استخدام البيتكوين بخصوصية: أفضل الممارسات – Gigi

المقال الأصلي لكاتبه Der Gigi | ترجمة: Arabic_hodlBTCTranslator

إنّ لكل رجل وامرأة مجالًا مقدّسًا من الخصوصيّة يختار فيه خياراته ويقرّر قراراته، مجالًا لحقوقه وحرّياته الأصيلة التي لا يحقّ للقانون عمومًا أن يزعجها.

جفري فيشر، رئيس أساقفة كنتربري (1959)

لم يمض وقت طويل منذ كان الوضع الأصلي للإنترنت النصّ العادي غير المشفر. إذ كان لكلّ أحدٍ أن يتجسس على كلّ أحد، ولم يُكْثِر الناس التفكير في الأمر. غيّرت كشوف التجسس العالمي عام 2013 هذا الواقع، وازداد اتّجاه الناس اليوم إلى بروتوكولات التواصل الآمن والتعمية المطرَّفة (end-to-end encryption) التي توشك أن تصبح النموذج السائد.

ومع أن البيتكوين يدخل سنين مراهقته، فإننا — مجازًا — لم نزل في عصر النص العادي في زمان العملة البرتقالية. إنّ شفافيّة البتكوين جوهريّة بالطبيعة، ولكن لحماية الخصوصية طرائق فعّالة. نريد في هذه المقالة أن نبيّن بعض هذه الطرائق، ونناقش أفضل الممارسات، وننصح للمحدَثين والمخضرمين في البتكوين نصيحةً عمليّة.

لِمَ الخصوصية مهمة؟

«إنّ الخصوصية ركنٌ للمجتمع المفتوح في العصر الرقمي. والخصوصيّة ليست هي السرّيّة. فأمّا الأمر الخاصّ فهو شيءٌ لا يريد صاحبه أن يعرفه كل العالم، وأما الأمر السرّيّ فهو شيء لا يريد صاحبه أن يعرفه أي أحد. الخصوصية هي قدرة المرء على تخيّر من يريد أن يكشف نفسه له.»

بهذه الكلمات القوية افتتح إريك هيوز بيان الناشطين بالتشفير (السيفربنك) عام 1993. إنّ الفرق بين الخصوصية والسرية دقيق، لكنه مهم. إن اختيار الخصوصية لا يقتضي أن لدى المرء أسرارًا أو أشياء يخفيها. ولتبيُّنِ هذا، انظر فيما تفعله في المرحاض أو في غرفة النوم، تجد أنه ليس ممنوعًا ولا سرّيًّا (في معظم الأحوال)، ولكنك مع هذا تغلق الباب والبرادي.

كذلك، مالُك وما أنفقته فيه، ليس أمرًا سرّيًّا. ولكن ينبغي مع ذلك، أن يكون خاصًّا. يقبل معظم الناس أن مديرك في العمل لا ينبغي أن يعلم أين تنفق راتبك.
إن أهمية الخصوصية تعرفها كثير من الكيانات العالمية. إذ أقرّ البيان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجباته للأمم المتحدة، أن الخصوصية حق إنساني أساسي في كل أرجاء العالم.

لا يُتَدَخَّلْ -عشوائيًّا- في خصوصيّة أحدٍ، ولا في أسرته ولا بيته ولا مراسلاته، ولا يُتَعرَّضْ لشرفه وسمعته بالهجوم. لكلّ إنسان الحقّ في حماية القانون ضدّ هذه التدخّلات أو الهجومات.

المادة 12، من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

البيتكوين والخصوصية

لطالما وصف أنصار البيتكوين الأوائل ووسائل الإعلام البيتكوين بأنه وسيلة دفع مجهولة (anonymous)، لكنّها كلّ شيء إلا هذا. إنّ أفضل ما يقال عن البيتكوين أنه منتَحل (pseudonymous)، هذا ولم يزل ضمانُ عدم ربط الهويات البيتكوينية المنتحلة بالهوية الحقيقية أمرًا صعبًا على معظم الناس إلى اليوم 

البيتكوين نظام مفتوح. يمكن لكل أحدٍ أن يفحص دفتره العام ويدرسه. ومن ثم فإن كل تحويل مالي جرى على سلسلة برهان العمل سيبقى متاحًا ما دام البيتكوين: إلى الأبد. قد يؤدي عدم اتباعك للممارسات الأفضل اليوم إلى نتائج سلبية في المستقبل.

إن الخصوصية، كالأمان، عملية صعبة، لكنها ليست مستحيلة. لم تزل أدوات حماية الخصوصية في البتكوين تتطور ومن حسن الحظ أن معظم هذه الأدوات يصبح استخدامها أسهل مع الوقت. ومن سوء الحظ أنه ما من حلٍّ نهائيّ للمسألة. بل يجب على المرء أن يبقى واعيًا بالتنازلات وأن يتبع أفضل الممارسات مع تطورها.

أفضل ممارسات الخصوصية

إن السيطرة على الخصوصية في البيتكوين، مثل كل شيء آخر، عملية تجري خطوة بخطوة. لا يصدّك عن حفظ خصوصيتك أن ترى أن الأمر صعب، واعلم أن الأمر محتاج إلى الصبر والمسؤولية. كل خطوة، مهما كانت صغيرة، هي خطوة في الاتجاه الصحيح.

هذه خطوات عملية يمكن أن تخطوها لتزيد خصوصيتك:

  • اجعل مالك في حوزتك
  • لا تستعمل نفس العنوان مرتين
  • قلّل تعاملك مع من يطبقون سياسة اعرف عميلك
  • قلل تعاملك مع الأطراف الثالثة
  • شغل عُقدتك الخاصة
  • استعمل شبكة البرق (Lightning Network) للتحويلات الصغيرة
  • لا تستعمل متصفحات الكتَل العامّة
  • اخلط تحويلاتك ما استطعت (CoinJoin)

اجعل مالك في حوزتك: ليست مفاتيحك، ليست بتكويناتك. إذا كانت أموالك في حوزة غيرك، فهو يعرف كل شيء عنها: مقدارها، وتاريخها، ومستقبلها، وغير ذلك. إن جعل أموالك في حوزتك أول خطوة وأهمها.

لا تستعمل نفس العنوان مرتين: إن استعمال العنوان مرتين يدمّر خصوصية المرسِل والمرسَل إليه. فاجتنبه مهما كلّفك اجتنابه.

قلّل تعاملك مع من يطبقون سياسة اعرف عميلك: إن ربط هويتك الحقيقية بعناوين محفظتك شرٌّ لا بد منه في معظم الولايات. ومع أن فعالية هذه التشريعات مشكوك فيها، فإن مقتضياتها على المستخدمين العاديين سلبية، وقد ظهر عدد كبير من تسريبات البيانات. وإذا أردت أن تستعمل هذه المصارف، فتثبّت من فهمك للعلاقة بينك وبينهم. لأنك تثق بهم بشأن معلوماتك الخاصة، وهو ما يشمل أمان معلوماتك في المستقبل. إذا لم يزل دخلُك معظمه بالعملات الحكومية، فإننا ننصح أن تستعمل خدمة بيتكوين خالصة تسمح بالشراء التلقائي المتكرر بالنيابة عنك. سوان بيتكوين واحدة من هذه الخدمات. أما إذا أردت أن تجتنب أصحاب اعرف عميلك اجتنابًا تامًّا، فانظر في تجنب المُريبين.

قلل تعاملك مع الأطراف الثالثة: إن الثقة بالأطراف الثالثة بمثابة ثغرة أمنية. إذا استطعت أن تعتمد على نفسك بدلًا من أطراف ثالثة، فعليك بذلك.

شغل عُقدتك الخاصة: ليست عقدتك، ليست قوانينك. إنّ تشغيل عقدة بيتكوين خاصة أمر لا بد منه لاستعمال البيتكوين استعمالًا خاصًّا. كل تعامل مع شبكة البيتكوين تيسّره عقدة. إذا لم تكن مسيطرًا على هذه العقدة، فإن كل شيء تفعله تراه العقدة التي تتعامل من خلالها. يعني هذا أن أصحاب هذه العقدة قادرون على أن يروا كل شيء تفعله. دليل العقدة هذا، مصدر جيد لتبدأ رحلتك.

استعمل شبكة البرق (Lightning Network) للتحويلات الصغيرة: إن طبيعة شبكة البرق المستقلة عن السلسلة (off-chain) تزيد خصوصية التعاملات فيها من دون الحاجة إلى القفز في حلقات كثيرة. ومع أن الشبكة ما زالت صغيرة، فإن أيامها الطائشة مرّت وانقضت في غالب الظن. يحسّن استعمال الشبكة للتحويلات الصغيرة والمتوسطة خصوصيتك ورسوم التحويل.

لا تستعمل متصفحات الكتَل العامّة: إن النظر في العناوين في متصفحات الكتل العامة سيربط هذه العناوين بعنوانك IP، وهو ما قد يربَط بهويتك الحقيقية. تسهّل بعض الحزم البرمجية مثل أمبرل وماي نود تصفح الكتل تصفّحًا خاصًّا. فإذا اضطررت إلى استعمال متصفح عام، فاحرص على أن تتصل من خلال تور أو أن تستخدم على الأقل شبكة VPN.

اخلط تحويلاتك ما استطعت (CoinJoin): لأن البيتكوين سيدوم إلى الأبد، فإن استعمال الممارسات الأفضل كخلط العملات المشترك سيضمن أن خصوصيتك محمية في المستقبل. وفي حين أن خلط الحوالات عملية دقيقة، فإن بعض التطبيقات السهلة تساعد على أتمتة هذه العملية وتسهيلها. من هذه التطبيقات: ويرلبول، وهي حل ممتاز لمستخدمي الأندرويد. ومن الخيارات أيضًا سوق الخلط JoinMarket، الذي يمكن تنصيبه على عقدة بسهولة بفضل مشاريع مثل جوينينبوكس. واذكر أن سوان يوفر لك القدرة على سحب بتكويناتك تلقائيًّا، وهو ما يؤتمت العملية تمامًا تقريبًا.

خلاصة

ينبغي لكل الناس أن يسعوا إلى استعمال البيتكوين استعمالًا أخصّ وآمَن. والخصوصيّة ليست هي السرّيّة. إنما الخصوصية حق إنساني، وحريٌّ بنا جميعًا أن نحمي هذا الحق ونُعمله. إزالة المعلومات من الإنترنت صعبة، وإزالة المعلومات من دفتر البيتكوين العام مستحيلة.

ولكن في فضاء البيتكوين اليوم أدوات تجعل اتباع إجراءات الخصوصية أسهل، وإن كانت بعيدة عن الكمال. أشرنا إلى بعض هذه الأدوات — كما أن تحسينات جديدة مثل تابروت وشنور ستتفعل قريبًا — وإن هذه الأدوات بالإضافة إلى ضمانات الأمان في البيتكوين، ستتطور في المستقبل لا شك في ذلك.

لا يوافق عمل البيتكوين المفاهيم التقليدية. وإنّ أسئلة مثل «لمن هذا المال» أو «من أين لك هذا» تصبح صعبة الإجابة وأحيانًا بلا معنى. 

صمم ساتوشي البيتكوين والخصوصية في ذهنه. فعلى مستوى البروتوكول كل حوالة هي عملية «صهر» لا تترك خلفها إلا آثارًا صعبة الكشف. لا يعبأ البروتوكول بمصدر الساتوشيات. ولا يعبأ كذلك بالهويات الحقيقية والملكية. إنما يعبأ فقط بصحة التوقيعات. 

وما دام التعبير حرًّا، فإن توقيع رسالة — سواءٌ أكان خاصًّا أو غير خاصّ — يجب ألا يكون جريمة.


مصادر اضافية

Tagged : / / / / /

هجوم المضاربة – Pierre Rochard

المقال الأصلي لكاتبه Pierre Rochard | ترجمة: Arabic_hodlSB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

يتوجّس رافضو البيتكوين1 من أن البيتكوين لن يدخل الثقافة العامة. ويرددون ببهجة أن البيتكوين لن يعبر هوّة الابتكار.

  • إنه معقد جدًّا
  • ليس فيه بنية الحكم الصحيحة 2
  • تأمين حمايته صعب جدًّا
  • إن أنظمة الدفع الموجودة والمستقبلية بالمال الحكومي أفضل من البيتكوين
  • إنه متقلب جدًّا
  • ستحظره الحكومة
  • لن يُستطاع تعميمه

فيكون الرد على هذه الدعاوى من مجتمع البيتكوين على أحد وجهين، أولهما مناقشتها مناقشة لا انتهاء لها3، وثانيها تغلب الضعف والإنهزامية وابتذال4 أقوالًا من قبيل:

  • عملة البيتكوين غير مهمة، المهم تقنية سلسلة الكتل (البلوكتشين)
  • ينبغي أن تستعمل الحكومات والمصارف تقنية البلوكتشين
  • سيبقى البيتكوين نظامًا ضيقاً لأصحاب الفضول، فما هو إلا تجربة
  • سيتعايش البيتكوين والمال الحكومي جنباً إلى جنب في سعادة أبدية
  • البيتكوين في العملات الرقمية، مثل “ماي سبيس” في التواصل الاجتماعي

تستحق كل واحدة من هذه الأغاليط مقالة مخصوصة، على الأقل لتحليل الأنماط النفسية والاجتماعية لأصحابها الببغاوات.

نعم، بعض الانتقادات المذكورة أعلاه صحيحة، إلا أنها خادعة. لن يكون تبني عامة الناس للبيتكوين بدافع الحماس، بل سيُضطَرّون إليه اضطرارًا. اضطرارًا بمعنى «إجبارًا بالواقع الاقتصادي». سيُجبر الناس على الدفع بالبيتكوين، لا من أجل «التقنية» بل لأن أحدًا لن يقبل الدفع بالعملات الحكومية عديمة القيمة. فالمال الجيّد يطرد المال السيّئ، خلافًا للاعتقاد الشائع. بدأ هذا «الطرد» بنزفٍ خفيف في المال الحكومي. لكنه سيتسارع حثيثًا ليصبح نزفًا من الدرجة الرابعة بسبب هجمات المضاربة على الأموال الحكومية الضعيفة. سينتهي الأمر بالدفع إلى البَتْكَنة الفائقة، أو بعبارة اخرى: «نقــودك غير مقبـولة هنا».

قانون ثيير: المال الجيّد يطرد المال السيّئ

“عرف التاريخ عملات قوية جيدة طردت عملات ضعيفة سيئة. على مدى القرون الطويلة، سادت العملات القوية وأخرجت العملات الضعيفة من مجال التنافس العالمي. لم يسد استخدام عملات مثل الدريك الفارسي والتترادراخما الإغريقي والستاتير المقدوني والديناريوس الروماني في العالم القديم من ضعفٍ أو من سوء. ولم تصبح عملات المدائن الإيطالية الفلورين والداكوت والترتر «دولارات العالم القديم» لأنها عملات سيئة، بل كانت من أفضل العملات في التاريخ كله. لم يصبح الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر أو الدولار الأمريكي في القرن العشرين عملات سائدة بسبب الضعف. من صفات العملات العظيمة التي ربحت المنافسة العالمية المالية: الاتساق والاستقرار وعلوّ القيمة”

روبرت ماندل،«استعمالات قانون غريشام وانتهاكاته في تاريخ المال»

البيتكوين هو المال الجيد، بل هو المال الأفضل5. شبكة البيتكوين هي صاحبة السياسة المالية الأفضل6 والهوية الأفضل7. لذا يجب أن نتوقع أن البيتكوين سيطرد العملات الضعيفة السيئة8. فكيف سيصبح البيتكوين العملة السائدة؟ وأي العملات الحكومية ستسبق إلى الاضمحلال؟ هذه أسئلة معاصرة مهمة، لأن المقدمات الضرورية لهذه الأسئلة حقائق مثبتة.9

1. نزف المال الحكومي

نزعة البيتكوين الحالية أن تتزايد قيمته تزايدًا أسّيًّا مع دخول الناس فيها أفواجًا. المال الجيّد يطرد المال السيئ «ببطء». يدفع هذه النزعة دافعان:

  • نقص التفاوت في مصادر العلم – فالناس يتعلمون عن البيتكوين ويدركون أن البيتكوين حتمًا هو المال الأفضل، ومن دوافعه المحتملة:
    • اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط – تَوْثين المُحدَثات المدفوع بثقافتنا الاستهلاكية بعد الحرب أو بالعمليات البيولوجية الداخلية.
    • خوف فوات الفرصة، انظر نظرية الندم والمجموعات الداخلية أو بعبارة أخرى: الجشع وطلب المكانة.
    • اضطراب توتر ما بعد الإنترنت، أو بعبارة أخرى: «المجال الجديد»، و«الاختراع الكبير التالي»، و«إنترنت المال».
  • زيادة السيولة – شراء البيتكوين أسهل اليوم ورسومه أقل مما كانت قبل عام. يستطيع المرء أن يتوقع توقعًا معقولًا أن الأمر سيكون كذلك بعد عام بالقياس إلى اليوم. لماذا؟ لأن بيع البيتكوين عمل ربحي تنافسي. لماذا؟ لأن الناس يريدون البيتكوين، انظر أعلاه.

بسبب سايكولوجية الجماعة، يصل الناس إلى البيتكوين في موجات. هذه الدفعات تسبب اضطرابًا على سعر المقايضة: فالمضاربون لا يعرفون سعة موجة التبني ولا طولها، والهواة المقامرون يغرقون أنفسهم بالإثارة ثم بالخوف. ولكن، ما إن ينتهي المدّ وتخرَج الأيدي الضعيفة، يكون السعر قد ازداد عما كان قبل الموجة الأخيرة. هذا النزف «البطيء» هو نموذج التبني الحالي، ويفترض المعلّقون عمومًا واحدًا من التالي:

  • لم يحدث النزف البطيء أصلًا، وما هو إلا خيال قائم على معلومات مغلوطة.
  • لقد توقف النزف البطيء، والدوافع المذكورة أعلاه لا تؤثر إلا في «مبتذلة اللبرتاريين» والمراهقين الغاضبين.
  • ستنخفض شدة العملية في المستقبل، لأن كل البارعون في الأمور التقنية انضمّوا إلى البيتكوين

أمّا توقعي أنا فهو أن النزف البطيء في تسارع وأنه الخطوة الأولى فحسب. أما الخطوة الثانية فهي هجمات المضاربة التي تتخذ البيتكوين منصة لها. أما المرحلة الثالثة الأخيرة، فهي البتكنة الفائقة.

2. أزمة العملة

“لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البيتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع”

ساتوشي ناكاموتو 1/17/2009

يؤدي النزف البطيء إلى أزمة العملة مع ترسّخ القيمة المتوقعة للبيتكوين في عقول الناس. في أول الأمر يكونون محافظين، فيستثمرون «ما يطيقون خسارته». بعد 12-18 شهرًا، تزيد قيمة رصيدهم الصغير زيادة كبيرة. ولا يرون سببًا يقنعهم بأن النزعة العامة ستنعكس: الأساسات تتحسن والتبني يبقى قليلًا. تزيد ثقتهم. ويشترون مزيدًا من البيتكوين. ويسوّغون هذا: «لا بأس، ما هي إلا [1-5%] من استثماراتي». ثم يرون انهيارًا في السعر عدة مرات، بسبب انفجار الفقاعات أو بسبب البيع من خوف – فيحثّهم هذا على شراء المزيد، «خصم كبير». ويتنامى البيتكوين على جهة الأصول في ورقة ميزانيتهم.

أما في جهة المطلوبات فتكتَب الرهون العقارية وقروض الطلاب والسيارات وبطاقات الائتمان، وغير ذلك. يحذّر الناس من الاستدانة لشراء البيتكوين. لكن الحقيقة أن هذا المال يمكن استعادته: إذا اشتريت عملات بيتكوين بدلًا من الدفع لتقليل رهنك العقاري، فأنت مستثمر بيتكوين مستخدم للرافعة. تقريبًا كل الناس مستثمرو بيتكوين مستخدمون للرافعة، لأن الأمر منطقي من الجهة الاقتصادية. إن ثمن الاستدانة (الفوائد السنوية بين 0% و25%) أقلّ من العائد المتوقع من امتلاك البيتكوين.

أما مقدار الرفع في ورقة الموازنة فيعتمد على النسبة بين الأصول والمطلوبات. ويزيد إغراء الرفع إذا كان صاحب المال يعتقد أن المطلوبات بالمال الحكومي ستنقص قيمتها الحقيقية، إذا كان التضخم أكبر من نسبة الربح التي يدفعونها. عندئذ لا يحتاج الأمر إلى تفكير، يستدين الناس بالعملات الضعيفة المحلية ويقبلون أي ضمان للتغطية، ثم يستثمرون في العملة العالمية القوية، ويدفعون قروضهم من عوائد هذا الاستثمار. في هذه العملية، تنتج المصارف المزيد من العملة الضعيفة، فتضخم المشكلة.

إن أثر شراء الناس والشركات والمؤسسات المالية للبيتكوين باقتراض العملة المحلية هو ازدياد سعر البيتكوين بهذه العملة نسبة إلى بقية العملات. للتبيين، فلنقل إن الطبقة الوسطى في الهند اتجهت إلى البيتكوين. وتحول آلاف المشترين إلى مئات آلاف. ولنقل إنهم اقترضوا روبيات هندية بأي ضمانة يملكونها – من بيوت أو شركات أو حليّ ذهبية أو غيرها. ثم اشتروا بالروبيات بيتكوينات. سيزيد سعر البيتكوين مقابل الروبية الهندية، ويتشكل فرق بينه وبين سعر البيتكوين مقابل العملات الأخرى. قد يكون سعر البيتكوين الواحد في الهند 600$ وفي الولايات المتحدة 500$. عندها يشتري تجّار الولايات المتحدة عملات بيتكوين ويبيعونها للهند ليربحوا 100$. سيبيع الهنود روبياتهم ويشترون بها دولارات. سيضعف هذا الروبية الهندية، ويشكل تضخمًا في الواردات وخسارة للمستثمرين الأجانب. عندها إما أن يرفع المصرف الهندي المركزي نسبة الفوائد ليكسر الدورة، أو أن يفرض ضوابط رأس المال أو أن يستهلك احتياطي النقد الأجنبي في محاولة لرفع سعر الروبية. من هذه الحلول، لا يمكن الحفاظ إلا على رفع نسبة الفوائد، ولكن هذا من شأنه التسبب في ركود اقتصادي.

هذا ويمثل رفع البنك المركزي الهندي لنسبة الفوائد مشكلةٌ ضخمة، لأن العوائد التاريخية للبيتكوين بلغت نحو 500% في السنة. فحتى إذا توقع المستثمرون عُشر هذه العوائد، لا بد أن يرفع المصرف نسبة الفوائد إلى مستويات غير معقولة ليصدّ الهجوم. والنتيجة واضحة: سيهرب كل الناس من الروبية ويتبنون البيتكوين، بسبب الضغط الاقتصادي لا بسبب الفهم التقني. وما هذا المثال إلا مثالًا توضيحيًّا، فقد يحدث الأمر في بلد صغير أولًا، أو قد يحدث في الوقت نفسه في كل أرجاء العالم. لا سبيل لنا إلى معرفة من سيستخدم أصوله وكيف سيفعل ذلك، لكن إذا تصدّع السدّ، فلا سبيل لإيقاف الماء.

أي البلدان أضعف أمام أزمات العملة؟ قدّم أحد المطلعين على الأعمال قائمة مفيدة هنا. قبل أن يمكن استعمال البيتكوين كأداة لهجمات المضاربة، لا بد أن يبلغ درجة معينة من السيولة، عبر منصات تبادل العملات راسخة في كل مركز مالي ومعروض مالي حقيقي لا يقل عن 50 مليار دولار (أي قيمة سوقية). إما أن يزامِن هذا أزمة العملة وإما ان يسببها.

3. البتكنة الفائقة

إن هجوم المضاربة الذي يبدو معزولًا ومقتصرًا على عدة عملات ضعيفة، سيسبب زيادة القوة الشرائية للبيتكوين زيادةً كبيرة، وسينتشر من ثمّ كالنار في الهشيم. فعلى سبيل المثال، قد يرى السويسريون أن سعر البيتكوين تضاعف عشرة أضعاف، ثم مئة ضعف. عند هذا الحد سيشترون عملات بيتكوين لأنهم يريدون أن يضاربوا على قيمتها، لا بسبب مشكلة حقيقية في الفرنك السويسري. تستلزم الانعكاسية هنا أن قلّة الطلب على الفرنك السويسري ستزيد التضخم فوق القيمة المتوقعة ومن ثم ستشكل مشكلة جوهرية في الفرنك السويسري. ستتكون حلقة بين تضخم العملات الحكومية وانكماش البيتكوين، وهو ما سيرمي بالعالم إلى البتكنة الفائقة، التي شرحها دانييل هنا.

خلاصة

سيسود استخدام البيتكوين. لا يفهم نقّاد البيتكوين10 هذا الأمر بسبب انحيازاتهم وقلة معرفتهم المالية. أوّلًا، هم يسكنون في غرفة صدى قوتها من قوة المتشككين بالبيتكوين. إنهم يبحثون بحثًا حثيثًا عن أدلة تؤكد رأيهم بالبيتكوين. ثانيًا، يسيئون فهم كيفية استحواذ العملات القوية كالبيتكوين على العملات الضعيفة كالدولار، وهو ما يحدث بهجمات المضاربة وأزمات العملة التي يسببها المستثمرون، لا بالتقدير الدقيق لصحفيي التقانة و«مستهلكي السائد». وعلى شرف هؤلاء النقّاد المشرفين على الانقراض، أطلقت مؤسسة ناكاموتو تحية للدعاوى العريضة.


1- لا، بجدية، هناك أشخاص على الإنترنت يقضون وقتا غير بسيط في الكتابة عن عملة يعتقدون أنها ستفشل ومع ذلك تستمر في النجاح بما يتجاوز توقعات أي شخص.

2- ويصرح بذلك بشكل عام الأشخاص ممن يتخيلون وجود “جماعة داخلية” ويحلمون بالإنضمام إليها من خلال السياسة بدلاً من العمليات القائمة على الجدارة

3- دخل البيتكوين مرحلة يعتقد فيها كل شخص جديد أن لديه فهم فريد للبيتكوين ويجب على الجميع أن يستمع اليه. هناك سيل لا نهاية له من المبتدئين “المعنيين” حول مشكلة كذا وكذا في البيتكوين. مجتمع البيتكوين يسيء إلى هؤلاء الجدد بأخذهم على محمل الجد بدلا من مجرد إخبارهم “اقرأ أكثر”

5- Bitcoin is the Best Unit of Account by Daniel Krawisz

6- The Bitcoin Central Bank’s Perfect Monetary Policy by Pierre Rochard

7- Bitcoin Has No Image Problem by Daniel Krawisz

8- Hyperbitcoinization by Daniel Krawisz

9- وإذا كنت لا توافق، فإما أنك لم تتعلم بعد أو أنك لم تشترك في المناقشة، عد إلى نقطة البداية

Tagged : / /

لماذا ليس البيتكوين هرم بونزي: نقطة بنقطة – Lyn Alden

المقال الأصلي على Swan Bitcoin، كاتبة المقال: Lyn Alden | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

من أهم التهَم التي رأيتها موجَّهة إلى البيتكوين، ادّعاء أنه هرم بونزي احتيالي. يدّعي أصحاب هذه التهمة أن شبكة البيتكوين معتمدة دائمًا على دخول ناس جديدين إليها، وأن نهايتها أن ينهار سعرها مع نفاد المشترين الجدد.

لذا، تلقي هذه المقالة نظرة جادة على هذا الادعاء وتقارن البيتكوين بأنظمة أخرى لها خصائص شبيهة بالبونزي، لنرى إذا كانت الدعوى صحيحة.

أما إذا أردتها من قصيرها: فالبيتكوين لا يوافق تعريف سلسلة البونزي لا في النطاق الضيق ولا العريض، ولكن فلنتعمق لنرى حقيقة الأمر

تعريف هرم بونزي

لا بد لنا أولًا من تعريف لنعالج موضوع البيتكوين وهرم البونزي.

دونكم تعريف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية:

«هرم بونزي هو احتيال استثماري تُدفَع فيه أموال المستثمرين الجدد إلى المستثمرين السابقين. يَعِد منظمو أهرام بونزي عادةً أن يستثمروا مالك ويأتوك بأرباح كبيرة بخطر قليل أو معدوم. ولكن في كثير من أهرام بونزي، لا يستثمر المحتالون المال. بل يستعملونه ليدفعوا للمستثمرين السابقين ويحتفظون ببعضه لهم.

تتطلب أهرام بونزي تدفقًا مستمرًّا من المال الجديد لتبقى، إذ يكاد لا يكون فيها أي ربح شرعي. عندما يصعب توظيف مستثمرين جدد، أو عندما تنسحب أعداد كبيرة من المستثمرين، تنهار هذه الأنظمة عادة.»

سميت أهرام بونزي على اسم تشارلز بونزي، الذي خدع المستثمرين في عشرينيات القرن العشرين بمخطط مضاربة للطوابع البريدية.

ثم تستمر الهيئة لتصف علامات تدل على أهرام بونزي:

«تشترك كثير من أهرام بونزي بخصائص مشتركة. ابحث عن هذه العلامات المحذّرة:

أرباح عالية وخطر قليل أو معدوم. في كل استثمار درجة معينة من الخطر، والاستثمارات التي تعيد أرباحًا أكثر يكون خطرها عادة أكبر. احذر حذرًا كبيرًا من أي فرصة استثمارية «مضمونة».

عوائد متسقة للغاية. من شأن الاستثمارات أن تصعد وتهبط مع الوقت. خذ حذرك من أي استثمار يأتي بعوائد إيجابية منتظمة بغض النظر عن أحوال السوق.

استثمارات غير مسجلة. تشمل أهرام بونزي عادة استثمارات غير مسجلة في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أو في دوائر الحكومة. التسجيل مهم لأنه يؤمن للمستثمرين الوصول إلى معلومات عن إدارة الشركة ومنتجاتها وخدماتها وتمويلها.

باعة غير مرخّصين. تفرض قوانين الحكومة الفدرالية والمحلية تسجيل العاملين في الاستثمار أو الترخيص لهم. تحتوي معظم أهرام بونزي أفرادًا غير مرخص لهم وشركات غير مسجلة.

مخططات سرية معقدة. تجنب الاستثمارات إذا كنت لا تفهمها أو لا تستطيع الوصول إلى معلومات كاملة عنها.

مشاكل في الأوراق. قد تدل الأخطاء في بيانات الحساب على أن الأموال لا تستثمَر كما ادُّعي.

صعوبة في تسلّم الأموال. احذر إذا كنت لا تستطيع تسلّم دفعة المال أو واجهت صعوبة في الانسحاب. يحاول أصحاب أهرام بونزي عادة أن يمنعوا المشتركين من الانسحاب بعرض عوائد أعلى مقابل البقاء».

أعتقد أن هذه مجموعة عظيمة من المعلومات لنبدأ التحليل. يمكننا الآن أن نرى كم صفة من الصفات المذكورة يتصف بها البيتكوين.

عملية إطلاق البيتكوين

قبل أن نبدأ مقارنة البيتكوين نقطة بنقطة بالقائمة السابقة، يمكننا أن نبدأ بخلاصة عن عملية إطلاق البيتكوين.

في أغسطس 2008، أسس شخص يسمي نفسه ساتوشي ناكاموتو نطاق Bitcoin.org.

بعد شهرين في أكتوبر 2008، أصدر ساتوشي الورقة البيضاء للبيتكوين. شرحت هذه الوثيقة كيفية عمل التقنية، وحلّ مشكلة الإنفاق المزدوج. وإذا نظرت في الرابط المذكور، رأيتَ أن الورقة مكتوبة على طريقة البحث الأكاديمي، لأنها تمثل فتحًا تقنيًّا قدّم حلًّا لتحديات معروفة في علوم الحاسوب متعلقة بالندرة الرقمية. لم يكن في الورقة أي وعد بالإغناء أو الأرباح.

ثم بعد ثلاثة أشهر في يناير 2009، نشر ساتوشي برنامج البيتكوين المبدئي. في كتلة التكوين الأولى من سلسلة الكتل (بلوكتشين)، التي لم تحو أي عملة يمكن صرفها، قدّم ساتوشي عنوان وتاريخ مقالة في ذا تايمز أوف لندن، وكانت هذه المقالة عن عمليات إنقاذ البنوك، ربما ليثبت عدم وجود تعدين سابق، وليؤسس طابع المشروع. من هنا، استغرق الأمر 6 أيام لإنهاء بعض الأمور وتعدين الكتلة الأولى، التي احتوت أول 50 عملة بيتكوين يمكن صرفها، وأصدر ساتوشي الكود المصدري في التاسع من يناير. في العاشر من يناير، غرّد هال فيني وقال إنه يشغل برنامج البيتكوين أيضًا، وكان ساتوشي منذ البداية يفحص النظام بإرسال بعض البتكوينات إلى هال.

ومما يلفت النظر هنا، أن ساتوشي أظهر كيفية عمل النظام في الورقة البيضاء قبل شهرين من إصدار برنامج البيتكوين مفتوح المصدر، لذا عمليًّا كان يمكن أن يسبقه أحد ويستعمل المعرفة الجديدة ليؤسس نسخة من النظام قبله. نعم لم يكن الأمر مرجّحًا، بفضل انطلاقة ساتوشي الذكية في اكتشاف هذا النظام وفهمه فهمًا عميقًا، لكن تقنيًّا كان الأمر ممكنًا. لقد تبرّع ساتوشي بالفتح التقني قبل أن يطلق أول نسخة من المشروع. بين نشر الورقة البيضاء وإصدار البرنامج، أجاب ساتوشي كل الأسئلة وشرح اختياراته في الورقة البيضاء لعلماء تشفير كثيرين في قائمة بريدية ردًّا على منتقديه، كما لو كان يدافع عن أطروحة أكاديمية، وكان كثير من هؤلاء العلماء قادرين تقنيًّا على سرقة المشروع، لو أنهم كانوا أقل تشكيكًا.

بعد إصدار البرنامج، بقيت مجموعة من المعدّات يعتقد كثيرون أنها لساتوشي، معدّنًا كبيرًا في السنة الأولى. التعدين ضروري لتحقيق التحويلات في الشبكة، ولم يكن للبيتكوين أي سعر بالدولار في ذلك الوقت. قلل ساتوشي تعدينه تدريجيًّا مع الوقت، وأصبح التعدين متوزّعًا أكثر في الشبكة. في الشبكة نحو مليون عملة بيتكوين يعتقَد أنها لساتوشي وأنه عدّنها في الفترة الأولى للشبكة، لم تنقَل هذه الأموال من عنوانها الأصلي قط. كان بإمكان ساتوشي أن ينسحب في أي وقت مع مليارات الدولارات من الأرباح، لكنه لم يفعل هذا حتى الآن، بعد عقد كامل من حياة المشروع. لا يعرَف إذا كان ساتوشي لم يزل حيًّا، لكن لم ينقَل من عملاته إلا مجموعة قليلة لاختبار التحويل في الشبكة.

لم يلبث ساتوشي أن نقل ملكية نطاق الموقع لآخرين، ومنذ ذلك الوقت، أصبح البيتكوين نظامًا يحافظ على نفسه بين مجتمع متجدد من المتطورين الذين لا يصلهم أي خبر من ساتوشي.

البيتكوين مفتوح المصدر، ومتوزعة في أنحاء العالم. سلسلة الكتل عامة وشفافة ويمكن التحقق منها ومراقبتها وتحليلها. يمكن للشركات أن تحلل السلسلة كلها وترى أي عملات نقلت أو بقيت في العناوين المختلفة. يمكن إعمال عقدة بيتكوين كاملة مفتوحة المصدر على أي حاسوب منزلي، ويمكن لها أن تراقب معروض البيتكوين الكامل ومعايير أخرى.

بعد أن عرفنا هذا، فلنقارن البيتكوين بالعلامات المحذّرة لأهرام بونزي.

عوائد الاستثمار: غير موعودة

لم يعد ساتوشي أحدًا بأي عوائد استثمار، لا عوائد استثمار عالية ولا متسقة ولا شيء من هذا. في الواقع، عُرف البيتكوين في العقد الأول من وجوده بوصفه مضاربة عالية التقلّب. في أول سنة ونصف، لم يكن للبيتكوين أي سعر يُرجَع إليه، وبعد ذلك كان سعره متقلب جدا.

لم تزل كتابات ساتوشي موجودة، وهو لم يكد يتكلم أصلًا عن أي ربح مالي. كانت معظم كتاباته عن الجوانب التقنية، عن الحرية، عن مشكلات النظام المصرفي الحديث، وهكذا. كانت كتابات ساتوشي كتابات مبرمج، وأحيانًا كتابات اقتصادي، لم تكن أبدًا كتابات بائع.

وعلينا أن نبحث كثيرًا لنجد أمثلة على مناقشة ساتوشي لإمكانية اكتساب البيتكوين للقيمة. عندما تحدث ساتوشي عن القيمة المحتملة للبيتكوين، تكلّم بطريقة شرح فيها الحقائق فقط، فيما يخص تصنيفها، وهل ستكون تضخمية أم انكماشية، وأقر بوجود اختلاف كبير فيما يمكن أن يؤول إليه المشروع. بعد بحث في اقتباسات ساتوشي عن كلام عن قيمة البيتكوين، هذا ما وجدته:

«إن إنتاج عملات جديدة يعني أن معروض المال يزداد بخطة معلومة، لكن هذا لا يقتضي حتمًا التضخم. إذا كان معروض المال يزداد بنسبة زيادة مستخدمي النظام نفسها، ستبقى الأسعار مستقرة. إذا كان ازدياد معروض المال أقل من الطلب، سيكون انكماش، ويرى السابقون الممسكون لأموالهم ازدياد قيمتها».

«لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها. فإذا أقلعت، سيكون لها تطبيقات كثيرة إذ يصبح إرسال بعض السنتات إلى موقع بسهولة رمي بعض النقود في آلة بيع»

«بهذا المعنى، فهي أقرب إلى المعادن النفيسة. لأن معروضها لا يتغير للحفاظ على قيمتها، بل يبقى معروضها ثابتًا وتتغير القيمة. مع تزايد عدد المستخدمين، تزداد قيمة العملة الواحدة. وربما حققت الشبكة حلقة تلقيم إيجابي، فمع ازدياد المستخدمين، تزداد القيمة، وهو ما يجذب مستخدمين جددًا ليستفيدوا من ازدياد القيمة».

«ربما تكتسب العملة قيمة أولية على نحو دائري كما اقترحتَ، إذا استشرف الناس منفعتها الممكنة للمقايضة. (سأحتاج بعضًا منها حتمًا) وقد يقدح شرارتها الجمّاعون أو أي سبب عشوائي. أعتقد أن المؤهلات التقليدية للمال كُتبت على افتراض أن في الوجود أشياء كثيرة نادرة متنافسة، ينتصر في هذه المنافسة حتمًا الشيء الذي له قيمة جوهرية على الأشياء التي لا قيمة جوهرية لها. ولكن إذا لم يكن في الكون أي شيء له قيمة جوهرية يمكن استعماله مالًا، ولم يكن فيه إلا أشياء نادرة ولكن لا قيمة جوهرية لأحدها، أظن عندها أن الناس سيتخذون شيئًا من هذه النادرات مالًا. (أستعمل كلمة الندرة هنا للدلالة على محدودية المعروض المحتمل)»

«يعكس سعر السوق المنطقي لشيء يتوقَّع ارتفاع قيمته، القيمة الحالية للزيادات المتوقعة في المستقبل. في عقلك، قدّر ووازن احتمال استمرار تزايد السعر».

«أنا متأكد أنه بعد 20 سنة إما أن يكون في الشبكة حجم تحويلات هائل وإما أن يكون حجم التحويلات صفرًا».

«ليس في البيتكوين حصص أرباح ولا حصص محتملة في المستقبل، ومن ثم فهي ليست كالأسهم. بل هي أقرب إلى شيء يمكن تجميعه، أو بضاعة.»

اقتباسات من ساتوشي ناكاموتو

إن الوعد بأرباح استثمار عالية ومنتظمة من علامات هرم بونزي، ولكننا رأينا أنه في مشروع ساتوشي الأصلي، لا وجود لهذه الوعود.

مع الوقت، كان من شأن المستثمرين في البيتكوين توقع أسعار عالية جدًّا (وإلى اليوم كانت هذه التوقعات صحيحة)، ولكن المشروع نفسه من بدايته ليس فيه هذه الخصائص.

مفتوح المصدر: نقيض السرّيّة

تعتمد معظم أهرام بونزي على السرّيّة. إذا فهم المستثمرون أنهم يستثمرون هرم بونزي، لا شك أنهم سيسارعون إلى سحب أموالهم مباشرة. تمنع هذه السرية السوق من تسعير الاستثمار تسعيرًا صحيحًا، حتى يتبيّن السرّ.

فعلى سبيل المثال، اعتقد المستثمرون في نموذج بيرني مادوف أنهم يمتلكون أصولًا متنوعة. لكن في الحقيقة، كانت أرباح المستثمرين الأوائل آتية من تدفق المستثمرين الجدد، لا من الاستثمار الحقيقي. كانت الاستثمارات المكتوبة في بياناتهم زائفة، وكان شبه مستحيل على المستثمرين أن يتثبتوا من أنها زائفة.

أما البيتكوين، فيعمل على نقيض ذلك تمامًا. فهو برنامج موزَّع مفتوح المصدر يتطلب إجماع الأغلبية ليتغير، وكل سطر فيه معروف، لا تستطيع أي سلطة مركزية تغييره. ومن أهم مبادئ البيتكوين التثبّت بدلًا من الثقة. يمكن تحميل برنامج العقدة الكاملة على أي حاسوب عادي، ويمكنه حين ذلك مراقبة سلسلة الكتل كلها ومعروض المال كله. لا يعتمد البيتكوين على أي موقع أو غرفة سيرفرات أو شركة.

لهذا، ليس في البيتكوين أي «مشكلات في الأوراق» أو «صعوبة في تسلّم الأموال»، كما ورد في العلامات المحذرة أعلاه. بل كل فكرة البيتكوين هي عدم الاعتماد على أي جهة ثالثة، فهي ثابتة ويمكن التحقق منها مباشرة. لا يمكن نقل البيتكوين إلا باستعمال المفتاح الخاص المرتبط بعنوان معين، وإذا استعملت مفتاحك الخاص لنقل بيتكويناتك، فلن يستطيع أحد أن يمنعك من ذلك.

نعم لا شك أن في البيئة المحيطة مستخدمين سيئين. خسر بعض الناس الذين اعتمدوا على الآخرين لحفظ مفاتيحهم الخاصة (بدلًا من أن يحفظوها بأنفسهم) عملاتهم بسبب سوء الأوصياء، لا بسبب فشل برنامج البيتكوين الأصلي. قد تكون أسواق الجهة الثالثة محتالة وقد تخترَق. يمكن لمخططات التصيّد أو عمليات الاحتيال الأخرى أن تخدع بعض الناس فيظهروا لها مفاتيحهم الخاصة أو معلومات حسابهم. لكن هذا غير مرتبط بالبيتكوين نفسه، والناس عندما يستعملون البيتكوين يجب أن يتأكدوا من فهمهم لكيفية عمل النظام ليتجنبوا الوقوع في عمليات الاحتيال هذه.

لا تعدين مسبق

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشره.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار له حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء ينفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

نموّ بلا قائد

مما يجعل البيتكوين مشروعًا مثيرًا للاهتمام، هو أنه أصل رقمي ازدهر من دون قيادة مركزية. أسس ساتوشي المشروع بوصفه مخترعًا مجهولًا، ثم شارك مطورين آخرين في قيادة المشروع في منتديات مفتوحة أول عامين، ثم اختفى. بعد ذلك، تولّى مطورون آخرون عبء تطوير البيتكوين ونشرها.

كان بعض المطورين مهمًّا جدًّا، ولكن لم يكن أحد منهم أساسيًّا لتطوير المشروع أو إعماله. في الحقيقة، ذهبت الطبقة الثانية من المطورين بعد ساتوشي مذاهب شتّى. توفّي هول فيني عام 2014. واهتم بعض أوائل السبّاقين إلى البيتكوين بالبيتكوين كاش ومشاريع أخرى.

مع تطور البيتكوين عبر الوقت، صار لها حياة قائمة بنفسها. حدد مجتمع التطوير والاستخدام الموزّع (والسوق، من حيث تسعير السبل المختلفة بعد بعض الانفصالات) ما هو البيتكوين ولأي شيء تنفع. تغيرت سردية البيتكوين وتوسعت مع مرور الوقت، وأثابت قوى السوق وعاقبت الاتجاهات المختلفة.

على مدى سنين، تركزت النقاشات على هل يجب استمثال البيتكوين لحفظ القيمة أم لتسهيل التحويلات اليومية، وقد قاد هذا النقاش إلى عدة انفصالات فقدت كلها قيمتها بالمقارنة مع البيتكوين. لقد فضّل السوق وضوحًا طبقة البيتكوين الأصلية واستمثالها لتكون مخزنًا للقيمة وشبكة كبيرة لتسوية المعاملات، لتكون الشبكة أفضل حماية ولامركزيةً، مع إمكانية إجراء المعاملات الصغيرة اليومية في طبقات ثانوية.

كل عملة أخرى معتمدة على البلوك تشين، سواءً أكانت انفصالًا عن البيتكوين أو سلسلة مستقلة، قائمة بفضل وجود البيتكوين، أما البيتكوين فهي أكثر مشروع قائم بنفسه في هذه الصناعة. معظم المشاريع الأخرى لم تزل معتمدة على مؤسسها، وفيها مقدار كبير من العملات المعدنة مسبقًا، ومستقبلها غير واضح إذا تركها المؤسس. دفعت بعض العملات الضعيفة للأسواق (exchanges) لإدراجها، محاولةً لتأسيس تأثير شبكة سريع، أما البيتكوين فلم يزل ملفه طبيعي النموّ دائمًا.

الاستثمارات والباعة غير المسجلين

العلامات الوحيدة التي تنطبق على البيتكوين من القائمة السابقة هي أن البيتكوين استثمار غير مقنن من جهة الحكومة. لا يدل هذا في نفسه على أن البيتكوين هرم بونزي، بل يعني وجود علامة من علاماته وأن على المستثمرين أن يأخذوا حذرهم. لا سيما في الأيام الأولى للبيتكوين، كان شراء مال الإنترنت السحري استثمارًا خطيرًا بالنسبة لمعظم المستثمرين.

صُمّم البيتكوين على نحو تكون فيه غير محتاج إلى الإذن، لتعمل خارج النظام المالي الموجود، مع ميل فلسفي إلى الثقافة التشفيرية الللبرتارية والنقد السليم. في معظم حياة البيتكوين، كان منحنى سعره أشدّ صعودًا من أي استثمار تقليدي، لأنه قائم على تقاطع من البرمجة والاقتصاد والثقافة.

قال بعض المسؤولين في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إن البيتكوين وإثيريوم ليستا سندات مالية (ومن ثم فليس فيهما احتيال سندات). صُنّفت عملات رقمية كثيرة أخرى بأنها سندات مالية مثل الريبل واتُّهمت ببيع سندات غير مسجلة. تعامل مصلحة الضرائب البيتكوين وكثيرًا من الأصول الرقمية الأخرى بوصفها بضائع، لأغراض جباية الضرائب.

لذا، نعم في أيام البيتكوين الأولى لا شك أنه كانت استثمارًا غير مسجل، أما اليوم فهو أصل له مكانه في إطار قانون الضرائب والهيئات التقنينية حول العالم. تتغير القوانين مع الوقت، لكن الأصل صار مشهورًا جدًّا. مشهورًا إلى درجة أن شركة فيديليتي للاستثمارات وغيرها تحتفظ به لعملائها من المؤسسات، وأن جي بي مورغان تضع توقعات أسعار له.

يجمع كثير من الناس الذين لم ينظروا بعمق في الصناعة «العملات الرقمية» كلها. لكن من المهم للمستثمرين أصحاب الرؤية أن ينظروا في التفاصيل ويجدوا الاختلافات المهمة. إن شراء «العملات الرقمية» كلها معًا شبيه بشراء «الأسهم» كلها معًا. ليست البيتكوين مثل بقية العملات الرقمية في كثير من خصائصه، وقد كان إطلاقه أشبَه بإطلاق حركة أو بروتوكول لا بإطلاق استثمار، لكنه مع الوقت أصبح استثمارًا.

من هنا، يستطيع الناس أن ينظروا في كل العملات الرقمية التي أتت مع صعود البيتكوين ويصلوا إلى استنتاجاتهم. وفي المجال طيف واسع من المشاريع حسنة النيّة من جهة إلى الاحتيالات الصارخة من جهة أخرى. ومن المهم إدراك أنه حتى إذا كان في أحد هذه المشاريع ابتكار حقيقي، فإن هذا لا يعني أن العملة المرتبطة به سيكون لها قيمة مستمرّة. إذا حلّت إحدى العملات مشكلة طارئة، فقد يتبنّى هذا الحل في طبقة من طبقات بروتوكول أكبر له شبكة أكبر. كذلك فإن أي استثمار في هذه العملات الأخرى يُتخلّى به عن فرصة شراء بيتكوين أكثر مع الوقت.

خلاصة الفقرة: ليست هرم بونزي، وضوحًا

لقد أطلق مشروع البيتكوين بأعدل الطرق الممكنة.

أظهر ساتوشي للعالم أولا كيف يمكن أن يعمل النظام في الورقة البيضاء بالمعنى الأكاديمي، ثم فعلها بنفسه بعد عدة شهور، وقد كان يمكن لأي أحد أن يشاركه التعدين في الأيام الأولى، كما فعل بعض السباقين إلى المشروع. ثم وزّع ساتوشي تطوير المشروع على مطورين آخرين، ولم يسحب أمواله من الشبكة مطلقًا حتى اليوم.

منذ البداية، كان البيتكوين ولم يزل مشروعًا مفتوح المصدر وكامل الشفافية، وحافظ على مسار تطوره الطبيعي. وبعد أن تعرّف السوق هذه المعلومات، سعّرها بما يراه مناسبًا، على المكشوف.

التعريف الأوسع لهرم بونزي

رأينا أن تعريف البونزي الضيّق لا ينطبق على البيتكوين، ولكن استعمل بعض الناس تعريفًا أوسع ليؤكدوا أن البيتكوين هرم بونزي.

البيتكوين مثله مثل أي بضاعة، بمعنى أنه شيء رقمي نادر ليس فيه أي تدفق للأموال، ولكن له منفعة. وهو محدود بواحد وعشرين مليون وحدة يمكن قسمتها، عُدّن منها أكثر من 18.5 مليون، حسب خطة مبرمجة مسبقًا. في كل أربع سنين، ينتصف عدد عملات البيتكوين التي تولّد في كل كتلة، ليقارب عدد البيتكوينات في الوجود 21 مليون واحدة.

ومثل أي بضاعة أخرى، لا يوفر البيتكوين أي تدفق مالي أو حصص أرباح، ولا تساوي قيمته إلا ما يريد الناس الدفع مقابل الحصول عليه. وتحديدًا، البيتكوين سلعة نقدية، ومنفعته الوحيدة تخزين القيمة ونقلها. وهذا يجعل الذهب أقرب شيء يمكن مقارنته به.

البيتكوين وسوق الذهب

يؤكد بعض الناس أن البيتكوين هرم بونزي لأنه تعتمد على انضمام المستثمرين الجدد إلى المجال بشرائهم من المستثمرين السابقين.

نعم، هذا الاعتماد صحيح إلى حدٍّ ما، لأن أثر الشبكة في البيتكوين لم يزل متزايدًا، بتزايد عدد المستخدمين وحجم الأموال، وهو ما يزيد قيمة البيتكوين ومنفعته.

لن يستمر نجاح البيتكوين في المدى الطويل إلا إذا بلغت قيمته السوقية مستوى عاليًا جدًّا وحافظ عليه، لأن أمن الشبكة (معدّل الهاش) مرتبط ارتباطًا جوهريًّا بسعر العملة. إذا ظلّ الطلب على البيتكوين لسبب ما ثابتًا ثم انخفض، ولم يبلغ مستوًى عاليًا بما فيه الكفاية، سيبقى البيتكوين أصلًا متخصصا وسيتدهور قيمته وأمنه وأثر شبكته. إذا حدث هذا، فإنه سينشئ دورة خبيثة فيجذب مطورين أقل لبناء الطبقات الثانوية والعتاد الصلب والبرمجي المحيط بالشبكة، وقد يؤدي إلى ركود القيمة والسعر والأمان.

ولكن هذا لا يجعل البيتكوين هرم بونزي، لأننا إذا طبقنا نفس المنطق، سنجد أن الذهب نفسه هرم بونزي عمره 5 آلاف عام. إن الأغلبية العظمى من استعمالات الذهب ليست استعمالات صناعية، بل لتخزين الثروة وإظهارها. لا يقدم الذهب أي تدفق مالي، ولا يساوي إلا ما يريد الآخرون أن يدفعوا فيه. إذا تغيرت أذواق الناس في الحليّ، وإذا لم يعد الناس يرون في الذهب أفضل مخزن للثروة، سينكمش أثر الشبكة للذهب.

لدينا معلومات من أكثر من ستين عامًا عن معروض إنتاج الذهب السنوي الذي يقدَّر أنه متوفر بأشكال متعددة حول العالم. وهذا أقرب إلى أن يساوي طلب الصناعة وحدها لمدة 500 عام، دون حساب طلب الحلي وحفظ القيمة. لذا، فإن توازن معروض الذهب وطلبه للحفاظ على سعر عال يتطلب استمرار نظر الناس إليه بوصفه طريقة جذابة لحفظ الثروة وإظهارها، وهو أمر ذاتي نوعا ما. بناءً على البيانات المتوفرة عن طلب الذهب للاستعمالات الصناعية، فإن فائض معروض الذهب كبير جدًّا ولولا نظرة الناس إلى الذهب لكان سعره أقل كثيرا.

ولكن أثر شبكة الذهب المالية لم يزل صلبًا مدّة طويلة من الزمن بسبب جمعه لخصائص فريدة تجعل الناس يرونه أفضل طريقة لحفظ الثروة والحليّ على المدى الطويل عبر الأجيال، هذه الخصائص هي: ندرته وجماله وطواعيته وإمكانية استبداله وتقسيمه واستحالة إتلافه كيميائيًّا تقريبًا. مع تغيّر النقود الحكومية في العالم، وتزايد رقم الفئة الواحدة منها، فإن معروض الذهب يبقى نادرًا نسبيًّا، ولا ينمو إلا 1.5% كل عام. حسب تقديرات الصناعة، فإن لكل فرد في العالم أونصة ذهب واحدة من الذهب المستخرَج.

كذلك البيتكوين، يعتمد على أثر الشبكة، أي إنه يحتاج للحفاظ على قيمته إلى أن ينظر إليه عدد كاف من الناس بوصفه مقتنًى جيدًا. لكن أثر الشبكة ليس هرم بونزي في ذاته. يمكن للمستثمرين أصحاب الرؤية أن يحللوا بيانات أثر شبكة البيتكوين ويحددوا لأنفسهم خطر وفائدة شرائه.

البيتكوين ونظام المصرفية الحكومية

إذا استعملنا أوسع تعريف من تعريفات هرم بونزي، فإن نظام المصرفية العالمي هرم بونزي.

أولًا، العملات الحكومية بضاعة زائفة، بمعنى من المعاني. الدولار، من حيث هو دولار، ليس إلا شيئًا مصنوعًا من ورق، أو شيئًا ممثلًا في دفتر بنك رقمي. كذلك اليورو والين وبقية العملات. لا تقدّم هذه العملات تدفقًا ماليًّا في نفسها، لكن المؤسسات التي تحتفظ بدولاراتك قد تدفع لك دخلًا (أو أحيانًا، تكلّفك أن تدفع لها). عندما نعمل أو نبيع شيئًا لنحصل على الدولارات، فإننا لا نفعل ذلك إلا لاعتقادنا بأن أثر الشبكة الكبير للدولار (وهو ما يشمل أثر الشبكة الحكومي القانوني) سيضمن أننا نستطيع أن نأخذ هذه الأوراق وندفعها لأحد آخر لنحصل على خدمات.

ثانيًا، عندما ننظم هذه الأوراق وتمثيلاتها الرقمية في نظام مصرفية احتياطية جزئية، فإننا نضيف طبقة معقدة أخرى. إذا أراد نحو 20% من الناس أن يسحبوا أموالهم من البنك في الوقت نفسه، سينهار النظام المصرفي. أو، إذا أردنا أن نكون واقعيين، سترفض المصارف تسليم المال، لأنها لا تملكه. حصل هذا لبعض المصارف الأمريكية في أوائل عام 2020، أيام الإقفال، وهو يحصل كثيرًا حول العالم. وفي الحقيقة هذا واحد من علامات أهرام بونزي التي وردت في بيان هيئة الأوراق المالية والبورصات: صعوبة تسلّم الأموال.

في لعبة الكراسي الموسيقية المعروفة (تسمّى في سورية كرسي كراسي)، توجد مجموعة من الكراسي، وعندما تبدأ الموسيقا يبدأ الأطفال طوافهم حول الكراسي (التي عددها أقل من عددهم بواحد). عندما تتوقف الموسيقا، يتسابق الأطفال ليجلسوا على الكراسي الموجودة. يخسر طفل واحد في الدورة، لبطئه أو قلّة حظّه، ويخرج من اللعبة. في الدورة التالية، يزال أحد الكراسي، وتستمر الموسيقا مع من تبقى من الأطفال. بعد دورات كثيرة، يبقى طفلان وكرسي واحد، يربح واحد منهما بنهاية الدورة.

إن النظام المصرفي لعبة كرسي كراسي دائمة. الأطفال أكثر من الكراسي، ولن يستطيع كل واحد منهم أن يأخذ كرسيًّا. عندما تتوقف الموسيقا، سيتبيّن للأطفال هذا. ولكن، ما دامت الموسيقا مستمرة (مع دعم الحكومة للنظام بالأموال المطبوعة)، تستمر اللعبة.

تجمع البنوك أموال المودعين، وتستعملها للإقراض وشراء السندات. لا يتاح للسحب إلا مقدار ضئيل من الأموال. أصول البنوك تتشكل من القروض والسندات واحتياطات الكاش. أما مسؤولياتها فهي أموال يستحقها المودعون، ومسؤوليات أخرى مثل السندات المصدرة للدائنين.

في الولايات المتحدة، تحتفظ البنوك جميعها بنحو خُمس إيداعات زبائنها نقدًا.

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

يظهر المخطط أن النسبة بلغت أقل من 5% قبل الأزمة المالية العالمية (وهو سبب سوء الأزمة، وأنها كانت نقطة تحول في دورة الدين طويلة المدى)، ولكن بسبب التيسير الكمي، والتشريعات الجديدة، وتنظيمات داخلية جديدة، عادت البنوك لتملك 20% من موازنة إيداعاتها بالكاش.

كذلك المقدار الكلي للنقد الفيزيائي في السوق، الذي تختص بطباعته وزارة الخزانة الأمريكية، لا يساوي إلا نحو 13% من مقدار المودعات في البنوك التجارية، ولا تحتفظ البنوك في خزائنها إلا بجزء ضئيل من هذا. ليس في السوق مقدار النقد الكافي (وهذا من أساس التصميم) لنسبة كبيرة من الناس إذا أرادوا سحب إيداعاتهم من البنوك في وقت واحد. سيواجه الناس «صعوبة في تسلّم الأموال» إذا أراد عدد كاف منهم أن يسحب أمواله في الوقت نفسه.

بهذه الهيكلية، لا يمكن أن ينتهي النظام المصرفي. إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يسدد ديونه، سيتوقف النظام كله عن العمل.

إذا أراد بنك واحد أن يسدد ديونه من دون أن يُستحوذ عليه، فعليه -فرضيًّا- أن يبيع كل قروضه وسنداته لبنوك أخرى، ويحولها إلى كاش، ويدفع الكاش للمودعين. ولكن، إذا أراد عدد كاف من البنوك أن يفعل هذا في الوقت نفسه، ستنخفض القيم السوقية للأصول المبيعة انخفاضًا حادًّا وسيواجه السوق أزمة سيولة، لعدم كفاية عدد المشترين.

واقعيًّا، إذا أرادت البنوك تسديد حساباتها في الوقت نفسها، وتجمّد السوق بسبب إرباك بائعي القروض للمشترين، سيضطر الاحتياطي المركزي إلى طباعة دولارات جديدة ليشتري الأصول ويعيد السيولة إلى السوق، وهو ما سيزيد عدد الدولارات في السوق زيادة ضخمة. فإن لم يفعل، انهار كل شيء، لعدم كفاية وحدات العملة التي في النظام لفكّ أصول الأنظمة المصرفية.

فالنظام المالي يعمل كأنه دورة دائمة من لعبة الكراسي الموسيقية، مبنيًّا على أصول زائفة تصدرها الحكومة، ودعاوى الحقّ في هذا المال (الأطفال) أكثر بكثير من المال المتوفر نفسه (الكراسي)، وهو ما يتبين عندما يتزاحم الأطفال ليأخذوا مكانهم. لا يزال عدد الأطفال والكراسي في ازدياد، ولكن دائمًا عدد الأطفال أكبر بكثير من عدد الكراسي. فإذا حدث انهيار جزئي في النظام، أُضيف كرسيّان إلى الدورة لتبقى مستمرة.

نحن نقبل هذا الأمر ونراه عاديًّا، لأننا نفترض أنه لن ينتهي. لقد عمل نظام الاحتياطي المصرفي الجزئي حول العالم مئة عام (معتمدًا أولًا على الذهب، ثم مستقلًّا عنه) وإن كان بأحداث تضخمية كثيرة على الطريق لإصلاح بعض الأمور جزئيًّا.

كل وحدة مفردة من العملة الحكومية قلّت قيمتها نحو 99% أو أكثر على مدى العقود السابقة. يقتضي هذا أن المستثمرين إما أن يحصلوا على نسبة ربح أكبر من نسبة التضخم الحقيقية (وهو ما لا يحدث الآن)، وإما أن يشتروا استثمارات، وهو ما يضخّم قيمة الأسهم والعقارات مقارنة بالتدفق النقدي، ويرفع أسعار المنتجات النادرة كالفنون الجميلة.

على مدى القرن الماضي، لم تزل سندات الخزينة ونقد البنك في ازدياد مع التضخم، ولكن من دون ربح حقيقي. لكن هذا الأمر ليس دائمًا. فقد مرت بعض العقود، كأربعينيات القرن العشرين وسبعينياته والعقد الثاني من قرننا هذا، لم يستطع فيها أصحاب سندات الخزينة ونقد البنك أن يجاروا التضخم. يظهر هذا المخطط معدل سندات الخزينة ناقص معدل التضخم الرسمي على مدى تسعة عقود:

مصدر المخطط: المصرف الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس

البيتكوين تقنية دفع وادّخار محدَثة، أكثر استعماله دون رافعة، أي إن معظم الناس يشترون المال، ثم يمسكونه، وقلّما يتاجرون به. في السوق بعض مصارف البيتكوين، ويتاجر بعض الناس فيه، ولكن الدين العام في النظام يبقى منخفضًا جدًّا نسبةً إلى القيمة السوقية، هذا مع إمكانية أن تحتفظ بمدّخراتك معك.

التكاليف الاحتكاكية

من دعاوى اتهام البيتكوين بأنه هرم بونزي دعوى تقول إن للبيتكوين تكاليف احتكاكية، فهي إذن هرم بونزي. إن النظام يحتاج إلى عمل مستمر ليبقى فعّالًا.

مرة أخرى، ليس بين البيتكوين وبين أي نظام تجارة آخر أي فرق في هذا. أي شبكة تعاملات صحيّة لها تكاليف احتكاكية.

في البيتكوين، يستثمر المعدّنون في عتادهم المخصص وكهربائهم وطاقمهم ليدعموا تعدين البيتكوين، أي تحقيق التحويلات واكتساب عملات جديدة وأجور التحويل بالمقابل. خطر الخسارة في التعدين كبير، وأجر النجاح فيه كبير، ولكن المعدنين ضرورة ليعمل النظام. كما في النظام أيضًا من يدعم السيولة بين المشترين والبائعين، أو يحول العملات الحكومية إلى بيتكوين، فيسهّل شراء البيتكوين أو بيعه، وهؤلاء لهم رسومهم كذلك. تقدم بعض المؤسسات حلول ادّخار أيضًا، وتكلّف زبائنها رسومًا قليلة لتدّخر لهم أموالهم.

كذلك معدّنو الذهب يصرفون أموالًا كثيرة على الطاقم والاستكشاف والمعدات والطاقة اللازمة لإخراج الذهب من الأرض. ثم تنقّي هذا الذهب عدة شركات وتصهره في سبائك وعملات، وتحميه وتحتفظ به للمستثمرين، وترسله إلى المشترين، وتتحقق من صفاءه، وتجعله حليًّا، وتصهره مرة أخرى للتنقية والصبّ من جديد، إلخ. تدور ذرات الذهب في السوق بأشكال عديدة، بسبب عمل الناس في صناعة الذهب من ضاربي النقود في سويسرا إلى بائعي الحلي إلى المسترهنين الذي يشترون الذهب. يتجه معظم العمل الطاقي في الذهب إلى الإنشاء لا إلى الحفاظ على النظام، لكن الصناعة نفسها فيها تكاليف احتكاكية مستمرة أيضا.

بل حتى نظام المال الحكومي العالمي له تكاليف احتكاكية. تستخرج المصارف وشركات التقانة المالية أكثر من 100 مليار دولار في العام من رسوم التحويل المتعلقة بالدفعات، ومن احتفاظهم بأصول زبائنهم وإدارتهم له، وتسييلهم للسوق بين المشترين والباعة.

حللت مؤخرًا مدّخرات مجموعة دي بي إس، وهو أكبر بنك في سنغافورة. يجني البنك نحو 900 مليون دولار سنغافوري في كل ربع سنة، أو نحو 3 مليارات دولار سنغافوري كل سنة. إذا ترجمنا هذا إلى الدولار الأمريكي، فهو يساوي مليارين ونصف مليار دولار في السنة الواحدة، من الرسوم وحدها.

وهذا بنك واحد قيمته السوقية 50 مليار دولار. في سنغافورة بنكان آخران لهم حجم قريب من هذا. أما مصرف جي بي مورغان تشيس، أكبر بنك في الولايات المتحدة، فهو يقدَّر بسبعة أضعاف المذكور، وفي الولايات المتحدة غيره عدة بنوك لها حجم قريب. يجني هذا البنك سنويًّا 40 مليار دولار، متوسّطًا بين فيزا وماستركارد. أما مجموع الرسوم التي تأخذها البنوك وشركات التقانة المالية حول العالم فهي أكثر من 100 مليار دولار.

إن تحقيق المعاملات وحفظ القيمة يحتاج إلى عمل، لذا لا بد أن يكون لكل نظام مالي تكاليف احتكاكية. وليس هذا مشكلة إلا إذا كانت الرسوم كبيرة جدا بالنسبة إلى المقادير المرسَلة. وإذا نظرنا في التكاليف الاحتكاكية للبيتكوين وجدناها متواضعة مقارنة بالنظام المالي القائم، وأن طبقات البيتكوين الثانوية تقلل هذه الرسوم أكثر. فعلى سبيل المثال، يهدف تطبيق سترايك إلى أن يصبح أرخص شبكة دفع عالمية، وهو يعمل على شبكة البرق على البيتكوين (لايتنينغ).

يشمل هذا أيضًا البضائع غير المالية. إلى جانب الذهب، يحفظ المستثمرون الأغنياء ثروتهم في أشياء أخرى لا تقدم تدفقًا ماليًّا، منها الفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية الرفيعة الفخمة التي لا يمكن أن يستأجرها أحد. ففي شواطئ فلوريدا وكاليفورنيا مثلا بعض المساحات التي ليس فيها إلا منازل سعر الواحد منها 30 مليون دولارًا، ولكنك لا تجدها إلا خالية متى زرتَها. أحب الذهاب إلى هذه الشواطئ لأنها فارغة عادة.

هذه المقتنيات النادرة تزيد قيمتها مع الوقت، وهو ما يدفع الناس إلى اقتنائها. ولكن لها تكاليف احتكاكية عندما تشتريها أو تبيعها أو تحافظ عليها. ما دامت التكاليف الاحتكاكية أقل من ازدياد القيمة مع الوقت، فإن هذه الاستثمارات صالحة بالمقارنة مع الاحتفاظ بالأموال الحكومية، وليست أهرام بونزي.

خلاصة الفقرة: أثر الشبكة، لا هرم بونزي

أوسع تعريف لشبكة بونزي يشير إلى أي نظام يحتاج إلى عمل مستمر للحفاظ عليه، أو أي نظام له تكاليف احتكاكية.

ولا يوافق البيتكوين هذا التعريف إلا كما يوافقه الذهب ونظام المال الحكومي العالمي، أو الأسواق الأقل سيولة كالفنون الجميلة والخمور الفاخرة والسيارات الكلاسيكية والعقارات الشاطئية. بعبارة أخرى، إذا كان تعريفك واسعًا إلى درجة أنه يشمل كل مخزن للقيمة لا تدفق نقدي فيه، فإنك تحتاج إلى تعريف أفضل.

كل هذه المقتنيات النادرة لها منفعة معينة إلى جانب ميزة حفظها للثروة. فالذهب والفن يمتّعانك بالجمال البصري. والخمر تمتّعك بحلاوة المذاق. والسيارات الكلاسيكية والشقق الشاطئية يمتعانك بالجمال البصري واللمسي. والبيتكوين يمكنك من دفع المال محليًّا ودوليًّا بطريقة لا يستطيع فيها أي طرف ثالث التدخل، وهو ما يعطي المستخدم تحرّكيّة مالية لا نظير لها.

هذه المقتنيات النادرة تحافظ على قيمتها أو تزيدها مع الوقت، ولا بأس عند المستثمرين أن يدفعوا التكاليف الاحتكاكية القليلة المتعلقة بها، وهي بديل صالح للإمساك بالنقد الحكومي الذي تقل قيمته مع الزمن.

نعم، يتطلب البيتكوين عملًا مستمرًّا ولا بد أن يبلغ قيمة سوقية معينة حتى يصبح مستدام، ولكني أرى أن هذا في أفضل أحواله مشكلة تقنية، أما المستثمرون فيسعّرون الشيء حسب نظرتهم لاحتمال نجاحه أو إخفاقه. إنه أثر شبكة ينافس كل أثر شبكة موجود في العالم، خصوصًا النظام المصرفي العالمي. والمهزلة أن النظام المصرفي العالمي فيه من خصائص أهرام بونزي أكثر مما في غيره.

فِكَر أخيرة

لا بد لكل تقنية من وقت للتقييم، واختيار بين الرفض والقبول. قد يكون السوق غير منطقي في أول الأمر في صعوده وهبوطه، لكن في النهاية، تُقيَّم الأصول وتقاس.

لقد تنامى سعر البيتكوين باستمرار مع كل دورة تنصيف للمعروض، ومع استمرار نمو أثر شبكته يبقى معروضه محدودًا.

مصدر المخطط: Blockchain.com

في كل استثمار خطر، ولا شك أننا لا نعرف بعد ما هو مصير البيتكوين النهائي.

إذا استمر السوق على رؤيته إياه كوسيلةً للادخار والدفع، متاحةً لمعظم الناس في الكوكب ومدعومة بشبكة إجماع لا مركزية حول العالم، ومسجّلة في دفتر عام، فسيستمر في أخذ حصص السوق الأخرى بوصفه مخزنًا للثروة وشبكة دفع، حتى يبلغ قيمة سوقية ناضجة وتبنّيًا واسعًا وتقلّبًا قليلًا. 

أما المخالفون، فيؤكدون أنه ليس للبيتكوين قيمة جوهرية وأن الجميع سيدرك الحقيقة يومًا ما، وستعود قيمته إلى الصفر. لكن حجة التراجع الأقوى هي أن البيتكوين سيخفق في أخذ حصص سوقية متسقة من النظام المصرفي العالمي لسبب أو لآخر، مع ذكر الأسباب.

كان عام 2020 قصة عن القبول المؤسسي، وتعالت فيه البيتكوين على الحدود بين استثمار المفرَّق والمخصصات المؤسسية. أصبحت ميكروستراتيجي وسكوير أول شركات علنية التداول تخصص بعض احتياطاتها أو جميعها بالبيتكوين بدلًا من النقد. وماس ميوتشوال أول شركة تأمين كبيرة تضع جزءًا من أصولها بالبيتكوين. أظهر بول تيودور جونز وستانلي دركنميلر وبيل ميلر ومستثمرون معروفون آخرون آراءً لمصلحة البيتكوين. وركبت بعض المؤسسات مثل فيديليتي قطار البيتكوين وعينها على خدمات الأمانة والحفظ المؤسسية، لكن 2020 شهدت آخرين كثرًا يركبون القطار، منهم أكبر شركة إدارة أصول في العالم، بلاك روك.

من منافع البيتكوين أنه تسمح بالاحتفاظ الذاتي وسهولة نقل المال وإجراء صفقات من دون إذن أحد. وبالرغم من وجود مشاريع بلوكتشين كثيرة، لم تقدم أي عملة رقمية أخرى درجة أمان مشابهة لتحمي من الهجومات على دفترها (من جهة معدل الهاش ومن جهة توزّع العقد)، ولم يكن لأي منها أثر شبكة كاف ليقبلها السوق قبولًا مستمرًّا بوصفها مخزنًا للقيمة على نحو متسق.

والأهم أن نمو البيتكوين كان طبيعيًّا أكثر من أي عملة أخرى في الصناعة، فقد جاء أولًا وانتشر من دون وجود قيادة أو تسويق مركزي، وهو ما جعله أقرب إلى بروتوكول مؤسس منه إلى مشروع أعمال أو أمن مالي.

Tagged :

بيتكوين وحقوق الملكية المستقلة – Su Zhu – Hasu

اقرأ المقال الأصلي، وتابع Hasu و Su Zhu | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

ظهر لنا من قبل أن البيتكوين مؤسسة اجتماعية واقتصادية جديدة. لكن السؤال لم يزل: من الذي سيستعملها؟ هل للبيتكوين مكان بين بقية المؤسسات، وإذا كان ذلك كذلك، فأين هو؟ هل البيتكوين منافسٌ رديءٌ لبايبال وفيزا، كما تريد وسائل الإعلام أن تقنعك، أم هي شيءٌ أكبر من هذا؟

إذا أردنا وضع البيتكوين على الخريطة مع بقية المؤسسات، فلنفهمْ أوّلًا لمَ بنى البشر المؤسسات أصلًا.

البشر كائنات محدودة. نعم، نستطيع أن نتعلم، ولكننا لا نستطيع أن نطور أدمغتنا وأجسامنا كما يمكننا أن نطور الأقراص الصلبة والمعالجات في حواسيبنا وآلاتنا. بل إن قدراتنا الجسمية والعقلية لم تتغير إلا طفيفًا منذ كنا نهيم في الأرض صيّادين قاطفين. لذا، لم يكن في مقدورنا التوسع إلا من خلال التعاون. كل الفتوحات العلمية، كل التطورات في الإنتاجية والازدهار، عائدةٌ إلى قدرتنا على التعاون بعضنا مع بعض.

لكن التعاون فيه مشكلة توسع

لكن، لمّا كان عالمنا فاقدًا لليقين في جوهره، كان التعاون صعبًا علينا. إننا نستهلك مقادير ضخمة من جهدنا لنتوقع كيف سيتعامل الآخرون مع أفعالنا، ونعرف إذا كانت أفعالنا ستجر علينا تأثيرًا سلبيًّا.

وعندما لا نستطيع توقع سلوك الآخرين على نحو ثابت، تصبح حياتنا في معضلة السجينين. هل ينبغي لنا أن نعاون أحدًا في صيد ظبي، أم نصيد أرنبًا نستطيع صيده وحدنا؟ كيف نأمن ألّا يضربنا الرجل على رأسنا بعصًا ليسرق الظبي؟ إن سبيل الإنسانية إلى التوسع والازدهار يكمن في إيجاد طريق لكسر معضلة السجينين هذه والتعاون رغم وجودها.

تقدم لنا نظرية الألعاب حلّين لمعضلة السجينين. أولهما: تحويل اللعبة ذات المرة الواحدة إلى لعبة متكررة. لأنك إذا أردت أن تلقى شريكك في الصيد مرة أخرى غدًا، كنتَ أقربَ إلى السلوك الحسن، لكي تأمَن انتقامه. لكن التفاعلات الاجتماعية المتكررة — أو التجارب الاجتماعية المتكررة—  لا تكون ممكنة إلا في مجموعة محدودة من الناس في الوقت الواحد، وهو رأي الأنثروبولوجي روبن دنبار.

عدد دنبار هو حدٌّ ذهني مقترح لعدد الأفراد الذين يستطيع المرء معهم أن يحافظ على علاقات اجتماعية مستقرة. يؤكد أنصار هذه النظرية أن أي عدد أكبر من هذا العدد سيتطلب قوانين أكثر، وأنماطًا مفروضةً أكثر، للحفاظ على مجموعة مستقرة متماسكة. 

التعاون من خلال المؤسسات

القاعدة الثانية التي أشار إليها دنبار: «فلنقيّد يدينا» ونمنع أنفسنا من اتخاذ قرارات سلبية قد تضرنا. من سبل تحقيق هذا تبنّي قواعد أخلاقية مشتركة والتثبت من أن هذه القواعد مفروضة مجتمعيًّا. أما المجموعات التي تجاوز عددها عدد دنبار، فتحتاج إلى المؤسسات.

أهم أساسات أي مؤسسة: احتكار العنف. فإذا مكّنّا مجموعة متخصصة من الناس من حماية البلدة، كان في إمكاننا الاشتراك في الشركات المنتِجة من دون القلق بشأن حماية ثمرات هذه الشركات. إن تأسيس احتكار قوي وخيّر للعنف يقوّي الأخلاق المشتركة أيضًا ويجعلها نظامًا قانونيًّا رسميًّا. تصبح القوانين أقوى إذا استطاعت جهة قوية في المجتمع إجبار كل فرد على أن يتبع القوانين فلا يكون «فوق القانون».

وعلى أكتاف احتكار العنف والنظام القانوني، تقوم أهم مؤسسة في الوجود: حق الملكية الخاصة. يتيح لك نظام الملكية الخاصة الذي تحميه الحكومة، الحق الحصري في استعمال مواردك كما تشاء. وجدت الدراسات أن الازدهار وحقوق الملكية مرتبطتان ارتباطًا لا ينفك.

حقوق الملكية

تقوم كل المؤسسات العليا على أساس وجود حقوق ملكية محمية حمايةً قوية، ومعرفةٍ تعريفًا جيدًا. الأسواق أنظمة تقرِن الباعة بالمشترين وتسمح بالتخصص وتقسيم العمل، والمال يسمح بتشكيل إشارات سعر دقيقة للمنتجين والمستهلكين.

نحتاج إلى احتكار العنف لتشكيل نظام قانوني، ونحتاج إلى النظام القانوني لضمان حقوق الملكية الخاصة. نحتاج إلى حقوق الملكية ليكون عندنا أسواق وشركات، ونحتاج إلى الأسواق والشركات ليكون عندنا رأسمالية. وإنما تتقدم الحضارة باختراع مؤسسات جديدة، تكون كل واحدة منها مبنية على الموجودات من قبل. وهنا صورة مبسَّطة لابتناء المؤسسات بعضها على بعض”

بتسهيل التعاملات الإنسانية تكسر المؤسسات الاجتماعية معضلة السجينين وتقلل قلقنا من أن يؤذينا أحد. ينتج عن هذا قدرة على التنبؤ بأفعال الآخرين، تمكننا من توسيع ثقتنا لتشمل الغرباء وتسمح بالتعاون في مجموعات يتجاوز عدد أفرادها عدد دنبار.

مؤسسة البيتكوين

إذا نظرنا إلى البيتكوين على أنها مؤسسة حديثة، فما هي الحقوق التي تفتحها لنا؟ لنتذكر معًا قواعد العقد الاجتماعي للبيتكوين: لكل أحدٍ الحق في دخول شبكة البيتكوين من دون إذن أحد (لا رقابة)، وليس لأحد أن يصرف مالًا غير الذي يملكه (لا مصادرة). وزد على هذا عدم وجود جهة مركزية تستطيع طباعة المزيد من المال في المستقبل لتسرق القوة الشرائية من أيدي الناس (لا تضخم). أخيرًا، يستطيع كل أحد أن يتحقق من أن القوانين مطبقة قبل قبول دفعة مالية (لا تزوير).

هل تثبت هذه القواعد أمام اختبار الواقع؟ يقول إريك دي. تشاسون في ورقته الرائعة «كيف تعمل البيتكوين نظامًا للملكية»: «لقد ابتكر ساتوشي ناكاموتو نوعًا من الملكية يمكن أن يوجد من دون الاعتماد على الدولة، أو على السلطة المركزية، أو على أي بنية قانونية تقليدية».

وأنا سأخطو خطوة أخرى وأقول إن شبكة البيتكوين، وعملتها تضمن شكلًا من أشكال الملكية هو أعظم من أي شكل آخر قدمته أي مؤسسة اجتماعية اقتصادية في تاريخ الإنسان.

عهد جديد من حقوق الملكية

أهم ابتكار ابتكرته البيتكوين: فصل حقوق الملكية من النظام القانوني واحتكار العنف. فقد صار في إمكاننا لأول مرة في التاريخ أن نتملّك أملاكًا من دون الاعتماد على سلطة مركزية تفرض هذه الملكية وتحميها. يسهل إخفاء هذه الملكية وحمايتها وتقسيمها ونقلها والتثبت منها، وكل هذا يستطيعه الفرد الواحد، وهو ما يعطيه أعلى مستوى من السيادة الفردية.

كان من شأن حقوق الملكية أن تعتمد اعتمادًا كاملًا على مستويات أخرى في مكدس المؤسسات الاجتماعية، لا سيما احتكار العنف والنظام القانوني. فإذا كان أساس المكدس مهتزًّا، لم يكن عندنا حقوق ملكية قوية. أما البيتكوين فهي تعتمد اعتمادًا كاملًا على نفسها، لتضمن لنا أعلى مستويات حقوق الملكية الممكنة لأي أحد في العالم، بغض النظر عن جودة المؤسسات الأدنى، أي الحكومة والنظام القانوني.

تفتح البيتكوين مجالًا جديدًا للقيمة. كما فتحت لنا القوارب القدرة على النقل عبر البحار، والطائرات القدرة على النقل عبر الجو، كذلك أتاحت لنا البيتكوين طبقة بديلة لتخزين القيمة ونقلها، بوصفها أول أصلٍ رقميٍّ خالص. وهي تضمن القدرة على الوجود في العالم الرقمي وحده، الذي اتخذت منه البيتكوين كل خصائصها. فلا يمكن أن تُهاجَم البيتكوين في الواقع الفيزيائي كما يمكن للأصول الفيزيائية أن تهاجم.

لن تظهر مقتضيات هذا الفتح إلا مع الزمن، ولكننا نستطيع من الآن أن نخمّن من سيستفيد من البيتكوين استفادةً كبيرة:

1. كل من يسكن في مكان حقوق الملكية فيه ضعيفة

2. كل من يميز النظام المالي الحالي ضده

3. كل من يسكن في مكان عملته المحلية ضعيفة، لها معدلات تضخم عالية

4. كل من يريد أن يخزن أو ينقل مقادير كبيرة من القيمة (إذ تتطلب القيَم الكبيرة مستويات عالية من الأمن)

تقدم البيتكوين لهؤلاء الناس القدرة على التعاون بفعالية أكبر، وزيادة إنتاجيتهم وازدهارهم. وتتيح لهم أن يخبئوا أموالهم للمستقبل، وأن يبنوا ثروات يمكن الاستثمار بها في شركات إنتاجيتها أعلى، لتسمح لهم أن يشاركوا في التجارة العالمية مع الناس في مختلف أنحاء العالم.

التقدم من خلال التنافس

بل قد تنفع البيتكوين من لم يستخدمها قط. بوصفها واقيًا من أخطاء البنوك المركزية، تجعل البيتكوين النظام المالي العالمي أمرَن. ومن الطريف أنها قد تطور أنظمة الملكية والمال الأخرى حول العالم. كيف؟ نعم، هذا هو أثر التنافس في السوق. إذا كنت من زبائن شركة آبل، فإنك تستفيد من إصدار سامسونغ هاتفًا جديدًا، لأنها بذلك تفرض على آبل أن تطور قيمة منتجها لتبقى قادرة على المنافسة في السوق.

ونتيجة لهذا، قد نشهد تطورًا في جودة أنظمة الملكية والمال حول العالم، لأن البيتكوين فتحت الباب للتنافس وفتحت سوقًا جديدة. يساعدنا هذا أيضًا على فهم أن البيتكوين ليست منافسًا لفيزا وبايبال. بل هي منافس للحكومات المحلية، والأنظمة القانونية وحقوق الملكية، وهي الطبقات المؤسسة في المكدس الحالي، لا المعالجات المبنية عليه.

تتوسع الحضارة من خلال التعاون، ولكن التعاون بين الغرباء صعبٌ جدًّا. تمكننا المؤسسات الاجتماعية من حل معضلة السجينين وتسمح لنا أن نتعاون في مجموعات أكبر. في قاعدة المكدس، نحتاج إلى احتكار للعنف مستقرٍّ وخيّر، ليُقيم النظامَ القانوني ويؤسس حقوق الملكية. لم يكن قبل اليوم من الممكن وجود حقوق ملكية قوية في أماكن حكومتها المحلية ضعيفة. لا تعتمد البيتكوين على النظام الموجود ومن ثم فهي تعطينا أعلى أشكال حقوق الملكية، أينما كنا ومهما كنا.

بيتكوين والخوف – Dan Held

اقرأ المقال الأصلي، وتابع المؤلف على تويتر | ترجمة: SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

كلّما ركَضَ ثورُ البيتكوين (أي تزايد سعرُها وتزايدت ثقة الناس بها) حاول المنكرون أن يسوّغوا فواتَ قطارهم بالخوف Fear والريبة Uncertainty والشكّ Doubt، وهو ما سمّاه أهل البيتكوين FUD، اختصارًا. إن معظم هذه المخاوف لا أساس لها تعتمد عليه، وما هي إلا روايات سلبيّة عن البيتكوين لا بدَّ أن تواجَه. 

وإني لأرى مزيدًا من هذه المزاعم يعرُض مع صعود البيتكوين، لذا سأعقد في هذه المقالة جلسةً سريعةً أدحض فيها بعض أشهر هذه المزاعم: 

القيمة الجوهريّة 

يشتكي الرافضون من أن البيتكوين لا قيمة جوهريّةً لها، مع أن عملتهم الحكومية الأساسية لا قيمة جوهرية لها (فالدولار لم يعد مدعومًا بالذهب).

«ليس للبيتكوين قيمة جوهرية… ولا للدولار الأمريكي، ولا اليورو، ولا الفرنك الروسي، ليس لأي شيء من هذا قيمة جوهرية» – الاحتياطي الفدرالي

البتكوين فقاعة

عدّة فُقّاعات
عدّة فُقّاعات

«ليس من عادة الفقاعات أن تدوم 12 عامًا» – جي بي مورغان 

البيتكوين ليس التوليب. (إشارة إلى جنون التوليب في القرن السابع عشر) تقدم البيتكوين للعالم أفضل مخزن رقمي للقيمة منذ الأزل، سامحةً للناس أن يخزنوا القيمة في مخزن صعبِ الانتزاع، وأن يرسلوها إلى من شاؤوا في العالم، من دون إذن أحد. 

البيتكوين فقاعة لا تنفجر. 

غسل الأموال والمخدرات

يغسَل في العام الواحد نحو تريليونَيْ دولار حول العالم، ويصرف الأمريكيون 150 مليار دولار على المخدرات كل عام، أما رأسمال سوق العملات الرقمية فهو 1.1 تريليون دولار في أثناء كتابة هذا الكلام. إن المشكلة موجودة حتى في أموال الحكومة، بل إن قواعد البيانات العامة للعملات الرقمية (الدفاتر Ledgers) تجعل التعتيم على عمليات التمويل صعبًا.

«ليس في العملات المشفرة خطر كبير من جهة غسل الأموال وتمويل الأنشطة الإرهابية» – مجموعة العمل المالي

تقلّب الأسعار

ليس في السوق ثابتٌ إلا التقلّب. لا يقول أحد «إن الذهب ليس مخزنًا جيّدًا للقيمة بسبب تقلب أسعاره»، لكننا نسمع هذا دائمًا عن البيتكوين. تجد أدناه مخططًا لأسعار الذهب في السنين المئة الماضية. انظر إلى مدى «استقرار» مخزن القيمة الذي بلغ عمره 4 آلاف عام الآن. 

فكيف بعملة جديدة؟ لا شكّ أن سعرها لن يمشي حسب منحنٍ خطّي. 

هذا وإن السعر المستقر نقيضُ جودة تخزين القيمة، لأنه يدل على أن العرضَ تتحكم به جهة مركزية.

أسعار الذهب في السنين المئة الماضية

استهلاك الطاقة

يشتكون من استهلاك الطاقة لتعدين البيتكوين، ولا يقارنونه باستهلاك الطاقة لاستخراج الذهب، أو لعمل النظام المالي، أو الحكومة أو المحاكم أو التقاط الصور، أو مشاهدة آل كارديشيان. 

ما دمتَ قد اشتريت الكهرباء، فليس في العالم «شرطة أخلاق للكهرباء» تحاسبك على استعمالك لهذه الكهرباء. وإذا أردت، فهذه مقالتي السهلة القراءة عن برهان العمل في البيتكوين واستهلاكه للطاقة.

تكاليف استهلاك الطاقة سنويًّا، من مخطط واردٍ في مقالتي المذكورة أعلاه

التحكم

يخاف بعض الناس أن يكون مؤسس البيتكوين مجرمًا إلكترونيًّا مجهولًا، وبعضهم أن يكون مجموعة من الأفراد المؤسسين للنظام المالي الحكومي. يخاف بعضهم أن السياسة المالية لا يتحكم بها أحد، وبعضهم أن رجالًا مسنين -لا يستطيعون حتى تسميتهم- يتحكمون بها. لكن الكود المصدري للبيتكوين متاح لينظر فيه أي أحد. 

هل يتلاعب أحد بالبيتكوين؟ 

على مدى العقد الماضي، غُرّمت البنوك عالميًّا بأكثر من 330 مليار دولار إثر تحقيقات في التلاعب بأسواق عدة، منها: الفوركس، والمعادن، وسعر الفائدة بين البنوك في لندن، وغير ذلك. تبلغ هذه الغرامات المتراكمة ثلثَ الرأسمال الكلي للعملات المشفرة. 

إن في كل سوقٍ «تلاعبًا»، ولكن هذا لا يجعل السعر أقلّ حقيقيّةً. 

ليس سوق البيتكوين أسوأ من الأسواق الأخرى. البيتكوين من أشدّ الأصول سيولةً في العالم، ويجري اكتشاف سعره في عشرات الأماكن، وله سجلّات يستطيع مراجعتها أي أحد. 

عملة تيثر Tether

من الحماقة الاعتقاد بأن عملة مستقرة، ليس فيها إلا 3% من رأسمال البيتكوين، تستطيع أن تؤذي البيتكوين وتجعلها مفلسة.

الارتباط لا يعني السببية. لئن كان إصدار تيثر مرافقًا لصعود البيتكوين، فلا يقتضي هذا أنه سببه. فعملة USDC، وهي عملة مستقرة أخرى، فيها الارتباط نفسه، وهو شيء بديهي لأن الناس يستخدمون الأموال ليستغلوا الفرَص العشوائية. لماذا تُقلق عملة USDC المتوجّسين؟

عندما انهار الريبل (عملة XRP) لم تتأثر البيتكوين. عندما أفلست البيتكونكت، لم تتأثر البيتكوين. ببساطة، ليست تيثر خطرًا إلا على من هي في حيازتهم. لا خطرَ عليك ما دمت تملك البيتكوين. 

ضيّف نيك كارتر في بودكاسته دان ماتوسزفسكي، التاجر خارج البورصة، الذي تاجر بمليارات الدولارات في تيثر، وقد دحض بعض هذه الأساطير. 

وإذا كان إصدار تيثر مفبركًا كلّه، فإن هذا سيفيد البيتكوين فائدةً جمّة، لأن الناس سيبيعون التيثر والعملات المستقرة الأخرى ليشتروا البيتكوين. 

قديمًا في 2013/2014، كانت مخاوف «ويلي بوت» حاضرة، إذ ظن الناس أن سعر البيتكوين لا يتصاعد إلا بسبب بوت يتلاعب به صعودًا على إم تي غوكس. وهي دعوى لا أساس لها. 

خلاصة

لا تدلّ هذه المخاوف إلا على حجم التغيير الذي جاءت به البيتكوين. كل تقنية جديدة تثير في الناس مخاوف تكون متناسبة مع أثرها في العالم. 

عندما اختُرعت الدرّاجات في القرن التاسع عشر، رماها الناس بشتّى أنواع المصائب، من تجنين الناس إلى تدمير أخلاق النساء. في المستقبل، سننظر إلى هذه الاعتراضات كما ننظر اليوم إلى الاعتراضات على الدرّاجة: بضحك.

أمْسِك – HODL، 
دان

تقييم البيتكوين باستخدام نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول – S2FX

لقطة مقربة من لوحة التدفق-إلى-المخزون الشهيرة بتكليف من PlanB، اللوحة بعنوان “التكوين“، ويظهر فيها نقطة بيانات الذهب مصنوعة من ورقة ذهب عيار 22 قيرات ومحاطة بتراب من نيزك حقيقي، وعبرها قصاصات من عملة الدولار الأمريكي | اللوحة للرسامة Petek

اقرأ المقال الأصلي، وتابع المؤلف على تويتر| ترجمة: فاتي أحمد، SB3

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

<<ليس المهم في العلم أن تكتشف حقائق جديدة، بل أن تكتشف طرائق جديدة للتفكير في الحقائق>> وليام لورانس براغ

مقدمة

في مارس 2019، نُشر نموذج تقدير قيمة البيتكوين (BTC) باستخدام منهج المخزون إلى التدفق (stock-to-flow) [1]

تستند معادلة نموذج المخزون إلى التدفق (S2F) لتقييم البيتكوين على سعر عملة البيتكوين ونسبة المخزون إلى التدفق شهريا. وبما أن نقاط البيانات مُرتبة حسب الترتيب الزمني، فإن النموذج هو سلسلة زمنية. جذب النموذج اهتمام المحللين الكَمّيين في مختلف أنحاء العالم وأكد العديد منهم وجود علاقة بين نسبة المخزون إلى التدفق وسعر العملة. [2][3][4]

نموذج تدفق المخزون الحالي

إذا لم تكن على دراية بنموذج المخزون إلى التدفق (S2F)، فأنصحك بشدة بقراءة المقال الأصلي لأنه يشرح الخلفية والمصطلحات.

يُعزز هذا المقال قاعدة نموذج المخزون إلى التدفق الحالي عن طريق استبدال الوقت بأصول أخرى (الفضة والذهب) للنموذج. حيث نطلق على هذا النموذج الجديد نموذج تقييم البيتكوين باستخدام نهج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول (S2FX). يسمح هذا النموذج بتقييم الأصول المختلفة كالفضة والذهب والبيتكوين بمعادلة واحدة.

أولاً، سوف نشرح مفهوم التحول الطوري، الذي يقدم طريقة جديدة للتفكير في البيتكوين ونسبة المخزون إلى التدفق ويوضح مدى أهمية نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول.

وثانياً، نقوم بشرح كيف يعمل نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول وماذا تعنى نتائجه.

التحول الطوري

إن التحول الطوري هو منظور مهم جدا في فهم نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول. فعند نقطة التحول الطوري، قد تخضع الخواص الفيزيائية إلى تغير تام ويتغير حجم الطورين تماما، وتكون التحولات في الغالب متقطعة. سنقدّم ثلاثة أمثلة لتحوّلات الأطوار:

1. الماء

2. الدولار الأمريكي

3. البيتكوين

الماء

إن الماء هو المثال المعروف للتحول الطوري، الماء موجود في أربع مراحل مختلفة (حالات): صلب، سائل، غاز، مؤيّن. كلها مياه ولكن تختلف خصائصها تماما في كل مرحلة.

الدولار الأمريكي

إن التحول الطوري موجود في الأموال أيضا. فعلى سبيل المثال قد تحول الدولار الأمريكي من عملة ذهبية (1 دولار = 371.25 حبة من الفضة النقية = 24 حبة من الذهب) إلى عملة ورَقية مدعومة بالذهب («يُدفَع لصاحبها عُملة ذهبية عند طلبه») إلى عملة ورقية غير مدعومة بشيء («هذه الورقة عملة قانونية لجميع الديون، العامة والخاصة»). وعلى الرغم من أننا نستمر في تسميته الدولار، فإن الدولار له خصائص مختلفة تماما في هذه المراحل الثلاث.

البيتكوين

وينطبق نفس الشيء على البيتكوين. فيوضح نيك كارتر وهاسو في دراستهما لعام 2018 كيف تغيرت خصائص البيتكوين مع مرور الوقت. [5]


كيف تغيرت خصائص البيتكوين الرئيسية مع مرور الوقت

تبدو خصائص البيتكوين ثابتة جدا في الرسم البياني. ومع ذلك، فإننا إذا جمعنا خصائصه مع المعالم المالية (وفيما بعد مع المخزون إلى التدفق وسعر العملة)، بدَتْ لنا كالأطوار إلى حد كبير مع تحولات أكثر فجائية:

1. «إثبات المفهوم» -> بعد ورقة البيتكوين البيضاء. [6]

2. «المدفوعات» -> بعد تعادل الدولار الأمريكي (1 دولار= 1 بيتكوين).

3. «الذهب الإلكتروني» -> بعد التنصيف الأول، أصبح يعادل الذهب تقريباً (1 بيتكوين = أونصة واحدة من الذهب).

4. «الأصل المالي» -> بعد التنصيف halving الثاني (حوالات بقيمة 1 مليار دولار كل يوم، ووضوح قانوني في اليابان وأستراليا، وأسواق العقود الآجلة في بورصة شيكاغو التجارية وباكت Bakkt).

تقدم هذه الأمثلة الثلاث للتحول الطوري في الماء، والدولار الأمريكي والبيتكوين منظورا جديدا حول البيتكوين ونهج المخزون إلى التدفق. ومن المهم ألا نفكر بهذا على أنه سلسلة زمنية مستمرة فحسب، بل وعلى أنه مراحل بينها تحولات حادة. فعند تطوير نموذج S2FX، نرى البيتكوين في كل مرحلة كأصل جديد، له خصائص مختلفة تماماً. وتتمثل الخطوة المنطقية التالية في تحديد التحول الطوري للبيتكوين وقياسه كمياً.

نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول للبيتكوين

يوضح الرسم البياني أدناه نموذج المخزون إلى التدفق الشهري للبيتكوين ونقاط البيانات لسعر العملة المستخدمة في نموذج المخزون إلى التدفق الأصلي. حيث يمكننا رؤية أربعة تجمعات.

لا بدّ أن هذه التجمعات الأربعة تشير إلى التحولات الطورية.

ويمكننا إجراء تحديد كمي لهذه التجمعات من خلال تقليل المسافة بين بيانات البيتكوين الشهرية وبينها. حيث نقوم باستخدام الخوارزمية الوراثية (تقليل المساقة المطلقة) لتحديد أربعة تجمعات. ويمكن أن تركز البحوث المستقبلية على خوارزميات تجميع مختلفة (مثل خوارزمية K-mean).

لكل تجمع من التجمعات الأربعة المحدّدة من البيتكوين مجموعة مختلفة تماما من القيم السوقية وقيم تدفق المخزون، تبدو كأنها متسقة مع التنصيفات halvings ومع التغير الحادث في سرد البيتكوين.

1. بيتكوين «إثبات المفهوم» (المخزون إلى التدفق 1.3 والقيمة السوقية 1 مليون دولار)

2. بيتكوين «المدفوعات» (المخزون إلى التدفق 3.3 والقيمة السوقية 58 مليون دولار)

3. بيتكوين «الذهب الإلكتروني» (المخزون إلى التدفق 10.2 والقيمة السوقية 5.6 مليار دولار)

4. بيتكوين «الأصل المالي» (المخزون إلى التدفق 25.1 والقيمة السوقية 114 مليار دولار)

ومثلها كمثل الماء والدولار الأميركي، تمثل هذه التجمعات الأربعة للبيتكوين أربعة أصول مختلفة، لكلّ منها سردٌ مختلف وخصائص مختلفة. فإن بيتكوين «إثبات المفهوم» الذي كانت قيمة مخزونه إلى تدفقه 1.3 وقيمته السوقية 1 مليون دولار فقط هو أصل مختلف تماماً عن بيتكوين «الأصل المالي» الذي تبلغ قيمة مخزونه إلى تدفقه 25 وقيمته السوقية 114 مليار دولار.

مع تبني منظور التحول الطوري لتجمعات البيتكوين كأصول مختلفة، يمكننا أن نضيف أصولاً أخرى كالفضة والذهب للنموذج. مما يجعله نموذجاً متداخل الأصول. بالنسبة للفضة والذهب، نستخدم أرقام المخزون والتدفق من التحليل الأخير الذي أجراه جان نيونيهويس وألتيمو للأسعار في ديسمبر عام 2019 على موقع TradingView.

– الفضة (المخزون إلى التدفق 33.3 والقيمة السوقية 561 مليار دولار).

– الذهب (المخزون إلى التدفق 58.3 والقيمة السوقية 10.088 مليار دولار).

يبين الرسم البياني تجمعات البيتكوين الأربع المحددة كمياً (بالإضافة إلى بيانات البيتكوين الشهرية للسياق) وتشكل الفضة والذهب خطّاً مستقيماً مثاليّاً.

نستخدم تحليل الارتباط لعمل نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول (S2FX). نلاحظ أن الفرق الكبير بين النموذج الأصلي وهذا النموذج هو استخدام القيم السوقية وقيم المخزون إلى التدفق للفضة والذهب في تحليل الارتباط. يُظهر النموذج علاقة كبيرة بين تدفق المخزون والقيمة السوقية لهذه الأصول الستة (99.7% R2).

وهذا يترجم إلى تقييم عملة البيتكوين (باعتبار 19 مليون بيتكوين في عام 2020-2024) بنحو 288 ألف دولار.

إن الأسعار المتوقعة للبيتكوين هي أعلى بكثير من 55 ألف دولار في الدراسة الأصلية. يرجى العلم أن نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول هو خطوة أولى لم تثبتها النتائج المختلفة والمراجعات بعد.

ملاحظة 1: على الرغم أن ست ملاحظات observations عدد ليس بكثير، فإني أقدر نتائج هذا النموذج. ومن الممكن أن تركز البحوث في المستقبل على إضافة المزيد من الأصول إلى التحليل، ومع ذلك، فإن معظم الأصول تحتوي على قيم 2F منخفضة (≤1) ولذلك فهي غير مهمة. وعلى العكس من ذلك، فإن الماس يتمتع بمستوى عالٍ من المخزون إلى التدفق ولكن تقييمه شديد التعقيد (الخام/المقصور، والقيراط، والألوان المختلفة والسطوع، وما إلى ذلك).

ملاحظة :2 يسمح نموذج S2FX بالاستيفاء، بدلاً من الاستقراء في نموذج S2F الأصلي. يتنبّأ النموذج الأصلي S2F تنبّؤاً يقع خارج نطاق البيانات المستخدم في صنع النموذج، أما نموذج S2FX الجديد فيتنبّأ تنبّؤاً يقع ضمن نطاق البيانات المستخدم في استخلاص الصيغة.

مثال على الاستيفاء (اليسار) والاستقراء (اليمين) — البيانات باللون الأزرق، والخط الأسود هو نموذج، والنقاط الحمراء تنبؤات

الملخص

في هذه المقالة، أعزز الأساس للنموذج الحالي المخزون إلى التدفق (S2F) من خلال إزالة الوقت وإضافة أصول أخرى (الفضة والذهب( للنموذج. أسمي هذا النموذج الجديد نموذج المخزون إلى التدفق متداخل الأصول لتقييم البيتكوين (S2FX). ويتيح نموذج S2FX تقييم مختلف الأصول مثل الفضة والذهب والبيتكوين بمعادلة واحدة.

لقد شرحت مفهوم التحول الطوري. فهو يقدم طريقة جديدة للتفكير في البيتكوين ونموذج المخزون إلى التدفق. وقد قادني إلى نموذج S2FX.

تتمتع صيغة نموذج S2FX بملاءمة مثالية للبيانات (99.7% R2).

يقدّر نموذج S2FX القيمة السوقية لمرحلة أو مجموعة البيتكوين التالية (تقييم البيتكوين في نموذج المخزون إلى التدفق يصبح56 مليون بين عام 2020-2024) بقيمة 5.5 تريليون دولار أمريكي. هذا يُترجم إلى سعر بيتكوين بحوالي 288 ألف دولار (باعتبار 19 مليون بيتكوين بين عام 2020-2024)

وبتعزيز الحقائق المعروفة من دراسة المخزون إلى التدفق الأصلية (S2F)، يقدم نموذج S2FX طريقة جديدة للتفكير في انتقال البيتكوين إلى المرحلة الخامسة.

مصادر ومراجع

[1] PlanB@100trillionUSDModeling Bitcoin Value with Scarcity, Mar 2019

[2] Nick EmblowFalsifying Stock-to-Flow As a Model of Bitcoin Value, Aug 2019

[3] Marcel BurgerReviewing “Modelling Bitcoin’s Value with Scarcity”, Sep 2019

[4] Nic CarterHasu@HasuflVisions of Bitcoin — How major Bitcoin narratives changed over time, Jul 2018

[5] Satoshi Nakamoto, Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System, 2008

[6] Jan NieuwenhuijsHow Much Silver Is Above Ground?, Dec 2019

صعود البيتكوين – Vijay Boyapati

فيجاي بوياباتي – 26 فبراير 2018

نُشر المقال الأصلي على مدونة فيجاي بوياباتي| ترجمة: فاتي أحمد، Arabic Hodl

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مع ارتفاع سعر البيتكوين الى مستويات قياسية جديدة في عام 2017، قد يبدو شراء البيتكوين بالإستثمار البديهي الذي لا يحتاج حتى إلى توضيح. بالمقابل، قد يبدو من الحماقة الاستثمار في أحد الاصول الرقمية التي لا تدعمها أي حكومة وليس لها غطاء مادي، والتي دفع ارتفاع اسعارها البعض لمقارنتها بهوس التوليب او بفقاعة الانترنت. كلا النظرتين غير صحيح؛ أسباب صعود البيتكوين مقنعة ولكنها ليست واضحة.   ينطوي الاستثمار في البيتكوين على مخاطر كبيرة ولكنه يحمل في طياته فرصة هائلة، كما سأوضح.

التكوين

لم يحدث قط في تاريخ العالم أن أمكن نقل القيمة بين شعوب بعيدة دون الاعتماد على وسيط موثوق به، مثل مصرف أو حكومة. في عام 2008، نشر (ساتوشي ناكاموتو)، الذي لا تزال هويته مجهولة، حلاً من تسع صفحات لمشكلة قديمة بعلوم الكمبيوتر تُعرف باسم “مسألة الجنرال البيزنطي”. سمح الحل الذي قدمه ناكاموتو والنظام المبني عليه –البيتكوين- بتحويل القيمة بسرعة عبر المسافات ودون الحاجة إلى الثقة في طرف ثالث، لم يكن هذا الأمر ممكناً من قبل قط. إن التداعيات المترتبة على اختراع البيتكوين عميقة للغاية بالنسبة للاقتصاد وعلوم الحاسوب إلى الحد الذي يجعل ناكاموتو أول شخص مؤهل لنيل كلاً من جائزة نوبل في الاقتصاد وجائزة تورنغ في مجال الكمبيوتر.

وبالنسبة للمستثمر فإن الحقيقة البارزة في اختراع البيتكوين هي خلق سلعة رقمية نادرة جديدة. البيتكوين عملة رقمية قابلة للنقل، تُنتج على شبكة البيتكوين في عملية تُسمى “التعدين”. إن عملية تعدين البيتكوين شبيهة إلى حد ما بتعدين الذهب، باستثناء أن معدل الإنتاج يتبع جدولاً زمنياً محدد مسبقاً، لن يُنتج أبداً سوى 21 مليون عملة بيتكوين وفقا لجدول التصميم، وقد أُنتج معظمها بالفعل، فقد تم تعدين حوالي 16.8 مليون بيتكوين فى وقت كتابة هذا المقال. وسوف يتوقف إنتاج العملات الجديدة كلياً بحلول العام 2140.

يعرض الرسم البياني معدل إصدار عملة البيتكوين (ملايين/عام) بالأحمر مقابل معدل تضخم العملة بالأزق

ليس لعملة البيتكوين غطاء من سلع مادية كما لا تضمنها أي حكومة أو شركة، مما قد يدفع مستثمر البيتكوين الجديد للتساؤل: لم للبيتكوين قيمة على الإطلاق؟ فبعكس الأسهم والسندات والعقارات أو حتى السلع الأساسية مثل النفط والقمح، لا يمكن تقدير قيمة عملات البيتكوين عبر تحليل التدفقات النقدية أو عن طريق تحليل الطلب على استخدامها في إنتاج سلع اخرى. يندرج البيتكوين في فئة مختلفة تماماً من السلع، تعرف بالسلع النقدية، والتي تُحدد قيمتها وفق قواعد “نظرية الألعاب”؛ يقدر كل فرد قيمة السلعة بناءً على توقعاته لكيف سيقيمها الأفراد الاخرون في السوق. ولكي نفهم طبيعة تتبع السلع النقدية لـ”نظرية الألعاب”، يتعين علينا أن نستكشف أصل المال.

أصل الأموال

قديماً، كانت التجارة بين مجموعات من الناس تتم من خلال نظام المقايضة. واتسمت عمليات المقايضة بانعدام الكفاءة، مما قيض من النطاق الجغرافي ومن حجم التجارة الممكن.ومن العيوب الرئيسية في التجارة القائمة على المقايضة مشكلة اختلاف الرغبات. فعلى سبيل المثال، قد يرغب مزارع التفاح في التجارة مع صياد سمك، ولكن إذا لم يرغب الصياد في شراء التفاح، فلن تكتمل الصفقة. وبمرور الوقت، نشأ لدى البشر رغبة في الجمع والاحتفاظ ببعض السلع بسبب ندرتها وقيمتها الرمزية وتشمل الأمثلة على ذلك (الأصداف والأسنان الحيوانية وحجر الصوان). كما يشرح (نيك سابو) في مقالته الرائعة عن أصل المال، كانت رغبة الإنسان في جمع المقتنيات بمثابة ميزة تطورية متميزة للإنسان البدائي مقارنة بأقرب منافسيه، إنسان نياندرثال (الإنسان البدائي).

كانت الوظيفة التطورية الرئيسية والمطلقة لجمع الممتلكات هي كوسيلة لتخزين ونقل الثروة.

 كان جمع الممتلكات بمثابة نوع من «المال الأولي» الذي جعل التجارة ممكنة بين القبائل المعادية، وسمح بنقل الثروة عبر الأجيال. كانت التجارة ونقل المقتنيات حدث نادر في مجتمعات العصر الحجري، وقد لعبت تلك السلع دور “مخزن القيمة” وليس “وسيط للتبادل“وهو الدور الذي يلعبه النقد الحديث كما يوضح(سابو):

مقارنة بالنقد الحديث فإن النقد البدائي يتسم بسرعة منخفضة للغاية ــ فقد لا تنتقل ملكيته إلا بضع مرات في متوسط عمر الفرد. ومع ذلك، فإن وجود مجموعة ممتلكات دائمة، ما نسميه اليوم إرثا، يمكن أن يتواجد لأجيال عديدة وأن يضيف قيمة كبيرة في كل عملية نقل ملكية -مما يجعل النقل ممكنا في كثير من الأحيان.

لقد واجه الإنسان البدائي معضلة نظرية الألعاب عند اتخاذ القرار بشأن أي سلعة ينبغي عليه جمعها أو صناعتها: ماهي السلع التي سيرغب بها الآخرون؟ من خلال التوقّع الصحيح للسلع التي قد يكون عليها طلب بغرض جمعها، يكسب مالك تلك السلع فائدة هائلة في قدرته على إبرام الصفقات واكتساب الثروة. وتتخصص بعض القبائل الاميركية الأصلية، مثل قبائل ناراغانسيت، في صنع المقتنيات التي لا فائدة لها سوى استخدامها في التجارة. تجدر الإشارة إلى أنه كلما كان توقع الطلب المستقبلي على سلعة مبكراً وسريعا، كلما عظمت الميزة الممنوحة لمالكها؛ حيث يمكنه جمعها بتكاليف أقل مقارنة في حين ترتفع قيمتها التجارية ويزداد الطلب عليها مع زيادة عدد السكان الراغبين في الحصول عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فحيازة سلعة ما على أمل أن يزداد الطلب عليها كمخزن للقيمة في المستقل من شأنه أن يعجّل من اعتمادها لهذا الغرض بالذات. والواقع أن هذه الدورة الظاهرية تشكل حلقة من رد الفعل تدفع المجتمعات إلى التلاقي بسرعة على مخزن واحد للقيمة. ويعرف ذلك ضمن نظرية الألعاب باسم “توازن ناش“. إن تحقيق توازن ناش لمخزن القيمة هو هبة عظيمة لأي مجتمع، حيث يقوم بتيسير التجارة وتقسيم العمل إلى حد كبير، مما يمهد الطريق لقيام الحضارة.

طريق الحرير

وعلى مر آلاف السنين، ومع نمو المجتمعات البشرية وتطور الطرق التجارية، بدأت مخازن القيمة التي نشأت في المجتمعات الفردية بالتنافس فيما بينها. وواجه التجار خياراً بين حفظ عائدات تجارتهم في مخزن قيمة الرائج في مجتمعهم أو في مخزن قيمة المجتمع الذي يتاجرون معه، أو خليط من هذا وذاك. وتتمثل فائدة الحفاظ على المدخرات في مخزن قيمة أجنبي في تعزيز القدرة على إتمام التجارة مع ذلك المجتمع بسهولة. كما أن إبقاء المدخرات في مخزن قيمة أجنبي من شأنه منح حافز للتجار لتشجيع استخدام مخزن القيمة في مجتمعاتهم لأن ذلك يزيد القوة الشرائية لمدخراتهم. إن الفوائد المترتبة على مخزون القيمة المستورد لا تعود على التجار الذين يقومون بالاستيراد فحسب، بل وأيضاً على المجتمعات نفسها.

عندما يتفق مجتمعان على مخزن قيمة واحد فإن ذلك من شأنه أن يخفض تكلفة التجارة فيما بينهما ويزيد من الثروة الناتجة عنها. وفي الواقع، قد كان القرن التاسع عشر أول مرة يجتمع فيها أغلب سكان العالم على مخزن واحد للقيمة وهوالذهب. وشهدت تلك الفترة أعظم انفجار تجاري في تاريخ العالم. وقد كتب اللورد (كينز) عن هذه الفترة الذهبية ما يلي:

يا لها من فترة استثنائية في التقدم الاقتصادي للإنسان في ذلك العصر … بالنسبة لأي رجل ذي قدرة تتجاوزالمتوسط، وصولا ًالى الطبقات المتوسطة والعليا، تقدم الحياة وسائل راحة ومتعة تتجاوز أغنى وأقوى ملوك العصور الأخرى، بتكلفة منخفضة وبأقل قدر من المتاعب.  فبإمكان الشخص المقيم في لندن أن يطلب من شتى منتجات الأرض كلها وبالكميات التي يرغبها بينما يرتشف الشاي الصباحي في سريره ويتوقع وصولها إلى عتبة منزله مبكراً.

محددات مخزن القيمة المناسب

عندما تتنافس مخازن القيمة مع بعضها البعض، فإن السمات التي تجعل مخزنا ما للقيمة جيداً هي التي تسمح لنوع ما بالتفوق فى المنافسة على الآخر ويزداد الطلب عليه بمرور الوقت. ورغم استخدام العديد من السلع كمخازن للقيمة أو “أموال أولية”، فقد ظهرت سمات معينة كانت مطلوبة بشكل خاص وسمحت للسلع التي تتسم بتلك السمات بهزيمة سلع أخرى غير قادرة على المنافسة.  من شأن مخزن القيمة المثالي أن يكون:

سلعة معمرة: لا يجوز أن تكون السلعة عرضة للتلف أو التدمير بسهولة. وبالتالي فإن القمح ليس مخزناً مثالياً للقيمة.

يمكن حملُها: لابد أن تكون سهلة النقل والتخزين، الأمر الذي يجعل من الممكن تأمينها ضد الفقدان والسرقة،ومن أجل استخدامها في التجارة عن بُعد.وعلى هذا فيكون السوار الذهبي مناسبا أكثر من البقرة.

قابلة للإستبدال: إحدى صفات السلعة الجيّدة أن يمكن استبدال عينة منها بأخرى من نفس الكمية. ومن دون القابلية للإستبدال، فإن مصادفة مشكلة الرغبة تظل بلا حل. ولذلك فإن الذهب أفضل من الماس الغير منتظم في الشكل والصفات.

يمكن التحقق منها: يجب أن يكون من السهل تحديد السلعة والتحقق من كونها حقيقية. إن سهولة التحقق من السلعة تزيد من ثقة المتلقي في التجارة وتزيد من احتمالية إتمام الصفقات التجارية.

قابلة للتقسيم: يجب أن يكون من السهل تقسيم السلعة إلى أجزاء فرعية.ورغم أن هذه السمة كانت أقل أهمية في المجتمعات السابقة حيث كانت التجارة غير متكررة، إلا أنها أصبحت أكثر أهمية مع ازدهار التجارة وبعد أن أصبحت الكميات المتبادلة أصغر وأكثر دقة.

نادرة: إن أي سلعة نقدية لابد وأن تكون ذات “كلفة لا يمكن تزويرها” كما وصفها نيك سابو.  وبعبارة أخرى، لا ينبغي للسلعة أن تكون وافرة أو سهل الحصول عليها أو يمكن إنتاجها بكمية كبيرة.ولعل الندرة هي السمة الأكثر أهمية التي يتسم بها أي مخزن للقيمة، حيث أنها تتغذى على الرغبة البشرية الفطرية في جمع كل ما هو نادر. هذا هو مصدر القيمة الأصلية لمخزن القيمة.

ذات تاريخ راسخ: كلما طال أمد إدراك المجتمع لقيمة السلعة، كلما ازدادت جاذبيتها كمخزن للقيمة.فمن الصعب أن يحل محل مخزن القيمة الذي تم إنشاؤه منذ فترة طويلة مخزن جديد إلا عن طريق فرضه بالقوة أو إذا كان هذا المخزن الجديد يتمتع بميزة كبيرة من بين السمات الأخرى المذكورة أعلاه.

مقاومة الرقابة والحظر: وهي سمة جديدة ازدادت أهمية في مجتمعنا الرقمي الحديث الذي يتمتع بالرقابة الشاملة، ألا وهي مقاومة الحظر. وهذا يعني مدى صعوبة طرف خارجي، مثل شركة ما أو دولة، على منع صاحب السلعة من الاحتفاظ بها واستخدامها. فالسلع المقاومة للرقابة مثالية بالنسبة لمن يعيش في ظل أنظمة تحاول فرض ضوابط على رأس المال أو تجريم أشكال مختلفة من التجارة السلمية.

يصنف الجدول أدناه البيتكوين والذهب وعملة الفيات (مثل الدولار) مقابل السمات المذكورة أعلاه ويليه شرح كل درجة:

تصنيف البيتكوين والذهب وعملات البيتكوين

السلع المعمرة

الذهب هو ملك السلع المعمرة بلا منازع. ولا تزال الغالبية العظمى من الذهب الذي تم استخراجه أو صقله في الماضي، بما في ذلك ذهب الفراعنة، موجودا حتى الآن ومن المرجح أن يظل موجودا بعد ألف عام. ولا تزال القطع الذهبية التي استخدمت كعملة في العصور القديمة تحتفظ بقيمة كبيرة اليوم. البيتكوين والعملات الحكومية (الفيات) هي بالأساس عملات رقمية يمكن أن تتخذ شكل مادي (مثل الأوراق المالية). وعلى هذا، فليس المظهر المادي هوالذى ينبغي أخذه في الاعتبار (حيث أنه يمكن استبدال ورقة دولار بالية بأخرى جديدة)، بل استمرارية المؤسسة التي تتولى إصدار هذه الأموال. وفي حالة عملات الفيات، مرت عدة حكومات على مر القرون، واختفت معهم عملاتهم. عملات مثل البابيرمارك والرنتتنمارك والرايخ مارك من جمهورية فايمار لم تعد ذات قيمة لأن المؤسسات التي أصدرتهم زالت من الوجود. وإذا استرشدنا بالتاريخ، فمن الحماقة أن نعتبر عملات الفيات باقية على الأمد البعيد، يعتبر الدولار الأميركي والجنيه البريطاني من الحالات الشاذة نسبياً في هذا السياق. ليس لعملة البيتكوين جهة إصدار، ولذلك فبقائها يعتمد على استمرارية الشبكة التي تؤمن وجودها.ولأن البيتكوين لا يزال في مرحلة مبكرة، فمن السابق للأوان أن نستخلص استنتاجات قوية حول مدى استمراريته. ولكن هناك من الدلائل المشجعة ما يشير إلى أنه على الرغم من المحاولات البارزة من قِبَل الدول والحكومات لتنظيم عمل البيتكوين وسنوات الهجمات من قِبَل المتطفلين، فإن الشبكة استمرت في العمل، الأمر الذي يظهر درجة كبيرة من “الاستمرارية“.

القابلية للنقل

إن البيتكوين هو أكثر مخزن للقيمة قابل للنقل على الإطلاق. يمكن تخزين وحمل المفاتيح الخاصة التى تمثل مئات الملايين من الدولارات فى ذاكرة USB صغيرة جدا وإلى أي مكان بسهولة.علاوة على ذلك، يمكن إرسال أي قيمة مالية عبر كوكب الأرض بشكل فوري تقريباً. ولأن العملات الحكومية رقمية بالأساس، فهي أيضاً قابلة للنقل. ومع ذلك، فإن اللوائح الحكومية وضوابط رأس المال تعني أن التحويلات كبيرة القيمة قد تستغرق أياماً أو قد لا تكون ممكنة على الإطلاق. من الممكن استخدام الأموال النقدية لتجنب ضوابط رأس المال، ولكن ذلك يزيد من خطر التخزين وتكلفة النقل.  أما الذهب، والذي يتسم بهيئته المادية ووزنه الكبير، فهو أقل مخزن للقيمة قابلية للنقل. ولذلك لا تتحرك أغلب سبائك الذهب من مستودعاتها، يتغير مالك الذهب أثناء عمليات البيع والشراء، ولكن لا تتحرك سبائك الذهب فعلياً. إن نقل الذهب بشكله المادى عبر المسافات هو أمر مكلف وخطير ومستهلك للوقت.

القابلية للاستبدال

الذهب هوالمعيار لقابلية الاستبدال. فعند إذابته، لا يمكن تمييز أونصة من الذهب عن أخرى، دوماً ما كان هذا حال سوق الذهب. من الناحية الأخرى، فإن عملات الفيات لا يمكن استبدالها إلا بقدر ما تسمح به المؤسسات المصدرة لها. وفي حين أنه قد يكون الحال أن تحظى جميع أوراق العملات النقدية الحكومية بنفس المعاملة من قِبَل التجار، هناك حالات تُعامل فيها الأوراق ذات القيمة الكبيرة معاملة مختلفة عن الأوراق الصغيرة. على سبيل المثال، في محاولة للقضاء على التجارة الغير خاضعة للضرائب في الهند، نزعت الحكومة الهندية كامل القيمة النقدية للعملات من فئة 500 و1000 روبية. وقد أدى هذا الأمر إلى تداول الأوراق النقدية بقيمة 500 و1000 بخصم على قيمتها الاسمية، مما أحال من قدرة استبدالهم مع الفئات الأدنى من نفس العملة. يمكن استبدال وحدات البيتكوين على مستوى الشبكة، وهذا يعني أن كل عملات البيتكوين تحظى بنفس المعاملة عند ارسالها عبر الشبكة. ومع ذلك، ولأن عملة البيتكوين يمكن تتبعها عبر سلسلة البلوك تشين، فقد تصبح بعض الوحدات ملوثة إن استُخدمت في التجارة غير المشروعة وقد يضطر التجار إلى عدم قبول هذه العملات الملوثة. ومن دون إدخال تحسينات على خصوصية بروتوكول شبكة البيتكوين وإخفاء الهوية، فلا يمكن اعتبار البيتكوين قابل للاستبدال كالذهب.

القابلية للتحقق

من السهل التحقق من صحة كل عملة من عملات الفيات والذهب الى حد كبير. ولكن على الرغم من تزويد العملات الورقية بعلامات مميزة لمنع تزويرها، لا تزال الدول ومواطنيها يواجهون احتمال الخداع بالأوراق المالية المزيفة، كما يستخدم المجرمون التنجستن المطلي بالذهب كوسيلة لخداع المستثمرين وحملهم على دفع ثمن ذهب مزيف.بالمقابل، يمكن التحقق من عملات البيتكوين بدقة حسابية مؤكدة. يمكن لمالك عملات البيتكوين إثبات ملكيتها علناً عن طريق استخدام توقيعات التشفير.

القابلية للتقسيم

من الممكن تقسيم عملات البيتكوين إلى مائة مليون وحدة وإرسالها بكميات متناهية الصغر (ولكن قد تجعل رسوم الشبكة من نقل تلك الكميات الضئيلة أمر غير اقتصادي). عادةً ما تُقسم عملات الفيات إلى مصروفات الجيب، والتي لا تتمتع إلا بقدر ضئيل من القوة الشرائية، الأمر الذي يجعل عملات الفيات قابلة للتقسيم من الناحية العملية. أما الذهب، وإن أمكن تقسيمه مادياً، يصبح من الصعب استخدامه عندما يقسم إلى كميات صغيرة بالقدر الكافي لكي يصلح للتجارة اليومية ذات القيمة المنخفضة.

الندرة

يتميز البيتكوين عن العملات الورقية والذهب فى نُدرتة المحددة مسبقا. يسمح تصميم البيتكوين بإنتاج 21 مليون عملة فقط. وهذا يعطي مالك البيتكوين نسبة مئوية معروفة من إجمالي المعروض المحتمل. على سبيل المثال، يعرف مالك عشر عملات بيتكوين أنه لن يزيد عدد الأشخاص الذين قد يملكوا نفس العدد عن2.1 مليون إنسان على وجه الأرض. (اقل من 003. بالمئة من سكان العالم). ورغم أن الذهب يتميز بالندرة إلى حد كبير عبر التاريخ، الا أنه ليس محصناً ضد زيادة المعروض. فمن الممكن أن يزداد المعروض من الذهب بشكل هائل إن أصبحت هناك طريقة جديدة اقتصادية لتعدين أو احتياز الذهب(ومن بين الأمثلة على ذلك التعدين في قاع البحر أو في الكويكبات). وأخيرا، أثبتت عملات الفيات، على الرغم من كونها اختراعاً حديثاً نسبياً، أنها عُرضة للزيادات المستمرة في المعروض. فقد أظهرت الدول القومية ميل متواصل لتضخيم المعروض من النقد لحل المشاكل السياسية قصيرة الأمد. إن الميول التضخمية لدى الحكومات في مختلف أنحاء العالم تترك مالكي عملات الفيات مع احتمالية تضاؤل قيمة مدخراتهم بمرور الوقت.

التاريخ الراسخ

لا توجد أي سلعة نقدية لها تاريخ طويل ومحدد مثل الذهب، الذي أصبح موضع تقدير منذ بدء الحضارة الإنسانية. لا تزال العملات المعدنية التي تم تعدينها في قدم الزمن تحتفظ بقيمة كبيرة حتى اليوم. يختلف الأمر عن الحديث عن عملات الفيات، والتي تشكل شذوذاً حديثاً نسبياً في التاريخ. منذ بدايتها، كان للعملات الورقية ميل شبه عالمي نحو انعدام القيمة في نهاية المطاف. وكان استخدام التضخم كوسيلة ماكرة لفرض ضرائب خفية بمثابة إغراء لم تتمكن سوى بضع حكومات من مقاومته عبر التاريخ. وإن أظهر القرن العشرون أي حقيقة اقتصادية، وهو القرن الذي هيمنت فيه عملات الفيات على النظام النقدي العالمي، فإن تلك الحقيقة هي أن عملات الفيات لا يمكن الوثوق بها للحفاظ على قيمتها في الأمد البعيد أو حتى في الأمد المتوسط.لقد نجح البيتكوين، على الرغم من وجوده القصير، في اجتياز عدداً كافياً من التجارب في السوق، لدرجة شبه انعدام احتمالات زواله كأصل قيم مستقبلاً. وعلاوة على ذلك، فإن تأثير لِّيندي يشير إلى أنه كلما استمر البيتكوين فى البقاء لمدة اطول تزيد ثقة المجتمع في أنه سوف يستمر في البقاء لمدة طويلة في المستقبل. وبعبارة أخرى، فإن الثقة المجتمعية في سلعة نقدية جديدة هي أمر مقارب، كما هو موضح أدناه:

الثقة في الذهب والبيتكوين مع مرور الوقت

إذا استمر البيتكوين بالوجود لمدة عشرين عاماً، فسوف تكون هناك ثقة شبه عالمية في أن البيتكوين سوف يظل متاحاً إلى الأبد، مثلما يعتقد الناس أن الإنترنت هو سمة دائمة من سمات العالم الحديث.

مقاومة الحظر

من أكبراسباب الطلب المبكر على البيتكوين كان استخدامه في الاتجارغير المشروع بالمخدرات. مما أدى الى افتراض العديد من الناس بالخطأً أن الطلب الأول على البيتكوين يرجع إلى قدرته على إخفاء هوية المستخدم. ولكنه لا تخفي عملة البيتكوين هوية مستخدمها؛ فكل معاملة يتم إرسالها على شبكة البيتكوين يتم تسجيلها إلى الأبد عبر تقنية البلوك تشين. ويسمح السجل التاريخي للمعاملات فيما بعد بإجراء تحليل جنائي لتحديد مصدر الأموال. وكان مثل هذا التحليل هو ما أدى إلى إلقاء القبض على مرتكب جريمة سطو(MtGox) الشهيرة. ورغم أنه من الصحيح أن شخصاً حذراً ودؤوبا بالقدر الكافي قادر على إخفاء هويته عندما يستخدم عملة البيتكوين، إلا أن هذا ليس هو السبب الذي جعل البيتكوين شعبياً إلى هذا الحد في التعامل مع المخدرات. إن السمة الرئيسية التي جعلت البيتكوين قيماً فى تلك الأنشطة المحظورة هي أن استخدام الشبكة “لا يحتاج الى طلب إذن”. عندما يتم إرسال البيتكوين عبرالشبكة، لا يقرر أي تدخل بشري يقرر ما إذا كان يُسمح بتلك المعاملة ام لا. ولأن شبكة البيتكوين لامركزية وتقوم على مبدأ نظير إلى نظير، فهو مصمم بطبيعته بحيث يكون مقاوماً للحظر. ويتناقض هذا بشكل صارخ مع النظام المصرفي القائم على عملات الفيات، حيث تعمل الدول على تنظيم البنوك وغيرها من مسؤولى نقل الأموال للإبلاغ عن الاستخدامات المحظورة للسلع النقدية ومنعها. وتُعَد ضوابط رأس المال مثالاً كلاسيكياً لنقل الأموال الخاضعة للتنظيم. على سبيل المثال، قد يجد المليونير الثرى صعوبة بالغة في تحويل ثروته إلى مكان جديد إذا كان يرغب في الفرار من نظام قمعي. ورغم أن الذهب لا يُصدر بواسطة الدول، فإن طبيعته المادية تجعل من الصعب نقله عبر المسافات، الأمر الذي يجعله أكثر عُرضة للقوانين الحكومية مقارنة بالبيتكوين. ويشكل قانون التحكم في الذهب في الهند مثالاً لمثل هذه القوانين.

يتفوق البيتكوين في أغلب السمات المذكورة أعلاه، الأمر الذي يسمح له بالتفوق فى المنافسة على السلع النقدية الحديثة والقديمة ويوفر حافز قوي لتبنيه على نحو متزايد. وبصفة خاصة، قد كان المزيج القوي بين مقاومة الحظر والندرة المطلقة بمثابة الحافز القوي الذي دفع المستثمرين الأثرياء إلى تخصيص جزء من ثرواتهم لفئة الأصول حديثة النشأة

تطور المال

أصبح دور المال كوسيط للتبادل هوس الاقتصاديين فى العصر الحديث. في القرن العشرين، احتكرت الدول اصدار المال وقوضت بشكل مستمر من فكرة استخدامه كمخزن للقيمة، مكونة اعتقادا خاطئا عن المال على انه وسيط للتبادل فقط. يرى كثيرون أن البيتكوين غير مناسب للعب دور المال نظراً لتقلب سعره المستمر، ولكن هذا المعتقد غير صحيح بالمرة. يتطور المال على مراحل، ويأتي دوره كمخزن للقيمة قبل دور وسيط التبادل. يوضح ستانلي جيفونز، واحد من مؤسسي علم الاقتصاد الهامشي، ذلك:

تاريخيا … لقد اعتُبر الذهب أولاً سلعة ثمينة لأغراض الزينة؛ ثانيا، ثروة مخزنة، ثالثا، وسيط للتبادل؛ وأخيراً، مقياس للقيمة.

بالمسميات الحديثة، نجد ان المال دائما ما يتطور المال عبر اربعة مراحل:

1- مقتنيات للجمع: في المرحلة الاولى من تطوره، يكون الطلب على المال مستندا إلى خواصه المميزة، ويكون المال عادة بمثابة زينة عند مالكة. فقد كان الذهب والخرز والأصداف جميعهم المقتنيات قبل ان يصبحوا فيما بعد بمثابة عملات مالية.

2- مخزن للقيمة: يتم الاعتراف بالمال كوسيلة للحفاظ على القيمة وتخزينها مع مرور الوقت بمجرد ان يطالب به العدد الكافي من الأشخاص. عند اعتبار سلعة ما مستودعا للقيمة، فإن قوتها الشرائية سوف ترتفع مع تزايد عدد الأشخاص اللذين يطلبونها لتحقيق هذه الغاية. في نهاية المطاف تستقر القيمة الشرائية لمخزن القيمة عند توسع نطاق الاحتفاظ بها كمخزن للقيمة وتضاؤل الطلب الجديد عليها.

3- وسيط للتبادل: تستقر القوة الشرائية للمال عند اكتمال الاعتراف به كمخزن للقيمة، وعندها تقل تكلفة الفرصة البديلة لاستخدام المال فى اتمام الصفقات التجارية حتى تصل الى مستوى مناسب لاستخدامه كوسيط للتبادل. في الأيام الأولى لاستخدام البيتكوين، انتقد العديد من الناس تكلفة الفرصة البديلة الهائلة عند استخدام البيتكوين كوسيلة للتبادل بدلا من استخدامه كمخزن للقيمة. وبالفعل تؤكد القصة الشهيرة لرجل قايض نحو عشرة الاف بيتكوين (يساوى نحو 94 مليون دولار أمريكي وقت كتابة هذا المقال) مقابل فطيرتان من البيتزا هذا الارتباك.

4- وحدة للحساب: عند اعتبار المال وسيلة للتبادل على نطاق واسع، يتم تسعير السلع على اساسه، ويتاح تبادل العديد من السلع مقابل المال. من المفاهيم الشائعة الخاطئة أن اسعارالبيتكوين متاحة للعديد من السلعالحالية. على سبيل المثال، بالرغم من أن فنجان من القهوة قد يكون متاحاً للشراء باستخدام البيتكوين، فإن السعر المدرج ليس سعر البيتكوين الحقيقي؛ بل هو سعر فنجان القهوة الذي يرغب به التاجربالدولار محولاً قيمة الدولار الى البيتكوين طبقاً لسعر السوق. إذاانخفض سعرالبيتكوين بالقيمة الدولارية، سوف يزداد عدد البيتكوين الذييطلبه التاجر بشكل متناسب. لا يمكن ان نعتبر البيتكوين وحدة للحساب الا عندما يكون التجار على استعداد لقبول البيتكوين كمقابل فعلي للدفع دون اعتبار لسعر صرف البيتكوين مقابل العملات الورقية.

قد يُنظر للسلع النقدية التي لم تصبح بعد وحدة حسابية على انها “محولة جزئياً إلى نقد”. واليوم يشغل الذهب هذا الدور، فيُعتبر كمخزن للقيمة بعدما جرده التدخل الحكومي من كونه وسيط للتبادل ووحدة للحساب. ومن المحتمل أيضاً أن تقوم سلعة ما بدور وسيط التبادل وتقوم سلعة اخرى بالأدوار الأخرى وهذا عادة ما يحدث في البلدان ذات الحكومات المُختلة، مثل الأرجنتين وزيمبابوى.

كتب ناثنييل بوبر في كتابه الذهب الرقمي:

في أمريكا، يخدم الدولار وظائف المال الثلاث بسلاسة: يعمل كوسيط للتبادل ووحدة لقياس تكلفة السلع وأصل لحفظ القيمة. من الناحية الأخرى، يُستخدم البيزو في الأرجنتين كوسيط للتبادل في المشتريات اليومية ولكن ليس كمخزن للقيمة، فالاحتفاظ بالمدخرات في صيغة البيزو بمثابة القاء المال في القمامة. يبدل المواطنين كل مدخراتهم من البيزو الأرجنتيني بالدولار الذي يحفظ قيمته أفضل من عملة البيزو. ولأن عملة البيزو اصبحت واهية، يتذكر الناس الأسعار بالدولار، والذي أصبح وحدة فعالة للحساب على مر الوقت.

ينتقل البيتكوين حاليًا من المرحلة الأولى للتحول الى نقد إلى المرحلة الثانية. ومن المرجح أن يستغرق سنوات عديدة قبل ان يتحول من مخزن أولي للقيمة إلى وسيط حقيقي للتبادل، ومسار الوصول الى تلك المرحلة محفوف بالمخاطر وعدم اليقين. ومن الملفت للنظرأن نفس التحول فى الذهب قد استغرق قروناً عديدة. لم يشهد أى شخص على قيد الحياة عملية تحول أي سلعة إلى سلعة نقدية (كما يحدث الان مع البيتكوين)، ولذلك فالخبرة محدودة وثمينة فيما يتعلق بالمسار الذي تتخذه هذه العملية.

تبعية المسار

ترتفع القوة الشرائية للسلع النقدية بشكل هائل اثناء عملية التحول الى نقد. ولقد شبه الكثيرون عملية ارتفاع القوة الشرائية للبيتكوين بمظهر “الفقاعة”. ورغم أن هذا المصطلح كثيراً ما يستخدم بشكل مزعج في الإشارة إلى أن قيمة البيتكوين مبالغ فيها، لكنه هنا مناسب. فهناك صفة شائعة بين كل السلع النقدية، وهي أن قيمتهم الشرائية أعلى بكثير من قيمة استخدامهم. وبالفعل، لم يكن للعديد من السلع النقدية أي قيمة استخدام على الاطلاق. بوسعنا أن ننظر إلى الفارق بين قيمة استخدام السلعة في حد ذاتها وبين قوتها الشرائية الفعلية باعتباره “الميزة النقدية”. تزداد الميزة النقدية مع انتقال سلعة نقدية ما عبر مراحل التحول إلى نقد (المذكورة أعلاه)، ولكن لا تزداد تلك القيمة بطريقة ثابتة يمكن التنبؤ بها. فيمكن لسلعة ما في طور التحول أن تخسر المنافسة أمام سلعة أخرى مناسبة أكثر كسلعة نقدية، وعندها يمكن أن تقل الميزة النقدية للسلعة الأولى او حتى تختفي تماما. مثلما اختفت الفضة تماماً كسلعة نقدية في اواخر القرن التاسع عشر عندما استبدلتها الحكومات حول العالم بالذهب.

الميزة النقدية بالأصفر مقابل الطلب الصناعي بالرمادي للفضة والذهب والبيتكوين

لا يمكن توقع قيمة الميزة النقدية للعملة الجديدة حتى فى حالة عدم وجود عوامل خارجية مثل التدخل الحكومى او المنافسة مع السلع النقدية الاخرى. يعبر الاقتصادى لاري وايت عن ذلك قائلاً:

إن المشكلة في قصة الفقاعة هي انها، بطبيعة الحال، تصلح لتفسير أي مسار للأسعار. وبالتالي، فهي لا تقدم اى تفسير لمسار سعر بعينه.

تتبع عملية تحول السلع الى نقد نظرية الألعاب؛ حيث يحاول كل مشارك في السوق توقع الطلب الكلي للمشاركين الآخرين وبالتالي توقع التدفقات النقدية في المستقبل. ولأن الميزة النقدية غير مرتبطة بأي فائدة متأصلة، فإن المشاركين في السوق يميلون إلى الأخذ بالاسعار السابقة لتحديد إذا ما كانت السلعة النقدية رخيصة أم مكلفة وإذا ما كان يجب شراؤها أو بيعها. .يُعرف الرابط بين الطلب الحالي والأسعار السابقة باسم “الاعتماد على المسار”، وربما كان الاعتماد على المسارمصدر الالتباس الاكبر فيما يتعلق بفهم تحركات أسعار السلع النقدية.

مع تزايد تبني السلعة النقدية وارتفاع قوتها الشرائية، تتغير توقعات السوق لما يُعتبر “رخيصاً” و”باهظ التكلفة”. وعلى هذا النحو، عندما تنهار أسعار السلع النقدية، يمكن أن تتحول التوقعات إلى اعتقاد عام بأن الأسعار السابقة كانت “غير عقلانية” أو مضخمة. وتوضح كلمات مدير صندوق وول ستريت المعروف جوش براون نظرية الاعتماد على المسار:

لقد اشتريت عملات بيتكوين عند سعر 2300 دولار وتضاعف سعرها في الحال. وعندها قلت أننى “لن اشترى المزيد منها” بعد أن ارتفع سعرها، رغم ان هذا الرأى مبنىٌ فقط على السعر الذي اشتريتها به فى بادئ الأمر. ومع انخفاض سعر البيتكوين الاسبوع الماضي بسبب حملة الحكومة الصينية ضد مصارف البيتكوين، بدأت بالتفكير “حسنا، اتمنى ان تنهار حتى اتمكن من شراء المزيد”.

والحقيقة هي أن مفاهيم مثل “الرخص” و”باهظ الثمن” لا معنى لها في الأساس فيما يتعلق بالسلع النقدية. إن ثمن أي سلعة نقدية لا يعكس مدى فائدتها أو قدر إيراداتها، بل هو مقياس لمدى اتساع اعتمادهالأداء مختلف أدوار المال.

ويزيد من تعقيد طبيعة المال في الاعتماد على المسارأن المشاركين في السوق لا يتصرفون بحيادية عند الشراء أو البيع طبقا لمقدار الميزة النقدية المتوقع مستقبلاً فحسب، بل يعملون أيضاً كداعيين نشطين. وبما أنه لا يمكن تحديد قيمة الميزة النقدية بشكل موضوعي، فإن التبشير بتفوق ميزات السلعة النقدية الجديدة يصبح أمر فعال مقارنة بالترويج للسلع العادية والتي ترتكز قيمتها في نهاية المطاف على التدفق النقدي أو الاستخدام. يمكننا رؤية الحماس الديني للمشاركين في سوق البيتكوين عند الترويج لتفوقه النقدي والثروة التي يمكن جنيها من خلال الاستثمار فيه. يعلق(لي دروجين) على سوق البيتكوين قائلاً:

الأمر أشبه باعتناق دين جديد-قصة نؤمن بها ونخبر بها بعضنا البعض. منحنى اعتناق الأديان هو ما ينبغي علينا أن نفكر فيه. يكاد أن يكون التطابق مثالياً – فبمجرد دخول شخص فيه، يذهب لإخبار الجميع ويشرع في الدعوى اليه، ثم يدخل فيه اصدقائه ويقوموا هم أيضاً بالدعوة إليه.

وفي حين أنه يمكن أن تعطى مقارنة البيتكوين بالدين شعوراً بكونه إيمان لا عقلاني، فمن المنطقي تماماً أن يدعو مالك سلعة نقدية متفوقة المجتمع برمته لتبنيها. يشكل المال أساس كل المدخراتوالتجارة، ولذلك فإن تبني صورة متفوقة من المال يعود بفوائد هائلة ومضاعفة في خلق الثروة لكل أفراد المجتمع.

التحول إلى سلعة نقدية

في حين لا توجد قواعد مسبقة بشأن المسار الذي قد تسلكه أي سلعة نقدية عند تحولها إلى نقد، فقد نشأ نمط غريب أثناء التاريخ القصير نسبياً لتحول عملة البيتكوين إلى نقد. يبدو أن سعر البيتكوين يتبع نمط كسرى متكرر ومتزايد الحجم، حيث يتطابق كل تكرار كسوري مع الشكل الكلاسيكي لدورة (هايب جارتنر)

دورة جارتنر

يفترض (مايكل كازى) في مقاله حول تبني عملة البيتكوين/نظرية السعر، أن دورات هايب جارتنر المتوسعة تمثل أطوارا من منحنى التبنى على شكل S، والذي تتبعته العديد من الثورات من التقنيات الثورية مع شيوع استخدامها فى المجتمع

مسار تبني التقنيات الناشئة حتى الانتشار التام

تبدأ كل دورة من دورات هايب غارتنرباندفاع من الحماس للتكنولوجيا الجديدة، ويتم تحديد السعر عبر مزايدات المشاركين في السوق ممن “يمكن الوصول إليهم” في هذه الدورة. عادة مايكون لدى المشترين الأوليين في دورة هايب جارتنر اقتناع قوى بالطبيعة التحويلية للتكنولوجيا التي يستثمرون فيها. وفي النهاية يبلغ السوق ذروة الحماس مع توقف تدفق المشاركين الجدد لهذه الدورة، وتصبح حركة الشراء خاضعة لهيمنة المضاربين الهادفين للربح السريع أكثر من اهتمامهم بالتكنولوجيا الأساسية.

في أعقاب ذروة دورة هايب جارتنر، تنهار الأسعار بسرعة ويحل الياس والسخرية العامة محل حماسة المضاربة ويسود الشعور بأن التكنولوجيا لم تكن ثورية على الإطلاق. ومع نهاية الانهيار، تستقر الأسعار في أدنى مستوياتها وتنضم جماعة جديدة ممن استطاع تحمل ألم انهيار الأسعار وأدرك أهمية التكنولوجيا إلى المستثمرون الأصليون.

يستمر هذا الاستقرار لفترة طويلة من الزمن ويشكل ما يسميه (كيسي)بـ “القاع المستقر والممل”. يتضاءل الاهتمام العام بالتكنولوجيا خلال فترة الاستقرار، ولكن يستمر تطويرها ويزداد ببطء عدد المؤمنين بدورها. تتشكل حينئذ قاعدة جديدة لدورة هايب التالية مع إدراك المراقبين من الخارج أن هذه التكنولوجيا باقية وأن الاستثمار فيها قد لا يكون محفوفاً بالمخاطر مثلما بدا خلال مرحلة الانهيار من الدورة. يتعاظم حجم الدورة التالية وتجذب عدد أكبر من المتبنين.

بإمكان قلة قليلة فقط من الأشخاص المشاركين في دورة هايب جارتنر توقع مدى ارتفاع الأسعار في الدورة. فعادة ما تصل الأسعار إلى مستويات تبدو عبثية في نظر أغلب المستثمرين من المراحل الأولية للدورة. ومع انتهاء الدورة، يشرع الإعلام في اعطاء الأسباب للانهيار. وفي حين أن السبب المعلن (مثل فشل منصة تبادل) قد يكون عاملاً، فإنه ليس سبباً لانتهاء الدورة. تنتهى دورة هايب جارتنر بسبب استنفاذ المشاركين في السوق الذين يمكن الوصول إليهم في الدورة.

من المعروف اتباع الذهب لنمط دورة هايب جارتنر الكلاسيكى بداية من أواخر السبعينات الى أوائل القرن العشرين. وقد يستدل البعض من ذلك أن دورة هايب هى دورة ديناميكية اجتماعية متأصلة فى عملية تحويل السلع الى نقد.

الذهب تاريخياً

دفعات جارتنر

شهد سوق البيتكوين أربع دورات هايب جارتنر كبرى منذ ميلاد أول سعر صرف تجارى في عام 2010. وبالنظر اليها الان، يمكننا أن نحدد نطاقات الأسعار لدورات هايب السابقة في سوق البيتكوين بدقة. وبوسعنا أيضاً أن نحدد نوعيات المستثمرين المرتبطين بكل من تلك الدورات.

صفر-1 دولار أميركي (2009 إلى مارس 2011): هيمن التقنيون وخبراء الكومبيوتر وأخصائيو التشفير ممن أدرك أهمية اختراع ساتوشي ناكاموتو على أول دورة هايب، وكانوا رواد إثبات خلو بروتوكول البيتكوين من العيوب التقنية.

30-1 دولار أميركي (2009-يوليو 2011): جذبت الدورة الثانية كلاً من أوائل المتبنين للتكنولوجيا الحديثة ومجموعة من المستثمرين المتحمسين والمنبهرين بفكرة وجود أموالا بلا حكومة. فقد انجذب الليبراليين مثل (روجر فير) إلى البيتكوين من أجل الأنشطة المناهضة للمؤسسات والتي قد تصبح ممكنة عند تبني هذه التكنولوجيا الناشئة على نطاق واسع. شارك أيضاً (وينسى كاساريس) العبقري ومؤسس عدة شركات في دورة هايب الثانية للبيتكوين، وهو معروف بحثّه أشهر المستثمرين والتقنيين في سيليكون فالي للمشاركة في البيتكوين.

250 -1100 دولار أميركي (إبريل/نيسان 2013 إلى ديسمبر/كانون الأول 2013): شهدت دورة هايب الثالثة دخول الأفرادوالمؤسسات الاستثمارية ممن كانوا على استعداد لمواجهة التعقيدات الشديدة والسيولة المحدودة عند شراء البيتكوين من شركات الصرافة. وفى أثناء تلك الفترة كان مصدر السيولة الرئيسي هو شركة Mt.Gox للصرافة ومقرها في طوكيو باليابان، كان يديرها (مارك كاربيليز) المعروف بعدم كفاءته وميوله الإجرامية، والذي بالفعل حُكم عليه بالسجن فيما بعد عن دوره في انهيار شركة الصرافة.

من الجدير بالملاحظة ارتباط ارتفاع أسعار البيتكوين أثناء دورات هايب المذكورة مسبقاً مع زيادة السيولة وسهولة شراء البيتكوين. لم توجد شركات صرافة أثناء دورة هايب الأولى، وكان التعدين أو التبادل المباشر مع أحد المُعدنين الوسيلة الرئيسية للحصول على البيتكوين. ظهرت بعض البورصات البدائية في التكرار الثاني لدورة هايب، ولكن كان يتطلب الحصول على البيتكوين من تلك البورصات خبرة تكنولوجية عالية ولم يكن مناسباً لغالبية المستثمرين. وحتىاثناء دورة هايب الثالثة، كانت ما تزال هنالك عقبات أمامارسال الأموال من البنوك إلى شركةMt. Gox من اجل شراء البيتكوين. عزفت البنوك عن التعامل مع شركات صرافة البيتكوين، وكثيراً ما كانت الشركات الوسيطة غير كفء أو إجرامية أو كليهما. وعلاوة على ذلك، واجه العديد ممن نجحوا في تحويل الأموال إلىMt.Gox خسارة أموالهم عندما تعرضت المنصة للاختراق ومن ثم الأغلاق. ولم تتوافر مصادر سيولة عميقة الا بعد مرور عاميين من الركود في أسعار البيتكوين بعدما انهار سوق Mt.Gox للتبادل؛ وتتضمن الأمثلة على ذلك منصات التبادل الكبيرة مثل GDAX واسواق التبادل غير الرسمية مثل Cumberland للتعدين. وبحلول دورة هايب الرابعة في عام 2016، كان من السهل نسبيًا على المستثمرين شراء وتأمين عملات البيتكوين.

19600 دولار؟ (2014-؟):

يمر سوق البيتكوين بدورة هايب الرابعة الكبرى في وقت كتابة هذا المقال. وتهيمن “الأغلبية المبكرة”من المستثمرين من الأفراد والمؤسسات على المشاركة في دورة هايب الحالية، كما يصفها(مايكل كازي)

معدل اختراق التقنية للسوق

ومع نمو وزيادة مصادر السيولة، أصبح لدى كبار المؤسسات الاستثمارية الفرصة للمشاركة من خلال الأسواق الآجلة الخاضعة للتنظيم. إن وجود مثل تلك الأسواق يمهد الطريق أمام إنشاء صناديق المؤشرات المتداولة لعملة البيتكوين، والتي من شأنها أن تفتح الطريق أمام “الأغلبية المتأخرة” و”المتلكئين” في دورات هايب القادمة.

وبرغم أنه من المستحيل أن نتوقع حجم دورة هايب الحالية بدقة، فمن الممكن القول بأنها ستبلغ ذروتها فى ما بين عشرين إلى خمسين ألف دولار. وفى حال تجاوزت هذا النطاق فسوف يحصل البيتكوين على جزء كبير من القيمة السوقية للذهب، (تتعادل القيمة السوقية لكل من الذهب والبيتكوين عند بلوغ سعر عملة البيتكوين نحو 380 ألف دولار،فى وقت كتابة هذا المقال). يرجع جزء كبير من رسملة سوق الذهب للطلب الخاص بالبنوك المركزية، والتي من غير المرجح مشاركتها في هذه الدورة.

دخول الدول القومية لسوق البيتكوين

ستبدأ دورة هايب جارتنر الأخيرة للبيتكوين عندما تبدأ الدول القومية الدولية بتخزين البيتكوين كجزء من احتياطات العملات الأجنبية. إن الرسملة السوقية لعملة البيتكوين صغيرة للغاية بحيث لا يمكن اعتبارها إضافة مجدية لمعظم البلدان في الوقت الحالي. ولكن مع زيادة اهتمام القطاع الخاص ومع اقتراب رسملة البيتكوين من تريليون دولار، سيتمتع البيتكوين بسيولة كافية تؤدي لدخول أغلب الدول إلى السوق. ومن المرجح أن يؤدي أول قرار دولة بإضافة البيتكوين إلى احتياطاتها رسمياً إلى تدافع باقي الدول لفعل الشيء نفسه. ستشهد أوائل الدول تبنياً للبيتكوين أعظم العوائد على ميزانياتها إن انتهى الأمر بالبيتكوين كعملة احتياطية عالمية. ولكن من المؤسف أن أكثر الدول سرعة في تكديس البيتكوين ستكون على الأغلب الدول صاحبة أقوى السلطات التنفيذية، كالديكتاتوريات مثل كوريا الشمالية. إن الفروع التنفيذية الضعيفة بطبيعتها فى الديمقراطيات الغربية وعدم رغبتها فى تحسين موقعها المالى من شأنه أن يؤدى الى ترددها وتلكؤها عن تكدييس البيتكوين فى احتياطاتها.

ومن المفارقات العجيبة هنا أن الولايات المتحدة تُعَد حالياً واحدة من أكثر الدول انفتاحاً على موقفها التنظيمي إزاء البيتكوين، في حين تُعَد الصين وروسيا الأكثر عدائية. فالولايات المتحدة تجازف بالجانب السلبي الأكبرفي موقفها الجغرافي سياسيا إذا ما حل البيتكوين محل الدولار كالعملة الاحتياطية العالمية. ففي الستينيات، انتقد شارل ديجول “الامتياز الباهظ” الذي تمتعت به الولايات المتحدة بفضل نظام النقد الدولي الناتج عن اتفاق بريتون وودز عام 1944. لم تلحظ الحكومتان الروسية والصينية بعد مدى الفوائد الجغرافية الاستراتيجية التي تترتب على استخدام البيتكوين كعملة احتياطية، فهم مشغولون فقط بالتأثيرات التي قد يخلفها على أسواقهما الداخلية. ولكنكما هدد الصينيين والروس من قبل بإعادة العملبمعيار الذهب رداًعلى الامتياز الفاحش الذي تتمتع بها الولايات المتحدة، فإنهم في الوقت المناسب سيدركون فوائد الاحتفاظ باحتياطي نقدي كبير في مخرن قيمة غير خاضع لسيادة الدول. وبفضل تركز أكثر طاقة تعدين للبيتكوين في الصين،فهي تتمتع بالفعل بميزة واضحة فيما يتعلق بإمكانية إضافة البيتكوين إلى احتياطاتها.

تفخر الولايات المتحدة بكونها أمة من المبدعين، حيث يشكل وادي السليكون جوهرة تاج الاقتصاد الأميركي.  الى الآن، هيمن وادي السليكون على الحديث مع الجهات التنظيمية حول موقفها حيال البيتكوين.في المقابل، بدأت المصارف والبنك الفيدرالي الأمريكي بإدراك التهديد الوجودي الذي يفرضه البيتكوين على السياسة النقدية الأميركية إذا تحول إلى عملة احتياطية عالمية.  نشرت صحيفة وول ستريت جورنال المعروفة بكونها لسان حال البنك الفيدرالي تعليقاً حول التهديد الذي يفرضه البيتكوين على السياسة النقدية الأميركية:

هنالك خطر آخر قد يكون أشد خطورة من وجهة نظر البنوك المركزية والجهات التنظيمية: قد لا ينهار البيتكوين. فإذا كانت حماسة المضاربة في العملات المشفرة مجرد مقدمة لاستخدامها على نطاق واسع كبديل للدولار، فإن ذلك من شأنه أن يهدد احتكار البنوك المركزية للمال.

ستشهد السنوات المقبلة صراعاً عظيماً بين رجال الأعمال والمبتكرين في وادي السليكون ممن يريدون الحفاظ على البيتكوين حراً من سيطرة الدول، وبين الصناعة المصرفية والبنوك المركزية الذين سيفعلون كل ما في وسعهم للسيطرة على البيتكوين بهدف منع تعطيل سلطاتهم في إصدار العملة.

الانتقال إلى مرحلة وسيط التبادل

لا يمكن لأي سلعة نقدية التحول إلى وسيط مقبول للتبادل (التعريف الاقتصادي القياسي “للمال”) إلا بعد الإعتراف بقيمتها على نطاق واسع. وبتعبير اخر، لن تُقبل سلعة لا يُعترف بقيمتها كوسيط للتبادل. ترتفع القوة الشرائية للسلعة بشكل هائل مع زيادة الإعتراف بقيمتها واعتمادها كمخزن للقيمة، مما يزيد من تكلفة الفرصة البديلة عند مبادلتها بسلعة اخرى. لا يمكن لمخزن القيمة التحول لوسيط للتبادل إلا عندما تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للتخلي عنها إلى مستوى منخفض ومناسب.

وعلى نحو أكثر دقة، لن تكون السلعة النقدية مناسبة كوسيط للتبادل إلا عندما ينخفض مجموع تكلفة الفرصة البديلة لها وتكلفة المعاملات المترتبة على استخدامها في التبادل إلى ما دون تكلفة إتمام التداول بدونها.

وفي مجتمع قائم على المقايضة، يمكن أن يحدث الانتقال من دور مخزنا للقيمة إلى وسيط التبادل حتى وان كانت القوة الشرائية للسلعة النقدية تزداد، وذلك لأن تكاليف المعاملات التجارية للمقايضة مرتفعة للغاية. أما في اقتصاد متقدم ذو تكاليف معاملات منخفض، من الممكن استخدام مخزن قيمة حديث النشأة وسريع الانتشار، مثل البيتكوين، كوسيط للتبادل، وإن كان في نطاق محدود للغاية. ومن بين الأمثلة على ذلك سوق المخدرات غير المشروعة حيث يبدي المشترون استعداداً للتضحية بفرصة الاحتفاظ بالبيتكوين بهدف الحد من المخاطر الكبيرة لشراء المخدرات باستخدام عملة حكومية

وعلى الرغم مما ذكرناه سابقاً، هناك حواجز مؤسساتية رئيسية تحول دون تحول مخزن القيمة الناشئ إلى وسيلة تبادل مقبولة عموما في مجتمع متقدم. تستخدم الدول الضرائب كوسيلة قوية لحماية أموالها السيادية من خطر الإزاحة بسبب منافسة السلع النقدية الاخرى. فعلاوة على تمتع الأموال السيادية بالطلب المستمر عليها بغرض دفع الضرائب، تُفرض أيضاً الضرائب على السلع المنافسة في حال زيادة سعرها. يشكل هذا النوع من الضرائب مقاومة كبيرة ضد استخدام مخزن القيمة كوسيط للتبادل.

لن تجدى محاولات إعاقة إستخدام السلع النقدية كوسيط للتبادل فى السوق، ولكن قد تنهار قيمة العملة الحكومية إذا ضاع إيمان الناس بها في عملية تعرف باسم التضخم المفرط. عندما تتضخم العملة الحكومية وتنهار، تحل محلها السلع مرتفعة السيولة فى المجتمع مثل الذهب أو عملة أجنبية مثل الدولار الأميركي. وإذا لم تتوفر أي سلع قابلة للسيولة أو كان المعروض منها محدوداً، تحل السلع الحقيقية ذات القيمة الأعلى محل العملة الحكومية مثل العقارات والسلع. إن الصورة النمطية المعبرة عن التضخم المفرط كمحل بقالة قد أًفرغ من كل منتجاته مع هروب المستهلكين من قيمة عملة بلدهم المتضائلة سريعا.

سوبر ماركت في فينزويلا بعد إنهيار العملة

وفي نهاية المطاف تصبح العملة الحكومية غير مقبولة عندما يفقد المواطنين ثقتهم بها أثناء فرط التضخم، ويتحول المجتمع الى نظام المقايضة أو تقوم عملة أخرى باستبدالها كوسيط للتبادل ومن بين الأمثلة على ذلك عندما تم استبدال الدولار الزيمبابوى بالدولار الأمريكى. أصبح استبدال العملة الحكومية بعملة أجنبية أكثر صعوبة بسبب ندرة العملة الأجنبية وغياب المؤسسات المصرفية الأجنبية لتوفير السيولة

وتزداد قيمة البيتكوين خاصة فى البلدان التى تتعامل مع التضخم المفرط لأنه لا يحتاج الى نظام مصرفى ويسهل نقلة عبر العالم. وحين تنهار قيمة العملات الحكومية كما هو متوقع سوف تصبح عملة البيتكوين هى العملة المفضلة عالميا للحفاظ على المدخرات. وعندما يتم استبدال العملات الحكومية بالبيتكوين، فإنه يكون قد تحول من كونه مخزن للقيمة الى وسيط للتبادل. وقد وصف دانيال كراويز هذه العملية بـ “فرط تبني البيتكوين“.

مفاهيم خاطئة شائعة عن البيتكوين

يركّزهذا المقال على الطبيعة النقدية لعملة البيتكوين. وبهذا الأساس، يمكننا أن نناقش بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة عنها.

البيتكوين فقاعة

مثل كل السلع النقدية فى السوق، يظهر سعر البيتكوين ميزة نقدية تدفع الكثيرين إلى وصفه بالفقاعة. تظهر كل السلع النقدية هذه الميزة النقدية وهي خاصية فريدة بالمال، أي ارتفاع سعره عن قيمة استخدامه في حد ذاته. بعبارة أخرى، المال فقاعة دائماً وفي كل مكان. ومن المفارقات أنه يمكن تكون السلعة النقدية فقاعة ومنقوصة القيمة في الوقت ذاته إن كانت في المراحل المبكرة من تبنيها كعملة نقدية.

تقلب سعر عملة البيتكوين

يرجع تقلب أسعار البيتكوين لحداثته. كان البيتكوين يشبه الأسهم الرخيصة في السنوات القليلة الأولى من وجوده، وكان من الممكن أن يتسبب أي مشتر كبير مثل تؤام وينكليفوس بارتفاع حاد في سعره. ولكن تضاءلت تقلبات البيتكوين بشكل كبير مع تزايد معدلات تبنيه وزيادة سيولته النقدية على مر السنين. وعندما تعادل قيمة البيتكوين السوقية قيمة الذهب، فسوف يُظهِر مستوى مشابهاً من التقلب. وسيتقلص تقلب الأسعار بدرجة تمكن من استخدامه كوسيط للتبادل على نطاق واسع بعد تجاوز قيمة الذهب السوقية. كما أوضحنا في السابق، تحدث عملية تحول البيتكوين الى نقد في سلسلة من دورات جارتنر. وتكون التقلبات فيأقل مستوياتها أثناء مرحلة الاستقرار من الدورة، في حين تكون في أعلى مستوى لها أثناء مرحلتي الذروة والانهيار. تقل حدة تقلب الأسعاربمرور الدورات بسبب زيادة السيولة النقدية في السوق.

ارتفاع رسوم التحويلات المالية

من بين الانتقادات التي وُجهت مؤخراً إلى شبكة البيتكوين هي زيادة رسوم إتمام التحويلات النقدية على نحو يجعلها غير مناسبة كنظام للدفع. ولكن ارتفاع الرسوم هو أمر صحي ومتوقع لأنها تمثل التكلفة المدفوعة للمُعدِّنين من أجل التحقق من صحة التحويلات وتأمين الشبكة. يمكن الدفع للمُعدِّنين أما عن طريق الرسوم أو عبر مكافئات التعدين، وهي مكافئات ذات اثر تضخمي يتحمله مالكو البيتكوين الحاليون.

ونظراً لثبات جدول عرض البيتكوين، والذي يمثل السياسة النقدية التي تجعل البيتكوين مناسباً للاستخدام كمخزن للقيمة، فإن مكافئات التعدين سوف تنخفض في نهاية المطاف إلى الصفر، وستؤمن حينها الشبكة برسوم التحويلات فقط. إن الشبكة التي تفرض رسوماً “منخفضة” لا تتمتع بقدر كبير من الأمان، وتكون أكثر عرضة للرقابة الخارجية.

تتلخص الحجة المخادعة وراء انتقاد ارتفاع رسوم التحويلات في الاعتقاد بأن البيتكوين يجب أن يكون نظام للدفع أولاً ثم مخزن للقيمة لاحقاً. وكما رأينا في أصل المال، فإن هذا الاعتقاد معكوس. لن يصبح البيتكوين مناسبا كوسيط للتبادل الى بعد أن يصبح مخزناً مقبولاً للقيمة.وبمجرد أن تنخفض تكلفة الفرصة البديلة لتداول البيتكوين بشكل يناسب استخدامه كوسيط للتبادل، فإن أغلب التداولات لن تحدث على شبكة البيتكوين ذاتها بل على شبكاتالطبقة الثانيةوالتي تتطلب رسوماً أقل بكثير. وتماثل شبكات الطبقة الثانية، مثل شبكة البرق، المكافئ الحديث للسندات الإذنية التي استُخدمت لتبادل الذهب في القرن التاسع عشر. استخدمت البنوك السندات الإذنية لتفادي التكلفة الهائلة لنقل السبائكمقارنة بتكلفة نقل السند الذي يمثل حق ملكية الذهب. ولكن على عكس السندات الإذنية، تسمح شبكة البرق بتحويل عملات البيتكوين بتكاليف منخفضة ودون الحاجة الى طرف ثالث مثل البنوك. يشكل تطوير شبكة البرق إبداعاً تقنياً بالغ الأهمية في تاريخ البيتكوين، وسوف تتجلى قيمته بوضوح مع تطوره وتبنيه في السنوات المقبلة.

المنافسة

ولأن البيتكوين عبارة عن بروتوكول من البرامج ذات الأكواد مفتوحة المصدر، كان من الممكن دوماً نسخ برمجياته ومحاولة تقليد شبكته. ظهر العديد من المقلدين للبيتكوين عبر الأعوام. بدءاً من البدائل البسيطة مثل (لايت كوين)، إلى الشبكات الأكثر تعقيداً مثل (الإثيريوم)والذي يعد بتنفيذ عقود معقدة تعسفاً على شبكة موزعة من الحواسيب. من بين الانتقادات الاستثمارية الشائعة لعملة البيتكوين أنها لن تستطيع الحفاظ على قيمتها لسهولة إنشاء المنافسين القادرين على دمج أحدث الابتكارات وميزات البرمجيات.

والمغالطة في ذلك تكمن في افتقار المنافسين عبر الأعوام إلى “التأثير الشبكي” الذي تحظى به التكنولوجيا الأولى والمهيمنة. يُقصد بالتأثير الشبكي تزايد فائدة استخدام شبكة البيتكوين فقط لكونها الشبكة الأكبر، يمثل التأثير الشبكي ميزة في حد ذاته. وبالنسبة لأي تقنية ذات طبيعة شبكية، فإنهاالميزة الأهمعلى الإطلاق.

يشمل تأثير الشبكة لعملة البيتكوين مدى سيولة السوق الخاص به، وعدد الأشخاص المالكين له، ومجتمع المطورين الذين يقومون بصيانة وتحسين برمجياته وعلامته التجارية. يبحث كبار المستثمرين والدول القومية عن السوق الأكثر سيولة حتى يتسنى لهم البيع والشراء بسرعة ودون التأثير على سعر السوق. وسوف يتوافد المطورون إلى مجتمع المبرمجين من ذوى الخبرات الأقوى، مما يعزز من قوة ذلك المجتمع. الوعي بالعلامة التجارية هو أمر ذاتي التعزيز، بسبب ذكر أي منافس محتمل للبيتكوين في سياق البيتكوين نفسه

انقسام في الطريق

ومن ضمن الاتجاهات التي قد كانت شائعة في عام 2017 بالإضافة الى تقليد برمجياته، كان ايضاً نسخ تاريخ معاملاته السابقة بالكامل (المعروف باسم البلوك تشين أو سلسلة الكتل). تمكن المنافسون من توزيع عملتهم الجديدة إلى قاعدة مستخدمين أكبرمن خلال نسخ تاريخ معاملات شبكة البيتكوين إلى شبكة مستقلة جديدة، تعرف هذه العملية بالانقسام

وقد حدثت أهم عملية انقسام من هذا النوعفي الأول من أغسطس عام 2017 عندما أُطلقت شبكة جديدة تعرف باسم بيتكوين كاش (Bcash). بعيّد الانقسام، حصل مالك عدد من عملات بيتكوين على نفس العدد من عملات كاش الجديدة.

فشلت كل محاولات المجتمع المناصر لعملة الكاشفي انتزاع العلامة التجارية للبيتكوين، سواء كانعن طريق تسمية شبكتهم الجديدة أو من خلال إطلاقهم حملة لإقناع المبتدئين في السوق أن عملات كاش هيعملات البيتكوين “الحقيقية”. وينعكس هذا الفشل فيالقيمة السوقية لكل من العملتين. ولكن بالنسبة للمستثمرين الجدد، يظل هناك خطر ظاهري في احتمال استنساخ منافس ما لعملة البيتكوين وسلسلة البلوك تشين الخاصة بها، والنجاح في تجاوزها في رسملة السوق، وبالتالي التحول إلى عملة البيتكوين بحكم الأمر الواقع.

وبوسعنا استنباط قاعدة مهمة من الانقسامات التى شهدتها شبكتي البيتكوين والإثيريوم، وهي أنه سوف تستقر أغلبية رؤوس أموال السوق على الشبكة التى تمتلك أمهر المطورين وأكثرهم نشاطاً. وعلى الرغم من أن البعض قد ينظر إلى البيتكوين على انه مال وليد فحسب، إلا أنه أيضا شبكة حاسوبية مبنية على برمجيات بحاجة إلى الصيانة والتحسين. إن شراء العملات الخاصة بشبكة تفتقر الى المطورين ذوي الخبرة والمهارة أشبه بشراء نسخة من برنامج الويندوزلا يدعمها أفضل مطوري شركة ميكروسوفت. وكان واضحاً منذ بداية انقسام عام 2017 التزام أفضل خبراء البرمجيات والتشفير بتطوير شبكة البيتكوين الأصلية وليس الفيلق المتنامي من المقلدين.

المخاطر الحقيقية

ورغم أن الانتقادات الشائعة الموجهة للبيتكوين التي وجدت فى الإعلام والاقتصاد في غير محلها وتستند إلى فهم معيب للمال، فإن الاستثمار في البيتكوين ينطوي على مخاطر كبيرة وحقيقية. ويجب أن يفهم المستثمر المحتمل هذه المخاطر قبل التفكير في الاستثمار فيه.

مخاطر البروتوكول

قد يحتوي بروتوكول البيتكوين أو أساسيات التشفير الذي بُنى عليه على خلل في التصميم، أو قد يصبح غير آمن مع تطور الحوسبة الكمية. فقد يؤدي اكتشاف عيب ما في البروتوكول أو وسيلة جديدة لكسر التشفير المستخدم فى البيتكوين إلى تهديد خطير للثقة في الشبكة. كانت مخاطر البروتوكول في ذروتها في الأعوام الأولى من عمل الشبكة، عندما كان من غير الواضح حتى بالنسبة لأخصائيو التشفير أن ساتوشي ناكاموتو قد توصل فعلياً إلى حل لمسألة الجنرال البيزنطي. وبالرغم من أن المخاوف من عيوب بروتوكول البيتكوين قد تبددت على مر السنين، ولكن نظراً لطبيعته التكنولوجية، فإن مخاطر البروتوكول دائما ما ستظل موجودة.

إغلاق بورصات البيتكوين

بفضل تصميمه اللامركزي، أظهر البيتكوين درجة ملحوظة من المرونة في مواجهة محاولات حكومات عدة لتنظيمه أو إغلاقه.ولكن ومع ذلك، فإن البورصات التي يتم فيها تداول البيتكوين مقابل العملات الورقية تتسم بدرجة عالية من المركزية وتبقى عُرضة للتنظيم والإغلاق. وفي غياب هذه البورصات اواستعداد النظام المصرفي للعمل معها، فإن عملية تحول البيتكوين إلى نقد قد تتعطل. ورغم وجود مصادر سيولة نقدية بديلة للبيتكوين، مثل السماسرة والأسواق اللامركزية لشراء وبيع البيتكوين (مثل localbitcoins.com)، فإن عملية استكشاف الأسعار تحدث في أسواق البورصة الأكثر سيولة، والتي تتسم جميعها بالمركزية.

تخفف المراجحة القضائية من خطر توقف أسواق البورصة. فبعدما انتقل مقر منصة بينانس من الصين إلى اليابان بعد إتخاذ الحكومة الصينية إجراءات صارمة بشأن العملات المشفرة. أصبحت الحكومات الوطنية يقظة إزاء غلق صناعة ناشئة قد تكون مؤثرة بقدر تأثير شبكة الإنترنت، وبالتالي التخلي عن ميزة تنافسية هائلة للدول الأخرى.  

لن تتوقف عملية تحول البيتكوين إلى نقد إلا عبر إغلاق عالمي منسق لجميع بورصات البيتكوين. وقد اقتربت عملة البيتكوين من أن تصبح متبناة على نطاق واسع إلى الحد الذي يجعل الإغلاق الكامل غير ممكن على المستوى السياسي وأشبه بغلق شبكة الانترنت. وعلى الرغم من ذلك فإن احتمالات الإغلاق ما زالت موجودة، ولابد من وضعها في الحسبان عند بالاستثمار في عملة البيتكوين. وكما ناقشنا في القسم السابق عن تدخل الدول القومية، فإن الحكومات الوطنية بدأت بادراك خطر وجود عملة رقمية مقاومة للرقابة والحظر على سياساتها النقدية. ويبقى السؤال إذا ما كانت ستعمل على مواجهة هذا التهديد قبل أن يصبح البيتكوين راسخاً إلى الحد الذي يجعل أي إجراء سياسي ضده غير فعّال.

القابلية للاستبدال

إن الطبيعة الشفافة والواضحة لسجل تحويلات البيتكوين تجعل من الممكن للدول أن تضع علامة على بعض عملات البيتكوين باعتبارها “ملوثة” عند استخدامها في أنشطة محظورة. ورغم أن مقاومة البيتكوين للحظر على مستوى البروتوكول تسمح بنقل هذه العملات، فإذا بدت القيود التنظيمية وكأنها تحظر استخدام هذه العملات الملوثة من قِبَل أسواق البورصة أو التجار، فإنها قد تصبح بلا قيمة. ومن ثم يخسر البيتكوين واحدة من الخصائص المهمة للسلعة النقدية وهي القابلية للاستبدال.

لابد من إجراء التحسينات على مستوى البروتوكول لتعزيز خصوصية المعاملات من أجل زيادة قابلية البيتكوين للاستبدال. ورغم وجود تطورات جديدة في هذا الصدد متمثلة في عملات رقمية مثل (مونيرو)و(زي كاش)، فتبقى هناك مقايضات تكنولوجية كبرى بين كفاءة وتعقيد البيتكوين وبين خصوصيته. ويظل السؤال بلا إجابة إذا كان من الممكن إضافة مميزات لتعزيز خصوصية البيتكوين دون المساس بفائدته كسلعة نقدية

الختام

البيتكوين مال أولي يمر بمرحلة التحول من كونه مخزناً للقيمة إلى كونه وسيط للتبادل. ولأنه سلعة نقدية غير حكومية، فمن الممكن أن يتحول البيتكوين في مرحلة ما في المستقبل إلى عملة نقدية عالمية مثل الذهب أثناء المعيار الذهبي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر. يمثل تبني البيتكوين كمعيار نقدي عالمي جوهر قضية صعود البيتكوين، كما أوضح ساتوشي ناكاموتو في بريد الكتروني أرسله إلى مايك هيرن عام 2010:

إذا تصورت استخدام البيتكوين فى جزء من التجارة العالمية، فسوف يكون هناك 21 مليون عملة للعالم أجمع، وهذا يعني أنه سوف تساوي قيمة كل وحدة الكثير.

وقدم خبير التشفير اللامع ومتلقي أول تحويل بيتكوين من ساتوشي(هال فينى) جوهر صعود البيتكوين بعد وقت قصير من الإعلان عن أول برنامج بيتكوين ناجح:

تخيل أن البيتكوين قد نجح وتحول إلى نظام الدفع المهيمن عبر العالم، إذن القيمة الكلية للعملات يجب أن تساوى القيمة الكلية للثروة الموزعة عبر العالم. وجدت أن تقديرات الثروة الموزعة حول العالم تتراوح من 100 تريليون إلى 300 تريليون دولار. ومع وجود 20 مليون عملة بيتكوين، فإن قيمة كل عملة تصبح 10 مليون دولار.

حتى لو لم يتم تبني البيتكوين عالميا، وكان ببساطة قادر على منافسة الذهب باعتباره مخزناً للقيمة لا يتبع سيادة الدول، فإن قيمته الحالية منقوصة بشكل هائل. وبمقارنة الرسملة السوقية لقيمة الذهب الموجود فوق سطح الأرض (ما يقارب 8 تريليون دولار) مع الحد الأقصى من المعروض من البيتكوين وهو 21 مليون عملة، فستساوي قيمة كل عملة ما يقارب380000 دولار. وكما رأينا في الأقسام السابقة، فإن البيتكوين يتفوق على الذهب في كل سمات مخزن القيمة باستثناء التاريخ الراسخ. ومع مرور الوقت واستحواذتأثير لِّيندي لن يكون التاريخ الراسخ ميزة تنافسية للذهب. وعلى هذا فمن المتوقع أن تقترب عملة البيتكوين، بل وربما تتفوق، على رسملة السوق الخاصة بالذهب في العقد المقبل. ولكن ولأن قسماً كبيراً من رؤوس أموال الذهب يأتي من البنوك المركزية التي تحتفظ به باعتباره مخزناً للقيمة، فمن الممكن أن يتطلب الأمر مشاركة الدول القومية حتى يتمكن البيتكوين من مكافئة وتجاوز رأس مال الذهب. ومن غير الواضح ما إذا كانت الأنظمة الديمقراطية الغربية سوف تشارك في ملكية البيتكوين. وللأسف من المرجح أن تكون الدول الديكتاتورية أول من يدخل سوق البيتكوين.

بأية حال، تبقى قضية صعود البيتكوين قائمة بغض النظر عن مشاركة الدول القومية. باعتباره مخزناً للقيمة لا يتبع سيادة الدول ويقتصر استخدامه على المستثمرون من الأفراد والمؤسسات، فإن البيتكوين لا يزال في مرحلة مبكرة من منحنى التبني ويدخل الأغلبية المبكرة السوق الآن بينما لا تزال الغالبية المتأخرة على بعد سنوات من الدخول. وفي ظل مشاركة أوسع نطاقاً من قبل المستثمرون، فإن مستوى الأسعار سوف يتراوح بين 100 ألف إلى 200 ألف دولار.

يشكل امتلاك البيتكوين واحدة من الرهانات القليلة غير المتناظرة والتي يستطيع المشاركة بها الجميع من مختلف أنحاء العالم. ويشبه الأمر خيار الشراء، الجانب السلبي للاستثمار محدود لحجم الاستثمار بينما يحمل اتجاه صعود البيتكوين احتمالية مضاعفة قيمة الاستثمار مائة ضعف. البيتكوين هو أول فقاعة عالمية حقيقية لا يحد حجمها ونطاقها إلا رغبة مواطني العالم في حماية مدخراتهم من تقلبات الإدارة الاقتصادية الحكومية. لقد نهض البيتكوين كطائر العنقاء من تحت رماد الكارثة المالية العالمية في عام 2008والتي كانت نتيجة لسياسات البنوك المركزية مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي.

وبعيداً عن القضية المالية للبيتكوين، سيؤدي صعوده كمخزن للقيمة خارج نطاق سيادة الدول إلى عواقب عميقة من الناحية الجيوسياسية. فوجود عملة احتياطية عالمية وغير التضخمية من شأنه إرغام الحكومات على تغيير آلية تمويلها الرئيسية من التضخم إلى فرض الضرائب المباشرة، وهو أمر غير مستساغ على المستوى السياسي. سيتقلص حجم الحكومات بما يتناسب مع الآلام السياسية المترتبة على الانتقال إلى فرض الضرائب كالوسيلة الوحيدة للتمويل.  فضلاً عن ذلك، فإن التجارة العالمية سوف تتم على النحو الذي يرضي تطلعات شارل ديغول بعدم منح أي دولة ميزة فوق الاخرين:

نرى أنه من الضروري أن تنشأ التجارة الدولية، كما كانت قبل المحن الكبرى في العالم، على معيار نقدي لا يقبل الجدل، ولا يحمل علامة أي بلد بعينه.

بعد 50 عاماً من الآن سيصبح البيتكوين هو ذلك المعيار النقدي.

تقدير قيمة البيتكوين بإستخدام النُدرة – PlanB

اقرأ المقال الأصلي Modeling Bitcoin’s Value with Scarcity — تابع الكاتب على تويتر: PlanB

ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

مقدمة

نشر ساتوشي ناكاموتو مستند البيتكوين في 31 أكتوبر 2008[1]، وأطلق الكتلة الأولى في الشبكة بتاريخ 3 يناير 2009، ثم نشر الشيفرة البرمجية في 8 يناير 2009. وبذلك، بدأت رحلة أوصلتنا إلى 70 مليار دولار قيمة سوقية للبيتكوين.

البيتكوين هو أول ابتكار في التاريخ لسلعة رقمية محدودة الكمية. فالبيتكوين محدود الكمية مثل الذهب أو الفضة، ويمكن إرساله عبر الانترنت أو موجات الراديو والأقمار الصناعية وغيرها.

كتجربة ذهنية، تخيل وجود معدن نادر كالذهب ولكن له هذه الخصائص: لونه رمادي باهت، لا يوصل الكهرباء، ليس صلباً، ولا يُستخدم في أغراض صناعية ولا تجميلية.. ولكن تميزه خاصية واحدة سحرية: يمكن إرساله عبر قنوات الاتصالات

ساتوشي ناكاموتو [2]

من المؤكد أن للندرة الرقمية قيمة، ولكن ما مقدار هذه القيمة؟ في هذه المقالة، أستخدم النسبة بين المخزون و التدفق لقياس مقدار الندرة ثم أضع نموذج إحصائي لتقدير قيمة البيتكوين مستنداً إلى نسبة تدفقه إلى مخزونه.     

الندرة ونسبة التدفق إلى المخزون

عادة ما تعرّف القواميس الندرة بكونها “شيء يصعبُ الحصول عليه” أو “شيء قليل الوجود”. يُعرّف “نيك سذابو” الندرة في إطار أكثر نفعاً: “تكلفة غير قابلة للتزييف”

ما هي الصفة المشتركة بين الذهب والوقت والأعمال الفنية النادرة؟ ثلاثتهم باهظ التكلفة، ويرجع هذا إما لكلفتهم الأصلية أو لقلة إحتمالية تكرارهم في المستقبل. يصعب التحايل على هذه التكلفة. […] تطبيق مفهوم التكلفة الغير قابلة للتزييف بشكل رقمي ليس بالأمر السهل، ولكنه يحمل في طياته إمكانية التوصل لإختراع الذهب الرقمي [3]

لا يمكن التحايل على ندرة المعادن الثمينة والمقتنيات النادرة، وهذا يرجع لتكلفة انتاجهم. فيما مضى، عندما لعبت المعادن والمقتنيات النادرة دور المال، كان للمال قيمة مستقلة لا يتولى طرف ثالث مسئولية تحديدها. ولكن لا يمكنك استخدام المعادن للسداد عبر الانترنت. ولهذا، فسيكون من الرائع وجود بروتوكول مستقل يجعل من المكلف صنع “بايت” رقمي، ثم يتيح تخزين ونقل والتحقق من صحة هذا البايت الرقمي بطريقة مستقلة ودون الحاجة للثقة بأي طرف: بايت من ذهب [4]

نيك سذابو

يتطلب صك عملات البيتكوين الجديدة إستهلاك كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية. ولهذا، فإصدار عملات البيتكوين يتطلب تكلفة غير قابلة للتزييف،  والتحايل على عملية إنتاج البيتكوين هو ليس بالأمر السهل. يجدر الإشارة إلى أن هذه الخاصية لا تنطبق على العملات الوطنية كما لا تنطبق على العملات الالكترونية الاخرى التي تفتقر لسقف إمداد أو لنظام لإثبات العمل أو لديها قوة معالجة ضعيفة، أو تخضع لإدارة مجموعة من الناس أو الشركات يمكنهم تعديل قوانينها بسهولة.

يتحدث “سيف الدين عموص” عن الندرة من منظور النسبة بين المخزون و التدفق. فيشرح أن ما يميز الذهب والبيتكوين عن السلع الاخرى كالنحاس والرصاص هو إرتفاع نسبة المخزون مقارنة بالتدفق للذهب والبيتكوين

مضاعفة معدل إنتاج أي سلعة إستهلاكية سيُحجِّم أي مخزون حالي، وسَيتسبَّب بحدوث تحطُّمٍ في الأسعار وسيُلحق الضرر بالمالكين. أما فيما يخص الذهب، فلن يكون ارتفاع الأسعار الذي يؤدي إلى مضاعفة الإنتاج السنوي ذا أهمية، حيث أنه يزيد المخزون بنسبة 3% بدلاً من 1.5%

فمعدل عرض الذهب المنخفض على الدوام هو السبب الجوهري لحفاظه على دوره النقدي على مرّ تاريخ البشرية

فنسبة المخزون إلى التدفق المرتفعة للذهب تجعله السلعة ذات السعر الأقل مرونة بالنسبة للعرض

كانت مخزون  عملات البيتكوين المتوفرة عام 2017 أكبر بنحو 25 مرة من العملات الجديدة المُنتجة في نفس العام، ولا يزال هذا أقل من نصف نسبة الذهب، ولكن بحدود عام 2022 ، ستتفوق نسبة المخزون إلى التدفق للبيتكوين على الذهب[5]

سيف الدين عموص

إذاً، فمن الممكن قياس مقدار الندرة بإستخدام النسبة بين المخزون و التدفق (م:ت)

نسبة م:ت = المخزون\التدفق

يشير المخزون إلى حجم الاحتياطي الحالي لأي سلعة بينما يشير التدفق إلى كمية الإنتاج السنوي. قد يستخدم بعض الناس معدل زيادة الإنتاج بدلاً من إستخدام نسبة م:ت. يشير معدل زيادة الإنتاج إلى نسبة التدفق للمخزون: المخزون\التدفق. – لاحظ هنا أن م:ت = 1\معدل زيادة الإنتاج

لنلق نظرة على بعض نسب م:ت

يتمتع الذهب نسبة م:ت=62، وهي الأعلى من بين المعادن؛ يعني هذا أننا سنحتاج إلى 62 سنة من الإنتاج للوصول لحجم المخزون الحالي. يليه الفضة بنسبة م:ت=22. هذه النسبة المرتفعة للمخزون مقارنة بالتدفق هي ما تعطي الذهب والفضة صفة نقدية.

جدول يوضح نسبة م:ت لبعض المعادن وأسعارهم ومعدل نمو المخزون السنوي

نسبة م:ت لمعادن مثل الباليديوم والبلاتينيوم بالكاد تعلو عن 1؛ فيمكن لحجم إنتاج سنة واحدة أن يضاعف حجم المخزون الحالي. تلعب عملية الإنتاج دوراً هاماً في نسبة م:ت لهذه المعادن. زيادة نسبة م:ت للسلع هو أمر شبه مستحيل نظراً لإرتفاع سعرها بمجرد كنز كميات كبيرة منها، مما يؤدي لزيادة معدل إنتاجها وبالنتيجة عودة سعرها للمعدلات الطبيعية. الإفلات من هذا الفخ هو أمر صعب للغاية.  

مخزون البيتكوين الحالي هو 17.5 مليون عملة، وتُصَّك العملات الجديدة بمعدل 0.7 مليون عملة في السنة – مما يعطينا نسبة م:ت = 25. تضع هذه النسبة البيتكوين في فئة السلع النقدية مثل الذهب والفضة. تقدر القيمة السوقية لعملات البيتكوين ب$70 مليار دولار

تُصدر عملات البيتكوين وفق جدول زمني ثابت. تعالج الشبكة كتلة جديدة من التحويلات كل 10 دقائق في المتوسط وتتضمن هذه الكتل العملات الجديدة. فعندما يحل أحد المعدنين المسألة الرياضية لنظام إثبات العمل للكتلة، يحصل على تلك العملات الجديدة والمسماة ـ”دعم الكتلة”. تشتمل مكافئة الكتلة على دعم الكتلة إضافة على كل رسوم التحويل المتضمنة من قبل المرسلين.

بدأ دعم الكتلة ب 50 بيتكوين لكل كتلة، وتقل للنصف كل 210,000 كتلة (حوالي 4 أعوام). يطلق على هذه العملية أسم “التنصيف”، وهي أمر هام للغاية بالنسبة للعرض النقدي للبيتكوين ونسبة م:ت. عملية التنصيف هي ما يجعل التغيير بمعدل زيادة العرض يحدث في خطوات حادة، بدلاً من تغير ناعم. (في عالم البيتكوين، يُطلق على معدل زيادة العرض مصطلح “التضخم النقدي”)

يوضح الخط الأصفر نسبة التضخم المتناقصة مع الزمن – والأزرق يوضح العدد الكلي لعملات البيتكوين

 نسبة المخزون إلى التدفق والقيمة

الفرضية في هذا البحث هي أن الندرة، مُعرفة في إطار نسبة المخزون إلى التدفق، تؤثر بشكل مباشر في القيمة. إلقاء نظرة على الجدول أعلاه يؤكد أن القيمة السوقية تميل للزيادة مع زيادة نسبة المخزون إلى التدفق. الخطوة التالية هي جمع البيانات ووضع نموذجاً إحصائياً.

البيانات

قمت بحساب نسبة م:ت والقيمة السوقية للبيتكوين لكل الشهور من ديسيمبر 2009 حتى فبراير 2019 ( بمجموع 111 نقطة قياس). يمكن استخراج عدد الكتل لكل شهر من سلسلة كتل البيتكوين بإستخدام أمر Python/RPC/bitcoind. يختلف عدد الكتل الفعلي عن المعدل النظري، ويرجع هذا لأن الكتل لا تُصدر كل 10 دقائق بدقة. (مثلاً، كان عدد الكتل في عام 2009 أقل بكثير من المعدل النظري)

وبإستخدام عدد الكتل المُصدرة كل شهر والمعدل المعروف لدعم الكتلة، يمكننا حساب التدفق والمخزون. أخرجت أول مليون عملة من الحسابات (7 شهور) وذلك بغرض التصحيح لمراعاة العملات المفقودة. ستكون مسألة التعديل لمراعاة العملات المفقودة موضوعاً للبحث المستقبلي.

تتوفر البيانات عن سعر البيتكوين من عدة مصادر ولكنها تبدأ في شهر يوليو 2010. استخدمت أول عمليات تسعير للبيتكوين قبل هذا التاريخ من أجل إكمال الحسابات (دولار واحد لقاء 1309 عملة في اكتوبر 2009 – 0.003 دولار للعملة في مارس 2010، وعملية بيع شطيرتي بيتزا بقيمة 41 دولار لقاء 10,000 عملة بيتكوين في مايو 2010). سيكون إستكشاف البيانات القديمة موضوعاً للبحث المستقبلي.

لدينا بالفعل البيانات الخاصة بالذهب (م:ت 62 وقيمة سوقية 8.5 تريليون دولار) وللفضة (م:ت 22 وقيمة سوقية 308 مليار دولار)؛ سأستخدم هذه البيانات كمقياس مرجعي.

النموذج الإحصائي

بوضع رسم إحصائي بالنقاط المبعثرة، يتبين لنا وجوب إستخدام المقياس اللوغاريتمي لعرض القيمة السوقية، وذلك لتضاعفها 8 مرات (من $10 آلالف إلى $100 مليار). وبإستخدام المقياس اللوغاريتمي أيضاً لنسبة م:ت، يتبين لنا وجود علاقة خطية جيدة بين اللوغاريتم الطبيعي لكل من م:ت و القيمة السوقية. (لاحظ أن إستخدام لوغاريتم عشري سيحقق نتائج مماثلة)

رسم بياني يوضح القيمة السوقية بالنسبة إلى م:ت

يؤكد الإنحدار الخطي ما يمكن رؤيته بالعين المجردة: علاقة ذات دلالة إحصائية بين نسبة م:ت والقيمة السوقية للبيتكوين (معامل التحديد 95% – القيمة الاحتمالية 2.3E-17 – القيمة الاحتمالية للانحدار 2.3E-17). فإحتمال كون العلاقة بينهما محض صُدفةً أو عَرَضًا هو أقرب إلى الصفر. تؤثر عوامل أخرى على السعر مثل القوانين الحكومية وعمليات القرصنة والاخبار المختلفة، ولهذا لا تصل قيمة معامل التحديد إلى 100% (أي أنه لا تقع كل النقاط على خط مستقيم بدقة تامة). ولكن يبدو أن الندرة (نسبة م:ت) هي العامل المهيمن.[i]

ومن المثير للدهشة هو أنه وبالرغم من كونهما أسواق مختلفة تماماً، تتماشى القيمة السوقية للذهب والفضة مع قيمة البيتكوين التي يقدمها النموذج. يعزز هذا الأمر الثقة بالنموذج الإحصائي. لاحظ أنه في أوج السوق الصاعدة للبيتكوين في ديسيمبر 2017، كانت نسبة م:ت 22 وكانت القيمة السوقية $230 مليار وهي أرقام مقاربة جداً للفضة.

ولأن للتنصيف أثر كبير على نسبة م:ت، قمت بتلوين الشهور بحسب قربها من موعد التنصيف على النحو التالي: شهور التنصيف بالون الأزرق الغامق، والأحمر للشهور بُعَيدَ التنصيف. موعد التنصيف القادم في شهر مايو 2020. ونسبة م:ت الحالية ستضاعف من 25 لتصبح 50، وهذه النسبة قريبة جداً من النسبة الخاصة بالذهب وهي 62

تبلغ القيمة السوقية المُقدرة للبيتكوين بعد تنصيف مايو 2020 تريليون دولار، وهو ما يمثل سعر 55 ألف دولار لعملة البيتكوين الواحدة، سيكون هذا أمراً رائعاً. سيخبرنا الزمن بعد مرور سنة أو أثنين على التنصيف، بحلول عام 2020 أو 2021، ما إذا كان هذا التقدير صحيحاً، فالأمر بمثابة أول إختبار للفرضية والنموذج من خارج العينة المعروفة.

يسألني الناس من أين سيأتي المال المطلوب للوصول إلى قيمة سوقية بحجم تريليون دولار؟ ستأتي الأموال من مصادر عدة: من الذهب والفضة، ومن البلدان ذات معدلات الفائدة السالبة (كأوروبا واليابان وقريباً الولايات المتحدة)، ومن البلاد ذات الحكومات الإستغلالية (كالصين وفينيزويلا وإيران وتركيا وغيرهم)، ومن أصحاب الثروات الكبيرة للتحوط ضد التيسير الكمي (أي ضخ البنوك المركزية للسيولة المالية وطباعة نقد جديد)، وأخيراً من المؤسسات الإستثمارية عندما تكتشف أفضل الأصول أداءً في العشر سنين الأخيرة.

بوسعنا أيضاً التنبؤ بسعر عملة البيتكوين مباشرة من نسبة م:ت. ستختلف معايير المعادلة الرياضية ولكن تبقى النتيجة ذاتها: معامل التحديد 95% وسعر عملة بيتكوين متوقع يبلغ $55000 مع وصول نسبة م:ت إلى 50، وذلك بعد تنصيف مايو 2020

وضعت رسم بياني للسعر المتوقع بناء على نسبة م:ت (باللون الأسود) و سعر البيتكوين الحقيقي ملوناً بحسب عدد الكتل المُنتجة في الشهر.

عدد الكتل المُصدْرة كل شهر – الخط الأسود للنموذج الإحصائي و النقاط لعدد الكتل الفعلي

لاحظ مدى مطابقة السعر الحقيقي للمتوقع. يتضح التوافق جلياً في سرعة تكيف الأسعار بعد تنصيف نوفمبر 2012. كانت عملية تكيف الأسعار مع تنصيف يونيو 2016 أبطأ بكثير، وهذا على الأرجح بسبب المنافسة من العملات الأخرى كالإيثيريوم وإختراق DAO الأمني. يمكنك أيضاً رؤية إنخفاض عدد الكتل المُنتجة في الشهر (باللون الأزرق) في أول عمل الشبكة في 2009 و مع تدني صعوبة التعدين في نهاية 2011، منتصف 2015 ونهاية 2018. أدى إستخدام كروت الجرافيك في 2010-2011 والمعالجات المحددة برمجياً (AISCs) في 2013 إلى تزايد عدد الكتل المُنتجة في الشهر (باللون الأحمر)

قوانين القوة والأنماط الهندسية المتكررة (Fractals)

وجود دلالة على علاقة قوة هو أمر مثير للإهتمام جداً

دالة الإنحدار الخطي[ii] هي:  ln(market value) = 3.3 * ln(SF)+14.6

يمكن كتابتها كدالة قانون قوة[iii]: القيمة السوقية = exp(14.6) * SF ^ 3.3

إمكانية إيجاد علاقة قوة ممتدة عبر 8 مضاعفات للسعر وبمعامل تحديد 95% هو أمر يعزز الثقة بالنموذج الإحصائي ويدعم فرضية أن نسبة م:ت هي المحرك الرئيسي لقيمة البيتكوين.

يشير قانون القوة إلى علاقة بين متغيرين بحيث يؤدي تغيير قيمة المتغير الأول إلى تغيير متناسب له في الثاني، بغض النظر عن القيمة الأولية لهذه المتغيرات. بعبارة أخرى، مع كل عملية تنصيف تتضاعف نسبة م:ت للبيتكوين وتزداد قيمته السوقية بعشرة أضعاف، هذه العلاقة ثابتة.

علاقات القوة مثيرة للإهتمام لأنها تكشف عن آلية نظامية لخواص نظام يبدو في ظاهره معقد وعشوائي. أنظر التذييل للاطلاع على بعض أشهر الأمثلة على قانون القوة. عادة ما تكون للأنظمة المعقدة خواص تجعل نسب التغيرات بين الظواهر ثابتة بغض النظر عن حجم تلك الظواهر.

هذا النمط المتكرر يكمن وراء علاقات قانون القوة. نرى هذا الأمر في البيتكوين: فإنهيار الأسعار في أعوام 2011، 2014 و 2018 تبدو كلها متشابهة (-80% في كل مرة) ولكن على مقاييس مختلفة تماماً ($10 و$1000 و $10000)؛ لا يمكنك رؤية هذا الأمر إن لم تستخدم مقياس لوغاريتمي. هذا التشابه الذاتي وثبات نسب التغيير له علاقة بالأنماط الهندسية المتكررة. في الواقع فإن قيمة 3.3 في دالة الإنحدار الخطي أعلاه هي “البعد الكسوري”. للمزيد من المعلومات عن الأنماط الهندسية المتكررة أنظر الدراسة الشهيرة لطول الخطوط الساحلية.[7]

الخلاصة

البيتكوين هو أول ابتكار في التاريخ لسلعة رقمية محدودة الكمية. فالبيتكوين محدود الكمية مثل الذهب أو الفضة، ويمكن إرساله عبر الانترنت أو موجات الراديو والأقمار الصناعية وغيرها.

من المؤكد أن للندرة الرقمية قيمة، ولكن ما مقدار هذه القيمة؟ في هذه المقالة، أستخدم نسبة المخزون إلى التدفق لقياس مقدار الندرة ثم أضع نموذج إحصائي لتقدير قيمة البيتكوين مستنداً لنسبة تدفقه إلى مخزونه.    

هناك علاقة ذات دلالة إحصائية بين نسبة م:ت والقيمة السوقية للبيتكوين، فإحتمال كون العلاقة بينهما محض صُدفةً أو عَرَضًا هو أقرب إلى الصفر.

ومما يزيد الثقة في النموذج:

بالرغم من كونهما أسواق مختلفة تماماً، تتماشى القيمة السوقية للذهب والفضة مع قيمة البيتكوين التي يقدمها النموذج

وهناك مؤشرات على كون العلاقة علاقة قوة (بمعنى أن معامل التغيير ثابت بين نسبة م:ت و بين القيمة، بغض النظر عن حجمهما)

يتنبأ النموذج أن تصل القيمة السوقية للبيتكوين إلى ترليون دولار أمريكي بعد التنصيف المقبل في عام 2020، وهو ما يمثل سعر 55 ألف دولار لعملة البيتكوين الواحدة.

مراجع

[1] https://bitcoin.org/bitcoin.pdf — Satoshi Nakamoto, 2008

[2] https://bitcointalk.org/index.php?topic=583.msg11405#msg11405 — Satoshi Nakamoto, 2010

[3] https://unenumerated.blogspot.com/2005/10/antiques-time-gold-and-bit-gold.html — Nick Szabo, 2008

[4] https://unenumerated.blogspot.com/2005/12/bit-gold.html — Nick Szabo, 2008

[5] The Bitcoin Standard: The Decentralized Alternative to Central Banking — Saifedean Ammous, 2018 – كتاب معيار البيتكوين – د. سيف الدين عموص

[6] https://necsi.edu/power-law

[7] http://fractalfoundation.org/OFC/OFC-10-4.html

[i]  (95% R2, significance of F 2.3E-17, p-Value of slope 2.3E-17)

[ii] The linear regression function: ln(market value) = 3.3 * ln(SF)+14.6

[iii] Power law function: market value = exp(14.6) * SF ^ 3.3

نظرية معلومات المال – Dan Held

نُشرت المقالة الأصلية على موقع البيتكوين تايمز@timelessbitcoin

بإمكانك زيارة موقع الكاتب دان هيلد@DanHeld

الأسعار تعكس المعلومات

في نظام اقتصادي قائم على حرية السوق، تكون الأسعار بمثابة المعرفة والإشارات التي تنقل وترسل المعلومات. فليست الأسعار مجرد أداة ليكسب منها الرأسماليون، بل هي نظام المعلومات الخاص بالإنتاج الاقتصادي الذي ينقل المعلومات عبر العالم ويُنَظّم عمليات الإنتاج المعقدة.”

سيف الدين عموص

تمثل الأسعار القوة المُنسقة في النظام الاقتصادي الحر. يعتمد كل فرد على أسعار السلع والخدمات المختلفة لإتخاذ قراراته، فهذه الأسعار هي خلاصة كل المعلومات بالسوق ممثَّلة في مؤشر واحد. بتعبير اخر، تُركز وتُضغط كل المعلومات المتعلقة بالسلعة فتتجلى في سعرها.

وبدورها، تؤثر كل القرارات الفردية بالبيع والشراء على الأسعار، هذه التأثيرات هي بمثابة معلومات مُحدثة تقوم الأسعار بنقلها إلى الأسواق. ربما قرأتم عن هذا الأمر في “نظرية كفاءة السوق” التي تتحدث عن كيفية إنعكاس المعلومات بالسوق على أسعار أصول مثل الأسهم.

المال هو مسطرة للقياس

يمثل المال مركز المعلومات المركزي للاقتصاد العالمي. بفضل كونه وسيط للتبادل ومخزن للقيمة ووحدة الحساب، يشكل المال وعاء بالغ الأهمية لنقل المعلومات عن حالة الأسواق.

جورج جليدر

ليست الاقتصادات الرأسمالية بأنظمة في حالة توازن، بل هي ميادين نشطة بالتجارب الريادية. ينبغي أن يكون المال معياراً لقياس نتائج هذه التجارب الريادية.

في جوهرها، تتمحور الرأسمالية حول كفاءة تخصيص رأس المال في ظل محدودية الموارد والوقت. تُمثل الشركات تجارب حول التخصيص الأفضل لرؤوس الأموال، والمال هو معيار قياس الكفاءة. فتمثل الأرباح تخصيص فعال لرأس المال، في حين تعكس الخسارة توظيف غير كفؤ لرأس المال. وتؤدي المنافسة إلى تخطيط العديد من الشركات والأفراد بشكل لامركزي بهدف حل مشكلة ما في السوق.

على غرار الطبيعة، تتعلق الرأسمالية بالتجارب.

المعلومات لامركزية

لا يمكن لاقتصاد مُخطط مركزياً منافسة كفاءة وفعالية السوق الحر، يرجع ذلك لمحدودية حجم المعرفة لدى كيان واحد مقارنة بمجموع المعرفة لدى كل أعضاء المجتمع (كتب فريدريش هايك عن هذا الأمر تحت مُسمى “مشكلة المعرفة المحلية”). ومن ثم، فالاقتصاد اللامركزي يتمم الطبيعة الاموزعة للمعرفة في المجتمع. ويمثل إنشاء الشركات محاولة لتوظيف الخبرات والمعرفة الخاصة بالشركة بهدف تقديم سلع وخدمات مدرة للأرباح؛ أي توظيف مناسب لرأس المال.

ولتسليط الضوء على مدى لامركزية المعلومات، سأعرض المثال الذي قدمه ميلتون فريدمان عندما قال: “لا يوجد في العالم من يحيط بكيفية صنع قلم رصاص:

  • جاء الخشب من شجرة
  • تطلب قطع الشجرة إستخدام منشار
  • إستُخدِم الفولاذ في صناعة المنشار، وإستُخرِج الحديد لصنع الفولاذ.
  • آتى الجرافيت من منجم في امريكا الجنوبية.
  • والممحاة المطاطية على الأرجح من منطقة إستوائية.
  • والطلاء الأصفر
  • والصمغ المُمسك بالقلم

لم يكن الأمر بفضل مكتب تخطيط مركزي؛  بل كان التأثير السحري لنظام الأسعار”

البراكسيولوجي. دراسة الإختيار الإنساني وإتخاذ القرار.

تعاني البنوك المركزية من مشكلة بيانات يستحيل حلها:

بحكم طبيعتها، تعاني البنوك المركزية من مشكلة بيانات. فمثل أي نظام معالجة إشارات الكتروني، تُقوِّض عمليات إستيعاب البيانات ومعالجتها واتخاذ القرارات مشكلة عنق زجاجة. فالإقتصاد لا يمكن تخطيطه بواسطة سلطة مركزية، وذلك لإستحالة إلمام سلطة مركزية بكل المعرفة المطلوبة لإتخاذ القرارات المناسبة لمرحلة زمنية ما، ناهيك عن إتخاذ القرارات المناسبة في كل الأزمنة.

هي مشكلة إستغلال المعرفة التي لا يحيط بها فرد أو كيان بمفرده.

فريدريش هايك

سيكون على البنوك المركزية إستيعاب البيانات من ترليونات المصادر يومياً للعمل بكفاءة، سيتطلب الأمر إستيعاب هذه البيانات بشكل كامل، وهذا مستحيل؛ كل رحلة أوبر، كل شطيرة تم شراؤها، كل عملية شراء داخل تطبيقات الهواتف.

نحتاج إلى التصديق بإننا نعيش في عالم يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه، فنلجأ إلى أناس يقطعون وعوداً بتلبية رغباتنا ونصدقهم لمظهرهم الرسمي الواثق.

فيليب تتلوك

وفي سعينا لفهم العالم أنشأنا بنوك مركزية تمنحنا شعور بالأمان لأن هناك من يتولى زمام الأمور. وحتى لو تمكنا من إستيعاب كل المعلومات بالشكل المثالي، فمن الصعب إستنباط علاقات سببية بسيطة لهذا النظام المعقد الذي يضم المليارات من القرارات الفردية. في حين أن تحديد العلاقة بين المناخ والمحاصيل الزراعية قد يبدو كأمر بسيط، كيف نحدد مسببات الطلب على وجبة البوريتو مثلاً؟ الاقتصاد ليس كباقي العلوم، يعرقل فهمنا له الحجم المحدود للعينات أو عدم اكتمالها؛ لا يمكننا إعادة تجربة فقاعة الانترنت الاقتصادية في ظل بنك مركزي أخر أو تحت قيادة رئيس أخر مثلاً.

ويقودنا هذا إلى الكيفية التي تقيس بها البنوك المركزية التأثير الناتج عن سياستها وآلية إتخاذها للقرارات، فكما يقال في عالم الإنتاج “لن تستطيع إدارة أمر ما إن لم تتمكن من قياسه.” من الصعب حتى قياس الكيلوجرام بدقة متناهية، فكيف لنا قياس التضخم؟ (لا تشتمل مؤشرات أسعار المستهلكين على أسعار الغذاء والطاقة على سبيل المثال!)

وبما أن الأحداث الكبيرة تقع بصورة غير متوقعة، فضرر التوقعات قد يكون أكثر من نفعها، لأنها تُعطينا إحساس زائف بالقدرة على التكهن بعالم تسيطر الأحداث الغير مُتوقعة على مجريات أموره (المعروفة أيضاً بأسم أحداث البجعة السوداء). كما يقول كارل ريتشاردس “المخاطرة هي ما يتبقى بعد التفكير في كل الإحتمالات“. يستعرض الكاتب دانيال كانمان أيضاً مخاطر إستخدام التاريخ كمرشد لنا:

النظر إلى الوراء وتفسير الأحداث بعد وقوعها يمنحنا وهم أن العالم مفهوم. نشعر بأننا نستوعب مجريات الأمور، حتى ولو كان هذا غير صحيح. وهذا أمرٌ خطير يتسبب في إرتكاب الكثير من الأخطاء في مجالات عدة.

وإليكم تشبيه مفيد: في جوهرها، قيادة البنك الفيدرالي للاقتصاد هي أشبه بقيادته لسيارة في يوم ضبابي، مستخدماً فقط المرآة الخلفية، والزجاج الأمامي معتم (لأن المستقبل مجهول). فكيف للبنك الفيدرالي توجيه السيارة بأي قدر من الدقة؟ ماذا لو تركنا السيارة تتأقلم لظروف الطريق؟

لا يمكن تفسير التاريخ دون مساعدة الخيال والحدس، فالكم الهائل من الدلائل التاريخية تجعل إنتقاء بعضها على حساب بعض أمر لا مفر منه.

ما البديل إذاً؟

النقد السليم

النقد السليم هو مماثل للنزاهة العلمية، بمعنى أن النظام لا يسمح بتعديل البيانات بعد إجراء التجربة.

آدم تاشيه

يُبقي النقد السليم طول مسطرة القياس ثابتاً، بحيث يمنع آليات التخطيط المركزي من تعديل البيانات بعد جمعها.

ويمثل البيتكوين الإصدار المثالي للنقد. وهناك عدة أسباب لجعل عدد عملاته محدود: فهو يُجسد مسطرة قياس دقيقة وثابتة، ويحد من الهجمات السياسية عليه، كما أنه يشجع فقاعات المضاربة والتي من شأنها تغذية نموه وانتشاره.

ولكن لماذا فُرض الحد الأقصى لعدد العملات عند 21 مليون عملة؟ لم ليس 100 مليون؟

الحقيقة أن هذا ليس مهماً، فما يهم هو ثبات وحدة القياس وليس طول أداة القياس. ومع التقدم والتوسع الاقتصادي دون وجود وحدة ثابتة لقياس القيمة، يجد الأفراد صعوبة متزايدة في إتخاذ القرارات وتقييم الأشياء.

أما بخصوص الحد من الهجمات السياسية، كان رأي ساتوشي أنه من المستحيل تحديد معدل التضخم “الصحيح”، فقرر إستبعاد التدخل البشري من العملية برمتها. نجد مقولتان لساتوشي تدعمان هذا الإستنتاج:

بالتأكيد ليس هناك من يمكنه لعب دور البنك المركزي أو دور الإحتياطي الفيدرالي لتعديل العرض النقدي مع نمو عدد مستخدمي الشبكة، فأنا لا أعلم كيف لبرنامج حاسوبي أن يُقيِّم الأشياء في العالم الواقعي، لذا فالأمر يتطلب الثقة في طرف بشري لتقييم نمو العرض النقدي

يقول ساتوشي أيضاً:

ولو كانت هناك طريقة ذكية أو إن أردنا الثقة في شخص ما لإدارة العرض النقدي أو ربطه بسلعة ما، كان بالإمكان برمجة قوانين الشبكة للقيام بذلك.

وأخيراً، أفترض ساتوشي أنه من شأن تثبيت عدد عملات البيتكوين خلق فقاعات مضاربة.

“ستزيد قيمة العملة مع نمو عدد المستخدمين. هذه الخاصية لديها القدرة على خلق دوامة ذاتية التغذية؛ يزداد عدد المستخدمين، فترتفع القيمة، مما يجذب مستخدمين جدد للإستفادة من القيمة المتزايدة.”

آثار استخدام أموال سليمة:

يعكس سعر البيتكوين مستوى مخاطرة أطراف السوق، فيرتفع السعر مع عزوف المستثمرين عن المخاطرة وتفضيل الإحتفاظ برأس المال؛ وينخفض السعر مع تفضيلهم للإستثمار عن الإحتفاظ برأس المال.

البيتكوين هو الملاذ الأكثر أماناً. ومع تزايد أعداد المؤمنين بالبيتكوين كملاذ آمن، يصبح البيتكوين هو الخيار الواقعي الخالي من المخاطر.

على المدى الطويل، وبعد تبَنَّى البيتكوين بشكل واسع ولعبه لأدوار مخزن القيمة ووسيط المعاملات ووحدة الحساب، سيعكس البيتكوين النسبة الأكثر دقة للعوائد على الإستثمار “الخالي من المخاطر”. هذا الأمر سيسمح لكل أعضاء المجتمع، أفراداً أو مؤسسات، بإتخاذ القرارات بشأن ما يرونه إستثمار جيد لرأس المال، وستنعكس تنائج هذه القرارات في سعر عملة البيتكوين.

وآخيراً، عندما يصبح البيتكوين وحدة الحساب الرئيسية المُستخدمة في كل الأعمال، فسيتمكن أطراف السوق من استخدام عناوين بيتكوين مُعلن عنها، مما يتيح رؤية مدفوعات الموردين والزبائن بصورة حية وبشكل شفاف على سجل معاملات البيتكوين. هذه الشفافية تجعل الأسواق فائقة الكفاءة بفضل المعالجة الفعّالة للمعلومات.

يعيد البيتكوين هيكلة كيفية تخصيص رأس المال بكفاءة في الاقتصاد، وفي نهاية المطاف، يخلق البيتكوين عالم أكثر رخاءً وأوفر موارداً لنا جميعاً.

البيتكوين حق أساسي من حقوق الانسان – Nik Bhatia

اقرأ المقال الأصلي | تابع الكاتب على تويتر
ادعم المزيد من التراجم – Support more translations

لدي بعض الأخبار المزعجة للمشككين والمعارضين والزاعمين أن البيتكوين في عداد الموتى: لقد تعافى البيتكوين من إنهيار آخر في سعره زُعم أنه كارثي. مضي الآن على إنشاء البيتكوين عشر سنوات، ارتقى فيها من رؤيته كأموال مخدرات رقمية مشبوهة إلى إعتباره فئة من الأصول ووسيلة إدخار مستقلة وكاملة. المشكلة مع البيتكوين هي صعوبة استيعابه. تطلب مني الأمر شهور لفهمه جزئياً، فهو متعدد الجوانب والأبعاد بحيث لا يمكن إلا لشخص نادر إدّعاء الإلمام به بشكل كامل.

حاولت تلخيص ثلاث سنوات من الدراسة والتعلم في مجموعة من التشبيهات لتسهيل الأمر على من يخطوا خطوته الأولى بفضول إلى عالم البيتكوين. تخاطب هذه المقالة من لم يسبق له امتلاك أو استخدام البيتكوين من قبل، أحاول فيها الإجابة على التساؤلات العابرة للملايين منهم مثل: ما هو البيتكوين تحديداً؟ البيتكوين مال، البيتكوين إستيلاء على الأراضي، البيتكوين لعبة، يعمل البيتكوين كالبريد الإلكتروني. وأخيراً وليس آخراً، البيتكوين حق إنساني. لو تمكنت من فهم هذه التعريفات الخمسة، فأنا واثق بأنه لن يستغرق الامر الكثير من الوقت لتنضم لصفوف مالكي البيتكوين. ولا تنسى، يمكنك شراء جزء من عملة بيتكوين!

البيتكوين مال:

بالرغم من تقلبات الأسعار الفريدة للبيتكوين على مدى عمره القصير، إلا أنه أظهر بوضوح ملاءمته للعب دور النقد حول العالم. ربما لن تتمكن بعد من استخدامه لشراء منزل أو سيارة أو وجبة غذاء أينما ذهبت، لكن يمكنك شراء السلعة الأكثر فائدة على الإطلاق: الدولار الأمريكي. تزدهر أسواق قوية حول العالم لتبادل البيتكوين مقابل الدولار واليورو وبطاقات هدايا موقع أمازون. إن كان لديك عملة ذهبية، فربما لن تمكنك شراء وجبة عشاء، لكن بالتأكيد ستجد من يبادلها بالدولار. يعمل البيتكوين على نحو مماثل. يمتلك عدة ملايين من الأشخاص حول العالم البيتكوين بالفعل لتخزين ثرواتهم. هؤلاء هم السبَّاقون، أوائل من أعتمد البيتكوين كشكل جديد من المال.

البيتكوين إستيلاء على الأراضي:

يوجد فقط 57 مليون ميل مربع من الأراضي على سطح كوكبنا. بالمثل، لن يكون هناك سوى 21 مليون عملة بيتكوين. قال الكاتب ورائد الأعمال (مارك توين) ذات مرة: “قم بشراء الأراضي، فهم لن يصنعوا المزيد منها”، ويجب التفكير بالبيتكوين بالطريقة ذاتها. البيتكوين محدود الكمية، تماماً مثل مساحة الأراضي على سطح الكوكب. سيستمر إرتفاع سعر أراضي البيتكوين، وستزداد صعوبة إيجاد المزيد منها مع إنتقال المزيد من الناس من عالم الجنيه الإسترليني والين الياباني والدولار الأمريكي إلى عالم البيتكوين. سيواجه من لا يملك البيتكوين في المستقبل عواقب الاضطرار إلى إقتراضه في سبيل استخدامه، على غرار حاجة من لا يملك عقار لإستجار مسكن. سيستمر الإستيلاء على أراضي البيتكوين بسبب إدراك الناس والشركات والحكومات لتداعيات كونهم مستأجرين بدلاً من مالكين بيتكوين. أرتفع سعر البيتكوين بسبب تعامل الناس معه كأنه عقار مميز. ستصعب الملكية وترتفع كلفتها أكثر مع زيادة إزدحام عالم البيتكوين.

البيتكوين لعبة:

ولكن كيف يعمل البيتكوين؟ لو لم تدعمه حكومة، فمن يسيطر عليه؟ يمكن الإجابة على هذه الأسئلة عبر تشبيه البيتكوين باللعبة. لكل لعبة قواعد يجب على اللاعبين إتباعها. وُضعت قواعد عام 2009 و يقوم الاف اللاعبين بإنفاذها كل عشر دقائق في المتوسط (هذه واحدة من القواعد). أثبتت قوانين البيتكوين المتعلقة بصك العملة ونقل القيمة أنها ثابتة وموثوقة للغاية، الأمر الذي يشجع المزيد من الناس على الانضمام إلى اللعبة. بإمكانك اللعب عبر تنزيل برنامج على جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الخاص بك. لن يُطلب منك فهم كل قوانين البيتكوين اليوم، لكن ينبغي عليك فهم أن هناك قوانين، تماماً مثل أي رياضة أو لعبة.

يعمل البيتكوين كالبريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني شيء يستخدمه الجميع. قد لا تفهم علوم الكومبيوتر المبني عليها عمله، ولكن إرسال واستقبال بريد إلكتروني هو مفهوم بسيط ومفهوم عالمياً. يمكن مشاركة عناوين البريد الإلكتروني مع أي شخص، لكن يمكن فقط لحامل كلمة السر فتح صندوق البريد. يعمل البيتكوين بطريقة مشابهة. يمكنك مشاركة عنوانك العام مع من تشاء ليرسل لك أموال، ولكن يمكنك فقط إنفاقها بإستخدام كلمة السر، والتي تدعى المفتاح الخاص. تُوجه الإنتقادات للبيتكوين لكونه صعب الاستخدام، ولكن الواقع أن الناس لم يعتادوا إستخادمه بعد. في المستقبل القريب، سينتشر فهم وإستخدام البيتكوين على نطاق واسع ليصبح مثل إستخدام البريد الإلكتروني: إرسال و استقبال.

البيتكوين حق إنساني:

إستخدام البيتكوين لشراء قهوة في كاليفورنيا ليس عملاً ثورياً، لكن إستخدامه في فنزويلا لشراء طعام للبقاء على قيد الحياة هو العمل الثوري. تُمكّن وسيلة إدخار كالبيتكوين كل الأشخاص حول العالم من الإحتفاظ بأموالهم وحمايتها من الرقابة والمُصادرة من حكومات فاسدة. البيتكوين شكل جديد من المال، للناس الحق في إختياره بملئ إرادتهم. في يومنا هذا، يستطيع مليارات البشر إرسال واستقبال المعلومات عبر شبكة الانترنت. في المستقبل، سيتمكن مليارات البشر من إرسال واستقبال القيمة عبر شبكة البيتكوين. الحق في إستخدام كلا الشبكتين هو حق إنساني: إن كان التواصل عبر الانترنت هو حرية التعبير، فالبيتكوين هو أموال التعبير بحرية.

Tagged : / / / / /