثوجينات، وحتى المذهب الاقتصادي النمساوي (البيتكوين)، كلها أساليب قديمة شهدت صحوة في العصر الرقمي.

كما غلبت الرأسمالية الشيوعية، ستغلب السيادية الدولتية بكل أشكالها. بتمكين الحرية الفردية بطرائق جديدة جذريًّا، ستولّد المجتمعات التي تعتنق المبادئ التنظيمية المتسقة مع السيادية (كالخصخصة الصناعية الواسعة، ونزع الطبقة البيروقراطية، والضرائب بالتراضي، والبتكوين، وغير ذلك) ثروة أكثر من اقتصادات الأمر والسيطرة التي تعتنقها الدول القومية الصارمة، وهذا سيجذب مزيدًا من المواطنين. كلما زاد عدد القضاءات المتنافسة، قلّ قبول الإسراف البيروقراطي. فإذا أفاق الناس على هذه الحقيقة، اضمحلّ الإدمان الحديث للسياسة ليصبح طَلَلًا من زمن بائد.

خلافًا لمفاهيم العصر الحديث الخاطئة, الاقتصاد يقود السياسة; السياسة لا تقود الاقتصاد. لا يستطيع قلم المشرّع أن ينتج ثروة، لا يستطيع إلا أن يوزع ثروة. مع انتفاخ البيروقراطيات السياسية إلى أن أصبحت غير محتمَلة من جهة اقتصاداتها المنتجة التي تقوم عليها، سيؤدي اليأس إلى انفجار توسّع الحكومة، فيجبر الفاعلين في السوق على حماية ثروتهم بأي طريقة يستطيعون. وفي القرن الواحد والعشرين، لن تجد رؤوس الأموال خزانةً أمنَع من الخزانة الرقمية. مع هروب رؤوس الأموال إلى المجال الرقمي للتخلص من الضرائب المتزايدة والتضخم، تهبط عوائد الحكومة بسرعة، فتتشتت ثم تفشل. نتيجة هذا، يرجح أن ينمو العنف المنظم أثناء هذا الانتقال. في الحقيقة، الدولة القومية هي «عنف منظم»، فهي جهاز الإكراه والإجبار الذي أُريد به عزل مكاسب الإنتاجية التي تولدت بالتقسيم السلمي للعمل. تحمي أنظمة القانون والشرطة الفاعلين في السوق من التهديدات الداخلية على منبع التجارة الحرة، أما الجيش فيحيّد التهديدات الخارجية. كانت الدولة القومية أفضل طريقة للقرن العشرين لاستعمال العنف من أجل حماية السلام.

الأنفاق العسكري في عام 2019 – أعلى 10 دول والتغيير من 2018

لكن الواقع التكنولوجي للقرن الواحد والعشرين يغيّر حساب العنف تغييرًا كبيرًا. ولمّا امتنَعت مصادرة المال الرقمي بالضرائب أو التضخم، أصبحت خدمات الحماية التي تقدمها الدول القومية عاكسة لتكاليف إنتاجها الحقيقية مع الوقت. بعبارة أخرى: في العصر الرقمي، ستُجبَر الدول القومية على التنافس واكتساب ولاء مواطنيها، كأي شركة أخرى في السوق الحرة، ومن ثم فلن تستطيع اكتساب مال لقاء خدماتها (التي ستقل حاجتنا إليها) إلا ما يوافق سعر السوق. قد تجد الأنظمة القانونية والسياسية التي كانت مطلوبة لضمان العقود والملكية الخاصة والسلام المجتمعي في العصر الصناعي، قد تجد نفسها سريعًا لا وجوب لها ولا ضرورة، في عالم يمكن تقديم هذه الخدمات فيه بطرائق أفعَل توفّرها شبكات رقمية منظمة لنفسها. فإذا جمعنا إلى هذا انهيار قدرات الحكومة على المَكْس (فرض الضرائب) وجدنا أن الخدمات التي تقدمها الدولة ستسقط أمام البرمجة.

داروينية رقمية

ستصبح الفعالية أهم من مراسيم السلطة في تنظيم المؤسسات الاجتماعية

سيادة الفرد

مع تداعي الدولة القومية، ستسقط حواجز دخول السوق والمشاركة فيه والخروج منه، ومن ثم يتعاظم التنافس السوقي الحر وتوليد الثروة. في الأسواق الممكّنة رقميًّا والعالية التنافس، تسود توزيعات قانون الطاقة وتتضاعف آثار (الغالب يأخذ كل شيء): فيسبوك، آبل، أمازون، نتفلكس، مايكروسوفت، والآن بيتكوين، كلها أمثلة على هذا النموذج الدارويني الرقمي. سيصبح الاختيار والتجريب هما المتحوّلان اللذان يعرّفان التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الجديد. سُتحاوَل أساليب جديدة لحماية الحياة والحرية والملكية، وستُخفق، ثم سيُستفاد منها. إن التهديد دائم الوجود، بهروب رؤوس الأموال إلى الفضاء الرقمي الذي لا وصول إليه، سيجبر المؤسسات التي تريد أن تبقى على التعامل بصدق مع المواطنين. فإذا أصبحت الحكومات برامج، أصبحت رشيقة، ابتكارية، متبعثرة. يحرق التشفير الدولة القومية بالأسيد الرقمي: ويفكك أقوى بنى قوتها ويحول بنى دوافعها من الداخل. لن يبقى إلا أكثر الوظائف الحكومية إنتاجية ومسؤولية. مع انحسار قيود المحلية، لن يُكسَب المال والاهتمام إلا مقابل أقوَم الخدمات وأفضلها. من مميزات السيادية: أن تحل الجدارة (أو الميريتوقراطية) محلّ البيروقراطية.

يجعل الترقيم النتائج أهم من المراسيم، أي إن الجدارة ستعتلي هرم القيم المجتمعية. إن عالمًا تُرفَع فيه القيود الزمكانية لا شكّ أنه سيكون «عصر التفوّق». فعلى سبيل المثال، لم يعد كافيًا أن تصبح فرقة تقليد أفضل فرقة في المدينة: فبفضل اليوتوب، ستحتاج اليوم إلى أن تصبح أفضل فرقة تقليد في العالم، في الزمن كله، وأن تنافس على اهتمام الجمهور المستهدف. بل إن على فرق التقليد أن تنافس حتى الفرق الأصلية التي تقلّدها، في زمننا الذي غيّره التواصل الرقمي. عندما تصبح عروض المبيعات على الوسائل الرقمية لا في العالم الواقعي، لن ينشر المسؤولون التنفيذيون إلا مندوبي المبيعات الأمهَر بغض النظر عن مكان سكنهم. إن تقليل الحواجز البيروقراطية يزيد دعم الجدارة، ويخفف القوة السياسية في العمل.

فإذا قلّت مكاسب استعمال العنف، أصبحت الفعالية أهم من الحجم من حيث تمرير الطاقة في الزمكان. عندما تغلب الفعاليةُ العملات الحكومية هكذا، تتفسّخ المؤسسات لتتنظم من جديد، وتتراكم حينها معظم المكاسب الاقتصادية مع «النخبة العقلية» التي تنبّأت وتحضرت لهذه التحولات السياسية الكبرى على الأرض. إن الذين يكرسون جهودهم ليتأقلموا مع روح العصر عديمة الحدود، السائلة، المنظمة لنفسها (بنقل مدخراتهم مبكّرًا إلى البيتكوين وتنويع خيارات جنسيتهم)، سيخلعون «الرأسماليين الجشعين» الذين ولدهم العصر الصناعي، ليتوّجوا أنفسهم «سياديين مثقّفين» ولدهم العصر الرقمي.

توسع التقنية الرقمية أفق الإمكان الإنساني، فتُظهر أن تحقيق ما تخيله السياديون بكل أنواعهم متعددة الوجوه، أمر ممكن. إن بث الفيديو، والتواصل المشفر، والمال الذي لا يُوقَف، كلها أشياء تجعل الإنسان «يلوي الزمكان» حسب إرادته. ولكن، مع هذه الإمكانات المتقدمة تكاليف ومخاطر. سيُجبر فقدان شبكات الحماية الاجتماعية وبرامج الرفاه الحكومي الأخرى، الأفراد على أن يصبحوا مسؤولين عن أنفسهم أكثر مما كانوا أيام العصرين الزراعي والصناعي (اللذين سأسميهما من الآن: العصرين التماثليين). السياديون الناجحون هم الذي يجسدون حكمة فولتير الخالدة:

مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة

لا شَكّ أن السياديين الذين استحقّوا اسم السيادية سيُمتحَنون، لأن الدول القومية ستدافع وتحاول أن تحافظ على سلطاتها التقليدية على الناس. ستخسر الدول القومية سلطتها على «الأفراد السياديين» الذين حرروا أنفسهم، والذين سيتسلحون بالإمكانات العظيمة التي ولدتها رؤوس الأموال والأسواق والشبكات الرقمية. قد يصبح الابتزاز الموجه، سلاح الحكومات الفاشلة المفضَّل، من شدة يأسها. لن ينجو من هذه الإجراءات العسكرية إلا السياديون الذين يتخذون أفضل إجراءات الأمن. مع إشراق حقيقة المستقبل الرقمي الذي يهدد وجود الدول القومية، يرجح أن هذه الأخيرة لن تألو جهدًا في صراع القوة التالي، كما شرحها كتاب سيادة الفرد

كما حارب الملوك والسادة والبابوات والحكام حرصًا على مزيّاتهم التي اعتادوها في المراحل الأولى من العصر الحديث، كذلك ستستعمل حكومات اليوم العنف، العنف الخفي العشوائي، محاولةً منها لإبقاء الأمور على حالها. سيضعف تحدي التكنولوجيا الدولة، ويجعلها تعامل أفرادها الذين يتزايد استقلالهم، مواطنيها السابقين، بالجشع نفسه والأساليب التي كانت من قبل تظهرها في التعامل مع الحكومات الأخرى

مهما قاومت الدول، ستنهار أمام البرمجيات في الآخر. إن محاربة تدفق البيانات الحرّ أخيَب من محاربة مد البحر.

انفجار السدود

في العصر الرقمي، ستضمحلّ تهديدات العنف الجسمي التي كانت مبدأ السياسة ومنتهاها منذ الزمن الغابر

سيادة الفرد

الدول القومية، كالسدود، لا تستطيع مقاطعة التدفّق الذي لا ينقطع لنزعات الطبيعة إلى تنظيم نفسها إلى الأبد. مع انهيار قدرة الحكومات على فرض الضرائب، ستتوسع الاقتصادات البديلة، وتجعل الدول القومية الأصغر قادرة على تنافس أكبر، وهو ما سيجعلها جذّابة للسياديين. إن إرهاصات هذا التحول ظاهرة من الآن، مع إعلان مدن مثل ميامي برامج لجذب رائدي الأعمال الذين يفكرون بالمستقبل لتعطيهم الإقامة.

بفضل مجموعة من التطورات التقنية، ستقلّ فوائد الحجم الكبير في القتال. يقلل الترقيم من حيث هو ترقيم، الحجم الذي يجب على المنظمات أن تحصل عليه لتستطيع استعمال العنف. يمكن طباعة الأسلحة بالطابعات ثلاثية الأبعاد، يمكن إطلاق طائرات مسيرة رخيصة مضادة للطائرات، يستطيع القراصنة تعطيل جيوش كاملة، ويمكن تحريك رؤوس الأموال من دون أثر. إن عدم تناظر التكلفة والنتيجة يؤدي إلى أنظمة قوة متناسقة. عندما تنهار تكلفة الدفاع، تصبح خطط الهجوم أقل إثمارًا.

فإذا استرجع العالم لامركزيته، سيرتدّ إلى تناسق العنف، الذي شهده آخر مرة في أيام الصيّادين والجمّاعين. ولكن هذا الارتداد (خلافًا لما قد يُظَنّ) سيولّد مزيدًا من السلام، بعد النظر في كل الحجج، لأن الطاقة اللازمة للفعل أحيانًا أهم من الفعل نفسه. كما أن مخافة هرَب رؤوس الأموال تجبر المؤسسات على الصدق في تعاملاتها، كذلك مخافة العنف المحلي ستشجع التواصل السلمي بين السياديين على نطاق واسع. ستتراكم المزايا القتالية مع المؤسسات المتكيفة المنوّعة، التي تستطيع أن «تضرب أكبر من وزنها» مسلّحةً بأسلحة متقدمة. إن الوصول المتساوي إلى الأسلحة، التي يمكن تحميلها من الفضاء الرقمي وشراؤها من الأسواق التي لا قيد لها، يعني أن السياديين سيتعاملون بأدب بينهم. مع أن تحقيق تناسق القوة مغرٍ على المستوى الحضاري، فإنه يقتضي إعادة تشكيل البنى المؤسسية، وهو حدث سيظهر اضظرابًا عظيمًا: كما تستعيد الطبيعة التوازن بتفجير سد.

لا تثبت البنى التي لا تتكيف أمام اختبار الزمن. ستغلب السيادية كل أساليب التنظيم الاجتماعي الاقتصادي، لأنها أشدّ هذه الأساليب تكيّفًا.

إن تناسق العنف وانخفاض دوافعه، يعني تناقص جرائم القتل الجماعية، وجرائم القتل المدرسي، والحروب الحكومية. ولكن مع هذا، سيواجه السياديون تهديدات كالابتزاز وطلب الفدية، وهي أسلحة قد تحملها الدول القومية على جميع الناس سواءً، في صراعها لتحافظ على قيمتها وهي تتفكك في طوفان الأسيد الرقمي. سيتزايد الطلب على الحماية من الحكومات المتساقطة. ستكون إجراءات الأمان والحماية ذات أهمية كبرى للأثرياء. ويرجح أن تشتهر تفاصيل الحماية الخاصة بين السياديين. ستُلغى الهويات التي تعطيها الدول للناس، وتتخذ مكانها أسماء مستعارة. وعندما تثوّر التكنولوجيا الرقمية الإنسان من كل ناحية، تصبح قوانيننا الحالية متقادمة، ومؤسساتنا مقلوبة، وستتغير أخلاقنا وتتبدل تصوراتنا إلى الأبد. ستهزّ السيادية حسّ الاستقرار (الوهمي) الاجتماعي الاقتصادي الذي يوفره احتكار العنف، وتُنذر بانهيار كامل لنموذج الدولة القومية التنظيمية المثقَل بالسياسة والتسييس. ورد في الفرد السيد:

ستجبر قوى السوق، لا الأغلبيات السياسية، المجتمعات على إعادة تشكيل نفسها على نحو لا يقبله الرأي العام ولا يرحب به. فإذا فعلوا هذا، سيظهر تضليل الرأي القائل بأن التاريخ هو ما يتمناه الناس.

إن من الحجج الشائعة ضد صعود السيادية التي مكنتها البيتكوين: أن «الدول القومية لن تسمح بذلك». مسار التفكير هذا معيب في جوهره، لأنه يجعل الدول القومية تنظيمات مفردة مستقلة لا تنقسم. في الحقيقة، الدول القومية هي (إلى حد ما) مجرّات متداخلة من الأفراد الذين تجمعهم مصالح اقتصادية أو شبكات تجارية أو تشابهات اجتماعية ثقافية أو أحلاف سياسية جغرافية. الدول القومية ليست تجمعات اجتماعية اقتصادية مفردة، خلافًا لما تفترضه أذهان كارهي البتكوين خطأً. إن السلطة التي تمسك هذه المنظمات مشتقة (مباشرة أو غير مباشرة) من حصتهم في نظام السيادة التماثلي الوحيد في العالم: الذهب. مع قصور مستوى الخدمة الذي تقدمه هذه الدول القومية مقابل ثمنه، ستزداد دوافع المواطنين الأفراد لترك هذا الاحتكار المالي المفروض بالعنف، وهو ما يشكل في النهاية «حمى الخروج» إلى البيتكوين. سيواجه هذه الضغوطات قضاة الدولة ومشرعوها وشرطتها، ولن يتجاهل هذه الضغوطات الاقتصادية لترك نظام النقد الحكومي إلا أغبى الناس أو أصحاب الوطنجية. وإذا بدأ ناخبو الدولة المتنفّذون يجمعون البيتكوين، يصبحون منحازين إلى نجاحه، وتتفكك بنى السلطة الموجودة في جوهر كل دولة قومية. البتكوين دوامة لا انتهاء لها من الدوافع المنيعة على الخطط الإكراهية، وإعصار اقتصادي لن تجد أي دولة قومية عنه مصرفًا. السيادة الذاتية مطلب عالمي لا يتوقف في السوق الحرة، وفي البتكوين، ينطق الناس بالحقيقة دائمًا للسلطة.

ستعرّي السيادية بنى السلطة للدولة القومية أمام الحقيقة.

وقد يبدو هذا الانتقال مخيفًا وربما فوضويًّا، لكن منتهى السيادية هو انفجار الثروة وازدهار إنساني شامل مع تفكك الدولة القومية. ستكون المنظمات الرقمية المنظمة لنفسها أعظم شهادة على التدمير الخلّاق عرفه التاريخ. سيطلق انهيار سد الدولة القومية — وهي مجمغ الكذب والسرقة والتجنيد — الإبداع الإنساني إلى درجة لا يمكن تصورها. إذا ثبت هذا، سيرى التاريخ الإنترنت مجرد إبداع سابق ضروري للبيتكوين، أما الفتح التقني الحقيقي الذي مكّن التحول الحضاري إلى السيادية، فهو البيتكوين نفسه.

ستغلب السيادية الدولتية في القرن الواحد والعشرين. إن هذا التحول السياسي الأكبر في طريقه من الآن، وآثاره تتظاهر كل يوم. في الجزء الثاني، سنرى أن البيتكوين هو حفّاز السياديّة. البيتكوين هو الإبداع الحقيقي في عالم يتحول بسرعة إلى مياه لا يستطَاع حكمها في أعالي البحار الرقمية، لأنه البنك الحر المطلق للسياديين في القرن الواحد والعشرين.

Tagged : /