من داخل ثورة البيتكوين في كوبا

المقالة الأصلية | المؤلف: Alex Gladstein | ترجمة:  مجتبى شنان | مراجعة: The BTC Translator | تاريخ الكتابة: أغسطس 2021

كما أظهرت المظاهرات السياسية للعالم أن الكوبيين قد سئموا من الديكتاتورية، فإن البيتكوين يقدم خيارًا للاحتجاج السلمي والانسحاب من نظام محطم.

لوسيا (Lucia) عاملة طبية تبلغ من العمر 30 عامًا ومستخدمة بيتكوين تعيش في ماتانساس، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي 150 ألف نسمة وتقع على بعد نحو 50 ميلاً شرق هافانا على الساحل الشمالي لكوبا.  سميت تيمنا بتمرد السكان الأصليين ضد المستعمرين الإسبان، وكلمة «ماتانساس» تترجم حرفياً إلى «الذبح».  تحولت المستوطنة فيما بعد إلى بؤرة للعبودية ومزارع السكر من القرن التاسع عشر. اليوم، مثل جميع المدن الكوبية، هي نقطة انفجار الأزمة المالية والإنسانية.

يعاني الشعب الكوبي معاناةً اقتصادية هي الأشد، منذ أوائل التسعينيات، عندما انهار الاتحاد السوفيتي وفقد النظام شريان الحياة الرئيس. في ذلك الوقت، قال الدكتاتور فيدل كاسترو (Fidel Castro) للمواطنين إنهم بحاجة إلى الاتحاد معًا من أجل اجتياز «فترة خاصة».  تميزت تلك الفترة بنقص الغذاء، وانقطاع للتيار الكهربائي، وفرار الآلاف إلى فلوريدا على قوارب محفوفة بالمخاطر، وانخفاض مذهل في قيمة البيزو المرتبط بالروبل السوفيتي.  بين عامي 1991 و 1994 تقلص الاقتصاد الكوبي بنسبة 35٪ وتدهورت نوعية الحياة تدهورًا كبيرًا.

بلغت التوترات ذروتها في صيف عام 1994، عندما اندلعت مظاهرات مناهضة للحكومة عرفت باسم انتفاضة ماليكونازو (Maleconazo) في هافانا.  بدون الدعم السوفيتي، أخفق نظام الحصص الحكومي في دعم المواطنين، وأصبحت السلع المهمة فجأة متاحة فقط للشراء بالدولار، وأصبحت تكلفة الحصول عليها تزداد بالنسبة للكوبيين الذين يتقاضون أجورهم ومعاشاتهم التقاعدية بالبيزو.  في خطوة يائسة، انتهك النظام فلسفته الجماعية التأسيسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المسبوقة على السكان. رداً على ذلك، تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين عند واجهة ماليكون البحرية، مطالبين بإسقاط الحكومة.

لم يكن الإنترنت وقتها موجودًا، لذلك كان النظام قادرًا على قمع الحركة من خلال وحشية الشرطة مع ضمان أن معظم الكوبيين بالكاد يعرفون أن شيئًا قد حدث. وأشار التلفزيون والراديو الحكوميان بإيجاز إلى تجمع صغير للجانحين ومثيري الشغب.  لكن في الواقع، كان تجمع ماليكونازو عرضًا مذهلاً للمعارضة، وهو التجمع الأكبر للمعارضة في الجزيرة منذ اندلاع الثورة.

إن سقوط النظام المالي يهدد بسقوط النظام السياسي.

أولا – التطهير المالي

اليوم، تتحدث لوسيا وآخرون من كوبا عن حقبة خاصة جديدة.  نتجت من إصلاح العملة والإحباط الاجتماعي الناجم عن عقود من القمع والبيروقراطية، فقد عاد النقص وانقطاع التيار الكهربائي والتضخم الشديد والاحتجاجات.

الاختلاف الكبير اليوم هو أن الجميع يعرف ما يحدث بسبب انتشار الهواتف المحمولة وسهولة الوصول إلى الإنترنت. في الشهر الماضي، في 11 تموز (يوليو)، اندلعت أكبر سلسلة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ ثورة 1959، ليس فقط في هافانا ولكن في المدن في جميع أنحاء كوبا.

من تجربة شخصية مع النظام الطبي، أخبرتني لوسيا أن شبكة الدعم البشري في كوبا تنهار. وأن الوباء اجتاح المستشفيات في ماتانساس وأن الجثث قد تكدست في الشوارع.  وقالت بأن الجو حار بشكل لا يصدق والمواطنين في كوبا يقضون ساعات طويلة في اليوم بدون كهرباء.  الغذاء – وخاصة اللحم البقري والأسماك والدجاج والبيض- نادر بل ومن المستحيل العثور عليه. أدت اللوائح الأمريكية الجديدة، التي أقرها الرئيس ترامب مباشرة قبل تركه لمنصبه، إلى عزل الكوبيين مالياً عن عائلاتهم في الولايات المتحدة.

قالت لوسيا: «من الصعب الحصول على الطعام، ومن الصعب الحصول على الأدوية، ومن الصعب الحصول على لوازم الحمام، وشبكة الكهرباء معطلة، والوباء في ذروته، وآلاف من كبار السن يموتون، ونظام الرعاية الصحية ينهار، وليس لدينا أكسجين أو مراوح»، تقول مواصلة حديثها: «كان هذا أمرا لا يطاق، هذا ما أخرج الناس إلى الشوارع».

أخبرتني لوسيا بأن أصل إخفاقات الدولة والاحتجاجات غير المسبوقة هو أزمة المال.

في يناير، أجرى الحزب الشيوعي الكوبي ما سمّاه «التطهير النقدي». منذ عام 1994، أصدرت الحكومة نوعين من العملات: البيزو الكوبي (CUP) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 24: 1 – والبيزو الكوبي التحويلي (CUC) – مرتبطا بالدولار عند نسبة 1: 1.

كانت رواتب ومعاشات القطاع العام تُدفع دائمًا بالبيزو، ولكن لسنوات، كان المواطنون بحاجة إلى الحصول على البيزو التحويلي (CUC) لشراء المواد الأساسية مثل الأدوية وأي طعام يتجاوز الأساسيات والملابس ومستلزمات التنظيف والإلكترونيات. صمم النظام هذا التطهير لامتصاص القيمة من السكان، حيث يبيع الببزو القابل للتحويل مقابل 25 بيزو في مصارف الدولة والتي تسمى بالكاديكا (cadeca) بينما يشتريها فقط مقابل 24 بيزو. كان النظام يعلم أنه يتعين عليه الاستمرار في طباعة وتضخيم البيزو من أجل التوظيف في الاقتصاد المخطط مركزياً، حتى مع انهيار قطاعي الزراعي والصناعي. لقد أعطاه نظام العملة المزدوجة شريان حياة، أدى هذا الأمر الي الدفع بالقوة الشرائية للنخب والمتصلين بالنظام.

وصفت لوسيا مخرجات نظام العملة المزدوج بأنه يخلق حقيقة حيث يمكنها شراء فنجان من القهوة أو ركوب حافلة أو حتى وجبة صغيرة بسعر رخيص للغاية بالبيزو، لكن زوجًا من الأحذية أو خطة الهاتف، بسعر البيزو التحويلي، قد تكلف راتب شهر كامل. وضع هذا عمال الدولة – ومنهم المدرسون وضباط الشرطة والعاملين في المجال الطبي مثلها – في وضع اقتصادي شديد الحرمان مقارنة بأي شخص يتعامل مع صناعة السياحة، مثل النوادل أو سائقي سيارات الأجرة.

في مفارقة مأساوية، كان العمال غير المهرة في كثير من الأحيان أفضل حالًا ماليًا من المتعلمين تعليماً عالياً، وكثير منهم تركوا وظائفهم لتنظيف الطاولات أو اصطحاب الأشخاص من المطار للوصول إلى اقتصاد البيزو التحويلي. أدى نظام العملة المزدوجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عدم المساواة، وخلق فئات واضحة من الذين يملكون والذين لا يملكون. بالنسبة للعديد من الأشخاص مثل لوسيا، هذا الأمر بالتحديد -أكثر من أي شيء آخر- أوضح بأن الثورة كانت مجرد خدعة.

فر أكثر من 1.5 مليون كوبي من ديارهم منذ أن استولى فيدل كاسترو وقواته على هافانا عام 1959، وانتهى الأمر بالعديد منهم في الولايات المتحدة.  في الستينيات، أثار كاسترو ورفاقه هروب البشر ورأس المال من خلال فرض اقتصاد شيوعي مخطط في كوبا، وتأميم الشركات، ومصادرة الأراضي وتقليص دور القطاع الخاص عمليًا إلى الصفر.

لا يزال العديد من الأمريكيين الكوبيين لديهم عائلات في الجزيرة ويجد هؤلاء طرقًا لإرسال الدولارات إلى عائلاتهم في كوبا.  وتشير التقديرات إلى أنه يتم تحويل ما يصل إلى 3 مليارات دولار إلى كوبا كل عام. من أجل تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي، كان على المرء أن يدفع رسومًا بنسبة 10٪، كحد أدنى، لصالح الدولة. تم تصميم النظام لامتصاص العملات الأجنبية الصعبة وتزويد الكوبيين بـ«دولارات مزيفة» أو حتى بيزو أسوأ.

تنازل فيدل كاسترو عن السيطرة لأخيه راؤول (Raúl) في عام 2006، ومنذ ذلك الحين، قام النظام بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الفاترة للبقاء على قيد الحياة. كما كتب أنتوني دي بالما (Anthony DePalma) في كتابه للتاريخ الحديث، «الكوبيون»، فإن الحكومة الشيوعية كانت تتلاعب بالرأسمالية «كما يلعب النمر مع فريسته: يستغلّها قليلاً لوهلة من الزمن، ثم يخرج الحياة منها في اليوم التالي. حث المسؤولون الاشتراكيون الرأسماليين الكوبيين المحتملين على المضي قدمًا وفتح أعمالهم الصغيرة، ثم وضعوا طبقات من اللوائح المرهقة للحد من ربحهم وإعاقة نجاحهم.  لم يكن هدفهم الحقيقي انتشال الملايين من براثن الفقر. ولكن منع أي شخص من جني الملايين».

ابتداءً من عام 2011، تحدث راؤول علنًا عن الحاجة إلى التوحيد النقدي، لكنه حكم لمدة سبع سنوات أخرى دون اتخاذ أي إجراء. يمكن تلخيص الكارثة الاقتصادية الكوبية التي ترأسها في إحصائية واحدة: اعتبارًا من عام 2015، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكوبا هو نفسه تقريبًا كما كان في عام 1985، على الرغم من وجود إمكانات اقتصادية أعلى بكثير مع زيادة السكان بنسبة 13 ٪.

في عام 2018، تولى البيروقراطي الشيوعي المتمرس ميغيل دياز كانيل (Díaz-Canel) الرئاسة الكوبية، منهيا ما يقرب من 60 عامًا من استبداد عائلة كاسترو. مثل راؤول، أشرف دياز كانيل على التغييرات التي حدثت في الاقتصاد المخطط – مثل التسريح الجماعي للعاملين في الدولة والسماح للشركات الصغيرة بالعمل بشكل خاص – لكنه استمر في تقليد عبارات فيدل الحماسية في خطاباته: “Patrio o muerte!  ¡Socialismo o muerte!  ¡Venceremos! “(«الوطن أو الموت! الاشتراكية أو الموت!  سوف ننتصر!»)

كما كتب دي بالما: «مات فيدل وتشي. قبر راؤول يحمل اسمه بالفعل، والرئيس الجديد مجهول في جميع أنحاء العالم مثل زعيم أي بلد صغير. لا تعني أساطير الثورة سوى القليل جدًا للشباب الكوبي، الذين يرون – بوشومهم، وهواتفهم الذكية، وفلسفتهم العدمية الغليظة – بأن الرجال القدامى القادمين من جبال سييرا بعيدون تمامًا عن واقعهم.  المساعدات الخارجية التي اعتمدت عليها كوبا لفترة طويلة – أولاً من الاتحاد السوفيتي السابق، ثم من فنزويلا، بالإضافة إلى الدول المتعاطفة معها حول العالم – قد جفت، وعلى حد قول رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher)، فقد نفدت كوبا من أموال مواطنيها. في أسفل كل وصفة طبية، يطبع الآن السطر التالي: الرعاية الصحية في كوبا مجانية، ولكنها تكلف أموالا».

توافق لوسيا، وتقول إن الثورة قد نفد زخمها. الرئيس الجديد دياز كانيل ليس فيدل، ولا يمكنه إخماد الاحتجاجات بجاذبية شخصية أو بشرطة سرية تعمل في عالم بلا إنترنت. لقد أُجبر على الفعل، و «التطهير النقدي» هو أحد تلك الأفعال.

اعتبارًا من 1 يناير 2021، تم إلغاء البيزو التحويلي رسميًا.  مُنح الكوبيون ستة أشهر لاستبدال عملة البيزو التحويلي مقابل البيزو بسعر الصرف الرسمي. يشكل هذا الأمر سرقة زمنية ضخمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الكوبيين عملوا بجد للحصول على البيزو التحويلي، والآن يتم تصفيتهم عملاتهم المرتبطة بالدولار في مقابل كميات ضئيلة من عملة آخذة في الانخفاض بسرعة. حتى قبل شهر يناير، كان يتم تداول البيزو بخصم 15٪ على الدولار.

خلال الأشهر الثمانية الماضية، تسبب الإصلاح النقدي في انخفاض هائل في قيمة البيزو. فقد الكوبيون ما يقرب من ثلثي قوتهم الشرائية منذ نهاية عام 2020، حيث انتقل سعر الدولار الواحد من السعر الرسمي البالغ 24 بيزو إلى سعر يصل إلى 70 بيزو في السوق السوداء.

بلغ متوسط ​​الراتب الكوبي السنوي الرسمي في عام 2018 نحو 9300 بيزو، أو حوالي 372 دولارًا.  أخبرتني لوسيا أن رطلًا واحدًا من الأرز كلفها العام الماضي 6 أو 7 بيزو، لكن اليوم، أصبح أكثر من 50 بيزو. كان سعر كيلوغرامين من الدجاج 60 بيزو، لكنهما الآن يكلفان أكثر من 500. غالبًا ما يقول الاقتصاديون إن التضخم ليس مشكلة طالما أن الأجور ترتفع في نفس الوقت، لكن الأجور بالكاد تتزحزح، بل قد انخفضت بالمقارنة مع الدولار.

مددت الحكومة النافذة للكوبيين لاسترداد البيزو التحويلي لبضعة أشهر أخرى، ولكن تبخر استخدامها، حيث تم استبدال العملة بشكل أساسي بـ MLC، والتي تعني moneda libremente convertible قابلة للتحويل أو «عملة قابلة للتحويل بحرية».

قُدّم هذا النظام في عام 2019 كنظام نقدي مستقبلي للجزيرة، يعمل ال MLC مثل بطاقة هدايا قابلة لإعادة الاستخدام.  توجد بطاقة MLC بلاستيكية يمكن للمرء الحصول عليها من البنك، وتطبيقان مختلفان يمكن تنزيلهما على الهاتف المحمول.  لا توجد عملات ورقية أو عملات معدنية من MLC أو طرق لكسب الفائدة. عمليا توضح هذه البطاقات المواطنين الذين يقدمون معلومات حساباتهم إلى جهات الاتصال في الخارج، الذين يرسلون العملات الصعبة، والتي يصادرها النظام ويستبدلها بائتمان ال MLC للكوبيين لإنفاقها في المتاجر التي تديرها الحكومة.

في تطور هزلي قاسٍ، لا يمكن للكوبيين – الذين لم يزل كثير منهم يتقاضون رواتبهم أو يتقاعدون من البيزو – شراء MLC بالبيزو. الطريقة الوحيدة «لتعبئة» حساب MLC الخاص بك رسميًا هي بالعملة الصعبة الأجنبية. يجب أن يكون لديك عائلة أو جهات اتصال في الخارج ترسل الأموال إلى حسابك. في البداية، يمكن أن يتم ذلك بالدولار، ولكن بعد أن اتخذت إدارة ترامب إجراءات صارمة ضد التحويلات المالية إلى كوبا في أعقاب فضيحة مرض فيها الدبلوماسيون الأمريكيون بعد تعرضهم على ما يبدو لأسلحة صوتية، فقد انتهى هذا الخيار، لذا فإن MLC أصبحت الآن بشكل أساسي تولد من الجنيهات واليورو والدولار الكندي.

بهذه العملة السهلة التحويل، تمكّن النظام الكوبي فعليًّا من طباعة البيزو للحصول على العملة الصعبة. لقد سحب للبساط من تحت أقدام الكوبيين، ليكون سببًا رئيسًا للاحتجاجات التاريخية اليوم.

قالت لوسيا إن الخط الرسمي للحكومة هو أن نظام الـ MLC ضروري للدولة لجذب العملة الصعبة حتى تتمكن الدولة من شراء الأشياء في السوق الدولية، للحفاظ على استمرار النظام وإطعام الناس – وهو اعتراف مذهل بفشل الثورة.

ثانيًا اكتشاف الحرية بالبيتكوين

قابلتُ لوسيا على تليغرام (Telegram)، من خلال صديق مشترك يدير مجموعة دردشة البيتكوين في أمريكا اللاتينية. منذ ثمانية عشر شهرًا بدأت في شراء البيتكوين براتبها الحكومي. إنها تستخدم مجموعات التليغرام للعثور على أشخاص يرغبون في بيع البيتكوين مقابل MLC أو البيزو.  تقوم بالمعاملات بشكل شخصي – في مقهى، على سبيل المثال – حيث ترسل MLC من حساب الهاتف المحمول الخاص بها إلى البائع، أو تقوم بتسليم أوراق نقدية من البيزو مختومة بوجوه شخصيات ثورية مثل تشي جيفارا (Che Guevara) مقابل تحويل عملة البيتكوين إلى محفظة غرين (Green wallet) التابعة لشركة (Blockstream) على هاتفها.

منذ أن بدأت لوسيا «تكديس الساتوشيّات» (أي الادخار بالبيتكوين)، نمت ثمار عملها نموًّا كبيرًا وزادت قوتها الشرائية زيادة كبيرة. منذ ربيع عام 2020، ارتفع سعر البيتكوين من أقل من 5000 دولار إلى أكثر من 40 ألف دولار. لو احتفظت لوسيا بمدخراتها بالبيزو، لفقدت كل شيء تقريبًا.  لقد غيرت عملة البيتكوين حياتها وأنقذتها.

أخبرتني لوسيا أنها ليست عبقرية في التكنولوجيا.  في البداية، لم تكن تعتقد أن البيتكوين ستكون مناسبة لها (قالت «لا أحب الرياضيات») ولكن في أوائل عام 2020، بدأت في مشاهدة قناة روسيا اليوم (RT) لبضع ساعات كل ثلاثاء وخميس وسبت.  نظرًا لأنها دعاية روسية موثوقة، يبث النظام الكوبي قناة RT (المعروفة سابقًا باسم “روسيا اليوم”) على التلفزيون الحكومي.  ومع ذلك، يُطلق على أحد العروض على RT اسم «تقرير كايزر» (من إنتاج ماكس كايزر (Max Keizer) وستايسي هيربرت (Stacy Herbert)) وكان ينصح باستخدام البيتكوين.  يُسمح على الأرجح ببث البرنامج لأن لهجته انتقادية جدًا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، كان هذا العرض مثل حصان طروادة نوعا ما، حيث وصل إلى عدد كبير من الكوبيين والفنزويليين من خلال برامج الدولة وأدخلهم في اقتصاد البيتكوين الجديد.  ومن المفارقات بالنسبة إلى لوسيا، أن دعاية الدولة الاشتراكية هي التي أوضحت لها كيفية الحصول على الحرية الشخصية، وليس مئات الملايين من الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة على الترويج للديمقراطية في كوبا منذ التسعينيات.

مفتونة بما سمعته في «تقرير كايزر» حول شكل جديد من النقود الرقمية، بدأت لوسيا في البحث عن البيتكوين. وانضمت في النهاية إلى مجموعة تليغرام – باللغة الإنجليزية أولاً ثم بالإسبانية – مليئة بأمريكيين لاتينيين آخرين يتابعون العرض.  أعطتها هذه المجتمعات تعليماً كاملاً حول كيفية استخدام البيتكوين.

قالت لوسيا: «لقد علموني كيف يمكنني أن أكون بنك نفسي».

من خلال إحدى المحادثات ذات يوم، اكتشفت لوسيا أن إحدى صديقاتها كانت تستخدم البيتكوين أيضًا، وبدأتا تتحدثان عنه بشكل منتظم. انضمت لوسيا أيضًا إلى العديد من مجموعات البيتكوين التي تركز على كوبا على منصة التليغرام، وواصلت توسيع معرفتها. اشترت من البيتكوين بقيمة 10 دولارات أمريكية ثم أرسلتها إلى صديق في الخارج، وقد اندهش الاثنان معًا من عدم اضطرارهما لاستخدام أيٍّ من البنوك أو تقديم أي هوية أو استخدام النظام الرسمي بأي شكل من الأشكال.  حتى العملة نفسها، كما أدركوا، لم تنتجها دولة أو شركة، بل مجتمع في الإنترنت. لم يعرفوا حتى من الذي أنشأ البيتكوين، ولا يبدو أن الأمر مهم بالنسبة لهم.

قالت لي: «هذا أمر خارق». ثم أتبعت: «ما هي الأوراق التي كان عليّ تعبئتها؟  لا شيء على الاطلاق».

أخبرتني لوسيا أن العديد من الأشخاص يتلقون عملة البيتكوين من الخارج ثم يحولونها إلى MLC أو البيزو لشراء الطعام أو الإمدادات. في حالتها، تستخدمه للاستثمار من أجل مستقبلها.  تسميها «احتياطيها الشخصية» وأفضل خيار لتوفير المال.

قالت لوسيا إن الحظر الأمريكي لا يزال مؤلمًا جدًا للكوبيين.

قالت: «سينكر الكثير من الناس هذه الحقيقة، لكن لم يعد بإمكاننا شراء بطاقات ال MLC بالدولار. ليس لدينا وسيلة للوصول إلى التطبيقات المالية الأمريكية. تواجه عائلاتنا في الولايات المتحدة صعوبة بالغة في إرسال الدولارات إلينا».

قالت: «البيتكوين يساعد في تخفيف الألم».

ترى لوسيا في البيتكوين بديلًا من نظام الدولار.

قالت لي: «إذا كنّا أحرارًا من الدولار، فنحن أحرار».

أظهر العديد من الكوبيين الذين تحدثت إليهم من أجل هذه القصة روحًا وطنية مماثلة، على الرغم من خيانة الثورة.

قالت لوسيا، «إن الحظر يضع حكومتنا في مواجهة الجدار»، مجادلة بأن البيتكوين يمكن أن تمنح الاستقلال ليس فقط لأشخاص مثلها على المستوى الفردي، ولكن للمجتمع الكوبي ككل.

تقول لوسيا إنها دخلت حياتها البيتكوينية الجديدة بفعل الفضول.

«الفضول هو ما يحرك الناس. هذا ما دفعني لأن أصبح عاملة طبية». تواصل قائلة: «إنه يحيي كل البشر».

يدفعها هذا الفضول الآن إلى التعرف على البيتكوين ونشره للآخرين.

قالت: «لدى الناس الكثير من الأسئلة. من الذي يصنعه؟ كيف يعمل؟ من أين تحصل عليه؟ من الجيد الاستفادة من هذه اللحظات التي يمكن التعليم فيها».

أخبرتني أنها تقوم الآن شخصيًا بتعليم الآخرين في ماتانساس وفي دوائرها الاجتماعية الأوسع حول كيفية استخدام البيتكوين.

لكن التعلم صعب. وقالت إنه بسبب اليأس، سقط الكثير من الكوبيين في المخططات الهرمية والتسويق الشبكي. وقالت إن الدولة تخلط بين البيتكوين وتلك المخططات، لذلك يخشى الناس عمومًا من التورط. قالت إنه من الصعب التعرف على البيتكوين.  إنه لا يشبه أي شيء رآه الناس من قبل. من الصعب تصديق قدراته.  إن استخدامه بشكل صحيح يستغرق وقتًا وبحثًا.

قالت: «الاعتماد يحدث، لكن الأمر سيستغرق وقتًا».

اختتمت لوسيا حديثنا بإخباري بمدى أهمية استخدام المرأة الكوبية للبيتكوين، قائلة إنه «من الضروري أن تتعلم النساء تأكيد حريتهن المالية». وقالت إنه على الرغم من أن المجتمع الكوبي قد يكون متقدمًا نسبيًا في مجال حقوق المرأة، إلا أنه لا تزال هناك ثقافة أوسع من التحيز الجنسي وكراهية النساء. وقالت إنه حتى في هذا السياق، فإن معظم الرجال لا يفهمون حتى الاستقلال المالي، «لذا تخيلوا مدى صعوبة ذلك على النساء».

«يتيح لك البيتكوين التحكم في أموالك، وإنفاقك، وبالتالي، في حياتك». كما قالت، ثم أتبعت: «كامرأة، أصبح مستقبلي أخيرا بين يدي».

ثالثًا – تاريخ من البؤس الاقتصادي في كوبا

مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كانت كوبا واحدة من أغنى البلدان في أمريكا اللاتينية. كما كتب الباحث في العملات بواز سوبرادو (Boaz Sobrado)، «كان لكوبا قواسم مشتركة مع الولايات الأمريكية مثل لويزيانا وفلوريدا أكثر من الدول ذات الأصول الإسبانية مثل المكسيك وجمهورية الدومينيكان. تجاوز نصيب الفرد من الدخل الكوبي الدخل في المكسيك بنسبة 70٪ وفي جمهورية الدومينيكان بنسبة 300٪.  وكان دخل الفرد فيها أكبر من دخل الفرد في إسبانيا والبرتغال.»

وأشار سوبرادو إلى فندق هافانا هيلتون باعتباره «رمزًا لثراء كوبا في منتصف القرن». كان أطول وأكبر فندق في أمريكا اللاتينية، ويضم 630 غرفة ضيوف و42 جناحًا وكازينو وستة مطاعم وبارات وأروقة ومسبحًا في الهواء الطلق ونظام مرآب فسيح تحت الأرض. للوهلة الأولى، بدت كوبا مكانًا بعيد الاحتمال لثورة اشتراكية. لكن وراء بريق هافانا القديمة كان هناك مجتمع محطم بشدة.

حكم الدكتاتور فولغينسيو باتيستا (Fulgencio Batista) الجزيرة بقبضة من حديد، وبدعم قوي من الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص. كان الدخل السنوي لكوبا يبلغ 353 دولارًا للفرد في عام 1958، لكن معظم العمال الريفيين كانوا يكسبون أقل من 100 دولار، ولديهم خدمات عامة قليلة جدًا وبنية تحتية ضعيفة جدًا. سيطرت الحكومات والشركات الأجنبية على الاقتصاد، حيث امتلكت حوالي 75٪ من الأراضي الصالحة للزراعة، و 90٪ من الخدمات الأساسية و 40٪ من إنتاج السكر.

خلال الخمسينيات، قاد فيدل كاسترو حركة اشتراكية تحدت نظام باتيستا.  بحلول نهاية العقد، كانت تكتيكاته في حرب العصابات، الموجهة من المناطق الجبلية والريفية، قد استنزفت قدراً هائلاً من الأموال والطاقة من العاصمة. في عام 1958، فرضت الحكومة الأمريكية حظرًا على الأسلحة لكوبا، حيث بدأ باتيستا يفقد كل الدعم الأجنبي. في الأول من يناير 1959، استولت قوات كاسترو على هافانا.

وعد «القائد» بثورة شعبية، لكن سرعان ما انحدر حكمه إلى الطغيان، مكتملًا بمعسكرات الاعتقال، وآلاف الإعدامات التعسفية، والشرطة السرية، ودولة المراقبة على قدم المساواة مع ألمانيا الشرقية أو كوريا الشمالية. لقد كانت السجون السياسية على وجه الخصوص شديدة القسوة. فظائع النظام، التي تم إخفاؤها ذات مرة، يعاد تسليط الضوء عليها من خلال شهادات الناجين في كتب مثل «ضد كل الأمل» لأرماندو فالاداريس (Armando Valladares).

كتب أنتوني دي بالما: «الكوبيون الذين تجرأوا على التفكير بشكل مختلف خافوا أكثر من أي شيء آخر من جارهم الدائم، لجنة الدفاع عن الثورة (CDR). كان رئيس كل مجلس الإنماء والإعمار المحلي هو الشخص الذي يبلغ لديه مخبرو الحي. لقد تابعوا من لم يحضر موكب عيد العمال، الذين استمعوا إلى مباراة البيسبول بينما كان فيدل يتحدث على الراديو، والذين كان لديهم طبق قمر صناعي مخبأ تحت برميل على السطح، وقاموا بتمرير المعلومات إلى جهاز أمن الدولة المخيف الستاسي (Stasi) – وهي وزارة داخلية مدربة مثل جهاز الاستخبارات السوفيتي KGB.  كان لدى رئيس مجلس الإنماء والإعمار ما يسميه البعض قوة (fusilamiento del dedo)، والتي تعني حرفياً، «القتل بإشارة الأصبع» من خلال الإشارة وإدانة أي شخص يشتبه في قيامه بأنشطة معادية للثورة. مجرد السماح لشخص ما باستخدام هاتفك للاتصال بأحد الأقارب في ميامي قد يؤدي إلى إدانتك وإفساد حياتك. كانت شبكة المراقبة منتشرة لدرجة أن الكوبيين أصبحوا يخشون إبداء أي شكوى. حتى في منازلهم، امتنعوا عن ذكر اسم فيدل، في حال كان هناك من يستمع. وبدلاً من ذلك، قاموا بالإشارة بعلامة لحية وهمية عندما تجرأوا على انتقاد القائد».

بالإضافة إلى كونها قمعية وحشية ومنتشرة، كانت الحكومة الجديدة أيضًا عديمة الخبرة تمامًا عندما يتعلق الأمر بإدارة الاقتصاد فعليًا.  لقد اتبعوا المثال السوفيتي للنظام المالي المخطط، وسرعان ما أصبحوا معتمدين على الاتحاد السوفيتي سوقًا للتصدير.  حلّ الموالون محلّ الاقتصاديين، بغض النظر عن خلفياتهم أو كفاءتهم. يقال أنه عندما اختار كاسترو تشي غيفارا رئيسًا للبنك المركزي الكوبي، كان ذلك لأن غيفارا رفع يده بعد أن سأل كاسترو عما إذا كان هناك أي شخص اقتصادي، معتقدًا أن فيدل كان يسأل عما إذا كان هنالك أي شخص شيوعي.

في أوائل الستينيات، في سلسلة من العمليات الانتقامية ذهابًا وإيابًا، فرضت إدارتا أيزنهاور وكينيدي قيودًا تجارية، وفي نهاية المطاف حصارًا تامًا على كوبا، أما كاسترو وقواته فأمّموا مئات الملايين من الدولارات التي كانت ممتلكات وشركات أمريكية.

كانت الثورة كارثية على مدخرات الكوبيين الشخصية. كرئيس للبنك المركزي، قام غيفارا بتحويل ربط البيزو من الدولار إلى الروبل، مما أدى إلى خفض قيمة البيزو وقتها بنسبة 75٪.  بعد ذلك، تم إلغاء تداول الأوراق النقدية قبل الثورة. إذا رفضت السلطات الجديدة قبول أموالك القديمة، فقد فقدت كل شيء.

فشلت الخطط والمحاولات الأمريكية المختلفة للإطاحة بكاسترو، واستمر النظام. أصبح يعتمد هيكليًا على السوفييت في النفط والقروض والأسلحة والتدريب الفني وسوقًا لبيع صادراته الرئيسية من السكر، الذي اشترته موسكو بسعر مدعوم أعلى من أسعار السوق.

نما الاقتصاد الكوبي خلال العقود القليلة التالية، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى العلاقة مع السوفييت. ولكن حتى خلال أكثر الأوقات ازدهارًا في كوبا الشيوعية، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كانت تغطية نفقات المعيشة لا تزال صعبة، وحاول الآلاف المغادرة. في عام 1980، فر أكثر من 125000 كوبي إلى الولايات المتحدة على متن حوالي 1700 سفينة وطوافة في حدث عُرف باسم رافعة مارييل للقوارب (Mariel boatlift).

عندما تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، خسر نظام كاسترو ما يصل إلى 5 مليارات دولار من الإعانات السنوية، وانهارت صادرات كوبا من السكر بنسبة 80٪. عانى البيزو من انخفاض في قيمة العملة من 5 لكل دولار إلى 150 لكل دولار.  طلب كاسترو من الشعب الكوبي تقديم تضحيات جماعية لتجاوز تلك الفترة الخاصة، على غرار الطريقة التي طلب بها كيم جونغ إيل من الشعب الكوري الشمالي أن يظل قويًا وملتزمًا خلال «المسيرة الشاقة» في أواخر التسعينيات والتي أدت لهلاك الملايين.

خلال الفترة الخاصة، كان العديد من الكوبيين قادرين على شراء – أو العثور على – ما يكفي من الطعام مرة واحدة في اليوم. وعدتهم كتيبات اللوازم (libreta) بأشياء مثل لحم البقر والدجاج، لكن هذه العناصر اختفت. كان فيدل قد وعد بأنه سيكون بإمكان الجميع تناول كوب من الحليب كل يوم، لكن حتى ذلك فقد.

وبحسب دي بالما، فإن الكوبيين «كانوا يسطّحون قشور الجريب فروت ويطرّونها لقليها كما لو كانت شرائح لحم. أصبحت قشور الموز مطحونة ومخلوطة بالتوابل بديلاً شاحبًا آخر للحوم».  كل عائلة تتلقى حوالي تسع بيضات شهريا. ترافق نقص الطعام مع انقطاع للتيار الكهربائي بشكل «روتيني وطويل الأمد لدرجة أن الليالي الخالية من الضوء أصبحت هي القاعدة، حيث احتفل الكوبيون بالفترات القصيرة التي عادت فيها الأضواء كظواهر عابرة أطلقوا عليها بحماس الإضاءة (alumbrones)».

انهارت الصناعة. على سبيل المثال، بحلول نهاية التسعينيات، اختفت جميع أساطيل الصيد. اليوم، يستهلك الكوبيون 25٪ فقط من المأكولات البحرية التي كانوا يتناولونها في أواخر الثمانينيات. في بلد لا يبعد فيه المرء أكثر من 60 ميلاً عن الماء، يمزح الكوبيون عن كونهم «جزيرة بلا سمك».  البلد الذي كان ينتج 80٪ من طعامه الآن يستورد 80٪ منه. كتب سوبرادو (Sobrado) أن الاستهلاك المحلي لكوبا «لم ينتعش أبدًا إلى مستويات ما قبل عام 1990»، وهو ملخص مأساوي لقصة دولة جائعة.

كانت الأوقات قاتمة لدرجة أنه في عام 1993، اضطر كاسترو إلى جعل دولار الأعداء عملة رسمية لجذب العملة الصعبة.  بدأ الكوبيون في إيداع ودائع بالدولار في البنوك بتحويلات من الخارج. كان قانون تيير النقدي (Thier’s law) ساري المفعول بالكامل، حيث طرد المال الجيد السيئ. قدر سوبرادو أن ما يصل إلى نصف جميع المعاملات اليومية تمت بالدولار، وهو معدل مشابه لفنزويلا الحالية. لوقف هذا الاتجاه ومنع الدولرة الكاملة، طرح النظام البيزو التحويلي، الذي قالوا إنه كان مدعومًا بمبلغ مساوٍ من الدولارات في البنك المركزي الكوبي.

بدافع اليأس، سمح كاسترو أيضًا للمطاعم العائلية بالعمل كمؤسسات صغيرة خاصة. كان هذا جزءًا من عملية افتتاح أوسع شملت السماح للشركات الأوروبية بتشغيل فنادق كوبية، والسماح لبعض المواطنين بإدارة مزارع مستقلة، واستعادة عيد الميلاد كعطلة وطنية – وهي خطوة يُنظر إليها على أنها مقايضة للزيارة الأخيرة للبابا يوحنا بولس.  ثانيًا، أدى الجمع بين الإصلاحات الصغيرة وزيادة الاستثمار الأجنبي إلى انتعاش نسبي من الفترة الخاصة.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في دعم الدولة الكوبية ببعض أرباحه النفطية الجديدة، مما وفر شريان حياة جديدًا. ولكن في الوقت الذي تم فيه إنقاذ الحكومة، ظلت المعيشة بالنسبة للمواطن العادي صعبة للغاية. كتب سوبرادو عن تعبير كوبي: (dice que hay pollo) أو «يقولون أن هناك دجاجة»، وهي العبارة التي كان الحشد في الشوارع يصرخ بها عندما يصبح الدجاج متاحًا في المتاجر. قال إن كتيبات اللوازم (libreta) كان لديها قسم خاص بالأسماك، لكن ذلك القسم نفد وتم استبداله بالدجاج -أو كما يقال بالإسبانية السمك هو دجاج البحر Pollo por pescado)) إلا أنه في السنوات القليلة الماضية، نفد الدجاج أيضًا.

في نوفمبر 2004، وفي مواجهة انهيار اقتصادي آخر، سحبت الحكومة الكوبية الدولار الأمريكي من التداول. انتقلت المتاجر والشركات والمصارف التي تديرها الدولة بالكامل إلى نظام البيزو التحويلي. كان لا بد من تحويل الدولارات إلى البيزو التحويلي عند وصولها إلى كوبا، مما سمح للنظام بالاستيلاء على العملة الصعبة وفرض ضرائب عليها واستبدالها بشيء يمكن طباعته بدون دعم. كانت الصورة الكبيرة هي أن الدولارات التي كان يحتفظ بها المواطنون في يوم من الأيام يحتفظ بها الآن البنك المركزي الشيوعي.

في عصر البيزو التحويلي، سمحت العملات المزدوجة للحكومة بتوفير مستوى أساسي للغاية من بعض السلع والخدمات الرخيصة، ولكنها أنشأت نظامًا يحتاج فيه المرء إلى البيزو التحويلي لأي شيء يتجاوز الطبقة الدنيا من العناصر. على سبيل المثال، قد يكون المرء قادرًا على شراء رغيف خبز منخفض الجودة مقابل 1 بيزو من مخبز تديره الدولة – إذا كان هناك أي شيء متبقي – ولكن بالنسبة لـ 1 بيزو تحويلي، يمكنك الحصول على رغيف أفضل بكثير من متجر أرقى.  كان السياح في العقود الأخيرة يستخدمون البيزو التحويلي فقط، وكانوا يتسوقون في المتاجر الفاخرة بأسعار أعلى بكثير، وبالتالي صبوا دائمًا الكثير من العملات الصعبة في خزائن النظام.

سمحت العملات المزدوجة أيضًا بإجراء الخيمياء المحاسبية التي استفادت منها الشركات التي تديرها الدولة. على سبيل المثال، كما أشار سوبرادو، يمكن للنخبة ذات العلاقات الجيدة شراء تذكرة للسفر من كوبا مقابل بضع مئات من البيزو، بدلاً من بضع مئات من البيزو التحويلي أو الدولارات.  وهذا يعني أيضًا أن بعض مؤسسات الدولة يمكن أن تشتري الواردات بسعر «البيزو»، ثم تبيع بسعر الدولار.  كان هناك مبالغة مزمنة في الأصول وتقليل في تقدير المصروفات. لقد تمت هذه الحيل المالية على حساب البيزو والعامل العادي.

لدى العديد من الكوبيين وظيفة أخرى غير وظائفهم الحكومية، وهو ما قد يمنحهم إمكانية الوصول إلى البيزو التحويلي (أو بديلها اليوم، MLC) ويكسبهم ما يكفي للبقاء على قيد الحياة. يمكن للمرء في كثير من الأحيان أن يكسب أكثر من راتب الدولة الشهري أو معاشه التقاعدي في يوم واحد في السوق السوداء.  قال سوبرادو إن البعض يحصل حتى على ما يسميه رواتب سلبية: «الناس أحيانًا يرشون رئيسهم حتى لا يضطروا للحضور.  وبهذه الطريقة يمكنهم العمل من أجل كسب دخلهم طوال اليوم».

كتب دي بالما بأن «كل الكوبيين تقريبًا – سواء كانوا صاحب مشروع صغير أو والد يبحث عن العشاء – أصبحوا مجرمين بطريقة أو بأخرى. استبدل مصطلح (Inventando) وهو الفعل الإسباني للاختراع إلى حد كبير بكلمة ‹سرقة› باللغة الكوبية العامية، وتغيرت قواعد المجتمع المدني إذ تغاضى الناس عن السرقة، ما دام المسروق من الدولة وليس من أحد الجيران أو صديق. في كوبا الجديدة، كان الاختراع وسيلة لتسوية الملعب وتعويض رواتب الدولار في اليوم البائسة التي يتلقاها موظفي الدولة».

من الصعب تخيل التدهور التراكمي للاقتصاد الكوبي، لكن حقيقة أن حصاد 2018 من السكر أنتج مليون طن فقط، وهو نفس حصاد عام 1894، يساعد في رسم الصورة. اضطرّت كوبا، التي كانت في يوم من الأيام أكبر مصدر للسكر في العالم، إلى الاستيراد من فرنسا.

الإصلاحات «التاريخية» للنظام التي أعلن عنها راؤول ودياز-كانيل لم تكن إلا تعديلات صغيرة. لا تنمو ريادة الأعمال نموًّا جيدًا في مناخ لا يوجد فيه سوق جملة، مع وجود قيود صارمة على عدد الموظفين الذين يمكن للمرء تعيينهم، مع غلاء التراخيص والضرائب وندرة القروض.  بحلول عام 2017، على الرغم من العديد من الإصلاحات التي تم الترويج لها، لا يزال الجينز يكلف راتب شهر كامل من دخل الدولة، والحصص المتوفرة منه تنفد بعد أيام قليلة فقط.  سمح نظام الرعاية الصحية المتبجح بانتشار وباء الكوليرا، حيث كان يميل نحو رعاية خاصة للنخب.  ظل التعليم في طور الدعاية الترويجية للنظام.  في عامي 2014 و2015، فتحت إدارة أوباما قيودًا أمريكية، مما عزز المشاريع المحلية بقدوم موجة من السياح الجدد. لكن أوباما أنهى أيضًا سياسة الهجرة (القدم الجافة، القدم الرطبة)، وبعد سنوات قليلة عكس ترامب الانفتاح.

وفقًا لدي بالما، فإن الإصلاحات الاقتصادية الصغيرة التي قدمتها الحكومة للكوبيين على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية لم تكن «حرية لتطوير أنفسهم، ولكن تصريحًا لكسب مستوى من البقاء لم يعد بإمكان الحكومة توفيره. علاوة على القيود التي فرضتها على رؤيتهم الريادية وقدرتهم على جمع الثروة، طلبت الحكومة من الرأسماليين المحتملين شراء تراخيصهم مقابل رسوم باهظة نسبيًا ودفع ضرائب باهظة.  الهدف، كما حددته الحكومة، هو جعل كوبا دولة غنية بدون أغنياء».

رابعًا – أزمة حقوق الإنسان في كوبا

في أثناء بحثي لهذا المقال، تحدثت إلى مدافعة عن حقوق الإنسان لديها خلفية في المحاسبة والمالية، وتعيش في هافانا.  لم ترغب في الكشف عن اسمها («أريد أن أبقى متوارية عن الأنظار»، كما قالت) لكنها تحدثت بصراحة عن مجموعة متنوعة من الموضوعات الحساسة في دردشة الفيديو الخاصة بنا. سوف ندعوها فيريتا (Verita).

قلقها مفهوم. لا تزال كوبا دولة شيوعية ذات حزب واحد. يستمر نظام دياز كانيل في مناخ الخوف الذي بناه آل كاسترو. الأحزاب السياسية الأخرى غير قانونية، والمعارضة تقمع، والحريات المدنية مقيدة بشدة. وبحسب منظمة فريدوم هاوس (Freedom House) التي تراقب حقوق الإنسان، فإن «طابع النظام غير الديمقراطي لم يتغير على الرغم من القيادة الجديدة في عام 2018 وعملية التطبيع الدبلوماسي مع واشنطن، والتي توقفت في السنوات الأخيرة».

كسبت كوبا 13 فقط من أصل 100 نقطة محتملة في تقرير الديمقراطية الصادر عن فريدوم هاوس 2021، مع نقطة واحدة فقط من أصل 40 نقطة حول الحقوق السياسية، و 12 من 60 نقطة حول الحريات المدنية. يحظر الدستور الإعلام المستقل، و«الصحافة المستقلة في البلاد تعمل خارج القانون، وتعتبر منشوراتها «دعاية معادية»، ويتعرض صحفيوها للمضايقة والاحتجاز والاستجواب والتهديد والتشهير في الصحافة الرسمية ومنعهم من السفر إلى الخارج».

الكوبيون ممنوعون من نشر محتوى على خوادم أجنبية، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، وبشكل عام لا يمكنهم مشاركة أي شيء «يتعارض مع المصلحة الاجتماعية والأخلاق والعادات الحميدة ونزاهة الشعب». أصبحت الجامعات والمدارس الخاصة غير قانونية منذ الستينيات، ويتم ترقية المعلمين على أساس الولاء الأيديولوجي وليس الأداء الأكاديمي. وتم حظر النقابات العمالية المستقلة، ولا يمكن للعمال الكوبيين الإضراب أو الاحتجاج أو المساومة الجماعية. كما يقول المثل الثوري الشعبي، (Dentro de la revolución, todo. Contra la revolución, nada) أو «في الثورة: كل شيء. ضد الثورة: لا شيء».

فيريتا هي جزء من مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا. ولدوا إلى حد كبير في التسعينيات في أعقاب الفترة الخاصة، وهم يعيشون تحت هجوم مستمر. في عام 2003، في نفس الوقت تقريبًا الذي اضطر فيه النظام إلى تعديل نظام العملة لإبقاء المجتمع واقفاً على قدميه، أطلق النظام حملة «الربيع الأسود»، واعتقل العشرات من الشعراء والمؤلفين والصحفيين.  حتى يومنا هذا، تقوم أخوات وزوجات وبنات هؤلاء السجناء السياسيين بمسيرة في هافانا كل يوم أحد من أجل حريتهم، ويُعرفون باسم داماس دي بلانكو (Damas de Blanco) أو «سيدات يالأبيض».

تستمر المنافذ المستقلة مثل 14ymedio، التي أسسها المدون وعالم اللغة يواني سانشيز (Yoani Sánchez)، ودياريو دي كوبا (Diario de Cuba) في تقديم التقارير، لكن العمل لا يزال صعبًا. توفي أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في كوبا، أوزوالدو بايا (Oswaldo Payá)، في حادث سيارة في عام 2013، وهو حادث يُعتقد على نطاق واسع أنه جريمة قتل حكومية. لا يزال النزول إلى الشارع والاحتجاج ينطوي على مخاطر كبيرة، حيث اختفى المئات من متظاهري الشهر الماضي وكانت هناك أحكام سجن مطولة بحق المتظاهرين.

في عام 2018، تشكلت مجموعة من الإفريقيين الكوبيين من الأكاديميين والفنانين والصحفيين المعروفة باسم حركة سان إيسيدرو (San Isidro Movement)، للاحتجاج على المرسوم رقم 349، وهو قانون شيوعي يتطلب ترخيصًا مسبقًا من الحكومة للنشاط الفني. في نوفمبر 2020، أطلقت المجموعة احتجاجًا لدعم أحد أعضائها، مغني الراب دينيس سوليس (Denis Solis)، الذي أدين بـ «ازدراء السلطة». داهمت شرطة الدولة الاحتجاج، لكن النظام اضطر إلى الوعد بمزيد من الحقوق للفنانين، وزُرعت بذور انتفاضة الشهر الماضي.

كانت المجتمعات الكوبية السوداء في قلب هذه الاحتجاجات.  تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 90٪ من العائلات الكوبية البيضاء لديها أقارب في الخارج كمصدر تدفق للتحويلات المالية، ولكن فقط 30٪ إلى 40٪ من العائلات الكوبية السوداء لديها نفس الخيار. غييرمو «الشبح» فاريناس، وهو معارض أسود معروف، يصف الوضع بأنه «برميل بارود على وشك الانفجار».

في البداية، كانت فيريتا، وهي أيضًا كوبية إفريقية، رسمية للغاية، تقرأ حرفياً من خطاب كانت قد أعدته للجزء الأول من محادثتنا، حيث تحدثنا عن الاقتصاد. وظلت تكرر الخط الحكومي القائل إن «تخفيض قيمة العملة لا يؤثر على التضخم» وأن سعر صرف البيزو مقابل الدولار يظل من 24 إلى 1. في وقت لاحق في محادثتنا، انفتحت، وأخبرتني أنه في الواقع، فإن سعر الصرف لا يقل عن 70 إلى 1. كان من الواضح أن الأخ الأكبر لا يزال على قيد الحياة في ذهنها.

وأوضحت فيريتا أن نظام الـ MLC كان بمثابة استراتيجية حكومية لتخزين العملات الأجنبية الصعبة وتجنب هروب الدولار واليورو.  وقالت إنها كانت أيضًا وسيلة للحكومة لفرض ضرائب على القطاع غير الرسمي الذي كان يسرب كميات هائلة من القيمة خارج كوبا.

على سبيل المثال، قبل بضع سنوات، إذا كنت ترغب في شراء مكيف هواء، فمن المحتمل أن تقوم بتوظيف شخص ما (يُعرف أحيانًا باسم «البغل») في مكان مثل بنما، وسيحضرونه إليك وستدفع لهم بالدولارات، والتي من شأنها أن تترك الاقتصاد الكوبي بشكل دائم، دون أن يحصل النظام على فرصة للحصول على اقتطاع. مع نظام MLC، يخزن النظام الأجهزة مثل مكيفات الهواء، بحيث يسهل على المواطنين شرائها هناك بدلاً من البغل.  بهذه الطريقة، بدلاً من تسريب العملة الصعبة، يقوم النظام بتجميعها فعليًا، حيث يطلب المواطنون من العائلة والأصدقاء والزملاء تعبئة حسابات MLC الخاصة بهم حتى يتمكنوا من شراء مكيف الهواء.

ونتيجة لذلك، قالت فيريتا، إن البيزو في طور فقدان قيمته كعملة رسمية. من بين الوظائف الرئيسية الثلاث للنقود، فقد بشكل أساسي وظائف تخزين القيمة ووحدة الحساب – والتي تسربت الآن إلى MLC أو الدولار – كل ما تبقى للبيزو هو وظيفته كوسيلة للتبادل بين الأفراد عند التفاعل مع الحكومة، أو عند شراء الأشياء في الشارع.

عندما سألتها ما إذا كانت الحكومة لديها خطة لوقف تضخم البيزو، أعطتني نظرة لن أنساها أبدًا: أدارت رأسها وابتسمت قليلاً ونظرت إليّ نظرة عدم التصديق.

«خطة؟» سألت ثم واصلت قائلة: «كلا.  لا توجد خطة».

في تقديرها، سيحتاج الاقتصاد الكوبي إلى النمو بنسبة 5 ٪ سنويًا على مدار الـ 12 عامًا القادمة للتعافي من الصدمة الحالية.  لكنها قالت إنه تقلص بالفعل بنسبة 11٪ في عام 2020 وسينكمش أكثر في عام 2021. وستكون، على حد قولها، «كارثة».

خامسًا – الأثر المستمر للحظر

لمعرفة المزيد عن تأثير الحظر الأمريكي على الكوبيين، تحدثت إلى ريكاردو هيريرو (Ricardo Herrero)، ابن أحد المنفيين الكوبيين والمدير التنفيذي لمجموعة دراسة كوبا (the Cuba Study Group). وأوضح أنه اليوم، بسبب العقوبات الأمريكية، لا يمكن للكوبيين الوصول إلى مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية الشهيرة مثل خدمات الدفع الرقمي مثل بأي بال (PayPal) أو سترايب (Stripe) أو كاش آب (Cash App) أو زيلا (Zelle) أو منصة التداول كوين بايس (Coinbase) أو موقع استضافة المبرمجين غيت هب (GitHub) أو شركة التصميم الإعلاني أدوبي (Adobe) أو موقع تحميل ومشاركة الملفات دروب بوكس (Dropbox) أو برمجيات إيجار التاكسي ليفت (Lyft) أو أوبر (Uber) أو منصة التسوق الرقمي أمازون (Amazon).  ووصف الحظر بأنه «أكثر أنظمة العقوبات صرامة وتوسعا تجاه أي مجتمع على هذا الكوكب».

يعمل هيريرو على المساعدة في دفع حكومة الولايات المتحدة إلى تخفيف بعض هذه القيود. قال إن وظيفته صعبة، لا سيما بسبب قانون توريسيللي وهيلمز-بيرتون (Torricelli and Helms-Burton Acts)، الذي أُقرّ في التسعينيات، فأضفى الطابع الرسمي على القيود المفروضة على التجارة الأمريكية، والأعمال التجارية والسفر إلى كوبا من أجل زعزعة استقرار نظام كاسترو في وقت الضعف وتعزيز المعارضة الديمقراطية.

على عكس سياسة كوبا السابقة بين سنوات كينيدي وكلينتون، في العصر الجديد منذ عام 1996 عندما تم تمرير هيلمز بيرتون، تم تقنين الحظر في القانون ولا يمكن رفعه بأمر تنفيذي.  عندما ركز القانون وقتها على المطالبات الأمريكية بالأعمال التجارية والممتلكات التي يعتبرها القانون مسروقة من قبل نظام كاسترو خلال الثورة، وسع هيلمز بيرتون القيود المفروضة على الشركات الأمريكية ومنع أي شركة في العالم من ممارسة الأعمال التجارية في كوبا. إنه يهدد، على سبيل المثال، بمنع شركة من الدخول أو التعامل مع الولايات المتحدة إذا اختارت القيام بأعمال تجارية مع كوبا.

تنازل رؤساء الولايات المتحدة كلينتون وبوش وأوباما عن جزء من القانون، لذلك تمكنت بعض الكيانات الأجنبية من التعامل مع كوبا، وكانت النتائج متباينة. كما لاحظ سوبرادو بشكل جاف، فإن هافانا هيلتون (Havana Hilton)، الذي أعيدت تسميته إلى هابانا ليبر (Habana Libre) خلال الثورة، تم تسليمه في النهاية إلى سلسلة الفنادق الإسبانية ميليا العالمية (Meliá Hotels). اعتبارًا من العام الماضي، بقي الفندق الشهير فارغًا.

في العام الماضي، صنف الرئيس ترامب كوبا دولة راعية للإرهاب وأدخل 243 إجراءً جديداً لتعزيز الحظر. لم يلغ الرئيس بايدن هذه الإجراءات بعد. قال هيريرو إن قانون هيلمز بيرتون هو الرادع الذي يفسر سبب عدم رؤية محلات القهوة ستاربكس (Starbucks) أو محلات الملابس زارا (Zara) أو مطاعم ماكدونالدز (McDonalds) في كوبا.  ولهذا السبب لا تحصل كوبا على قروض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي (IMF).  هذا هو السبب في أن محطة جوراغوا للطاقة النووية لم تنتهِ قطّ. خلال افتتاح أوباما في عامي 2015 و2016، حاولت بعض شركات الدفع الأمريكية استكشاف إنشاء خدمات دفع بين الولايات المتحدة وكوبا، ولكن بمجرد فوز ترامب في الانتخابات، كان من الواضح أن الانفتاح سيتم التراجع عنه، وتم تعليق الخطط.

وقال هيريرو إن الحظر يعطي «الأكسجين السياسي» للرواية الثورية للحكومة الكوبية.

«إنه البعبع الكبير». كما قال، ثم قال: «من دونه، سيعاني النظام انهيارًا أيديولوجيًّا».

إن الحصار الممزوج بحكومة قمعية غير كفؤة هو مزيج مأساوي بشكل خاص. وقد تجلى ذلك مؤخرًا عندما عجز مواطن بريطاني مصاب بالسكري عن العثور على الأنسولين في هافانا، بسبب النقص الطبي. حاولت زوجته شحنه من لندن، لكن شركة توصيل الطرود (DHL) أعادت الطرد، وكتبت عبارة “عقوبات أمريكية على كوبا” على الملصق. توفي الزوج في المستشفى بعد فترة وجيزة.

قالت زوجته: «مزيج العقوبات الأمريكية على كوبا، وسوء إدارة كوبا للموارد الشحيحة، ووباء كوفيد -19 هو مزيج قاتل».

لا يزال هيريرو يلقي باللوم على معاناة الشعب الكوبي بشكل مباشر على أكتاف النظام، وقال إنهم يلعبون لعبة مزدوجة.  يلقي النظام باللوم على الحصار في جميع أو معظم الأزمات في كوبا، لكنهم «لم يفوتوا أبدًا فرصة لتفويت فرصة رفعه».

النظام يواصل استخدام الحصار ككبش فداء وأداة لجذب التعاطف الدولي لقضيته.

قال هيريرو: «إنهم يرسمون أنفسهم كداوود أمام جالوت الإمبريالي».

في ظل انفتاح أوباما، سارعت الشركات الأمريكية لإبرام الصفقات، لكن النظام سمح لعدد قليل جدًا من الكوبيين بالتوقيع.  أوضح هيريرو أن هذا يرجع جزئيًا إلى عقليتهم السوفيتية: «تم تدريب البيروقراطيين على أن يكونوا أعداء لليانكيز الأمريكين، وأن يعارضوا الرأسمالية».

عندما أتيحت لهم الفرصة لربط كوبا بالعالم، لم يتمكنوا من اغتنامها. على مدى العقد الماضي، تحدث النظام الكوبي عن المشاريع الخاصة واللامركزية في الاقتصاد، لكن في الواقع، كان الكلام جعجعة من غير طِحن.

أوضح أنتوني دي بالما أن النظام يذكر الكوبيين باستمرار «بالخطر الإمبريالي من الشمال، لكنه يطالب أيضًا بأن تُسقط الإمبراطورية حظرها حتى تتمكن كوبا من القيام بمزيد من الأعمال التجارية مع أمريكا وحلفائها.  لقد استخدم النظام التهديد الدائم بالتدخل الأمريكي كغطاء لكل زلة، أو برنامج فاشل، أو نقص في الغذاء، أو انقطاع التيار الكهربائي على مدى العقود الستة الماضية، لكنه يعتمد أيضًا على مليارات الدولارات الأمريكية التي يرسلها المنفيون في التحويلات المالية للسماح لكوبا بالبقاء واقفة على قدميها.  تقدم وسائل الإعلام التي تديرها الدولة الولايات المتحدة على أنها جحيم من إدمان المخدرات والقتل الجماعي والاستهلاك الجامح، بينما تصور كوبا على أنها جنة المساواة التي تديرها حكومة لا يمكنها أن ترتكب أي خطأ.  ومع ذلك، عندما يقارن الكوبيون حياتهم مع ما يسمعونه من أقاربهم في ميامي أو مع ما يرونه على الإنترنت، فإنهم يعرفون أن الأمر ليس كذلك».

إن كل ما يروج له النظام حول اقتصاده تقريبًا هو غطاء أيديولوجي لتغطية الاستغلال.  اعتبارًا من عام 2018، لم يكن أكبر مصدر للإيرادات في كوبا هو صناعة السياحة، بل كان تصدير أكثر من 50000 من العاملين في مجال الرعاية الصحية كل عام إلى أكثر من 60 دولة. تم تصميم النظام التعليمي في كوبا لإنتاج فائض من الأطباء والممرضات والفنيين – «جيش من المعاطف البيضاء» – الذين يتم إرسالهم إلى الخارج في مخطط العلاقات العامة.  قال هيريرو إن البرنامج هو وسيلة «لنسج الثورة» في حل، حيث تعلن الحكومة بفخر أننا سنرسل ألوية حول العالم لإنقاذ المضطهدين الذين تجاهلتهم القوى الإمبريالية.  في الواقع، تصادر الدولة 75٪ من رواتب هؤلاء العمال، وتحصل على أكثر من 11 مليار دولار سنويًا، مما يشكل شكلاً من أشكال العبودية بعقود طويلة الأجل، أكبر صادرات كوبا.

في غضون ذلك، يجد الكوبيون في الخارج صعوبة في إرسال الأموال إلى عائلاتهم.  قال هيريرو إن إحدى الطرق هي إجراء تحويل مصرفي لشخص ما في بنما الي هافانا هو نقلها نقدا بواسطة «حقيبة من القماش الخشن».  هناك طريقة أخرى تتمثل في الاعتماد على نظام من نوع الحوالة.  يمكن للمرء أن يعطي 100 دولار لشخص ما في ميامي، ويتصل بشريكه التجاري في هافانا ويطلب منه تقديم 100 دولار مطروحًا منها الرسوم لعائلة ذلك الفرد. كانت معاملات شركة تحويلات المغتربين عبر ويسترن يونيون (Western Union) من الولايات المتحدة إلى كوبا أيضًا خيارًا حتى نوفمبر الماضي إلى أن أغلقتها إدارة ترامب.  أغلقت الشركة 407 مواقع في جميع أنحاء الجزيرة، وهو ما يبدو مذهلاً، لكن هيريرو قال إن معظم الكوبيين وجدوا بالفعل الخدمة باهظة الثمن.

على سبيل المثال، وصفت هيريرو صفقة ويسترن يونيون من العام الماضي، حيث أرسل شخص ما 1030 دولارًا إلى أحد أفراد الأسرة في كوبا.  كانت الرسوم 77.25 دولارًا أمريكيًا، لذا كان إجمالي المبلغ الذي دفعه المرسل 11107.25 دولارًا أمريكيًا.  المبلغ المستلم في كوبا كان 1000 دولار.  تم تقسيم الرسوم المكونة من خانتين إلى 2.5٪ الإقامة في الولايات المتحدة كرسوم تخليص، و4٪ تذهب إلى ويسترن يونيون، و1٪ تذهب إلى فينيسميكس (Fincimex) وهو «معالج الدفع الحكومي الكوبي المعتمد حاليًا»، و2.5٪ احترقت في «سعر الصرف» للتحويلات، والتي ذهبت إلى جيوب الحكومة.

حتى إذا فتحت الولايات المتحدة خدمة ويسترن يونيون مرة أخرى، فلن يتلقى المستلمون سوى 1000 دولار “بالسعر الرسمي” البالغ 24 بيزو إلى دولار واحد.  لذا سيحصل المستلم على 25000 بيزو، على الرغم من أن القيمة الحقيقية للتحويل هي 70000 بيزو.  سيحافظ النظام على الفرق.

قال هيريرو إن بإمكان الأمريكيين بالفعل تغذية حسابات MLC مباشرة بالدولار حتى الصيف الماضي. لكن العقوبات الجديدة لإدارة ترامب أغلقت هذه القناة. إلى جانب إغلاق الرحلات الجوية وانخفاض السياحة، قال هيريرو إن هذه كانت «ضربة مزدوجة» تسببت في انخفاض كبير في تدفقات الدولار إلى كوبا.  قال، حدث هذاعندما بدأ البيتكوين في الإقلاع.

قال لي: «ما من عملة يمكن أن تساعد في في التغلب على تذبذبات السياسة الأمريكية الكوبية على مدى السنوات الخمس الماضية أفضل من البيتكوين».

وأضاف: «من الصعب أن ينمو أي شيء في كوبا، ولكن إذا كنت تستثمر في عملة البيتكوين على مدى السنوات القليلة الماضية، فإنك تنمو».

سادسًا – البيتكوين وسيلةً للالتفاف على النظام الكوبي

أخبرني هيريرو عن إريك غارسيا كروز (García Cruz Erich)، شخصية بيتكوين كوبية شهيرة. أطلق على كروز لقب «رجل السنت الواحد»، لأنه غالبًا ما يظهر كضيف على التلفزيون الحكومي، ويدير قناته الشهيرة على منصة التواصل الاجتماعي يوتيوب (YouTube) لمراجعة أنواع مختلفة من التكنولوجيا وأنظمة الدفع.  لقد تواصلت مع كروز لمعرفة المزيد.

قال لي كروز: «لقد عشت في هافانا منذ اليوم الذي ولدت فيه».  كان مرتاحًا لاستخدام اسمه في هذه المقابلة، حيث قال إنه بالفعل شخص «مشهور جدًا ومعروف جدًا».

وقال كروز إن الاحتجاجات الأخيرة اندلعت بسبب نقص الغذاء، ونقص الأدوية، والأشخاص الذين يعانون من الجوع، ومحاولة البقاء على قيد الحياة في ظروف وحشية، وأثناء الوباء، والبيروقراطية الحكومية، وارتفاع التضخم.

«الشعب الكوبي متعب». كما قال، ثم أتبع قائلا: «إنهم يريدون حياة أفضل».

قال كروز: «النظام لا يعمل، لذلك يلجأ الناس إلى البيتكوين للهروب».

شركة كروز، بيتريميساس (Bitremesas)، حلٌّ للمشكلة العملاقة التي يواجهها الناس عند محاولة إرسال تحويلات مالية من الولايات المتحدة إلى كوبا.  مرة أخرى، بسبب الحظر، لا تستطيع البنوك الأمريكية تحويل دولارات إلى حسابات كوبية.  لم يعد هناك خدمات تحويل نقدي كترانسفروايز (Transferwise)، ولا باي بال (PayPal)، ولا ريفولت (Revolut)، ولا حتى ويسترن يونيون (Western Union) بعد الآن.

لا تزال طريقة البغل تعمل، وهي تحويل الأموال إلى شخص ما سيذهب جسديًا إلى كوبا ويعطي نقودًا لعائلتك، لكن هذا مكلف ويستغرق وقتًا طويلاً.  قال كروز إنه يمكن للمرء أيضًا إجراء تحويل إلى أحد البنوك في إسبانيا، على سبيل المثال، حيث يمكن إرسال الحوالة مباشرة إلى حساب MLC الخاص بشخص ما.  لكن مرة أخرى، باهظ الثمن ويستغرق وقتًا طويلاً.

قال كروز إن الخيار الأفضل هو استخدام البيتكوين.

«لقد أصبحت وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي». وقال: «عدد الكوبيين الذين يستخدمون البيتكوين آخذ في الازدياد».

يقدر كروز أن 300000 مواطن كوبي على الأقل استخدموا البيتكوين أو العملات الرقمية مرة واحدة على الأقل، وربما يستخدمها 100000 على أساس منتظم.  يمثل هذا 2.5٪ من سكان الجزيرة، وهو ما يتماشى تمامًا مع التقديرات العالمية التي تشير إلى أن 200 مليون شخص من أصل 7.8 مليار شخص في العالم قد استخدموا عملة البيتكوين.

قال كروز إن أي شركة كوبية لا تستخدم الببيتكوين اليوم للتفاعل مع النظام المالي الدولي ستتعلم بالطريقة الصعبة، وستتكيف وتتبنى.

وقال: «ستضطر جميع الشركات التي تتعامع مع جهات خارجية إلى استخدام البيتكوين». «لدينا قول مأثور في كوبا: عليك ركوب الحافلة، لأن الحافلة تغادر المدينة».

إنه يعتقد أن معدل تبني البيتكوين هو بالفعل أكبر بالنسبة للفرد في كوبا مما هو عليه في أوروبا أو كندا، لكنه أخبرني أنه لم يكن دائمًا من المؤمنين بالبيتكوين. في الواقع، حتى مارس 2020، كان يعتقد أنها عملية احتيال. قال إنه كان هناك دائمًا أصدقاء وزملاء يحاولون تعريفه بالعملة الرقمية، لكنهم كانوا يحاولون حمله على القيام بذلك حتى يتمكن بعد ذلك من إرسال عملة البيتكوين إلى مخططات هرمية مثل أربيستار (Arbistar) أو ترست للاستثمار (Trust Investing).

قال: «كنت متشككًا للغاية».

في مارس 2020، قدم كروز مقطع فيديو شائعًا حيث كشف عن احتيال تراست للاستثمار، وأظهر كيف أنها كانت مخططًا هرميًا. كجزء من رد الفعل على الفيديو، شجعه الناس على النظر في خيارات الاستثمار الأخرى. كان أحدهما البيتكوين. تعهد لنفسه بأن يحاول أن يصبح خبيرًا في الموضوع.

في أبريل ويونيو 2020، ذهب في «جحر الأرنب» و «اكتشف الكأس المقدسة».  قال لي، من خلال عدسة البيتكوين، «ترى القيود الفعلية التي يُقَيَّدها الكوبيون والحرية التي توفرها البيتكوين. وترى العالم من منظور مختلف».

قال: «لا يمكننا الوصول إلى حلول الدفع التقليدية.  كنا عالقين.  حسنًا، إذا كان هذا هو الحال فسأنشئ مزود دفع باستخدام البيتكوين، وسنطور نشاطًا تجاريًا حول هذه الفرصة».

في 1 سبتمبر 2020، أطلق كروز بيتريميساس حتى تتمكن العائلات الكوبية من التعامل بسهولة بين الولايات المتحدة وكوبا.  العملية بسيطة: يقوم شخص ما في الولايات المتحدة بإرسال عملة البيتكوين إلى محفظة تديرها بيتريمساس (أخبرني أنها عبارة عن محفظة متعددة التوقيع (multisig) بحاجة الي توقيعين اثنين من أصل ثلاثة، للحصول على أمان إضافي) – ثم تبيع الشركة عملة البيتكوين مقابل MLC أو البيزو، وتقوم بتسليمها للمستلم.

وصف كروز نظام «مناقصة سلبية»، حيث تعلن شركته عن تحويل بيتكوين بقيمة 100 دولار أمريكي حديثًا في شبكة محلية: سيعرض أحد المتداولين 95 دولارًا، وسيقدم 94 دولارًا آخر.  سوف تبيع بيتريمساس لأدنى مزايد وتتخذ الفرق كأرباح. سيقوم التاجر بتسليم الأموال إلى المستلم. وقال إن التحسن الكبير الذي يحدثه هذا مقارنة بالطرق الأخرى لإرسال الأموال إلى كوبا هو أن المتلقي يقترب من سعر الصرف الحقيقي. وقال إن المرور بالنظام الرسمي يؤدي إلى التعثر في سعر 24 بيزو مقابل 1 دولار.

وقال إن الشعب الكوبي «ذكي ومفكر» ويخزن القيمة في عملة البيتكوين لأنهم يثقون بها أكثر من البيزو.

قال: «إذا كان بإمكانك شراء ساتوشي بالبيزو ويمكن أن تنتظر ثلاث سنوات، فإنك تزيد من قوتك الشرائية بطريقة هائلة».

قال كروز: «لا أحب أن أتحدث عن السياسة أو الحكومة أو ما إذا كانت لديهم سياسات صحيحة أو خاطئة». «أحاول فقط تعليم زملائي الكوبيين كيفية التعايش مع البيتكوين والعملات المشفرة».

ينسب كروز الفضل إلى مبتكر البيتكوين ساتوشي ناكاموتو في حياته الجديدة وأعماله الجديدة.

قال كروز إنه ليس لديه معلومات سياسية خاصة، لكنه قال إن الحكومة تبحث في العملة المشفرة كجزء من خطتها الخمسية الحالية، ويمكن أن تتبنى في النهاية استراتيجية البيتكوين. على سبيل المثال، يمكن أن يبدأ قبول البيتكوين في متاجر MLC، أو السماح للمواطنين باستخدام البيتكوين لتعبئة حسابات MLC، أو لبيع العروض السياحية أو حتى الصادرات من البيتكوين.

وقال: «ستكون هذه خطوة ذكية، ووسيلة جيدة لتجميع العملة الصعبة، لكننا نتحدث عن الحكومة الكوبية، لذلك لا أعرف».

لا يزال كروز ينتقد بشدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة، الذي يمنعه من الوصول إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المتاحة بخلاف ذلك للأشخاص الذين يعيشون على بعد بضع مئات من الأميال في ميامي.

وقال: «لكن محاربة الحظر معركة لا يمكنك الفوز بها».

وأضاف «في كوبا، هناك خياران يمكنك مغادرة كوبا والهروب من المصفوفة، أو يمكنك البقاء ولعب اللعبة.  البيتكوين هو رمز الغش للعب اللعبة.  الآن، اخترت البقاء».

سابعًا – بناء اقتصاد البيتكوين في هافانا

يعمل خورخي (Jorge) في شركة بيتكوين في هافانا. اكتشف البيتكوين في مارس 2018، عندما استفاد من الوصول إلى الإنترنت الموسع في كوبا لبدء التداول و«تكديس الساتوشيات» عبر الإنترنت للقيام بمهام مختلفة. على الرغم من ذلك، بالنسبة لمعظم حياة خورخي، كان الاتصال بالعالم الخارجي قريبًا من المستحيل. تم تقييد شبكة الإنترنت بشدة، لم يمكن إيصال المعلومات إلى كوبا إلا بطرق هادئة.

بصفتي متدربًا في مؤسسة حقوق الإنسان، ساعدت في المشاركة في برنامج عام 2007 حيث سنرسل كتبًا وأفلامًا أجنبية إلى نظام «المكتبة السرية» قبل الإنترنت في كوبا. من مكتب في نيويورك، كنت أقوم بنسخ نسخ من الأفلام المترجمة مثل (V For Vendetta) و (Braveheart) على أقراص DVD down the rabbit hole، والتي كانت متخفية في شكل أقراص مضغوطة موسيقية، وإرسالها إلى كوبا مع مواطني أمريكا اللاتينية الذين يتوجهون إلى الجزيرة عبر المكسيك.  كانوا يوصلون محتوى المنشورات المعارضة المحظورة الساميزدات (samizdat) – إلى جانب الإمدادات الطبية وغيرها من التقنيات – إلى معارفنا، الذين يجرون عروضًا خاصة في منازلهم على مشغلات DVD محمولة مع ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين في وقت واحد، ويستضيفون مجموعات مناقشة بعد ذلك.

لسنوات عديدة، كان هذا – إلى جانب التقاط إشارات الراديو من فلوريدا – هو كيفية وصول الكوبيين إلى المعلومات الخارجية.  بعد بضع سنوات، وُلد «paquete»: نظام يستخدم فيه بعض الكوبيين معدات أقمار صناعية غير قانونية لتنزيل محتوى أجنبي وتحميله على محركات أقراص صلبة، والتي يتم نشرها بعد ذلك من خلال المجتمعات حيث يدفع الأشخاص مقابل كل عنصر لنقل ما يريدون إلى أقراص USB الخاصة بمشاهدتها أو قراءتها في المنزل.

في عامي 2014 و2015، بدأت شبكة شبكة الإنترنت (WiFi) في الظهور في جميع أنحاء كوبا في الفنادق ونقاط الوصول العامة. نمت (paquete) بشكل كبير في هذه المرحلة، حيث حصل بعض الأشخاص على أموال مقابل الوقوف وتنزيل المحتوى طوال اليوم. في عامي 2017 و2018، تم إدخال البيانات إلى الهواتف المحمولة. زاد الوصول إلى الإنترنت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لكنه لا يزال بطيئًا ومراقبًا.

قال خورخي: «لا يوجد جدار حماية كبير، لكن تجربتنا ليست سلسة وبراقة مثل الإنترنت المفتوح».

عندما تحدثنا، استخدم شبكة بروكسي للاتصال VPN.

ظهرت قوة الإنترنت في كوبا بشكل كامل الشهر الماضي، عندما ساعد منشور على فيسبوك في 10 يوليو / تموز في بلدة سان أنطونيو دي لوس بانوس الصغيرة في إشعال احتجاجات وطنية في اليوم التالي.

«هل سئمت من انقطاع الكهرباء؟» سأل المنشور. «هل سئمت من الاستماع إلى وقاحة الحكومة التي لا تهتم لأمرك؟  حان وقت الخروج وتقديم المطالب. لا تنتقدوا في المنزل: دعونا نجعلهم يستمعون إلينا».

لم يكن بإمكان خورخي توقع حركة 11 يوليو هذا الصيف، ولكن في كلتا الحالتين، كان سعيدًا بالاتصال بالعالم عبر الإنترنت.  كانت أنواع المال الرقمي الجديدة كالبيتكوين أحد الأشياء الأكثر إثارة للاهتمام التي وجدها على الويب، لكنه لم يكن يعرف كيفية «الاستفادة» من العملة الرقمية الجديدة بما يتجاوز التوفير. هذا تغير عندما وجد موقع شراء بطاقات الهدايا بيتريفل (Bitrefill).

من خلال هذه الخدمة عبر الإنترنت، بدأ في شحن هاتفه باستخدام البيتكوين. على المنصة، يمكن للكوبيين شراء قسائم الهاتف المحمول – إلى جانب أشياء أخرى مثل متجر التطبيقات وكوبونات الألعاب – مباشرةً باستخدام عملة البيتكوين التي يكسبونها أو يشترونها أو يتلقونها من الخارج عبر منصات مثل بيتريميساس. في حالة خورخي، سيخزن عملة البيتكوين الخاصة به على تطبيقات المحافظ مثل Muun أو Blue Wallet على هاتفه.  قال إن هذين التطبيقين هما المفضلان له: كلا التطبيقين مجانيان ومفتوحان المصدر ويمكّنان من استخدام شبكة البرق (Lightning) ومتاحان للكوبيين بتنسيقات اللغة الإسبانية مباشرة من متجر Google Play. من هناك، إنها مجرد خطوة واحدة لشراء الأشياء باستخدام بيتريفل (bitrefill).

من خلال المنصة، وجد بعض الكوبيين فرصًا للتفاهم مع نظام مالي ابتزازي. على سبيل المثال، من أجل جذب العملة الصعبة، ستوفر شركة الاتصالات الحكومية ETECSA أحيانًا ائتمانًا إضافيًا إذا قام أحدهم بتعبئة هاتفه المحمول باليورو أو الجنيه الإسترليني. العروض الترويجية جيدة لدرجة أن بعض الكوبيين يدفعون للوسطاء لتغذية هواتفهم من الخارج. ولكن يمكن للكوبي الجلوس في المنزل، وكسب أو شراء عملة البيتكوين، ثم إعادة شحن هاتف أي شخص من خدمة بيتريفل (Bitrefill)، وتحقيق ربح جيد.

قال خورخي إنه اليوم دخل في سوق غير رسمي لتوصيل الوجبات باستخدام البيتكوين. حيث يقدم طلبًا عبر خدمة الدفع بالند للند، ويظهر الطعام الجاهز على عتبة بابه. يدفع بعملة البيتكوين، وهي نسخة كوبية مشفرة من خدمة توصيل الطعام أوبر إيتس (Uber Eats).  قال إنه بين عمله وواجباته وغيرها من العناصر المختلفة، يشتري تقريبًا كل ما يحتاجه اليوم باستخدام البيتكوين. بالنسبة لخورخي، فإن العيش في اقتصاد البيتكوين ليس حلمًا في المستقبل، إنه في الوقت الحاضر.

قال خورخي إن استخدام البيتكوين بشكل شامل للعيش ليس واسع الانتشار، ويعترف بأنه أحد أوائل المستخدمين. لكنه قال، في كلتا الحالتين، من السهل جدًا عليه استبدال البيتكوين مقابل MLC أو البيزو وشراء ما يحتاج إليه.

عندما سئل عما إذا كانت عملة البيتكوين موضة، أو شيئًا قد يتوقف عن استخدامه في وقت ما، قال «لن أعود. لا يمكنني تخيل حياتي الآن بدون البيتكوين».

وأشار إلى الأصدقاء من الأطباء أو المحامين، الذين تم التهام مدخراتهم بسبب التضخم قبل العثور على البيتكوين، أو غيرهم من رواد الأعمال الذين يبنون حياتهم بأكملها حول البيتكوين في الوقت الحالي، تمامًا مثله.

عندما تحدثت إلى سبرادو (Sobrado)، الباحث في العملات الذي أفادني عمله كثيرا في هذا المقال، أخبرني عن عمل كان يديره في كوبا قبل الوباء. قام ببناء فريق يخدم، على سبيل المثال، سائقي سيارات الأجرة وأصحاب الشقق، ليسهل عليهم قبول المدفوعات الأجنبية.

ستسمح شركة سبرادو للأجانب بالدفع مقابل خدمة الاستقبال في مطار هافانا عبر الإنترنت. يحصل سبرادو على اليورو في حساب أجنبي، ثم يبيع هذا اليورو مقابل البيتكوين، ليرسلها إلى فريقه في كوبا في غضون دقائق، ويبيعها الفريق هناك مقابل البيزو التحويلي أو البيزو. يوزع الفريق بعد ذلك الأموال على السائقين.

قدمت شركة سبرادو خدمة مماثلة للكوبيين الذين يستعملون تطبيقات إيجار المساكن مثل (booking.com) أو (Airbnb)، التي لديها إذن خاص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية للعمل في الجزيرة.

«فلنقل إنك مالك شقّة، من قبل، كان عليك أوّلًا أن تحصل على رخصة مشروع تجاري، ثم أن تعلن عن تأجير بيتك على الإنترنت، ثم يأتي زائرك الأول. كيف يدفع زائرك لشركة Airbnb؟ بشركة تحويل أموال اسمها فا كوبا. من الجهة الكوبية، يعني هذا أن رجلًا ما سيأتي ويسأل عنك، ثم يعطيك ظرفًا فيه المال. هذا الرجل سيتأخر غالبًا، وسيكون المال محسوبًا بسعر المصرف المركزي. كان الأمر فاسدًا. أمّا الآن سندفع لك مباشرة باستعمال البيتكوين».

إن لم تكن عملة البيتكوين موجودة، قال سوبرادو، لم تكن هذه الشركات لتنجح.  كان عليه أن يرفع الأسعار بنسبة 5٪ على الأقل، وعندها ستختفي هوامش الربح.  قال سوبرادو إن أفضل الشهور من حيث إجمالي الإيرادات كانت أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020. وخلال الوباء، قال: “انتهى كل شيء”، لكنه مثال آخر على كيفية استخدام العقول المبدعة للبيتكوين لتحسين الحياة وصنع الأشياء أكثر كفاءة، وكسب المال حتى في حالة بوليسية كئيبة.

في كتابته عن تبني كوبا للإنترنت في عام 2017، قال المؤلف أنطونيو غارسيا مارتينيز (Antonio Garcia Martinez) إن كلمة مهمة يجب معرفتها هي الحلّة: «الكلمة تعني حل المشكلات حرفيًّا، ولكن المعنى الأدق هو مفهوم قرصنة الحياة Life Hacking  المشهور في وادي السليكون»

«هل تحتاج إلى تجاوز العقبات التي لا نهاية لها التي ينطوي عليها الحصول على ترخيص الأعمال التجارية الصغيرة؟  جِد حَلّة»، ويقول: «الكوبيون هم ملوك وملكات مصطلح الحلّة. إنه الشيء الوحيد الذي أبقاهم واقفين على أقدامهم منذ الفترة الخاصة».

ومع ذلك، كتب مارتينيز: «إن القوى المصطفة ضد قوى الحلّ واسع الحيلة تكمن في كلمة أخرى مهمة: أمر معقّد».

«هل تريد التحدث إلى الصحفيين المعارضين الذين يسخرون من الرقابة الكوبية ويتعرضون للمضايقة والسجن بشكل روتيني؟  أمر معقّد. هل ترغب في الحصول على جواز سفر وتأشيرة للسفر إلى الخارج؟ أمر معقد».

يقول خورخي إن البيتكوين تجسّد لمفهوم الحلّة، إنه حل بديل، وطريقة للالتفاف على التعقيد.

كما كتب مارتينيز، فإن الحلّة تتفوق «دائمًا تقريبًا» على التعقيدات، «خاصة عندما يكون هناك أموال حقيقية يمكن جنيها».

على الرغم من أن مارتينيز قد أدلى بهذه الملاحظة في أيام ما قبل بيتكوين في كوبا، إلا أنه لا يمكن أن يكون أكثر صحة اليوم، عندما يتحول المواطنون إلى البيتكوين بدلًا من البيزو بحثًا عن «أموال حقيقية».

أخبرني خورخي أن البيتكوين ليس حلاً سحريًا لجميع مشكلات كوبا، وأشار إلى أن الناس يواجهون أوقاتًا صعبة للغاية لأسباب متنوعة. يتطلع خورخي إلى تبني عملة البيتكوين الوطني في السلفادور، وقال إن الخدمات المستخدمة هناك مثل سترايك (Strike) الذي يربط البيتكوين بالنظام المصرفي المحلي غير متوفرة في كوبا، ومن المحتمل ألا تتوفر في المستقبل بسبب الحظر.

ولكن، كما قال جورجي، يتعلم الناس اليوم المزيد عن البيتكوين، ويتحمسون ويدخرون. بعد سنوات عديدة من سحب البساط من تحت أقدامهم من قبل الحكومة عبر استخدام أنظمة البيزو التحويلي وبطاقات ال MLC، اليوم، يقوم مستخدمو البيتكوين بسحب للبساط من تحت أقدام الحكومة من خلال مبادلة البيزو أو MLC مقابل البيتكوين، وهو شكل متفوق من النقود ارتفع بشكل كبير خلال العقد الماضي.  قال خورخي، ربما سيكون الناس هم من يضحكون أخيرا.

سألت خورخي عن العديد من النقاد الغربيين للبيتكوين، الذين قالوا إنها مخصصة للمجرمين فقط وليس لها أي قيمة اجتماعية.  ضحك في حالة من عدم التصديق. وقال إن حياة الكثير من الناس «تحسنت بشكل كبير» من خلال البيتكوين.

قال: «هذه التكنولوجيا تتخطى الحصار والقيود الحكومية، فهي تسمح لك بنقل القيمة دون الوثوق بأي شخص، وهي تربطك بالعالم، وتسمح لك بتمكين نفسك والقيام بأشياء مستحيلة من دونها». «لقد أوجدت الأمل للذين يريدون التغيير».

ثامنًا – كوبا جديدة قادمة

مثل الكثير من الأنظمة المغلقة الأخرى مثل كوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي، فإن التكنولوجيا والمعلومات الخارجية لها تأثير هائل على كوبا. لا توجد طريقة يمكن لحركة احتجاجية مثل 11 يوليو أن تتوسع على الصعيد الوطني دون أن يتمكن الناس من التنظيم والتواصل رقميًا بعضهم مع بعض.

عندما تحدثت إلى أنطونيو غارسيا مارتينيز مؤخرًا، أخبرني بأن «الإنترنت سوف يقضي على 62 عامًا من الشيوعية الكوبية».

في الجزيرة، قال: «الإنترنت آلة لتدمير إجماع للنخب، التي تعتمد على احتكار المعلومات».

قال: «إذا ظل الإنترنت قيد التشغيل، فإن الحكومة الكوبية ستسقط في النهاية».

ولكن بعد ما يقرب من 20 عامًا من الإصلاحات الاقتصادية، ونصف عقد من السكان المتصلين بالإنترنت، لا يزال الحزب الشيوعي الكوبي متمسكًا بالسلطة. حتى ظهور الإنترنت لم يكن كافياً لزعزعة قبضته. لقد نجحت طبيعته المحافظة العنيدة للأسف، وأبقته على قيد الحياة لعقود عديدة. في حين أن البيتكوين قد تكون طريقة جيدة للنظام لجمع أصعب عملة على وجه الأرض، فإن الديناصورات المسؤولين في السلطة قد لا يعتقدون أن هذا الأمر يستحق المخاطرة.

على الجانب الأمريكي، أمرت إدارة بايدن بـ«مراجعة» التحويلات المالية إلى كوبا، في محاولة لتحديد الطريقة الأفضل التي يمكن بها لأولئك الموجودين في الولايات المتحدة إرسال الأموال إلى عائلاتهم في الجزيرة دون دعم النظام. الجواب، بالطبع، هو البيتكوين، ولكن بالنظر إلى عداء أمينة الخزانة يلين للعملة الجديدة، فمن غير المرجح أن يكونوا مستعدين للاعتراف بذلك والبدء في تفعيله في سياستهم الخارجية.

أثناء التحدث إلى الكوبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية المضطربة، هناك شيء واحد واضح: عدد متزايد من الناس لن ينتظر حكومته لإلغاء بعض الإصلاحات الجديدة، أو أن تخفف إدارة بايدن عقوباتها. إنهم يتحكمون في مصيرهم المالي من خلال البيتكوين.

منذ أكثر من مائة عام، كتب الشاعر الكوبي العظيم خوسيه مارتي (José Marti) إن «الحقوق يجب أن تؤخذ، لا أن تُطلب. تُنتَزَع ولا يُتوسَّل من أجلها».  قد يكون هذا هو شعار حركة البيتكوين الجديدة في كوبا.

ربما تكون الاحتجاجات السياسية الحالية كافية لتظهر للعالم أن الكوبيين سئموا العيش في ظل الديكتاتورية، لكنها ليست كافية لإنهاء النظام. على مدى عقود، توقع الكثيرون سقوط كاسترو الاستبداد، لكن ثبت خطؤهم.

في غضون ذلك، سيستمر الكوبيون في الاحتجاج السلمي عن طريق إلغاء الاشتراك في نظام البيزو وبطاقات ال MLC الاستغلاليين، واستخدام البيتكوين. بعد ستة عقود من البؤس الاقتصادي، هناك أخيرًا مخرج.

سواء أكان ذلك من خلال أفراد مثل لوسيا في ماتانساس، من خلال تكديس الساتوشيات بهدوء كل يوم، أو من طريق إريك أو خورخي في هافانا، الذين يوصلان الابتكار وإدماج الجماهير، أصبحت البيتكوين الآن حركة كوبية تمامًا، وحلّة يبدو من غير المرجح أن توقَف.

Tagged : / / / / / /